Return to Article Details الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل

الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل

Arab Youth: Migration and the Future

هيئة التحرير | Editorial Board

الملخّص

يغطي هذا التقرير الخُلاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع "الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل"، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي عقده المركز بين 18 و20 آذار/ مارس 2017 في الدوحة بمشاركة 65 باحثًا وباحثة متخصصين.

الكلمات المفتاحية:
  • هجرة الشباب العربي
  • المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
  • مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية

يغطي هذا التقرير الخلُاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع «الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل»، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي عقده المركز بين 18 و 20 آذار/مارس 2017 في الدوحة بمشاركة 65 باحثًا وباحثة متخصصين.

مقدمة

يغطي هذا التقرير الخلُاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع «الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل»، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي عقده المركز بين 18 و 20 آذار/مارس 2017 في الدوحة بمشاركة 65 باحثًا وباحثة متخصصين. واختار المركز هذا الموضوع في محور العلوم الاجتماعية لمؤتمره السنوي، وكذلك للجائزة السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، نظرًا إلى أهميته وما تثيره مسألة هجرة الشباب العربي الدولية من أسئلة وقضايا تنموية واجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة، إضافة إلى كون الهجرة أصبحت تشكل حاليًا ومستقبلً أحد الرهانات الأساسية في العلاقات الدولية. طرح المركز هذا الموضوع في ضوء منهجه في تحديد موضوعات المؤتمرات السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية على أساس نتائج بحث واستطلاع لفرقه البحثية النوعية المختلفة، وهي تضم باحثين مقيمين ومتعاونين متعددي التخصصات. ويأتي في مقدمة هذه الفرق في المركز فريق استطلاع الرأي العام العربي (المؤشر العربي) الذي تجري استطلاعاته سنويًا منذ عام 2011، وأصدر نتائجه للعام المنصرم 2016. ويقدم المؤشر العربي مساهمة إضافية موثوقةً علميًا ومحدّثة في موضوعه، من شأنها أن تكون قاعدة معلوماتية ثرية تعتمدها الدراسات العربية، وكذا واضعو السياسات ومتخذو القرارات لفهم هذه الظاهرة واستمراريتها. اهتم المركز، ولا سيما في ضوء نتائج عمل فريقه الاستطلاعي للرأي العام، بموضوع الهجرة، وفتح المؤتمر السادس أمام الباحثين العرب المعنيين بدراسة تلك الظاهرة. واستقبل في هذا السياق 155 مقترحًا بحثيًا، واستلم 47 بحثًا أقرّ منها 31 بحثًا بعد تحكيمها. تعبّر هذه البحوث عن مستوى أساسي من التفكير العلمي العربي بشأن هذه الظاهرة، وذلك على مستوى معالجاتها الجديدة لهذا الموضوع أو إضافاتها البحثية، بوصفها تمثل أحدث الدراسات العلمية المنجزة. وطرح المركز هذا الموضوع من زاوية رؤيته الاستراتيجية لتطوير البحث العلمي العربي في العلوم الاجتماعية، وربطه بالقضايا الأساسية التي تواجهها المجتمعات العربية. ووضع في إطار هذه النظرة إشكاليات الهجرة والتنمية في البلدان العربية؛ إذ أبرزت النسبة المرتفعة للشباب ممن يرغب في الهجرة من بلده إشكاليات التنمية وتحدياتها، وعجز النماذج والبرامج والسياسات التنموية السائدة التي اتبعتها الحكومات ودوائر صنع القرار والسياسات عن استيعاب الشباب وإدماجهم في عملية التنمية. ويكشف هذا العجز عمّا هو أبعد من مسألة مشكلات فرعية أو قطاعية في تلك النماذج والسياسات إلى مسألة الأنموذج الحوكمي - السياسي التسلطي العربي الذي تعتمده تلك السياسات، ويرفع من مستويات التهميش الاجتماعي والسياسي وهدر الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمواطنين العرب.

الهجرة الاحتمالية

أظهرت نتائج «المؤشر العربي» لعام 2016 المرتبطة بهذا الموضوع أن اتّجاهات الرأي العام العربي، بغض النظر عن فئاته العمرية، لا تبرز تغييرًا في نسب الذين يرغبون في الهجرة الدائمة من بلدانهم. فإذا كانت نسبة الذين يرغبون/ينوون الهجرة الدائمة قد انخفضت على نحوٍ طفيف من 24 في المئة في المئة في عام 2011، إلى 22 في المئة في الأعوام 2012 و 2013 و 2014، فإنها ارتفعت قليلً في عام 2015 إلى 23 في المئة، لترتفع مجددًا في أحدث استطلاع للمؤشر العربي في عام 2016 إلى 25 في المئة؛ وهو تغيّر محدود وغير جوهري من الناحية الإحصائيّة في الأعوام الخمسة الماضية، لكنه يشير من ناحية دلالته الاجتماعية إلى أن وتيرة الرغبة في الهجرة لا تزال مستمرة، ومرشحة للزيادة في حالة استمرار الاتجاهات التي تحكم عملية الهجرة؛ بعبارة أخرى، باتت الهجرة في عدد من البلدان العربية ظاهرة مجتمعية. تعدّ نسبة 25 في المئة من إجمالي المواطنين الذين شملهم الاستطلاع الأخير للمؤشر العربي مرتفعة في حد ذاتها، غير أنها ترتفع في حال إعادة بنائها على أساس الفئة العمرية الشابة، وتزداد طرديًا مع توسيع التعريف الإجرائي المعتمد لتلك الفئة من الناحية العمرية. إن ما لا شك فيه أن لفئة الشباب تعريفات عمرية عدة؛ بين التعريف الدولي للأمم المتحدة (24-15 عامًا) وتعريف البنك الدولي (25-15 عامًا)، وبعض التعريفات الأخرى التي تحددها ب 35-15 عامًا، وربما تصل بها إلى حد 39 عامًا في بعض التعريفات. وتسمح نتائج المؤشر العربي للأعوام السابقة (2016-2011) بالبناء الكمي لهذه النتائج، وفق التعريف الإجرائي الذي يعتمده الباحثون لفئة الشباب. ويبين تحليل نتائج المؤشر العربي في هذا المجال أنه مهما اختلفت التعريفات الإجرائية لفئة الشباب العمرية، فإن النسبة تبقى مرتفعة، وتصل إلى أعلى مستوياتها في حال توسيع هذا المفهوم كما اعتمده المؤشر العربي ليشمل الفئة العمرية (35-18 عامًا)؛ إذ تصل نسبة من يرغبون في الهجرة الدائمة وفق هذه التركيبة العمرية إلى نحو 35 في المئة. تعد نتائج المؤشر العربي الميدانية لعام 2016 متقاربة نسبيًا مع مثيلاتها من نتائج استطلاعات بحوث ميدانية تتعلق بهجرة الشباب، فيما لو أخذنا تعريف فئة الشباب العمرية في الحسبان، وإن كانت هذه النتائج تبرز تقديرات أعلى نسبيًا من تقديرات تلك الاستطلاعات، وتدفع إلى مزيد من الأسئلة بشأن نماذج السياسة والتنمية السائدة في البلدان العربية، وتقرع جرس الإنذار أمام واضعي السياسات العمومية والخطط والبرامج التنموية ومتخذي القرارات تجاه تطور الهجرة الاحتمالية بصفتها نوعًا من الثقافة المجتمعية للشباب العربي. بلغت نسبة الشباب في الفئة العمرية (29-15 عامًا) ضمن الراغبين في الهجرة بصفة دائمة إلى دولة أخرى 20 في المئة في عام 2015. لكنها ارتفعت وفق تقرير منظمة العمل الدولية في عام 2016 في الدول العربية من 21 في المئة في عام 2009 إلى 28 في المئة في عام 2015. وتتقاطع نتائج المؤشر العربي مع عدد من تقديرات هذه المنظمة، وكذا البحوث الميدانية التي أنتجها عدد من البحوث

والدراسات، ولا سيما المؤسسية منها التي تعنى بمسألة الهجرة. لكنّها تظهر نسبة مرتفعة نسبيًا لعام 2016، وهي 35 في المئة لمن هم في الفئة العمرية الشابة (35-18 عامًا)، ممن يرغبون في الهجرة. ولا شك في أن هذه النسبة سترتفع ارتفاعًا مفرطًا فيما لو أدرجت في الاستطلاع البلدان التي تشهد نزاعاتُ أهلية طويلة أو حادة مثل سورية واليمن وليبيا وغيرها، واستُبعدت كون فئاتها المهاجرة في الأوضاع الحالية تتعلق بحالات اللجوء لا الهجرة.

الهجرة الشبابية العربية في مرحلة الانتقال الديموغرافي

كان من أبرز ما شخّصه المؤتمر أن الهجرات الدولية أظهرت جملة من التحولات الكمية والنوعية، كما غيرت من تركيبة المهاجرين وخصائصهم. وحدّد بعض بحوثه التحول الرئيس للهجرات العربية في هذا السياق في الارتفاع غير المسبوق لأعداد من غادروا البلدان العربية. فما بين عامي 2000 و 2014، غادر نحو خمسة ملايين مواطن عربي أوطانهم (لا تشمل هذه الأرقام اللاجئين)، أي بمعدل 350 ألف شخص سنويًّا ليستقروا في بلدان وأقاليم مختلفة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يمثلون نحو 6.4 في المئة من إجمالي من غادروا بلدانهم الأصلية في العالم في المرحلة الزمنية نفسها. على مستوى الحجم، يقدّر التقرير الأخير للإسكوا ومناقشاته، الذي اعتمد على البيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، عدد المهاجرين من البلدان العربية في عام 2013 ب 21.974.881 شخصًا، ما يناهز ضعف العدد المسجل في عام 1990، أي 12.091.398 شخصًا. ومثّل المهاجرون 5.9 في المئة من سكان المنطقة في عام 2013 في مقابل 5.3 في المئة في عام.1990 وعلى الرغم من أن البيانات الدولية المتخصصة لتلك المرحلة لا تميز بين الشرائح العمرية، فإن هذه التدفقات تتشكل أساسًا من الشباب الذين تمثّل فئتهم العمرية (29-15 عامًا) نحو 30 في المئة من إجمالي عدد السكان في المنطقة العربية، ما يقارب 105 ملايين شخص. في الوقت الذي أشارت فيه بحوث قُدمت إلى المؤتمر في هذا المحور إلى ظاهرة تعدد الأنماط الديموغرافية - الاجتماعية في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة لا تنفرد بها هذه المجتمعات، فإنها ركزت على النمط الجديد، ويطلق عليه اسم نمط «الانتقال الديموغرافي» (النافذة الديموغرافية)؛ ويتمثّل بارتفاع العدد المطلق للشباب في التركيبة العمرية السكانية. إن العدد المرتفع للشباب هو من أبرز محددات المرحلة الديموغرافية الاجتماعية التي تمر بها المجتمعات العربية، حتى لو جرى الاقتصار على التعريف الدولي التقليدي للأمم المتحدة للشباب الذي يحصره في الفئة العمرية (24-15 عامًا)؛ إذ أظهر المؤتمر أن هذه الفئة الشابة التي يرتبط بسنها الحساسة تكوين الاتجاهات والقيم الأساسية للمنتمين عمريًا إليها، تمثّل وحدها منذ منتصف القرن الماضي نحو خُمس إجمالي سكان المنطقة. وبالإجمال، تضاعف عدد الشباب أكثر من خمسة

أضعاف بين عامي 1950 و 2005 ليبلغ 68 مليونًا في عام 2005، بعد أن كان عددهم يناهز 14 مليونًا في عام.1950 توقع أحد البحوث المقدمة إلى المؤتمر إزاء النمو العام المرتقب لسكان المنطقة في العقود المقبلة أن يستمر عدد الشباب في الارتفاع بالنسبة إلى إجمالي سكان المنطقة؛ إذ إن عدد الشباب في المنطقة العربية في عام 2040 سيبلغ نحو 88 مليونًا، أي بزيادة 20 مليونًا عما كان عليه في عام 2005؛ الأمر الذي يجعل المنطقة أمام تحديات تنموية كبرى، ولا سيما تلك المتعلقة بإيجاد فرص عمل جديدة؛ ذلك أن المنطقة تحتاج إلى أكثر من مليوني فرصة عمل سنويًا حتى عام 2020، ومواصلة امتصاص الصور المختلفة للبطالة. أظهرت بحوث المؤتمر ومناقشاته بشأن هذه الإشكالية أن بلدانًا عربية عدة دخلت في مرحلة الانتقال الديموغرافي، وهي المرحلة التي يطلق عليها السكانيون «النافذة الديموغرافية»، وتتميز بتراجع حجم الفئات الطفلية (ما دون الخامسة عشرة) مع نمو طفيف للفئات المسنة (+65 عامًا)، في مقابل زيادة عدد السكان في سن قوة العمل. وإذا كان الحجم المطلق للزيادة السكانية مستمرًا في التصاعد بتأثير ما يعرف بالزخم السكاني، فإن الزيادة الأكبر هي في الفئة العمرية التي في سن العمل، ولا سيما في فئة الشباب العمرية بالتعريف الإجرائي الواسع (35-15 عامًا). ولا يزال الزخم السكاني يعمل من خلال نسب الخصوبة الكلية التي لما تزل مرتفعة على الرغم من انخفاضها القياسي في العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ وصل مؤشر الخصوبة في مصر في عام 2015 إلى 2.83، والأردن 3.17، والسودان 3.79، وموريتانيا 4.00، والمغرب 2.13، وسورية 2.60، والعراق.4.12 وهذا الواقع يُحدث ضغطًا في سوق العمل يدفع بالشباب تجاه تعثرات عملية التنمية، وقصور الطلب الاقتصادي، إلى الهجرة غير القانونية. يفتح الانتقال الديموغرافي الذي تشهده المجتمعات العربية آفاقًا تاريخية كبرى للاستفادة التنموية المستدامة من ذلك العرض الديموغرافي، وهو ما يطلق عليه اليوم في أدبيات السكان والتنمية مصطلح «الهبة الديموغرافية»، وعموده الفقري هو الشباب. وتشير الدراسات القياسية لدول شرقي آسيا إلى أن التغيرات السكانية ممثلةً بارتفاع نمو السكان في سن العمل ساهمت بنسبة 40 في المئة من النمو الاقتصادي بين عامي 1970 و 1990 في هذه الدول، بل يذهب بعضها إلى حد تقدير أن بين 50 و 70 في المئة من هذا النمو قد تحقق بفضل هذه التغيرات المواتية، وارتفع فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6 في المئة سنويًا، وانخفضت فيها نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم إلى 37 في المئة. لكن هذه الفرصة التنموية التي يتيحها ازدياد فئة الشباب مرهون باعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تنطلق من إحداث عملية تنموية مستدامة تؤمن شروط الأمن الإنساني بأبعاده المتكاملة، ذلك أن هشاشة الأمن الإنساني تمثل أحد أبرز مفاعيل رفع وتيرة الهجرة عمومًا وهجرة الشباب خصوصًا، ويمثل غياب هذه السياسات هدرًا تاريخيًا لتلك الإمكانية؛ لأن النافذة الديموغرافية إذا لم يُحسن استثمارها في عملية التنمية البشرية المستدامة، ستصل إلى مرحلة انغلاق، وتهدر معها فرصة التنمية الاحتمالية.

لا بد للبحث في العلاقة بين النظم والسياسات التنموية - الاقتصادية من جهة، والهجرة من جهة أخرى، من أن يبرز في هذا المحور. وهذا ما أشارت إليه مداخلات المؤتمر التي بحثت في قضية العلاقة بين الأنماط الاقتصادية والهجرة على المستويين النوعي والقياسي الضيق بالمعنى العلمي. وقُدّمت إلى المؤتمر في هذا المحور - الذي يعدّ من أكبر محاوره - دراسات تطبيقية ميدانية حديثة انصبت على تجارب في بلدان المغرب العربي، أو حتى في التجمعات المغاربية المهاجرة في خارج المغرب. ينشأ التوتر بين العرض الديموغرافي المتمثل بزيادة حجم فئة الشباب وعملية التنمية في عدم تلبية تلك العملية لحاجات هذا العدد الكبير من الشباب؛ ليس على مستوى التشغيل فحسب، بل على مستوى الحاجات المواطنية للشباب العربي أيضًا، في ظل هيمنة النظم التسلطية السياسية على عملية التنمية، وتقليص ما هو أساسي وجوهري فيها، وهو الفرص والخيارات؛ أي التمكين من الحرية. ومن هنا، لم يكن مفارقة أن تندمج الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع الحقوق المواطنية السياسية في عمليات التغير الاجتماعي الحادة التي شهدها أكثر من بلد عربي في بدايات اندلاع حركات الاحتجاج والثورات العربية (2011) قبل تمريغها بالدم والانقلابات والاقتتالات الأهلية، ولا تزال هذه المرحلة مستمرة بكل تعقيداتها وتمثّل مرحلة انتقالية في التاريخ الحديث لهذه المجتمعات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، فإن التوتر بين زيادة العرض الديموغرافي لقوة الشباب في هذه المجتمعات وإخفاقات السياسات التنموية السياسية السائدة في توفير فرص العمل وإطلاق عملية تنموية مستدامة سيبقى حافلً بالتوترات والمفاجآت، ما لم يترافق الانتقال الديموغرافي مع انتقال ديمقراطي مؤسسي قائم على فهم التنمية بصفتها خيارات وفرصًا؛ أي حرية يمتلك فيها الشباب العربي نفسه، ويكون صوته مسموعًا. فالشروط التي حكمت اندلاع حركات الاحتجاج والثورات، والتي كانت في معظمها نتاج إخفاق الانتقال المؤسسي الإصلاحي، لا تزال مستمرة. وتُعدّ الهجرة الفعلية والهجرة الاحتمالية في آن من أبرز نتائج هذا التوتر. أكّد أكثر من بحث في المؤتمر ما لحظته نتائج المؤشر العربي من ارتفاعٍ في نسبة هجرة الشباب الاحتمالية في بعض البلدان العربية. كما طرح المؤتمر للنقاش مسألة العلاقة بين ارتفاع هذه النسبة في مصر والانقلاب العسكري الأخير وما تلاه، وحدود الدور الذي كان لهذا المتغير في ارتفاع نسبة الذين يفكرون في الهجرة، إضافة إلى العوامل المعروفة. كانت نتائج المؤشر العربي لعام 2016 قد أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في مصر؛ ذلك أن نسبة الذين يرغبون في الهجرة أصبحت 21 في المئة في عام 2016 مقارنة مع 15 في المئة في عام 2015، وكانت هذه النسبة لا تتجاوز 8 في المئة في عام 2011 بناء على أنها سنة الأساس بالنسبة إلى المؤشر. وبيّنت بحوث المؤتمر بأسلوب تحليلي كمي ونوعي أن مصر لم تدخل نادي مصدِّري الهجرة غير الشرعية (غير القانونية) إلى جانب كل من ليبيا والمغرب وغيرهما فحسب، بل غدت أحد معابر الهجرة أيضًا. أولت بحوث المؤتمر أهمية خاصة إلى الحالة «المصرية المميّزة» التي تطرح أمام الباحثين التنمويين المعنيين بتحليل العلاقة بين الهجرة والتنمية بمعناها البنيوي الحقيقي، وفي جوهرها

التنمية المؤسسية الديمقراطية التي تنقل المجتمع إلى الديمقراطية، مسألة العلاقة الحقيقية بين الانتقال الديموغرافي في كثير من البلدان العربية والانتقال السياسي المؤسسي الديمقراطي أو الانتقال المؤسسي الإصلاحي الجدي الذي يضع البلاد أمام حالة تطور ديمقراطي. وتثير بحوث هذا المحور المهمة في موضوع الهجرة إشكالية العلاقة بين دالة الهجرة بوصفها ناتجة من ضعف الاقتصادات العربية في تشغيل الشباب وتلبية حقوقهم الاجتماعية والمواطنية ودالة الانتقال السياسي المؤسسي الإصلاحي الديمقراطي التي غدت بالنسبة إلى الشباب العربي «طبيعية»، وليست مسألة مؤجلة أو خاضعة لترتيب الأولويات؛ فالمسألة تتمثّل باستيعاب هذا الارتفاع في نسبة الشباب في التركيبة العمرية ببناء قدراته وإحداث عملية تنموية حقيقية تستثمر طاقاته، وتعطيه صوتًا مسموعًا في الفضاء العام، وتستجيب لتطلعاته التي ما عادت محصورة في التشغيل فحسب، بل تمتزج بالتطلع إلى الحقوق المواطنية أيضًا.

هجرة المرأة العربية

تمثّل النساء منذ بدايات القرن الحادي والعشرين ما يناهز نصف عدد المهاجرين في العالم (49.6 في المئة)؛ أي ما يقارب 94.5 مليون مهاجرة بحسب تقرير «صندوق الأمم المتحدة للسكّان» لعام 2005، ومعظمهن غير مسجلات في بلدان الاستقبال ويعملن في مجال التمريض والترفيه والخدمات. ودفعت هذه الظاهرة بالباحثين في سوسيولوجيا الهجرة إلى الحديث عن ظاهرة تأنيث عالمي للهجرة الدولية وتحوّل صامت في خصائصها. اهتم المؤتمر بدراسة هجرة الفتاة العربية، وأبرز بعض بحوثه تغير الصورة التقليدية المرتبطة نمطيًا بأنموذج الشاب المهاجر إلى صورة الفتاة المهاجرة. ومن الناحية الوصفية، توقفت هذه البحوث عند تصنيف بعض تقارير الأمم المتحدة لتوزع المهاجرين من البلدان العربية بين 57.3 في المئة من الذكور و 42.7 في المئة من الإناث، وهي نسبة أدنى من متوسط نسبة هجرة النساء في العالم، لكنها تعبّر في بعض مستوياتها عن تغير كبير في نظام القيم السائد في المجتمعات العربية، ولا سيما حين ترتبط بظاهرة هجرة الفتاة غير المتزوجة. تبرز المرأة العربيّة الشابة بدورها متغيّرًا مستجدًا بدا أكثر بروزًا من ذي قبل في أصناف الهجرة من البلاد العربية مشرقًا ومغربًا. لكن ظاهرة هجرة النساء تبقى مع ذلك رقمًا شبه غائب عن مساحات البحث والدرس. وتكاد المكتبة العربية تخلو من دراسات معمّقة تستهدف التناول العلمي لظاهرة هجرة النساء من بلادنا العربيّة. ومن المؤكّد أن نسق البحث العربي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يزال يجهل كثيرًا عن تلك التجارب والممارسات والدوافع والمسببات القائمة وراء ظاهرة الهجرة النسائية باستثناء الفهم النمطي لما هو ظاهر منها أو متوقع بشأنها، والذي يرتبط بمفهوم الدراسة التي تتحول إلى هجرة أو زواج. إن أحدث التقارير الصادرة عن جامعة الدول العربية بعنوان «التقرير الإقليمي للهجرة الدولية العربية: الهجرة الدولية والتنمية 2014» لم يتعرض للهجرة غير المشروعة للنساء، سوى بالإشارة إليها بصفة محدودة جدًا؛ وإذ يعتني بعض البحوث بالمرأة المهاجرة من بعض دول العالم

إلى دول المنطقة العربية، فإنه يهمل ظاهرة هجرة المرأة العربية إلى الدول الأخرى، وكأن المرأة العربية لا تهاجر إلا بصفة زوجة أو لطلب العلم. رصدت بحوث المؤتمر معالم بروز موقف «متسامح» جديد تجاه هجرة المرأة في كل من المجتمع اللبناني والمجتمع المغربي. ووفق نتائج البحث في الحالة اللبنانية، رصدت البحوث والمناقشات ليونة موقف الأهل والمجتمع ومرونته عمومًا من هجرة الفتاة اللبنانية في عمر متدنٍ «نسبيًا»؛ ما جعله أمرًا لافتًا. كما رصد بحث آخر بالنسبة إلى حالة المغرب، تشكل مواقف مجتمعية مثمنة لهجرة الإناث، حتى اللواتي يهاجرن خارج إطار التجمع الأسري، واستنتج البحث أن هذا يفسر التطور الذي عرفته الهجرة النسوية في المغرب ابتداءً من أواسط الثمانينيات. أظهرت بحوث هذا المحور أن الدول العربية، مشرقية كانت أم مغاربية، لم تنأ عن المنحى العالمي الجديد لهجرة النساء الدولية، لتكثف ظاهرة هجرة النساء في الأعوام الأخيرة في نمط الهجرة العربية الشبابية؛ إذ يسجّل الأردن ولبنان على سبيل المثال معدلّات هجرة نسائية مرتفعة. وبحسب قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة جاوزت معدلات هجرة النساء في لبنان معدلات هجرة الرجال في عام 2005. وبلغت الهجرة في أوساط اللبنانيات نحو 11 في المئة (378 ألف امرأة مهاجرة) من مجمل عدد السكان في مقابل 8 في المئة في أوساط الرجال. أما في الأردن فتساوت معدلّات الهجرة بين الذكور والإناث تقريبًا (19.99 في المئة من مجمل السكان بالنسبة إلى الذكور و 19.15 في المئة بالنسبة إلى الإناث). أما الأرقام الكلية لهجرة المرأة العربية الدولية فتشير عمومًا - لكن من دون تمييز بين المرأة المنفردة التي تهاجر من دون روابط أسرية أو زواجية والمرأة المتزوجة - إلى تربع المرأة المغاربية على رأس القائمة على المستوى الإقليمي، بينما تبلغ حدها الأدنى في مجموعة دول الخليج العربي. بينت بحوث هذا المحور ومناقشاته الاتجاهات الجديدة المسكوت عنها أو غير المدروسة في هجرة الفتاة العربية الشابة، ومنها الهجرة غير الشرعية، وبروز ظاهرة هجرة النساء العربيات إلى بعض الدول العربية التي يمر بنزاعات مسلحة شديدة أو باقتتالات وتمزقات أهلية، وكذلك بروز ظاهرة هجرة النساء من تلك الدول الفاشلة عبر «قوارب الموت»، ونشوء مشكلة الأطفال القصر مع بعض النساء المتزوجات المهاجرات. وفي ذلك اعتمد بعض بحوث هذا المحور مفهومًا مرنًا للهجرة يشمل المهاجرين بهدف اللجوء بوسائل وصول غير شرعية أو غير نظامية إلى «الجنة الموعودة» للتعويض عن فقدان الأمن الإنساني.

هجرة الكفاءات

تمثل أحد أبرز محاور اهتمام المؤتمر بهجرة الكفاءات العربية التي تميزت بتحقيقها مستويات عليا ماهرة من قدرات رأس المال البشري، وصولً إلى أعلاها المتمثل برأس المال المعرفي، وهو الذي يمثّل القوة الحقيقية في ما يطلق عليه الاقتصاديون الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP). وجرى تحليل هذه الإشكالية في كثير من البحوث والمقالات النظرية والمسوحات التطبيقية، وفي الدراسات

السياساتية المتعلقة بأشكال استعادة الكفاءات بأساليب وبرامج جديدة، وبطريقة تدفع إلى الاعتقاد أن هذا الموضوع كان الفرع الموضوعاتي الأكثر جدية، ليس لدى الباحثين فحسب، بل لدى واضعي السياسات أيضًا. لكنه لا يزال مفتوحًا للبحث انطلاقًا مما تراكم في مجاله، لتدقيقه من جهة، ولتأكيده في مرحلة إخفاق السياسات التنموية في استعادة الكفاءات المهاجرة. لا تزال الهجرة الاحتمالية لخريجي التعليم العالي في معظم البلدان العربية تمثّل أكثر من نصف الشريحة التي ترغب في الهجرة الدائمة، كما أن الهجرة الفعلية لأصحاب الكفاءات لا تزال مستمرة في التصاعد، ولا سيما في دول المغرب العربي، حيث أبرز بعض بحوث المؤتمر أن نسبة المغاربيين، ولا سيما الجزائريين من ذوي الكفاءات الجامعية، ارتفعت من 9.2 في المئة في عام 1990، إلى 17.6 في المئة في عام 2000، ثم إلى 22.3 في المئة في عام 2010، وأن هجرة الكفاءات من المغرب العربي بلغت نحو 52 في المئة من هجرة الكفاءات العربية. وتستحوذ أوروبا على نحو 86 في المئة منها، في مقابل 6 في المئة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، و 8 في المئة في أفريقيا وأميركا الشمالية بنسبة 4 في المئة لكل منهما. تجدر الإشارة إلى أن وتيرة هجرة كفاءات رأس المال البشري والمعرفي العربي لا تزال مستمرة. وأبرزت بحوث المؤتمر في هذا المجال أن وتيرة هجرة هذه الكفاءات أو عدم عودتها إلى وطنها ترتفع مع ارتفاع مستواها العلمي. وهذه نتيجة محبطة تشير إلى العوامل الطاردة لتلك الكفاءات في المجتمعات الوطنية للدول العربية؛ ذلك أن نسبة المهاجرين من تلك الكفاءات فاقت دائمًا نسبة العائدين، وتختلف مستويات الطرد كميًا لكنها لا تختلف نوعيًا. ويبدو أن شروط الطرد مفهومة جدًا حتى من باب تقني يتعلق بمدى قابلية الاقتصادات القُطرية أو الوطنية الصغيرة والضعيفة لاستيعاب تلك الكفاءات، وليس من قبيل مدى تقديرها الوطني التنموي بالضرورة؛ وهذه مشكلة موضوعية أبرزتها بحوث المؤتمر في هذا المحور. من هنا، اختار المؤتمر دراسة سياسات استعادة تلك الكفاءات بأسلوب منمذج من خلال دراسة الحالة الجزائرية، وهي تعبّر عن حالة عربية. وما هدف إليه المؤتمر هو تأكيد تحليل السياسات العامة في هذا المجال ونتائجها المحبطة. وفي جوهر رسالة هذا التقرير الخلاصي، سيكون من المستحيل على البلدان العربية تحقيق عملية نمو مستدامة في البلدان العربية من دون استيعاب هذا الجانب الحيوي الابتكاري في عملية التنمية؛ بالنظر إلى مركزيته في ما يسميه الاقتصاديون الإنتاجية الكلية لمجمل عوامل الإنتاج التي يرتكز عليها الاقتصاديون عادة عند المحاسبة على مصادر النمو الاقتصادي، وتبين إذا كان هذا النمو قد حصل توسعيًا عبر مدخلات الإنتاج الكمية التوسعية أو نوعيًا عبر إنتاجية مجمل عوامله التي تمثّل المصدر النوعي للنمو الاقتصادي - التنموي.

السياسة الأوروبية للهجرة

تعدّ دول الاتحاد الأوروبي إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون العرب وأهمها. وعالج عدد من البحوث قضايا الهجرة العربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، مثل موضوع الجيل الثالث من

المهاجرين في بلجيكا، وقضايا الاندماج، والهجرة الطلابية إلى الغرب، وموضوعات أخرى ذات الصلة. أخذت هذه الهجرة تكتسب سمات «الهجرة غير الشرعية»، بعد اعتماد الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية تقنينية ابتداء من أواسط الثمانينات، وهو ما يطلق عليه في المغرب العربي «الحريك»؛ وهو مصطلح مزدوج المعنى يعني تحدي المحظور وإحراق أوراق الهوية. وأصبح هذا المصطلح مألوفًا في الثقافة الشعبية وتبوأ مكانة متميزة في تحليل ظاهرة الهجرة. وأبرزت جملة من البحوث أن نحو ثلث المستجيبين في العيّنة التي شملها بعض تلك المسوحات أعلن عزمه على اللجوء إلى الهجرة غير القانونية للوصول إلى دول الاستقبال الأوروبية، بوساطة شبكات المهربين عبر البحر. أخذت ظاهرة الهجرة غير الشرعية تتعدى حدود بلدان المغرب العربي إلى دول المشرق العربي، واحتلت مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين عن طريق البحر إلى إيطاليا بين عامي 2012 و 2015. وفي عام 2014، احتلت الترتيب الحادي عشر بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب العاشر بالنسبة إلى مالطا. وتعدّ إيطاليا ومالطا واليونان معابر أساسية للهجرة غير القانونية من المشرق العربي إلى أوروبا إلى جانب معابر أخرى. على الرغم من أن الدول الأوروبية الموقعة اتفاقية شينغن دخلت حيّز التنفيذ في تموز/يوليو 1990، فإن عددًا من الدول منها كان قد اتخذ - قبل تدفقات الهجرة الجديدة الكبيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بين عامي 2014 و 2015 بصفة منفردة - سياسات تقييدية قانونية ورقابية وتنظيمية صارمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية والتشغيل السري. لكن السياسات الأوروبية بقيت بعد التدفقات الهجروية الجديدة تفتقد إلى التوحيد، وبقيت تواجه إكراهات وتناقضات عدة وتطغى عليها الخلافات بين الشركاء الأوروبيين؛ برز ذلك على الخصوص في رفض بعض الدول حل تقسيم المهاجرين غير الشرعيين بين دول الاتحاد ولجوء هؤلاء إلى حلول قمعية في مواجهة هذه التدفقات. كما ارتفعت نفقات إجراءات سياسة مكافحة الهجرة غير الشرعية؛ فدول الاتحاد الأوروبي أنفقت 3.11 مليارات دولار ابتداءً من عام 2000 كتكلفة لطرد المهاجرين غير الشرعيين، و 6.1 مليارات يورو لحماية حدود أوروبا وتمويل المؤسسات المختلفة (فرونطيكس (Frontex): نظام المعلومات شينغن وغيرها)، والعمليات (تعبئة قوات الأمن، والنظام المندمج للمراقبة الخارجية وغير ذلك.)

من سياسة هجرة أوروبية للعالم العربي إلى سياسة مع العالم العربي

تُعدّ الهجرة محورًا أساسيًا في العلاقات الأورومتوسطية. وتمتلك دول الاتحاد الأوروبي وكل دولة أوروبية على حدة سياسات منظومية للهجرة، ولا سيما في دول حوض البحر الأبيض المتوسط. غير

أن هذه السياسات تتميز بأحاديتها، وبعدها عن الشراكة الحقيقية مع بلدان الوطن العربي المصدرة للهجرة، وبتحكم المصالح الأوروبية الأمنية - السياسية فيها أكثر من المصالح الاقتصادية. وتذهب النظريات الإيجابية للهجرة إلى أن الهجرة من البلدان العربية تصب في حصيلتها الإجمالية في مصلحة اقتصاديات الدول الأوروبية، وتوفير اليد العاملة بسبب «تشيخ» هذه المجتمعات، وشغل الوظائف «الشاغرة» التي يرفضها الأوروبيون. ويمكن الهجرة أن تساهم في تقليص العجز الديموغرافي في دول الاتحاد الأوروبي، بسبب انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.58، أي أقل من معدل الإحلال وهو 2.1؛ فالأشخاص الذين يخسرهم الاتحاد الأوروبي بسبب استمرار تراجع معدل الخصوبة لا يمكن تعويضهم إلا بمهاجرين جدد. دعت بحوث المؤتمر إلى إعادة النظر في نظام الهجرة الأوروبي، لتحويله إلى نظام تشاركي مع الدول العربية المصدرة للهجرة يحمي مصالح كلا الشريكين وذلك باعتماده منهجية الحوار. ويقتضي ذلك تجاوز التناقض بين الحاجة الملحة إلى الهجرة بالنسبة إلى قطاعات اقتصادية عدة في دول الاتحاد الأوروبي والتناقضات التي تعرفها سياسة الهجرة الأوروبية في هذا المجال منذ اتفاقية شينغن؛ أي تجاوز التناقض بين الطلب الاقتصادي والرفض القانوني، واعتماد سياسة أوروبية تربوية إقناعية بفوائد الهجرة إلى أوروبا وقيمتها وحاجة أوروبا الماسة إليها في ضوء تشيخها السكاني. من أجل تبني تصور موضوعي للهجرة، يجب إعادة النظر في الخطاب السياسي وفي الخطاب الإعلامي اللذين يعالجان الهجرة عمومًا بصورة سلبية (الهجرة غير الشرعية، ومشكلات الاندماج، والإرهاب والجريمة، والمخدرات...إلخ). ومن المؤسف أن تركز الدراسات والتقارير على هذا الجانب السلبي، محاولة إبراز تكلفة الهجرة، بينما تبقى البحوث التي تتناول الجوانب الإيجابية للهجرة قليلة. أما على المستوى الجيوستراتيجي، فلا يمكن أوروبا أن تستمر في ازدهارها مع إدارة ظهرها لجيرانها في المغرب والمشرق العربي. إن الطريق الأنجع لتحقيق السلم والرخاء المشترك في الحوض المتوسطي يقتضي ألا تكون لأوروبا سياسة خاصة بالعالم العربي، لكن أن تكون لها سياسة مع العالم العربي، وهذا هو كنه معنى الشراكة.

نحو عمل عربي دؤوب للتأثير في التناول الإعلامي الأوروبي لقضايا الهجرة واللجوء

في إطار اهتمام المؤتمر بمناقشة صورة الشباب العربي في الإعلام الغربي، جاءت دراسة صورة الشباب العربي المهاجر، من خلال بحث أنموذج مجلة «دير شبيغل»، مع مقارنة نسبية لها بصحف ومجلات نمساوية وفرنسية مهمة تعبّر عن تيارات واتجاهات الرأي العام. وبلغت نسبة المسح التحليلي للنصوص الإعلامية في هذه المجلات والصحف 865 نصًا له علاقة مباشرة بقضية اللجوء واللاجئين، وفق مراحل زمنية متعددة متقاربة في الفترة نفسها للبحث تتعلق بتحولات الموقف من اللاجئين.

تشير إحصاءات المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين أن نسبة طالبي اللجوء من الشباب المهاجر في ألمانيا في العام نفسه ممن هم بين 18 إلى أقل من 25 عامًا بلغت 25 في المئة، بينما مثّلت نسبة من تراوح بين 25 إلى ما دون 30 عامًا نحو 15 في المئة تقريبًا. ويعني ذلك أن هناك خاصية شبابية جوهرية لهجرة «اللجوء» إلى أوروبا، وهي أحد أبرز أنماط الهجرة في عالمنا اليوم. بناء عليه، لا غرابة أن تركز وسائل إعلام هذه الدول على الشباب بصفتهم المكون الأساسي لهذه الهجرة. وأظهر البحث ثقافة الترحيب بالمهاجرين الجدد من منطلق حقوق الإنسان، كما أبرز وجود نظرة أخرى تركز على النظرة الاقتصادية المتمثلة بحاجة الاقتصاد الأوروبي والألماني إلى الشباب المهاجرين، فضلً عن رصد صعود ثقافة النظر اليمينية الجديدة إلى المهاجرين مع انتشار الإسلاموفوبيا والنظر إلى أوروبا على أنها فسحت «ملجأ» لذوي «الطباع الوحشية»، وبخلفية أيديولوجية نمطية مُسبقة تعكس النظرة السلبية الواضحة تجاه الأجانب وبالأخص تجاه الآخر العربي المسلم. وفي تشخيصه لهذا كله، يؤكد البحث ضرورة بذل جهد عربي ملموس ومؤثر للباحثين العرب في بلدان الهجرة، من خلال وسائل الإعلام؛ لتغيير الصورة السلبية الهوياتية المعاد إنتاجها وتفكيكها لمصلحة تعزيز صورة إيجابية تجاه المهاجرين.

في الهجرة الفلسطينية

مثّلت الهجرة الفلسطينية أحد محاور المؤتمر؛ إذ يبرز المجتمع الفلسطيني نسبًا مرتفعة على مستوى الذكور والإناث في الهجرة الدولية. وأبرزت بحوث المؤتمر أن المجتمع الفلسطيني لا يزال في مقدمة المجتمعات المرسلة للهجرة. وقد بحث هذا المحور هذه الإشكالية على ثلاثة مستويات: مستوى الهجرة للفلسطينيين، ومجتمع «الهجرة» الفلسطيني في لبنان، و«الشتات الفلسطيني» في العالم. في المستوى الأول، أظهرت بحوث هذا المحور، في ضوء الأرقام الوطنية، أن الشباب الفلسطيني من الفئة العمرية (29-15 عامًا) يمثل نحو 30 في المئة من العدد الإجمالي للسكان في «دولة فلسطين»، لكن يلاحظ تطلع فئة كبيرة منهم نحو الهجرة إلى الخارج (نحو ربع الشباب)؛ وذلك في ظل الأوضاع السائدة وارتفاع معدلات البطالة والفقر وبخاصة في قطاع غزة. ووفق معطيات عام 2015، فإن المجتمع السكاني الفلسطيني هو مجتمع فتي؛ إذ ترتفع نسبة صغار السن والشباب فيه مقارنة بالفئات العمرية الأخرى نتيجة ارتفاع معدلات الإنجاب والخصوبة، حيث بلغت نسبة الأفراد في الفئة العمرية (14-0 عامًا) نحو 39 في المئة من مجمل السكان في فلسطين في عام 2016، وبلغت نسبة الأفراد (29-15 عامًا) 30 في المئة، في حين بلغت نسبة الأفراد الذين تبلغ أعمارهم (60 عامًا فأكثر) 5 في المئة فقط. وأشارت الدراسة إلى أن أكثر من ثلاثة أخماس المهاجرين من فئة الشباب (20-15 عامًا). لكن يلاحظ فيهم أن هجرة الكفاءات البشرية، وفق تعريف إجرائي مرتبط بتحصيل البكالوريوس، تمثّل نحو 36 في المئة من إجمالي المهاجرين للخارج. تطرقت مجموعة أخرى من البحوث إلى هجرة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى خارجه، حيث يعيش الفلسطينيون في لبنان لاجئين، وهم محرومون من حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية

«المواطنية»، والأكثر معاناة لشدة تضييق السلطات عليهم. ويعتمد ما يراوح بين 260 ألفًا و 280 ألفًا من جملة 450 ألف لاجئ فلسطيني مسجل في لبنان وفق تقرير الأونروا لعام 2016، على معونات هذه المنظمة. في حين تظهر بيانات رسمية لبنانية لعدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين 592.711 لاجئًا في نهاية عام 2015. ويعزى الفرق بين أرقام الأونروا والأرقام الأخيرة إلى تعريف اللاجئ من فلسطين إثر نكبة 1948، بينما يعزى الفرق بين العدد المسجل والعدد المقيم فعليًا إلى الهجرة. وإجمالً، فإن عامل الهجرة المتواصلة يفسر انخفاض عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عقب نزوحهم في عام 1948 من نحو 10 في المئة من السكان المقيمين في لبنان، إلى نحو 5.5 في المئة من مجمل السكان المقيمين حاليًا على الأراضي اللبنانية. أضيف إلى حجم الفلسطينيين نتيجة الحرب في سورية (وفق أرقام أيار/مايو 2016) نحو 40 ألف لاجئ فلسطيني مهاجر قسريًا من سورية، انضم معظمهم إلى أقربائهم أو معارفهم أو إلى العيش في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكلهم يعتمدون على معونات الأونروا. يعزى ثبات الأرقام النسبي في استقصاء عام 2010 واستقصاء عام 2016 (260 ألفًا و 280 ألفًا على التوالي) إلى الهجرة الخارجية المتواصلة للفلسطينيين من لبنان؛ إذ يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حالات عسر شديد؛ تبلغ نسبة من يعيشون تحت خط الفقر الأدنى نحو 28 في المئة من عدد اللاجئين في لبنان؛ أي أكثر من الربع يعتمد في عيشه على ما تقدمه الأونروا من مساعدة غذائية، ما يدل على الوضع المزري الذي تعيشه هذه الفئة بسبب القيود الشديدة على تشغيل الفلسطينيين في لبنان. والبطالة الهيكلية هي سمة من محددات المجتمع الفلسطيني في لبنان؛ إذ بلغ معدل بطالة الشبان والشابات في عام 2014 نحو 45 في المئة و 65 في المئة على التوالي، مع الإشارة إلى أن أكثر من 55 في المئة من الفلسطينيين هم دون سن الثلاثين. وترتفع هذه البطالة في أوساط الفلسطينيين المتخرجين في الجامعات والمعاهد الفنية العالية T). L , S. (T إلى 42 في المئة، فضلً عمن يعمل منهم في غير مجالات تخصصه وفي بعض الزوايا الضيقة التي يسمح بها القانون اللبناني. وحكمت مجمل الشروط التي يعيش فيها الفلسطينيون في لبنان، بما فيها انعدام شروط الأمن الإنساني في المخيمات وانتشار السلاح العشوائي واختلال الأمن، ظاهرة موجات الهجرة الفلسطينية المتتالية والتراكمية من لبنان.

توصيات وقضايا للمناقشة

- تشكيل مفوضية أو مرصد استقصائي وبحثي خاص بالهجرة في جامعة الدولة العربية، يحفز الدول الأعضاء كما الدول المستقبلة للهجرة على اعتماد سياسة جديدة تخضع لمقاربة «رابح رابح رابح» win Triple للفاعلين المعنيين: المهاجر، والدول الموفدة، والدول المستقبلة، ويساعد الدول الأعضاء في وضع سياساتها في مجال الهجرة. - التشبيك بين هذه المؤسسة المقترحة ومؤسسات ومراكز البحث ومراصدها المعنية بدراسات الهجرة.

- عمل جامعة الدول العربية على وضع قواعد أساسية لإقامة نظام للهجرة متفاوض عليه بمنطق الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية المستقبلة للهجرة، يحمي مصالح كلا الشريكين العربي والأوروبي، ويحفز السياسات القطرية العربية لكل دولة عضو في الجامعة على اعتمادها في المفاوضات الثنائية. - تشجيع المثقفين والباحثين العرب المهاجرين على العمل للتأثير في الرأي العام الأوروبي من خلال النظام الإعلامي المفتوح، لتغيير استمرارية الصور النمطية الدونية للمهاجر في تغذية متخيلات الرأي العام الأوروبي وتصوراته، وكبح جماح الإسلاموفوبيا، وتخفيف وطأة الاتجاهات اليمينية واليمينية الجديدة المعادية للمهاجرين أو لمن هم من ذوي أصول أجنبية. رفع معدل الإنفاق على البحث العلمي، بما لا يقل عن واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الدنيا الموصى بها عالميًا، والربط بين الكفاءة الداخلية للبحث العلمي والكفاءة الخارجية في تفعيل عملية التنمية. - الاهتمام بجودة التعليم العالي عمومًا والتعليم ما بعد الجامعي خصوصًا، وعقد شراكات مؤثرة مع عدد من الجامعات العالمية التي تتوجه إليها الهجرة الطلابية العربية لإكمال الطلاب العرب دراساتهم العليا. - تفعيل سياسات «كسب الكفاءات» Gain) (Brain وبرامجها وأدواتها واستعادتها، مثل تعزيز الشبكات العلمية، وتفعيلها من خلال الاستفادة من تجارب دولية رائدة لكسب هذه الكفاءات، في تشيلي والمكسيك وجنوب أفريقيا والهند، خصوصًا في الصين، مثل تجمّعات Chinese (Overseas Professionals) التي تجمع اليوم ما يناهز مليون شخص يعملون في أكثر من 200 جمعية، مع تركيزات عالية في أميركا الشمالية وتعمل كلها تحت شعار fuwu) (weiguo الذي يعني «خدمة الوطن الأم». كما يمكن هذه البرامج استهداف الكفاءات العربية «الشابة»، من طلاب الدكتوراه أو ما بعد الدكتوراه أو المتخرجين حديثًا في مجالات الطب والهندسة والإدارة وسواها، لتسهيل استقطابهم بعد تخرجهم. الاستفادة من التجارب الدولية لبرامج نقل المعرفة (TOKTEN) عن طريق الكفاءات المهاجرة المنتمية إلى المستويات العليا من رأس المال البشري ورأس المال المعرفي، وتفعيل برامج وسياسات وهياكل برامج نقل المعرفة التي اتبعها بعض الدول العربية، عبر ربطها بحاجات التنمية وتطوير البحث العلمي النظري والتطبيقي. تحفيز الاتحادات والمنظمات العلمية العربية المختلفة للجامعات والمدن العربية والتنمية الزراعية وغيرها على التشبيك مع الباحثين والأساتذة في مجال تخصصاتها، وجذبهم إلى فاعلياتها ومؤتمراتها وخططها وبرامجها البحثية. - إعطاء الأولوية في اعتماد الخبراء الكفاءات العربية العليا المهاجرة؛ بما يساهم في الاستفادة منها في عملية التنمية، واتباع أساليب غير تقليدية في «استرجاعها.» - تحرير القوانين مما يشكّل معوقات أمام استقطاب المهاجرين وتحويلاتهم وتيسير عودتهم أو تواصلهم مع الوطن.

- وضع مفهوم الانتقال الديموغرافي في صميم الاستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية: اعتماد سياسات تنموية مستدامة تهدف إلى تحسين شروط الأمن الإنساني في المجتمعات العربية، بما يحد من هجرة الشباب، ويوظف ارتفاع نسبة الشباب في التركيبة السكانية التي دخلت مرحلة الانتقال الديموغرافي في المجتمعات العربية لتطوير عملية التنمية وتحقيق أهدافها. وإدماج مفهوم «الهبة الديموغرافية» الناتج من المرحلة التاريخية - الاجتماعية العربية الراهنة التي تتميز بارتفاع نسبة الشباب في الأهداف والاستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية. - وضع الانتقال الديموغرافي في إطار سياسات الانتقال الديمقراطي المؤسسي على أساس رؤية تنموية متكاملة، تركز على التطوير المؤسسي الديمقراطي لإدارة شؤون الدولة والمجتمع في البلدان العربية، وتعزيز القدرات البشرية والمعرفية للشباب، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة السياسية والمجتمعية في توسيع خياراتهم وفي تنمية مجتمعاتهم، والتمكن من ممارسة حقوقهم الاجتماعية والسياسية المواطنية، وتعزيز شروط الأمن الإنساني للحد من تدفقات الهجرة الخارجية.