برامج التوطين بالقطاع الخاص في دول مجلس التعاون: مراجعة نقدية من منظور الاختيار العقلاني حالة المملكة العربية السعودية
Nationalization Programs in the GCC’s Private Sector: A Critical Review. The Case of Saudi Arabia
الملخّص
تقدم هذه الدراسة نقدًا لعدد من البرامج والتشريعات التي طرحتها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية لحث أصحاب الأعمال من أجل تخفيف حدة مشكلة البطالة وفقًا لمنظور الاختيار العقلاني. وبذلك تسعى إلى تحليل ما إذا كان إقبال أصحاب الأعمال على اختيار الانخراط في برامج الدولة وتشريعاتها نحو تشجيع التوطين اختيارًا عقلانيًا منهم يتوافق مع منفعتهم، أم أنها استجابة وقتية تتغير بمجرد انخفاض حدة وتيرة الرقابة الحكومية لدعم مسألة التوطين، وذلك من خلال مراجعة الباحث عينة مختارة من أبرز تلك التشريعات والبرامج الموجهة والمعروضة على القطاع الخاص؛ والهدف هو فحص مدى تأثيرها في مسألة التوطين في المدى البعيد من جهة، ومدى توافقها والاختيار العقلاني لأصحاب الأعمال السعوديين من جهة أخرى.
Abstract
Abstract: This paper presents a critique of a number of programs and laws introduced by the Saudi Ministry of Labor and Social Development as encouragement for local businesses to promote employment. The author attempts to understand whether business owners have agreed to participate in state-run programs and abide by laws that encourage nationalization of labor as a rational choice consistent with their interest, or as a temporary response that is likely to change once the level of government intervention tails off. Through an analysis of a selected sample of key laws and programs aimed at the private sector, the paper examines heir effect on labor nationalization and explores the motives of Saudi business owners abiding by these programs.
- الاختيار العقلاني
- التوطين
- القطاع الخاص
- البطالة
- برنامج نطاقات
فيصل عبد الله العتيبي | Faisal A. Alotaibi * برامج التوطين بالقطاع الخاص في دول مجل س التعاون: مراجعة نقدية من منظور الاختيار العقلاني حالة المملكة العربية السعودية
ملخص: تقدم هذه الدراسة نقدًا لعدد من البرامج والتشريعات التي طرحتها وزارة العمل والتنمية
الاجتماعية السعودية لحث أصحاب الأعمال من أجل تخفيف حدة مشكلة البطالة وفقًا لمنظور الاختيار العق نااي. وبذلك تسعى إلى تحليل ما إذا كان إقبال أصحاب الأعمال على اختيار الانخراط في برامج الدولة وتشريعاتها نحو تشجيع التوطين اختيارًا عقلانيًا منهم يتوافق مع
منفعتهم، أم أنها استجابة وقتية تتغير بمجرد انخفاض حدة وتيرة الرقابة الحكومية لدعم مسألة التوطين، وذلك من خلال مراجعة الباحث عينة مختارة من أبرز تلك التشريعات والبرامج الموجهة والمعروضة على القطاع الخاص؛ والهدف هو فحص مدى تأثيرها في مسألة التوطين في المدى البعيد من جهة، ومدى توافقها والاختيار العقلاني لأصحاب الأعمال السعوديين من جهة أخرى.
Abstract: This paper presents a critique of a number of programs and laws introduced by the Saudi Ministry of Labor and Social Development as encouragement for local businesses to promote employment. The author attempts to understand whether business owners have agreed to participate in state-run programs and abide by laws that encourage nationalization of labor as a rational choice consistent with their interest, or as a temporary response that is likely to change once the level of government intervention tails off. Through an analysis of a selected sample of key laws and programs aimed at the private sector, the paper examines heir effect on labor nationalization and explores the motives of Saudi business owners abiding by these programs.
الاقتصادي والتنمية من جامعة القاهرة.
Researcher on sustainable development and nationalization, Saudi Arabia, with a PhD in Economic Sociology and Development from Cairo University.
مقدمة
تواجه الجهات المعنية بقضية التوطين في الخليج العربي، خصوصًا المملكة العربية السعودية، مقاومة شرسة من أصحاب الأعمال لتوطين الوظائف في منشآتهم نتيجة كثير من الأسباب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ارتفاع تكلفة أجور المواطنين وضعف الإنتاجية ونقص التأهيل، في مقابل كثير من المحفزات التي تساهم في إقبالهم على التعاقد الخارجي مع غير المواطنين نتيجة نقيض الأسباب أعلاه. في حالة المملكة العربية السعودية، نحت الجهات المختصة من الدولة من أجل تحقيق معادلة التوطين مناحي عدة، من خلال سياسات تباينت بين الترهيب تارة والترغيب تارة أخرى لأصحاب الأعمال، للمشاركة في عملية التوطين. وقد أوجد التباين بين هذه البرامج لبسًا لدى الكثير من المهتمين في فهم توجهات الدولة نحو قضية التوطين، ارتفعت معه الأصوات في وسائل الإعلام بين مؤيد ومعارض، إضافة إلى ردات فعل أصحاب الأعمال التي صبّ أكثرها في الاتجاه المناهض لقضية التوطين. الواقع أن العلاقة بين القطاع الخاص والدولة في مسألة التوطين، هي علاقة جدلية بطبيعتها، لا من حيث المبدأ، بل من حيث الطبيعة؛ فالقطاع الخاص يستفيد من القوة العاملة الوطنية بشكل أو آخر، غير أن المحددات لطبيعة هذه الاستفادة محكومة بمعيار الربحية، بحكم طبيعته الاقتصادية والمنافسة السوقية التي يواجهها، وفي الجانب الآخر، تضع الدولة من خلال برامج التوطين وخفض معدلات البطالة معيارًا مهمًا لقياس مساهمة القطاع الخاص في جهد التنمية، في مقابل ما تقدمه إليه من دعم مادي ومعنوي في مشروعات الإنفاق الحكومية. من هذا المنطلق، تتسع هوة الخلاف بين ما يقدم عليه القطاع الخاص من قرارات تتسم بالعقلانية - من وجهة نظره - في تفضيل غير المواطنين على المواطنين في العمل لديه، وبين ما تريده وتتوقعه الدولة منه نتيجة عدد من التفضيلات، مثل: - كلفة التشغيل: حيث يرى أصحاب الأعمال، وبناء على المعطيات الرقمية المتوافرة لديهم، أن كلفة التشغيل لغير المواطنين - التي تصل إلى 50 في المئة - من كلفة تشغيل المواطنين، وذلك استنادًا إلى مستويات المعيشة التي تُجلب منها العمالة غير الوطنية لأداء المهمات الموكلة إليهم، كالهند والباكستان وبنغلاديش، ومعظم الدول العربية من شمال أفريقيا، قياسًا على مستويات المعيشة في المملكة العربية السعودية والخليج إجمالً، من دون الأخذ في الاعتبار عناصر التكاليف غير المباشرة الأخرى للعمالة الأجنبية وموازنتها مع إنتاجيتها الحدية، كاستهلاك البنية التحتية. - مستوى الإنتاجية: حيث يرى أصحاب الأعمال أن مستوى الإنتاجية لغير المواطنين أعلى، مقارنة بمستواها لدى المواطنين؛ وذلك بسبب توافر عنصر التأهيل بالقوى العاملة لسوق العمل من جهة،
(((أسرار محمد، «معوقات تطبيق سعودة الوظائف في منظمات القطاع الخاص بالمملكة العربية السعودية»، العربي المنتدى
لإدارة الموارد البشرية: أكبر بوابة عربية تعنى بعلوم إدارة الموارد البشرية:
https://hrdiscussion.com/hr47262.html.
حالة المملكة العربية السعودية
وطبيعة الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها غير المواطنين والمتحللة من الأعباء الأسرية والاجتماعية من جهة أخرى، فيما يغرق المواطن في كثير من المسائل الاجتماعية اليومية، التي قد لا تتلاءم وطبيعة العمل في القطاع الخاص. في هذا الإطار، تسعى هذه الدراسة - التي يُرجى أن تكون باكورة سلسلة من الدراسات الهادفة - إلى مراجعة التشريعات والبرامج الحكومية الخليجية كل على حدة، من منظور الاختيار العقلاني الذي يوجه أصحاب الأعمال في مراجعة البرامج الحكومية، للتأكد من خلوصها إلى تفضيل التوطين من أصحاب الأعمال، وتفادي نتائجها السلبية، وذلك من خلال استعراض أشهر برامج التوطين الحكومية الموجهة إلى القطاع الخاص، ومراجعة توافق قرارات القطاع الخاص وتوجهات الحكومة للتوطين.
الإطار النظري والمنهجي
إشكالية البحث وتساؤلاته
تكمن المشكلة البحثية في مراوحة معدلات البطالة في المملكة العربية السعودية بشأن نسبها المعلنة (12 في المئة)، صعودًا وهبوطًا، من دون تغيير يذكر، بحسب الإحصاءات الرسمية المعلنة، في ظل وجود كثير من البرامج الحكومية والتشريعات التي تطلقها الحكومة تحديدًا لتشجيع أصحاب الأعمال على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة من خلال التوطين، ما يجعل التساؤل قائمًا عن فاعلية هذه التشريعات والبرامج من وجهة نظر أصحاب الأعمال، وما إذا كان تطبيقهم لها مبنيًا على تحقيقها
لمنفعة حقيقية. وهل الاختيار باستجابة أصحاب الأعمال لها يُعَد اختيارًا عقلانيًا يحقق منفعة مستدامة
لهم؟ أم أن استجابتهم لها استجابة وقتية، وستتغير بمجرد انخفاض حدة وتيرة المراقبة الحكومية لدعم مسألة التوطين؟ بناء على ذلك يمكن إعادة النظر في صلاحية هذا البرنامج أو ذاك من عدمه، أو النظر في وسائل أخرى تحقق طموحات الحكومة في تحريك عجلة التنمية، وفي هذا الشأن تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن مدى فاعلية البرامج التي تطلقها الحكومة للتوطين، وعن مدى توافق هذه البرامج والاختيار العقلاني لأصحاب الأعمال.
المصطلحات والمفاهيم
التوطين: ابتداء هو قصر فرص العمل على مواطني الدولة بهدف التشغيل الأمثل لهم، ومحاربة البطالة، والحد من التغيرات الديموغرافية في الدولة بسبب وجود غير المواطنين في سوق العمل. ويقلّ استخدام مصطلح «التوطين» في معظم دول الخليج العربي نتيجة اشتقاق العملية برمتها - تشغيل المواطن - من اسم الدولة، ففي السعودية يسمى «السَعْودَة»، وفي عمان يسمى «التعمين»،
وفي البحرين «البحرنة»، وفي الكويت «التكويت»، وهكذا، ما دام الاسم قابلً للتطويع.
(2) Neelofer Mashood, Helen Verhoeven and Bal Chansarkar, «Emiratisation, Omanisation and Saudisation - Common Causes; Common Solutions?» (Paper Presented at: Proceedings of the 10th International Business Research Conference, Dubai, UAE, 2009), at: http://www.wbiconpro.com/.
والتوطين في المملكة العربية السعودية أو «السعودة» التي بدأت منذ عام 1975 تعرف أنها «قصر
العمل على السعوديين؛ بالإحلال التدريجي لهم محل العمالة الوافدة؛ وصول إلى توطين الوظائف كافة؛ والتشغيل الكامل والأمثل للعمالة الوطنية»؛ كما أن انتهاج أسلوب الإحلال التدريجي للعمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية على مدى فترة تراوح بين 10 و 15 عامًا، تجري في أثنائها تهيئة مخرجات
التعليم والتدريب لتأمين احتياجات المنشآت، مع ضمان عدم الإخلال بمعدلات التشغيل ومستوياته في خلال فترة الإحلال حيث لا تقل النتائج المحققة بعد الإحلال عن نتائج ما قبل الإحلال. وفي المقابل، كما يطلق عليه السعودة الوهمية أو التوطين الوهمي، هو قيام صاحب العمل بتسجيل العمالة السعودية أو من يعامل مثلهم كالخليجيين أو أولاد المواطنة السعودية المتزوجة من غير سعودي كعامل وطني لدى التأمينات الاجتماعية تحت سجله التجاري من دون وجود علاقة عمل حقيقية بينهما يعمل بموجبها العامل لمصلحة صاحب العمل وتحت إدارته أو إشرافه في مقابل أجر. الاختيار العقلاني Theory) Choice (Rational: هو المنظور الذي يرى أهمية دراسة الفعل الاجتماعي وتفسيره على أساس نفعي بما يتضمن اعتقادًا ومعلومات وقرارات تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من النفع لمتخذ القرار أو القائم بالفعل، وتسمى كذلك نظرية التبادل Theory) (Exchange التي سنوردها بتفصيل أكثر في ما بعد. القطاع الخاص (أصحاب الأعمال:) يشمل هذا المصطلح ملُاّك المؤسسات الأهلية والشركات
العائلية التي ليس للدولة فيها نصيب من الملكية، ومنها ما هو مدرج في سوق الأسهم بملكية مشتركة بين أصحاب رؤوس الأموال والمساهمين من المواطنين، ولا يؤثر الحجم في التصنيف والتسمية، ما دامت مسجلة تجاريًا لغير الحكومة. برامج التوطين: هي مجموعة المبادرات التشريعية التي تطرحها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لأغراض تمكين المواطنين من العمل بالقطاع الخاص، والتخفيف عن كاهل الحكومة التزامها نحو التشغيل.
الدراسات السابقة
تناول عدد من الدراسات التوطين (السعودة) من أوجه عدة، إلا أن المتعلق منها بمراجعة برامج التوطين التي استحدثتها حديثًا وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لم يفِ بدراسة هذه البرامج، باستثناء الدراسات أدناه.
(((إدارة البحوث والدراسات، مجلس القوى العاملة، الأمانة العامة، دليل المهن المقتصرة على السعوديين: دليل الأنشطة والمهن
والوظائف التي يقتصر العمل فيها على السعوديين والإحلال التدريجي للعمالة الوطنية، ط 2 (الرياض: المجلس، 2002)، ص.10 (((المملكة العربية السعودية، وزارة العمل، الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العمل 1434/1433 ه - 2012 م (الرياض: الوزارة، 2014[])، ص.12 (((إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصادية والاجتماعية (عربي - إنجليزي) (2005)، ص 528، في: موقع كتب
عربية:
www.kotobarabia.com.
حالة المملكة العربية السعودية
- دراسة صادق العلي، وهي دراسة بعنوان «دور برنامج نطاقات في توطين الوظائف التعليمية في المدارس الأهلية»، وهدفت إلى التعرف إلى هذا الدور في مجال الأجور والحوافز لتوطين الوظائف التعليمية في المدارس الأهلية بمدينة مكة المكرمة. كما هدفت إلى مناقشة أبرز المقترحات التطويرية التي يمكن أن تساهم في توطين الوظائف التعليمية؛ شملت العَيّنة 28 مالكًا، وهم جميع المُلّك في
فترة الدراسة (2015)، إضافة إلى عَيّنة من 250 معلمًا، وتوصلت إلى عدد من النتائج، من أبرزها: • نجاح برنامج نطاقات في توطين الوظائف التعليمية. • ساهمت سياسة رفع الأجور في ثبات المعلمين للبقاء في العمل، وهي إحدى الأدوات التي تستخدمها الوزارة في برنامج دعم الأجور، والذي أوصت الدراسة بالاستمرار فيه. - دراسة مشعل العنزي، وهي دراسة تحليلية لأداء صندوق الموارد البشرية، وكانت بعنوان «التخطيط الاستراتيجي لتنمية الموارد البشرية بالمملكة العربية السعودية»، ناقشت جودة البرامج المختلفة في صندوق تنمية الموارد البشرية وإجراءاته ومدى قبول التصور الاستراتيجي المقترح لتطوير الصندوق، (2019) وقد هدفت إلى التعرف إلى اتجاهات المسؤولين في مؤسسات القطاع الخاص وشركاته نحو البرامج المقدمة من الصندوق من خلال بحث أجري على عيّنة منُ 132 من مسؤولي تلك الشركات،
يمثلون نصف عدد الشركات المستفيدة من برامج الصندوق لمنطقة مكة في فترة الدراسة، وقد خرجت بالنتائج الآتية: • واجه الصندوق عددًا من الصعوبات والعقبات، ما لم يمكّنه من وقف حالات التسرب من التدريب والتوظيف، على الرغم من جودة البرامج التي يقدمها. • أهمية الاستمرار في تطوير البرامج المقدمة لتواكب المتغيرات في سوق العمل، وبما يخدم الفئات المستفيدة كلها. • أهمية تطوير مجالات التمويل الحالية للصندوق. إجمالً، تناولت الدراسات برنامجين من البرامج التي أطلقتها وزارة العمل، وهما برنامجا نطاقات الأجور ودعمها، فيما لم يناقش باقي البرامج المقدمة، إلا أنها تضاربت في النتائج، فمن دراسة مؤيدة لفاعلية البرامج، وتحديدًا برنامج نطاقات، وأخرى مشككة في جدوى هذه البرامج وحاجتها إلى المراجعة.
(((صادق بن صالح بن عبد الله العلي، «دور برنامج نطاقات في توطين الوظائف التعليمية في المدارس الأهلية من وجهة نظر الملاك والمعلمين بمدينة مكة المكرمة - مقترحات للتطوير-»، إشراف عبد الله بن أحمد سالم الزهراني (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة أم القرى، كلية التربية، قسم الإدارة التربوية والتخطيط، مكة المكرمة،.)2015 (((مشعل بن سليمان العدواني العنزي، «التخطيط الاستراتيجي لتنمية الموارد البشرية بالمملكة العربية السعودية: دراسة تحليلية لأداء صندوق تنمية الموارد البشرية»، إشراف هاشم بن بكر حريري (أطروحة دكتوراه، جامعة أم القرى، كلية التربية، مكة المكرمة،
منهجية البحث وآلية جمع البيانات
انتهجت الورقة منهجًا تحليليًا لدراسة المشكلة للإجابة عن تساؤلاتها، من خلال الاطلاع على
ماهية عدد من البرامج التي اختارتها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وأعلنتها وتعريفاتها وأهدافها، والإحصاءات والبيانات المتوافرة عنها لكل برنامج على حدة، ثم عملت على ملاحظة التغير بين معدلات الإقبال على التوطين في أثناء الفترة السابقة لإطلاق البرنامج والفترة التي تلت إطلاقه، بحسب البيانات والإحصاءات المتوافرة، والتي توقفت الوزارة عن إصدارها، بحكم اندماجها حديثًا مع وزارة الشؤون الاجتماعية، ثم عملت على تحليل هذه البيانات بما يحدد إقبال أو اجتناب أصحاب الأعمال لتطبيق هذا البرنامج أو ذاك، والإفادة منها من منظور عقلاني. اختيرت هذه المنهجية بوصفها الأقرب لطبيعة المشكلة، وإنتاج بيانات بشأن الخبرات وردات الفعل لأصحاب الأعمال، وعلى اعتبار أن السلوك الذي ينتهجونه مرتبط دائمًا بالسياق الذي يحدث به من جهة وواقع فهم المشكلة البحثية في بنيتها الخاصة بها من جهة أخرى، وخصوصيتها في سوق العمل ومتطلباته وتعقيداته بين الربحية والمساهمة التنموية من جهة ثالثة. أما في ما يتعلق بآلية جمع البيانات وتحليلها، اعتمد الباحث جملة من مصادر البيانات، لعل من أبرزها البيانات الصادرة عن هيئة الإحصاءات العامة ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية من خلال موقعيهما الإلكترونيين، إضافة إلى المطبوعات الورقية المتوافرة من التقارير الإحصائية السنوية الصادرة عنهما، وانطلق التحليل من خلال عرض التطورات العددية في نسب التوطين قبل برامج التوطين وبعده، استنادًا إلى تاريخ إطلاق البرنامج لرصد ما إذا كان لإطلاقه أثر مباشر في اختيار عقلاني ما لأصحاب الأعمال متناسب مع توجهات الحكومة أم لا، ومراجعة انعكاس ذلك على معدلات البطالة في المملكة العربية السعودية، مع ملاحظة أن الأثر الفعلي ربما يحتاج إلى أعوام عدة للقياس والتحقق من فاعليتها.
الاختيار العقلاني
يرى ج. كولمن وهو أحد أبرز منظري الاختيار العقلاني أن سلوك الفاعلين تحدده أفعالهم التي تتجه إلى تحقيق أهداف معينة، ضمن عدد من الخيارات المحددة لهم، بما يمكّنهم من تحقيق أكبر قدر من المنافع والفوائد. بناء عليه، فإن هذا المنظور يقوم أساسًا على مبدأ أن اختيار الأفراد سلوكًا معينًا
في المجتمع يبنى على توقعاتهم بشأن الربح والخسارة، ومن ثم تتحول مجموعة الأفعال الفردية تلك، والتي اتُخذت بناءً على اختيار عقلاني لعدد من الأشخاص إلى نمط لسلوك اجتماعي عام لباقي أفراد
المجتمع أو إحدى شرائحه المشابهة. إن للقيود (ندرة الموارد أو الأنظمة والتشريعات المؤسساتية التي تسنها الدولة من حين إلى آخر) دورها
(((عبد القادر عرابي، المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية (دمشق: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، 2007)، ص.75-70
(9) George Ritzer, Contemporary Sociological Theory and Its Classical Roots: The Basics (Boston, MA: McGraw Hill, 2003), pp. 167-168.
حالة المملكة العربية السعودية
في تغيير تراتبية تحقيق الأهداف لدى الفاعلين عند إقدامهم على اختيار معين، نتيجة صعوبة الاختيار أو ارتفاع التكلفة، بما يُضيّق من الخيارات المتاحة لهم، ويحتّم عليهم تفويت تحقيق هدف ما إلى
الهدف الذي يليه في الترتيب من حيث المنفعة وهكذا، الأمر الذي يعطي تفسيرًا لتراتبية ردات أفعالهم
أو اختياراتهم. ويرى منظّرو الاختيار العقلاني أن الفعل يكون عقلانيًا إذا استوفى ثلاثة شروط: - أن يكون مبنيًا على اعتقاد يحقق المنفعة. - أن يكون الاعتقاد مبنيًا على معلومات دقيقة تؤدي إلى تحقيق المنفعة. - أن تؤدي المعلومات الدقيقة إلى قرار صحيح (فعل) يحقق المنفعة. لكن كون أن الاختيار أو القرار أو السلوك يتخذه بشر يتوقعون نتائج معينة، يرتبط كما ذكرنا بدقة المعلومات، فقد اهتم منظّرو الاختيار العقلاني بمعرفة التفسيرات الاجتماعية للسلوك الاجتماعي الأولي للفرد أو ما يعرف بالتبادل الاجتماعيExchange) (Social فليس بالضرورة أن جميع البشر يقومون بأفعال عقلانية، ذلك بحسب ما أثبته الواقع اليومي في حياة الناس، وهو ما يقول به جورج هومانس في تفسيره السلوك الاجتماعي الأولي وتحليل سيكولوجيا الفرد ودوافعه للفعل بما يلي: - أن الأفراد غالبًا ما يكررون الفعل الذي قاموا به في الماضي، إذا ما كوفئوا عليه. - أن تسببًا مؤثرًا معينًا في تحقيق مكافأة على فعل في الماضي، يرجح تكرار الفعل أو فعل مشابه له،
متى وجدت المؤثرات نفسها، أو ما يشابهها في الحاضر. - أنه كلما كانت نتيجة الفعل ذات قيمة للفرد، فمن المرجح أن يقوم بذلك الفعل مرة أخرى. في ذلك يخلص هومانس في تفسيره السلوك الإنساني أن الناس يكرّرون الأفعال التي تحقق لهم
مكافآت، ويستجيبون للمؤثرات المرتبطة بتلك المكافآت، ومن ثَمّ يتصرفون على أساس القيم التي ينسبونها إلى الأشياء. من ذلك، استنتج منظرو الاختيار العقلاني أن الفرد يختار فعلً معينًا من بين عدد من الأفعال متى اعتقد أن نتيجته ستكون أفضل من غيره، أو ذات قيمة بالنسبة إليه، وسيكون راضيًا إذا حصل على المكافأة
المتوقعة، أو كانت أكبر مما هو متوقع، وسيقوم بسلوك مؤيد له، أما عندما لا يحصل على المكافأة المتوقعة، أو يحصل على عقاب لم يكن متوقعًا، فغالبًا ما سيقوم بسلوك مضاد له. بقي أن نقول إن ذلك لا يعني أن الناس يكونون دائمًا على صواب بشأن أكثر الخيارات مكافأة أو عقلانية لارتباط ذلك - كما سبق - بدقة المعلومة وصدق الحدس، الأمر الذي يفسر الاختيارات غير العقلانية لتصرفات كثير من الأشخاص في التعاملات اليومية مع الآخرين.
(10) Jon Elster, «The Nature and Scope of Rational-Choice Explanation,» in: Ernest LePore and Brian P. McLaughlin (eds.), Actions and Events: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson (Oxford: B. Blackwell, 1985), p. 71.
(((1 معن خليل العمر، «التبادل الاجتماعي بين المثقف والمجتمع»، المجلة الاجتماعية (الرياض)، العدد 2 (شتاء 2009)، ص.9
البرامج الموجهة للتوطين بالقطاع الخاص
تصنيف الكيان التجاري
تتعامل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية من منطلق حجم المنشأة وعدد العمالة بدرجة كبيرة، الأمر الذي يعيب عملها بشكل ملحوظ؛ على سبيل المثال إذا كانت المنشأة تعمل في نشاطين اقتصاديين مختلفين كالنقل والتجزئة مثلً، فإنها ستتعامل مع تلك المنشأة كأن لها كيانين مستقلين: كيان النقل وكيان التجزئة، بغض النظر عن نشاط المنشأة الرئيس، أو عدد فروعه، ويجري تجميع الفروع التي تنتمي إلى النشاط الاقتصادي نفسه إذا كان صاحب العمل واحدًا، كما يظهر الجدول.)1(الجدول (1) تصنيف الكيان الواحد من حجم العمل حجم الكيان
صغير
متوسط عدد العمال 49-10
المصدر: وزارة العمل، دليل نطاقات، الإصدار 1435/1، الرياض، 2015، ص.54
أما الكيان المجمع، فهو تصنيف خاص بالكيانات الصغيرة جدًا التي لا يتجاوز عدد عمالة كل واحد منها 9 عمال، وتتبع لصاحب العمل نفسه، بصرف النظر عن نشاط تلك الكيانات، ولا تدخل ضمن كيانات الكيان المجمّع تلك الكيانات التي يتجاوز عدد عمالتها 9، ولو كانت تابعة لصاحب العمل نفسه، كما يظهر الجدول.)2(الجدول (2) تصنيف الكيان المجمع من حجم العمل حجم المجمعة مجمعة صغيرة جدًا مجمعة صغيرة
| حجم المجمعة | مجمعة صغيرة جدًا | مجمعة صغيرة | مجمعة متوسطة | مجمعة كبيرة |
|---|---|---|---|---|
| عدد العمال | 9-1 | 49-10 | 499-50 | 500 فأكثر |
| يعد التجميع تحت رقم الهوية أو المنشأة الموحد | ||||
المصدر: المرجع نفسه، ص.54 البرامج الموجهة نحو التوطين
برنامج نطاقات
يُعد برنامج نطاقات من أبرز البرامج المتّبعة للتوطين بالقطاع الخاص في المملكة العربية السعودية،
وأطلِق بموجب قرار وزير العمل رقمُ 404 في عام 2012، وهو نسخة مدعومة تقنيًا لفكرة نسب حصص
مئوية معمول بها لاحتساب نسبة التوطين، حيث تعتمد فكرته الأساسية على تصنيف الكيانات في
كبير
عملاق 2999-500 3000 فأكثر
مجمعة متوسطة مجمعة كبيرة
حالة المملكة العربية السعودية
كل فئة (بحسب النشاط والحجم) إلى مراتب متفاوتة في فئات التوطين، حيث يُصنّف كل كيان مقارنة بمعدل أداء الكيانات الأخرى في الفئة نفسها، وبناء عليه صُنّفت الكيانات وفقًا لأربعة أقسام أو نطاقات، كما هو متعارف عليه: الأحمر والأصفر والأخضر والبلاتيني حيث تُدرج المنشآت الأقل نسبة في التوطين في النطاق الأحمر، والمنشآت متوسطة النسبة في التوطين في النطاق الأصفر، بينما تصنّف المنشآت الأعلى توطينًا في النطاقين الأخضر والبلاتيني بحسب تفاوتها في مقدار توطينها الوظائف، وفي هذا الصدد يكافَأ النطاقان البلاتيني والأخضر، وهما الأعلى توطينًا من خلال إعطائهما عددًا من الامتيازات، كأحقية إصدار تأشيرات جديدة لتنمية أعمالهما والتعاقد مع العمالة الوافدة من منشآت النطاقين الأحمر والأصفر، من دون الحاجة إلى تأشيرات جديدة، ما يجعل توطين الوظائف ميزة جديدة تسعى إليها المنشآت للتميز والتنافس، بدفع المنشآت في النطاقين الأحمر والأصفر إلى سرعة توطين وظائف أكثر للارتقاء للنطاق الأخضر من أجل المحافظة على العمالة الوافدة لديها. الجدول (3) تصنيف الشركات بحسب برنامج نطاقات النطاق الأحمر
النطاق الأصفر
| األنطاق الأحمر | األنطاق الأصفر |
|---|---|
| يأساهم بأقل من الحد الأدنى من نسبة السعودة | ياساهم قريبًا من الحد الأدنى من نسبة السعودة |
| النطاق الأخضر | النطاق البلاتيني |
| يساهم بالحد المطلوب من نسبة السعودة وأكثر | يساهم بأعلى من الحد المطلوب من نسبة السعودة |
برنامج الحد الأدنى للأجور لاحتساب نسبة التوطين
هو برنامج يسعى إلى تحسين بيئة العمل في القطاع الخاص، من خلال إقرار بعض الإجراءات التي تساهم في رفع معدل الأجور إلى مستويات ملائمة تفي بالاحتياجات الضرورية لمتطلبات الحد الأدنى للمواطن، والذي يقدّر ب 3000 ريال شهريًا كحد أدنى لأجر العامل الوطني. تربط الوزارة بين الحد الأدنى للأجور وبرنامج نطاقات عند حساب معدل التوطين للمنشآت باحتساب أجر 3000 ريال شهريًا معيارًا لاحتساب عامل وطني واحد في نسبة التوطين في برنامج «نطاقات»، أما من يتقاضى مرتبًا يقل عن 3000 ريال فيُحتسب بالتناسب مع أجر العامل مكتمل النصاب كنصف
مواطن، على أن لا يقل عن 1500 ريال، وهو الأجر الذي إن قل عنه لا يحتسب به العامل ضمن نسبة التوطين الملزمة، بحسب الجدول (4).
(12) Rita O. Koyame - Marsh, «Saudization and the Nitaqat Programs: Overview and Performance,» Journal of Accounting, Finance and Economics , vol. 6, no. 2 (September 2016), pp. 40-41.
(((1 موقع وزارة العمل السعودية على الشبكة العنكبوتية. (((1 الأجر الشهري/الحد الأدنى للأجور ثلاثة آلاف (3000) ريال = نسبة العامل في التوطين، ومثال ذلك: 0.733=3000/2200 وهكذا ولمزيد من التفاصيل يُنظر الموقع الإلكتروني لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية حول احتساب نسبة التوطين.
الجدول (4) نسبة احتساب التوطين في مقابل تصنيف النطاق حجم المنشأة
النطاقات
| حجم المنشأة | النطاقات (ابالنسبة المئوية) | |||
|---|---|---|---|---|
| أحمر | أصفر | أخضر | بلاتيني | |
| مجمعة صغيرة (49-10) | صفر3- | 9-4 | 39-10 | أكبر من/أو تساوي 40 |
| مجمعة متوسطة (499-50) | صفر4- | 16-5 | 39-17 | أكبر من/أو تساوي 40 |
| مجمعة كبيرة (500 فأكثر) | صفر9- | 23-10 | 39-24 | أكبر من/أو تساوي 40 |
مجمعة كبيرة (500 فأكثر) صفر 9- 23-10
المصدر: المرجع نفسه، ص.58 قرار المقابل المالي لزيادة العمالة غير الوطنية عن العمالة الوطنية 2400 ريال
سنّت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تطبيق رفع تكلفة العامل الوافد بجميع منشآت القطاع الخاص ابتداءً من 1434/1/1 ه ألفين وأربعمئة (2400) ريال لتجديد الإقامة، أي بواقع مئتي (200) ريال شهريًا
عن كل عامل وافد في المنشأة لا يقابله من حيث العدد عامل وطني، وبالتالي فهو لا يشمل رفع تكلفة تجديد إقامة جميع العمالة الوافدة بالمنشأة، وإنما العدد الزائد من العمالة الوافدة لدى المنشأة عن عدد العمالة المواطنة. أما إذا كان عدد العمالة الوافدة مساويًا لعدد العمالة الوطنية أو أقل منه، فإن المنشأة غير ملزمة به، وتبقى رسوم الإقامة لجميع العمالة الوافدة كما هي من دون تغيير؛ وذلك لزيادة الميزة التنافسية للعمالة الوطنية في سوق العمل من خلال تقليص الفجوة بين تكلفة العمالة الوافدة والعمالة الوطنية.
برنامج الدعم الإضافي للأجور
يُعد هذا البرنامج نسخة تطويرية لبرنامج دعم الأجور المرتبط بالتوطين في نسخته الأولى برنامجًا نوعيًا
يهدف إلى دعم عملية التوطين في منشآت القطاع الخاص من خلال تقديم مزايا مالية إضافية إلى أصحاب الأعمال لترغيبهم في توظيف الأيدي العاملة الوطنية في المنشآت المصنفة ضمن النطاقين الأخضر والبلاتيني من برنامج نطاقات، وذلك من خلال: - رفع الدعم إلى مبلغ يصل إلى 4000 ريال شهريًا عن كل عامل مواطن في البرنامج. - زيادة مدة الدعم من عامين إلى فترة تصل إلى أربعة أعوام. ذلك للمنشآت الواقعة في النطاق البلاتيني أو الأخضر، أو المنشآت الصغيرة جدًا (9 موظفين فأقل)،
(((1 ويكون المتوسّط المتحرك عبارة عن حاصل قسمة متوسّط العمالة الوطنية لآخر 13 أسبوعًا على حاصل جمع (متوسّط العمالة
الوطنية لآخر 13 أسبوعًا مع عدد العمالة الوافدة يوميًا للاحتساب.)
حالة المملكة العربية السعودية
حيث يمكن للمنشأة ربط 20 في المئة من إجمالي الموظفين السعوديين على البرنامج إذا كانت ضمن النطاق البلاتيني، أو ربط 15 في المئة منهم إذا كانت المنشأة ضمن النطاق الأخضر، أما المنشآت الصغيرة جدًا فيمكنها ربط موظفين سعوديين اثنين. الشكل (1) الحد الأعلى للدعم لكل موظف بحسب تصنيف الكيان
المصدر: وزارة العمل، دليل نطاقات، الإصدار 1435/1، الرياض، 2015، ص.82
مراجعة البرامج الموجهة للتوطين في القطاع الخاص
بلغ معدل البطالة والتشغيل في المملكة العربية السعودية مستويات غير مسبوقة بالارتفاع والانخفاض على التوالي وفقًا لعدد من المصادر، حيث بلغ معدل البطالة على سبيل المثال 41 في المئة من الذكور، فيما بلغ نصيب الإناث 74 في المئة على مستوى القادرين على العمل من الشباب، أما على المستوى العام للدولة، فلا يزال يراوح معدل البطالة عند مستوى 12 في المئة محليًا. أما في ما يتعلق بالتشغيل، فإنه على مستوى الإناث تحديدًا، لا يزيد على نسبة 16 في المئة من القادرات على العمل، وهي الأقل عالميًا، فيما لا تزيد على 20 في المئة من قوة العمل المحلية، التي
تتركز أغلبيتها في قطاعي التعليم الحكومي والخاص.
فاعلية برامج التوطين على مسألة التوطين في الأمد البعيد
لقياس فاعلية البرامج التي تطلقها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية على مسألة التوطين في الأمد البعيد، فإنه لا بد من مراجعة التغير في معدلات التشغيل، من حيث إعداد العاملين المسجلين في منشآت القطاع الخاص، من السعوديين وغير السعوديين، ما يمكننا من خلاله الاطلاع على مدى التغيير الذي أحدثته البرامج المُطْلَقة من الوزارة لتوطين الوظائف، وهو ما يظهره الجدول.)5(
(16) «Back to Work in a New Economy: Background Paper on the Saudi Labor Market» (Evidence for Policy Design (EPoD), Center for International Development, Harvard University, April 2015), pp. 23-27.
الجدول (5) عدد العاملين في منشآت القطاع الخاص (2013-2009)
| غير السعوديين | السعوديون | عام | تطبيق البرامج | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| الإجمالي | إإناث | ذكور | الإجمالي | إإناث | ذكور | قبل | |
| 6,214,067 | 89,039 | 6,125028 | 681,481 | 48,406 | 633,075 | 2009 | |
| 6,266,545 | 88,415 | 6,178,130 | 724,655 | 55,618 | 669,037 | 2010 | |
| 6,937,020 | 113,466 | 6,823,554 | 844,476 | 99,486 | 744,990 | 2011 | بعد |
| 7,352,900 | 108,694 | 7,244,206 | 1,134,633 | 215,840 | 918,793 | 2012 | |
| 8,212,782 | 161,388 | 8,051394 | 1,466,853 | 398538 | 1068315 | 2013 | |
المصدر: معلومات مجمعة من: المملكة العربية السعودية، وزارة العمل، الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العمل 1434/1433 ه - 2012 م (الرياض: الوزارة،.)]2014[
أما في ما يتعلق بالسعوديين، فمن الملاحظ عند الاطلاع على بيانات الوزارة، والمضمّنة في الكتاب
الإحصائي السنويبين عامي 2009 و 2013، وهي الفترة التي سبقت تطبيق البرامج وعاصرته، أن ارتفاعًا ملحوظًا حدث في أعداد العاملين السعوديين الذين التحقوا بالعمل في منشآت القطاع. ارتفع عدد العاملين الذكور الملتحقين بالعمل بنسبة 37,37 في المئة مع نهاية عام 2013 عن أعداد العاملين في عام 2010، وكذلك في عدد العاملات الإناث الملتحقات بالعمل بنسبة 723 في المئة في عام 2013، أي إنه تضاعف نحو 7 أضعاف عما كان عليه في عام 2010، فيما ارتفع إجمالي عدد العاملين السعوديين ذكورًا وإناثًا كملتحقين بالعمل بنسبة 102,42 في المئة في عام 2013 عن عام
أما في ما يتعلق بغير السعوديين، فيلاحظ أن ارتفاعًا حدث أيضًا في عدد العاملين غير السعوديين، من الذكور تحديدًا، وذلك بنسبة 30,32 في المئة في عام 2013 عن عدد العاملين في في عام 2010، وكذلك العاملات الإناث غير السعوديات بنسبة 82,65 في المئة في عام 2013 عن عدد العاملات غير السعوديات في عام 2010، أي إن ارتفاعًا في عدد العاملين غير السعوديين ذكورًا وإناثًا قد حدث بنسبة
31,05 في المئة في عام 2013 عن عام.2010
حالة المملكة العربية السعودية
أما في ما يتعلق بنوعية الوظائف التي عُرضت على المواطنين من الذكور والإناث، فيوضح الجدول (6) أن النشاط الذي عُرض يغلب على طبيعته عدم توافقه مع ثقافة المجتمع السعودي للذكور أو الإناث. منها على سبيل المثال الزراعة، والصيد والغابات، وصيد الأسماك، والتعدين، واستغلال المحاجر، والتشييد والبناء، والتي شهدت حالات توظيف للإناث على سبيل المثال، وأصابتها شبهة التوطين الوهمي لظهور تذبذب في حالات التوظيف من عام إلى آخر ارتفاعًا وانخفاضًا، فضلً عن حالات التسرب الوظيفي للذكور والإناث. أما أنواع النشاط التي توافقت مع ثقافة المجتمع السعودي، منها على سبيل المثال تجارة الجملة والتجزئة والعقارية والوساطة المالية، فهذه لم تشهد تسربًا، بل حافظت على معدلات شبة تصاعدية على مستوى الذكور والإناث. الجدول (6) المشتغلون السعوديون (15 عامًا فأكثر) بحسب المجموعات الرئيسة للنشاط الاقتصادي والجندر (2015-2006)
| 2015 | 2013 | 2011 | 2009 | عام | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| إناث | ذكور | إناث | ذكور | إناث | ذكور | إناث | ذكور | |
| 8,486 | 232,948 | 1474 | 225,375 | 1,158 | 159,237 | 1,309 | 100,449 | الزراعة والصيد والغابات وصيد االأسماك |
| 902 | 96,749 | 1,812 | 90,433 | 1,014 | 86,122 | 1,226 | 75,352 | التعدين واستغلال المحاجر |
| 13,091 | 173,634 | 9,000 | 137,587 | 10,425 | 114,998 | 5,388 | 113,988 | الصناعات التحويلية |
| 2,959 | 122,843 | 4,197 | 133,300 | 1,414 | 105,503 | 679 | 97,891 | التشييد والبناء |
| 21,585 | 211,191 | 18,811 | 249,885 | 5,270 | 267,226 | 7,096 | 288,028 | تجارة الجملة والتجزئة |
| 3,097 | 27,132 | 3,669 | 22,085 | 2,343 | 23,334 | 1,382 | 22,678 | الفنادق والمطاعم |
| 814 | 48,825 | 872 | 26,645 | 5,993 | 135,405 | 2,149 | 133,958 | النشاط العقاري |
المصدر: الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للإحصاء. ملاحظة: يسرد الجدول المذكور على موقع الهيئة العامة للإحصاء بيانات نصف سنوية شبه متكررة في العام الواحد، ما يصعب من عملية إدراجه كاملً؛ لذا قام الباحث بحذف بيانات بين عام 2006 والنصف الأول من عام 2008 لعدم الحاجة، كما اكتفى ببيانات الذكور والإناث فحسب للنصف الثاني من كل عام بحسب توافرها؛ وذلك لاستيفاء مقتضيات البحث، ويمكن الرجوع إلى الجدول كامل على موقع الهيئة العامة للإحصاء تحت العنوان نفسه.
في ما يتعلق بتأثير البرامج المذكورة على معدلات البطالة، فعند مراجعة معدلات البطالة الرسمية التي تزامنت مع تطبيق البرامج، لوحظ أن هناك تراجعًا في هذه المعدلات. ففي حين كان معدل البطالة 11,5 في المئة في عام 2010، ارتفع مع بداية تطبيق البرامج حتى وصل إلى ذروته 12,4 في المئة في عام 2011، حتى بدأ في التراجع إلى 12,1 في المئة تزامنًا مع تطبيق هذه البرامج، حيث وصل في عام 2012 إلى 12,0 في المئة في عام 2013، وانتهاء ب 11,7 في المئة في عام 2014، كما يظهر الشكل (2) الخاص بمعدلات البطالة. الشكل (2) معدلات البطالة (2014-2010) (بالنسبة المئوية)
المصدر: المملكة العربية السعودية، مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، الإحصاءات الاجتماعية، مسح القوى العاملة عام 2015 الدورة 2.)]2015[(
على الرغم من أن هناك انخفاضًا في معدلات البطالة، يتزامن مع انطلاق هذه البرامج، فإنه يتزامن أيضًا مع معدل إنفاق عام من الدولة، وبروز عدد من المشروعات الكبرى، كالمدن الاقتصادية والقطارات، الأمر الذي يفسر الارتفاع في نسب التشغيل للمواطنين، ذكورًا وإناثًا في مجالات عمل غير تقليدية إلى 102,42 في المئة في مقابل السماح لهم باستقدام عدد من العمالة غير المواطنة، وهذا يفسر استمرار ارتفاع نسب تشغيل غير الموطنين إلى 31.05 في المئة. وفي مجمل الحال لا يمكن إنكار دور هذه البرامج في معدلات التشغيل والبطالة. إذًا، نحن أمام ارتفاع في معدلات التشغيل للمواطنين مع استمرار ارتفاع معدلات تشغيل غير المواطنين، ويرافق ذلك انخفاضٌ طفيفٌ في معدلات البطالة للمواطنين.
توافق الاختيار العقلاني لأصحاب الأعمال والتوجهات الحكومية للتوطين
لقياس مدى توافق البرامج التي تطلقها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لتحقيق التوطين والاختيار العقلاني لأصحاب الأعمال المتوافق مع توجهات الدولة في التوطين، فإنه يلزم النظر للتغيّر في ما يلي: - التغيّر في عدد المنشآت المساهمة في التوطين والمتنقلة بين النطاقات.
حالة المملكة العربية السعودية
- التغيّر في عدد المشتغلين في القطاع الخاص. - التغيّر في عدد العاطلين من العمل من المواطنين.
برنامج نطاقات وبرنامج الحد الأدنى للأجور لاحتساب نسبة التوطين
من حيث نسب التوطين ما يلي:
بنسبة 43,8 في المئة.
بنسبة تغيّر 6,8 في المئة.
بنسبة تغيّر 82,6 في المئة.
تغيّر 94,2 في المئة.
2012 م (الرياض: الوزارة، 2014[])، ص.14
التي لم تحقق النسب المطلوبة للتوطين، مع ملاحظة الاعتبارات التالية لكلا البرنامجين:
يظهر الشكل (3) التغير الذي حدث في عدد الشركات التي تنقلت صعودًا وهبوطًا بحسب النطاقات
- أن هناك تناقصًا في عدد الشركات الواقعة في النطاق الأحمر من 120.599 شركة إلى 67.769 شركة
- أن هناك تناقصًا في عدد الشركات الواقعة في النطاق الأصفر من 40.341 شركة إلى 37.611 شركة،
- أن هناك تزايدًا في عدد الشركات الواقعة في النطاق الأخضر من 80.247 شركة إلى 146.548 شركة،
- أن هناك تزايدًا في عدد الشركات الواقعة في النطاق الممتاز من 6.641 شركة إلى 12.899 شركة بنسبة
الشكل (3) المنشآت بحسب النطاق على مستوى المملكة
المصدر: المملكة العربية السعودية، وزارة العمل، الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العمل 1434/1433 ه -
إذًا، نحن أمام ارتفاع في عدد المنشآت المحقِّقة نسب التوطين المطلوبة، وانخفاض في عدد المنشآت
- ساهمت التسهيلات الممنوحة للمنشآت التي حققت نسب التوطين المطلوبة في نقل كفالة العاملين في الشركات التي لم تحقق النسب المطلوبة من دون موافقة على تدوير العمالة الوافدة من شركات مخالفة لنسبة التوطين إلى شركات غير مخالفة، وبالتالي ساهمت هذه التسهيلات في تنظيم سوق العمل بتبادل العمالة بين الشركات الصغرى والكبرى في استيعاب غير المواطنين. - لا يظهَر أن هناك تغيرًا في ما يتعلق بالتوطين بما يفرّق بين طبيعة فرص العمل ونوعيتها المعروضة
في السوق، ما نتج عنه ما يسمى «التوطين الوهمي»، الأمر الذي يمكن ملاحظته بوضوح في ارتفاع نسبة تشغيل الإناث، كما في الجدول (5) الخاص بعدد العاملين في منشآت القطاع الخاص بين عامي 2009 و 2013، حيث زاد عدد العاملات الإناث بنسبة 723 في المئة، في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة العاملين السعوديين إلى 68 في المئة فقط، مع ملاحظة استمرار نسبة العاملين غير السعوديين في الزيادة بنسبة 31,45 في المئة في عام.2013
قرار المقابل المالي لزيادة العمالة غير الوطنية عن العمالة الوطنية 2400 ريال
يظهر الجدول (5) الخاص بعدد العاملين في منشآت القطاع الخاص أن هناك ارتفاعًا حدث بدخول عدد كبير من الإناث بنسبة 723 في المئة في عام 2013، أي إنه تضاعف نحو 7 أضعاف عن عام 2009، في ظل ارتفاع طفيف للذكور، قياسًا على عددهم الأصلية بنسبة 37,37 في عام 2013 م عن
عدد العاملين في عام 2010، فيما كان الارتفاع الإجمالي لعدد العاملين السعوديين ذكورًا وإناثًا بنسبة 102,42 في المئة في عام 2013 عن عام 2010، وكذلك غير المواطنين بنسبة 30,32 في المئة في عام 2013 عن عدد العاملين في عام 2010، فيما ارتفع عدد العاملات الإناث بنسبة 82,65 في المئة في عام 2013 عن عام 2010، فيما ارتفع إجمالي عدد العاملين غير السعوديين ذكورًا وإناثًا بنسبة 31,05 في المئة في عام 2013 عن عام.2010 بقراءة هذه الإحصاءات، لوحظ الآتي: - أن النسبة الكبرى في الارتفاع في معدل التشغيل للمواطنين هي لمصلحة الإناث لا الذكور، وهي منطقة ضعف في بنية القطاع الخاص يسهل شغلها بمواطنات بسهولة، مع ملاحظة ضعف الارتفاع في جانب الذكور، وكذلك في أنواع النشاط التي وُظّفت فيها إناث، والتي لا تتوافق مع بنية المرأة ولا ثقافة العمل في المجتمع السعودي، ومنها صيد الأسماك والتشييد والمناجم. - أن هذا القرار يضغط على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحديدًا العاملة في مجالات الإنشاء والبناء، ما يجعل تحقيق نسب التوطين المطلوبة صعبة لضعف إقبال المواطنين على هذه المهن، أو اللجوء إلى التوطين الوهمي لتشغيل الإناث في مجالات عمل غير متوافقة مع قدراتهن كما سبق ذكره، وبالتالي فهي تضع أصحاب الأعمال في مواجهة مع الأنظمة وارتكاب المخالفات، فتفتح الباب للتوطين الوهمي من جهة، وتعمل على تحميل العمالة الوافدة هذه الرسوم من جهة أخرى، في مقابل بقائها للعمل، فيما لا يحقق ضغطًا مباشرًا على المنشآت الكبرى في تحقيق توظيف نوعي للتوطين،
حالة المملكة العربية السعودية
حيث إن أغلبية هذه الشركات تكون قد حققت نسبة السعودة المطلوبة، كمًا وليس كيفًا، وبالتالي لا
يشكل القرار أي عقبة يصعب تجاوزها، وإن حدث ذلك فإن ملاءتها المالية تساعدها في الالتفاف على هذه السياسة. إذًا نحن أمام ارتفاع في معدل تشغيل المواطنين وغير المواطنين على السواء، ضاعف فيه القطاع الخاص غير المواطنين من حيث العدد على المواطنين، بما لا يدل على فاعلية القرار على مسألة التوطين في حد ذاته، خصوصًا أن عدد غير المواطنين في ارتفاع مستمر.
- برنامجا الدعم المادي والدعم الإضافي
يعالج هذان البرنامجان مسألة الدعم المادي للتوطين من خلال المساهمة - كما سبق - بتقديم دعم مالي لمدة محددة؛ وذلك لدعم عملية التوطين على الوظائف الأعلى العليا من الهامشية برفع قيمة الدعم إلى 4000 ريال، وما تمثله من ربحية للقطاع الخاص، حيث لا تقصر الدعم على وظائف معينة يمكن استقطاب المواطنين إليها، وبمراجعة المعطيات الواردة نجد أننا لا نزال في مواجهة معدلات بطالة شبه ثابتة، وهي قد تكون إشارة واضحة إلى ضعف هذا البرنامج في احتواء أعداد البطالة المتزايدة على الرغم
مما يقدمه من إغراءات مادية للمنشآت لتحفيز التوطين، إضافة إلى ما أخذ على البرنامج بأنهُ: - لا يشمل أكثر من 20 في المئة من الموظفين بحسب آلية الاستحقاق؛ وذلك للنطاق البلاتيني، كما أنه غير انتقائي لوظائف معينة، كالوظائف الإشرافية لتغيير ديموغرافية التوطين في القطاع الخاص، بما يساعد في استمرارية المواطنين في سوق العمل. - غير مستقر، كون الدعم مرتبطًا بمدة زمنية معينة، ما يجعل أصحاب الأعمال أكثر حرصًا على الكم
لا الكيف في التوطين، وعلى شغل الوظائف ذات المستوى المنخفض من حيث العائد لقلة التكلفة، قياسًا إلى الوظائف النوعية ذات التكلفة الأعلى وذات الاحتمال الأعلى لبقاء المواطن في سوق
العمل، وهي قد تكون محاولة لكسب الوقت والدخول في نطاق أعلى تصنيفًا. - لا يقدم الدعم أكثر من مرة للعامل السعودي عند التوظيف، ما يجعل أصحاب الأعمال لا يفضلون التوظيف لمن سبق له الاستفادة من الدعم، وفي ذلك يواجه العامل السعودي الذي استفاد من برامج الدعم في المرة الأولى صعوبة في التوظيف من القطاع الخاص مرة أخرى. إذًا نحن أمام برنامج لا يشمل جميع الموظفين السعوديين في المنشأة، كما أنه لا يقبل الانضمام ثانية إلى المواطن السعودي، بما لا يدل على فاعلية القرار على مسألة التوطين، كونه يحرص على عدد المستفيدين من حيث الكم لا من حيث النوع.
النتائج
بالاطلاع على المعطيات المتعلقة بمخرجات هذه البرامج، ومساهمتها في عملية التوطين، خرجت الدراسة بتصور عام، يشير إلى أن البرامج الحالية أقرب إلى تحقيق أهداف قريبة الأمد منها إلى تحقيق
أهداف طويلة الأمد، وأن القرارات التي اتخذها القطاع الخاص في فترة الملاحظة هي اختيارات عقلانية متوافقة مع معايير منفعة القطاع الخاص نفسه فحسب، لا مع منفعة الدولة في مسألة التوطين؛ ولذلك فإن كثيرًا من القضايا العالقة بين القطاع الخاص والحكومة، كالتوطين الوهمي ومحاربة رفع
تكلفة العمالة الوافدة والمناورة في توطين الوظائف الإشرافية والإدارية، لا يزال قائمًا، وإن استجابة أصحاب الأعمال لها لا تحقق بالضرورة ذلك القدر من المنافع التي يتوخونها، بقدر ما هي تَكيّف مع
العقبات والقيود التي تضعها الدولة في طريقهم ضمن تشريعاتها لتوطين الوظائف. مع دراسة معوقات التوطين من وجهة نظر القطاع الخاص وتحليل السلوك الذي ينتهجه في قضايا التوطين، نجد أن المحددات الثلاثة للسلوك العقلاني والتي تتشكل على أساس (الفعل الهادف إلى المنفعة، والمبني على اعتقاد يتوخى الحصول على منفعة نتيجة لمعلومات دقيقة) تتحقق فعل كون: - معظم سلوك أصحاب الأعمال مبنيًا على اعتقاد يحقق المنفعة، وهو أن العمالة الوافدة أكثر إنتاجية
وتحملً لبيئة العمل في القطاع الخاص وأقل تكلفة في مواجهة هامش الربحية، ما يبرر استمرار التعاقد مع غير الموطنين وارتفاع معدل تشغيلهم ذكورًا وإناثًا. - أصحاب الأعمال بنوا اعتقادهم بفائدة استقدام العمالة الوافدة على أساس التجربة على أرض الواقع، حيث لمسوا منفعة وبالأرقام، أي معلومات دقيقة في هامش الأرباح وانخفاض المصروفات. - النتائج السنوية لموازنات منشآت القطاع الخاص كمعلومات عكست صحة الاعتقاد الذي يشكل سلوك الإقبال على تشغيل العمالة الوافدة مقابل الوطنية، ما عكس استمرارها في التعاقد الخارجي والتحايل على التوطين، والعكس صحيح بالنسبة إلى العمالة الوطنية. إضافة إلى ذلك، فإن سلوك مُلّك القطاع الخاص هذا توافق مع تفسيرات نظرية التبادل الاجتماعي، فليس جميع البشر - كما ذكر جورج هومانس في تفسيره السلوك الاجتماعي الأولي - يقومون بأفعال عقلانية في حقيقتها، بل بما يعتقدون أنه عقلاني، بحسب ما أثبته الواقع اليومي في حياة الناس، ومع قول هومانس إن الناس يكررون الأفعال التي تجلب لهم مكافآت، ويستجيبون للمؤثرات المرتبطة بتلك المكافآت، ويتصرفون على أساس القيم التي ينسبونها إلى تلك المكافآت. إضافة إلى ذلك، فإن هذا يفسر صحة ما ذهب إليه منظرو الاختيار العقلاني، من أن الفرد يختار فعلً معينًا من عدد من الأفعال متى اعتقد أن نتيجته ستكون أفضل من غيره أو ذات قيمة بالنسبة إليه، وسيكون راضيًا إذا حصل ما كان متوقعًا باعتباره «مكافأة» أو أكبر مما كان متوقعًا ليقوم بسلوك
استحساني، أما عندما لا يحصل ما كان متوقعًا باعتباره «مكافأة»، أو يحصل على «عقاب» لم يكن متوقعًا، فغالبًا ما يقوم بسلوك مقاوم، أي محاولات التحايل على الأنظمة والتذمر منها ومحاربتها
ومحاربة من يقوم عليها سرًا وعلانية.
حالة المملكة العربية السعودية
بناء عليه، نجد أن: - أصحاب الأعمال يكررون سلوك التعاقد الخارجي مع العمالة الوافدة وسلوك التوطين الوهمي وسلوك طلب الدعم الحكومي للتدريب المنتهي بالتوظيف نتيجة مكافأتهم عليه من خلال الأرباح المحققة، أو على الأقل التوافق مع الأنظمة. - مكافأة أصحاب الأعمال على هذا السلوك بالنسبة إلى التوظيف الهامشي الذي يحقق النسب الكمية المطلوبة (مكافآت: كالدعم الحكومي، ونقل كفالة العامل من دون موافقة الكفيل) تحولت إلى مؤثر بمنزلة فعل ماضٍ تحقق منه منفعة ملموسة، تجعل أي سلوك مشابه قابل للمعاملة نفسها في المستقبل. - أصبح لسلوك أصحاب الأعمال قيمة ملموسة، تفسر تكراره مرات ومرات وتزيد من فرص القيام به مرات أخرى. بناء عليه، خلصت الدراسة إلى أن البرامج والتشريعات التي طرحتها الدولة، على الرغم من الجهد المضني الذي اتبّعته لإشراك القطاع الخاص في عملية التنمية من خلال توطين الوظائف لم توجّهه
(أي القطاع الخاص) كي يكون اختياره العقلاني متوافقًا بالضرورة مع توجهات التوطين وذلك نتيجة عدد من الملاحظات الآتية: - ظهور محاولات نكوص للقطاع الخاص عن مسألة التوطين، متى أتيحت له الفرصة من خلال السعودة الوهمية تارة، والتحايل في عرض مهن لا تتوافق ثقافيًا وطبيعة المجتمع السعودي تارة أخرى،
على الأقل في المرحلة الحالية؛ كأن يعرض الحاجة إلى مهن السباكة والنجارة وغيرها، لإقامة الحجة على السعوديين في عدم رغبتهم في العمل، ولا يعرض عليهم مهن السكرتارية والمهن الإشرافية على سبيل المثال لتبرير استقدامهم لعمالة وافدة بتلك المسميات (أي النجارة والسباكة)، ومن ثم يشغلها في المهن التي أخفاها عن المواطنين سابقًا (السكرتارية والمهن الإشرافية) التي هي وظائف شاغرة نظامًا في هيكله التنظيمي، الأمر الذي يفسر نمو معدلات تشغيل غير المواطنين بنسب مرتفعة تصل إلى 30 في المئة. - لم تراع أوضاع المنافسة الشرسة التي يواجهها القطاع الخاص المتوسط والصغير، الذي يشكل 85 في المئة من منشآت القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية، ما يجعل إقبالهم على التوطين محاولة للوفاء بالشروط والأنظمة والبرامج، لا قناعة بعملية التوطين، ومن ذلك تسهيلات انتقال العمالة للشركات الخضراء من دون موافقة الكفيل المخالف للأنظمة لتحفيز القطاع الخاص الأكثر توطينًا؛ الأمر الذي يجبر تلك المنشآت الصغيرة على التحايل على هذه البرامج أو الإفادة منها بتدوير العمالة الوافدة من شركات مخالفة لنسبة التوطين إلى شركات غير مخالفة، ما يعني أنها لم تساهم فعليًا في تحقيق التوطين بقدر ما ساهمت في تنظيم سوق العمل - إن صح التعبير - وهي وإن
عُدّت خطوة جيدة، إلا أنها أبقت الباب مواربًا؛ ربما للنكوص عن عملية التوطين برمتها مستقبلً،
بحجة تعطيل التنمية، بدليل ضعف التغير في عدد المنشآت الواقعة في النطاق الأصفر إلى 6,8 في المئة وارتفاع التغير في الشركات الواقعة في النطاق الأحمر إلى 43,8 في المئة والأخضر إلى 82,6 في المئة. - لا تركز على التوطين النوعي بقدر ما تركز بشكل كبير على الجانب الكمي لعملية التوطين، فهي لا تفرق بين طبيعة فرص العمل التي يعرضها القطاع الخاص ونوعيتها، وبالتالي تساهم في زيادة معدلات التوطين الوهمي، فمتى زادت نسبة الحاجة إلى العمالة الوافدة عملت الشركة على زيادة المواطنين في وظائف هامشية لتحقيق نسبة التوطين المطلوبة، الأمر الذي لا يتحقق معه ثباتًا للمواطنين في سوق العمل، كما أنها لا تشكل ضغطًا مباشرًا على المنشآت الكبرى في تحقيق توظيف نوعي للتوطين،
حيث إن الشركات الكبرى تكون قد حققت نسبة السعودة المطلوبة فعليًا، وبالتالي لا يشكل القرار أي
عقبة يصعب تجاوزها. - لم تُمنح للقطاع الخاص فرصة التعامل مع التوطين على أساس العرض والطلب والتنافسية الحقيقية بما يدفعه لأن يختار اختيارًا عقلانيًا يقاس عليه الإقبال على التوطين من عدمه، حيث لا تزال مقاومة
القطاع الخاص شرسة أمام محاولات رفع تكلفة العمالة الوافدة التي تنتهجها الحكومة على استحياء، فيما تُعَد هي الفيصل في توجيه الاختيار العقلاني نحو التوطين. - لا تفرق هذه البرامج بين المنشآت من حيث النوع والحجم، خصوصًا العاملة في مجالات الإنشاء
والبناء تحديدًا، والمهن المتدنية كالزراعة والصيد والتعدين التي يصعب عليها تحقيق نسب التوطين المطلوبة لضعف إقبال المواطنين على هذه المهن، وبالتالي لجوء القطاع الخاص - على سبيل المثال - نحو التوطين الوهمي بتوظيف الإناث في قطاع التشييد والبناء وصيد الأسماك والمحاجر. - غير انتقائية لوظائف معينة، من حيث الدعم للأجور، على الرغم مما تمثله من ربحية للقطاع الخاص، فهي لا تقصر الدعم على وظائف معينة يمكن استقطاب المواطنين عليها، لتغيير ديموغرافية التوطين في القطاع الخاص، بل تجعل الدعم عامًا، أي إنه مبني على الكم لا الكيف.
خاتمة وتوصيات
ارتهنت السياسة التي انتهجتها الحكومة السعودية للقرارات المتعلقة بالتوطين لكفاءة الفريق الوزاري المعني، فمتى كان الفريق ابتكاريًا، يقدم برامج ومبادرات جديدة، يتخطى بها العقبات الطبيعية التي
يفتعلها أصحاب الأعمال، فإن النتائج تصبح مثمرة وذات أثر ملموس على مسألة التوطين، والعكس صحيح بالوقوف أو التعثر، بل وربما العودة إلى الوراء خطوات، في حال كان الفريق المسؤول تقليديًا
في معالجته التحديات. إضافة إلى ذلك، يجدر الأخذ في الاعتبار نصيب هذه المبادرات والقرارات من التطبيق والمتابعة والملاحقة القانونية للمخالفين من الجهات الرقابية، التي تتطلب عملً إداريًا تكامليًا لأجهزة حكومية
أخرى، كوزارة الداخلية لضبط الهجرة غير الشرعية، ووزارة التجارة لضبط الأسعار المقدمة للخدمة،
حالة المملكة العربية السعودية
ووزارة التعليم العالي في توجيه مخرجات التعليم في الكليات المتوسطة ومنتوجاتها من خلال اختبارات رخص العمل. ما أن ننتهي من ذلك، فإننا لا نلمس عملً يعتمد استراتيجيا بعيدة الأمد، تحديدًا في جعل رجالات القطاع الخاص تتجرع أو تختار مرارة التوطين - إن صح التعبير - اختيارًا عقلانيًا في مقابل التخلي عن
الاستقدام، بقدر ما نلمس استراتيجيا قصيرة الأمد تعمل وفقًا لمعادلة «العصا والجزرة» التي ربما تنتهي بمجرد رحيل فريق العمل المجتهد في الوزارة أو تغير رأس الهرم أو انحسار الضغط الحكومي لتحقيق التوطين؛ لذلك فإنه ينصح لتحقيق التوطين المستدام لاستثمار المورد البشري في المملكة العربية السعودية اتباعُ التوصيات الآتية: - التعامل مع قضية التوطين على أساس استراتيجي يحمل رؤية مستدامة نحو التوطين. - ربط جهد الجهات الحكومية المعنية، كوزارات الداخلية والتجارة والعمل والتنمية الاجتماعية معًا، وإشراكها في مناقشة برامج التوطين وتطويرها، والحصول على ضمانات للمساهمة في التطبيق. - تحويل سلبيات البرامج التي تقدمها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية إلى إيجابيات، من خلال عكسها لمصلحة المواطن لتحقيق معادلة التوطين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التصنيف الكمي للتوطين والحرمان من برنامج دعم الأجور لمن سبق له الإفادة منه من السعوديين. - تحويل إيجابيات التعاقد الخارجي مع غير السعوديين التي يحصدها القطاع الخاص إلى سلبيات، ما يجعل من تشغيل المواطن محققًا لمنفعة القطاع الخاص في مقابل التعاقد الخارجي، واختيارًا
عقلانيًا طبيعيًا له، ليتوافق وتوجهات الدولة في التوطين، منها المضي في رفع تكلفة الاستقدام،
وتحديدًا المهن التي يمكن شغلها بسعوديين، كالمهن الإشرافية والكتابية. - استخدام منهجية «القصر على» على المواطنين عند التشغيل في بعض القطاعات المتوافقة ثقافيًا
مع المجتمع السعودي، حيث أثبتت هذه المنهجية نجاحًا باهرًا يجبر القطاع الخاص على التعامل
مع القرارات كأمر واقع، وبالتالي تنخفض نسب التوطين الوهمي، ويبدأ القطاع الخاص في اختيار الأصلح من المعروض في ما يتعلق بالمورد البشري الوطني في السوق. References
المراجع
العربية
كتب
إدارة البحوث والدراسات، مجلس القوى العاملة، الأمانة العامة. دليل المهن المقتصرة على السعوديين: دليل الأنشطة والمهن والوظائف التي يقتصر العمل فيها على السعوديين والإحلال التدريجي للعمالة الوطنية. ط 2. الرياض: المجلس،.2002
عبد الكافي، إسماعيل عبد الفتاح. الموسوعة الاقتصادية والاجتماعية (عربي - إنجليزي).)2005(في: موقع كتب عربية: عرابي، عبد القادر. المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية. دمشق: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر،
المملكة العربية السعودية، وزارة العمل. الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة العمل 1434/1433 ه - 2012 م. الرياض: الوزارة،.]2014[
دورية
العمر، معن خليل. «التبادل الاجتماعي بين المثقف والمجتمع.»المجلة الاجتماعية (الرياض.) العدد 2 (شتاء.)2009
أطروحة ورسالة
العلي، صادق بن صالح بن عبد الله. «دور برنامج نطاقات في توطين الوظائف التعليمية في المدارس الأهلية من وجهة نظر الملاك والمعلمين بمدينة مكة المكرمة - مقترحات للتطوير-». إشراف عبد الله بن أحمد سالم الزهراني. رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة أم القرى، كلية التربية، قسم الإدارة التربوية والتخطيط، مكة المكرمة،.2015 العنزي، مشعل بن سليمان العدواني. «التخطيط الاستراتيجي لتنمية الموارد البشرية بالمملكة العربية السعودية: دراسة تحليلية لأداء صندوق تنمية الموارد البشرية». إشراف هاشم بن بكر حريري. أطروحة دكتوراه، جامعة أم القرى، كلية التربية، مكة المكرمة،.2008
مؤتمر
المؤتمر العربي للسكان والتنمية في الوطن العربي: الواقع والآفاق، الدوحة، 20-18 أيار/مايو.2009
وثائق
محمد، أسرار. «معوقات تطبيق سعودة الوظائف في منظمات القطاع الخاص بالمملكة العربية السعودية.» المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية: أكبر بوابة عربية تعنى بعلوم إدارة الموادر البشرية:
المملكة العربية السعودية، مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، الإحصاءات الاجتماعية. مسح القوى العاملة عام 2012 الدورة 2.]2012[..__________ مسح القوى العاملة عام 2013 الدورة 2.]2013[..__________ مسح القوى العاملة عام 2014 الدورة 2.]2014[.
www.kotobarabia.com.
https://hrdiscussion.com/hr47262.html.
حالة المملكة العربية السعودية
.__________ مسح القوى العاملة عام 2015 الدورة 1.]2015[..__________ مسح القوى العاملة عام 2015 الدورة 2.]2015[. وزارة العمل. دليل نطاقات. الإصدار 1435/1. الرياض..2015
الأجنبية Books
LePore, Ernest and Brian P. McLaughlin (eds.). Actions and Events: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson. Oxford: B. Blackwell, 1985. Ritzer, George. Contemporary Sociological Theory and Its Classical Roots: The Basics. Boston, MA: McGraw Hill, 2003.
Periodical
Koyame - Marsh, Rita O. «Saudization and the Nitaqat Programs: Overview and Performance.» Journal of Accounting, Finance and Economics. Vol. 6, no. 2 (September 2016), pp. 36-48.
Conference
Mashood, Neelofer, Helen Verhoeven and Bal Chansarkar. «Emiratisation, Omanisation and Saudisation - Common Causes; Common Solutions?.» Paper Presented at: Proceedings of the 10th International Business Research Conference, Dubai, UAE, 2009, at: http://www.wbiconpro.com.
Document
«Back to Work in a New Economy: Background Paper on the Saudi Labor Market.» Evidence for Policy Design (EPoD), Center for International Development, Harvard University, April 2015.