Return to Article Details ما الصلات الاجتماعية التي تجعل من عدد من المجموعات والأفراد مُجْتَمَعًا؟

ما الصلات الاجتماعية التي تجعل من عدد من المجموعات والأفراد مُجْتَمَعًا؟

What are the Social Bonds that Turn Groups and Individuals into a Society? Quels sont les rapports sociaux qui font d’un ensemble de groupes humains et d’individus une Société ?

موري س غودليي | Maurice Godelier *

الملخّص

ما الصلات الاجتماعية، أيًا كانت طبيعتها، سياسية أم دينية أم اقتصادية أم صلات قُرْبى ...إلخ، التي لها القدرة على تجميع عدد ما من المجموعات البشرية والأفراد وعلى توحيدهم في كلٍّ يحتويهم ويمنحهم هوية إضافية جامعة ومشتركة، فيشكلون بأَثَرٍ من ذلك "مُجْتَمَعًا" له حدود معلومة، وإن لم يكن، فمُعترف بها من المجتمعات التي تجاوره؟ يحاول البحث الإجابة عن هذا السؤال المعقد القديم الجديد بأدوات أنثروبولوجية.

Abstract

Abstract: This presentation seeks to detail the social bonds, be they political, religious, economic, of kinship, etc., that have the ability to combine human groups and individuals and unite them in a single whole that contains them. These bonds give people an additional shared uniting identity, thereby forming a defined «society» that is then recognized by neighboring societies. This research tries to answer this complex and longstanding question from an anthropological perspective.

الكلمات المفتاحية:
  • قرابة
  • اقتصاد
  • تمثلات مخيالية
  • مجتمع
  • غينيا الجديدة - بابوازي

ترجمة: منير السعيداني | Mounir Saidani ***

ملخص: ما الص ت الاجتماعية، أيًا كانت طبيعتها، سياسية أم دينية أم اقتصادية أم صلات قُرْبى...إلخ، التي لها القدرة على تجميع عدد ما من المجموعات البشرية والأفراد وعلى توحيدهم في كلٍّ يحتويهم ويمنحهم هوية إضافية جامعة ومشتركة، فيشكلون بأثَرٍ من ذلك «مُجْتمَعًا» له حدود معلومة، وإن لم يكن، مُعترف بها من المجتمعات التي تجاوره؟ يحاول البحث الإجابة عن هذا السؤال المعقد القديم الجديد بأدوات أنثروبولوجية.

للسؤال الذي أحاول اليوم أن أجيب عنه علاقة بكل العلوم الاجتماعية في آنٍ: ما الصلات الاجتماعية، أيًا تكن طبيعتها، سياسية أم دينية اقتصادية أم صلاتِ قُرْبَى...إلخ، التي لها القدرة على تجميع عدد ما من المجموعات البشرية والأفراد، وعلى توحيدهم في كل يحتويهم ويمنحهم هوية إضافية جامعة ومشتركة، فيشكّلون بأ ثَرٍ من ذلك «مُجْتمَعًا» له حدود معلومة، وإن لمَ يكن، مُعترف بها من المجتمعات التي تجاوره؟ للمجموعات البشرية التي يمكن الأفراد أن ينتموا إليها طبائع بالغة التنوّع: سلُالات، «بُيوتٌ»، عَشائر، منَازل، «كَاسْت»، طبقات، جماعات محلية أو دينية...إلخ. من المعتاد أن ينتميَ الفرد إلى عدد من المجموعات، تمنح له كل واحدة منها هُويّة مُتعَيّنة مخصوصة أو أكثر. وإلى تلك الهويات ذاتها تُضاف الهويّة الجامعة المشتركة التي تَعْلَقُ بجميع الأفراد، أيًا تكن هويّاتهم المتعينة، تأتيهم من انتمائهم إلى «المجتمع» ذاته، إلى الكل ذاته. عمومًا، يُعْرَف المجتمع «باسم كبير» يعيّن به ذاته؛ من ذلك قولُكَ الأثينيين أو الإسبارطيين أو الفرنسيين أو الأتراك أو الأوزبك. وتعيّن هذه الأسماء بصفة تعميميّة جَمْعًا من المجموعات يمارس شكلً من السيادة على إقليم ترابي. كما أن شكل السيادة الواقعة على الإقليم الترابي يتبدّل بحسَب السياق التاريخي والسوسيولوجي. وكان لنا زمن اليونان القديم مدن-دول على غرار أثينا، وفي غينيا الجديدة ما قبل حلول الأوروبيين كانت ثمة قبائل أو جماعات لها زعامات، وكانت في أوروبا دول-أمم ظهرت في نهاية العصر الوسيط في القرنين السادس عشر والسابع عشر أو كانت، على غرار الدولة التركية، وليدة انقضاء الإمبراطورية العثمانية في عام.1923 مثل هذا السؤال ليس مركزيًا بالنسبة إلى العلوم الاجتماعية فحسب، بل هو اليوم في قلب الحدث السياسي والاقتصادي العالمي الراهن؛ ذلك أن الجميع يتساءل اليوم عما سيكون عليه مصير الهويات الاجتماعية المتعينة المحلية أو القومية الوريثة لماضٍ تليد أو قريب في عالم تشهد فيه حقًا الدول والمجتمعات المحلية كلها أول مرة في تاريخ البشرية اقتصادها وشروط وجودها المادي، وحتى قوّتها السياسية، تندمج اندماجًا أكثر فأكثر كلية في نسق واحد، هو نسق إنتاج البضائع العالمي الرأسمالي. فمنذ انهيار النسق المسمّى اشتراكيًا في أوروبا وفي اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في عام 1989، يتمدّد هذا النسق حتى تخوم الكرة الأرضية باستثناء بعض الجيوب الثَّوَافِل مثل كوبا وكوريا الشمالية. إلى غاية انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية إضافة إلى قرار دينغ كسياو بينغ في عام 1978 التخلّي عن التخطيط الماوي للاقتصاد للدفع بالصين إلى اقتصاد السوق الرأسمالي، فإن الواقعة الجديدة الكونية تتمثل في كون المجتمعات، كبيرها وصغيرها، أصبحت غير قادرة على إعادة إنتاج ذاتها ماديًا إلا إذا ازداد اشتراكها الكلي في هذا النسق. إزاء هذه الوضعية الدولية، يتساءل كثيرون عما إذا كانت الحدود الفاصلة بين الدول والثقافات المختلفة (تلك الحدود الموروثة من الماضي) بصدد الزوال لتفسح المجال لبِرْكَة ضخمة من الثقافات

والمجتمعات متزايدة التّهجين. لكن، في مقابل مثل هذه النبوءات، تكفي ملاحظة التوتّرات القومية بين الصين واليابان أو بين الهند وباكستان، أو معاينة القومية ذات الطموح الإمبريالي لدى الولايات المتحدة أو روسيا، حتى نفهم أننا لم نبلغ ذلك حتى الآن، وأن من المحتمل ألا نبلغه أبدًا. للإجابة عن السؤال الذي وضعته للتوّ أتولى تِبَاعًا، وبالانطلاق من أمثلة ملموسة، تفَحُّصَ إجابات قدّمها مفكرون مختلفون في عصور مختلفة، اكتسب بعضها قيمة البداهة «الفلسفية» أو «العلمية.» وسوف أستجلي أولً إن كان يمكن العائلة وعلاقات القربى والمجموعات القرابية على نحوٍ أعم أن تكون أسًا لمجتمعٍ، بل للمجتمع. تلك فكرة قديمة عبّر عنها في الغرب أرسطو (القرن الرابع قز م) وفيُ الشرق كونفيشيوس (القرن السادس ق. م.). ومُذَّاك لاقت هذه الأطروحة استعادات لها ضمن ديانات وفلسفات محافظة متنوّعة، لا بل صارت «حقيقة» من حقائق الأنثروبولوجيا، بل واحدة من مُصادَراتها، على الأقلّ في ما يهمّ المجتمعات القبلية غير ذات «الكاست»، وغير ذات الطبقات وغير ذات الدولة، تلك التي كانت حتى الأمس تسمّى «مجتمعات بدائية» وتُعرّف في العادة ضمن دلائل الاختصاص على أنها «مجتمعات ذات أساس قرابيّ» societies) based - (Kin. في إثر ذلك، سأستجلي إن كان يمكن العلاقات الاقتصادية أن تولّد بين المجموعات الاجتماعية أساسًا مشتركًا له القدرة على توحيدها في كل يصنع منها مجتمعًا. وسينتهي بي ذلك إلى تفكيك طريقتين مختلفتين في إسناد مثل هذا الدور إلى النشاط الاقتصادي وإلى العلاقات الاجتماعية التي تنتظمها أطروحة كارل ماركس Marx) (Karl والاقتصاديين الذين يعلنون تبني فكره، وأطروحة ماري إسبري ليون والراس Walras) Léon - Esprit - (Marie وفيلفريدو باريتو Pareto) (Vilfredo والاقتصاديين الليبراليين الذين يَسْتَلْهِمُونَهُما. لدى ماركس، تكون العلاقات المادية والاجتماعية التي تصل الأفراد والمجموعات بعضهم ببعض من خلال إنتاج شروط وجودهم الماديّة وإعادة توزيعها، منبعَ العلاقات الأخرى الاجتماعية والسياسية والدينية وعلاقات القربى. أما أنماط الإنتاج العبودية والإقطاعية والرأسمالية المختلفة فهي الأسس التي عليها تُشَاد أنواع «البنى الفوقية» المختلفة التي تَنشدّ إلى هذه الأسس بفعل قوانين تناسُبٍ بنيويّ. ولدى الاقتصاديين الليبراليين، يمكن اقتصاد السوق الرأسمالية، المعتبر عندهم أوّل نسق اقتصادي كامل العقلانية بل الوحيد ممّا عرفته البشرية، وعلى شرط أن تُخلّص المجتمعات من المؤسسات والعادات التي تعرقل النماء الحر للسوق، أن يوزّع بطريقة مثلى على أعضاء مجتمع ما الخيرات والخدمات المنتجة للسوق، ومن ثم أن يؤمّن نماءً متناسقًا ومستدامًا للمجتمعات. واختصارًا للقول، بعد الفراغ من تفكيك بعض أشباه-البداهات الفلسفية أو العلمية هذه، وإذا ما توفقنا إلى بيان أن علاقات القرابة والعلاقات الاقتصادية ليس بمستطاعها أن تفسّر صُنْع مجتمع، نعيد السؤال مُجدَّدًا بشأن تحديد العلاقات الاجتماعية التي لها هذه القدرة. بُغْيَة تحليل هذه الإشكالات، سأستند على تجربتي الخاصة، أي على وقائع كنت قد عاينتُها وعلى معلومات استقيتُها في أثناء ممارستي مهنتي عالِمًا أنثروبولوجيًا ميدانيًا في غينيا الجديدة - بَابوَازِي (Papouasie) حيث عشتُ وعملتُ أكثر من سبعة أعوام (1981-1966). لقد منحني المجتمع الذي فيه عشت وعمِلتُ، قبيلة البارويا (Baruya)، مواد مخصوصة الإفادة في الإجابة عن أسئلتنا.

يعيش البارويا في الجبال المرتفعة في غينيا الجديدة، وقد «اكتشفهم» في عام 1951 جيم سانكلار Sinclair) (Jim، «ضابط الدورية» الأسترالي الشاب. انتقلت المنطقة إلى الإشراف العسكري والإداري الأسترالي في عام 1960، واعتُبرت مُكتملة التهدئة في عام 1965. حللتُ فيها في عام 1966، أي قبل أعوام من حالات التماسّ الأولى مع «البيض»، وسرعان ما لاحظت عدم وجود «كاست» أو طبقة في ذلك المجتمع، بل ثمة عشائر فحسب؛ مجموعات قرابة أبويّة الخط السلّالي تتقاسم الإقليم الترابي للقبيلة. من ذلك استنتجت آنذاك أنني كنت إزاء «مجتمع ذي أساس قرابي»، «مجتمع بدائي» بحق على صُورة ما قرأت في الكتب وتعلمتُ في الجامعة. وبالتدريج، اكتشفت عددًا من الوقائع التي فنّدت بعض «البداهات» التي كنت قد حفظتُها من الكتب. أوّلها أن هذا المجتمع، البارويا، لم يكن موجودًا قبل قرنين من ذلك التاريخ، وأنه قد يكون تشكل - بحسب تقديراتي - في نحو نهاية القرن الثامن عشر، في ظروف كانت فيها ثمانٍ من العشائر الخمس عشرة التي تكوّن القبيلة، وهذه الأخيرة تتَحدَّر من عشائر كانت قبل ذلك التاريخ بقرون تنتمي إلى قبيلة أخرى، هي قبيلة اليويي (Yoyué)، التي عاشت على مسافة أيام سيرًا على الأقدام من الجبال والأودية التي يعيش فيها البارويا اليوم. في إثر نِزاع عنيف داخل اليويي، قُضي على جزء من أفراد العشائر الثمانية، وفرّ الناجون ليجدوا ملاذًا لدى الأندجي (Andjé)، تلك القبيلة الأخرى التي كفلَت إحدى عشائرها (النديليي (Ndélié))، فحَمتهم ومنحتهم مساحات من الأراضي. وبعد بضعة أجيال اتفق المتحدِّرون من اللاجئين مع العشيرة التي استقبلتهم، على القضاء على عدد كبير من الأندجي. وفرّ هؤلاء تاركين جزءًا من الإقليم الترابي بين أيادي مهاجميهم. حينئذٍ ولِدت قبيلة جديدة تكوّنت في هذه الحالة من العشائر الثماني التي ينتمي إليها المتحدرون من اللاجئين الظافرين ومن عشيرة نديليي، وأ ضيفت إلى الجميع، في وقت لاحق، سبع عشائر أصيلة منُ المنطقة أخضعت أو انضمّت إلى ما كان بصدد النشوء. وأسندت القبيلة إلى نفسها «اسمًا عاليًا» هوُ «البارويا»، تيمنًا باسم إحدى عشائر الغازين التي كانت تمتلك أشياء وصيغًا سحرية موجّهة لتعليم الرجال وجعلهم محاربين مؤهلين لحكم مجتمعهم، مع إقصاء النساء والشبان غير المتعلمين. لنتفحّص الآن الدّور الذي أمكن علاقات القربى والعلاقات الاقتصادية أن تضطلع به في توحيد العشائر الخمس عشرة، الأجنبية وأصيلة المنطقة لتجعل منها مجتمعًا له حدود معلومة إن لم تكن معترف بها من القبائل المجاورة، صديقة كانت أم عدوة. ظاهريًا، يُفترض أن تكفي علاقات القربى والمجموعات البشرية التي تتولد منها (عنيتُ العشائر) لتفسير كيفية تكوّن هذا المجتمع. ينتمي كل متحدّر من خط رجاليّ من الجدّ المؤسّس نفسه، رجالً كانوا أم نساء، إلى العشيرة نفسها ويشكلون، بحسب الموقع النسَبِيّ لأصولهم، إن كانوا من الأوّلين أم المتأخّرين، مجموعات نسَبِيّة (Ginamaré) مختلفة. لكن المجموعة النّسَبية لا تعيد إنتاج ذاتها بذاتها؛ إذ إن وجودها يفترض أن تعقد تحالفات مصاهرة بُغية التوصل إلى إعادة إنتاج ذاتها. كانت تحالفاتُ المصاهرة هذه لدى البارويا تخضع لمبدأ التبادل المباشر للنساء بين المجموعات النسبية. وكان ذلك المبدأ يُستكمل بمبدأ ثان يبدو أن تطبيقه، من أول وهلة يسمح بأن يصل بين العشائر كلها في كل واحد: منع أخوَين من التزوّج من العشيرة نفسها أو التزوّج ممّن تنتمي إلى المجموعة النسبية نفسها التي تنتمي إليها أمهما، أي منعهما من إعادة إنتاج

التحالف الذي عقده أبوهما. إذًا، يجوز لنا أن نظن أن اشتغال علاقات القربى كافٍ لإيجاد صلاتِ تبعيّة بين عشائر البارويا كلها وحَبسِهم في حلقة تُوجِدهم بوصفهم أقسامًا من كلٍّ يعيدون إنتاجه فيما يعيد هو إنتاجهم، أي تُوجِدهم بِوصفهِم مجتمعًا. الحالُ أن الأمر لم يكن على هذا النحو، وذلك لسببين: أول، لا تكون أي مجموعة نسبية من البارويا، وفي أي لحظة من وجودها، متحالفة مع المجموعات الأخرى كلها بل مع عدد معين منها فحسب، حيث لا تولّد علاقات القربى والأرحام والتحالف بين البارويا أساسًا مشتركًا يصل بين جميع العشائر وسائر العائلات. ولأسباب سياسية واقتصادية، يتبادل البارويا من حين إلى آخر نساء مع قبائل مجاورة وصديقة فتتجاوز علاقاتهم القرابية بذلك حدود مجتمعهم، ولا تجعله ينغلق على نفسه. لِنرَ الآن إن كان من الممكن أن تولّد العلاقات الاقتصادية ما بين الأفراد وما بين المجموعات النسبية لدى البارويا أساسًا اقتصاديًا مشتركًا يُوجِدهم بوصفهم كُلً؛ أي بوصفهم مجتمعًا متمايزًا عن المجتمعات المجاورة. تتنوع العلاقات الاقتصادية، ومنها علاقات ملكية المجموعات النسبية والعشائر لقسم من الإقليم الترابي بغية ممارسة أعمال البستنة والصيد. تلك أراضٍ ملكية مشتركة بين المجموعات النسبية يفلحُها رجال تلك المجموعات النسبية وزوجاتهم، إما بطريقة منفصلة وإما بالتعاون مع عائلات أخرى، أو عائلات بعض حلفائهم، أصهارهم مثلً أو عائلات أصدقائهم أو عائلات من جايلوا من بادر بتدشين بستان جديد في غابته. قبل حلول الأوروبيين، كانت كل مجموعة نسبية تنتج القسم الأكبر من الموارد المادية الضرورية لقيام وجودها الاجتماعي. ثانيًا، اشتهر البارويا في المنطقة بالملح الذي كانوا ينتجونه من رماد نبتة، وكانوا يستخدمونه عُملة تبادلٍ يشترون بها الأدوات والأسلحة وزينة الرياش...إلخ، أي وسائل الإنتاج أو الدمار، ووسائل إعادة الإنتاج الاجتماعي (الزينة) كذلك، تلك التي لا ينتجونها بأنفسهم. وبخلاف ذلك، كان الملح، في القبيلة، يُتبادل في صيغة أعطية في ما بين أعضاء المجموعة النسبية الواحدة، وفي ما بين المتحالفين، لكنه لم يكن البتة يشتغل بوصفه بِضاعَة في حين كان يتحول إلى عملة - بضاعة حين يجري تبادله مع قبائل أخرى. كانت كل مجموعة نسبية، إذًا، تنتج فائض قيمة كي تقتني من خارج القبيلة ما لا تنتجه بذاتها. ولم يكن اقتصاد البارويا مكتفيًا بذاته، وكان مكوّنًا من عناصر اقتصاد جهويّ يشتغل بوصفه بِنيَة جامعة تَستدمج عشرات القبائل والمجموعات المحلية في شبكة تبادلية تمكّن كل واحدة منها إعادة إنتاج ذاتها في انفصال عن الأخريات. ومن ثمّ، كانت هناك علاقات بين الشامل والمحلي مثَلُهَا في ذلك كمثَل ما يوجد في أيّ مكان، لكن لم يكن لها بطبيعة الحال الامتداد عينه الذي للعلاقات التي تسود اليوم عالم الاقتصاد «المعولم». اختصارًا للقول، لم تكن العلاقات الاجتماعية التي تسمح للبارويا بإعادة إنتاج شروط وجودهم الاجتماعية تجعل منهم أكثر تبَعِيّة اجتماعيًا وماديًا، الواحد منهم تجاه الآخرين كلهم. علينا، إذًا، أن نستنتج من ذلك أنه لم يكن بمقدور العلاقات الاقتصادية في ما بين البارويا، وفي ذلك فهي لا تختلف في شيء عن علاقات القرابة، أن تصل بينهم في كل يشملهم ويوحّد بينهم جميعًا ويوجدهم بوصفهم مجتمعًا متمايزًا عن المجتمعات التي تحيط بهم.

على أساس أي علاقات اجتماعية إذًا شكّل البارويا مجتمعًا؟ الجواب هو أن جميع السلالات والقرى يتجند، كل ثلاثة أو أربعة أعوام، وعلى امتداد شهور عدة، بغية إنتاج ما يكفي من الغذاء والملابس الجديدة، وتجميع الأصداف ورياش الزينة تحسّبًا لمراسم تعليم الأولاد والشبيبة، ولإطعام المتعلمين وإلباسهم وضمان استقبالٍ يليق بمئات الزوار من القبائل المجاورة والصديقة والعدوّة المدعوة إلى حضور المراسم، وإلى المناسبة نفسها، لاكتشاف عدد المحاربين الشباب الذين سيتواجهون معهم في المستقبل حلفاء كانوا أم أعداء، وقوّتهم. ليس فائض العمل والمنتوج هذا موجهًا في هذه الحالة إلى إعادة إنتاج المجموعات النسبية والعائلات من خلال الاتّجار، بل إعادة إنتاج القبيلة بصفتها تلك، أي بوصفها كلً مُوحدًا في مواجهة القبائل المجاورة الصديقة والعدوّة. وبالفعل، كانت أوزار الحروب كلها، تُعَلّق في مراسم التعليم. لكن ما الذي كان يعنيه تعليم الرجال؟ هي أزمنة مخصوصة من حياة الأفراد وحياة القبيلة تتولّى، في الوقت نفسه الذي تُعيّن عبور الأولاد من الطفولة إلى الكهولة، تحويلهم إلى محاربين أو شامانات قادرين على استخدام قوى مادية وغير مادية من أجل حماية مَوْطن البارويا وحياتهم، وتجعل من الفتيات نساءً شديدات في عملهن ومؤهلات لِوَهْب كثير من الأطفال الأقوياء والأصحّاء للمجموعات النسبية التي ينتمي إليها أزواجهن. كما أن بعضهن يَصِرْن شامانات. مختصر القول إن مراسم التعليم تمثل لحظة مشهودة لاستغال العلاقات الاجتماعية التي تسمّى في الغرب سياسية-دينية؛ عنيتُ تلك العلاقات (لدى البارويا) التي تشرِّع ألا يحكم المجتمعَ إلا الرجال، ويمثلونه لدى القبائل المجاورة، وأن يمنحوا لأنفسهم ما يناهز احتكار العلاقات البشرية مع أرواح الطبيعة والآلهة، آلهتهم تلك التي هي الشمسُ والقمر وإله الغيث، وفينوس...إلخ. كانت تلك العلاقات السياسية-الدينية إذًا هي الوحيدة التي توحّد حقًا رجال البارويا ونساءهم، أيًا تكن مجموعاتهم النسبية وقُراهم وأعمارهم. وكان يرمز إلى تلك العلاقات ب «تسيميا» (الدار الكبيرة) التي فيها يؤدّى قسم من الطقوس، بما لا يطاله بصر النساء، وفي ظل حماية الشمس التي هي بمنزلة «أب» جميع البارويا. تلك التسيميا يُسمّيها البارويا «جسد» القبيلة، وفيه يُمثِّل كل عِمادٍ متعلّمًا شابًا. وأخيرًا، وعلى الأخص ينتمي سيّد المراسم، الرجل الأكثر أهمية بالنسبة إلى تأدية الطقوس، إلى عشيرة البارويا؛ العشيرة التي وهبت اسمها للقبيلة الجديدة التي تكوّنت في إثر قضاء لاجئي اليويي والمتواطئين معهم (النديليي) على قسم من الأندجي الذين وفروا لهم الملاذ. والحال أن هذه العشيرة تشرّع لموقعها المهيمن باستحضار واقعة أن الشمس ذاتها هي التي وهبت، في أزمنة البدء، جدهم دجيفاآماكوي (Djivaamakwé) الأشياء المقدسة والصيغ السرية التي تسمح بتعليم المحاربين. لذلك يقولون صار اسم «البارويا» هو «الاسم العالي» للقبيلة، كما أن المعلمين لا يخرجون للقتال على أرض المعركة. تُبَيِّنُ هذه الوقائع، إذًا، في حالة البارويا، أن العلاقات الاجتماعية التي نسمّيها في الغرب سياسية - دينية هي التي تبيّن أنها وحدها القادرة على أن تُوجِد بين الأفراد كلهم وبين العشائر كلها، علاقات تبعية معمّمة تمنحهم هوية مشتركة، هي أن يكونوا بارويا، أبناء الشمس وبناتها؛ هوية تُضاف إلى هويتهم الخاصة المخصوصة، هوية عشيرتهم ومجموعتهم النسبية. لدى البارويا، كما لدى معظم مجتمعات

الأمس واليوم، سوَاء بسوَاء، كانت السلطة السياسية مقترنة بالمعتقدات الدينية، إن لم تكونا ممتزجتين بعمق. وينتهي بنا ذلك، على المستوى النظري، إلى معاينة حضور نواتات «التمثلات المخيالية» (من منظور الملاحظين الخارجيين) في قلب العلاقات السياسية - الدينية التي توحّد في مجتمع واحد عددًا مقدرًا من المجموعات البشرية والأفراد الذين يكوّنونه. لكن لمثال البارويا أهمية نظرية أخرى لأنهم يتحدثون اللسان نفسه، ولهم التنظيم الاجتماعي نفسه، ويجلّون الآلهة ذاتها التي تجلّها القبائل المجاورة وانتيكيا (Wantekia) أو يوواروناتشي (Yuwarrounatché). ويبين لنا ذلك أن تقاسم اللسان نفسه، والتقاليد نفسها، والثقافة نفسها مع آخرين لا يجعلنا بالضرورة ننتمي إلى المجتمع عينه. لكن لنعد إلى تحليل العلاقات السياسية-الدينية. إن القول إن هذه العلاقات أظهرت، في حالة البارويا، القدرة على صنع مجتمع لا يفسر سبب تمتع مثل هذه العلاقات بمثل هذه القدرة. كان علينا أن نتفحص هذه العلاقات بإمعان أكبر، وانتهى بنا هذا التفحص إلى الاستنتاج التالي: عندما تتمكن العلاقات السياسية-الدينية من بسط سيادة عدد معين من المجموعات على الإقليم الترابي نفسه وعلى موارده وساكنته، وشرعنة ذلك فحسب، يكون بمستطاعها أن تحول العلاقات القائمة بين هذه المجموعات إلى مجتمع. يمكن الاستحواذ على الإقليم الترابي بقوة الجيوش، كما يمكن أن يورث عن الأجداد الذين يمكن أن يكونوا هم ذواتهم قد غزوه، أو حتى احتلوه. وعلى حدوده أن تكون معلومة، إن لم يكن معترفًا بها من المجتمعات المجاورة التي تستوطن فضاءات قريبة وتستغلها. لكن على الإقليم الترابي أن يكون في الحالات كلها محميًا بقوة السلاح وقوة الأرواح والقوى غير المرئية أيضًا؛ تلك القوى التي تستحضرها الطقوس المصاحبة للحرب أو المُهيّئة لها بغية إضعاف الأعداء أو إفنائهم. ليست لمظاهر العلاقات كلها بين الناس والإله أو الآلهة (أي مجمل المعتقدات والطقوس التي تكوّن دينًا) قدرة آلية على إنتاج مجتمعات. عندما يكون بعض العناصر من دين ما معبأ ومستخدمًا في بسط سيادة عدد ما من المجموعات البشرية على إقليم ترابي وموارده وتشريعه فحسب، يمكن التأكد من صحة فرضيّة كون العلاقات الاجتماعية التي نسميها سياسية دينية لها من القدرة ما يجعلها تصنع مجتمعًا. كما أن الحجّة على ذلك بالخُلف ماثلة في عدم قدرة الديانات الكونية الكبرى مثل المسيحية والإسلام والبوذية على منع مجتمعات أو دول تتقاسم العقيدة نفسها من التحارب. أ مِنَ الضروري أنَ نضرب على ذلك أمثلة؟ يمكن أن يمدنا تاريخ أوروبا بعدد منها، حيث لم تمنع الديانة الكاثوليكية التي يتقاسمها الفرنسيون والإسبان، نابليون بونابرت من أن يجتاح إسبانيا أو أن يقترف فيها المجازر والتجاوزات التي جسدتها سلسلة اللّوحات المعروفة التي خصصها لها الرسّام غويا وفضحتها. إذا أقررنا بذلك، يمكننا الآن أن نقف على تَبِعَات هذه الوقائع النظرية وتحليلها بالتوازي مع الإلحاح على الحدود التي تفرضها وقائع البارويا هذه، على التحليل. في المقام الأول، تصير العلاقات بين

السياسي والاقتصادي أكثر وضوحًا بما أننا وقفنا على أن العلاقات الاجتماعية التي تبسط سيادة بعض المجموعات البشرية على إقليم ترابي ليست هي العلاقات الاقتصادية، وبذلك لا تكون هي المحدّدة مباشرة للطريقة التي يجري بها تملّك موارد ذلك الإقليم وممارسة السيطرة عليها واستغلالها وإعادة توزيعها قبل استهلاكها أو تبادلها. إن الطرائق الاجتماعية والمادية المتّبعة في القيام بذلك على اختلاف كبير بحسب الحقبة التاريخية وطبيعة الإقليم الترابي، وبحسب الموارد القابلة للاستغلال استنادًا إلى التقنيات المتوافرة...إلخ؛ أي لا يبدو أن ثمة صلة سبب، فنتيجةٍ مباشرَة ما بين علاقات السيادة وما يسمّيه الاقتصاديون الذين يستلهمون ماركس «نمط إنتاج»، وما يسمّيه اللاماركسيون نسقًا اقتصاديًا لإنتاج الخيرات والخدمات. يسمح لنا تحليلنا أيضًا أن ندقّق الفرق القائم بين «جماعة» و«مجتمع». فمن الجوهريّ عدم الخلط بين المفهومين أو بين الحقائق الاجتماعية والتاريخية المتباينة التي يحيلان عليها؛ في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، تتعايش جماعات تركية وأرمينية وأوكرانية أو غير ذلك في داخل المجتمع. وهذا، في أي حالة من الحالات المعدودة، يشملها كلها ويحملها على احترام القوانين ودستوره، مانحًا إياها أو حاجبًا عنها الحقوق والواجبات نفسها التي تُمنح أو تُحجب عن باقي أعضاء المجتمع. ينير هذا لنا أيضًا دلالةَ أن يكون مجتمع ما «مستعمَرًا»؛ دلالة ذلك بالنسبة إلى هذا المجتمع أو هذه الدولة الافتقاد الفوري لسيادتها على إقليمها الترابي، سيادتها تلك التي تكون إذّاك قد انتقلت إلى القوّة المستعمِرة فتملكتها. أن يكون مجتمع ما مستعمَرًا أو دولة ما مستعمِرة هو في الآن ذاته افتقاد لأي استقلال للنماء الاجتماعي والثقافي. وذاك ما كان عندما افتقد البارويا فجأة في عام 1960 سيادتهم على إقليمهم الترابي حالما «اكتشفتهم» حملة عسكرية أسترالية وفرضت عليهم على الفور «سِلمًا أبيض» ومراعاة قوانين دولة استعمارية كانوا يجهلون حتى وُجودها. ابتداءً من ذلك اليوم، صار التطوّر اللاحق لمجتمعهم وثقافتهم مرهونًا دائمًا بتدخلات سلطة دولة استعمارية تتحكم بها أستراليا. في كانون الأول/ديسمبر 1975 صارت بابوازي غينيا الجديدة بلدًا مستقلً، لكن البارويا لم يستعيدوا سيادتهم التي كانت لهم على ذواتهم وعلى إقليمهم الترابي. فبعد أن صاروا، من دون أن يطلبوا ولا أن يريدوا، مواطني دولة مابعد استعمارية مستقلة وأمة متعددة القبائل والإثنيات في طور التكوّن، اكتسبوا ولا شك حقوقًا وواجبات جديدة لكنهم لم يستعيدوا الحق في أن يُمضوا عدالتهم بأنفسهم، ولا في أن يهاجموا جيرانهم فيستحوذوا على إقليمهم الترابي. لم يختفِ مجتمعهم، بل زاد عدد ساكنته، واستحال بعد أن كان مجتمعًا مستقلًّ قبل حلول الأوروبيين مجرّد «مجموعة إثنية محلية» مُسجّلة على قائمة المئات من المجموعات اللغوية والإثنية الموجودة في بابوازي غينيا الجديدة التي صار عليها مُذّاك فصاعدًا أن تتحول إلى «أمة». بخسارتهم وإلى الأبد سيادتهم على جبالهم وأوديتهم ولكن أيضًا على أشخاصهم ذواتها، كفّ البارويا عن أن يكونوا مجتمعًا بتمام معنى الكلمة. استحالت قبيلتهم «جماعة قبلية» محلية خاضعة لحكم دولة اختلقها الأوروبيون، وهي مؤسسة غريبة تمامًا عن تاريخهم وعن طرائقهم في التفكير والفعل.

يمكن بيسرٍ أن نعثر في أوقيانوسيا وفي أفريقيا وفي آسيا على جمهرة من الأمثلة التي يمكن أن تبيّن، تمامًا كما هي الحال لدى البارويا، أن علاقات القربى والعلاقات الاقتصادية ليست هي التي توحّد عددًا معينًا من المجموعات البشرية والأفراد المتحدّرين من أصول متنوعة في كل وتجعل منهم مجتمعًا. لن أختار من تلك الأمثلة إلا واحدًا، هو مثال مجتمع جزيرة تيكوبيا (Tikopia)، وهو مجتمع بولينيزي شهرته أعمال ثرية وصارمة قام بها الأنثروبولوجي ريموند فيرث.)2001-1901(أرغب في أن أجْلي خلطًا يمكن أن يتولد من السؤال الذي وضعته. ليس لسؤالي أي صلة بالسؤال الذي يرغب الفلاسفة ومختصو الأفكار العامة الآخرون في وضعه، عنيتُ سؤال الأسس التي يقوم عليها المجتمع البشري. فليس لهذا السؤال في نظري إلا القليل من الدلالة؛ فالناس طبيعيًا نوع اجتماعي، ولم يكن عليهم يومًا ما أن يقرروا أن يعيشوا في هيئة مجتمع، لا تعاقدًا ولا بأي طريقة أخرى. لكن بني البشر لا يكتفون أن يعيشوا في هيئة مجتمع مثلما تفعل الحيوانات ذات الصفة الاجتماعية، ذلك أنهم ينتجون أشكالً جديدة من الوجود الاجتماعي، من المجتمع، حتى يستمرةّوا في قيد الحيا. لنعد إلى سؤالنا وإلى ساكنة تيكوبيا. في عام 1928، في أثناء أول عمل ميداني لريموند فيرث، كان تنظيم الجزيرة السياسي والديني القديم على حاله تقريبًا؛ إذ لم يكن حلول مبشّر في عام 1924 قد أحدث أثرًا بعدُ. كان المجتمع منقسمًا أربع عشائر غير خارجية الزواج تتراتب في ما بينها بحسب دورها ضمن دورة الطقوس المؤمّنة لخصوبة الأرض والبحر والإنسان، وفيها تحتل عشيرة كافيكا (Kafika) وزعيمها تي أريكي كافيكا Kafika) Ariki (Te المرتبة الأولى. ومن خلال تلك الطقوس، تساهم العشائر عن طريق زعمائها في ما تسميه «شغل الله» الذي يهبهم أو يحجب عنهم المحصولات العميمة والصيد الوفير والأطفال الأقوياء غزيري العدد. لكن هذا المجتمع لم يكن موجودًا أيضًا بضعة قرون قبل أن يحلّ به فيرث. الحقيقة أن العشائر الأربع آتية من جزُر مختلفة منها من مجموعات بشرية حلّت بالجزيرة وعمرتها في حقب مختلفة تتحدر بوكابوكا (Pukapuka)، وآنوتا (Anuta) وروتوما (Rotuma)...إلخ. كانت هذه المجموعات قد تحاربت أوليً قبل أن تتفق وتتخذ لها مواقع في الهرم السياس الديني المرتبط ب «شغل الله» في ظلّ السلطة العليا لتي آريمي كافيكا، وزعيم عشيرة كافيكا. لماذا كان موقع هذا الأخير وموقع عشيرته في قمّة للمجموعات المختلفة التي تقطن عشيرة كافيكا كان كائنًا خارقًا وهَب الهرم؟ تروي أسطورة أن جد الجزيرة مبادئ تنظيم الحياة المشتركة والمجتمع وقواعده. حينذاك اغتاله منافس غيرانُ، لكن، عندما بلغ السماء، نفخ فيه أكبر آلهتها «مانا» وجعل منه آتُوَا (atua) أي «إلاها»، ووهب له السلطة على أرواح الجزيرة وآلهتها، ما منح لذريته، زعماء عشيرة مافيكا، الأفضلية على الزعماء الآخرين. ها نحن إذًا، مع هذا المثال، نجد أنفسنا مجددًا إزاء السيرورة السوسيولوجية والتاريخية نفسها: هي العلاقات السياسية الدينية التي دمجت مجموعات بشرية متنوعة في كلٍّ وأمّنت إعادة إنتاجه. وفي قلب هذه العلاقات، نجد نواتات التمثلات المخيالية وسرديات التأسيس التي لها من الوظائف ما بين العشائر المكوّنة للمجتمع الجديد من خلال تخصيص تشريع الهرمية السياسية والدينية في

واحدة منها بإسنادها أصولً إلهية. وجرى تحويل هذه التمثلات (وهي بالنسبة إلينا بمنزلة التمثلات) من خلال تفعيل ممارسات رمزية كوّنت دَورة طقوس المخيالية إلى علاقات اجتماعية حقيقية الخصوبة السنوية. سيسمح لنا مثال تيكوبيا بأن نُظهر إلى العلن الحدود التي فرضها مثال البارويا على التحليل وتجاوزها. فلدى تيكوبيا كان الزعماء، المسؤولون عن الطقوس، محلّ تبجيل بارز، وكانت أشخاصهم محاطة بالتحريم. كانوا يفلحون بساتينهم لكنهم كانوا بعيدين عن المهمات الأكثر عسرًا، وكانوا خصوصًا ممسكين بسلطة إسناد الحقوق على الأرض حيث كانوا هم من يرخصون للعائلات في فلاحتها. وكانت توهب لهم حين الحصاد بكرُ المحصولات. وفضلً عن ذلك، كان الزعماء، خصوصًا تي أريكي كافيكا، يمارسون سيطرة على النشاط الإنتاجي لمجمل الساكنة من خلال استخدام التمائم لفتح دورة الأشغال الفلاحية وحملات الصيد أو غلقها، ما كان يجعلها تندرج في دورة الطقوس التي كان يؤدطّيها الزعماء من أجل العمل بمعونة الآلهة على نجاح النشا الإنتاجي. مقارنة بالبارويا، نحن هنا إزاء تحوّل أساسي في المجتمع، حيث لا تنقسم عشائر فحسب، بل تتقاطع مجموعتان اجتماعيتان مع العشائر، أي مجموعة الزعماء وذريتهم ومجموعة عموم الناس. ومثلما أشار إلى ذلك فيرث كان للاختلاف بين المجموعتين، في المستوى السياسي والديني، طبيعة مستحكمة لم تكن التفاوتات بين هؤلاء وبعد أولئك من جدود مُؤلّهين في حين لأنه كان قد تأسس على قرب المجموعتين، في المجال الاقتصادي والثروات المادية والمعاش، إلا تفاوتاتِ درجة. حتى نقتصر على المدى البولينيزي، كانت تحولاتٌ أكثر جذرية في الاتجاه نفسه قد حدثت ضمن «المجموعات الزعامية» الكبرى لدى التونغا (Tonga) وساموا (Samoa) وتاهيتي (Tahiti)، وذلك قبل حلول الأوروبيين بمدة معتبرة. لكن خلافًا لزعماء تيكوبيا، كانت في متناول زعماء تونغا سلطةٌ شبه مطلقة على الأفراد وعلى عمل عموم الناس وخيراتهم؛ أولئك الذين كانوا يعيشون على أرضهم وينتمون إلى كاينغا (Kainga). على أن هذه الأراضي، وسلطة الحياة والموت تلك، كانت دائمًا يمنحها لهم تو يي تونغا Tonga) i ’ (Tu الزعيم الأعلى، وهو الذي كان كل سنة يتلقى من زعماء الماينغا بكُر المحصولات أو أفضل ما يُصطاد. بناء عليه، ما عدنا بين ظهراني تيكوبيا حيث يواصل الزعماء الاشتراك جزئيًا في الأعمال الإنتاجية التي تؤمّن لهم الشروط المادية لوجودهم الاجتماعي. أما لدى التونغا، فلا يعمل الآيكي (eiki)، أي النبلاء من الرجال والنساء. كما يخوض الرجال الحرب، أو يساهمون إلى جانب تو يي تونغا في الطقوس المعقدة الموجهة إلى الآلهة، ويمارسون على المجموعات الاجتماعية الأخرى سلطات سياسية دينية تجمعهم تحت ظل سيادة تو يي تونغا. بناء عليه، وضعتنا المقارنة بين هذه المعطيات الإثنوغرافية والتاريخية المتعلقة بعدد من مجتمعات مالينيزيا وبولينيزيا إزاء تحوّلين اجتماعيين أساسيين يمثلان مظهرَي سيرورة واحدة، متكاملين لكنهما متعارضان. وبالفعل، نرى أن الزعماء وأعقابهم المباشرين ينفصلون، جزئيًا لدى تيكوبيا، وكليًا لدى تونغا، عن إنجاز النشاط الإنتاجي الذي يؤمّن لهم الشروط المادية لوجودهم الاجتماعي ووجود

ذرياتهم. لكن، في الآن نفسه، بقدر ما ينفصلون عن أي نشاط شمُغليّ فعليّ كانوا يُعلّقون بأشخاصه وبمهماتهم الطقوسية الحق في السماح، أو عدم السماح، لباقي الساكنة بالنّفاذ إلى الشروط المادية لإنتاج وجودهم الاجتماعي: النفاذ إلى الأرض، وإلى الموارد، وإلى البحر، وباستخدام قوة عملهم والتصرف في إنتاجات أعمالهم. بناء عليه، ننتهي إلى أن الأساس المادي للمجتمع يكون موضوعًا تحت سيطرة النبلاء وفي خدمتهم بما أنه قد جُيمّر أولً، وقبل كل شيء، نحو إنتاج شروط وجوده وتأمين الوسائل المادية التي بها يؤدون وظائفهم الاجتماعية ويحافظون على منازلهم. مُذّاك، وعلى غير ما كان يحدث لدى البارويا، تكوّن العلاقات الاقتصادية في ما بين المجموعات التي منها يتألف المجتمع أساسًا ماديًا واجتماعيًا يصل بعضَهم ببعض. فهل يعني ذلك أن العلاقات الاقتصادية، ونمط إنتاج الخيرات والخدمات وإعادة توزيعها، صارت هي التي توحتّد في هذه المجتمعات المجموعا الاجتماعية وتصنع منها مجتمعًا، لا العلاقات السياسية - الدينية؟ سنبيّن أن الأمر ليس كذلك، وبذلك سنختم بحثنا بشأن ما يصنع المجتمعات لا المجتمع فحسب. ما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول المزدوج، وما صاحبه من ظهور أشكال جديدة لتنظيم المجتمع المنقسم في هذه الحالة، لا إلى عشائر ومجموعات نسَبية فحسب، بل إلى مجموعات اجتماعية ذات وظائف تمنح لها حقوقًا وواجبات متمايزة ضمن هرم، من على قمّته تحكم مجموعة أو أكثر وتهيمن على باقي المجتمع؟ في تاريخ الفكر الأوروبي، بحسب الحقب والحقائق التي كان يراد لها أن توصف، استُخدمت ألفاظ التي فيها يَحكُم بعض لتسمية مجموعات الرجال والنساء من متبوّئي أول صفوف الأهرام متنوعة ويُحكم آخرون. في روما، وفي خلال العصر الوسيط، كان الحديث عن «المنازل» المتباينة، ثم كانت «المراتب» (états بالفرنسية وبالألمانية stand) مثلما هي الحال مع المنتمين إلى «المرتبة الثالثة» - (tiers état) في فرنسا. وانطلاقًا من القرن الثامن عشر، ومن التحولات التي أدخلتها الثورة المزدوجة الزراعية والصناعية بدأ الحديث عن اقتفاء أثر الفيزيوقراطي فرانسوا كيسني Quesney) (François في فرنسا وآدم سميث Smith) (Adam في إنكلترا عن «طبقات». لكن قبل ذلك، عندما اكتشف الأوروبيون الهند سموا «كاست» المجموعات التي كانت تمارس مهمات متمايزة ومتبادلة الصبغة الإقصائية والمتراتبة هرميًا بحسب درجة الطهارة أو اللاطهارة التي كان ذلك النشاط يعلقها بمن كانوا يضطلعون بمزاولته. ليست «الكاست» طبقات، حيث يعاد إنتاجها مباشرة من خلال لعبة علاقات القربى، ومن خلال الإجبار على التزوج من «الكاست» نفسه الذي ينتمي إليه الزوج. لكن ألفاظ منازل وطبقات وكاست ليست بمثل أهمية فهم الحقائق التي تعنيها وتلك التي تستخدم للتفكير فيها. أصل المنازل بنا مسارنا الإثنوغرافي إلى مواجهة سؤال العلوم الاجتماعية الكلاسيكي بشأن انتهى والطبقات. ومن نافل القول إن هذا السؤال يستدعي سؤالً آخر عن أصل الدولة.

الحال أن الإجابة عن ذلك السؤال لا تزال ماثلة تحت أنظارنا. إن ما غيررّ بعمقٍ بعض المجتمعات وحوّ مجرى تاريخه هو ما كان في مواقع وحِقب مختلفة من ظهور مجموعات بشرية طفقت تخصص كامل وجودها ووقتها لإنجاز وظائف اجتماعية تشرّع، على ما ترى هي ومجموعات أخرى تكوّن بمعيتها مجتمع، لحقوقهم في ألا ينتجوا هم ذواتهم شروط وجودهم الملموسة من جهة، وفي أن يسيطروا المجتمع إلى شروط إنتاج الوسائل المادية المحققة لوجودهم الاجتماعي من على نفاذ باقي أعضاء جهة ثانية. وأخيرًا في أن يتملكوا استخدام قوة عمل الآخرين، وكذا جزءًا من الخيرات والخدمات التي ينتجها عملهم. ما هي، إذًا، تلك الوظائف الاجتماعية التي أصبحت ممارستها تشرّع للتفاوتات بين المجموعات أنها القبلية غير ذات الدولة وغير ذات الطبقات؟ من البيّن والأفراد غير الموجودة في المجتمعات وظائف دينية ووظائف سياسية. تقتضي الوظائف الدينية تأدية طقوس وتقديم قرابين تضرّعًا للآلهة وللجدود كي يكونوا في معونة البشر ابتغاء لطيب عيشهم. وتتعلق الوظائف السياسية بحكم المجتمع والحفاظ على النظام الاجتماعي الذي يقدّم على أنه يشيُيد بمقتضى النظام الطبيعي والناموس الكون، عن المجموعات المجاورة التي بالدفاع عن سيادة المجتمع على إقليمه الترابي ضِدًا كما يتعلق أيضًا قد ترغب في إزالتها أو، على العكس من ذلك، بمدّ تلك السيادة حيث تبقى مجموعات مجاورة معارضة عند ذاك مثل هذه النزعة. مختصر القول إن العلاقات السياسية مقرونة دائمًا بالقدرة بل بالحق في ممارسة العنف في داخل المجتمع وخارجه. هنا نجد أنفسنا ضمن مساحة مشتركة مألوفة لدى الأنثروبولوجيين، والمؤرخين وعلماء الآثار. فهل من ضرورةٍ لاستذكار تنظيم الهند الفيدية على أربعة أصناف من البشر، أربع فارنا (varna) على رأسها يقبع البراهمان، الموكول إليهم بذل القرابين للآلهة وللأجداد. على أن ههنا أيضًا، ولئن كانت العلاقات بين «الكاست» المختصّةُ كل واحدة منها بنشاط مختلف توجِد أساسًا ماديًا مشتركًا بين المجموعات الاجتماعية، ما لم يكن لدى البارويا، ولا حتى لدى التونغا، من علاقات اقتصادية ولّدت نظام «الكاست»، بل كانت «الكاست»هي التي هيكلت العلاقات الاقتصادية وأسبغت عليها الدلالات الدينية بحسب درجة طهرها أو لاطهرها الطقوسي. أم أن من الضروري أن يحضر بين أيدينا إمبراطور الصين، الوانغ Wang) (le، «الرجل الأوحد»، الوحيد المؤهل لإقامة الطقوس ولوصل الأرض بالسماء، في حكم الأرض وساكنتها من البشر ومن غير البشر والذي تلقّى من السماء التكليف الذي رخّص له وأجبره على ذلك أن «الإمبراطور عماد الصين، والصين مركز الكون.» لنتوقف هنا قليلً. في الحقيقة ظهرت ممارسة الوظائف الدينية والسياسية على مر التاريخ وفي أخرى أكثر أهمية بكثير بالنسبة إلى أفراد المجتمع من أنواع نشاط مجتمعات عدة على أنها نشاط أكثر تواضعًا وذات نتائج أكثر يُسرًا في المشاهدة، وتلك هي أنواع النشاط الإنتاجية للشروط المادية للوجود الاجتماعي للبشر مثل الفلاحة والصيد والقنص...إلخ. ألم يكن يفعُترض في «الاشتغال م الآلهة» الذي اضطلع به الزعماء ورجال الدين أن يجلب للجميع الازدهار والحماية من الشرور؟ أو ذوي عزّة يحيون كما الأسباب الأساسية كان عموم الناس ممن لم يكونوا رجال دين لمثل هذه

لو كانوا مَدمِينِينَ بما لا فكاك منه لمن كانوا يجلبون له نِعمَ الله ويحكمونهم؛ مدينون هم بوجودهم ومعاشهم وبقاء أبنائهم في عداد الأحياء. إنهم دائنون إلى الحد الذي يجعل عموم الناس يعتقدون أنهم مجبرون على أن يهبوا في مقابل ما عليهم عملهم وخيراتهم بل وحياتهم إلى من كانوا يحكمونهم (هي أعطيات تبدو لنا اليوم كما لو كانت «سخرة»، و«ديةتّ»، أي وباختصارٍ «أتاوات»). تلك مفارقة العلاقا بين المجموعات البشرية حيث يبدو المهيمنون وكأنهم يعطون أكثر بكثير الاجتماعية غير المتساوية مما يستخلصون ممن يهيمنون عليهم. ينتهي بنا تحليلنا إلى الاستنتاج القائل إن ميلاد المنازل و«الكاست» والطبقات كان سيرورة سوسيولوجية وتاريخية اقتضت، في آنٍ، القبول والمقاومة ممن كان تشكّل هذه المجموعات الاجتماعية الجديدة يفقدهم بالتدريج أوضاعهم القديمة، دافعًا بهم إلى «أسفل» المجتمع والنظام الكوني؛ إنه قبول لأن يطلق رجاءَ الازدهار التمثلات المخيالية للقوى التي تدير الكون نفسه كان يمكن أن تقاسم عالم والحماية لفائدة الجميع، بفضل النشاط الطقوسي وقيادة أقلية باتت منفصلة تمامًا عن كل نشاط مادي،ٍّ ومقاومة لأن المقابل كان، بالنسبة إلى العدد الأغلب، افتقادًا بالتدريج للسيطرة على شروط الوجود ذاتها وعلى أشخاصهم هم بعينهم. وكلما كانت مقاومتهم تمنع القبول كانت سيرورة تشكّلِ «الكاست» أو الطبقات تتوقف أو تستمر، لكن في هذه الحالة لتحطّم تلك المقاومة من خلال الالتجاء إلى العنف ممّن كانوا يرغبون في مد هيمنتهم على باقي المجتمع. القبول والعنف ذانك هما القوّتان اللتان انعقد عليهما ميلاد المنازل و«الكاست» والطبقات ونمائها، وفي هذا الزوج كان وزن القبول، في الأغلب، أثْقلَ أثرًا من وزن العنف. ختامًا، نظن أننا بيّنا أن من العلاقات الاجتماعية الموجودة كلها، والتي تشكل المحتوى التاريخي لوجودنا الاجتماعي، وحدها العلاقات التي نسميها في الغرب سياسية - دينية لها القدرة على صنع مجتمعات على اعتبار أنها تجمع عددًا من المجموعات الاجتماعية والأفراد، وتجعلهم مشتركي الوجود في ظل شكل من السيادة، مجموعات وأفرادًا يستغلّون، في انفصال أو بالاشتراك، موارد الإقليم الترابي الذي عليه تمارس تلك السيادة. ولا لعلاقات القربى ولا للعلاقات الاقتصادية بصفتها تلك مثل هذه القدرة. لكن الواقعة الجديدة اليوم هي أن المجتمعات كلها، وبفعل عولمة النسق الاقتصادي الرأسمالي، صغيرها وكبيرها، غير قادرة على إنتاج شروط وجودها المادية إلا بالاندماج، كل يوم أكثر، في نمط اشتغال النسق العالمي الرأسمالي. لقد صارت المجتمعات كلها أكثر تبعية بعضها لبعض بغية إعادة إنتاج ذاتها ماديًا. لكن الشروط الشاملة لإعادة إنتاج هذا النسق العالمي تفلت عن سيطرة يمكن أن يمارسها على السوق مجتمع محلي، أيًا كانت قوته. تلك هي المواجهة بين المحلي والكوني والسياسي والاقتصادي التي بات لزامًا على المجتمعات كلها أن تتحمل تبِعاتها.