Return to Article Details بنيوية كلود ليفي-ستروس أو نحو فونولوجيا للثقافة

بنيوية كلود ليفي-ستروس أو نحو فونولوجيا للثقافة

The Structuralism of Claude Lévi-Strauss or toward a Phonology for Culture

هشام بوبا | Hicham Bouba *** Norddine Ghazouane | نور الدين غزوان

الملخّص

الكاتب: جمال فزة الكتاب: بنيوية كلود ليفي-ستروس أو نحو فونولوجيا الثقافة الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر مكان النشر: الرباط/ المغرب تاريخ النشر: 2017 عدد الصفحات: 165

الكلمات المفتاحية:
  • أنثروبولوجيا
  • بنيوية
  • كلود ليفي-شتروس

الكاتب: جمال فزة الكتاب: بنيوية كلود ليفي - ستروس أو نحو فونولوجيا للثقافة الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر مكان النشر: الرباط/المغرب تاريخ النشر 2017: عدد الصفحات 165:

محاولة منه وضع أسس علمية لمشروع بحثي يروم ملامسة الجوانب المنهجية المتحكمة بالخطاب الأنثروبولوجي في أبرز محطاته، يأتي كتاب بنيوية كلود ليفي-ستروس أو نحو فونولوجيا للثقافة لمؤلفه جمال فزة (أستاذ علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس - الرباط)، لاحقًا لكتاب سابق بعنوان المنهجية الأنثروبولوجية بين إدوارد فسترمارك وإفانس بريتشارد، الذي أعلن فيه عزمه على التطرق للأنثروبولوجيا منهجًا ومفهومًا من خلال المقارنة بين مذهبين أساسيين طبعا مسار هذا العلم: المذهب التطوري والمذهب الوظيفي - البنيوي. تقدمه. لم يكن لهذه المقارنة ما يميزها سوى تفردها بقراءة البراديغمات بربطها بما يؤدي إلى انبثاقها تارة أو انحسارها تارة أخرى. ودأبت المحاولة الثانية على المنوال نفسه. غير أن الكاتب أخذ على عاتقه فيها دراسة الأنثربولوجية البنيوية التي تعتبر من كبرى المدارس التي ظهرت في خمسينيات القرن العشرين، فذاع صيتها بين الباحثين والمستطلعين، حتى إنها لم تستقر في الأنثربولوجيا فحسب، بل تعدتها إلى حقول معرفية أخرى، كالتحليل النفسي والفلسفة والأدب. وقد خطَّ الكاتب لنفسه في هذا الكتاب مسارًا مميزًا عن باقي المؤلفات التي تعرض عادة الأنثربولوجيا البنيوية سواء باعتبارها عنصرًا لا يتجزأ من السياق الفرنسي الذي شاع في الستينيات، أم بوضعها في داخل عمل يسرد بشكل تعاقبي الاتجاهات والمدارس المختلفة التي تدخل تحت يافطتها. يقع الكتاب في 165 صفحة من القطع المتوسط، تتوزع في فصلين رئيسين، حاول الباحث من خلالهما اتباع ما يسميه الإبيستمولوجيون «منطق الاستكشاف» Discovery) of (Logic، حيث بحث في الشروط التاريخية والمعرفية لانبثاق ما نسميه الآن «الأنثروبولوجيا البنيوية». وما دامت المهمة عسيرة على أي يكن، استعان الباحث بخلفيته المزدوجة بين العلوم والفلسفة، ليقدم عملً يشرح فيه تلك الاكتشافات والانتقالات، أو حتى الاستعارات وظروفها في سياقات العلم وحاجاته، ومنها مفهوم «البنية». ومن ثم، كانت المعالجة في هذا الكتاب خارجة عن النمط السردي لتاريخ الأفكار وتصنيف الموضوعات، وذلك لمصلحة التعريف بقضايا المنهج والمفهوم من خلال سيرورة تشكّلهما، على اعتبارهما طفرات منبثقة عن مشكلات أساسية واجهها العلم في مسار

افتتح المؤلف الكتاب بتوطئة أشار فيها إلى بعض الأفكار الأساسية التي جاءت في كتاب المنهجية الأنثروبولوجية بين إدوارد فسترمارك وإيفانس بريتشارد، والتي تتلخص في تبيان جزء من مشروعه في التأريخ للأنثروبولوجيا، من خلال الانكباب على المنهجية - باعتبارها استراتيجيا ذهنية وعملية عامة - كموضوع للتأريخ، لا الغوص في التعرض للنظريات والمذاهب التي طبعت مسار تكوّن الأنثروبولوجيا وتطورها. رافق ذلك مروره على أبرز فرضيات ومسلمات المذهب التطوري التي لمح لها في كتابه الأول وهي ثلاثة افتراضات أساسية: أول، قانون الترابط أو قانون تعايش الأعضاء؛ ثانيًا، مبدأ اتصال الأعضاء وتلازمها؛ ثالثًا، المبدأ الذي يربط بين البنيات العضوية للحيوانات وبيئتها أو نمط عيشها، والذي كان لامارك من مستعمليه الأوائل. ثم اختتم بالحديث عن أنصار المذهب البنيوي الوظيفي وفطنهم لعجز المذهب التطوري عن الارتقاء بعلمية الأنثروبولوجيا الثقافية، بمنهجه التخميني الافتراضي، مفتتحين بذلك نقلة جديدة في الوظائف بدلً من الأصول؛ نقلة

تتجلى في إبداعهم مفهوم «البنية» باعتبارها كلية من العلاقات الوظيفية الأساسية. إلا أن منعرج الكتاب بعد تذكيره بسابقه، نحا مسار تقصي «بنية» ذات صيغة جديدة، تتعدى صيغة العضوانية تحت جدلية العلم والقضايا الجديدة. في مقدمة الكتاب، حاول جمال فزة رصد الكتابات التي تقدم بنيوية كلود ليفي - ستروس وتصنيفها للقارئ، والموقع الذي ينشده الكتاب فيها؛ فهي كتابات في مجملها - باستثناء الكتابات التي تركز على تيمة خاصة من أعمال ستروس - تقدم البنيوية إما كفلسفة وروح العصر، وإما كمنهج علم وعمل. وعلى الرغم من تأكيده أن الكتاب يدخل في المنظور الثاني، فإنه يخص نفسه بفرادة قراءته المتجاوزة لثنائية مجرد/محسوس في التعامل مع بنيوية ستروس، كما أن تقديمه مفهوم منهجية هذا الأخير، ليس من باب المبادئ الأولية والمصادرات القبلية، بل بالمعنى الذي يثمن المنهجية باعتبارها تنظيمًا للذهن والعمل. يفتتح الكاتب الفصل الأولالمعنون «كلود ليفي - ستروس: دي سوسير الأنثربولوجيا» بالحديث عن اللقاء الذي جمع بين ستروس ورومان ياكوبسون في الولايات المتحدة الأميركية بعد فصل ستروس من عمله كمدرس في فرنسا في عام 1941، وعن مدى تأثير هذا اللقاء في استنطاقه المادة الإثنوغرافية التي كانت لديه، وإعطائه تأويل جديدًا لمهمة الأنثربولوجي، أكان على مستوى تعريف الموضوع أم تحديد المنهج. سعيًا منه وراء الغوص في بنيوية ستروس والإحاطة بحيثياتها على مستوى الموضوع والمنهج، يستحضر الكاتب الإرث الفلسفي الكانطي والإرث السوسيولوجي لريمون بودون، ليؤكد من خلالهما في مستوى أول، أن ليست معارفنا هي التي تنتظم وفق أبنية الأشياء، إنما العكس؛ فالأشياء هي التي تنتظم وفق بنية العقل، وفي مستوىٍثانأن المعرفة العلمية بناء، لا انعكاس لحقيقة ثاوية في الطبيعة، وهي شروط منهجية يوليها ستروس أهمية بالغة، مستفيدًا فيها من لسانيات دي سوسير، إلا أنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى إلقاء الدور الذي قامت به الفيزياء النووية حيال فروع الرياضيات على الفونولوجيا حيال العلوم الاجتماعية، حيث الفونيم لا معنى له خارج أنموذج التحليل الذي يضعه العقل لحل المشكلات. وكذلك تحل النزعة الاتفاقية محل النزعة الطبيعية في العلم. لمعالجة المكانة التي تحلها الفونولوجيا في تاريخ اللسانيات، والثورة التي حققتها، وأيضًا وجه الشبه بين تاريخي كل من اللسانيات والأنثروبولوجيا، حاول الكاتب تقديم لمحة سريعة عن تاريخ اللسانيات من خلال محور عنونه ب «نافذة على تاريخ اللسانيات»، عاد به إلى المرحلة اليونانية، وبعدها الرومانية، ومن ثم العصر الوسيط والقرنين السابع عشر والثامن عشر مع مدرسة بور روايال، مراحل رصد فيها النقاشات المختلفة التي كانت رائجة من خلال هذه المحطات، مثل: هل أساس اللغة طبيعي أم اتفاقي؟ إضافة إلى معالجة درجة اتساق اللغة من عدم اتساقها، وأصل تسرب ما يسمى بالخطأ الكلاسيكيفي اللسانيات، الذي بقي سائدًا إلى غاية القرن العشرين، وهيمنة الروح الأرسطية على الدراسات اللغوية في القرن الوسيط، وبعض الطروحات المتعلقة بعلاقة اللغة بالواقع، فضلً عن محطة القرن التاسع عشر حيث اكتشف «السانسكريت» لغة الهند القديمة، والتي كانت متطورة على صعيد الفونيتيقا، ما ساهم في تخطي معوق الخطأ الكلاسيكي، وتوجيه الدراسات اللغوية باتجاه الصوت بدلً من

الدلالة، كما ساهم في نشأة الفيلولوجيا المقارنة في القرن التاسع عشر كأهم تحول باراديغمي آنذاك. هذا وشهدت هذه الفترة اتجاهًا علميًا عامًا في تبني الاستدلال التاريخي عوض التفسيرات القبلية التي ترفع دعاوى منطقية كونية، وسيادة النظرة التطورية في التفسير، وأيضًا بروز إشكالات جديدة كالعلاقات والتشابهات بين اللغات التي يفترض أنها تبلورت بشكل مستقل، الأمر الذي سيفرض في ما بعد التعامل ب «التناظر النسقي» بدلً من التماثل بين المفردات من أجل تجاوز هذا العوز المنهجي. بعد هذا، يحصر الكاتب فضل الفيلولوجيا المقارنة على اللسانيات العامة في ثلاث نقاط أساسية: تطوير الفونيتيقا والتمهيد للسانيات الحديثة التي ستمنح أولوية للصوت على الكتابة، تصحيح العلاقة بين اللغات واللهجات، وأخيرًا الإقلاع عن الفكرة القائلة إن اللغات كلها تتوافر على البنية النحوية نفسها. مع نهاية القرن التاسع عشر، ستصبح البنيوية الصفة المميزة للدراسات اللغوية كلها، وذلك مع دي سوسير، حيث اعتبر اللغة نسقًا في ذاته، مع إعطائه الأولوية للغة المنطوقة، وتجاوز تراتبات منطق الأفضلية بين اللغات، فضلً عن الميل إلى الدراسات السانكرونية، وكذا التمييز بين اللغة والكلام. يختتم الباحث هذا الفصل بمحور عنونه ب «من الوظيفة إلى الدلالة»، أشار فيه إلى التشابهات الحاصلة بين تاريخ الأنثروبولوجيا وتاريخ اللسانيات من حيث الإشكالات والموضوعات الرئيسة، من خلال بسطه مجموعة من التقاطعات في كلا الحقلين المعرفيين، كما وقف على موقف ستروس المنتقد طروحات الأنثروبولوجيين التطوريين، والفروق الثاوية خلف المتن الأنثروبولوجي الأنغلو - سكسوني والمتن الستروسي في فهم البنية وتعريفها؛ فهذه الأخيرة مع ستروس تتملص من المحسوس وتجعل للمبادئ العقلية السلطة الكاملة في تفسير التجربة، وهي مجموعة من العلاقات الصورية والرمزية التي لا تستمد قيمتها من طبيعة العناصر التي تتألف منها، بقدر ما تستمدها من التكامل أو التقابل الذي يحدد طبيعتها، على العكس من الأنثروبولوجيين البنيويين الوظيفيين الأنغلوسكسونيين؛ إنها اختلافات يترجمها ستروس في انتقادين اثنين: يتوجه بالأولإلى منهجهم الاستقرائي، ويصيب الثانيموقفهم من المنهج التاريخي السانكروني الذي لا يرى فيه موقفًا إبيستمولوجيًا نقديًا من المقاربة التاريخية بقدر ما يعود إلى ضعف المعطيات التاريخية التي يتوافر عليها الإثنولوجي. في خلاصته لهذا الفصل، يشير الباحث إلى الاعتراف الصريح من ستروس بأهمية اتباع مناهج اللسانيات في تحليل الثقافة باعتبارها بنية كما هو الشأن بالنسبة إلى اللغة عند اللسانيين، وأيضًا رموزًا وجب الكشف عنها. في الفصل الثاني المعنون «نحو فونولوجيا للقرابة والأساطير»، وبعد رصده بعض التعريفات المنتشرة بشأن مفهوم البنية، حاول الباحث تحديد المفهوم بالطريقة التي تساهم في فهم ستروس؛ فالبنية هنا تقابل اللفظ الفرنسي (Structural)، أي ما يتصل ببناء النماذج النظرية المجردة التي يبنيها ستروس، لا ما يوافق اللفظ الفرنسي (Structurel)، لينتقل إلى تحديد بعض الشروط الواجب توافرها في البنية من منظور ستروس إضافة إلى تعريفه لها. ولم يكتفِ الباحث بهذه التحديدات، ما

جعله يفتح نافذة مهمة على بعض التخصصات المعرفية، مع تحديد المعنى الذي اتخذته البنية في هذه التخصصات واستفادة بنية ستروس منها. نقصد هنا الرياضيات واللسانيات والموسيقى، وهي تخصصات تساعد القارئ في فهم متن ستروس. بعد ذلك، يطالعنا الباحث بمحور آخر بعنوان «نحو فونولوجيا للقرابة» حاول فيه بطريقة تمزج بين الفونولوجيا والأنثروبولوجيا، كما طبقها ستروس في معالجته نظام القرابة، تقديم فكرة مركزة عن نظام القرابة عند ستروس، من خلال ملامسته الجوانب الأساسية التي تفرضها عملية توضيح بيداغوجية سلسة لموضوع يصعب على غير المتخصصين إدراكه بسهولة. هذه الجوانب الأساسية تتجلى في كون نظام القرابة لا تحكمه محددات الدم، بقدر ما يتحدد بنظام المصاهرة الذي يجد جذوره في تحريم زنا المحارم، وتغريب الزواج كنتيجة أخرى لهذا التحريم؛ إنه نظام يشكل فيه تبادل النساء مكانة أساسية موجهة للتحليل البنيوي الستروسي. لتوضيح هذا النظام، أعطى الكاتب مثالً لذرة القرابة التي هي الخؤولة المتكوّنة من أربعة حدود «أخ وأخت وصهر ثم ابن أخت»، والتي تخضع في بنياتها للقانون نفسه الذي مفاده أن العلاقة بين الخال وابن أخته هي بالنسبة إلى العلاقة بين الأخ وأخته، كنسبة العلاقة بين الأب والابن إلى العلاقة بين الزوج والزوجة، وأنه مجرد معرفة زوج من العلاقات يكون في استطاعتنا أن نستنتج بطريقة آلية الزوج الآخر. انطلاقًا من هذه الأسس يختزل ستروس نظام القرابة في ثلاث بنيات تمثل أشكال أولية للزواج: التبادل الخاص، والتبادل المعمم، والتبادل الخاص المرجأ؛ إنها بنيات تسمح لنا انطلاقًا من ذرات القرابة بأن نتصور التوليفات المنطقية كلها الممكنة للمصاهرة داخل الأنظمة الأولية، وذلك بفضل اللجوء إلى تحويلات صورية محض. لكن، على الرغم من هذه الصرامة المنهجية التي وجّهت أعمال ستروس في سبيل بناء نظرية عامة بشأن القرابة، فإن هذه الغاية صعبة المنال، لأن نتائجه انصبت على أمثلة موجهة منهجيًا؛ أمثلة من مناطق خاضعة بشكل ممنهج وإلزامي لقواعد المصاهرة، في حين أن معظم المجتمعات لا يخضع لهذا المنطق القرابي. بعد هذه التحديدات، انتقل الكاتب إلى محور آخر بعنوان «بنيات الأساطير: ويتحول الاختلاف تشاكلً»، حاول من خلاله كشف بنيات الخطاب الأسطوري كما ساءله ستروس من خلال منهجه البنيوي؛ فمساءلة هذا الخطاب من خلال هذه الرؤية مع ستروس تتطلب قطعًا مع الدراسات السابقة عليه التي انصبت باهتمامها على محاولة كشف أصل الأساطير، خصوصًا أن هناك تشابهًا بين الأساطير في حضارات متباعدة زمانيًا ومكانيًا، الأمر الذي يجعل من مقارنة الصيغ التي تتخذها مدخلً من أجل كشف المتطابق والمستقر فيها خلاف المتنوع والمتغير؛ أي «البنية المشتركة بينها.» لتوضيح هذه العملية المنهجية الصارمة، انطلق المؤلف من الخطوات الأساسية التي يجري وفقها التحليل البنيوي للأساطير، ثم أورد أمثلة من أعمال ستروس أخضعت إلى هذا المنطق التحليليُ، بالطريقة التي يجري تفكيكها إلى خطابات أولية كما يفعل اللساني، مع تبيان السيرورة التي يخضع لها هذا التحليل، بدءًا بالتحليل البنيوي الوظيفي حيث تُفكّك الأساطير إلى وحدات وظيفية

أساسية تستمد معناها من سياقها، إلى غاية كشف معنى ودلالة هذه الوحدات، مستقلة عن تعاقب الوقائع في الزمان من خلال البحث عن قواسمها المشتركة باعتماد جداول تصنيفية. في خلاصته لهذا الفصل، يشير الباحث إلى أن كلود ليفي-ستروس ركّز، في سبيل كشف بنيات القرابة، على المجتمعات التي تخضع إلى إلزامية الزواج، حيث نكون أمام أنظمة أولية للقرابة، لا على المجتمعات كلها. كما أشار إلى الأهمية المنهجية للتحليل البنيوي في موضوع الأساطير الذي يشهد على الخصائص اللاواعية للعقل البشري. واختتم الكتاب بإشادة علمية للمشروع العلمي لستروس، من حيث إن بنيويته تشكل نظرية في الأنثروبولوجيا خصوصًا، وفلسفة أو إبيستمولوجيا في العلوم عمومًا؛ بنيوية ساهمت في إخضاع العلوم الإنسانية لمنطق التقدم الذي يحكم العلوم الطبيعية، متخذة أهم مفهوم لها - أي البنية - بحمولة إبيستمولوجية أكثر منها إثنولوجية. ختامًا، يبدو أن ما يضفي طابع الفرادة على الكتاب هو اتخاذه إبيستمولوجيا العلم في عرضه

االهوامش

تاريخ العلم نفسه؛ فالأنثروبولوجيا البنيوية، إذا ما استبعدنا منطق تاريخ تواتر الأفكار الاعتباطي، هي علم ارتقى بموضوعاته صوب اعتبارات مخصوصة، كما هي الحال بالنسبة إلى القرابة والأساطير، كما دفع بالممارسة العلمية إلى مراتب متقدمة، مستفيدًا بذلك مما أحرزته علوم مجاورة، لأن تاريخها هو في الأساس تاريخ العلم بشكل عام. هكذا إذًا، تكلم صاحب الكتاب؛ فالعلم بما فيه الأنثروبولوجيا، الذي ما كان ليحقق وجوده خارج «المبدأ الأصولي»، يصعد بالعلاقات الواقعية بين الأشياء إلى مفاهيم وإشكالات، وهذا هو هاجس المنهجية البنيوية منذ انبثاقها. «فالبنية» لم تكن لتجد تبريرها في داخل الأنثروبولوجيا البنيوية من خلال ما حققته من إنجازات قبلية في حقول مختلفة كاللسانيات تحديدًا، لكن من خلال عجز التصورات التي توظف التاريخ بشكل ميكانيكي، في بناء تصور علمي بشأن الثقافة الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إن ذاك التصور «البديهي» والأقل تجريدًا للبنية بحسب ستروس قد لا يسعف كثيرًا في إنتاج تفسيرات مقبولة في العلم.