Return to Article Details Capital in the Twenty-First Century: A Critical Review

رأس المال في القرن الحادي والعشرين: مناقشة نقدية

Capital in the Twenty-First Century: A Critical Review

سمير سعيفان | Samir Seifan *

الملخّص

* باحث اقتصادي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Abstract

The author discusses Capital in the Twenty-First Century by Thomas Piketty, a book exploring the dynamics of capital, wealth and income and their trajectory in select advanced countries. Piketty draws his theory from substantial data included in governmental records on taxation, wealth, real estates and others, extending over a period of more than two centuries. Piketty concludes that these dynamics would certainly lead to concentration of wealth and as a result, income inequality. He suggests a series of measures to control wealth and income inequality by imposing a moderate cumulative tax on wealth, inheritance, income and consumption. Seifan discusses all of Piketty’s arguments. He concludes that Piketty did not create any new ideas, and that his suggestions are not sufficient to contain capitalism and prevent it from reinforcing the cycle of inequality.

الكلمات المفتاحية:
  • توماس بيكيتي
  • رأس المال
  • الثروة
  • الرأسمالية
  • اللامساواة
Keywords:
  • Thomas Piketty
  • Capital
  • Wealth
  • Capitalism
  • Inequality

ملخص: يناقش الباحث مضمون كتاب رأس المال في القرن الحادي والعشرين لتوماس

بيكيتي الذي يستعرض حركية رأس المال والثروة والدخل ومسيرتها في عدد قليل من البلدان

المتقدمة، معتمدًا على مراجعته كمًا كبيرًا من سجلات حكومية للضرائب والثروة والعقارات

وغيرها خ لاا أكثر من قرنين. ويستنتج بيكيتي أن حركيتها تؤدي بالتأكيد إلى تركز الثروة

وال مااساواة في الدخل. ثم يقدم أفكاره لضبط التفاوت في الثروة والدخل من خ لاا فرض

ضريبة تصاعدية معتدلة على الثروة والمواريث والدخل والاستهلاك. يناقش الباحث مجمل

أفكار الكتاب، ويرى أن بيكيتي لم يأت بجديد، وأن ما قدمه من أفكار غير كافٍ للسيطرة على

الرأسمالية ومنع الوقوع في دوامة اللامساواة.

Abstract: The author discusses Capital in the Twenty-First Century by Thomas Piketty, a book exploring the dynamics of capital, wealth and income and their trajectory in select advanced countries. Piketty draws his theory from substantial data included in governmental records on taxation, wealth, real estates and others, extending over a period of more than two centuries. Piketty concludes that these dynamics would certainly lead to concentration of wealth and as a result, income inequality. He suggests a series of measures to control wealth and income inequality by imposing a moderate cumulative tax on wealth, inheritance, income and consumption. Seifan discusses all of Piketty’s arguments. He concludes that Piketty did not create any new ideas, and that his suggestions are not sufficient to contain capitalism and prevent it from reinforcing the cycle of inequality.

Researcher in Economics at the Arab Center for Research and Policy Studies.

مقدمة

يستهل توماس بيكيتي كتابه بمقدمة طويلة يبدأها بالسؤال الرئيس للكتاب. ويدور السؤال حول: ما إذا كانت حركية رأس المال تؤدي إلى مزيد من تركز الثروة بحسب ماركس، أم أن هذه الحركية في المراحل المتأخرة تقود إلى لامساواة أقل في القرن العشرين بحسب سايمون كوزنتيس؛ إذ إن القوى الموازنة للنمو والمنافسة والتقدم التكنولوجي في المراحل الأخيرة تقود إلى لامساواة أقل وانسجام أعظم بين الطبقات. يلاحظ بيكيتي أن الجدل حول هذه المسألة المركزية في الاقتصادي السياسي، أي حول الثروة وامتلاكها وتوزيعها، «قام طويلً على فائض من الأحكام المسبقة وندرة في الوقائع». وقد أراد في عمله هذا الذي استغرق خمس عشرة سنة أن يغوص في كم كبير من الوقائع ليعزز رأيه ويبنيه على أرضٍ صلبة، بينما لم يغص في أرض الواقع فبقي رأيه أقل صلابة، وقد نالت فرنسا حيزًا كبيرًا من جهوده هذه، ويعزو السبب

في ذلك إلى توافر المعلومات حولها أكثر من غيرها. ولكنه تناول أيضًا بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والسويد، بينما لم يغطّ بحثه بقية بلدان العالم، وإن تطرق إلى بعضها أحيانًا. ومن ثم لا يمتاز بالشمول الذي يوحي به العنوان. يتكون الكتاب من 61 فصلً، مقسمة إلى أربعة أجزاء، تدور حول اللامساواة في الثروة والدخل، ومسيرتها خلال أكثر من قرنين في البلدان التي ذكرناها من قبل. ويتناول عناوين رئيسة تدور حول الدخل والناتج، والنمو في الأجل الطويل، وقسمة الدخل بين العمل ورأس المال، ونصيب رأس المال من الدخل، والعائد على رأس المال، ونسبة رأس المال إلى الدخل وقواه المحركة، وتوزيع رأس المال بين الحكومة والقطاع الخاص، والدين العام، والادخار، والتوريث، وهيكل اللامساواة، واللامساواة في ملكية الثروة، واللامساواة في الدخل من العمل، وتوقع مستقبل التفاوت واللامساواة، وبروز الطبقة الوسطى المالكة، وصعود الرواتب فائقة الارتفاع، ومجتمع المديرين، والدولة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، والضريبة على الدخل، وضريبة عالمية سنوية على رأس المال. ثم يقدم أفكارًا لمسودة مشروع ضريبة أوروبية على رأس المال، إضافةً إلى عدد من الموضوعات الأقل أهمية في الكتاب. يغطي بيكيتي في بحثه فترة زمنية طويلة تمتد من عام 7001 حتى عام 2012. ويعود إلى سجلات وإحصاءات في الدول الغنية القليلة التي ذكرناها. ويثبت نتائج عمله في الكتاب الذي يغنيه بعدد كبير من الرسوم البيانية والجداول الرقمية عن فترات دراسته، ويضيف إليها موقعًا على الإنترنت يمكن الرجوع إليه. يتضح بجلاء أن منهج بيكيتي هو منهج تاريخي، وقد قال هو عن منهجه: «أعتقد أن كتابي أقرب إلى

(((موقع على الإنترنت لمؤلف الكتاب توماس بيكيتي، انظر:

Paris School Of Economics, «Thomas Piketty,» accessed on 12/12/2017, at: http://piketty.pse.ens.fr/fr/capital21c

كتب التاريخ منه إلى كتب الاقتصاد». فهو يعتبر أن حركة الواقع في الماضي تخبرنا عن اتجاهات تطوره المستقبلية، وهو يقول: «في هذا الكتاب، أنا مهتم في المقام الأول بتطورات الأمد الطويل والاتجاهات الرئيسة التي لا يمكن تقييمها في إطار نطاقات زمنية تقل عن ثلاثين إلى أربعين عامًا أم

أطول من هذا» (ص. 303) يلخص بيكيتي النتائج الرئيسة لدراساته بنتيجتين؛ الأولى: أنه يجب أن يحذر المرء من أي حتمية اقتصادية فيما يتعلق بتفاوت الثروة والدخل، والثانية: أن القوى المحركة لتوزيع الثروة تكشف آليات فعالة تدفع بالتبادل نحو التقارب تارة والتباعد تارة أخرى.

القانون الأساسي للرأسمالية

يفسح بيكيتي مساحة كبيرة ل «نسبة رأس المال إلى الدخل السنوي» ويسميها «القانون الأساسي للرأسمالية»، وبالطبع توجد آراء كثيرة حول ما هو القانون الأساسي للرأسمالية، ويرصد بيكيتي هذه النسبة في كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والسويد، ويستنتج أن تكوين رأس المال وطبيعته قد تغيرت ولكن بقيت نسبته إلى الدخل السنوي لم تتغير، وإن تأرجحت صعودًا وهبوطًا بحسب الفترات، وبقيت قيمة رأس المال تعادل وسيطًا يقدّر بمضاعفة 5 مرات لقيمة الناتج المحلي الإجمالي السنوي. وخلال هذه الفترة الطويلة تراجعت نسبة رأس المال إلى الدخل من مرتين إلى ثلاث مرات خلال الفترة 980–19141، وذلك بسبب ما يسميه صدمات 945-1914. ولكنها، منذ 1 عام 9801، بدأت بالعودة إلى ما كانت عليه قبل عام 9141، ويتوقع أن ترتفع مع نهاية القرن الحادي والعشرين سبع مرات. ويعدد بيكيتي العوامل المؤثرة في نسبة الثروة (رأس المال) إلى الدخل السنوي؛ فارتفاع معدل الادخار وانخفاض معدل النمو يؤديان إلى ارتفاع نسبة الثروة إلى الدخل، والأثر نفسه يحدثه ارتفاع أسعار الأصول الثابتة؛ مثل موجة ارتفاع أسعار العقارات في العقود الأخيرة، وتؤدي عمليات الخصخصة التي تنقل الملكية من العام إلى الخاص بأسعار زهيدة إلى زيادة حصة رأس المال الخاص إلى إجمالي الثروة. بينما يؤدي معدل النمو المرتفع إلى هبوط نسبة الثروة إلى الدخل، وتؤدي الحروب بما تحدثه من دمار إلى النتيجة ذاتها، وكذلك هجرة رؤوس الأموال إلى الخارج، بينما يسهم قدوم رؤوس الأموال الأجنبية في زيادة النسبة.

اللامساواة

يمثّل موضوع اللامساواة العمود الفقري للكتاب، وبحسب بيكيتي، «في كل المجتمعات يمكن تفكيك اللامساواة إلى ثلاثة أشكال:

(((«مدى مصر يحاور توماس بيكيتي مؤلف ‘رأس المال في القرن الحادي والعشرين’»، موقع مدى مصر، 2016/6/4، شوهد في 2017/12/14، في:

https://goo.gl/ebcTcH

(((يقصد بيكيتي بصدمات 945–19141 الحربين العالميتين، وأزمة 933-19291، ولا يدرج ضمنها ثورة أكتوبر وقيام المعسكر الاشتراكي ضمن هذه الصدمات، على الرغم مما كان لها من تأثير أساسي في موضوعات تحليل الكتاب، وخاصة في فترة

• اللامساواة في الدخل من العمل. • اللامساواة في ملكية رأس المال. • التفاعل بين هذين المصطلحين»، وهذه عبارة غير واضحة الدلالة.

اللامساواة في دخل العمل

يعطي بيكيتي أهمية كبيرة للتفاوت في توزيع الدخل من العمل (الأجور، والرواتب، والتعويضات) ويلقي عليه الكثير من الضوء، ويبين من خلال سلاسله الزمنية الطويلة أن نصيب الشريحة العشرية الأعلى من إجمالي الأجور كان من 27 إلى 03 في المئة بين عامَي 9199401 و 1، وهبط بحدة إلى ما دون ال 25 في المئة، بين عامَي 9409701 و 1، ثم عاود بعدها الصعود، خاصة بعد عام 9801، لتصبح عام 2010 نحو 53 في المئة. وهو يعيد ارتفاع اللامساواة الذي حدث بعد عام 9801، حتى عام 2010، إلى ارتفاع التفاوت في الأجور الذي ساهم بنسبة 70 في المئة من التفاوت، بينما ساهم ازدياد التفاوت في رأس المال بنسبة 03 في المئة فقط (ص. 8)31 بل يرى «أن الدول المتقدمة تحولت من مجتمع لأصحاب الريع إلى مجتمع للمديرين، أو على نحو أدق، من مجتمع كبار أصحاب الريع إلى شكل أقل تطرفًا بعض الشيء من أصحاب الريع» (ص. 23)3 و«تبدو التفاوتات بين المجموعات الاجتماعية مقصورة بشكل شبه حصري على التفاوتات المتعلقة بالعمل وبالأجور وبالمؤهلات، وكأن في مجتمع اليوم، حلت تركيبة مكتملة تأسست على سلم العمل ورأس المال البشري محل مجتمع مبني على الثروات [...] فمن الأجدى أن يحتفظ المرء بعدة شهادات دكتوراه في جيبه، أو جائزة نوبل، وقد نشاهد في تلك المسلسلات [يقصد مسلسلات أميركية يسميها] نغمة تأكيد ‘اللامساواة العادلة’، المبنية على الجدارة، والشهادة العلمية والفائدة الاجتماعية للنخبة» (ص. 7)44 من يقرأ مثل هذه المقاطع يستنتج أن رأس المال يخبو، ويخبو معه وجود الأغنياء، ولم يبق سوى أصحاب الشهادات. وإذا قارنّا رأيه هذا بما أورده في مكان آخر؛ أن حصة الأرباح (رأس المال) في الدخل هي 03 في المئة فقط، بينما حصة الأجور هي 70 في المئة، فهو يضعنا أمام تحول جوهري في طبيعة الرأسمالية، بمعنى أن حصة الريع الرأسمالي (الأرباح) تتراجع. وأن التناقض يتحول إلى داخل معسكر الأجور أي بين المشتغلين أنفسهم، بدلً من أن يكون الصراع بين أصحاب الأجور وأصحاب رأس المال. وعلى الرغم من أن ارتفاع حصة العمل في توزيع الناتج المحلي يشير إلى تحسن في توزيع الدخل لصالح المشتغلين، فلا يصح الاستنتاج أن «تفاوت الأجور يتحول إلى معسكر المشتغلين أنفسهم». فهذه الرؤية تتعارض مع نمو الثروات واتساع التفاوت واللامساواة التي نشهدها على مستوى العالم بعد 9801، وتزايد الطابع الريعي المضارب لرأس المال؛ إذ يظهر تقرير ثروة العالم أن كبار أغنياء العالم يصبحون أغنى، مخلفين فقراءه وراءهم، ويقدم تقرير ثروة العالم Report Wealth World صورة تبين

تنامي تفاوت الثروة. كما ذكر تقرير في كانون الثاني/ يناير 2017 لمنظمة أوكسفام Oxfam أن الثمانية مليارديرات الأغنى في العالم يملكون ثروة تعادل ثروة ال 3.5 إنسان الأفقر في العالم. كما تقدم وكالة بلومبيرغ Bloomberg الاستنتاج ذاته. بل إن استنتاج بيكيتي هذا يتعارض مع توقعاته في مكان آخر بأن قيمة الثروة ستتزايد لتصبح سبعة أمثال الدخل السنوي خلال القرن الحادي والعشرين. يغفل بيكيتي في استنتاجه هذا حقيقة أن عدد أصحاب الرواتب والأجور أكبر بمئات المرات، وربما بآلافها، من عدد أصحاب الأرباح. فجميع أصحاب الرواتب، عدا عددًا قليلً جدًا، يتقاضون رواتبهم وفق السلالم المعهودة. وهذه السلالم تحتوي غالبًا عشر درجات تجعل الفارق بين الحدين الأدنى

والأعلى ما يقارب عشر مرات. إضافة إلى أن هذا التفاوت هو تفاوت عادل لأنه يقوم على أسس موضوعية لها علاقة بالتأهيل والخبرة والإنتاجية للمشتغلين. وحتى المديرون جميعًا يخضعون لهذا المبدأ، وبالطبع يشذ عن هذه القاعدة عدد قليل جدًا أقل من 1 في الألف أو أقل ربما ممن تكون رواتبهم أعلى من وسطي الأجور بعشرات، أما أولئك الذين تبلغ رواتبهم أرقامًا فلكيةً، فيعدون على الأصابع في كل بلد، وهذا محصور بعدد من الشركات الكبرى، فمثلًالأخبار التي تم تداولها حول أعلى عشرة رواتب في العالم عام 2016 بلغت بين 6.3 و 19.75 مليون دولار في الشهر. وارتفاع رواتب هؤلاء يشير إلى الاتجاه العام، وهو ازدياد تفاوت الدخل. ولكن بسبب ضآلة أعداد أصحاب الرواتب الفلكية هؤلاء فإن كتلة رواتبهم لا تمثّل نسبة تذكر من كتلة الأجور والرواتب الوطنية، ومن ثم لا تسمح لباحث أن يستنتج أن التناقض أصبح بين أصحاب الأجور، وليس بين أصحاب الأجور وأصحاب الأرباح.

اللامساواة في ملكية رأس المال (الثروة)

يرصد بيكيتي اتجاهات الثروة في السابق (منذ عام 7001 حتى عام 2012)؛ كي يستنتج اتجاهات المستقبل حتى سنة 2100، ويستنتج أنه «في كل المجتمعات المعروفة في كل الأزمنة، لا يملك النصف الأفقر من السكان أي شيء فعليًا (عادة ما يزيد قليلً على 5 في المئة من إجمالي الثروة)،

وتملك الشريحة العشرية الأعلى في سلم الثروة أغلب ما يمكن أن يُمْلَك (عمومًا أكثر من 60 في

المئة من إجمالي الثروة، وأحيانًا ما يصل إلى 90 في المئة)، أما باقي السكان (وهم 04 في المئة في المنتصف) فيملكون ما بين 5 و 53 في المئة من كل الثروة «بحسب المرحلة وظروفها السائدة، وهذا موضح في الجدول 7-2 من الكتاب (ص. 263). ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، «نمت الثروات على المستوى العالمي في المتوسط أسرع من نمو الدخل. كما نمت الثروات الأكبر حجمًا بسرعة

أكبر كثيرًا من متوسط نمو الثروات» (ص. 64)4 وقد افترض بيكيتي أن المستقبل لن يكون أكثر من

(4) World Wealth Report, accessed on 12/12/2017, at: https://www.worldwealthreport.com/ (5) Suzzanne Wolley, «Millionaires Are Being Minted,» Bloomberg , 28/9/2017, accessed on 12/12/2017, at: https://goo.gl/kEVWmm

(((ماهر أبو لبدة، «عشرة أشخاص يستحوذون على أعلى رواتب في العالم»، أخبار الآن، 2017/5/15، شوهد في 2017/12/12،

في: https://goo.gl/josYEF

نسخة عن الماضي. ولكن بيكيتي لم يستطع تجاهل آثار التفاوت المفرط فيقدم اعترافًا موجزًا قائلً: «المشكلة ببساطة هي أن فكرة ريادة الأعمال لا يمكنها تبرير كل تفاوتات الثروة بغض النظر عن مدى تطرفها». وبالطبع فحديثه دائمًا عن العدد المحدود من دول العالم الغنية كما ذكرناها من قبل. ويرصد بيكيتي العوامل التي تتحكم في التفاوت ويستنتج أنه عندما يكون النمو ضعيفًا والعائد على رأس المال كبيرًا، ويكون معدل نمو رأس المال أعلى من معدل نمو الناتج، حينها تنمو الثروة بسرعة

أعلى من معدل النمو العام وتصبح اللامساواة أوسع. ويعتبر أن القانون الموضوعي للرأسمالية في الظروف العادية هو التفاوت وتصاعد التفاوت، وأن تقليص التفاوت يحدث بظروف طارئة، وأن تراجع التفاوت قد حدث بسبب ما يسميه صدمة 945–19141، وعدّد عواملها بالدمار الكبير بسبب الحربين العالميتين، والخسائر الكبيرة والإفلاسات بسبب أزمة 933–19291، والتضخم الذي أكل ثروات الذين استثمروا في سندات الحكومات، وسياسات ضريبة الدخل التصاعدية، وتأميمات ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويستنتج بيكيتي «أن اللامساواة تتقلص في فترات الحروب والأزمات والركود وتتسع في فترات الازدهار، حيث ترتفع حصة رأس المال من الدخل وتزداد الرواتب وتزداد الحوافز والعلاوات وخاصة الفئات العليا» (ص. 305) ولكنه في تحليله لا يتطرق أبدًا إلى الصراع الاجتماعي والدور الذي أداه صعود أحزاب الديمقراطية الاجتماعية، والدور الضاغط الذي أدّاه صعود معسكر اشتراكي بديل للرأسمالية؛ ما شجع نمو أحزاب شيوعية قوية، وحركة عمالية قوية في الدول الرأسمالية، والموقف الشعبي المعادي لرأس المال الذي أشعل حربين عالميتين أجبر الرأسمالية على التراجع. كل هذا الصراع الاجتماعي لا يراه بيكيتي ولا يقترب منه البتة. وإذًا، فهو افتقار إلى الموضوعية.

اللامساواة في توزيع الدخل القومي بين العمل ورأس المال

يستنتج بيكيتي، من خلال حساباته ورصده الطويل، أن حصة رأس المال من الناتج المحلي في الدول الغنية تميل إلى الثبات على المدى التاريخي الطويل. ويستشهد بكينز الذي أكد استقرار نسبة قسمة الدخل بين رأس المال والعمل، وقال إنها «الظاهرة الأكثر انضباطًا في علم الاقتصاد»، ويبحث بيكيتي تأرجح هذه النسبة والعوامل المؤثرة فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر. وقد تراجعت هذه النسبة بسبب صدمة 945–19141، وكانت المداخيل المتولدة عن رأس المال تمثل 20–15 في المئة من الدخل القومي في الدول الغنية بعد عام 9751، واستقرت في مستواها المتراجع حتى 9801 وصعود ريغن إلى رئاسة الولايات المتحدة، وتقدم العولمة المالية وتخفيف القيود ثم إلغاؤها في التسعينيات، فبدأت بالتزايد خلال الفترة منذ 9801 «وصارت تتراوح بين 25 و 53 في المئة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين» (ص. 7)31 ويستنتج بيكيتي أن الثروات الكبيرة تحصل على عائد أعلى بحكم عدة عوامل. وبينما يبرر الأميركيون أن اللامساواة هي شرط مسبق لحركية ريادة الأعمال، وأن المساواتية قاتلة للريادة والابتكار والنمو والتطور، يطرح بيكيتي السؤال: «ما إذا كان من المبرر والمفيد للمجتمع ككل

أن يحصل حائزو رأس المال على دخل مقابل حيازاتهم لملكيات (سواء كانت ناتجة من مدخرات قديمة، أم مدخرات آبائهم) من دون أن يبذلوا أي عمل جديد» (ص. 230). وهو يضيف أن «الحقيقة التي لا فكاك منها هي ما يلي: الثروة متركزة للحد الذي لا يعي به قطاع كبير من المجتمع بوجودها، لدرجة أن بعض الناس يتخيلون أنها تنتمي لكيانات سريالية أو غامضة. وهذا هو السبب في أنه من الضروري للغاية دراسة رأس المال وتوزيعه بطريقة منهجية منتظمة» (ص. 274). وهذا ما فعله في كتابه. غير أن بيكيتي لا يحلل العوامل التي تجعل الميزان يميل إلى طرف رأس المال أو إلى طرف العمل، وهي الأساس الأهم في اللامساواة. وبهذا يختلف بيكيتي جذريًا عن زاوية نظر ماركس الذي اهتم بتوزيع الدخل بين العمل ورأس المال وحلل فائض القيمة؛ لأنه انطلق من أن الربح هو جزء من قيمة أنتجها العمل واستولى عليها رأس المال، وتابع تحليله الاقتصادي بتحليل سياسي واجتماعي وقدم رؤية بديلة ل «تغيير العالم».

مستقبل اللامساواة

يتجرأ بيكيتي ويضع توقعاته لتطور رأس المال وتركيبه في عدة جداول تصل حتى عام 2100. ويتوقع أن القرن الحادي والعشرين سيكون أكثر تفاوتًا من القرن العشرين، ولكنه لن يكون أكثر تفاوتًا من القرن التاسع عشر وهو يناقض توقعات كوزنتيس القائلة بأن القوى الموازنة للنمو والمنافسة والتقدم التكنولوجي في المراحل الأخيرة تقود إلى لامساواة أقل، وانسجام أعظم بين الطبقات. ويفسر بيكيتي ذلك بأن معدل العائد على رأس المال سيبقى في حدود 5-4 في المئة، بينما سيهبط معدل النمو إلى ما بين 1 و 1.5 في المئة، إضافة إلى نمو سكاني بالسالب حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، بل هو لا يستبعد أن يعود تركّز الثروة إلى وضع أسوأ مما كانت عليه في القرن التاسع عشر. وهو يبشرنا «بأننا سنكون واهمين لو تخيلنا أنه يوجد في الهيكل الحديث للنمو، أو في قوانين اقتصاد السوق قوى تقارب تؤدي بشكل طبيعي إلى تخفيض اللامساواة في الثروة، أو إلى استقرار مفعم بالانسجام» (ص. 400) يبدو من سياق استنتاجات بيكيتي، أنه يعتمد «سيناريو استمراري»، فقد بنى توقعاته القادمة على القوانين والمعادلات التي استنتجها من دراسة الماضي ليصوغ توقعاته حول المستقبل، ويرى أن مسيرة رأس المال في القرن الحادي والعشرين ستحكمها القواعد ذاتها والقوانين عينها التي حكمتها خلال قرنين ماضيين، ويفترض استمرار التوجهات الحالية التي برزت بعد عام 9801 من دون تغيير، انطلاقًا من أن رأس المال بعد عام 9801 قد استعاد سيرته قبل عام 9141، ويستبعد حدوث صدمات مشابهة لصدمات 945–1914.1 إنه «قدَر رأس المال» الذي لا فكاك منه بحسب بيكيتي، وكل ما نستطيعه نحن البشر هو محاولة التخفيف من آثاره المدمرة عندما يفلت من رقابة المجتمع. وأعتقد أن فرض بيكيتي هذا فرض أقل ما يقال فيه إنه كسول؛ إذ لم يتعرض بالتحليل لأثر التكنولوجيا والتقدم العلمي الكبير جدًا في تنظيم الاقتصاد والإدارة والملكية. وأخشى أن يكون تنبؤه هذا شبيهًا بتنبئه بارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل في السنوات 2030–2020 (ص. 924)، فلم يمض سوى عام بعد صدور كتابه حتى ثبت خطأ توقعاته.

ضبط رأس المال

يعتقد بيكيتي أن صدمات 945–19141 قد أدت إلى تغيير هيكلي في بنية النظام الرأسمالي، ولكنه يعتقد أنه تغييرٌ موقت، ما تلبث أن تعود الرأسمالية إلى طبيعتها، وإلى الخضوع لما يسميه تناقضها

الرئيس وسمتها العامة، وهي تنعكس في المعادلة (g > r (أي إنّ معدل العائد على رأس المال أكبر من معدل النمو السنوي للناتج المحلي؛ ما يعني تراكم الثروات بسرعة أكبر واستقطاب وتركز أكبر في أيدٍ أقل، ويرى بيكيتي أن هذا يشكل خطرًا على قيم الديمقراطية، ويتناقض مع قيم «الدولة الاجتماعية».

ويرى أن «الأمر يتطلب اختراع أدوات جديدة تسمح باستعادة لجام الرأسمالية المالية التي انفلت عقالها، وبتجديد وتحديث عميق ومستديم لأنظمة الضرائب والتحويلات والنفقات التي تقتضيها دولة اجتماعية حديثة» (ص. 508). ولكن بيكيتي لا يقدم تصورًا مدروسًا متكاملً مصوغًا صوغًا نظريًا على نحو متماسك، ولكنه يتناول عددًا من الأفكار في أكثر من مكان في كتابه يمكن أن تشكل «تصوره» وأنا أجمعها هنا: • تحديث الدولة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، والحفاظ على حق التعليم وحق الطبابة والتقاعد، وتحسين أداء القطاع العام والمستشفيات والحضانات، وصرف الأدوية وإصلاح الجامعات والمدارس وتحسين حسابات معاشات التقاعد وتعويضات البطالة. وهو يعطي أهمية للحق في الحصول على التعليم بما فيه التعليم الجامعي، والذي يؤدي إلى قدر من الحراك الاجتماعي. وبيكيتي هنا لم يقدم أي أفكار جديدة حول هذا الموضوع. • « أنماط جديدة ومبتكرة للتنظيم وللملكية أكثر فأكثر [...] غير اللامركزية والتشاركية [...] فلا يمكن أن يوجد إلا شكل وحيد لملكية رأس المال لتنظيم الإنتاج» (ص. 519). وثمة حاجة «إلى أنماط أكثر كفاءة لإدارة أموال عامة تصل إلى ثلثي أو ثلاثة أرباع الدخل القومي [...] وابتداع أشكال مبتكرة للحوكمة، تسمح في النهاية بتشكيل قطاع حكومي أكبر مما هو عليه الآن دون التضحية بالكفاءة، حيث لا يكون نموذج شركة هادفة إلى الربح هو النموذج الوحيد» (ص. 519). ولكن بيكيتي لا يقدم أي اجتهاد أو تصور لهذه الأشكال الجديدة. • فرض ضريبة شاملة تصاعدية معتدلة على ثروة الأفراد بمعدلات بسيطة تتكامل مع ضريبة الدخل، بحيث يتحقق توازن اقتصادي وسياسي يمنع الانفجار الذي يحرضه التمركز المتطرف للثروة. ويدعو إلى «تجديد وتحديث عميق ومستديم لأنظمة الضرائب والتحويلات والنفقات التي تقتضيها دولة اجتماعية حديثة» (ص. 508). ويرى أن «الضريبة التصاعدية على الثروات الأكبر عالميًا هي

الطريقة الوحيدة للتحكم الديمقراطي باتساع اللامساواة المتفجرة» (ص. 744)، و«تسمح بتفادي السقوط في دوامة بلا قاع من اللامساواة، وتسمح باستعادة السيطرة على آليات التراكم الحالية» (ص. 595). ويرى أنها الأقدر على مجابهة تحديات القرن الحادي والعشرين» (ص. 507). بل «لا شيء يمنع من تخيّل مجتمع تمثل فيه الضرائب ثلثي أو ثلاثة أرباع الدخل القومي، طالما كانت

تستقطع بطريقة شفافة وكفؤة ومقبولة من الجميع، خاصة ما يتعلق بكيفية إنفاقها لتمويل احتياجات

واستثمارات ذات أولوية مثل التأهيل والصحة والثقافة والطاقة النظيفة والبيئة والتنمية المستدامة» (ص. 517) • « لا يوجد أي خيار آخر، من أجل استعادة لجام الرأسمالية، إلا أن نراهن على الديمقراطية حتى آخر مدى» (ص. 635). وأن «عرض الثروات للإشراف الديمقراطي سيكون إنجازًا كبيرًا» (ص. 75)4 لم يأت بيكيتي في كتابه هذا بجديد من أجل لجم الرأسمالية وإعادة سيطرة المجتمع عليها، وكل ما جاء به هو توصية بالحفاظ على دولة الرعاية الاجتماعية الأوروبية القائمة وتطويرها، من دون أن يمنح هذه الفكرة مساحة كافية من التحليل. ويمكن تفسير ذلك بأن بيكيتي يقع في حيرة بين حفاظه على النظام المالي الليبرالي الذي ساد بعد عام 9801، ولا يريد المساس به، وبين رؤيته مخاطر استمرار هذا النظام ورغبته في لجمه وإعادة السيطرة عليه.

ضريبة بيكيتي الشاملة على رأس المال

« الضرائب هي أداة التحكم باللامساواة ولجم الرأسمالية»، هذه هي أداة بيكيتي الرئيسة، ويتشكل النظام الضريبي المثالي بحسب بيكيتي من الضرائب التالية، وقد قمت بتجميع أفكاره في الكتاب في موضع واحد: • ضريبة تصاعدية على الدخل (دخل العمل ودخل رأس المال) وهي مطبقة الآن. • ضريبة تصاعدية على المواريث وهي مطبقة الآن تصل إلى الثلث والنصف وأكثر حتى ثلثي المواريث فائقة الحجم. • ضريبة على الاستهلاك: وهي مطبقة اليوم على نطاق واسع، وهي ضريبة تعزز اللامساواة لأنها تنقل العبء الضريبي من أصحاب الأعمال على مجموع السكان. • ضريبة سنوية تصاعدية على رأس مال الأفراد، تفرض بمعدلات متواضعة نسبيًا بحدود بضع نقاط

مئوية، على أن تقيّم الأصول بالقيمة السوقية، وهي لا تهدف إلى أن تحل محل أنواع الإيرادات

الضريبية الأخرى (ص. 566) • إقرار ضريبي مسبق الإعداد من المالك. • الشفافية وتبادل آلي منتظم عالمي للبيانات المصرفية. ويقدم بيكيتي تصوره عن المعدلات الضريبية على ثروات الأفراد، ذكرها في أكثر من مكان في كتابه، وقد قمت بتجميعها على النحو التالي: - صفر على الثروات دون المئة ألف يورو. - 0.1 – 0.5 في المئة على الثروات بين 001 ألف ومليون يورو.

- 1 في المئة على الثروات بين 5-1 ملايين يورو. - 2 في المئة على الثروات التي تتجاوز 0–51 ملايين يورو. - 0-51 في المئة في حال الثروات شديدة الارتفاع لمن تتجاوز ثروته مليار دولار. يرى بيكيتي أن الضريبة على رأس المال التي يقترحها تشكل «إجابة أكثر سلمية وأكثر كفاءة من تلك المشكلة الأزلية التي يطرحها رأس المال والعائد عليه. والضريبة التصاعدية على الثروة الفردية هي أداة مؤسسية تسمح للصالح العام أن يستعيد السيطرة على الرأسمالية، مع الاعتماد على قوى الملكية الخاصة والمنافسة» (ص. 584) أعتقد أنه لا يمكن استعادة السيطرة على الرأسمالية من خلال الضريبة على الثروات، كما يتوهم بيكيتي، وما يقترحه لا يزيد عن تفصيل صغير في موضوع تم الخوض فيه كثيرًا، ولن يكون كافيًا

للسيطرة على الرأسمالية ومنع الوقوع في دوامة اللامساواة، فالرأسمالية ستقاوم فرض الضريبة التي يقترحها، ثم إن سيطرتها هي سيطرة سياسية واجتماعية وثقافية ونفسية إضافة إلى السيطرة الاقتصادية، وبيكيتي لا يقترب من هذه الجوانب.

بين رأس المال ورأس المال

يوجه بيكيتي نقده لماركس بقوله: «يؤكد التحليل الماركسي بشكل خاطئ على تناقص معدل الربح، وهو تنبؤ تاريخي اتضح بأنه خاطئ جدًا» (ص. 59)، ويعزو خطأ ماركس إلى اعتقاده أن نمو الإنتاج، وبخاصة الصناعي، يرجع إلى تراكم رأس المال الصناعي، بينما غابت عنه حقيقة نمو الإنتاجية، أي زيادة الإنتاج للكمية نفسها من رأس المال والعمل، وأن نمو الإنتاجية هو ما يسمح بالنمو الهيكلي على المدى الطويل. ويرى بيكيتي أن النمو الدائم في الإنتاجية وفي السكان يسمح بموازنة الإضافة الدائمة لوحدات جديدة من رأس المال، ومن دون ذلك سيكون الرأسماليون يحفرون قبورهم بأيديهم. وينتقد بيكيتي ماركس لإهماله استخدام الإحصاءات المتاحة في عصر. ورغم أن ماركس يقيم استنتاجه عن ميل معدل الربح نحو الهبوط نتيجة للتقدم التكنولوجي وتراجع نسبة العمل الحي الذي هو مصدر الربح، فإن بيكيتي لم يقدم معطيات رقمية تؤيد نقده لماركس، رغم أن هذا النقد وجه مرارًا، من قبل، إلى عمل ماركس. لم يقترب بيكيتي من قانون القيمة الذي يناقشه ماركس باستفاضة، ويعد هذا زاوية تحليل ماركس الاقتصادي للرأسمالية؛ إذ يبحث ماركس، من خلال تشكل القيم والناتج، تقاسم الدخل بين العمل ورأس المال، فالربح أو عائد رأس المال، بحسب ماركس، هو استقطاع من القيمة التي أنتجها العمل الحي، ويسميها القيمة الفائضة أو الزائدة، لأن رأس المال يدخل في المنتج بقيمته السوقية ولا يخلق قيمًا جديدة، وما دام التقدم التكنولوجي يحدث وتزداد قيمته وتصبح إمكانية إنتاج وحدات أكثر

بزمن أقل وقوة عمل أقل، أي يحدث «تناقص نسبي مطّرد لرأس المال المتغير قياسًا إلى رأس المال

الثابت»؛ ما يؤدي إلى ميل معدل الربح نحو الهبوط. وبيكيتي لم يدخل في هذا السجال، لكنه من جهة أخرى يقر بأنه «على الرغم من أوجه القصور تلك، يبقى تحليل ماركس ساريًا في العديد من الجوانب» (ص. 15) ولكن في موضع آخر يقترب بيكيتي من ماركس من دون أن يصرح بذلك، فهو يقول: «في رأيي ليس هناك أي شك على الإطلاق في أن ارتفاع اللامساواة في الولايات المتحدة قد أسهم في عدم الاستقرار المالي للبلد. السبب في ذلك بسيط: فقد كان جمود القوة الشرائية للطبقات المتوسطة والدنيا في الولايات المتحدة إحدى تبعات اللامساواة المتزايدة. وجعل هذا احتمالية استدانة القطاع العائلي أعلى، خاصة وأن البنوك والمؤسسات المالية الوسيطة عديمة الضمير، بعد أن تحررت من الضوابط وطمعت في الحصول على أعلى عوائد جيدة على المدخرات الهائلة التي تم ضخها في النظام المالي من قبل ميسوري الحال، قد عرضت قروضًا بشروط أكثر كرمًا» (ص. 314). ويقترب هذا من تحليل ماركس للدورات الاقتصادية التي يعزوها إلى شدة إفقار المشتغلين بأجر، وتراجع قدراتهم الشرائية؛ ما يخلق فائض إنتاج، ويسبب الركود الذي ينتهي بأزمة دورية للرأسمالية. كما أن بيكيتي لم يقترب من النسخة اللينينية من أفكار ماركس التي طُبقت في الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي والصين خلال سبعة عقود من القرن العشرين، إلا ليوجه نقده الموجز إلى تجربة الاتحاد السوفياتي «التي صادر فيها الملكية الخاصة وبالتالي جرد القطاع الخاص من أي رأسمال وعوائده، وطبق نظام تخطيط مركزي تسبب بكارثة إنسانية» (ص. 584)

نظرة عامة

لعل أهم ما في كتاب بيكيتي أنه بحث ميداني في الوقائع خلال مدى زمني طويل يمتد بين عامي 7001 و 2100، بذل المؤلف خلاله جهدًا كبيرًا، وراجع كمًّا هائلً من الوثائق. واستنتج اتجاهات حركة رأس

المال والدخل وتوزيعه وواقع اللامساواة، وصاغ نتائج أبحاثه في بضع مقولات تتعلق بحجم رأس المال والادخار ومعدلات النمو واللامساواة، يقدمها كحتمية تاريخية من دون تحليل نظري للسياقات التاريخية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السابقة واللاحقة، وبقدر ما يتسم عمل بيكيتي بالغنى الرقمي، خاصة من موقع الإنترنت الذي يشير إليه، فإنه يتسم بالفقر النظري. يفتقر عمل بيكيتي إلى تناول جوانب أخرى أساسية؛ رأس المال وصراعات تشكله وأدواره السياسية والاجتماعية، ولم يحلل حركة رأس المال على المستوى الوطني والعالمي، وتمدده اليوم عبر العالم، والعوامل التي تتحكم فيه وتحكمه، ولم يتناول أسواق رأس المال ولا قطاعات توظيف رأس المال، ولم يحلل الطابع الريعي والمضارب الذي نما بعد عام 9801 على حساب القطاعات المنتجة، ولم يحلل مجمل السياسات الانفتاحية في حركة السلع والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال وظاهرة انتقال الاستثمارات والوظائف ومستقبلها. كما لم يتناول رأس المال الجديد القادم والدور الكبير الذي

(((راجع: كارل ماركس، رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبار، مج 3 (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص.245

بدأ يؤديه في القرن الحادي والعشرين، خاصة في الصين والهند، بينما اقتصرت أبحاثه على بضع دول غنية في أوروبا الغربية مع الولايات المتحدة؛ ما يجعل عنوان الكتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» يَقْصُر عن محتواه. كما طرح الكتاب أسئلة كبيرة تركها بيكيتي من دون بحث أو تحليل، فمثلً سؤاله: «حالة اللامساواة القصوى في الثروة: هل هي شرط الحضارة في مجتمع فقير؟» (ص. 244)، لا يجيب عنه بصراحة، بل بمواربة، فيعرض تبرير القرن التاسع عشر للامساواة القصوى في الثروات التي عرفها ذاك العصر بمعنى أنها – كما يبدو بين السطور - هي السبب الوحيد في وجود شريحة اجتماعية صغيرة تستطيع أن تفكر في أمور أخرى غير مجرد السعي وراء رزقها: وكأنها شرط الحضارة (ص. 244)، ثم ينتقل بنا بيكيتي إلى عنوان آخر يشرح فيه وجهة نظر تبرر اللامساواة بالجدارة، ويستشهد بأميركا وبنابليون وبالحجج التي يسوقونها اليوم لتبرير رواتب مديرين تبلغ الملايين، وتصل إلى مئات الملايين سنويًا، ولكنه يقر من ناحية أخرى باللامساواة في الأجور التي تعمقها وتبررها اعتبارات الجدارة والإنتاجية (ص. 544)، ولكنه يعود ليقول: «إن المنطق المؤسس لها هزيل للغاية». ترك بيكيتي سؤالً مهمًا آخر من دون تحليل وهو سؤاله حول «ما إذا كان من المبرر والمفيد للمجتمع ككل أن يحصل حائزو رأس المال على دخل مقابل حيازاتهم لملكيات (سواء كانت ناتجة عن مدخرات قديمة، أم مدخرات آبائهم) من دون أن يبذلوا أي عمل جديد» (ص. 230) يبشرنا بيكيتي بحتمية اللامساواة المتطرفة فهو يقول: «لا يوجد أي قوة حتمية من شأنها أن تعترض العودة إلى ذاك التركز المتطرف في الثروة الذي ساد أيضًا العصر الجميل، خاصة في حال تباطؤ كبير في النمو وزيادة كبيرة في العائد الصافي على رأس المال» (ص. 50)4 و«الحقيقة الحاسمة هي أنه مهما كانت أهمية تلك القوى الدافعة للمساواة في دفع التقارب بين البلدان، يمكن إفشالها والسيطرة عليها من قبل قوى مكينة تدفع في الاتجاه المعاكس، نحو التباعد، أي توسّع وتعميق اللامساواة» (ص. 03)، ويعتبر عامل الجدارة هو ما يحكم النظام الرأسمالي، وأن كل ربح أو أجر عظيم هو نتاج موضوعي للجدارة. ويبشرنا بأن «في الديمقراطية تتعارض المساواة النابعة من حقوق المواطن بوضوح مع اللامساواة الحقيقية في ظروف العيش» (ص. 504)، ثم يتابع «ومن أجل الخروج من ذلك التناقض، من الضروري أن تنبع تلك التفاوتات من مبادئ رشيدة وجامعة»، ولكن بيكيتي لا يذكر لنا هذه المبادئ الرشيدة والجامعة، ولا يحدد مستويات التفاوت المقبولة. في بحث واسع بهذا القدر، كنا نتوقع من بيكيتي أن يقدم تصورًا ملموسًا متكاملً حول عدد من الأفكار الكبيرة التي جاء على ذكرها في الكتاب؛ مثل دعوته إلى أنماط جديدة ومبتكرة للتنظيم وللملكية، وعرض الثروات للإشراف الديمقراطي، وأنماط أكثر كفاءة لإدارة الأموال العامة، ثم لم يتطرق إلى أشكال جديدة مجتمعية لملكية رأس المال، رغم أن ملكية رأس المال تمثل جوهر النظام الرأسمالي، بل يمكن أن تمثل أيضًا جوهر الدولة الاجتماعية البديلة في القرن الحادي والعشرين عندما تنمو مثلً أشكال خاصة جماعية تعاونية وتشاركية لرأس المال، إلى جانب ملكيات منظمات ومؤسسات

مجتمعية وبلديات، وهي أشكال للملكية الخاصة الجماعية لرأس المال، لتنمو وتقف في منافسةٍ في وجه الملكية الخاصة الفردية لرأس المال، ولكن بيكيتي لم يفعل شيئًا من هذا. أخيرًا، ربما أكون قد ظلمت كتاب بيكيتي؛ إذ حاكمته على أنه كتاب عن «رأس المال في القرن الحادي

والعشرين»، ولكن هذا هو عنوان الكتاب وموضوعه، بينما هو في الواقع بحثٌ في الماضي أكثر مما هو بحثٌ في الحاضر والمستقبل، وهو منصب حول رأس المال في عدد قليل من الدول الرأسمالية، كما أهمل عدة جوانب مهمة أساسية في بحث رأس المال وتكوينه الحالي وحركته وأدواره. ولكنه يبقى كتابًا مميزًا بكم الوقائع والمعطيات وبالمدى الزمني الذي يستند إليه.