الانتحار بحرق الذات لدى الشباب التونسي العاطل عن العمل
Committing Suicide by Self-Immolation among Unemployed Tunisian Youth
الملخّص
الكاتبة: دنيا الرميلي. العنوان الأصلي: Le suicide par auto-immolation chez les chômeurs tunisiens مكان النشر: تونس. الناشر: منشورات أرابيسك Arabesques Editions. تاريخ النشر: 2016. عدد الصفحات: 224 صفحة.
Abstract
Author: Donia Remili. Original Title: Le suicide par auto-immolation chez les chômeurs tunisiens. Place of Publication: Tunisia. Publisher: Arabesques Editions. Date of Publication: 2016. Number of pages: 224.
- حرق الذات
- البطالة
- الانتحار
- إستراتيجية الدفاع الفردية
- إستراتيجية الدفاع الجماعية
- Self-immolation
- Unemployment
- Suicide
- Individual Defense Strategy
- Collective Defense Strategy
الكاتبة: دنيا الرميلي. العنوان الأصلي مكان النشر: تونس. الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات: 224 صفحة.
منشورات أرابيسك.Arabesques Editions:
تعددت المقاربات التي أخذت على عاتقها دراسة الظاهرة الاحتجاجية في سياق الربيع العربي؛ ففي حين اختار بعض الباحثين دراستها من مداخل تتصل بالاحتجاج وأشكال ارتباطه السببي بالعوامل الاجتماعية في مختلف أبعادها، اتجه البعض الآخر نحو رصدها بناءً على إستراتيجيات الفاعلين في الفضاء والزمن الاحتجاجيَيْن. وهكذا يبدو الاحتجاج في شتى تجلياته كجبل الجليد العائم الذي يخفي التخوم الفارقة بين الظاهرة وعواملها، أو الفعل وسياقاته. يندرج كتاب دنيا الرميلي ضمن الصنف الثاني من المقاربات؛ إذ يمثل واحدًا من المحاولات القليلة المتخصصة والجادة التي استأنفت النظر في الانتحار بوسيلة حرق الذات لدى فئة العاطلين عن العمل من الشباب التونسي باعتباره إستراتيجيةً احتجاجية وميكانيزمًا دفاعيًا اتخذ شكلً جماعيًا منذ أن أقدم عليه محمد البوعزيزي في 71 كانون الأول/ ديسمبر 2010. ومع أن الدراسات المتعلقة بظاهرة الانتحار كثيرة في حقلَي علم النفس وعلم الاجتماع، فإنّ أهمية العمل. هذا الكتاب لا تكمن في دراسته ظاهرة الانتحار في سياقٍ احتجاجي مميز يتمثل بالحالة التونسية، وفق منهج يزاوج بين النفسي والاجتماعي، ولكن في كونه أيضًا تجاوز منطق الربط الميكانيكي بين السبب في الإقدام على الانتحار ونتيجته، ليسائل المطمور في كثافة أسلوبٍ انتحاري بعينه يتمثل بإحراق الذات، اتخذ نمطًا مترددًا في الزمان والمكان بالشكل الذي صار معه ظاهرةً تمسّ فئةً كثيرة من الشباب التونسي العاطل عن العمل. لترتيب الإجابة عن سؤال البداية المتعلق بما دفع عاطلين عن العمل دون غيرهم إلى الانتحار بهذا الأسلوب المجسّد للموت في أفظع تجلياته، ضمّ الكتاب من حيث مبناه العام جزءًا أولَ، استعرضت فيه الباحثة الشّق النظري المتعلق بالمفاهيم والمقاربات الأساسية للظاهرة المدروسة، وجزءًا ثانيًا وقفت فيه على مجريات الدراسة الميدانية وعرضت نتائجها بحسب كل عينة لتنتهي إلى خلاصات وتوصيات أساسية. يضم الجزء الأول من الكتاب مراجعات أدبية حول المفهوم المركزي في الدراسة وهو الانتحار، ومنها تلك الأكثر كلاسيكية، ونعني دراسة إميل دوركايم وتصنيفاته الأربعة الشهيرة للانتحار: الغيري (الإيثاري)، والأناني، والآنومي (فقدان المعايير)، والقدري. إلا أن التركيز قد بدا واضحًا على المقاربة السيكو ديناميكية للعمل خصوصًا مع رائدها ديجور سي. C Dejours الذي يرى في الانتحار الشكل الأكثر تدميرًا من العنف الممارس على الذات أو الآخر أو مجال العمل؛ فحالة انتحار، أو محاولة انتحار واحدة، تكفي في مجال العمل لزرع الرعب والمعاناة لدى كل عمال «المقاولة»، وهي بهذا مؤشر دال على خراب «العيش المشترك» الذي تتطلبه دينامية
ومن الواضح في دراسة الباحثة أنها رأت وجاهةً منهجية ومفاهيمية لهذه المقاربة، مع ما تطرحه من تحديات إجرائية تتعلق أساسًا بكون رائدها قد استخلص و/ أو طبّق مجمل مضامينها على انتحار العمال بفرنسا في إطار ما سمّاه سيكو ديناميكية العمل، والحال أن المخصوص بالدراسة ضمن إشكالية البحث على خلاف ذلك متمثّل بالعاطلين عن العمل. لم يفت الباحثة كذلك في معرض حديثها عن الأدبيات السابقة أن تقف عند مقاربة
Anusaksathien. N التي تقترح تصنيفات للعوامل المسببة للانتحار بحسب عوامل أولية (اضطرابات نفسية، ومتغيرات عائلية... إلخ)، ثم أخرى ثانوية (العزلة الاجتماعية، والمشكلات المالية، وغيرها)، إضافةً إلى عوامل تتصل بالضعف والحساسية تجاه أحداث معينة من دون فاعلية نفسية اجتماعية حمائية؛ كالدعم الأسري، أو القدرات الشخصية على المواجهة. ثم تنتهي الكاتبة إلى القول إن تضافر عوامل معينة قد يصبح مصدر خطر جدّي مؤدٍّ إلى الانتحار، هذا في وقت تفقد فيه بعض العوامل قيمتها في حال غياب عوامل أخرى أولية. انصب البحث في الشطر الثاني من الجزء الأول على التعريفات العديدة لمفهوم البطالة في ارتباطاتها السببية بالآثار السيكو ديناميكية، وذلك بالعودة إلى فرضية الانتقاء لدى جينيت هيرمان. G Herman، وفرضيتَي الحرمان عند ماري جاهودا Jahoda. M، والاستبعاد عند فراير Fryer. D. ولفهم الآثار السيكو ديناميكية للبطالة اعتمدت الباحثة على المقاربة الوظيفية التي تصف الفرق بين وضعية العاطل عن العمل ووضعية العامل، والمقاربة الفارقة التي تعتبر أن العاطلين عن العمل ليسوا سواءً في معايشتهم لوضعية البطالة. رأت الباحثة ابتداءً من الشطر الثالث أهمية تعريف المعاناة النفسية من خلال العلاقة «عمل/ بطالة» التي تقدمها المقاربة السيكو ديناميكية. وانطلاقًا من كون الوضعيتين لا تمثلان فقط صفة مهنية، اتجهت الباحثة، وفق المقاربة نفسها دائمًا، نحو اعتبارهما فيصلً في تحديد الهوية والانتماء الاجتماعيَين، وتشكيل حالة نفسية معينة. وفي حال البطالة، يمثّل العنف مخفّفًا لوطأة الأزمة الحادة التي تشهدها هوية العاطل عن العمل، وميكانيزمًا دفاعيًا ضد المعاناة الناتجة من وصمة العار والإحساس بالذنب المتمثل نفسيًا لدى من يعيشون وضعية البطالة، في حين يُعد العمل آليةً صحيةً تسعف في بناء علاقات اجتماعية تُجنّب العنف، وفي جميع الأحوال يمثل الأخير عرَضًا دالً على خراب «العيش المشترك». لم يغب عن ذهن الرميلي، وهي تحلل، ضمن الفصل نفسه، الانتحار عبر حرق الذات عند العاطلين عن العمل، أن تقف على رمزية هذا الفعل الذي ينمّ عن معاناة نفسية ترتبط بصورٍ سلبية مزدوجة حول الذات، يحاول العاطل عن العمل من دون جدوى الفكاك منها، ولا ترى الباحثة في النار، باعتبارها الأسلوب المعتمد في حرق الذات لدى العاطلين عن العمل، اختيارًا اعتباطيًا، بل ترى أنها تمثل آليةً موجهة للتطهر من الجانب السلبي في ذواتهم، يروم من جهةٍ خلق مشهدية في الحدث ذاته بأبعاده الثلاثة الأشد تأثيرًا في متلقي الرسالة: المكان، والشكل، والرمز (انتحر البوعزيزي أمام مركز السيادة السياسية - مبنى الولاية (المحافظة)، وبشكل فظيع جدًا، ونيابة عمّن هم في مثل حاله؛ أي باستحضار فكرة القربان المقدس، ثم من جهة ثانية محاولة في بعث ذاتٍ جديدة غير مرتبكة، صحية وأصيلة. أسهبت الباحثة بعد ذلك، وفق المقاربة السيكو ديناميكية للعمل، في شرح إستراتيجيات الدفاع الفردي والجماعي التي يلجأ إليها العاطل عن العمل بوعي أو من دونه لمجابهة حالة مجهِدة نفسيًا واجتماعيًا تتمثل بالبطالة. من ذلك أيديولوجيا العار التي استلهمتها الباحثة من دراسة ديجور للبروليتاريا الرثة بالأحياء الفقيرة، واعتبرت أنها من السمات المائزة للتونسي العاطل عن العمل؛ إذ تلحقه وصمة العار لأسباب
عدة، منها اعتماده المادي على العائلة. إضافة إلى إستراتيجية دفاعية جماعية استلهمتها من إميل دوركهايم تتمثل بأيديولوجيا الإيثار (نكران الذات) والتعاون بهدف تحصين الكيان الجماعي من الانتحار. والتحدي القائم هنا، والذي ما فتئت هي الأخرى تشير إليه في أكثر من موضع، يتمثل بإمكانية تنزيل المفاهيم والمقاربات الذي استُخدمت لدراسة الانتحار في فضاءات العمل على سياقات أخرى تتعلق بالانتحار بسبب العطالة، وفي سياق اجتماعي مختلف يمثله العاطلون عن العمل في تونس، والأكثر من ذلك مدى نجاعة إستراتيجيات الدفاع الفردية والجماعية نفسها في السياق ذاته المختلف. في عرضها الشق الميداني ضمن الجزء الثاني من الدراسة، تلخّص الباحثة الهدف من بحثها في اقتراح مقاربة أولية، استكشافية، لظاهرة الانتحار لدى العاطلين عن العمل التونسيين الذين حاولوا الانتحار محترقين بالنار، وتقديم فهم أفضل لهذه الآفة التي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مائزة للثورة التونسية، ولا توجد حولها منشورات أو أعمال في مجال علم النفس عمومًا، وخصوصًا ضمن المقاربة السيكو ديناميكية. اشتغلت الباحثة على عينتين لتحقيق ذلك؛ أجريت الأولى عبر دراسة وصفية عمدت فيها إلى استعادة السجلات الطبية للمرضى الذين أقدموا على محاولات انتحار وتم استقبالهم في مركز الإصابات والحروق البليغة ببن عروس (جنوب تونس العاصمة)، إذ اختارت الباحثة حصرًا ضمن عينتها من لا تتجاوز أعمارهم 54 سنة من المنتحرين لأسباب تتصل بالبطالة خلال فترة تمتد من تموز/ يوليو 2010 إلى كانون الأول/ ديسمبر 2012، وذلك بهدف تقييم عدد محاولات الانتحار التي استمرت في الحدوث بوتيرة متتالية. وصل مجموع العينة إلى ثلاثين فردًا من بينهم 29 رجلً وامرأة، تُراوح أعمارهم بين 6541 و سنة. لوحظ اتجاه أكبر فيها نحو الانتحار لدى الفئات التي تراوح أعمارها بين 26 و 53 سنة. ويمثل متغير الأصول الجغرافية مؤشرًا دالً ضمن العينة، بحيث أظهر اتجاهًا للانتحار لدى العاطلين عن العمل في جهات الشمال الشرقي والشمال الغربي من تونس أكثر من غيرها، ويفسر ذلك بأسباب سوسيو-اقتصادية وأخرى ثقافية تتعلق بكل جهة. أما من حيث متغير المستوى التعليمي فتُسجل الدراسة انتشارًا واسعًا لمن لهم مستوى أولي في مقابل ذوي التعليم الثانوي والعالي. كما سجل مجتمع الدراسة انتشارًا واسعًا للانتحار لدى العاطلين عن العمل العزّاب أكثر من غيرهم، إذ تمثل حالة العزوبة في هذا الصدد عنصرًا مهمًا يتداخل مع عوامل أخرى تدفع العاطلين عن العمل إلى الانتحار. وتُظهر الدراسة أيضًا أن 60 في المئة من الحالات تعيش مستوى سوسيو- اقتصاديًا ضعيفًا في حين تعيش النسبة المتبقية مستوى ضعيفًا جدًا. لم يفت الباحثة أيضًا الوقوف على متغير مكان الانتحار باعتباره يختزن رمزيةً ومعانيَ سوسيو-سيكولوجية دالّة، إذ اتضح أن أغلب الحالات تنتحر في أماكن عمومية وإدارية مُمثّلة للسلطة (قسم الشرطة، ومديرية الأمن، والبلدية، والولاية... إلخ). أما فيما يخص متغير السوابق المَرضية فقد استُبعد من ضمن العوامل في الدراسة على أن يُتناول في التحليل الكيفي، وذلك على الرغم من أهميته، إذ أظهر البحث أن نسبًا معتبرةً من مجموع حالات العيّنة تعاني سوابق إما عضوية (إعاقة في الساق، سكري... إلخ)، أو نفسية، أو إدمان الكحول.
وانطلاقًا من كون الاستهلاك الآني/ اللحظي أو الدائم لمواد مخدّرة قد يكون عاملً مسببًا أو مؤثرًا في الإقدام على الفعل الانتحاري، وقفت الباحثة على وضعية العاطلين عن العمل لحظة إقدامهم على الفعل. وتُظهر النتائج في هذا الإطار أن 04 في المئة من المنتحرين كانوا تحت تأثير الكحول وحدها أو بالموازاة مع مواد أخرى مخدّرة. والملاحظ هنا أن عددًا مهمًا من الحالات قد تعاطى هذه المواد في اللحظة التي أقدمت فيها على الانتحار، ما يعني أنها قد تمثل، وحدها، مسببًا رئيسًا للمرور إلى الفعل بطمس كل تفكير أو شعور ذهني. تنتهي الباحثة في معرض وصفها للحالات بناءً على نتيجة فعلها الانتحاري إلى أن 04 في المئة من الحالات توفيت، في حين أن 60 في المئة المتبقية نجت، وهو ما يفتح الباب لمعاناة نفسية وآلام جسدية تتخذ أشكالً ومستوياتٍ مختلفة من الشدة كالصدمات والاضطرابات والاكتئاب، ما قد يتطور إلى محاولات انتحارية جديدة. اعتمد البحث في العينة الثانية على منهج كيفي وتحليلي يقوم على مقاربة إكلينيكية وسيكو ديناميكية طبّقتها الباحثة على ست حالات من العاطلين عن العمل، تضم منتحرين غير حاملين لشهادات تعليمية، واثنين غير منتحرين وغير حاملين لشهادات، إضافةً إلى اثنين آخرين غير منتحرين من حملة الشهادات العليا. تمّ تقديم كل حالة عبر عرض بيوغرافيتها وحياتها المهنية والدراسية وتتبع سوابقها المَرضية وكذلك تصوّرها عن العمل وأهميته، ثم معايشتها التاريخية للبطالة وتأثيرها فيها، كما اعتمدت الباحثة مقياس Rosenberg لمعرفة مدى تقديرهم لذواتهم، ووقفت مع المستجيبين على دلالات إقدامهم على الانتحار، واختيارهم المخصوص لحرق الذات بوصفه أسلوبًا، في أماكن بعينها لحظة إقدامهم عليه، ثم حللت إستراتيجياتهم الدفاعية الفردية والجماعية، لتنتهي إلى توصيات يقترحونها إزاء ما يعيشونه وما ينتظرونه على الصعيد المجتمعي، وفي علاقتهم بالسلطة. تواجه الباحثة في الشطر التالي من الجزء الثاني لدراستها تحدّيًا لفك رموز المعاناة النفسية ودلالاتها للعاطلين عن العمل التونسيين باعتماد المداخل التي تتيحها المقاربة السيكو ديناميكية للعمل مع رائدها ديجور الذي يرى في المعاناة وجودًا مترديًا ينمّ عن الضجر، والرتابة، والخوف، والقلق، والإحباط، والغضب، وعدم الرضا وغيرها من المعاني التي تترجم فقدان كل متعة، أو رغبة في الارتباط والتضامن أو التواد. وتقترح الباحثة في هذا الإطار تناول هذه المعاناة من خلال رصد تعليقات العاطلين عن العمل وتتبعها في ضوء مضامين ارتباك الهوية الحاصل لديهم، ووصمة العار التي تلاحقهم مع شعورهم بالذنب، وضعف تقديرهم لذواتهم والاكتئاب وغيره من صور المعاناة التي تحول دون تعايشهم الذاتي والاجتماعي. إن الهوية باعتبارها «الإسمنت المسلح» لكل صحة عقلية، تصير هشةً، مرتبكة، وموضع حرج في حال العاطل عن العمل، وهو ما لاحظت الباحثة تمظهراته في عينة الدراسة التي يعوزها تقدير الذات والثقة بالنفس، ويغلب على بعضها توجه سلبي عام نظرًا إلى كون العاطلين عن العمل خارج نطاق كل مرئية أو اعتراف من العائلة، والجهات السياسية، والعاملين، أو المجتمع عمومًا. أزمة الهوية الخانقة لدى العاطلين عن العمل تدفعهم إلى البحث عن هوية صافية وإيجابية عبر «تطهير» الجسد «بالنار»
من أجل بعث جلدٍ جديد، أنا جديدة، وبكلمة، هوية جديدة. وفي الوقت ذاته يلجأ عاطلون عن العمل آخرون إلى الاندماج في هويات مشتركة أو اجتماعية تتشارك أهدافًا وقيمًا تساعدهم على تشكيل صورة أكثر إيجابية عن ذواتهم، ما يمنحهم الحماية ويعزز تقديرهم واعتراف الآخرين بهم. على النحو نفسه تمثل أيديولوجيا العار شعورًا ذا صلة بالهوية المتأزمة لدى العاطلين عن العمل. وهو ما رصدته الباحثة لدى عينة العاطلين عن العمل التونسيين على مستويات متفاوتة من الكثافة والتمظهر، تارةً في الصمت وتارةً في الضحك، وتاراتٍ أخرى في الطموح المفرط. إذ يتشاركون فقدانهم الإحساس بهويتهم والثقة بذواتهم، كما يعيشون شعور العجز، والعوز، والهشاشة الاقتصادية والازدراء الاجتماعي في ظل افتقادهم حقًا قانونيًا ومشروعًا يتمثل بالشغل، الأمر الذي ينتهي بهم إلى الركون إلى اعتقاد سلبي مفاده استحقاقهم الوضعية المزرية التي يعيشونها وعدم جدوى أي محاولة في التصرف إزاءها. تزداد معاناة العاطلين عن العمل، خصوصًا منهم غير الحاملين للشهادات، لتُضاعف شعورهم بالذنب الناتج من اعتقادهم بمسؤوليتهم إزاء وضعهم من جهة، وعدم حصولهم على أي شهادات من جهة ثانية، في الوقت الذي يُدين العاطلون عن العمل، من حملة الشهادات، المجتمع والسياسة لأنها حالت دون متطلباتهم من جهة، ولأنهم عبء ثقيل على عائلاتهم التي دعمتهم خلال كامل مشوارهم الدراسي وسنوات بطالتهم من جهة ثانية. حجم المعاناة القاسية التي ترزح تحتها عينة المستجيبين من العاطلين عن العمل التونسيين، تجعلهم يقاومون، بحسب الباحثة، باعتماد إستراتيجيات دفاعية قائمة أساسًا على الكبت، والهروب إلى الأمام avant en Fuite، والمراوغة Esquive... إلخ، وكذلك العنف الداخلي الموجه إلى الذات، أو الخارجي تجاه الآخرين باعتباره الإستراتيجية الفردية الأكثر انتشارًا بينهم. ولعل ما يزيد الوضع تفاقمًا هو ضعف التضامن من جانب الأسرة التونسية التي باتت تتخذ شيئًا فشيئًا شكلً نوويًا. إنهم أيضًا يتشاركون مع البروليتاريا الرثة Sous-Prolétariat بعض آلياتها الدفاعية في صراعها ضد أيديولوجيا العار؛ من قبيل إدمان الكحول، والعنف الموجه ضد كل ما هو اجتماعي، والاكتئاب وفقدان التحكم المَرضي، وفي الحالات الحرجة الانتحار. وفق المقاربة السيكو ديناميكية دائمًا، تنطلق سيرورة العنف التي يعيشها العاطلون عن العمل بحسب الدراسة من فجوة بين واقع متخيل حيث التوقعات والتطلعات، وآخر حيث العراقيل وخيبات الأمل الأليمة، وهو ما ينطوي على معاناة نفسية اجتماعية شديدة، يستجلب معها العاطل عن العمل ميكانيزمات دفاعية للتخفيف من توتره النفسي والتحكم في معاناته. وفي حال فشله يستسلم العاطل عن العمل للعنف الذي لا يتحول إلى فعل إلا بعد التهيئة الواعية وغير الواعية لأبواب يصرّف بها معاناته، تأخذ أشكالً متعددة ينتج منها عزلة اجتماعية وسلوكات نفسية مضطربة قد تصل إلى حد الاغتراب الاجتماعي. وفي اللحظة التي يستنفد فيها العاطل عن العمل كل احتمالٍ للمقاومة والدعم، يدخل دوامة من مع ذاته Violence Actionnelle العنف الفعلي في حال الانتحار أو محاولة الانتحار، والرد في العلاقة Violence Reactionnelle الفعلي بالآخرين و/ أو المؤسسات.
مع أن المعاناة مشتركة لدى كل العاطلين عن العمل، فهي تختلف بحسب معايشتها وطرق الاحتماء منها لدى العاطلين عن العمل غير المنتحرين من الذين لا يملكون مؤهلً. فهناك من جهة، اعتماد على إستراتيجيات فردية واعية أو غير واعية مثل الكبت، واللجوء إلى نشاطات كالرياضة والانخراط في الجمعيات الخيرية وغيرها، ومن جهة أخرى ابتكار إستراتيجية دفاع جماعية من خلال زيف مشترك Pseudo Collectif يقتسمون فيها همومهم ويصارعون ضد وضعية البطالة عبر طقوس روحية، تتمثل أساسًا بالتدين الذي يمنحهم صبرًا، واحتسابًا، وتساميًا عن كل «وسوسة شيطانية» قد تدفعهم إلى التفكير في الانتحار، وأملً دائمًا في مستقبل أفضل لا يعلمه سوى الله (المكتوب)، إضافةً إلى تعويض عن نقصٍ في الدعم العائلي لمصلحة التزام روحي لا يبلغه الشك. توصلت الدراسة أيضًا إلى أن العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا غير المنتحرين يوجّهون معاناتهم بطريقة مختلفة، إذ يعمدون إلى تحويل إحساسهم بالعار إلى إحساس بالفخر والتقدير، وذلك عبر ميكانيزمات دفاعية فردية وجماعية من قبيل التحوير/ الإسقاط Projection La، والكفاحية Combativité La، والتسامي La Sublimation، والأهم من ذلك الانضمام إلى جماعات من حملة الشهادات العليا، من قبيل جمعية UDC التي تؤدي دورًا حمائيًا كبيرًا لا على الصعيد النفسي فحسب، بل من الناحية الاجتماعية والسياسية أيضًا. وقد استلهمت الباحثة مفهوم الغيرية من المقاربة الدوركايمية ومفهوم التضامن من المقاربة السيكو ديناميكية لتستنتج ما سمته «الأيديولوجيا الغيرية الدفاعية» التي تشكلت داخل هذه الجمعية بوصفها نتيجةً لروح التضامن وبذل الوقت والجهد والمال، إذ فتحت فضاءً للتظاهر والتفاعل المباشر فيما بينهم أو عبر الشبكات الاجتماعية، والنقاش المشترك لوضعيتهم الهشة وصراعاتهم مع محيطهم. وبناءً عليه، فإنّ أيديولوجيا التعاون Cooperation والإيثار Altruisme الدفاعية تؤدّي إلى قدرةٍ على التكيف والمقاومة Resistance لدى العاطلين عن العمل من المؤهلين، عبر خلق جماعة للانتماء المشترك، بحيث يشحذون مواردهم الضرورية لإيجاد معنى لحياتهم. عمومًا يمكن القول إن كل فئة من العاطلين عن العمل لها أيديولوجيتها الدفاعية، حيث تطغى لدى العاطلين عن العمل المنتحرين أيديولوجية دفاعية مرتبطة بالعار، في حين نجد أن الأيديولوجية الدفاعية القائمة على الغيرية والتعاون والمقاومة هي المنتشرة أكثر لدى العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا الذين لا يقدمون على الانتحار. أما العاطلون عن العمل غير المنتحرين من غير المؤهلين فيعمدون إلى تبني أيديولوجية دفاعية تقوم على تثمين التدين، وهذا في الوقت الذي يتشارك فيه جميع هؤلاء في ما سمّته الباحثة «أيديولوجيا دفاعية نقدية تجاه السلطة». إن ما يثير الاهتمام في الفعل الانتحاري القائم على حرق الذات بالنار ليس الفعل في حد ذاته، بل تداخل مجموعة من العناصر السياقية المتعلقة أساسًا بلحظة ثورية، دفعت بتشكل نمط محدد من الانتحار التتابعي أضحى معها البوعزيزي أيقونة مشهدية رامزةً إلى البطولة والثورة وغياب العدالة الاجتماعية في آن واحد. وبهذا المعنى يكون الفعل الانتحاري اللاحق للبوعزيزي تجسيدًا للبحث عن المرئية، والاعتراف، وبكلمة، عن معنى للحياة.
ليس أفيَد بالنسبة إلى الباحثة في معرض حديثها عن آليات كبح هذه الظاهرة من تأسيس مرصد يأخذ على عاتقه جمع المعطيات الدقيقة وتشاطر التجارب البحثية حول هذه الظاهرة، إضافةً إلى التشريح النفسي للظروف والأفكار الذي تدور في ذهن المنتحر حتى آخر أيامه ولحظاته. وهذا يمثل تحديًا، حيث تحول دونه تابوهات المجتمع والعائلة التونسيَين وإكراهاتهما في غياب أي توعية إعلامية بأهمية المسألة. وتقترح الباحثة في السياق نفسه خطوطًا عامة لإستراتيجية وطنية لمواجهة الانتحار تقوم على تحديد الفئة المهدَّدة به، وتعزيز الإستراتيجيات الدفاعية الناجعة ضده بحسب كل فئة من العاطلين عن العمل، خصوصًا تلك الإستراتيجيات الجماعية منها، وذلك بتنسيق مع المجتمع المدني، إضافةً إلى تقوية العلاقات الأسرية، وتعزيز أدوار الشبكات الاجتماعية والمسجد وتقويم ما تقدمه وسائل الإعلام، مع حصر دور الدولة في وضع إستراتيجية على المدى البعيد لتقليص الفروق الإقليمية والتفاوتات الاجتماعية. في ختام كتابها، تفتح الرميلي الباب على مصراعيه لتوسيع دراستها ومنهجها المتبع في عوالم بحثية جديدة، خصوصًا تلك المتعلقة بالبلدان التي عاشت فترات مشابهة من الاضطراب الاجتماعي. فالدراسات المقارنة بحسب الكاتبة تساعد في فحص مدى تجسيد العاطلين عن العمل المنتحرين الخصائص الاجتماعية نفسها وعوامل الخطر والإستراتيجيات الدفاعية التي توصلت إليها الدراسة، وهو ما يمكّن أيضًا على المدى البعيد من إنشاء نظام لليقظة والتنبيه المبكّر في المنطقة، يساهم في الحد من الظاهرة، خصوصًا أنها آخذة في التمدد والانتشار بأشكال جديدة.