اللاجئات السوريات في تونس: تجربة الهجرة القسرية وصعوبة الاستقرار
Syrian Women Migrants in Tunisia: The Experience of Forced Migration and the Difficulty of Settling Down
الملخّص
تركز الدراسة، اعتمادًا على مقاربة سوسيولوجية جندرية، على حالة اللامرئية التي تعيشها السوريات بسبب هيمنة منظومة ثقافية ذكورية مشتركة ومهيمنة في المجتمعين الوافد والمضيف، زادت من حدتها وطأة الأصول الاجتماعية للاجئين. وقد بينت الدراسة أن حالة اللامرئية التي تعيشها اللاجئات السوريات تقابلها دينامية تدفع إلى النقيض على مستوى العلاقة بين الزوج والزوجة في الإطار العائلي. ففي حين ظلت سوق العمل التونسية شبه مغلقة أمام الرجال اللاجئين لأسباب قانونية واقتصادية، أهَّلت بعض المهارات الحرفية الخاصة اللاجئات السوريات للعمل بالقطاعات غير المهيكلة، وساعدتهن قدراتهن على التدبير والتكيف مع الوضعيات القصوى، وعلى اكتساب موقع أفضل، مقابل هشاشة موقع الرجل.
Abstract
Assistant Professor in Sociology and Anthropology at the Higher Institute for Humanities, University of Tunis, al-Manar.
- الهجرة القسرية
- اللجوء
- اللامرئية
- النوع الاجتماعي
- التغير والاستمرارية
ملخص: تركز هذه الدراسة، اعتمادًا على مقاربة سوسيولوجية جندرية، على حالة اللامرئية التي تعيشها السوريات بسبب هيمنة منظومة ثقافية ذكورية مشتركة ومهيمنة في المجتمعين الوافد والمضيف، زادت من حدتها وطأة الأصول الاجتماعية للاجئين. وقد بينت الدراسة أن حالة اللامرئية التي تعيشها اللاجئات السوريات تقابلها دينامية تدفع إلى النقيض على مستوى العلاقة بين الزوج والزوجة في الإطار العائلي. ففي حين ظلت سوق العمل التونسية شبه مغلقة أمام الرجال اللاجئين لأسباب قانونية واقتصادية، أهَّلت بعض المهارات الحرفية الخاصة اللاجئات
السوريات للعمل بالقطاعات غير المهيكلة، وساعدتهن قدراتهن على التدبير والتكيف مع الوضعيات القصوى، وعلى اكتساب موقع أفضل، مقابل هشاشة موقع الرجل.
Abstract: Based on a gender approach in sociology, this study focuses on the state of invisibility experienced by Syrian women due to the hegemonic male cultural system common to both the host and sending societies, which is further exacerbated by the social status of the asylum seekers. The current study shows that the state of invisibility experienced by Syrian women is set off against an opposite dynamic witnessed in their marital relationships and their role in the family. While the Tunisian labor market has been quasi-closed to male Syrian asylum seekers for legal and economic reasons, the craft skills of their female counterparts have enabled them to work in the informal sector. Equally, their abilities to manage and adapt to extreme situations have helped them gain a better position compared to the precarious status of their male counterparts.
مقدمة
في إثر الصراع المسلح في سورية الذي اندلع منذ سنة 2012، مثّلت الهجرة القسرية محور اهتمام السياسيين والرأي العام والإعلام والمحللين على حد سواء. إلا أن هذا الاهتمام لم يمثل منطلقًا لإعادة النظر في ترسانة الأدوات والأطر النظرية للتفكير في الهجرة بقدر ما عبّر عن تهافت
في مواكبة تدفق المهاجرين والطابع الاستعجالي الذي اكتسته الأحداث المنبثقة من هذا النوع من الظواهر. بين التروي الذي يقتضيه التفكير من أجل فهمٍ واستيعابٍ لملابسات الوضعيات الجديدة للهجرة وتداعياتها، وبين ضرورة التحرك التي تمليها الخاصية الاستعجالية، مسافة جعلت أيّ معالجة للموضوع تواجه عقبات مولدة للارتباك. تتجلى أولى مظاهر الارتباك على مستوى المفاهيم والمصطلحات المعتمدة. فعلى سبيل المثال، لئن تداولت محطات إعلامية تونسية وأجنبية مصطلح المهاجرين غير الشرعيين في الحديث عن السوريين الوافدين إلى دول أوروبية، فإن الخطاب ذاته شهد تعديلً منذ نشْر صورة الطفل السوري إيلان وجثته الملقاة على شاطئ اليونان، فكان الحدث إحدى اللحظات الفارقة في الخطاب الإعلامي التونسي والأجنبي. لقد أصبح هذا الخطاب يرجّح كلمة «اللاجئين» للتعبير عن كل الفارين من النزاع
المسلح في سورية. وهو ما لا يتوافق مع مفهوم اللجوء وفق اتفاقية جنيف والمفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ يقترن الإقرار بصفة اللجوء بالموافقة الرسمية التي تمنحها المفوضية لطالب اللجوء نفسه. غير أن الارتباك المفهومي لم يكن حكرًا على الخطاب الإعلامي، وإنما شمل
الخطاب السياسي والمجتمعي والأكاديمي. إزاء واقع هجرة متأزم وطرق تناول متضاربة ومضطربة، سنعمل على التدقيق في مضامين التجارب الإنسانية الكامنة خلف التسميات المغرقة في التعميم، مركّزين على مسألة العلاقات والتفاعلات التي تثيرها الهجرة؛ وفق مفهومها السوسيولوجي بين المهاجرين والمجتمع «المستقبل». هكذا يصبح المهاجر أو اللاجئ وسيلة تحليل اجتماعي تمكّن من فهم الخاصيات الاجتماعية والثقافية والسياسية لبلد الانتماء والبلد المضيف. وستكشف هذه المقاربة عن مدى قدرة المجتمعات المستقبلة على أن تكون مجتمعات حاوية ومدمِجة Inclusive، وعن إمكانية وقوع المهجّرين رجالً ونساءً في بوتقة
الإقصاء و«اللامرئية»، مع الانتباه للتفاوت والاختلاف الذي يميز وضعيات الجنسين.
النساء والهجرة القسرية من منظور النوع الاجتماعي
لا يحيل مفهوم النوع الاجتماعي في ذهننا على متغير يضاف إلى مختلف المتغيرات المستخدمة في الدراسات حول الهجرة بأنواعها، بل إنه يعني أساسًا وضعية إدراكية تنطلق من الوعي بأن التمايز الاجتماعي بين الجنسين على أساس الفوارق البيولوجية هو نتاج لإنشاءات اجتماعية تحدد تعريفات النساء والرجال ومميزاتهم، انطلاقًا من تمثلات المجتمع لأنثوي والذكوري التي تؤسس للهيمنة
(1) Andrea Rea & Maryse Tripier, Sociologie de l’immigration (Paris: La Découverte, 2003).
الذكورية. توضح فرانسواز هيريتيه، في هذا الشأن، أن كل المجتمعات تخلق فروقًا اجتماعية بين الجنسين على أساس الفروق الفسيولوجية، ولكنها تخلق في الوقت ذاته آليات لطمس هذا التمايز حتى تبدو الفروق «طبيعية». إذًا، يصبح «الإقصاء الأنطولوجي » للنساء، والذي يفتح الطريق لإقصائهن سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا إذا ما تراكمت لديهن عوامل أو عناصر هشاشة، إقصاءً مستعصيًا بسبب
لامرئيته، وعدم الإقرار المجتمعي به. على هذا الأساس، برزت النساء في الدراسات العلمية لظاهرة الهجرة في مرحلة أولى منذ السبعينيات وإلى بداية الثمانينيات للقطع مع إقصائهن من البحوث حول هذه الظاهرة. ولكن أغلب هذه الدراسات اكتفت بإضافة العنصر النسائي تمامًا كمتغير الجنس، أو ركزت على الوصف الإثنوغرافي للنساء في سياقات
متنوعة. وفي مرحلة ثانية، من الثمانينيات إلى بداية التسعينيات، أصبح النوع الاجتماعي متغيرًا أساسيًا
لفهم مختلف الممارسات الاجتماعية التي تشكل المسارات الهجرية وتتشكل وفقها في آنٍ واحد. وابتداءً من التسعينيات، تم ضم المقاربة داخل ثالوث العرق والنوع والطبقة، مع التركيز على تقسيم العمل
بحسب الجنس وتأثيره في طلب اليد العاملة والهجرة. وفي مرحلة ثالثة تندرج في إطارها البحوث الراهنة، يعتبر النوع الاجتماعي حجر الأساس في دراسة الهجرة بأنواعها، إذ وقع إدماج النوع الاجتماعي في الممارسات اليومية وفي الهياكل السياسية والاقتصادية؛ في إطار دراسة للسياق الشمولي للهجرة. ولم تسجل المراحل الثلاث للربط بين الهجرة والنوع الاجتماعي انشطارًا في الاهتمامات بين سياقات بحثية
مختلفة، فلم تكن حكرًا على دول أو أقاليم بعينها. ولكن فيما يتعلق بالمغرب العربي وبتونس على وجه
التحديد، توجد ثغرات تفصل بينها وبين أدبيات الهجرة والنوع الاجتماعي على المستوى العالمي.
اعتبارات منهجية
في التقليد الكمي للبحث يكون هاجس الدارس لمثل موضوعنا هو عدد اللاجئين وتوزيعهم وخصائصهم، ثم الربط بين تلك الخصائص عبر فرضيات تهيمن عليها المقولات السببية، وهذا يعطي في كثير من
(2) Pierre Bourdieu, «La domination masculine,» Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 84, no. 1 (1990), pp. 2-31.
(((هي أول من قدَّم في الأنثروبولوجيا تحليً لأصل التفرقة بين الجنسين البارزة من خ لاا دراسات القرابة، والتي لاحظها
الأنثروبولوجيون من أمثال كلود ليفي ستروس الذي بيّن أن الرجال هم الذين يتبادلون النساء فيما بينهم للزواج، ولكنه لم يتفطن إلى
أن نظام التبادل نفسه يفترض، في البداية، أن تكون للرجال سلطة على النساء وأن يمتلكوهنّ. من هنا، استخلصت هيريتيه أن التمايز
بين الجنسين يرافقه ترتيب تفاضلي، وأنّ هذا الترتيب هو ما يميز التفكير في الاختلاف بين الجنسين.
(4) Françoise Héritier, Masculin/ Féminin: La pensée de La différence (Paris: Odile Jacob, 1996). (5) Jeanne Bissiliat, «Pauvreté, exclusion et citoyenneté,» in: Jeanne Bissiliat, Femmes du Sud, chefs de famille (Paris: Karthala, 1996), p. 373. (6) Mirjana Morokvasic, «Birds of passage are also women...,» The International Migration Review , vol. 18, no. 4 (1984), pp. 886-907. (7) Pierette Hondagneu-Sotelo, «Overcoming Patriarcal Constraints: The Reconstruction of Gender Relations among Mexican Immigrant Women and Men,» Gender and Society , vol. 6, no. 3 (1992), pp. 393-415. (8) Silvia Pedraza, «Women and Migration: The Social Consequence of Gender,» Annual Review of Sociology , vol. 17, no. 1 (1991), pp. 303-325. (9) Hondagneu-Sotelo.
الأحيان نتائج ذات فائدة كبيرة؛ خاصةً في بعدها التعميمي. لكن المقاربة تبقى دائمًا، بالنسبة إلى اللاجئ،
تجربة الحياة التي يتمثل من خلالها معاني الأفعال ودلالات القيم. لذا يقتضي الأمر، انطلاقًا من المقاربة التي اخترناها، التعمق في فهم مجموعة متنوعة من الحالات باستعمال منهجية بحث مكثف تتفادى الخلط الذي قد تفرزه الأرقام بين الفئات المختلفة من المهاجرين في تمثلها لتجربتها. هناك صعوبة منهجية ثانية ذات علاقة بالأولى، ناتجة من التردد اللغوي في التعبير عن وضعيات متجانسة ومختلفة في آنٍ واحد، وكذلك من التداخل التصنيفي للظاهرة بين الخطاب الإعلامي والسياسي والمجتمعي، ما يفرض على الباحث في كل مرة أن يحدد السياق الذي يندرج فيه طرحه والفئة المقصودة بعينها. ينبغي التمييز، إذًا، بين المهاجرين واللاجئين الحاصلين على شهادة لجوء من المفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وطالبي اللجوء والمرفوضين. بحسب بارجيه ولوكمان، يمثل الانتقال إلى المهجر «شكلً غير اعتيادي من ردة الفعل في الحالات القصوى»، وهو فعل «يفتح حقل الممكن» أمام أفراد مهددين في بقائهم وسلامتهم وأمنهم. وهكذا يشكل المنفى نوعًا خاصًا من أشكال الهجرة، يفرزه سياق يتصاعد فيه العنف على نحو يعسر معه إيجاد سبل نجاة، وتنعدم فيه الخيارات، ما عدا الهجرة التي تغدو حتمية. فإذا كان اللاجئ هو الشخص الذي يثبت أنه ضحية للانتهاكات بالفعل أو بالقوة، ما يجعله يحظى بالحماية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف، فإن التلقي المجتمعي لكلمة «اللاجئ» يجعلها قابلة للتعميم على كل الفارين من الحرب كما هو الشأن في الحالة السورية. ومن ثم يكتسب اللجوء، في هذا السياق، حمولة اجتماعية تتجاوز التعريفات الرسمية، فيعتبر في الخطاب المجتمعي كل السوريين والسوريات الموجودين في تونس لاجئين. ومن ناحية أخرى، تسيطر على موضوع الهجرة «المؤنثة»، في مثل الحالة التي ندرسها، ذهنية ثقافية مولدة لحالة من الوجود غاية في الإثارة، وهي لامرئية الظاهرة. وتتجسد هذه اللامرئية في صعوبة الوصول إلى اللاجئات، ومقابلتهن على نحو فردي معزول، أو حتى في إطار المشاهدة البؤرية. واللامرئية هنا هي إنتاج اجتماعي يتضافر في إنتاجه مجتمع اللاجئين ومجتمع الاستقبال. فمن ناحية يعمل الرجال في مجتمع اللاجئين على احتكار الظهور والكلام، وهم بذلك في تماهٍ مع الثقافة العامة للمجتمع المستقبل. ومن ناحية أخرى، فإنّ أغلب النساء اللاتي يعملن غير مسجلات على نحو رسمي ومعلوم من طرف المشغلين، كما أن العمل في المنزل عن بعد يجعلهن غير مرئيات تمامًا.
(10) Peter Berger & Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (New York: Penguin Books, 1966). (11) Mirjana Morokvasic, «L’invisibilité continue,» Cahiers du Genre , vol. 51, no. 2 (2011), pp. 25-47.
((1 المقصود باللامرئية، عدديًّا، هو تغييب النساء في الدراسات العلمية للهجرة وتأخر الاهتمام بحضورهنّ داخل الهجرة. أمّا (
ال ماارئية، نوعيًا، فهي متعلقة بخصوصية بعض المسارات الهجرية النسائية. وتتسم هذه ال ماارئية بتعدد مستوياتها. فعلى غرار
المستوى البحثي، يبرز على مستوى الواقع نوع من الإقصاء للنساء ينتج من كون الرجال الأكثر ظهورًا في الفضاءات العامة
والمؤسسات والمنظمات وقطاع الشغل المهيكل بالنسبة إلى من لديهم شهادات إقامة. وفي هذا السياق، يذكر مسؤول بالمفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه عندما نظمت المفوضية دورة لتوعية النساء السوريات بحقوقهن أتين برفقة أزواجهن الذين كانوا ينتظرونهن في الخارج، وأن النساء كنَّ على درجة من الاضطراب و«ممحوات»، وفق تعبيره. فقد اضطرت المدربات
والمدربون إلى إقناع بعض الأزواج حتى يسمحوا لزوجاتهم بالدخول والمشاركة في الدورة.
لهذا السبب يتجه علم اجتماع الهجرة منذ سنوات إلى تسليط الضوء على الفئة الأكثر تميزًا باللامرئية؛ أي النساء المهاجرات. وعلى الرغم من تعدد الدراسات في المجال، ولا سيما من بلدان المغرب العربي نحو أوروبا، فإن قراءات موجة الهجرة الجماعية عادة ما تغفل خصوصية التجارب النسائية وتأثير الظاهرة في العلاقات والأدوار بين الجنسين وداخل الأسرة المهاجرة. وتركز جل الدراسات على الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وعلى فرصة التحرر وتنمية الذات، والعبور إلى الحداثة والاندماج الاجتماعي التي تمثلها بحسب هذه الدراسات النساء اللاتي يهاجرن بمفردهن، بخلاف النساء اللاتي يهاجرن في إطار تجمّع عائلي، وهو ما شكَّل موضوع نقد لما تشتمل عليه هذه الرؤية من مركزية إثنية. وفي الأثناء، لم تعد الهجرة الاقتصادية هي الموضوع الطاغي على الاهتمامات البحثية؛ بسبب ظهور أنواع أخرى لم تكن معروفة قَطّ، كما هي الحال في بلدان مثل تونس، خاصةً بعد اللجوء الجماعي لمئات الآلاف من الليبيين إثر فرارهم من بلدهم؛ بسبب الحرب التي استمرت أشهرًا طويلة خلال سنة 2011.
جدة الموضوع في تونس
خلال الفترة الأولى من اندلاع الثورات العربية، فوجئت الدولة والمجتمع في تونس بظاهرة هجرة تخرج تمامًا عن الشعار «مواطنونا بالخارج» الذي ظل سنوات يُنمط مفهوم الهجرة وقضاياها. فقد أصبحت تونس مقصدًا لمهاجرين من نوع خاص؛ فهم لم يختاروا زمان هجرتهم أو وجهتها، ولم يمارسوها فرادى أو حتى في إطار عائلي ضيق وخاص، بل على نحو جماعي وقسري. وقد عبّرت عن
ذلك مديرة التعاون الدولي في مجال الهجرة حينما لاحظت أن الظاهرة برزت فجأة، وأصبحت تحتل أعلى قائمة أولويات الحكومة وأجهزتها، من دون سابق إنذار. إنّ جدة الموضوع في الحالة التونسية ذات طابع مزدوج؛ ذلك أننا إذا ما أخذنا في الاعتبار القطيعة التاريخية التي حدثت مع نوع آخر من الهجرة القسرية، ساد في التاريخ المغاربي والأوروبي والأميركي، أيام تجارة العبيد التي احتلت فيها النساء مكانة مهمة، فإن ما يميز «هجرة اللجوء»، إضافة إلى فجائيتها وكثافتها خلال حيز زمني ضيق، هو بعدها الأنثوي. وهذا أعطى للظاهرة بعدًا خاصًا. لذلك بدت لنا مقاربة الموضوع باعتماد مقاربة النوع الاجتماعي ذات أرجحية نظرية ومنهجية قوية. ومن المهم أن نلاحظ، في هذا السياق، أن الظاهرة موضوع البحث جديدة أيضًا بالنسبة إلى المهاجرين اللاجئين في حد ذاتهم، نساءً ورجالً، ولكن من باب مختلف. فقد توشحت فكرة اللجوء إلى أوروبا،
الحديثة والغنية، بالأمل في «التحرر» من الفقر ومن ثقافة ذكورية في غير صالح النساء، غير أنّ هذا
(13) Mirjana Morokvasic, «Femmes et genre dans l’étude des migrations: un regard rétrospectif,» Les Cahiers du CEDREF , vol. 1, no. 16 (2008). (14) Camille Schmoll, «Pratiques spatiales transnationales et stratégies de mobilités des commerçantes tunisiennes,» Revue européenne des migrations internationales , vol. 21, no. 1 (2005). (15) Hassan Boubakri, «Les migrations en Tunisie après la révolution, gestion de l’asile et enjeux internationaux,» Confluences Méditerranée , no. 87 (2013). (16) Eleonore Kofman, «The invisibility of skilled female migrants and gender relations in studies of skilled migration in Europe,» Population, Space and Place , vol. 6, no. 1 (2000), pp. 45-59.
التمثل للتجربة المنتظرة واجه في الحالة التونسية التي ندرسها (أي في بلد عربي مسلم يشترك مع الوافدين تقريبًا في الثقافة نفسها) تحديًا وضع موضع سؤال تلك الفكرة. فالعثور على عمل يمكّن من
العيش بكرامة في مجتمع يعيش أزمة اقتصادية خانقة صعبٌ، والاستثمار في المستقبل قصد الاستقرار مرتبط بالتحدي الأول، وعمل النساء في حال بطالة الرجال، لدى العديدين، شيء معيب ثقافيًا. هناك أخيرًا نقطة مهمة رجّحت مقاربتنا الجندرية للظاهرة؛ مفادها أننا لا نستند في هذا الطرح
إلى الفكرة النظرية التي شرحناها فحسب، بل إلى ملاحظات إمبريقية لها طرافة خاصة. فقد بيّن
البحث الذي أجريناه بشأن الظاهرة أن حالة سوق العمل التونسية لم تكن تسمح قانونيًا ولا تشغيليًا
باستيعاب الرجال السوريين الراغبين في العمل، وحتى مهاراتهم المهنية لم تسمح لهم بتخطي هذه العقبة. وفي المقابل، أعطت مهارات عملٍ من نوع خاص النساء فرصةً لدخول هذه السوق؛ ما من شأنه قلب موازين القوة بين الرجل والمرأة داخل كثير من العائلات، مع طرح أسئلة جديدة على كليهما. إجرائيًا، تخيّرنا دراسة الظاهرة من خلال تتبع المسارات الهجرية للنساء السوريات موضوع المشاهدة،
والهدف هو فهم أثر «التهجير» الذي خضعن له في تجربتهن الفردية والعلائقية والثقافية من المنظور الجندري، أي من منظور علاقتهن الثقافية والقيمية بالرجال المرافقين لهن، وعلاقتهن بمجتمع الاستقبال من المنظور نفسه. وسنعتمد في هذه الدراسة، إضافة إلى نظرية النوع الاجتماعي وعلم اجتماع الهجرة، على علم اجتماع الذاكرة الذي سيساعدنا على التوقف عند حلقة من مسار الهجرة تتضمن ما عاشته المستجيبات قبيل مغادرة بلد الانتماء، والذي يمثل «عامل دفع» بحسب النظرية ما بعد الكلاسيكية للهجرة، والتي تفسرها على أنها ما يحدث نتيجة لعوامل دفع وعوامل جذب. وتتركز مضامين الذاكرة الفردية والجماعية في سرديات النساء حول العنف الذي يبرز اختلاف أنواعه تباينًا بين النساء والرجال في سياق النزاعات المسلحة. لقد عنيت عدة دراسات بتبيان دور الهجرة في تغيير علاقات النوع الاجتماعي. ولئن شدد باحثون على الهجرة بوصفها فرصة للنساء لتحقيق استقلاليتهن الذاتية، في حين رأى فيها آخرون عامل استمرار للاتكافؤ بين الجنسين، فإن عددًا آخر من الدراسات ينزع إلى عدم الحديث عن علاقة بين هجرة النساء والتمكين بمختلف أبعاده، ويعارض في الآن ذاته اعتبار النساء ضحايا لحراكهن
(17) John Harris & Michael Todaro, «Migration, Unemployment and Development: A Two-Sector Analysis,» The American Economic Review , vol. 60, no. 1 (1970), pp. 126-142. (18) Nasima Moujoud, «Effets de la migration sur les femmes et sur les rapports sociaux de sexe: Au-delà des visions binaires,» Les cahiers du CEDREF , vol. 1, no. 16 (2008), pp. 57-79. (19) Morokvasic, «Femmes et genre dans l’étude des migrations,» pp. 33-56. (20) Eléonore Kofman, «Family-Related Migration: A Critical Review of European Studies,» Journal of Ethnic and Migration Studies , vol. 2, no. 30 (2004), pp. 243-262. (21) Nadia Chaabane, «Diversité des mouvements des femmes dans l’immigration,» Les Cahiers du CEDREF , vol. 1, no. 16 (2008), pp 231-250.
الجغرافي. وفي المقابل، أهملت البحوث خصوصية تجربة الهجرة القسرية الناتجة من الحروب والنزاعات، بوصف ذلك ردة فعل غير اعتيادية إزاء حالة قصوى وما تهيِّئه من سياق ملائم لتقبّل بعض
التغييرات في الأدوار الاجتماعية المرفوضة ثقافيًا. عبر سبر الاختلافات بين مسارات النساء والرجال ضمن تجربة هجرة قسرية مشتركة، نسعى من خلال هذه الورقة لإبراز مدى تأثير تجربة اللجوء في علاقات النوع الاجتماعي. فهل يؤدي الحراك المجالي للسوريات وعملهن إلى حراك اجتماعي؛ فيما يتعلق بتوزيع المواقع والوظائف والأدوار بين الجنسين؟ نفترض أن التحولات على مستوى الأدوار بين الجنسين من شأنها إحداث تغيرات عميقة وبعيدة المدى على مستوى التمثلات الاجتماعية لدى المجتمع الوافد؛ حول الأنثوي والذكوري، والتدرج به نحو الاعتراف الاجتماعي بالأدوار المركزية التي تضطلع بها نساء كثيرات في تجربة اللجوء، والذي يساهم في إخراجهن من اللامرئية. إلا أن طبيعة الأعمال التي تشتغل بها النساء لها تأثير كبير في دفع هذه التحولات أو عرقلتها. للقيام بذلك وظفنا تقنية المقابلة نصف الموجهة، والمقابلة البيوغرافية، في إطار بحث كيفي بامتياز. وتضم عينة البحث 20 امرأة تراوح أعمارهن بين 16 و 59 سنة، موزعات على جهتين من البلد التونسي؛ هما تونس الكبرى في الشمال (10 نساء)، حيث تتركز نسبة عالية من اللاجئين، وقفصة وهي من أهم مدن الجنوب الغربي حيث استقرت أكبر نسبة من اللاجئين (10 نساء). وقد ساعدتنا تقنية كرة الثلج المتدحرجة على الوصول إليهن – ولم يخلُ ذلك من مواجهة عدة عقبات – وإخراجهن من لامرئيتهن ولو في لحظة البحث فقط. وتتكون العينة من عدد متساوٍ بين النساء المتزوجات (10 نساء) والنساء اللاتي جئن بمفردهن أو بمرافقة أمّ أو ابنة أو فرد آخر، إثر وفاة أزواجهن أو آبائهن، أو اختفائهم (أربع فتيات عازبات، وأربع أرامل، وامرأتان اختطف زوجيهما جيشُ النظام السوري). تتبعنا في عينة كرة الثلج شبكة علاقات المستجيبات لإجراء المقابلات؛ نظرًا إلى صعوبة الحصول على عناوين مُحيَّنة
(لكثرة تنقلهن وتغييرهن مكان الإقامة) أو طرق للاتصال بهن. وبما أن مبحثنا لا يخص العلاقة بين الحالة المدنية للنساء وطريقة التعامل مع الواقع الذي تفرضه الهجرة القسرية في البلد المضيف، فإننا لم نعتمد على متغير الحالة المدنية أو الفئة العمرية، فكانت العينة غير متجانسة؛ وفي ذلك محاكاة لتنوع المجموعات الوافدة من سورية إلى تونس منذ سنة 2011، والتي تدفقت على نحو كبير نسبيًا
طوال سنة 2012، ليتواصل لحاق بقية أفراد العائلات الكبرى والأقارب على مدى السنوات التالية، إضافة إلى أعداد صغيرة من الوافدين الجدد.
(22) Kofman, «The invisibility of skilled female migrants,» pp. 45-59.
((2 أربع نساء في العينة هن زوجات أو أرامل لرجال تونسيين، وقد فضلن تونس وجهةً للهجرة؛ نظرًا إلى أن الأبناء متحصلون على (
الجنسية التونسية، ولاحظنا أن قرار الهجرة كان أسهل في هذه الحالة، مقارنةً بالحالات الأخرى. ((2 بمناسبة سؤالنا عن المستجدات بخصوص وفود السوريين في الفترة الأخيرة من سنة (2017 وبداية سنة 2018 حااظ أن، ي
أغلب القادمين الجدد هم من الغجر، وأن لهم صعوبات كبرى في التعامل، أو التعاون، مع السوريين. وهم يمثلون فئة ذات خصوصية بالنسبة إلى المفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ تنتشر لديها ظاهرة تزويج القاصرات، والامتناع عن تسجيل الأطفال بالمدارس، على غرار إشكاليات أخرى لا يشملها بحثنا وقد تمثل موضوع دراسة خاصة بها. مسؤول بوحدة الحماية بالمفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مقابلة شخصية، مقر المفوضية بتونس،.2017/2/15
غشاء «الأقلية» والتجليات الجديدة لمسألة الهجرة في تونس
يمثل السوريون في تونس، نساءً ورجالً، مجموعة مغمورة لدى العامة، وحتى لدى بعض المؤسسات
والجمعيات. ويعزى ذلك إلى ضآلة عدد السوريين بتونس، عمومًا، مقارنةً بتضخم الحالة في دول أخرى؛ مثل لبنان، والأردن، وتركيا، حيث يلجأ الملايين من السوريين. ويثير وجود السوريين في تونس تمثلات متناقضة في صفوف العامة، إذ تتأرجح المواقف إزاء ذلك، وفق نتائج البحث في مرحلته الاستطلاعية، بين القلق والتعاطف الإنساني. أما القلق، فهو يقوم خاصة على حجج أمنية تمتاز بالخلط بين الهجرة القسرية وتصنيف سورية في الخطاب الإعلامي على أنها إحدى «بؤر التوتر» التي يلتحق بها تونسيون وتونسيات للمشاركة في النزاع، وقد أثير جدل كبير حول عودتهم إلى تونس. وأما التعاطف، فهو ما من شأنه الدفع نحو التحرك الاجتماعي والتضامن مع المهاجرين، وقد لمسنا بعض مظاهره، خاصة في الجنوب التونسي. إن غياب فكرة واضحة لدى العامة حول الوجود السوري في تونس، وعدم القدرة على التمييز بين ما يروج من إشاعات حوله وبين ما هو موجود بالفعل، ليسَا حكرًا على المستوى المجتمعي؛ إذ
إن الهجرة في حد ذاتها، واللجوء بصفة خاصة، من الإشكاليات «الحارقة» الجديدة التي انبثقت من التطورات الحاصلة في دول الجوار والمنطقة العربية في عقب الثورة التونسية. بالنسبة إلى السلطات والجهات الرسمية، ظلت الهجرة سنوات عديدة حبيسة نظرة اختزالية وأحادية تحصرها؛ فيما يتعلق بالمواطنين التونسيين في الخارج. وقد نتج من هذا التعاطي تراخٍ وتأخر في مجال حقوق المهاجرين واللاجئين الذين يقدر عددهم في بداية سنة 2018 ب 752 لاجئًا، معظمهم سوريون. ولئن كان العدد قليلً، فإن الإشكاليات التي يطرحها وجودهم وضرورة بدء التفكير في الظاهرة وفهمها على قدر كبير من الأهمية في سياق انتقالي تتأجج فيه مسألة الحقوق والحريات، ولا سيما تلك التي تتعلق ب «الأقليات»، وتبرز فيه أنماط جديدة من الهجرة. وتمثل السوريات أكثر من 04 في المئة من مجموع 633 لاجئًا سوريًا في تونس؛ وفق إحصائيات المفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 31 كانون الثاني/ يناير 2018. لكن وفق مسؤول بالمفوضية، فإن «عددًا لا يستهان به من السوريين، بين 3000 أو 0004، موجودون في الطبيعة بدون صفة لاجئ». كما أن عددًا من الوافدين يتخذون من تونس نقطة عبور نحو أوروبا. ويعبِّر المسؤولون بالمفوضية
عمّا أسموه «سيولة التدفقات الهجرية» التي تتعلق أساسًا بمغادرة أفراد أو مجموعات من الوافدين من طالبي اللجوء، أو الحاصلين على صفة اللجوء، أو من الذين لم يتصلوا أساسًا بالمفوضية. ولا
((2 المفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (:
UNHCR, the UN refugee agency, statistical overview/ Tunisia, 31/1/2018.
((2 المرجع نفسه (. (2((مسؤول بوحدة الحماية بالمفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون ال جاائين، مقابلة شخصية، مقر المفوضية بتونس،
تحظى هذه الفئة الأخيرة بأي اهتمام من المفوضية، إذ يُعَدّ هؤلاء الأشخاص «غرباء» و«خارجين
عن نطاق تدخلها». وعلى غرار «المغادرات التلقائية »، فإن وجود السوريين والسوريات يتميز في عديد الحالات بحركية وتنقل بين الجهات التونسية وفق محددات عديدة؛ منها ما يتعلق بالسكن أو العمل، ومنها ما يتعلق بالمرافق أو ب «التضامن الاجتماعي». وفي هذا الخصوص، تروج لدى بعض المستجيبات فكرة أن «أهل الجنوب أكثر كرمًا وتضامنًا من أهل الشمال»، في حين يعبِّر
آخرون عن تفضيلهم للعاصمة؛ لاعتقادهم أن إمكانيات العمل بها أوفر، أو بسبب قرب الجامعات، وغيرها من المؤسسات. وقد أدى غياب المعرفة بوضعية السوريات في تونس إلى تناقل فيضٍ من الإشاعات والمعلومات الخاطئة أو غير المُحيَّنة بشأنهن، وهو ما يدل في الآن ذاته على صعوبة
الحديث عن فئة يمكن حصرها في المجال أو عدديًا. ولئن اشتركت النساء والفتيات في معركة البقاء، وهي عنوان المعيش اليومي لهن بتونس، فإن تجاربهن ومساراتهن مختلفة باختلاف وضعياتهن السابقة والآنية، وباختلاف ذاتيتهن التي لا ينبغي أن تغيب في غمغمة التسمية الفضفاضة من قبيل «المهاجرين» أو «اللاجئين السوريين».
ذاكرة العنف وعنف الذاكرة
من خلال سؤالنا عما عاشته المستجيبات قبيل مغادرتهن سورية، أتت الأجوبة استنكارية على غرار: «ماذا عشنا هناك؟ كنا نرى الموت، كنا نرى الحرب، كنا نرى الناس يُمحقون وتقطع رؤوسهم». وقد
أطنبت كل المستجيبات، تقريبًا، في سرد تفاصيل ملاحم إنسانية عشنها، وفي سَرد ظروف الحصار
على مدى سنة وأكثر، وفي الحديث عن الحواجز والاعتقالات والقتل؛ فمثلً، روت لنا أم أسماء من الغوطة، بألم كبير، كيفية قتل ابنيها في اللحظة نفسها أمام ناظرَيها في تفجير أمام بيتها، وكيفية
موت زوجها بعد أسبوع تحت القصف، مع وصف دقيق لأمكنة والأزمنة ولأشخاص، وذكرٍ لسبب وجودهم بالخارج، وما قضوه من حاجات قبل وقوع الحادثة، ووصفٍ لأشكال جثثهم، وللدم المراق. كل «صور الذكريات»، أو الوقائع، ومشاهد الذكريات بما تحمله من «أطر اجتماعية للذاكرة»، وفق
((2 المرجع نفسه (. ((2 المرجع نفسه (. ((3 أسماء ((36 سنة، من حمص، متزوجة)، مقابلة شخصية، قفصة،.2017/2/20 ((3 كانت بداية البحث عن الحالات بمنزلة ملاحقة سراب. فقد تغيرت عدة عناوين كنَّا حصلنا عليها، وكانت ثمّة إشاعات تروج (
حول وجود مراكز إيواء للاجئات تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، وفق ما جاء في حديث ناشطين بجمعيات خيرية، مثل
«جمعية براعم الخير» بقفصة، إذ أكَّد هؤلاء وجود مبيت مخصص للسوريات بمنطقة «زروق»، وأنهن يغادرن هذا المبيت صباحًا
للبحث عن عمل، أو عن إعانات من الجمعيات، ويعُدن في أوقات معيَّنة تحت نوع من الرقابة، وحتى «مطاردة» الشرطة التي تسعى
لمنع تعرضهن للاستغلال الجنسي، واحتراسًا من وقوع إشكاليات أخرى مع الأهالي. لكن هذه الرواية كانت مجانبة للصحة، وهي
تعبّر عن نسيج التصورات والإشاعات التي تحيط بالمهاجرين، وتتفوق فيها عناصر من التخوفات المضخمة إعلاميًا ومجتمعيًا على
المعطيات الواقعية. كما يمكن أن تكشف في بعض الأحيان عن استغلال سياق وجود «فئة هشة» من قِبل فئات أخرى؛ كالمتسولين، والمعوزين، وحتى المتحيلين، من أجل الحصول على إعانات، وتصيّد فرص سانحة للتضامن الاجتماعي؛ على نحو ما تمثلها وفود
جماعات فارَّة من الحروب والنزاعات المسلحة. ((3 أميرة ((38 سنة، متزوجة، من الغوطة)، مقابلة شخصية، قفصة،.2017/2/21
تحليل هالبفاكس، هي عناصر ذاكرة صادمة Trauma قد تكون لها تداعيات حينية، وتداعيات على الأمد البعيد في حياة الأفراد. هذه الذاكرة الجماعية من شأنها تشكيل علاقات المهجّرين ببلدهم الأصلي وفكرة العودة إليه، كما أنّ من شأنها التأثير في إقامتهم واندماجهم في البلد «المضيف»، على غرار تأثيرها في الذاكرة العائلية حيث تندرج وظيفتها حول البعد الأركيولوجي بحسب آن موكسال؛ بمعنى أنها تساهم في تشكيل هوية الأفراد. فإذا كانت النساء غير قادرات على استيعاب تجربة الهجرة القسرية، فإن الأبناء سيرثون من عدم الفهم والنكران ما يعزلهم هم وعائلاتهم، جزئيًا، عن مجتمع لا
يهتم بقدر كافٍ بحاضرهم، ومن ثم يبدو غير مبالٍ، إطلاقًا، بماضيهم وذاكرتهم. إن المرور من سياق الحرب إلى سياق سلمي ينبغي أن ترافقه إعادة هيكلة ذهنية للعنف الفوضوي والعبثي لتجنب «تضخم الذاكرة»، وهو ما يحدث عندما تشتمل الذاكرة على زخم من الصور والمشاهد والذكريات التي يصعب تحملها أو نسيانها، والتي تتم إعادتها على نحو مكثف عبر فعل التذكر، فتكون بمنزلة ماضٍ لا يمضي. وفي هذه الحال، يرى بول ريكور أنه يمكن المرور من فعل تذكّر مشاهد وأحداث عنيفة إلى أعمال عنف. فالتضخم، بحسب رأيه، يستدعي نزعة التكرار التي يتم فيها تعويض التذكر الفعلي بالإقدام على الفعل المحاكي، ولو نسبيًا، لفحوى الذكرى أو لخاصيتها؛ في محاولة للتوفيق بين الماضي والحاضر. يقول ريكور في هذا الصدد «كم من أعمال عنف عبر العالم هي أفعال تصعيدية out Acting بديلة من الذكرى». ومن الملاحظ، انطلاقًا من ارتباط الذاكرة بالعنف، أن هذا العنف نفسَه، وإن كان يسلَّط على الجنسين مع اختلاف أشكاله، فإن النساء أكثر عرضة للعنف الجنسي والاغتصاب، خاصة زمن الحروب والأزمات، وأنهنّ أيضًا الأكثر تضررًا من فقدان الأهل، والأكثر عرضة للوقوع في دائرة الفقر. تقول إحدى المستجيبات: كان عليَّ أن أخفي بناتي وبنات أختي، لأن الجنود السوريين لما كانوا يأتون
للبحث عن شخص أو التفقد، كانوا يختارون الفتيات والنساء اللاتي يعجبنهم، ثم يعودون ليلً لاختطافهن أو اغتصابهن. فعندما عاد الجندي ليلً أخبرته أنني أعيش بمفردي، وأن الفتيات اللاتي رآهن كُنّ من العائلة وأنهن جئن لزيارتي فقط، ولكني في الواقع أرسلتهن عند إحدى قريباتي لفترة ما. تُستهدف النساء في الحروب والنزاعات تعبيرًا عن المرور إلى الفوضى وحكم الأقوى؛ بما أنهن، في
المجتمعات العربية خاصةً، مسؤولات عن الثوابت القيمية والأخلاقية والثقافية، بحسب الدور التربوي الموكل إليهن أساسًا ونقل القيم بين الأجيال Transmission. فإذا كُنّ يرمزن إلى ثقافة المجموعة، وكُنّ راعيات للنظام والنمط المجتمعي و«الشرف»، فإنهن الأكثر استهدافًا رمزيًا في زمن النزاع الذي
((3 ينفرد هالبفاكس بإنشاء المفاهيم المفتاحية في علم اجتماع الذاكرة؛ مثل الذاكرة الفردية والجماعية والمجتمعية. ويمثل عمله (
مرجعًا للدراسات الاجتماعية حول الذاكرة، انظر:
Maurice Halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: Albin Michel, 1994). (34) Paul Ricœur, La mémoire, l’histoire, l’oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 96. (35) Ibid.
يمثل أزمة تتغذى من الانقلاب على كل ما هو كائن. يصبح التهجم على النساء، بوصفهنّ بمنزلة الدوالِّ والرموز، واستهدافهن في أعمال العنف، ضربًا من التهجم على ثقافة البلد بالمعنى الكانطي للثقافة بما هي «روح» الشعب و«كنهه». يُضاف إلى ذلك أنّ الاغتصاب والاعتداء الجنسي يُعدان من تقنيات الحرب والترويع. وبما أن النساء هن الأكثر تعرضًا للعنف، فقد يكون ذلك منطلقًا تحسم من خلاله النساء قرار الرحيل، من دون أن يكون الدافع الوحيد وراء المنعرج البيوغرافي في حياة المهجّرين والمهجّرات، والذي يبدأ مع بداية التفكير في المغادرة.
النساء والرجال وقرار الرحيل
اتسمت كل حالات المقابلة بأنّ النساء كُنّ سباقات في حسم الموقف والتفكير في الهروب من النزاع والحصار والخوف، ويبررن ذلك بخشيتهن على حياة أبنائهن وعائلاتهن وأنفسهن. تقول رويدة من ريف دمشق: أنا عشت الحرب بلبنان ولا أخاف، لكن أولادي غير متعودين ولا يطيقون الذعر الذي كانوا يرونه، قررت أن آخذهم إلى تونس بما أن أباهم تونسي رحمه الله وعندهم الجنسية. ومنذ أخذ القرار تبدأ رحلة من الكفاح لترتيب الخروج؛ مثل الرحلة التي خاضتها رويدة، بدءًا بالحصار الذي
فرض على المدرسة التي كانت تعمل فيها بريف دمشق مدة سبعة أيام، من دون أي اتصال بأبنائها، والقذائف التي ألقيت على حيهم، مرورًا بمطاردة التونسيين التي تحدثت عنها، والتي اضطرتها إلى أن تحيك جوازات سفرهم التونسية في ملابسهم؛ لأن الجنسية التونسية تحولت إلى شبهة؛ إما أن تؤدي إلى الاعتقال، وإما إلى قتل حاملها في بلده، ولكنها كانت تمثل في الآن ذاته فرصة نجاة؛ إذ تسمح له بدخول البلد «المضيف» والإقامة فيه. وبسبب قطع العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسورية في فترة رئاسة المنصف المرزوقي في سنة 2012، اضطرت رويدة، مثل كثيرين، إلى تجديد الجوازات في دولة أخرى؛ من أجل ذلك انتقلت إلى الأردن بعد تخطي الحواجز بسورية ذهابًا وإيابًا، ثم سافرت مع أبنائها من الأردن إلى تونس، بعد مكابدة سلسلة من الصعوبات والتحقيقات، خاصة على حدود الأردن، وعند الحواجز الأمنية بدمشق. إن رجوع قرار الرحيل إلى النساء في مرحلة أولى لا يعود إلى ارتفاع درجة الخوف عندهنّ، بقدر ما يعود إلى تفكيرهن في استمرارية العائلة وحياتها. وفي المقابل، ينزع الرجال إلى التشبث والبقاء؛ لأن الرحيل الذي قد يتطابق مع الهروب في أذهان البعض من شأنه أن يمثّل، وفق التمثلات الجمعية، مسًّا
ب «الرجولة»، وهو بذلك منافٍ للقيمة الاجتماعية التي يمنحها البقاء بوصفه تعبيرًا عن الصمود والقوة.
(36) Cynthia Cockburn, «The Continuum of Violence: A Gender Perspective on War and Peace,» in: W. Giles & J. Hyndman (eds.), Sites of Violence: Gender and Conflict Zones (Berkeley, CA: University of California Press, 2004), pp. 24-44. (37) Cynthia Enloe, Maneuvers: The International Politics of Militarizing Women’s Lives (Berkeley, CA: University of California Press, 2000).
((3 رويدة ((52 سنة، أرملة تونسي، من منطقة دويلعة القريبة من الغوطة)، مقابلة شخصية، تونس العاصمة،.2017/3/5 ((3 تذكر رويدة، بشأن قطع العلاقات الدبلوماسية، أن من الحاملين للجنسية التونسية من «استشهدوا»، على حد تعبيرها، عندما (
كانوا ينتظرون تجديد جوازاتهم التونسية، أو استخراجها، من خارج سورية.
ومع ذلك، تذكر النساء المتزوجات في العينة أن قرار الرحيل لم يمثّل موضوع خلاف مع أزواجهن، إذ سرعان ما يوافقون وينخرطون في التحضير والاستعدادات له. وعلى أساس ما سبق، نتبين دور النساء في المرحلة التحضيرية للهجرة، وهي مرحلة تتزامن مع بداية التفكير فيها. ويساهم هذا الدور في تقويض الصورة المستقرة في الأذهان للمهاجر الذكر والمرأة المرافقة.
الوصول إلى المجتمع المضيف والدولة «غير المضيفة»
مثَّل الوصول إلى تونس محطة نجاة من موت مرتقب، ولكنه في الآن ذاته يمثّل بداية لسلسلة من المشكلات والصعوبات التي يتخبط فيها عدد من الوافدين والوافدات، لعل أبرزها هو الحصول على صفة «لاجئ»، وهو ما قد يستغرق أشهرًا عديدة. يودع مطلب اللجوء لدى المفوضية السامية لأمم
المتحدة لشؤون اللاجئين التي تمارس صلاحيتها بترخيص من الدولة التونسية، وهي الوحيدة المخولة لدراسة المطالب ومنح شهادة «لاجئ». إلا أن هذه الشهادة لا تمنح أكثر من الحق في الوجود على التراب التونسي، وهي تعني أن صاحبها (أو صاحبتها) يحظى بحماية المفوضية. ولا تعطي صفة اللجوء الحق في الحصول على شهادة إقامة ولا في العمل ولا في التغطية الاجتماعية. وقد عبَّرت
المستجيبات عن استنكارهن وسخطهن على ما وصفنه ب «القانون غير العادل وغير الإنساني». فعلى الرغم من أن تونس من الدول التي وقعت اتفاقية جنيف لسنة 1951، فإنه لا يوجد حتى الآن قانون لتفعيل التزامها بما تنص عليه الاتفاقية، أو مراقبة هذا الالتزام. وبناءً عليه، فإن سياسة اللجوء في
البلد المستقبل تؤثر إلى حد بعيد في مسارات المهجّرين؛ ذلك أنها تحدد فرصهم في إيجاد مكان لهم
في المجتمع. ثم إن غياب سياسة تضمن إدماج اللاجئين عبر تمكينهم من الحقوق الأساسية يسمح بالتفكير في إقصاء مبرمج، وإن لم يكن ذلك هو هدف هذه السياسة. يجدر، إذًا، التمييز بين سياسة القبول Admission التي تسمح بوجود اللاجئين وسياسة الاستقبال، أو الضيافة المتعلقة بوضعية اللاجئين وظروف حياتهم الفعلية. فإذا كانت سياسةُ الاستقبال الطريقَ الأنسب لإدماج المهجرين، فإن غيابها يؤدي إلى التهميش والإقصاء، وإلى خلق مجموعة من «غير العاجزين الذين يتم تعجيزهم» بحسب عبارة جاك دونزلو. لقد زاد قطع العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسورية في سنة 2012 الوضعيات تعقيدًا؛ فإلى جانب صعوبة تجديد وثائق الهوية والسفر، يتعذر على السوريين والسوريات، مثلً، تسجيل عقود الزواج أو الطلاق والولادات، وهو ما دعا نائب رئيس الجالية السورية بتونس إلى القول: «إنّ هناك شللً في الحياة الاجتماعية للسوريين بتونس، لا معاملات بنكية، ضغط عائلي، حالات طلاق لا يمكن تأطيرها، يتم التنسيق مع سفارات في الخارج لتسجيل الولادات، ويتم تغريم من ليس بحوزتهم أوراق
(4 تستكمل تونس منذ أشهر صياغة أول مشروع قانون لجوء بها، وفق ما ينص عليه دستور ((2014، بمساعدة المفوضية
السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
(41) Claudio Bolzman, Sociologie de l’exil: Une approche dynamique (Zurich: editions Seismo, 1996). (42) Jacques Donzelot (dir.), Face à l’exclusion: Le modèle français (Paris: Editions Esprit, 1991).
والتحقيق مع الذين يجلبون معهم أموالً بتهمة التهريب، وسجنهم في بعض الحالات، لا أتفهم قرار غلق السفارة السورية بتونس، السفارة ليست مؤسسةَ نظامٍ، هي مؤسسة دولة، إنما هي سياسة تقليص دبلوماسي، هناك فارق اجتماعي خطير بين التونسيين والسوريين، ليس للسوريين إمكانية التواصل مع الدولة التونسية». عززت هذه الوضعية التعاملات مع الجزائر والسفارة السورية بها، وهو ما سمح، إضافة إلى تهريب المهاجرين، بوجود أشخاص ومجموعات تتاجر بهذه المعاملات في الخارج والداخل. فقد تحدثت مستجيبات عن إمكانية «شراء» شهادات إقامة بأسعار مجحفة جدًا، عبر مسالك تتجاوز الإطار القانوني. هذه المعطيات من شأنها خلق علاقة مأزومة بين المهجّرين والبلد المضيف. ويبقى إيجاد
بعض الحلول لوضعياتهم رهين اعتمادهم على مواردهم الخاصة، وانصهارهم في علاقات تضامن وتعاون داخل المحيط الاجتماعي، مع تنامي الشعور بالنقمة والسخط إزاء الدولة وتجاهلها لهم من ناحية، وتنامي تبعيتهم للمفوضية واحتياجهم إلى الإعانات التي تقدمها من ناحية أخرى.
من الحدود الجغرافية وسياسة اللااستقبال إلى الحدود الثقافية والنزوع إلى الانغلاق المجتمعي
علاوة على حالة الاحتباس التي عبّرت عنها، في العينة، بعض السوريات اللاتي صرحن بعدم رغبتهن
في الاستقرار في تونس إلا كرهًا، فإن عدم توافر حقوقهن الأساسية، وغلق الحدود لدول تندرج في الدوائر الهجرية التي اتبعنها (مثل الجزائر)، أديَا إلى خلق نوع آخر من الانغلاق؛ بوصف ذلك ردة
فعل على هذه العوامل، وهو انغلاق ثقافي بامتياز. ترفض النساء في العينة تعلّم اللهجة التونسية أو استعمالها، ولا يبدين أي رغبة في الانفتاح على الثقافة وأنماط العيش في تونس. وفي هذا الصدد، تقول دينا؛ وهي طالبة في المعهد الأعلى للحضارة الإسلامية بعد حصولها على الباكالوريا من معهد أردني بتونس: «عندما نكون في البيت فكأننا بالضبط في سورية، نتكلم لهجتنا السورية، لا نطبخ إلا أكلاتنا السورية، نتابع أخبار سورية على القنوات التلفزيونية ولا نسمع غير الموسيقى السورية، فقط عندما نخرج من البيت نتفطن إلى كوننا لسنا في سورية». تعيد السوريات خلق فضاء داخلي خاص وتنظيمه يؤسس للاستمرارية مع ثقافة بلد الانتماء التي تهددها القطيعة الهجرية. ويصل الإصرار على إنكار هذه القطيعة إلى حد التقوقع والانغلاق، وحتى الخوف من الآخر في بعض الحالات وهو ما تعبّر عنه هدى بقولها: «أنا عندما أضطر إلى ركوب سيارة
أجرة مثلً، أو عندما أتواصل مع الناس في الخارج ينتابني خوف شديد، أحاول أن أخفي هويتي، وألَّ أتكلم، أو أن أتكلم بغير اللهجة السورية». تعود مثل هذه المواقف أساسًا إلى ما يفرزه الانغلاق من
تعويل على التمثلات والإشاعات في التعامل مع الآخر، على نحو لا يسمح حتى بتقييم مدى تطابقها
(4 نائب رئيس الجالية السورية بتونس، مقابلة شخصية، تونس ((،.2017/2/29 (4((دينا (24 سنة، غير متزوجة، من ريف دمشق)، مقابلة شخصية، تونس العاصمة (مرناق)،.2017/2/25 (4 هدى (((28 سنة، متزوجة، منطقة مخيم اليرموك)، تونس العاصمة (حي النصر)،.2017/2/25
مع الواقع. وتزيد حالة الانغلاق من عدم معرفة المجتمع المضيف بالسوريات وبوضعياتهن؛ فتعمّق اللامرئية المحيطة بهن. ومن بين أشكال الربط ببلد الانتماء الأصلي وثقافته، تبرز مسألة «الثقافة الطعاميّة» نقطةً تتركز فيها
الحدود الثقافية بين بلد الانتماء وبلد الإقامة. كل المستجيبات يأكلن على الطريقة السورية، ويولين ذلك من الأهمية ما يبعث على التصور أن للمطبخ دورًا مركزيًا في تحديد الانتماء والهوية. من ناحية أنثروبولوجية، ليس في هذا الاعتبار من المبالغة من شيء؛ فما يمكن استهلاكه فسيولوجيًا لا يمكن
بالضرورة استهلاكه ثقافيًا. يصبح الطعام «الهجين» رمزًا وحاويًا للآخرية، ويصبح استهلاكه تعرضًا
ل «خطر» الانسياب في الآخر والاختلاط به. وفي هذا السياق، نميز، من دون الوقوع في التعميم، بين سلوك مبنيّ على العادات المتعلقة بالمطبخ وسلوك يعبّر عن موقف رافض لثقافة الآخر يصل إلى
المغالاة؛ مثلما يتضح ذلك في كلام فداء: «أنا الحمد لله منذ وصلت لا أتناول غير الرغيف الشامي، لم أذق الخبز التونسي ولن أفعل بإذن الله». وعلى غرار الأهمية التي يحظى بها المطبخ السوري، فهو يمثّل لعديد السوريات وسيلة لكسب الرزق؛ وذلك من خلال التعامل مع مطاعم تقدم المأكولات الشرقية، أو تحضير الأطباق والحلويات في البيت وتوزيعها على نقاط بيع وفق اتفاق غير رسمي مع أصحابها. وتحيل هذه الحلول على كيفية التعامل مع صعوبة الولوج في سوق الشغل، والحصول على فرص عمل في سياق اقتصادي تونسي متخبط في مشكلات البطالة والتشغيل.
معركة البقاء وخصوصية المسارات النسائية داخل تجربة الهجرة القسرية
إن ضعف الروابط بين المجتمع الوافد والمجتمع المضيف، بحسب ما يتبيّن من البحث، يعود في
جزء منه إلى تراخٍ، أو غياب، بشأن أشكال التضامن داخل العائلات فيما يتعلق بالزيجات المختلطة بين سوريات وتونسيين. ويعود هذا الأمر إلى جملة التحولات في الأسر التونسية التي تقترب أكثر من نموذج الأسرة النواة، مع تنامي النزعة الفردانية، وتراجع البعد الجمعي الذي لا يبرز إلا بصفة مناسباتية. ويمتاز نموذج الأسرة في تونس، وفقًا لذلك، بكونه «نموذجًا وسيطًا» بين العائلة الممتدة والعائلة النواة. وبناءً على تجارب المستجيبات، فإن علاقات الجيرة مثلت بديلً من العلاقات العائلية فيما
يتعلق بالتكافل والتضامن والمساندة، خاصة في الجنوب التونسي. إلا أن المساندة والإعانات، مهما اختلفت مصادرها بين شبكة العلاقات والمفوضية أو الهلال الأحمر، لا تمثل حلً أمام معضلة تلبية الاحتياجات اليومية، وتغطية تكاليف التنقل والدراسة والعلاج. تجد
(46) Jean Pouillon, «Manières de table, manières de lit, manières de langage,» Nouvelle revue de psychanalyse , no. 6
(4 فداء (((22 سنة، غير متزوجة)، تونس، مقابلة شخصية،.2017/2/15
(48) Lilia Ben Salem, «Structures familiales et changement social en Tunisie,» Revue tunisiennes des sciences sociales , vol. 27, no. 100 (1990), p. 165.
الأسر السورية نفسها مضطرة إلى العمل من دون امتلاك أهم شروطه؛ شهادة الإقامة. إزاء هذه الوضعية القصوى، تطور النساء إستراتيجيات للبقاء حتى يلبّين الاحتياجات الأكثر إلحاحًا لعائلاتهن بالاشتغال
في القطاعات غير المهيكلة، كالإعانة المنزلية، كما أنهن يؤسسن جمعيات من دون صبغة رسمية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أنهن يحضّرن الحلويات ويبعنها، ويجمعن التبرعات، ثم يوزعنها فيما بينهن، فضلً عن غير المنخرطات في الجمعية؛ وفق منطق أحقية الأكثر احتياجًا. تصبح النساء على هذا النحو معيلات لأسرهن من دون الرجال الذين يضطرون أحيانًا إلى
البقاء في البيت مع الأطفال، والقيام بالأعمال الموكلة اجتماعيًا إلى النساء. هذه التحولات من شأنها قلب الأدوار، أو تغييرها، وهو ما يقبله بعض الأزواج، في العينة، على مضضٍ كبير، إذ يمثل ذلك امتدادًا لكل ما هو «قسري»؛ انطلاقًا من الاضطرار إلى مغادرة البلد الأصلي. إن الطابع القسري للهجرة يخضع سيرورة حياة الرجال والنساء لمنطق الإذعان الاضطراري لما تحتمله إرادة البقاء، وكأن تجربة التهجير تفتح باب الاستثناءات، ويضطر الرجال والنساء إلى القبول بكل ما يقتضيه الواقع من إكراهات من شأنها تقويض نمط العيش داخل الأسرة. وتزداد التحولات عمقًا، خاصة لدى العائلات الأكثر «محافظة» والتزامًا بالتوزيع الاجتماعي التقليدي لأدوار بين الجنسين، فتسير نحو إكساب النساء قدرًا من الاستقلالية الذاتية، والقدرة على المبادرة، أمام حالة من الكبت يعيشها بعض الأزواج الذين قابلناهم مع المستجيبات نتيجة استلابهم للسلطة التي تسمح لهم برفض عمل المرأة، أو سفرها بمفردها، أو تحولها إلى العائل المادي الوحيد لأسرة. كما توجه تجربة الهجرة القسرية النساء نحو إعادة ترتيب الأولويات التي نجد في طليعتها التجمع العائلي والعمل. وأثبتت النساء من القدرة على التدبير، والتكيف مع الوضعيات المعقدة، ما يسمح بالقول بامتلاكهن إمكانيات خاصة للتصرف والمبادرة تعرج بهن عن موقع السلبية والتبعية. وتتجلى هذه الإمكانيات، مثلً، في القدرة على مجابهة الحواجز الجغرافية والرقابة الأمنية لمرافقة أفراد العائلة العالقين بالمخيمات في لبنان وغيره، من أطفال ومسنِّين، في انتظار توافر ثمن التذاكر لجلبهم. استطاعت بعض النساء الاستفادة من التمييز بين الجنسين. فعلى الرغم من أنهن متعرضات للانتهاكات والعنف، فإن النساء كن يحظين بحرية في التنقل أكثر من الرجال. وباستثناء الأولاد الصغار والمسنين، كان الرجال من الشباب والكهول في سورية يُكرهون على الانضمام إلى جيش النظام أو يتعرضون للاعتقال أو الخطف. ونشير، في هذا السياق، إلى حالة ريما التي قدمت إلى تونس مع ابنيها رفقة زوجها، تاركَين ثالث أبنائهما في مخيم بلبنان إلى حين توافر ثمن التذكرة. قام زوجها بعدة محاولات لإحضاره؛ من خلال الاتصال بوزارة الخارجية، والهلال الأحمر، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ولم يكن يقدر على العودة إلى سورية خشية أن يُعتقل أو يُقتل. قررت ريما أن تحضر ابنها بنفسها وكانت في الشهر الرابع من الحمل. وعلمت، قبل عودتها بابنها وبابنة صديقتها، بوجوب الحصول على تأشيرة إلى الجزائر، بحسب قرار صدر بعد مغادرتها من تونس عن طريق الجزائر. علقت في لبنان مدة ثلاثة أشهر إلى أن وجدت في النهاية مُهرِّبًا اقترح عليها العودة مع مجموعة أخرى عن طريق
الصحراء الموريتانية. تقول ريما: «قضيت عشرة أيام بلياليها في السيارة في الصحراء الموريتانية، لم
يكن معي سوى بعض العصير والبسكويت وكنت حاملً في الشهر الثامن وجلبت معي ابنة صديقتي الرضيعة، قال لي الجميع إنها لن تقاوم وستموت في الطريق، ولكن لم يكن لدي غير الإصرار، لا شيء يوقفني، لا الظلمة ولا الحيوانات المفترسة ولا طول الطريق ولا الموت». وبعد وصولها إلى تبسة بالجزائر، واصلت ريما طريقها إلى قفصة سيرًا على الأقدام. ليلة وصولها رافقها زوجها
إلى المستشفى حيث وضعت مولودتها، في الليلة نفسها، قبل أوانها الطبيعي. ورفض المستشفى السماح للزوج بأخذ ابنته وزوجته حتى يدفع التكاليف، فعاد بزوجته وترك ابنته في المستشفى إلى أن جمع المبلغ من تبرعات الجيران التونسيين على مدى أسبوعين. وكأن الدولة توكل مرافقة اللاجئين والمهجّرين وحمايتهم إلى المجتمع والجمعيات. إن مثال ريما يبرهن على ضرورة تطوير نظرتنا إلى الأدوار الاجتماعية التي تفتحها الهجرة القسرية للنساء. فهذا النوع من الهجرة يؤدي إلى تغيير عميق في النظام الاجتماعي؛ على نحو يسمح فيه بتعزيز موقعها مقابل الرجل. ويمكن في هذا الإطار التفكير في التحولات العميقة التي تنجم عن تجربة التهجير. وتكشف التجارب المدروسة عن نساء يتنقلن في مجال محفوف بالمخاطر، ويقطعن مسالك الموت لحماية الأسرة والحفاظ على وحدتها واستمرارها، ونساء يأخذن على عاتقهن إعالة أسرهن ماديًا، ويتحملن المسؤولية كاملة، ويتصرفن في ميزانيات ضئيلة في وضعيات هشة، يعمقها وجود أبناء، أو أولياء، من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولكن التعامل مع التحولات يقتضي البدء بالسؤال: هل تعبّر هذه التحولات عن تغيير فعلي لأدوار بين الجنسين؟ أم هل تعد امتدادًا وتطويعًا لأدوار التقليدية
التي تدور حول التضحية والرعاية؟ ثم إن اللامرئية التي تفرضها الثقافة الذكورية من جهة، وتعززها سياسة اللجوء في البلد المضيف، عبر ما تفضي إليه من تهميش اقتصادي واجتماعي من جهة أخرى، تمتد إلى العمل عبر اشتغال النساء في القطاعات غير المنظمة. وهكذا، فإن عمل النساء في غياب الرجال، أو مقابل بطالتهم، لا يمثل بالضرورة فرصة للخروج عن دائرة اللامرئية، إذ يبقيهن في هامش سوق الشغل المهيكلة والمقننة، وما تتصف به من هشاشة وتدنٍّ في الأجور إلى جانب تذرر النساء في الفضاء الاجتماعي؛ من خلال الاشتغال عاملاتٍ في البيوت، أو العمل في بيوتهن، وهو ما يقلل من إمكانية تنظمهن وتجمعهن للمطالبة بحقوقهن بوصفهنّ عاملات ولاجئات. وبناءً عليه، يضاف التذرر
إلى الهشاشة الاجتماعية واللامرئية؛ بوصفها خاصيات بارزة تميز هجرة النساء السوريات إلى تونس، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث بعد تصديق مرتقب على أول قانون وطني تونسي ينظم اللجوء في التغيرات الممكنة، والبدائل التي قد يتيحها، فيما يتعلق بالحقوق، وفي مقدمتها الحق في العمل.
خاتمة
تمثل الهجرة، والهجرة القسرية على وجه الخصوص، حدثًا يقسّم حياة الفرد بين «ما قبل» و«ما بعد»
هذا الحدث الاستثنائي الذي يرتبط بثنائية «القطع والاستمرارية» في الزمن، وبين بلد الانتماء والبلد المضيف، وبين الثقافة الأصلية وثقافة الآخر، وبين التقليدي والحداثة، وبين المبدأ والاستثناء في
(4 ريما (((36 سنة، متزوجة، الحتيتة)، مقابلة شخصية، قفصة،.2017/2/27
المرجعيات والمحددات للسلوك والأفعال. ومن خلال الحديث عن الهجرة، بوصفها تجربة فاصلة ومنعرجًا بيوغرافيًا يأخذ بعدًا تاريخيًا في سياق التهجير الناتج من النزاع المسلح بسورية، نُدرج التفكير
مباشرة في إطار «تناقض» يعبّر عنه عبد المالك صياد ب «الكذب الجماعي» الذي يرتكز عليه فعل
الهجرة. ذلك أن التغيّب عن البلد الأصلي يفترض أن يكون ظرفيًا، في حين تعتبر الإقامة في البلد
المضيف محطة تفتح قوسين في حياة الأفراد، وهو ما يمثّل تناقضًا لدى المهجرين الذين لا ينفكون يعيدون هيكلة هوياتهم وترتيبها. فهم مجبرون على الاستقرار في وضعيات ظرفية، وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن هذه الوضعيات ذات طابع ظرفي ولكنه ظرفي يدوم. وتصبح الأمور أكثر تعقيدًا عندما تتعلق ب «الهجرة الجديدة» أو هجرة النساء، فقد تمكّن من تفنيد النموذج التحليلي التطوري والاختزالي الذي يرسم مسارات النساء داخل الهجرة على أنها عبور من التقليدي نحو الحداثة، وأنها فرصة لتمكينهن اقتصاديًا وتغيير مكانتهن اجتماعيًا. لقد مكَّن البحث، على عكس ذلك، من إبراز أن تجربة التهجير
قد تساهم في دفع ديناميات التغيير بقدر ما قد تساهم في استنباط ديناميات استمرارية؛ فيما يتعلق بالإقصاء الاقتصادي للنساء، وبالنظم المعيارية المحددة لأدوار الاجتماعية وللعلاقات بين الجنسين. لا تنتقل النساء وفق النمط الثاني من الديناميات من اللامرئية نحو المرئية، وإنما نحو أنواع ومستويات أخرى منها؛ إذ تخضع القطيعة الهجرية، وما يترتب عليها من تغييرات لمجابهة الوضعيات الصعبة التي تفرضها، للالتباس نفسه بين القاعدة والاستثناء، وبين العَرضي والجوهري؛ فيما يتعلق بتغيير العلاقات والأدوار بين النساء والرجال. فإذا كان تغير الأدوار، وقلبها أحيانًا، من التغيرات الأولية التي برزت ضمن مخرجات البحث، فإن التغيرات الثانوية على مستوى العلاقات بين الجنسين ليست مباشرة وآلية، وإنما تندرج في الزمن العائلي الطويل المدى ويقتضي تقصِّيها الاستناد إلى دراسة طولية؛ انطلاقًا
من التهجير بوصفه حدثًا أوليًا فارقًا. وتساهم هذه القراءة لطبيعة التغييرات الناتجة من الهجرة القسرية
على مستوى التمايز بين الجنسين، إضافة إلى تصلب الحدود الجغرافية والثقافية التي تنتجها سياسات الهجرة واللجوء بين الدول والمجتمعات، في تجديد الرؤى للظواهر المرتبطة بالهجرة وانعكاساتها، على النقيض من الأطروحات التي تعلن «نهاية الجغرافيا» و«موت المسافة».
المراجع
References
Ben Salem, Lilia. «Structures familiales et changement social en Tunisie.» Revue tunisiennes des sciences sociales. vol. 27. no. 100 (1990). Berger, Peter & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. New York: Penguin Books, 1966. Bissiliat, Jeanne. Femmes du Sud, chefs de famille. Paris: Karthala, 1996. Bolzman, Claudio. Sociologie de l’exil: Une approche dynamique. Zurich: editions Seismo, 1996.
(50) Abdelmalek Sayad, «Qu’est-ce que l’intégration?,» Hommes et Migrations , no. 1182 (Décembre 1994), pp. 8-14. (51) Natalia Ribas-Mateos & Véronique Manry (dir.), Mobilités au Féminin, La place des femmes dans le nouvel état du monde (Paris: Institut Maghreb Europe/ Karthala, 2014(.
Boubakri, Hassan. «Les migrations en Tunisie après la révolution, gestion de l’asile et enjeux internationaux.» Confluences Méditerranée. no. 87 (2013). Bourdieu, Pierre. «La domination masculine.» Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 84. no. 1 (1990). Chaabane, Nadia. «Diversité des mouvements des femmes dans l’immigration.» Les Cahiers du CEDREF. vol. 1. no. 16 (2008). Donzelot, Jacques (dir.). Face à l’exclusion: Le modèle français. Paris: Editions Esprit,
Enloe, Cynthia. Maneuvers: The International Politics of Militarizing Women’s Lives. Berkeley, CA: University of California Press, 2000. Giles, W.& J. Hyndman (eds.). Sites of Violence: Gender and Conflict Zones. Berkeley, CA: University of California Press, 2004. Halbwachs, Maurice. Les cadres sociaux de la mémoire. Paris: Albin Michel, 1994. Harris, John & Michael Todaro. «Migration, Unemployment and Development: A Two- Sector Analysis.» The American Economic Review. vol. 60. no. 1 (1970). Héritier, Françoise. Masculin/ Féminin: La pensée de la différence. Paris: Odile Jacob,
Hondagneu-Sotelo, Pierette. «Overcoming Patriarcal Constraints: The Reconstruction of Gender Relations among Mexican Immigrant Women and Men.» Gender and Society. vol. 6. no. 3 (1992). Kofman, Eléonore. «The invisibility of skilled female migrants and gender relations in studies of skilled migration in Europe.» Population, Space and Place. vol. 6. no. 1
________. «Family-Related Migration: A Critical Review of European Studies.» Journal of Ethnic and Migration Studies. vol. 2. no. 30 (2004). Morokvasic, Mirjana. «Birds of passage are also women....» The International Migration Review. vol. 18. no. 4 (1984), pp. 886-907. ________. «Femmes et genre dans l’étude des migrations: un regard rétrospectif.» Les Cahiers du CEDREF. vol. 1. no. 16 (2008). ________. «L’invisibilité continue.» Cahiers du Genre. vol. 51. no. 2 (2011). Moujoud, Nasima. «Effets de la migration sur les femmes et sur les rapports sociaux de sexe. Au-delà des visions binaires.» Les cahiers du CEDREF. vol. 1. no. 16 (2008). Pedraza, Silvia. «Women and Migration: The Social Consequence of Gender.» Annual Review of Sociology. vol. 17. no. 1 (1991).
Pouillon, Jean. «Manières de table, manières de lit, manières de langage.» Nouvelle revue de psychanalyse. no. 6 (1972). Rea, Andrea & Maryse Tripier. Sociologie de l’immigration. Paris: La Découverte,
Ribas-Mateos, Natalia & Véronique Manry (dir.). Mobilités au Féminin, La place des femmes dans le nouvel état du monde. Paris: Institut Maghreb Europe/ Karthala, 2014. Ricœur, Paul. La mémoire, l’histoire, l’oubli. Paris: Seuil, 2000. Sayad, Abdelmalek. «Qu’est-ce que l’intégration?.» Hommes et Migrations. no. 1182 (Décembre 1994). Schmoll, Camille. «Pratiques spatiales transnationales et stratégies de mobilités des commerçantes tunisiennes.» Revue européenne des migrations internationales. vol. 21. no. 1 (2005).