Return to Article Details تاريخ الجنسانية، الجزء الرابع: اعترافات البدن

تاريخ الجنسانية، الجزء الرابع: اعترافات البدن

The History of Sexuality IV: Confessions of the Flesh

محمد بكّاي | Mohammed Bekkaye *

الملخّص

عنوان الكتاب: تاريخ الجنسانية، الجزء الرابع: اعترافات البدن. عنوان الكتاب في لغته الأصلية: Histoire de la sexualité IV: les aveux de la chair المؤلف: ميشال فوكو. الناشر: غاليمار، باريس. تاريخ النشر: كانون الثاني/ يناير 2018. عدد الصفحات: 448.

الكلمات المفتاحية:
  • تاريخ الجنسانية
  • ميشال فوكو
  • اعترافات البدن

عنوان الكتاب عنوان الكتاب في لغته الأصلية المؤلف الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات

: تاريخ الجنسانية، الجزء الرابع: اعترافات البدن.

: ميشال فوكو.: غاليمار، باريس.: كانون الثاني/ يناير.2018: 844 صفحة.

فوكو... عودة مختلفة

كانت فواتح سنة 2018 حمّالة لكلّ ما هو مفاجئ على الصعيد الفلسفي. وأهم ذلك ظهور عمل جديد مثير ومستفزّ لفيلسوف لا يقلّ عنه إثارة وحرجًا في الأوساط الفكرية ما بعد الحداثية. نتحدّث هنا عن مبادرة دار غاليمار الفرنسية برفع الستار عن مجلد جديد يُضمّ إلى سلسلة «تاريخ الجنسانية» الشهيرة التي عكف ميشال فوكو (1984–1926) على تأليفها قُبيل وفاته بفترة وجيزة. ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، إذ تعوّدنا على تقليد داخل الوسط الفكري الفرنسي؛ فقد نتفاجأ بصدور مؤلّفات فكرية مهمّة بعد سنوات من رحيل أصحابها (دريدا أو ريكور مثلً). في حياته أو بعد مماته، ظلّ فوكو واحدًا من ألمع العقول وأدهاها، فقد خرجت أفكاره وتصوّراته ورتقها؟ بنعومة من دوائر المستهلَك والمفكَّر فيه، لتطلّ على ذلك الشيء الملتبس والمبهم واللامعقول. نعم اللامعقول الذي ظلّ سرًّا يختصّ به الفيلسوف حتى بعد رحيله منذ أكثر من ثلاثين سنة، فهو لا يزال يُمارس حركية تأثيرية بما يُنشر له من حين إلى آخر من مقابلات أو مقالات متناثرة هنا أو هناك، أو إعادة طبع محاضراته في الكوليج دو فرانس منذ سنة 1970 إلى غاية وفاته سنة 1984. هو بمنزلة الطيف Spectre Le، كما نجده مفهومًا لزجًا ومتعذّر القبض عليه مع زميله جاك دريدا، الذي يُمارس هوايته المفضلة بالتسلّل إلى المستقبل دومًا. وتأتي هذه العودة التي تختلف في كل مصنَّف أو مقال عن سابقاتها، لتغيّر جزئيات من فكر فوكو، ولتميط اللثام عن سجالات فكرية على قدر كبير من الأهمية (متردّدة بين الجنسانية أو السياسة أو الأخلاقيات الطبية) أو تضيف إليها مثل دراساته حول المعرفة الاقتصادية والسلطة وتصوراته عن التفكير الاقتصادي الليبرالي الجديد والتكنولوجيات الحكومية ومختلف البنى التحتية للمؤسسات التي تسوس طبيعة الفردانيات قسوةً أو قهرًا أو تنكيلً (المراقبة والمعاقبة). جاء هذا العمل بعنوان اعترافات البدن، وهذا ما يثير حماس المهتمين بأفكار روحية لها صلة بفكرة الاعتراف في التقاليد الدينية أو من خلال اعترافات القديسين والمتصوّفين، مرورًا بنهم الجسد والبدن البشري. لكن لماذا ظل هذا المخطوط حبيس الأدراج أو الأرشيفات؟ لماذا كان القلق هو سيد الموقف من ورثة فوكو، وجعلهم يتردّدون طوال أربع وثلاثين سنة من نشره؟ هل ستتجلى سمات لامعة لفكر فوكو في ثنايا هذا العمل الجديد الذي تعرّض للتصحيح والضبط والترقيع وفكّ مخطوطاته وتنضيد المواد

الأمر هنا شبيه بفكرة الغسيل، فكيف سيكون حال الكتاب بعد كل ذلك الكمّ من عمليات التشذيب والتهذيب؟ تعود فكرة الكتاب بنا إلى أعمال فوكو الصّادمة في السبعينيات مع ميلاد تاريخ الجنسانية في إرادة المعرفة، فقد كان الجانب الأهم في هذا المجلد هو التعرض لفكرة القمع التي تميز بها الفكر البرجوازي الفكتوري بقمعه للرغبات الجنسية والنزوات، وهو ما يُخلّف أنواعًا من العصاب، وبفضل الطّفرة التي أحدثها التحليل النفسي، وهي شكل من أشكال الثورة الجنسية، بدأت تتعالى خطابات تحرير تلك الرغبات الجنسية المكبوتة. لكن لم يرَ فوكو في تلك النفحات الماركسية أو اللمسات النفسية المتصلة بالثورة الجنسية تحريرًا بقدر ما هي شكل جديد من أشكال السّلطة

التي تفرض نماذج وقوالب معيارية تخضع لها الذوات أو النفوس الإنسانية، وهي حالات طبيعية خاضعة لتأسيسات معرفية خفية ترسّبت في طبقات سحيقة من اللاوعي. ينصبّ اهتمام فوكو بالرغبة الجنسية على الأنساق التي تحدّدها المعرفة والسّلطة، بعيدًا عن كون تلك الرغبة ذات حقيقة بيولوجية، وفي الحصيلة، يعود بقوّة إلى التحليل النفسي الحديث على أنه تجسيد معاصر للطقوس المسيحية للاعتراف بالسّلطة الرّعوية وتأثيرها في الفرد ماديًا وروحيًا بما يمليه من انعكاسات على طقوس الانتماء الجنسي، وهو وثيق الصلة بالسياسات الحيوية وأشكال السلطة المختلفة التي تمتدّ امتدادًا إستراتيجيًا إلى حياة الأفراد، وذلك بالفعل ما مثّله مشروع فوكو حول الدّولة العنصرية، وحاول في أجزاء لاحقة من مشروعه حول السياسات الحيوية، أن يتعرّض للجسم والبدن والحياة الجنسية الطفولية، والحياة الجنسية لدى المرأة، وأشكال الانحرافات والعرق وغيرها. لكن تبدّد حلم ظهور هذه الموسوعة، إذ لم يصدر منها أيّ مجلّد، على الرغم من أن فوكو كتب في ذلك أجزاءً عدّة. وخلال تلك الموسوعة تجلّت لديه أصول السّلطة الرّعوية، ووفقًا له، كان ذلك في فترة ازدهار الفكر المسيحي في القرن الثاني عشر، فقد تبلورت فكرة الراعي المسيحي (من الرعاية الأبوية والإلهية) ومسألة الاعتراف. وهو ما قاده أكثر، وفي وقت مبكّر، إلى دراسة حفرية لآباء الكنيسة والعودة إلى الوراء إلى ما هو أقدم منها مثل: العصور الإغريقية والرّومانية والوثنية. وفي المقام الأول، يمكن ملاحظة أنه لم يكن مهتمًا بتاريخٍ لأعراف والممارسات الجنسية، بقدر ما كان منهمكًا في تقديمٍ للذات الغربية، وفي كيفية تجلي رغباتها وفي كيفية جعلها موضوعًا للممارسة الجنسية، ومن ثمّ، اختيارًا لدراسة التفكير في المتعة الجنسية في العصور الوثنية. وقد أعطاها أولوية ومنحها كثيرًا من وقته، وكان ذلك على حساب مجلد اعترافات البدن، الذي أرجأ نشره إلى حين من الزمن وهو على فراش الموت سنة 1984. تلقّى فوكو نسخة من (استعمال الرغبات) وكان ذلك قبل شهر من رحيله، وفي تلك المدة الحساسة والخاطفة، بدأ فوكو بمراجعة اعترافات البدنفي ضوء الجزأين السابقين حول استعمال الرغبات، ويمكن الإشارة إلى أن فوكو لم يحدث تقدمًا يُذكر في تصويب اعترافات البدن وتنقيحها، فقد ظلّ المخطوط مشوشًا أو مبتورًا، وأحيانًا نقع في تكرارات صريحة وعلى نحو مفرط هنا وهناك، أو تناقضات مع الأجزاء السابقة. ولكن وفقًا لمقدم النص فريديريك غرو Gros Frédéric لم ينوِ فوكو نشر الكتاب من الأساس. وعندما جرى إعادة إحياء هذا الرفات ولملمة هذا الشتات ليخرج إلى قرّاء فوكو بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، خرج باهتًا مكتفيًا بدروس هادئة، وأحيانًا رتيبة مكرّرة، ذات جوانب مملة إذا قارنّاها بالتصورات المبتكرة في نصوصه المبكّرة، سواء عبر حفريات المعرفة أو الإستراتيجيات اللسانية والمهارات اللفظية والثّراء المفاهيمي في الكلمات والأشياء. فمن خلال تصفّح اعترافات البدنلا يعثر القارئ على تصوّرات نظرية جديدة متميزة من غيرها من الأطروحات. فتعرّض للمرض وناقش، بنوعٍ من التفصيل، العهود المبكرة لآباء الكنيسة مثل: ترتوليان أمبروزيوس وأوغسطين.

ما الجديد في هذا المجلد؟

يتجاوز الكتاب أربعمئة صفحة يسبقها استفتاح لفريديريك غرو يُقدم فيه العمل ويبحث عن صلته بالمجلدات السابقة لتاريخ الجنسانية، ويسرد لنا تفاصيل كتابته وجمعه وإيداعه في أرشيف دار غاليمار. يتوزع الكتاب على ثلاثة فصول، جاءت كالتالي: أولً: تشكّل تجربة جديدة، ويضم:ّ 1. إبداع، ولادة. 2. التعميد العسير. 3. التوبة الثانية..4 فن الفنون. ثانيًا: الذات العذراء أو أن تكون ذاتًا عذراء، ويضم: 1. العذرية والتعفف. 2. فنون العذرية. 3. العذرية ومعرفة الذات. ثالثًا: الذات المتزوجة، ويضم: 1 واجب. الأزواج. 2. محاسن الزواج. 3. شهوانية الجنس الليبدبية. ويختم الكتاب بملاحق. عبر فصول الكتاب نجد أسلوبه واضحًا، إذ يندر أن تجد مصطلحًا أو مفهومًا مبتكرًا، فمحاضراته كانت تدور حول الحكومة أو أنساق الحقيقة. ونلاحظ أنه يُظهر تحوّلً تدريجيًا يبتعد عن الاهتمام النسبي للصّلة بين المعرفة والسّلطة إلى التركيز على الحكومة والحقيقة، ومن ممارسة السلطة على الآخرين إلى مفاعيل السيطرة على الذات، كما يتعمّق نوعًا ما في فكرته المثيرة عن استخدام المتعة، ويغوص بعيدًا في التاريخ، وتحديدًا، عند الإغريق القدامى الذين لم يفهموا الممارسات الجنسية من حيث الرغبة، بل من باب المتعة. كما لم يعرفوا قوانين شمولية تحظر بعض الأفعال الجنسية من سواها، ولكن سعت لمعايير تحصّن الذّات وتسيطر على النفس، ومن ثمّ، تهدف إلى تشكيل فرد صامد، مقاوم، حرّ وشريف، وبالمعنى الفلسفي تشكيله تشكيلً مستقلًّ. لكن عبر هذه النقطة حصر فوكو تأويلاته وحفرياته حول جنسانية الذات في ذكور أثينا من المواطنين ولا يعترف أو يلتفت إلى تجارب النساء والعبيد المختلفة. بحث فوكو في القيم الأخلاقية الجنسية الغربية في العصور الوثنية القديمة والمسيحية في وقت مبكّر، مثل تركيزهم على نمط واحد من الزواج بين الذكر والأنثى وتقديرهم له ورفضهم للمثلية الجنسية. وفي هذه الفترة المبكّرة من العصور المسيحية (القرن الرابع) لم يعد فوكو ينظر إلى الحياة الجنسية من حيث المتعة والاعتدال، ولكن من حيث الرغبة والحقيقة، وبناءً عليه، تشكّلت في تلك الحقبة تجربة جديدة من الحياة الجنسية خلقت لنا حلقة مختلفة داخل اعترافات البدن تتّصل بالأجزاء السّابقة من تاريخ الجنسانية، فيتتبع فوكو ما هو جديد بدقة، وما بُني على الماضي المسيحي والأفكار الوثنية، وبهذا الأسلوب يميز بين شكلين من الخطاب في الحقيقة المسيحية في وقت مبكّر: الاعتراف العام (إكسومولوجيسيس) والفحص الذاتي المستمر (الإكساغوريوسيس). وقد تكون هذه الكلمات اليونانية الصّعبة الوحيدة المستخدمة في أنحاء الكتاب جميعها، ففكرة مراجعة الذّات وتهذيبها وفحصها كانت موجودة بالفعل لدى فلاسفة وثنيين مثل سينيكا، لكنها أصبحت ممارسة مركزية في القرن الرابع وصولً إلى القرن الثاني عشر قبل أن يصبح الاعتراف ممارسة مؤسّساتية مع الكنيسة الكاثوليكية. وعن الصلّات والروابط الزوجية، يكتب فوكو عن

تنظيم الجنس داخل الزّواج، إذ يجري تشكيل فنّ وأخلاقيات عن الحياة الزوجية من خلال أنساق السّلطة الرعوية، وهو ما يسمح باستثمار العلاقات الروحية بين الذوات (أي الزوجين) من خلال علاقة الأنا بالآخر. والأشد إثارة لإعجاب في الكتاب جميعه هو الفصلان الأخيران، فقد كرّسهما للقديس أوغسطين (30‑3544 م)، وأضفى أهمية كبيرة على تنظيم الجنس في إطار الزواج وإضفاء الشرعية عليه، وإعادة تعريفه لإنسان كونه موضوع رغبة (الرغبة الجنسية) (ص 58، 86). ويرى فوكو أنّ موضوعَي الرغبة والمتعة أثّرا تأثيرًا هائلً في المسيحية الغربية، ويمثلّان عمودًا قويًا لتشييد الهوية الجنسية الغربية. وعلى الرغم من أنه لا يفصّل كثيرًا، فإن قراءته لآباء الكنيسة تتطابق تطابقًا وثيقًا وانتقاداته للتحليل النفسي، فالرغبة أو المتعة الجنسيتان ليستا بدافع طبيعي، ولكنهما نتاج تاريخ مسيحي معين، وأنساق معينة من الهيمنة المسيحية على وجه التحديد. يكتب فوكو عن أوغسطين أن الرجل الدّنيوي غير قادر على السّيطرة الكاملة على الطّاقة البدنّية للشّهوة، أو الرّغبة الجنسية (ص 144–138). والجنس Sexe Paradisiaque الجنة في أيضًا يحدث (ص. 225)، ولكن يتميّز بعدم وجود شهوة، وتقديم كامل لإرادة. بعد السّقوط يصبح الجنس خطيئة؛ لأن الإرادة البشرية تهيمن عليها الرغبة الجنسية. فالرجل أو المرأة الآن يشعران بالعار حولهما ويُحسّان بعري بعضهما البعض للمرّة الأولى. ما يُطرَح عبر اعترافات فوكو هو مكافحة هذه الرّغبة، ومن ثمّ، الصّمود في وجه الخطيئة من باب الاعتراف، وفي الحصيلة، من خلال التفكير الإلهي. وهل يحدث الحفر في فكرة الجماع الجنسي بهدف التكاثر البشري فحسب، أم خدمةً للمتعة؟ وبناءً عليه، يُدخِل فوكو تغييرًا مهمًّا، مع أنّه لم يكن راديكاليًا أو تفكيكيًّا على نحو كامل. وهنا يخلص فوكو إلى أنّ الجديد عند أوغسطين ليس فكرة انفلات الرغبة الجنسية من الإرادة. بل هي «شكل الإرادة نفسها، أو الذي يجعل من النفس موضوعًا». ويذكر فوكو ذكرًا عابرًا التقنيات المسيحية للحياة الزوجية في وقت مبكّر، في مقابل ذلك يقدّم على نحو رئيسٍ عرضًا معرفيًا لأيّ شكل من أشكال النّشاط الجنسي الذي يبدو سيئًا في إطار حياة الزواج. كما أن فوكو لم يتعمّق في المعجم الجنسي المانوي الذي كانت له أهمية كبيرة في تطوير فكر أوغسطين.

فحص الجنس باستمرار

كان فوكو قارئًا ممتازًا لنيتشه ومواظبًا على ذلك، ولهذا استعار منه مصطلح الجينيالوجيا، الذي وظّفه في صوغ تأويلاته للحياة الجنسية، وتجديد عميق لتصوّراته حول الجسد والرغبة وبناء الفرد. وهذا الحفر الهوياتي جعله يكشف عن القوى الصّغرى التي تمارس سلطة على مجال الممارسة الجنسية أو الحكم الأخلاقي عليها (ص 269، 277). هنا يواصل فوكو أسئلته عن الهوية الجنسية لإنسان (ص. 301): فما معنى أن يكون المرء نفسه؟ ما السبيل إلى معرفة ميوله الجنسية؟ هل هذه المعايير صادقة دائمًا في تقسيم الخريطة الجندرية؟ وما فائدة الأحكام الأخلاقية تجاه بعض الممارسات البدنية مع الآخر المختلف أو المثيل؟ هل نعتدّ بتلك المشاعر بالذنب أو الرّضا عن النفس بعد ممارسة العلاقات الحميمية بعيدًا عن هوية الشريك؟ يرى فوكو أن مواقفنا اليوم هي قياس على الروابط المعقدة القديمة بين مفهومَي

المتعة وسلطة القانون (المدني والاجتماعي والديني) أي وضعية المتعة البدنية أمام مجموعة الإملاءات والإكراهات التي يخلقها المجتمع السياسي أو الديني، ولهذا، يتتبع فوكو النشاطات الجنسية المسموح بها قانونيًا والمحظورة، وكيف ابتكرت المجتمعات الغربية (خلال العصور الوثنية والمسيحية القديمة في أوروبا) المعارف وصنّعتها تحت إستراتيجيات المؤسّسات والهيئات الشرعية التي أصبحت تملك فيما بعد سلطة متعالية لا يمكن المساس بها، وكأنها أصبحت كائنًا يجلس في السحاب يفوّض سلطته إلى ملك أو إمبراطور أو دولة جمهورية. وفي الحصيلة، تطور القمع البابوي الكنسي إلى انعكاسات مدنية وقانونية تمارس سطوتها على الذات، لهذا، يتعرض فوكو للشبكات النصية المتصلة بالجنس عند الغرب (العذرية والزواج والزنا والإنجاب والاستمناء والمثلية الجنسية) فيخوض في تجربة الملذّات ورهاناتها الأخلاقية وأحكامها التشريعية وتجلياتها الحضارية ونقد الأفكار السّائدة حولها. ومن هنا كانت اعترافات البدنمراقبة للجنس في صمته واختناقه، وفي «قمعه البرجوازي» للعقل الاجتماعي كما يسميه، فيُقابله بوابل من اللّوم والشتائم فيكتمه ويحرم الذات من الإعلان عن رغبتها ومتعها الدفينة والمتلوّنة. هل الجنس صامت؟ هل ينافي الأخلاق القديمة أم يتعارض مع الديانات والنصوص المقدسة (اليهودية والمسيحية والإسلام)؟ هل جرى توجيهه من طرف السّلطات العليا للبشر المتمثلة بأرباب العمل البرجوازيين والإقطاعيين أو آباء الكنيسة المتغطرسين فحسب؛ لإبقاء الجماهير تكابد الجهد والعمل ولا تلتفت إلى ما يُشكل ذاتها؟ وتواصل ذلك مع بزوغ فجر الحداثة والتنوير، ثم ما تلاهما من ثورات ما بعد الحداثة التحرّرية. فهل جرى تحرير الجنس أخيرًا وإعادته إلى طبعه التخريبي عن طريق ما يُسمّى الثورات الجنسية (مع جورج باطاي وميشال فوكو أو جوليا كريستيفا) في الثقافة الغربية الحالية؟ ولج فوكو في هذه المواطن الممنوعة وغير اللائقة ليستجوبها استجوابًا لانهائيًا، ويتابع فوكو عبر هذا المجلد مسيرته الفكرية في الجنسانية بدقة، متابعًا كل ما هو مراقب ومقموع في هذا البدن، مكتشفًا بحيوية تلك النشاطات من خلال اعترافاتها السرية وفحص دقيق لطرقها المتعددة التي تمتدّ من الإغريق والرومان إلى يومنا هذا. جعل فوكو من البدن واعترافاته وصمة مجنونة بعض الشيء في رسم جغرافيا الجنسانيات، وبطبيعة الحال، هو مجال ضخم ومعقد ونصوصه لا تعد ولا تُحصى (ص. 395)

البدن والإشارات المسيحية

كرّس مجلد اعترافات البدن بحثه للآباء المسيحيين في القرون الأولى، من جاستن إلى القديس أوغسطين، وهو يظهر اهتمام فوكو بالمسيحية ومدى توسّعه وإبحاره فيها مع مرور الوقت، ليس فقط من جانب الجنسانية، ولكن من جوانب ترتبط بتجلّي الذات وممارساتها الحيوية في مختلف أشكال الحياة، كما يقول فيليب شوفالييه، الذي كان من أوائل المهتمين بسؤال الذات المسيحية والاعتراف عند ميشال فوكو. لهذا، أثمرت مجلّدات تاريخ الجنسانية فكرة العودة إلى الفلسفات القديمة؛ إذ يجب على المرء أن يفهم أنّ اعترافات البدن، كما يرى فريديريك غرو، مكرّسة لنصوص المسيحيين، وهي قراءات حاسمة وعلى قدر من الأهمية. وهذا ما يشفع لنا بطرح سؤال حول علّة هذا الجذب

صوب النصوص المسيحية. لم تصب اعترافات فوكو خلال نصياته اهتمامًا لاهوتيًا ولا عقائديًا بقضية البدن، بل نقّبت عن إستراتيجيات بتطبيق مجموعة من الأساليب والممارسات والتمارين لتطوير علاقة معينة للذات بنفسها. في اعترافات البدن، يذهب اهتمام فوكو إلى الفحص الذاتي والاتجاه الرّوحي في التجربة الرهبانية، وإلى العذرية أو «الزواج» والتعميد من ناحية ثانية. وهي فرصة يوضّح لنا فيها فوكو عزوف الآباء وتقشّفهم فيما يتعلق بالجنس، آخذًا من تركة الفلاسفة الأفلاطونيين والرواقيين. فهذه المبادئ قد هاجرت إلى الفكر المسيحي من ممارسة الدوائر الوثنية التي كان من المقرر أن يجري نزع سلاحها من خلال إظهار أشكال من السّلوك المعترف بها من طرفهم لقيمتها الحقيقية. وهو ما يمثّل لديه ما يُسمّى أخلاقيات الذّات عن طريق الاهتمام بإشكالات الجسد، وهو ما يتّصل بالأفكار الحميمية للذات، أي كلّ ما يعبّر عنها – مشاعرها ورغباتها وانفعالاتها – يجب أن يُضاعف ويُنظّم من خلال خطاب يجب أن يُقال لآخر. هذا هو التفسير اللفظي، الذي يُمثّل معرفة عن الذات، والذي اهتمّ به فوكو (ص 217–213). وبناءً عليه، يُمكن القول إن فوكو لم ينظر إلى المسيحية على أنها عدو للجسد وحظر للتحيز الجنسي أو ازدراؤه وكراهيته، بل رأى عكس ذلك عندما وهب للفكر المسيحي دورًا مركزيًا وحاسمًا. وبخصوص علاقة التجربة المسيحية الجسدية بالسّلطة، يكشف فوكو من خلال الفصل المخصص للذات العذرية أن هناك مجالً مستقلً فيما يتعلّق بالسلطة والمعرفة (ص 218، 230). ويكمن في قدرة آباء الكنيسة على ابتكار «أنماط حياة إيجابية» تفترض استقلالية النفس عن ملذات البدن وبهيميته، حيث أفرزت السلطة الدينية المسيحية خطابًا روحيًا للبدن مثل العذرية أو العزوف عن ملذات الجنس. هنا ستختلف رؤى النقاد والمفكرين لفوكو، فهل حدث تحول براديغمي لفكره؟ لطالما التصق في أذهاننا، ونحن نقرأ له، انتماؤه إلى جيل من المناضلين الذين كانت لهم رؤية مختلفة للسّجون والمصحّات العقلية والطب النفسي والعدالة، أو أنه غلب على تصوراته نزعة يسارية وانحياز لحقوق المثليين. ألم تحن الفرصة لإعادة قراءة فوكو قراءة مختلفة من خلال هذا المجلد الأخير؟ أهي إعادة إحياء الدّوائر المسيحية في أعمال فوكو ومناقشتها النقدية بحزم، وكسر تلك الصورة الهائجة والثائرة التي أخذناها عنه؟ ما علينا هنا إلا تصفّح هذه الأوراق غير المنشورة له التي واصلت مسيرة الانتقال من العادات الوثنية إلى العالم المسيحي بخصوص البدن والرغبة وإثباتها بطريقة مدهشة وجديدة وغريبة ونادرة، عندما تترابط كثافة هذا النص بأفكار آباء الكنيسة (كليمان في الإسكندرية، كاسيان، أوغسطين) وعلاقتها بالفلاسفة الوثنيين (أرسطو، بلوتارخ، موسونيوس، روفوس). تلك الصحائف هي مناقشات القرون المسيحية الأولى حول العذرية والزواج والمعايير الجنسية المقبولة أو المرفوضة وتلك المحفوفة بمخاطر متعلّقة بالاغتصاب والتواضع والعفة، وهذه المظاهر من الممارسات التي تطفح بها مجتمعاتنا الإنسانية سواء في دول متقدمة أو متخلفة، تذكّرنا بما ظهر مؤخّرًا من موجات الاعترافات عبر الوسائط الإعلامية، أو سرديات ضحايا وشهاداتهم عن الاغتصاب أو التحرش

الجنسي. ألم يكن إصدار عمل فوكو الأخير في أوانه؟ ألا يمكن القول إن فوكو هو ذلك «المفكر الشيطان» الذي لا مثيل له، الذي استطاع أن يبصر حاضرنا ويسلك له مسلكًا آخر أشد تجذرًا في ماضي الإنسانية؟ ما يمكن قوله إن فوكو يتجسّد على أنه مثقف جديد ومختلف عمن تأثر بهم (سارتر أو كامو) في أنه أكثر قراءة ودراسة ونظرًا، فهو فيلسوف خبير في تفجير الثوابت وإعادة تركيبها بصور مختلفة، مفكّر قادر على القفز فوق الأسوار، يحلم بإتاحة آليات تعطّل أجهزة السّلطة. وهذا المفهوم «الفعّال» في عمله الفكري هو مفتاح حاسم لفهم تحقيقاته. وهو ما يتجلّى في كونه مؤرّخًا بطريقة غير عادية جدًا، فيلسوف يستعصي على التصنيف، هدفه الوحيد: المساهمة، من خلال كتبه، في تعطيل أنظمة السلطة التي تبيّن كيف يجري تعيين هذه الأنظمة في كلماتنا وعقولنا وأجسادنا.

مفاجآت اعترافات البدن

عبر سجلّات هذا المجلّد كشفٌ لسرديات غير معروفة، حفر متأنٍ ومدهش داخل التاريخ العريق للملذّات والشّهوات الجسدية وكلّ ما يتّصل باللحم البشري (البدن). فقد تابع فوكو بصبرٍ وأناة حيثيات هذه الكشوفات وجنّد عدّته المنهجية والفكرية بغية إدراكها. تُبرز لنا أركيولوجيات فوكو مدى غلط كثير من المفاهيم بخصوص تصوراتنا التاريخية لتطوّر الرّغبة واللذّة الجنسيتين؛ فمخطئ من يعتقد أن حرية الوثنيات العظيمة قد خنقها التقشف المسيحي الذي يُدين كلّ مظاهر الحياة الجنسية، ويمثل عزوفًا عنها في اللباس أو النّكاح أو العلاقات الاجتماعية. بالعودة إلى آباء الكنيسة الذين يكرّرون غالبًا جملً لفلاسفة العصور القديمة من أفلاطون إلى ماركوس أوريليوس في مراقبتهم الصّارمة للحياة الجنسية، نجد أنهم يحافظون على قوالب لسانية تدين الزنا أو الفواحش بين الزوجين، لكن أولئك الآباء تحدّثوا ببصيرة عن نوع آخر من الخبرة، فتوقفوا عن النظر في علاقات الملذات والأخلاق المشغولة بالجسد والشهوة، وبدلً من التركيز على طبيعة الحكم على تلك السلوكيات بصوابها من غلطها، كثّفوا الانتباه إلى موضوعها الباطني في جوهر الذات، وشكل الصلة بين الذات ورغبتها الخاصة، في تفاعل وتجاذب بين الهوية ومواقفها الحميمية. يعيد فوكو إحياء تلك النصوص عبر تأويلها بفيض ثري من الدلالات والتناقضات التي تجعل من اعترافات البدن نصًا أقرب إلى مناظراتنا الحالية، مولّدًا العديد من الأفكار الجدلية غير المتوقعة (السياسة الحيوية، الذات الرّاغبة المتحدثة، ثقافة الاعتراف، المثلية الجنسية)، منها مثلً؛ مسألة الموافقة على إقامة علاقة حميمية أو الزواج الذي يندرج تحته ما يُسمّى رضا النفس، وفي صميم هذا التحقيق الفلسفي، يتحدث فوكو عن موافقة الذات ورغبتها في الآخر، وهذا له صلة بمسألة الاعتراف في حدّ ذاتها، والحديث عن مسائل الاختلاف الجنسي كما رآها فوكو عند الأقدمين، يجعلنا نعيد التأمل في التقاطعات المعرفية بين توجهات ما بعد الحداثة الفلسفية والسوسيولوجية والثقافية وإرهاصاتها الممتدة في القدم مع أهل العرفان في العصور المسيحية والإسلامية، وهذا يفتح بابًا إضافيًا لقراءة أركيولوجيا فوكو. لماذا انتظر كتاب اعترافات البدنأكثر من ثلاثة عقود من رحيل فوكو لنشره؟ هل كانت إرادته؟

أم إرادة أصحاب الحقوق؟ يرى فريديريك غرو أنها كانت إرادة فوكو الخالصة في نشر اعترافات البدن، ودليل ذلك أنه كان قد أودع مخطوطات مكتوبة بخط يده لنص كامل سنة 1982 في منشورات غاليمار التي قامت بتصحيحه جزئيًا. ولم يرد نشر العمل، ببساطة لأنه قرّر أن يسبق ذلك المخطوط بكتاب عن التجربة الجنسية للقُدامى، وهو كتابة ما يُعرف باستعمال الملذّات والرعاية الذاتية، وهو ما كلّفه سنتين من الكتابة والحفر والتحقيق، لكن المنية باغتته قبل أن تُتاح له فرصة إتمام كتابة ما اختلج في قلبه أو اختمر في ذهنه عن التجربة المسيحية للبدن. لكن أصحاب الحقوق احتفظوا بالفرصة السانحة لنشر هذا المخطوط النّادر والأصيل لطبعه وإصداره إلى قراء فوكو لتكون استمرارية لتاريخ الجنسانية الشهير. لكن لماذا ظهر المجلد الجديد من تاريخ الجنسانية بعد كل هذه السنين؟ وما الذي تغير في صفحاته؟ في الحقيقة وبعد رحيل فوكو، انتشر عبر المجلات المتخصصة أو الدوريات الثقافية الفرنسية والعالمية إعادة نشر مقالات ومقابلات ومحاضرات لفوكو، وهذا أمر يدل على استئناف عقل فوكو وإحيائه، وفي كثير من الأحايين يُعاد نشر تلك الأعمال في كتب، ومن بينها كتاب اعترافات البدنوهو عبارة عن محاضراته في الكوليج دو فرانس. وعلى الرغم مما سبق نشره، فهل ما زال هناك كثير ممّا يمكن اكتشافه في الأرشيفات الشخصية لفوكو؟ يبدو أن إحصاءها أو تبيّنها صعب المنال؛ لأن هناك كثيرًا من النشرات والمحاضرات التي ألقاها فوكو في دورات تدريبية في سنواته الأولى من التدريس (ليل، كليرمون فيران... إلخ)، أو لاحقًا في الجامعات الأجنبية (تونس، ساو باولو... إلخ)، وأيضًا أجزاء أخرى، غير منشورة حول نيتشه.

على سبيل الختام

في ختام عرضنا المقتضب، هل اعترافات البدن دراسات حفرية جديدة لفوكو؟ في الحقيقة هذا الادّعاء مبالغ فيه، لكن قبل نشر هذا العمل جرى ترويجه على أنه يمثّل حلقة مفقودة ومهمّة من تاريخ الجنسانية، لكن بعد اطلّاعنا عليه يخبو هذا البريق بسرعة، فلا نُلفي تغييرًا جذريًا في وجهات النظر أو تأسيسًا لشبكة مفاهيمية جديدة كما تعوّدنا في السبعينيات. بعبارات أخرى، هذا الكتاب أقلّ إثارة للدّهشة من جنسانيات فوكو السّابقة، ويكمن ذلك أساسًا في أن العديد من أفكاره معروفة بالفعل في محاضراته المنشورة خلال الفترة نفسها. فوكو من المفكرين الذين ينتابك إحساس بالاختلاف وأنت تقرأ لهم في الفترات الأخيرة من مسيرتهم، وكأنها عبارة عن تمفصل خطِر. وللرّاغبين في البحث عن شيء جديد داخل هذه الاعترافات، عليهم التعمق أكثر في ثنايا الإشارات الخاطفة والشذرات المبثوثة داخلها ومحاولة تأويلها وتركيبها عن طريق تصوّرات عرفانية تبحث عن الصفاء الداخلي لإنسان أو أنثروبولوجيا الجسد وتاريخانيته عبر مختلف الحضارات والأديان.