Return to Article Details ثورة بلا ثوّار: مسعًى لفهم الربيع العربي

ثورة بلا ثوّار: مسعًى لفهم الربيع العربي

Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring

عبده موسى | Abdou Moussa *

الملخّص

عنوان الكتاب : ثورة بلا ثوّار: مسعًى لفهم الربيع العربي. عنوان الكتاب في لغته الأصلية : Revolution without revolutionaries: Making sense of the Arab Spring المؤلف: آصف بيات. الناشر: ستانفورد الجامعية. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 294 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • الربيع العربي
  • الثورة
  • آصف بيات

عنوان الكتاب عنوان الكتاب في لغته الأصلية:

المؤلف الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات

: ثورة بلا ثوّار: مسعى لفهم الربيع العربي.

: آصف بيات.: ستانفورد الجامعية.

: 294 صفحة.

«ما من شيء نعرفه من ظواهر الحياة يُقارع ظاهرة الثورة في قدرتها على استدعاء الأمل، وإلهامه، وخيانته!». بهذا القول يلخّص عالم السياسة الأميركي ذو الأصول الإيرانية آصف بيّات الأطروحة التي أجملها كتابه ثورة بلا ثوّار: مسعى لفهم الربيع العربي. في هذا النصّ الثري الذي يحوي مجموعةً من المداخلات، يضعنا بيّات أمام قراءة محفوفة بالدهشة والحسرة والتساؤل، تسير فوق خريطة معقّدة، ترتسم على خطوطها رحلة صنعت فيها الجماهير الفاصل الأهم في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، وراوحت فيها بين أمل ويأس. يجدّد هذا الكتاب العهد بأعمال بيّات التي تُعدّ مرجعًا مهمًّا لدراسة الحركات الاحتجاجية في الشرق الأوسط، بما فيها من نزوع نقدي يدفع إلى إعادة النظر في عديد المفاهيم والتصوّرات حول الاجتماع والسياسة المُعاصِرَين في هذه المنطقة. ويزيد من عمق هذا النصّ الخبرة العريضة لصاحبه واتصاله المباشر بحركات التغيير الجماهيرية في الشرق الأوسط الذي يمتدّ أربعة عقود؛ بدءًا بمعاينته الثورة الإيرانية من موقع الناشط اليساري، ثمّ انخراطه باحثًا وأكاديميًّا في تفسير تطوراتها ومآلاتها. أمضى بيّات سنوات عديدة في البلدان العربية، يُقلّب ظواهر الفعل الاحتجاجي، ويفحص محدّدات الغضب التي لوّنت علاقة السلطة بالجماهير. وقد دمَج في هذا النص مداخلات سبق له نشرها في مقالات متخصّصة، ولاقت اهتمامًا أكاديميًّا واسعًا. وصنع منها أطروحة مركّبة لفهم الربيع العربي، حفلت بمفاهيم جديدة، أضافها بيّات إلى قاموسه السوسيولوجي، منها «الإصلاثورات»، بعدما أنشأ في كتبه السابقة مصطلحات ومفاهيم؛ أبرزها «سياسات الشارع»، و«اللاحركات الاجتماعية».

أولا: «إصلاثورات»: الهجنة الملتبسة

يدلف بيّات مباشرة إلى أطروحته في الفصل الأول، زاعمًا أنّ الربيع العربي كان هُجنة بين ثورة وإصلاح. ويُحاجُّ في ذلك بأنّ ما شهدته مصر وتونس وغيرهما من ثورات اختلف عن خبرة القرن العشرين؛ خصوصًا ثورات كوبا، ونيكاراغوا، وإيران، حيث عصفت الجماهير الثائرة بالنظام، واجتثته وأبدلته؛ وهو مختلف بالقطع عن نموذج الإصلاح من أعلى، فلم يجئ الربيع العربي بمبادرة من الحاكم والطبقة المهيمنة، ولم يحدث على نحو تدريجي ووفق صيغ محكومة تسير وفقًا لديناميات عمل النظام، وبحسب تراتب هياكله. لقد جاء الربيع العربي حالة هجينة ونمطًا مستحدَثًا غير مسبوق من الثورات، اشتقّ له بيّات نحتًا لفظيًّا جديدًا هو «الإصلاثورات». في الفصل الثاني يضع بيّات عدسات المقارنة أمام عينَي القارئ، مستعرضًا بنية ثورات السبعينيات، خصوصًا الثورة الإيرانية، في افتراقها وتمايزها عن ثورات الربيع العربي. الأولى حازت نموذجًا فكريًّا حافلً بالرؤى الاشتراكية خالطته تصوّرات خلاصية إسلامية ذات منحى حداثي. لقد شكّلت الثورة الإيرانية نموذجًا لثورات القرن العشرين استلهم عبرها ثوّار تلك المرحلة تاريخ حركاتها الإسلامية والماركسية النضالي ومثقفيها مثل علي شريعتي، وقياداتها الحركية مثل الإمام الخميني (ص 7–29 4)، لينتقل المؤلّف في الفصل الثالث إلى تحليل البرامج والإستراتيجيات الحركية التي عرفتها المرحلة المبكّرة من الثورة

الإيرانية واستعراضها، كالحركات الشورية التي أنتجت لونًا من الديمقراطية الجماهيرية طُبِّق في الأحياء السكنية، والكلّيات الجامعية، والمزارع والمصانع، وفق تصوّر قوامه «احتلال» الجماهير هذه المساحات وإدارتها ذاتيًّا. لكنْ، مع تفتّت حركات العمّال وانتهاء النموذج الاشتراكي أخذت هذه الأفكار الراديكالية في الخفوت (ص. 67)–49 ويعزو بيّات في الفصل الرابع انحسار الراديكالية Deradicalization بعامل التطبّع مع النظام الرأسمالي، واستهلاك النظام الجديد في إيران للحمولة النضالية المقاوِمَة لإمبريالية، والإخفاق الواضح في تحقيق التطلّعات إلى العدالة الاجتماعية، وكيف انتقلت الحركة الإسلامية في شقَّيها الشيعي والسني من مربع المقاومة المفتوحة مع الإمبريالية، إلى مستوى للفعل السياسي تحكمه سقوف أدنى، ويسود فيه خطاب الإصلاح، على مقاومة الإمبريالية، ويجري فيه القبول بالاقتصاد النيوليبرالي دونما تحدٍّ حقيقي على مستوى الفعل، وإنْ بقي خطاب التحدّي الثقافي يحتلّ المساحة. عندما اندلع الربيع العربي كانت الحركات الإسلامية الراديكالية والحركات العلمانية اليسارية جميعها قد تكيّفت – ابتداءً – مع الشروط النيوليبرالية. وعلى الرغم من انحسار الفكر الثوري، فالغضب الجماهيري ظلّ يكبر في المساحات الحضرية، متحدّيًا السياسات النيوليبرالية في الاقتصادات العربية، عبر ردود شعبية غير منظّمة وغير مخطّط لها (ص 92–69). يقرأ بيّات إرهاصات الانتفاضات العربية من الإرث التاريخي الذي خلفته الثورة الإسلامية في إيران، متوسّعًا في الفصلَين الخامس والسادس في تحليل انقلاب الأحياء والجيرات السكنية، وما يشكّل المجال العام في المدن العربية، عشية الثورة إلى ساحات تنازعية حضرية ملتهبة، حافلة بالغضب والرفض الجماهيريَين، قام السكّان من خلالهما باحتلال الحيّز العام ردًّا على السياسات النيوليبرالية الحكومية. ولتوضيح ذلك قدّم تحليلً لهيكل حركة المجتمع الحضري الغاضب ودينامياتها، ووجد جهده في تخليق مجال تعبيري استثنائي حاضنته في الميادين. وتتبع المسار المتنامي والمتسارع لهذا الغضب، ومفاجأته الجميع؛ مراقبين ونخبًا معارضة قبل الحكومات (ص 112–93)، مبيّنًا كيفية تقاطع صيرورة انحسار الراديكالية مع الآليات القسرية للنيوليبرالية، وظهور نموذج بديل للمقاومة من طيّات ذلك. في تفسير هذا النموذج، يستحضر بيّات أطروحته السابقة عن «اللاحركات» في الفصل السابع، محاولً تفسير زحف القواعد الجماهيرية الغاضبة في بلدان الربيع من أجل اقتناص مساحات تعبيرها من قلب أفعال الحياة اليومية العادية، وكيفية تحرّكها في ظلّ أنظمة سلطوية وسياسات نيوليبرالية ذات طابع إقصائي، للمطالبة بحظوظ أكثر عدلً في الموارد العامّة. خلَق هؤلاء مجالً بديلً من ناشطيتهم ووجودهم السياسي والاجتماعي خارج «رادار» الدولة والأكاديميا معًا؛ بطريقة حجبتهم عن أنْ تصل إليهم يد السلطة القمعية، وعن أنْ تراهم عين الاعتناء البحثي، لتولّد في النهاية هذه المفاجأة التي سميناها الربيع العربي (ص. 152)–135 ثم ينتقل المؤلّف في الفصل الثامن إلى وصف الحراكات التي شهدتها الدول العربية من دون سقف الثورة، أو ما وصفه بحالة هجينة، بين ثورة وإصلاح؛ فهي وإنْ بدت كثورة في مدخلاتها،

فإنها نكَصت في مخرجاتها وانحسرت قدرتها على التغيير؛ بحيث لم تجاوِز الإصلاح، بسقفه المنخفض والمُرَشّد (ص 178–153). لكنّه لا يتورّط في هذا التصوّر الضيّق لما جرى ووصفه بأنّه ثورات مهزومة، أو لم تكتمل، فينتقل في الفصل التاسع ليستعرض ملامح نضالية ميّزت الربيع العربي؛ منها النضال من أجل المساواة والاندماج الاجتماعي الذي صعد خطابه في الميادين وعبر مبادرات واسعة، خصوصًا من لدن شباب الطبقات الاجتماعية الدنيا، والنساء، والفقراء، والأقليات الاجتماعية والدينية. وهي النضالات التي أمدّت الثورة بفيض جماهيري عريض (ص 203–179). ويستمرّ في الفصل العاشر في شرح دينامية تهميش هذه الطاقات النضالية، مبيّنًا أنّ عناصر الثورة المضادّة كانت قادرة على ابتلاع الحالة الغاضبة والتحرّكات التنازعية التي قامت بها الجماهير، وما انتهت إليه من تحطيم حلم التغيير لمجتمع أكثر عدلً وتحرّرًا، والانحدار إلى حال من اليأس والنفور من فكرة الثورة وخبرتها التي مرّوا بها (ص 218–205). ومع ذلك لا ينتهي بيّات في الفصل الأخير من كتابه إلى خلاصة تشاؤمية، بل يستدعي بديلً من ذلك أطروحة الثورة الممتدّة، ويدمج الاشتباكات النظرية والمقاربات والمقارنات في نقاش ختامي يفكّك جدلية اليأس والأمل؛ يبدأ بيّات بتوكيد أنّ هذا الشعور الذي سيطر على الثوريّين الشبّان بعدما آلت أحلامهم إلى انكسار، وأنّ إحساسهم بأنّهم يعيشون تِيهًا سياسيًّا أشدّ وطأة وتدهورًا ممّا ثاروا عليه، ليس إلّ بعض طبائع الثورات. في حين لا يمنع أنْ تتمدّد مساحات أمل حقيقية لم تزل موجودة، ويمكن لها أنْ تُجدّد الروح الثورية (ص. 228)–219

ثانيًا: مأزق الفاعل الثوري

يثير النقاش في هذا الكتاب طرح بيّات للثورة بوصفها عملية مركّبة تمضي على مسارات عدّة، وبديناميات فعل متباينة، لا يراها بيّات فاصلً تاريخيًّا تختصره لحظة الميادين، ولا يتوقف كثيرًا عند البدايات المُدهِشة، أو يتورّط في تصوّرها حدثًا كليًّا، يجعل من الميدان جُماع الثورة ومنتهاها. نأى بيّات عن هذه النظرة الاختزالية، مؤْثِرًا فهم الثورات بوصفها صيرورة ممتدّة Protracted، وصراعًا أوسع، تدور معركتها متعدّدة الأطراف متنوعة القضايا، على صعد خمسة (ص. 215): أولها صعيد الدولة؛ حيث وقع الصدام ضمن بيروقراطيتها، وداخل مؤسّسات الموالاة التي تتركّز فيها سلطة القرار وفيما بينها، خصوصًا ما يضّطلع من بينها بمهمات حماية النظام، كمؤسسة الرئاسة، وقطاع الدفاع والأمن والمخابرات، وكذا الإعلام. وثانيها على صعيد المجتمع السياسي، إذ جرت تنازعات ضمن قنوات التمثيل والتعبير عن المصالح السياسية، والتي تمثّلها الأحزاب والبرلمانات، وحتى القطاعات المحلية ومؤسسات الحكم المحلي. وثالثها على صعيد المجتمع المدني، حيث عالم الانتظام الاجتماعي الأوسع الذي يضمّ المنظمات غير الحكومية والروابط الأهلية، وكذا النقابات والروابط الحرفية وغيرها من أشكال التنظيم في بيئات العمل، وجرى فيها الاشتباك مع دوائر القوّة فيها، ولا سيما أصحاب الأعمال. ورابعها الذي مثّل بؤرة الاهتمام لدى بيّات، هو صعيد الشارع حيث التنافس في الهيمنة على المجال العام، والنظام العام، والرأي العام، وتملك أدوات التعبير عنها القولية والفعلية. وأخيرًا صعيد الحياة الخاصّة للفرد والأسرة، حيث تندلع اشتباكات حول القيم والذوق ونمط العيش

وأسلوب الحياة. لم ينفصل، بحسب بيّات، أيّ من تلك الاشتباكات والصراعات عن بعضها، بل تداخلت تداخلً كبيرًا، وتقاطعت عند محكّات بارزة، كالطبقة والنوع الاجتماعي. وتولّد من أتون هذه الصراعات نمط مغاير لعلاقة الدولة بالمجتمع، ما أعاد تشكيل حدود هذه الصراعات ذاتها. دخل فاعلو الثورة أتون هذا الحدث التاريخي الذي حكمته جملة من المحدّدات، بعضها بحسب بيّات سوسيو–اقتصادي، كامن في ملامح النظام النيوليبرالي، وديناميات عمله؛ وبعضها فلسفي، نابع من تصوّرات ما بعد الحداثة بنظرتها التفكيكية إلى الوجود والعالم؛ وبعضها سياسي، يتعلّق بالأساس بالنخب وتوجّهاتها وتصوّراتها بشأن المأمول المستقبلي. نجح الثوّار بوضوح في استعادة الجماهير بوصفها رقمًا في معادلات الحكم والسلطة، ورافعة للتغيير. لكن الفاعل الثوري في طرح بيّات قد عانى مأزقَين واضحَين؛ أحدهما فكري، والآخر حركي. يتلخّص المأزق الفكري في الافتقار إلى أطروحة ثورية قائدة، ومفكّر ملهم؛ إذ حفلت مصادر الإلهام بالأفكار والرؤى التي ملكت وعي ثوّار الربيع بالتناقض مع المأمول الثوري؛ وخفّض سقوفها حال التطبّع مع النيوليبرالية، وتمثُّل أصحابها توجّهات ما بعد حداثية، والكثير من الميول الأناركية [الفوضوية] الكارهة للانتظام الحركي الصلب، والنافرة من التعامل مع مؤسّسات الحكم، مؤشّرات لحال السيولة الأيديولوجية لدى الفاعل الثوري. يستحضر بيّات الأيديولوجيا لجهة قدرتها على رسم نموذج واضح للتغيير المنشود، يقي من اضطراب الحركة وضياع بوصلتها، ويربط هذا الضعف أيضًا بحال يصفها في الفصل الأول بجهل الثوّار بالدولة وهياكل الحكم وديناميات عملها الداخلي، بعكس قدرة الدولة الكبيرة على معرفة الثوّار، فتفاوتت قدرات الطرفين في التحرّك ضدّ الآخر (ص. 19). أمّا الجانب الحركي الذي يَلمَحُه بيّات لهذا المأزق، فأبرز ملامحه هو وقوع النخب الثائرة في تناقض، حين أوكلت إلى الدولة، بهيكل حكمها القائم، مهمّة تغيير نفسها! الدولة ذاتها؛ بهياكلها وأجهزتها ونظامها، التي ثارت في وجهها الجماهير! والمثير أكثر للاستغراب سرعة فقدان النخبة الثورية مواقع حازتها بنضال وتضحية ضخمين، لتصير فريسة سهلة في أيدي من سماهم بيّات «ركّابًا مجانيّين» (ص. 215)، وهم تنظيمات لا تعمل توجهاتها الحركية أبعد من السقف الإصلاحي. لقد تراءت لهؤلاء فرصة استثنائية لامتطاء صهوة الثورة، ودفع الشباب صنّاعها جانبًا. ووظّفوا في هذا ما امتلكوه عبر عقود من قوّة تنظيمية، وقدرات تعبوية تناسب لحظة الانتقال. كان هذا عند بيّات إحدى الخطايا الكبرى التي عزّزت قدرة فصائل الثورة المضادّة على العودة رويدًا رويدًا، واستعادة تفوّقها، ومن ثمّ ضرب الثورة من الأساس، على نحو ما رأينا في الحالة المصرية. لذا يرى بيّات أنّ الطاقة المهولة التي امتلكها الثوّار، والتي كان في إمكانها إحداث التغيير، لم تترجم إلى مخرجات مكافئة على صعيد الدولة. يبني بيّات كثيرًا من نقده لهذا العجز على مقولة غياب الأيديولوجيا والنماذج اليوتوبية. لم يملك الثوار في رأي بيّات نظرية ثورية تلهم الممارسة وتصف أمام الحركيين المستقبل بوضوح. صحيح أنّ غياب تلك التصورات لم يمنع تدفق وعي ثوري إلى الميادين، لكنّ الفقر الأيديولوجي قد

وصم حركة عديد من الفرقاء، على نحو أفضى إلى تعطّل إمكانية التوافق في إجابات عن أسئلة عالم ما بعد إسقاط الديكتاتور. وقد عكس تضارب التصوّرات وتناقض الحوافز الحركية لرفقاء الميادين وسيولة التنظيمات التي تجمعهم، والنفور من الانتظام، سواء خلف مدوّنة فكرية أو تحت إمرة زعامة كاريزمية لديها القدرة على توحيد الحركة في وجه قوى الثورة المضادّة والنظام القديم، يعكس استحالة الجماعية الثورية. يربط بيّات بين حالة غياب مرتكز فكري مشترك وتعامل النخب الهامشي مع قضايا العدالة التوزيعية والحقوق الاجتماعية والسياسات الطبقية، لمصلحة الاعتناء المبالغ فيه بأطر فكرية شائعة رسمت أولويتها بحدود المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والحقوق الفردية والديمقراطية وسياسات الهوية (ص 19، 73، 220). وفي فصول الكتاب ينتقد بيّات الثوّار لتجاهلهم قضايا التوظيف والأرض والسكن والنمط الحضري والاستهلاك الجمعي، وغيرها ممّا رآه أساسًا أوّل لغضبة الجماهير العريضة. فغاب التعبير الواضح عن إرادة الجماهير، ما أخلى ساحة الغضب، لمصلحة من رأوا في هذه الثورة تهديدًا لمواقعهم ومزاياهم، سواء من قوى داخلية لملمت شتاتها لتصنع ثورة مضادة، أو قوى إقليمية خشيت رياح الديمقراطية الجذرية، فتحرّكت في وجهها، أو قوى الرأسمالية الدولية التي خشيت تشكّل نمط اقتصادي ينقض أساس النيوليبرالية ويدفع موجات جماهيرية للمطالبة بإنهاء مظالمها، فكان أنْ أيّدت تحجيم التغيير وفرض سياسات تستعيد الأنماط التابعة للحكم.

ثالثًا: النيوليبرالية: مسبّبة للغضب أم مروّضة له؟

يخصص بيّات، في مناقشته، فصلً كاملً لإبراز أثر النمط العمراني الحضري واحتكامه لنظام السوق بملامحه النيوليبرالية في الصراع الاجتماعي. ويرسم ملمحًا مقارنًا بين مدن الثورة العربية والثورة في إيران. وكان المشترك أنّ الشارع برز بوصفه ساحة لإعادة الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي ولصور التضامن بين قطاعات واسعة سماها بيّات في كتاب سابق له «اللاحركات الاجتماعية». الشارع هنا هو صيغة متكاملة للفكاك من سطوة السلطة، وساحة انتظام وحركة تحمل روح التحدي، تقدّم أساليب ووسائل مدهشة للفعل الجمعي؛ حالة تبيّن إيثار الناس للفعل على الأيديولوجيا، وانتهاجهم سياسة للتغيير قوامها القيام المباشر به في محيط الفرد والمجموعة الذي هو ذاته محيط الشارع. ويعود بيّات، في مواضع عدّة، إلى الفكرة نفسها، مؤكدًا أنّ اللامساواة ومعاداة الديمقراطية وتجاهل حقوق الإنسان تظلّ سمات جوهرية لصيقة بالسياسات النيوليبرالية على اختلاف ألوانها (ص. 18)، ونتائجها لا تقف عند مصادرة المكاسب الاجتماعية للمواطنين فحسب، بل زاد الأمر بإفقارهم السياسة الوحيدة المعتمدة ضمن وصفة العلاج النيوليبرالي والمسمّاة بسياسة العلاج بالصدمات الاقتصادية، ومعها توالت الضربات على الشرائح الاجتماعية الأكثر احتياجًا دون هوادة. يطرح بيّات أنّه لا مجال للنظر إلى النيوليبرالية باعتبارها وصفة اقتصادية فحسب،

بل إنها، كما يؤكد بيّات، صارت نمطًا للحكومة (ص. 23)، يحمل قيمًا سياسية واجتماعية غايتها تنميط المحكومين وضبطهم على محدّدات السوق، ليصير التطبّع مع القهر وإلغاء كلّ قدرة على المقاومة مرادفًا لنجاح العلاج بالصدمات. ويجري التعامل معها كأنها أمر معتاد لا مجال لاستبداله أو الخروج عن نواميسه. تُعدّ القدرة على تطبيع الناس مع هذا النمط الوحشي من السياسات مصدر قوّة المنظومة النيوليبرالية. وهي قدرة تجعل من تتجيرها الخدمات العامة، وتحويلها الثقافة والتعليم من مشروعين اجتماعيّين إلى مشروعين تجاريّين – تحكمهما لغة «البيزنس» – حالً «طبيعيًّا»، وتجعل تحوّل الجامعات والمدارس ومراكز الفنون وغيرها شركات، أمرًا مرغوبًا، ولا يستغرب معه تعامل قطاع واسع من نخب الحكم مع الدولة كأنّها هي ذاتها شركة. لقد أصبح ذلك التطبيع مع القمع الاقتصادي ملمحًا ملازمًا لتطبيق النيوليبرالية في بلدان العالم الثالث، وبالخصوص الشرق أوسطية منها. بلدان لا تعرف سوقًا متوازنة أو كفؤةً، تمرح فيها النخب الاحتكارية والمحاسيب بغير ضابط، في غياب حكم القانون. وظلّ الحلّ السياسي لحماية دورة الصدمات من غضبة الناس يعتمد دومًا منظومة واسعة للقمع المباشر ترفع تكلفة إبداء الاعتراض والغضب إلى مستوى هدر الحياة ذاتها، كما رأينا في الحالة المصرية خلال السنوات الماضية. يرفق بيّات نقده للنيوليبرالية التي عملت مكابح للتغيير، بهيمنة تصوّرات «ما بعد حداثية» على العقل الثوري، وشيوع قناعات ضمن الاتجاهات الفكرية المنادية بالتغيير لا تتطلّع إلى حلول كبرى لمشكلات كبرى. يرى بيّات أنّ فلسفة ما بعد الحداثة قد جعلت الرؤى الأكاديمية أكثر ضبابية، وجعلتها تنفر من التطلّع إلى نماذج إنسانية بديلة، وصعد خطاب النفور من اليوتوبيا، حتى بات الخيال أسير عالم تنعدم فيه القدرة الإنسانية على إنتاج أفكار كبرى، والخشية المرضية من انهيار يوتوبيات على نحو ما جرى للشيوعية، وتراجع تصوّرات المجتمع الإسلامي، ونكوص دولة التحرّر الوطني. رأى بيّات أنّ ما بعد الحداثة، وطروحات فلاسفة مثل ميشيل فوكو، عملت معولً للتفتيت الأيديولوجي ونشر للغموض الفكري، والاقتناع بالنسبية المفرطة (ص 19، 232). كان هذا المزاج الفلسفي مسبّبًا لتهميش استقطابات فكرية ضرورية لأيّ صراع تاريخي على القيمة وعلى معنى الحياة. هذا الرفض المتسيّد للعقل الأكاديمي لكلّ رؤية مسبقة للتحوّل السياسي، يظلّ مدفوعًا بالخشية الفوكوية من الارتهان إلى سلطة الضبط. وانتقد بشدّة هذا التوجه الذي يدفع الفكر إلى حالة انسحابية. عزّز هذا التطبيع مع السياسات النيوليبرالية والخشية من تحدّي نموذجها، وتمريرها بوصفها أمرًا طبيعيًا وحلًّ أخيرًا لا فكاك منه. ولا ينفصل عنه أيضًا غلبة اتجاهات الأناركية الجديدة في أوساط الثوّار المعاصرين، ولم ترَ مداخل للاشتباك على أرضية تحويل نموذج الحكم وإدارة الدولة وتعديل هياكل السلطة. ظل هذا الإيثار لحالة من الأفقية تبحث عن حلول تطورية Evolutional لا حلول ثورية Revolutionary يعمل قوة دفع عكسية.

رابعًا: التجدّد الثوري ومسارات ممكنة للخروج

يوجب تفادي مآلَين خطرَين للثورات؛ مآل الخضوع التكيّفي، ومآل التوّرط في العنف، ما طرحه بيّات بمسمى «المواطنة الفاعلة»، فهي الباب الذي يراه معِينًا للقوى الثائرة على تصوّر أنّ

اليأس قد بات عنوانًا لحال الربيع العربي. وينبّه إلى أنّ اليأس ليس غريبًا على مفردة الثورة، أو كما تقول روزا لكسمبورغ «الثورة هي نوع الحروب الوحيد الذي يستحيل النصر فيه بغير المرور عبر سلسلة من الهزائم». ما نراه من تمزّقات هو بعض من صيرورة «الثورة» كما ينبّهنا بيّات (ص 222–221)، وفي معرض تفسيره لتقهقر الجماهير من الميادين ونفض ما تصوّره بعض اليائسين أنّه عودة إلى حال «البلادة اليومية القاسية»، يستدعي بيّات الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، وتوكيده أنّ ما يُرى من ظاهر مسلك الناس كأنّه وفاق وتكيّف منهم مع الحال الجديدة ليس مؤشّرًا على الرضا والرضوخ الشعبي كما يتوهّم البعض، إنّما هو أمر «نابع من القوّة الداخلية للحياة»، مدفوع بحاجة إلى ضبط النفس (ص. 223). وهو ليس إلا آلية لتخطّي الأوقات العصيبة، لكنّه لا يعني أنّ هؤلاء المغبونين ينسون مرورهم بتلك اللحظة النادرة من الحرية، وأنّهم سيمحون من ذاكرتهم انخراطهم يومًا في ساحة مأها الوعي بالذات، والبحث الجماعي عن مستقبل بديل. كما يستدعي بيّات سريعًا مفهوم ريموند ويليامز عن الثورة الممتدة Revolution Long، ويؤكد ضرورة فهم صيرورة الثورة بوصفها صيرورة «صعبة»، في تكوين فواعلها وتعددهم، وفي تنوّع مواضع اشتباكها مع سؤال التغيير، و«شاملة»، من جهة أنّها لا تقتصر على التنازع في جانبي السلطة والثورة، وإنّما تمتدّ إلى ساحات الثقافة والاجتماع؛ وهي أيضًا «إنسانية» بشمولها الأبنية الأعمق للوجود الإنساني بما فيها من مشاعر وتصورات. ووفق هذا الاستدعاء، يرى أنّ ما تمّ حتى اللحظة في الربيع العربي كان فاصلً ضمن مسار طويل لهذه الثورة الممتدة التي تختلف عن الثورات السريعة التي استطاعت إحراز تغيير جذري. محكّ النجاح هنا ليس في الزمن الذي يستغرقه التغيير، وإنّما في نوعيته وعمق آثاره، بالوصول إلى منظومة تكفل الخروج من ربقة النظم الأوليغاركية والسلطويات، وتقود المجتمع نحو تحوّل مبدئي، مساواتي في جوهره، ويتجنّب مساره الحركي تنكّب سبل العنف والقهر والإخضاع. يشدّد بيّات في خاتمة كتابه (ص 228–219) على أنّ ما يبدو لنا عودة إلى النظام القديم هو في واقعه ورطة تاريخية لهذه النظم؛ فاستدعاء الأساليب القمعية القديمة إنّما يجيء في عصر جديد وبوجه فواعل جدد. تواجه النظم القديمة كتلًاجتماعية راكمت موارد أخلاقية تلهم السعي لبناء اجتماعي جديد. وبما أنّ هذه النظم عاجزة عن أنْ تفارق دوغما النيوليبرالية، فستتعمّق أزمتها أمام المجتمع. وإزاء هذا يضع بيّات رهانه على إمكانية للتجدد الثوري، عبر بعث ما يسمّيه «المواطنة الفاعلة». وهو أقرب إلى إستراتيجية لإنهاك النظام، تنجز من خلال خلق مساحات للانتظام الاجتماعي (أو اللا–انتظام في الحقيقة) بيد اللاحركات الاجتماعية. ونهجها هو العودة إلى تكتيكات تثوير العاديين، والسياسات التحتانية Subaltern، على نحوٍ يعيد رسم ماهية العادي، ويفتح مساحات جديدة تؤسّس لمجتمع قوامه الاستقلال. تقوم ديناميات الساحة الجديدة على تحدّي آليات السيطرة المعتادة التي تفرضها الدولة (قيم، ومؤسسات، وروابط، وعلاقات)، بتكتيكات وأدوات وتكوينات للفعل الجمعي مبتكرة. من

شأن هذا أن يجعل عودة النظام القديم مستحيلة، ويعمّق مأزقها، وربّما يشلّ قدرة النظام القمعي المُستعاد على الحكم (ص. 226). ويسكن بيات هذه المساحات الجديدة بين المجال العام بالمعنى الهابرماسي والمجال الخاص. ويصفها بمساحة حرّة تسمع فيها أصوات الناس المنخرطين فيها، وتتشكّل فيها قوّة للجماهير، بما لا تلاحظه اعتياديات القهر والتسلّط، وبما يجري تحت ظلال السلطوية، لكنْ بمنأى عن نطاق تحكّمها وقدرتها على السيطرة. ما يميّز الفاعلين في هذه المساحة هو القدرة على الإدارة الذاتية، والدمج وعدم الإقصاء، وتخطّي حواجز القهر والتحكّم السلطوي بجرأة وإبداع.

المراجع

وفق هذا، سيكون على النظم القهرية المُستعادة أنْ تتعامل مع فواعل لم تألفها، وأساليب لا تملك مهارة استيعابها. يراهن بيّات على مخزون رمزيات الثورة الهائل، وأثر تمثّل الناس للحظة الحرية. وفي مواجهة هذا الزخم، لن تملك النظم السلطوية مجالً لإنكار أنّ ما جرى في عام 2011 كان حدثًا اجتماعيًّا استثنائيًّا، وطاقة للتغيير ممتدة الأثر ولم تنضب بعد. سيجعل هذا من المستقبل ساحة مفتوحة لمختلف الاحتمالات، بما فيها تجدّد الثورة واكتشاف مساحات جديدة لخوضها. باختصار، لم ينتهِ الأمر بعد؛ فالثورة الممتدّة تبدأ، تحديدًا، من لحظة الإخفاق ومن حيث تعثّرت الثورة القصيرة.

References