Return to Article Details Sociology of Education and the Question of Gender: From Social Inequalities to Gender Disparities

سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي: من التفاوت الاجتماعي إلى التفاوت بين الجنسين

Sociology of Education and the Question of Gender: From Social Inequalities to Gender Disparities

فوزي بوخري ص | Faouzi Boukhriss *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة الحيثيات التي أفضت إلى اهتمام سوسيولوجيا التربية الفرنسية بموضوع "التربية والنوع"، وتطمح إلى رصد طبيعة تحول هذه السوسيولوجيا من التركيز الحصري على علاقة التربية بمسألة التفاوت الاجتماعي إلى الانتباه لمسألة التفاوت بين الجنسين في حقل التربية. كما تروم فهم دلالات هذا التحول وأبعاده، وأهم الإسهامات التي تمخضت عنه. وتراهن الدراسة على تقديم هذه الإسهامات عُدةً نظرية للاستئناس والمساءلة والإغناء، كفيلة بالمساهمة في تعزيز الأسس النظرية لسوسيولوجيا التربية في عالمنا العربي، على نحو يراعي مختلف أشكال التفاوت التي تخترق حقل التربية، خاصة التفاوت الاجتماعي، والتفاوت بين الجنسين.

Abstract

Abstract: This article deals with the circumstances that have driven the interest of French sociologists in questions of education and gender. It aims to trace the transformation this sub–discipline of sociology from an exclusive focus on the relationship of education to social inequalities to an awareness of issues of gender education. Further, it seeks to understand the implications of this transformation, its dimensions, and the major contributions it has generated. The author posits these contributions as a theoretical tool for familiarization, interrogation, and enrichment, guaranteed to help strengthen the theoretical groundings of the sociology of education in the Arab world in a manner that takes into account the various forms of difference penetrating the educational field, especially social and gender differences.

الكلمات المفتاحية:
  • سوسيولوجيا التربية
  • التفاوت الاجتماعي
  • التفاوت بين الجنسين
  • الجندر
Keywords:
  • Sociology of Education
  • Social Inequality
  • Gender Disparities
  • Gender

ملخص: تتناول هذه الدراسة الحيثيات التي أفضت إلى اهتمام سوسيولوجيا التربية الفرنسية بموضوع «التربية والنوع»، وتطمح إلى رصد طبيعة تحول هذه السوسيولوجيا من التركيز الحصري على عاقة التربية بمسألة التفاوت الاجتماعي إلى الانتباه لمسألة التفاوت بين الجنسين في حقل التربية. كما تروم فهم دلالات هذا التحول وأبعاده، وأهم الإسهامات التي تمخضت عنه. وتراهن الدراسة على تقديم هذه الإسهامات عُدةً نظرية لاستئناس والمساءلة

والإغناء، كفيلة بالمساهمة في تعزيز الأسس النظرية لسوسيولوجيا التربية في عالمنا العربي، على نحو يراعي مختلف أشكال التفاوت التي تخترق حقل التربية، خاصة التفاوت الاجتماعي، والتفاوت بين الجنسين.

Abstract: This article deals with the circumstances that have driven the interest of French sociologists in questions of education and gender. It aims to trace the transformation this sub–discipline of sociology from an exclusive focus on the relationship of education to social inequalities to an awareness of issues of gender education. Further, it seeks to understand the implications of this transformation, its dimensions, and the major contributions it has generated. The author posits these contributions as a theoretical tool for familiarization, interrogation, and enrichment, guaranteed to help strengthen the theoretical groundings of the sociology of education in the Arab world in a manner that takes into account the various forms of difference penetrating the educational field, especially social and gender differences.

Professor of Sociology, Faculty of Arts and Humanities, Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco.

صيف   Summer 2018

مقدمة

لا يمكن فهم تطور سوسيولوجيا التربية، وتطور موضوعات بحثها، ومرجعياتها النظرية ومناهجها، إلا في ارتباطها بالتحولات التي تمس النظام التعليمي والتغيرات التي تهم النقاش العمومي حول المدرسة، في سياق مجتمع بعينه. ففي إطار سوسيولوجيا التربية، في صيغتها الفرنسية على الأقل التي نركز عليها أكثر في هذه المساهمة، تميزت ستينيات القرن العشرين بهيمنة سؤال الديمقراطية وتكافؤ الفرص في نظام تعليمي انتقائي، مدرسيًا واجتماعيًا، بينما شهدت التسعينيات

بداية الانتباه لمسألة التفاوت بين الجنسين، عقب تعميم الاختاط المدرسي، واستدراك الفتيات لتأخرهن الدراسي، بل تفوقهن على مستوى النتائج وعدد سنوات التمدرس، مقابل توجههن نحو تخصصات ومسارات مهنية أقل أهمية وقيمة من تلك التي يتوجه إليها أقرانهن الذكور. تحاول هذه الدراسة إذًا استعراض الحيثيات التي أفضت إلى اهتمام سوسيولوجيا التربية الفرنسية بموضوع «التربية والنوع»، وتطمح إلى رصد طبيعة التحول الذي طرأ على هذه السوسيولوجيا، في سعيها لربط النتائج المدرسية بالسياق الاجتماعي، من التركيز الحصري على التفاوت الاجتماعي إلى مراعاة الاختافات بين الجنسين. كما تروم فهم دلالات هذا التحول وأبعاده، وأهم الإسهامات التي تمخضت عنه.

التربية ومسألة التفاوت

ركزت سوسيولوجيا التربية الفرنسية، منذ الستينيات، على المدرسة وبنيتها، وعلى تدفقات ولوج التاميذ وتخرجهم. فكانت الإشكالية الأساسية المطروحة هي التفاوت الاجتماعي في عاقته بالنجاح المدرسي. وانصبّ النقاش الأساسي على دور المدرسة عاملً للحراك الاجتماعي أو لإعادة

الإنتاج. ووفق هذا المنظور، لم يؤخذ التفاوت بين الجنسين في الحسبان؛ فقد ظلت الأعمال التي تشير عرضًا إلى تعليم الفتيات قليلة. ولم تنل مسألة التفاوت بين الجنسين حظها من الاهتمام إلا في وقت متأخر، خصوصًا في السوسيولوجيا الفرنسية، مقارنة مثلً بنظيرتها الأنكلوسكسونية التي اهتمت بموضوع التربية والنوع الاجتماعي، مبكرًا نسبيًا؛ إذ تعود الأعمال الأولى حول هذا الموضوع إلى

الستينيات، كما أشرنا آنفًا. لاحظ عدد من الباحثين، في معرض تناولهم الظاهرة التربوية في السياق الفرنسي، الاختافات بين الجنسين والفروق في النجاح والمسارات الدراسية. لكن إلى حدود التسعينيات كان السعي قليل لتحليل ذلك وتفسيره، كما لو أن الأمر لا يتعلق بمشكل يستحق التفكير والمعالجة العلمية، وأن تصورات الحس المشترك تكفي لتفسير هذا التفاوت بين الجنسين.

(1) Marlaine Cacouault & Françoise Oeuvrard, Sociologie de l’éducation , 2 nd ed. (Paris: La découverte, 2001), p. 7. (2) Anne Barrière & Nicolas Sembel, Sociologie de l’éducation (Paris: Nathan, 2005), p. 10. (3) Claude Zaidman, «Education et socialisation,» in: Helena Hirata et al. (eds.), Dictionnaire critique du féminisme (Paris: PUF, 2000), pp. 49–54. (4) Catherine Marry & Nicole Mosconi, «Genre et éducation,» in: Jacky Beillerot & Nicole Mosconi (eds.), Traité des sciences de l’éduction (Paris: Dunod, 2006), pp. 443– 455.

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

والواقع أن الحديث عن تلك الاختافات بين الجنسين، بل عن التفاوت القائم بينهما في مجال التربية، لم يكن غائبًا تمامًا، بل كان حاضرًا، لكن حضوره كان شكليًا فقط. فا يحضر بصفته إشكالية علمية،

وإنما غالبًا بصفته معيارًا حسابيًا كميًا. وكما تؤكد الباحثة ماري دورو بيا «تأخذ الاختافات بين

الجنسين مكانة مهمة في الإنتاج الضخم من الإحصائيات المتداولة والأبحاث من كل صنف، سواء تعلق الأمر بإحصائيات الوفيات، أو تحليات السلوك الانتخابي أو الدراسات حول الاستهاك، لكن من النادر أن يتم النظر إليها في العاقة ب ‘متغير الجنس»’. وبطبيعة الحال لا يخرج مجال التربية عن هذه القاعدة؛ إذ تُقدم الاختافات بين الجنسين في الولوج والنجاح، وفي المسار والتوجيه الدراسيين وكأنها وقائع بديهية، شفافة، وقابلة للإدراك مباشرة، فيُنظر إلى الجنس بصفته معطى كميًا وحسابيًا أكثر

منه مصدرَ تغيرات تستوجب إثارة تساؤلات دقيقة وعميقة علميًا، وتتطلب تحليلً وتأويلً. والواقع أنه،

مع التسعينيات، بدأت سوسيولوجيا التربية تقطع مع بداهات الحس المشترك، في نظرتها إلى التفاوت بين الجنسين. ويمكن القول إن الانتباه إلى هذه الظاهرة جاء ثمرة تعميم الاختاط المدرسي Mixité في السبعينيات، عندما بدأ يشمل مبدأ المساواة متغير الجنس في مجال التربية، ولو في وقت متأخر نسبيًا؛ ما سمح بتعليم الفتيات والفتيان تعليمًا جماعيًا ومختلطًا، وأتاح من ثمّ المقارنة المباشرة بين

نتائجهما. فقد لوحظ أن بعد استدراك الفتيات تأخرهن الدراسي سيحققن تفوقًا في النتائج وعدد سنوات التمدرس؛ ما سيدفع بعض الباحثين إلى إعادة النظر في مفهوم إعادة إنتاج التفاوت بواسطة المدرسة. فبعد أن بدأت نتائج الفتيات حائزات البكالوريا [الثانوية العامة] تتفوق على نتائج نظرائهن الذكور، بدأ الباحثون الفرنسيون المختصون في حقل سوسيولوجيا التربية ينتبهون لما سماه الباحثان كريستيان بودلو وروجيه استابليه «واقعة اجتماعية أساسية»، متمثلة بالدينامية التاريخية للتفوق الدراسي للفتيات. وبعد أن كانت الفتيات، زمنًا طويلً، ممنوعات من متابعة الدراسة، خاصة في المسالك التي تفضي إلى المهن العليا وذات القيمة، بدأن يلجن أكثر فأكثر، وبيسر أكبر، كل المدارس، وكل المهن. وقد انطلق مسار التغيير بطيئًا وتدريجيًا، بدأ بالمستوى الأدنى (المدرسة الابتدائية) في بداية القرن العشرين وانتهى

بالأعلى (التعليم العالي)، وبالمدارس الكبرى في السبعينيات والثمانينيات. بدأ التغيير أساسًا في

(5) Marie Duru–Bellat , L’école des filles: Quelle formation pour quels rôles sociaux? 2 nd ed. (Paris: L’Harmattan, 2004), p. 10. (6) Ibid., p. 11.

(((نخص بالذكر الباحثين روجيه استابليه وكريستيان بودلو، خاصة في كتابيهما Allez les Filles! الصادر في مستهل عقد التسعينيات، انظر:

Zaidman, pp. 49–54 (8) Marry & Mosconi, pp. 443–455. (9) Ibid.

صيف   Summer 2018

سنة 1962، عندما التحقت الفتيات بالفتيان في النجاح في البكالوريا، ذلك المستوى الدراسي البالغ الدلالة في فرنسا، ومع جيل 1973 وعلى نحو أوضح أيضًا مع جيل 1980، أخذت الفتيات يتجاوزن الفتيان في النتائج الدراسية. وقد استرعت هذه الظاهرة المستجدة اهتمام العديد من علماء الاجتماع، فكما يقول بودلو واستابليه «نادرة هي التغيرات الاجتماعية التي تحدث بإيقاع مثيل لذلك الذي ميز ارتفاع نسبة تمدرس الفتيات وتفوقهن الدراسي، بعد عقود، بل قرون من الإقصاء»، فكما يوضح هذان الباحثان دائمًا: يكفي أن نعلم أنه في سنة 1900 كانت، على سبيل المثال، 624 طالبة في فرنسا كلها، مقابل 27 ألف طالب، بعد قرون عديدة من «الحضارة» الغربية وتسعة قرون على مياد الجامعة. غير أن الأعمال الحديثة، المستندة إلى إشكالية العاقات الاجتماعية بين الجنسين، ستضفي نوعًا من النسبية على هذا التفاؤل، بإبراز أنه بقدر ارتفاع نسبة النجاح في البكالوريا تتفاقم الفوارق بين الذكور والفتيات؛ فرغم تفوقهن الدراسي، ظل امتياز العلم حكرًا على الذكور. والأكثر من ذلك

أنه إذا كانت آليّتا الانتقاء الطبقية والجنسية تختلفان على مستوى مبدأيهما، فإن تحليل الاختافات

على مستوى المسارين الدراسيين للفتيات والفتيان، ومعاينة سلوكاتهم في الحياة اليومية داخل المؤسسات التعليمية وفي مختلف عتبات التوجيه، ومقارنة قيمة الشهادات المتحصل عليها ومستوى الاندماج في الحياة المهنية، تتيح على المدى الطويل ماحظةَ أنه إذا كانت الفتيات ينجحن أفضل من الفتيان في التعليم الابتدائي وفي ما بعد، وهو ما يقودهن بأعداد كبيرة إلى البكالوريا وإلى التعليم العالي، فإنهن يجدن أنفسهن سجينات عدد محدود من المسالك التي تؤدي في الغالب إلى مهن هي في الواقع أشكال مُمأسسة اجتماعيًا للوظائف التقليدية المسندة

إلى المرأة داخل الأسرة، مثل مهن الخدمات والتجارة والتربية والصحة، بينما يبقى الحفاظ على التفاوت في ولوج التخصصات العلمية والتقنية. تنتقل المسألة إذًا في اتجاه السيرورات التي تفسر هذه المردودية الضعيفة للمدرسة بالنسبة إلى الفتيات. وقد أبرزت دراسات مؤسسة على تحليل الكفايات المدرسية أنه من أجل فهم آليات إعادة إنتاج التقسيم الجنسي للعمل، ينبغي لنا الاهتمام بآليات التوجيه، بدلً من الاهتمام بالاختافات على مستوى القدرات والمؤهات «الطبيعية». وترى الباحثة كلود زيدمان أن من الباحثين من يعتبر هذا الانتقاص من القيمة المدرسية للفتيات، لحظة التوجيه، نتيجةً للتنشئة الاجتماعية الأولية للفتيان والفتيات، المعززة بالتقييم المتمايز للأساتذة تبعًا لجنس التاميذ، بينما يؤوّل باحثون آخرون هذه النظرة

(10) Roger Establet, «Filles et garçon à l’école, une seule jeunesse?» in: Gérard Mauger et al. (eds.), Jeunesse et sociétés (Paris: Armand Colin, 1994), p. 121. (11) Christian Baudelot & Roger Establet, Allez les Filles! (Paris: Du Seuil, 1992), p. 11. (12) Ibid., p. 9. (13) Establet, p. 121. (14) Zaidman, pp. 49–54.

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

التبخيسية بأنها «اختيار عقاني» من جانب الفتيات، واستباق للمشكات التي يطرحها، فيما بعد، «التوفيق» الصعب بين الحياة الأسرية والحياة المهنية. والواقع أنه بفضل مساهمات باحثات نساء في الغالب، طُرح هذا التفاوت بين الجنسين مشكلة سوسيولوجية، تتطلب جهدًا نظريًا من أجل تفسيرها، تمامًا مثل مشكلة التفاوت الاجتماعي. فمن حيث المبدأ، تؤسس المقاربة السوسيولوجية على رفض التفسير بواسطة البيولوجي الذي يشتغل غالبًا أداة شرعنة للتفاوت بين الجنسين، وهي بذلك تنزع البعد الطبيعي عن الوقائع والعاقات

الاجتماعية؛ أي تنفي طابعها الحتمي، كما أبرز بيير بورديو Bourdieu Pierre. رغم ذلك، لزم الأمر انتظار التسعينيات من أجل أن يتطرق عالم اجتماع نقدي مثل بورديو إلى التفاوت بين الجنسين، ويعتبر أن النزعة الجنسية، تشبه العنصرية، تستهدف ربط اختافات أو تفاوتات اجتماعية مُمأسسة تاريخيًا،

بطبيعة بيولوجية تشتغل جوهرًا. ويُحسب لعدد من عالمات الاجتماع سعيهن للتمييز الأساسي بين الجنس (المميزات البيولوجية للأفراد) والنوع الاجتماعي (المميزات السوسيو–ثقافية)، بهدف دحض الاعتقاد السائد الذي تبعًا له تأخذ الأدوار الاجتماعية والمميزات النفسية الجنسية للأفراد صفة طبيعية، وإبراز عكس ذلك بكونها نتاج بناء اجتماعي للذكورة والأنوثة. يتغير هذا البناء تبعًا لتغير المجتمعات والفترات التاريخية. والأكثر من ذلك، لا ينحصر مفعول النوع الاجتماعي في خلق التمايزات في الأدوار الاجتماعية والمميزات النفسية الجنسية بين الرجال والنساء، بل في خلق تراتبية بينها، إنه يمثل «طريقة أولية للدلالة على عاقات السلطة». وشيئًا فشيئًا، بدأت الأبحاث الجديدة في سوسيولوجيا التربية في فرنسا، تلك المنصبّة على التجربة

المدرسية، وحول «المنهاج الخفي» Caché Curriculum، وحول التفاعل بين الأسرة والمدرسة... إلخ، تدمج الاختافات بين الجنسين متغيرًا مفسرًا. وعمومًا، لا يزال هناك نقص كبير في الأعمال المدمجة

لإشكاليات النوع، كالتي تنصبّ على العاقة بالمعرفة وولوج النساء المهن العلمية، وعلى طرائق

الاختاط المدرسي في مختلف مراحل الدراسة، والنظر إلى المسارات الدراسية في العاقة بالجنس والمميزات الاجتماعية الأخرى للتاميذ، مثل الطبقة الاجتماعية أو عقانية الوالدين. وتتمايز أبحاث سوسيولوجيا التربية التي تقارب موضوع التربية في عاقته بإشكالية التفاوت بين الجنسين، تبعًا لتركيزها على مدى التغيرات الجارية وحجمها في حقل التربية في العاقة بموضوع النوع الاجتماعي، أو على قوة آليات إعادة إنتاج التفاوت بين الجنسين. فأعمال الاتجاه الأول تشير إلى المنعطف الذي شهده التفاوت بين الجنسين في المدرسة، عقب تحسن الأداء الدراسي للفتيات، بل

(15) Ibid. (16) Duru–Bellat, p. 12. (17) Marry & Mosconi, pp. 443–455. (18) Zaidman, pp. 49–54.

صيف   Summer 2018

بداية تفوقهن دراسيًا على أقرانهن الذكور، وتهتم أيضًا بالمسارات غير المحتملة للفتيات اللواتي اتبعن

دراسات اعتبرت زمنًا طويلً خاصة ب «الذكور»، مثل الدراسات الميكانيكية والمعلوماتية الصناعية أو المدارس الكبرى العلمية ومدارس المهندسين. أمّا أعمال الاتجاه الثاني، فتفكك سيرورة تراكم

التفاوت على مستوى التوجيه طوال المسار الدراسي، والتي تعمل آليات التمييز والإقصاء القائم على الجنس في سوق العمل على مضاعفتها باستمرار، أو تعمل على إبراز بناء هذا التفاوت في الحياة المدرسية اليومية؛ أي في خضم التفاعات التي تجري بين التاميذ، وبين الأساتذة والتاميذ. وهكذا، تطور حقان للبحث، يحاول الحقل الأول تفسير مفارقة التفوق الدراسي للفتيات، وتوجههن بالمقابل نحو تخصصات ومسارات مهنية، ومواقع في سوق الشغل، أقل أهمية وقيمة من تلك التي يتوجه إليها الفتيان، الأدنى منهن على مستوى الأداء المدرسي. ويسعى الحقل الثاني للكشف عن التنشئة الاجتماعية المتمايزة والامتكافئة بين الأولاد والبنات داخل المدرسة، عبر ماحظة الحياة المدرسية اليومية وممارسات الأساتذة. وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد منظور النوع في التربية، وربط واقع التربية بالتفاوت بين الجنسين، لا يلغيان تمامًا استمرار الاهتمام بمتغير الأصل الاجتماعي، وربط النتائج المدرسية بالتفاوت الاجتماعي.

فكما يؤكد بودلو واستابليه، فإن «البروز القوي للفتيات في المدرسة لم ينجح بعد في إلغاء تأثير الطبقة الاجتماعية في الأداء المدرسي، ولا حتى في زحزحته. حصل التقدم المسجل في احترام تام للتفاوتات المدرسية والاجتماعية. يبقى أن تفوق الفتيات ياحظ في كل الطبقات الاجتماعية، وأن تأثير الأصل الاجتماعي في التمدرس هو أقل بكثير لدى الفتيات منه لدى الفتيان».

في دلالات الصمت عن مشكلة التفاوت بين الجنسين

عمومًا، إذا حللنا الإنتاج السوسيولوجي الضخم حول المدرسة إلى غاية بدايات التسعينيات، لا يمكننا

إلا أن نندهش من صمت علماء الاجتماع، أمام اختافات بينة جدًا أحيانًا، لكنها لم تثر اهتمامهم. فكما لو أن كل جهود الباحثين، خصوصًا في السياق الفرنسي، وجهت نحو تحليل التفاوت الاجتماعي

الذي يتيح وضع الماحظات الإمبريقية في إطار نظري أثير (الماركسية)، ينشغل أساسًا برصد مكانة

المدرسة في المجتمع الرأسمالي. ففي هذا السياق الخاص، يجري حجب كل ما لا يرتبط بوضوح بسير «المدرسة الطبقية»، وينظر إليه على أنه أمر ثانوي. ويثير هذا الصمت الدهشة فعلً، في نظر ماري دورو بيا، إذا علمنا أن أحد المواضيع الأساسية لسوسيولوجيا التربية، وفق المرجعية الدوركهايمية التأسيسية، هو تحليل الوسائل التي عن طريقها يجدد مجتمع ما باستمرار شروط وجوده الخاص، ومنها التقسيم الجنسي للوظائف والمهمات. فقد

(19) Marry & Mosconi, pp. 443–455. (20) Ibid. (21) Baudelot & Establet, p. 14. (22) Duru–Bellat, pp. 12–13.

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

أبرز علماء اجتماع التربية أن من وظائف التربية إتاحتها الفرصة لولوج أعضاء جدد، فرديًا وجماعيًا،

في مجتمع ما؛ وبهذا المعنى فهي تندرج ضمن سيرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي؛ ذلك أن كل مجموعة اجتماعية تتشكل من اختافات، وتراتبات، ومعايير تمييز، تندرج غالبًا ضمن خصوصيات

بيولوجية، يسعى بناء أيديولوجي بكامله – هو الذي تتكفل التربية أو التنشئة الاجتماعية بمهمة نقله – لإضفاء الشرعية عليها. لهذا، فكل مجتمع يحرص على أن يجعل تقسيمًا للعمل بين الجنسين، يدرك

باعتباره بديهيًا، خصوصًا بالاستناد إلى الاختافات من ناحية الكفايات والمؤهات والمهمات، والتي

كشف الدرس الإثنولوجي أنها في الواقع متغيرة من مجتمع إلى آخر. لماذا إذًا تصمت سوسيولوجيا التربية عن ظواهر هي مع ذلك في صلب إشكاليتها؟ هل لأن الجنس متغير خاص؟ تجيبنا ماري دورو بيا أن هذا المتغير يتميز بكونه في الوقت ذاته مقولة بيولوجية تخلو عمومًا من الغموض، وهو أيضًا شبكة قراءة تطبق آليًا على سلوكات اجتماعية متعددة. لكن السن أو العرق لهما

أيضًا هذه الخاصية المزدوجة، من دون أن يبدي عالم الاجتماع أي صمت تجاههما. فلماذا إذًا يتخلى هذا العالم عن إنتاج تأويل سوسيولوجي لاختافات تبعًا للجنس، يتجاوز اللجوء إلى الاختافات الطبيعية؟ لماذا لا ينتصر لمنطق تخصصه العلمي في مواجهة كتلة المعطيات التي تشهد على هذه الاختافات، فيبحث عن أصل التشكل الاجتماعي لهذه السلوكات المتمايزة وسيرورته، الصادرة عن فاعلين اجتماعيين، ذكورًا وإناثًا؟ في الواقع يتعين البحث عن أجوبة لهذه النوعية من الأسئلة في جهة سوسيولوجيا السوسيولوجيين أكثر منها في جانب سوسيولوجيتهم، لا سيما أن السوسيولوجيا تدعو باستمرار إلى القيام بسوسيولوجيا لممارستها العلمية، سواء تعلق الأمر بنمط الأسئلة التي تطرح على الواقع، أو على العكس التي لا يتخيل إمكانية طرحها، أو تعلق الأمر بنمط المواضيع التي تدرسها، والتي تحقق دراستها مردودية أيديولوجية و/ أو مادية، أو بنوع المنهجيات المعتمدة. وفي هذا الصدد، ترى ماري دورو بيا أن تحليل الموقع الاجتماعي لعلماء اجتماع التربية أنفسهم، ولانخراطهم فاعلين اجتماعيين، في العاقة بالموضوع المدروس هو أيضًا لحظة أساسية، ضمن المقاربة السوسيولوجية التي تسعى للكشف عن حيثيات الصمت، أو بالأحرى التأخر في الاهتمام بموضوع التفاوت بين الجنسين. ففي سوسيولوجيا التربية، على الأقل في السياق الفرنسي، غالبية الباحثين هم رجال، وغالبًا ذوو مرجعية ماركسية. يمكننا أن نفترض أن صمتهم إزاء التمايزات بين

الجنسين آتٍ أولً من كونهم رجالً، فهم «لا ينتبهون للمشكل»؛ بحيث يفكرون في ذواتهم باعتبارها كونية وليست إشكالية، بالتماهي الاواعي مع العام ومع المذكر. فعندما يحللون، المدرسة من دون التطرق إلى التفاوتات بين الجنسين، يبررون ذلك بضرورة توخّي الموضوعية والحياد. ذلك أن طرح

(23) Zaidman, pp. 49–54. (24) Duru–Bellat, p. 13.

صيف   Summer 2018

موضوع هذه التفاوتات يعني في نظرهم الانسياق وراء اعتبارات ذاتية، والانتصار لوجهة نظر خاصة بعيدة عن منطق العلم ومقتضياته. ويعود الصمت أو العمى السوسيولوجي أيضًا إلى كونهم ذوي مرجعية ماركسية؛ فهم يدركون الصراع، رجال/ نساء، باعتباره ثانويًا مقارنة بالصراع الطبقي. لكن هل إن المرجعية الماركسية قناع أيديولوجي يحول دون انتباه المشتغلين بالسوسيولوجيا لمشكل التفاوت بين الجنسين؟ في الواقع، إذا كان الأمر كذلك ربما بالنسبة إلى الماركسية الأرثوذكسية وتعبيراتها في شتى حقول المعرفة، بما في ذلك السوسيولوجيا التي كانت تعتقد أن القضاء على النظام الرأسمالي سيؤدي حتمًا الى القضاءٍ على السيطرة الذكورية، أي إن حل التناقض الطبقي سيفضي با شك إلى حل التناقض الجنساني، فإن الأمر بخاف ذلك مثلً بالنسبة إلى الباحثات الممثات لما يسمى تيار النسائية المادية اللواتي لم يثنهن استلهامهن المرجعية الماركسية عن تأكيد تازم الصراع الطبقي والنضال ضد الهيمنة الذكورية. ويؤمن هذا التيار، ذو المرجعية الماركسية، والذي ظهر في فرنسا منتصف السبعينيات من القرن الماضي مع كل من كرستين دلفي Delphy Christine، ونيكول – كلود ماثيو Mathieu Claude – Nicole، وباولا تابت Tabet Paola، وكوليت غييومان Guillaumin Colette... إلخ، بأن النظام البطريركي يخترق كل الطبقات الاجتماعية، ويوجد في كل المجتمعات الإنسانية، بما فيها تلك التي تخلو من الطبقات الاجتماعية، ومن ثمّ فمعركة القضاء على النظام الرأسمالي ومعركة القضاء على التمييز الجنسي معركتان متازمتان يجب أن تسيرا على نحو تساوقي وتزامني. يُفسر العمى السوسيولوجي إذًا في الوقت نفسه بإثنومركزية الجنس، وبتأثير الانغاق النظري أو هيمنة البراديغم المهيمن على إشكاليتهم. يبدو لنا أنها وحدها إثنومركزية للجنس قوية جدًا، يمكنها أن تفضي إلى عدم اعتبار الجنس، رغم أنه يؤثر في كل التفاعات الاجتماعية، ومن ثمّ في كل البيئة الاجتماعية للذات، بوصفها متغيرًا، يتعين أخذه في الحسبان مثل السن أو الانتماء الاجتماعي. فالسيكولوجيا

الاجتماعية أبرزت بإسهاب أن أعضاء الجماعات المهيمنة يدركون ذواتهم بصفتهم أفرادًا قبل أي شيء آخر، بينما المحددات الموضوعية للجماعات المهيمن عليها تلقي بثقلها على أعضائها. وانطاقًا من ذلك، تجد النساء الباحثات صعوبة في نسيان جنسهن أثناء ممارستهن العلمية مقارنة بالرجال. وليس مصادفة، والأمر كذلك، أن كان تعليم الفتيات لم يظهر، في البداية، موضوعًا جديرًا بالاهتمام سوى

لدى عالمات الاجتماع النساء، وغالبًا بإيحاء نضالي، ونسائي. وعاوة على ما سبق، يبدو أن استبعاد الخوض في موضوع التفاوت بين الجنسين غير مفصول

(25) Ibid., p. 7.

(((2  انظر: خالد شهبار، «سجال سوسيوأنثروبولوجي حول مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية»، مجلة عمران، المجلد 6، العدد 23 (2018)، ص.105 (((2 انظر وجهة نظر نيكول كلود ماثيو، إحدى أبرز ممثات هذ التيار، في المرجع نفسه، ص.117–112

(28) Duru–Bellat, pp. 14–15.

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

عن عاقات القوى الخاصة على مستوى الحقل العلمي نفسه، بل عن عاقات القوى العامة التي تربط الرجال والنساء، خصوصًا أن أخذ معطى الجنس في الاعتبار يمثّل في نهاية الأمر مساءلة لكل أقسام السوسيولوجيا (وهذا صحيح بالنسبة إلى باقي العلوم الإنسانية، وتحديدًا علم النفس... إلخ) ولسوسيولوجيا التربية على نحو خاص؛ لأن هذا الأمر لا يتعلق باستنساخ مخططات التأويل التي أنتجها الباحثون الرجال، بالانطاق من معطيات ذكورية في الغالب (عاقات التكوين – الشغل، الحراك الاجتماعي... إلخ)، وتوسيعها لتشمل هذه المجموعة الخاصة المشكلة من النساء. إن إدراج متغير الجنس ضمن أفق البحث السوسيولوجي في حقل التربية أو غيره من الحقول له تأثير علمي مهم، لا يمكن التغاضي عنه.

اعتماد منظور النوع في التربية: الدلالة والأهمية

إن اهتمام سوسيولوجيا التربية بموضوع النوع الاجتماعي راجع إلى ارتباط هذا الموضوع بحقل التربية والتكوين، على غرار ارتباطه بباقي مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى. فكما ذهبت إلى ذلك الباحثة إيزابيل كلير، في مؤلَفها «سوسيولوجيا النوع»، «لا يقترن النوع فقط بمجال العاقة الحميمية بين الجنسين، فهو يحضر داخل المقاولات والأحزاب السياسية، وبطبيعة الحال داخل المدارس التي تهمنا في هذا المقام، وداخل كل ما يصنع الحياة الاجتماعية». فمن وجهة نظر إبستيمولوجية، لا يمكن للنوع الاجتماعي أن يمثّل ميدانًا معرفيًا مخصوصًا، كما لو

أن الأمر يتعلق بموضوع محدد إمبريقيًا. إنه منطق اجتماعي عرضاني Transversal يخترق المجتمع،

ويجب من ثمّ أن يخترق تفسيرات الاجتماعي. فمهما كان الموضوع الذي نسعى للبحث فيه، فالمؤكد

أن إشكالية النوع قابلة للتطبيق فيه، بصفتها إشكاليةَ بحث عرضانية؛ لأن كل الظواهر الاجتماعية منظمة جزئيًا بواسطة الواقع الاجتماعي للنوع. والواقع أن تزايد الاهتمام بموضوع النوع في حقل علوم التربية، وفي حقل سوسيولوجيا التربية تحديدًا، غير مفصول عن التوظيف المتنامي للمفهوم في حقول علمية أخرى، سواء تعلق الأمر بالسوسيولوجيا العامة أو الأنثروبولوجيا أو التاريخ أو علم النفس الاجتماعي. فكل هذه التوظيفات تنطلق من قناعة راسخة بأن النوع الاجتماعي، باعتباره يشير إلى «الاختافات بين الجنسين، المبنية اجتماعيًا وثقافيًا»، يمثل متغيرًا ضروريًا لفهم كل مجالات الحياة الاجتماعية. وقد

أثبت هذا المفهوم نجاعته الوصفية والنظرية، وكشف عن خصوبته المعرفية بالنسبة إلى مجموع العلوم

(29) Ibid., p. 15. (30) Isabelle Claire, Sociologie du Genre (Paris: Armand Colin, 2012), p. 9. (31) Ibid., p. 83. (32) Annette Jarlégan, «De l’intérêt de la prise en compte du genre en éducation,» Recherches & éducations (2 décembre 2009), accessed on 18/2/2017, at: https://bit.ly/2Mqklw2 (33) Ibid.

صيف   Summer 2018

الاجتماعية. فكما أشار إلى ذلك بودلو واستابليه بخصوص السوسيولوجيا مثلً، فأخذ بعد النوع في الاعتبار استلزم إعادة فحص جذري لكل مشكات السوسيولوجيا، سواء تعلق الأمر بمشكات أخرى مثل الانتحار أو حصيلة التمدرس التي تهمنا هنا. ويتيح البحث في النوع الاجتماعي، من حيث هو إشكالية عرضانية تتجاوز الحدود بين حقول التخصصات العلمية، فك العزلة عن التخصصات العلمية، وفسح المجال للتعاون بين الباحثين المنتمين إلى آفاق مختلفة، والمواجهة بين وجهات نظر ومناهج وتأويات مختلفة، بغاية بلورة تساؤلات جديدة. فمثلما أن النقاش حول المناصفة بين النساء والرجال في المجال السياسي أتاح طرح مسألة التمييز والتفاوت بين الجنسين في مجال الشغل وفي المجال العمومي، كذلك الشأن بالنسبة إلى النقاش حول الاختاط المدرسي؛ فقد عرف انطاقة جديدة مع كتاب ميشيل فيز، وأعطى راهنية لمسألة التفاوت بين الجنسين في المنظومة التعليمية، وفي خارجها، ومثّل بذلك وسيلة لتعلم المواطنة وتجسيدها. أثبت كل ذلك بالملموس أن إشكالية النوع من منظور سوسيولوجيا التربية لا تهم فقط الباحثين في حقل السوسيولوجيا وفي العلوم الاجتماعية عمومًا، بل تهم أيضًا السياسي والبيداغوجي والمهني الممارس في حقل التربية، حتى إن كانت وجهات نظر هؤلاء الفاعلين تختلف بطبيعتها وبرهاناتها. وتنبهنا الباحثة ديلفين غاردي Gardi Delphine إلى أن الاهتمام بمسألة النوع في مجال التربية لا يعني الاهتمام بالفتيات المتمدرسات فقط، كما لو أن الأمر يتعلق بجماعة موحدة ومنسجمة، وإنما يفترض مراعاة الاختافات المميزة لجماعة الفتيات، وكذا الاهتمام بجماعة الفتيان، بتطوير دراسات حول الأولاد من حيث هم أفراد متمايزون داخل الجنس ذاته، بل يقتضي الأمر تجاوز منطق الثنائية الجنسية، والوعي بالاختافات القائمة بين الجنسين في ترابطها بالاختافات الأخرى، خصوصًا تلك المتعلقة بالانتماء الاجتماعي والسن والانتماء المجالي، أو أيضًا التمايزات على مستوى الأداء المدرسي. وهكذا، ففي مجال سوسيولوجيا التربية، يمكن اعتماد منظور النوع في التربية أن يفضي إلى مقاربة أشمل للتنشئة المدرسية؛ وذلك بإدماج البناء الميكروسوسيولوجي، من خال تفاعات الفصل الدراسي، والاختافات في النجاح الدراسي بين الأولاد والبنات، أو السيرورات ذات الطبيعة الأيديولوجية التي تساهم في شرعنة هذه الاختافات، عن طريق الكتب المدرسية أو مضامين المقررات الدراسية. يمكن أن يقود ذلك أيضًا إلى تعميق تحليل بعض الآليات المهملة إلى حد الآن، مثل «التكلفة النفسية»، على مستوى الإدماج الاجتماعي في جماعة الأقران، والحراك الاجتماعي أو الاختيارات التعليمية

(34) Ibid. (35) Michel Fize, Les pièges de la mixité scolaire (Paris: Presses de la Renaissance, 2003). (36) Jarlégan.

(((3 ورد في: Jarlégan

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

غير النمطية، باعتبارها عناصر أساسية لفهم الصعوبات التي تواجهها الفتيات اللواتي يخترن التوجه نحو المسالك التي تعتبر عادة ذكورية، أو اللواتي يتفوقن دراسيًا، فيتولد لديهن شعور الخوف من أن

يجدن أنفسهن مبعدات من جانب زمائهن الذكور. فالولوج في المدرسة لا يعني بالنسبة إلى الفتيات استبطان قواعد معينة للسلوك والتعامل الاجتماعيين فحسب، بل أيضًا الانخراط في المواجهة من أجل فرض الذات، ومن أجل التفوق في مختلف مستويات الانتقاء. ويمكن أن يكشف ذلك أيضًا عن خلل في العاقة بالنماذج النظرية السائدة، مثل نظرية إعادة الإنتاج لبورديو – باسرون، لا سيما عندما نقف على حقيقة أن المدرسة ليست مسؤولة عن إعادة إنتاج عاقات الهيمنة السائدة في المجتمع فقط، وإنما تجعل الجنس المهيمن عليه في المجتمع، هو ذاته المهيمن نسبيًا في المدرسة. وبفضل اعتماد منظور النوع في التربية، أبرزت العديد من الأعمال أن المدرسة، مثل البيئة الاجتماعية، مخترقة بواسطة فصل للأدوار والكفايات قائم على الجنس، وأنها تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج للمعايير والأدوار بين الجنسين. انصبّ بعض هذه الأبحاث على ماحظة التمثات والممارسات

البسيطة واليومية الجارية في بنى الطفولة الصغرى، أو في المدرسة، أو في الأسر، من أجل فهم أفضل للسيرورات التي عبرها «يتم إعادة بناء الواقع من منظور النظام الثنائي والتراتبي لمقولة الجنس». وكما أكد فرانسوا ديبي وماري دورو بيا، يبدي الآباء انتظارات وسلوكات متمايزة تجاه أطفالهم، ذكورًا

أو إناثًا، فيصير هؤلاء فعلً وبسرعة مختلفين. وطوال مسارهم الدراسي، يتلقى التاميذ كمًا كبيرًا

من المعلومات حول السلوكات التي تعتبر متائمة مع جنسهم، سواء من الأساتذة أو من رفاقهم. وفي الحياة الاجتماعية، كل التفاعات موجهة بانتظارات، هي ذاتها مؤسسة على تمثات ومخططات عقلية تمثّل شبكات لقراءة سلوكات الآخرين، إنها ما نسميه أفكارًا نمطية.

النتائج العملية لاعتماد منظور النوع في التربية

إن المدرسة في نظر سوسيولوجيا التربية، وعلى عكس التصور الشائع، عالم بطيء التغير، وينزع باستمرار إلى المحافظة. ومع ذلك، فعالم المدرسة يؤثر تأثيرًا عميقًا في المجتمع. وبتعبير بودلو

واستابليه، فالتغيرات التي تنتج داخل هذا العالم، على ضآلتها، تفضي إلى تحولات عميقة في مجموع النسيج الاجتماعي. صحيح أن التقدم الحاصل في مجال تمدرس الفتيات يعزز نسبيًا موقعهن في المجتمع، ويسمح لهن

(38) Establet, p. 129. (39) Duru–Bellat, p. 15. (40) Jarlégan. (41) François Dubet & Marie Duru–Bellat, 10 propositions pour changer d’école (Paris: Seuil, 2015), p. 97. (42) Ibid., p. 89. (43) Baudelot & Establet, p. 15.

صيف   Summer 2018

بإعادة النظر في أدوارهن الأسرية، خصوصًا عبر ولوج سوق الشغل والمشاركة في الحياة الاقتصادية، خارج إطار دائرة الاقتصاد المنزلي، غير أنه لا يفضي آليًا إلى تغيير جذري لوضعيتهن. وعلى الرغم من

توافر الشهادات المتكافئة بين الجنسين، يستمر التفاوت في الأجر، والتمييز في الشغل، والصعوبات في الترقيات؛ فالاعتراف بالكفايات المهنية للنساء وبمساهماتهن في الفضاء العام لم يحررهن بعد من الأعباء المنزلية، إذ تظل الأدوار المنزلية متمايزة، بل متفاوتة بين الجنسين، وتتحمل النساء وحدهن في الغالب مسؤولية الأشغال المنزلية إلى جانب عملهن المهني أو من دونه. لا أحد يجادل في أهمية التقدم الذي سجلته الفتيات في المدرسة، بصفته واقعة اجتماعية أساسية كفيلة بالمساهمة في تغيير، ولو كان طفيفًا، واقع الحال بين الجنسين في مختلف مستويات الحياة المدرسية، ومن خالها، في جزء من نظامنا السوسيو–اقتصادي العاطفي. إلا أن ذلك لا ينفي الحاجة اليوم، بل الضرورة الملحة لأجل تحليل دعامات التحول والمقاومات، ولأجل تطوير الحجج الكفيلة بتعزيز انخراط الأساتذة والتاميذ والآباء، وكل المواطنين، في الجهود التي تروم وضع حد للتفاوتات بين الجنسين في مجال التربية. فمن دون انخراط كل الفاعلين التربويين وتعبئتهم، وعلى رأسهم الباحثون في حقل سوسيولوجيا التربية، لا يمكن أن ينجح أي إصاح. وإعمال «الخيال السوسيولوجي» في هذا الإطار مسألة ملحة، كما يؤكد ديبي ودورو بيا، أو بتعبير أدق، هناك حاجة إلى اجتهادات نظرية مبتكرة حول موضوع «التربية والنوع الاجتماعي»، تستند إلى أبحاث ميدانية سوسيولوجية، تنصبّ على كل مستويات المنظومة التعليمية. وفي هذا الإطار، ومن دون ادعاء فرض نموذج «حياة تربوية مثالية»، يقترح ديبي ودورو بيا على الدولة أولوية دعم التربية على الاختيار؛ وبتعبير آخر، «توعية» التاميذ والآباء، من دون استدماج رؤية استبدادية للنماذج أو تبديد تام لنموذج المذكر أو المؤنث. فيجب أن يكون للتاميذ الحق في الاختيار. والأكثر من ذلك، فحتى لو كانت المدرسة تربي، عن قناعة، على الاختيار والمساواة، فهي لا تحتضن في كل بيئة اجتماعية. والصور النمطية التي تخترق كل أوجه الحياة المدرسية تستند إلى تقسيم للعمل بين الرجال والنساء، مميز للحياة المهنية والأسرية. ومن ثمّ، سيكون من الوهم إذًا الاعتقاد أن المدرسة، في هذا المجال، يمكن أن تقوم بكل شيء؛ فالتفاوت بين الرجال والنساء غير قابل للذوبان

(44) Ibid., pp. 15–16.

والحال أنه من أجل إنصاف النساء في خضم هذا التحول الاجتماعي الجاري، بفضل التقدم الحاصل في مجال التعليم، يجب في نظر الباحثة دومنيك ميدا، إعادة النظر في مؤسساتنا الاجتماعية وطرق اشتغالنا، وإعادة النظر في تنظيم العمل، خصوصًا عبر نزع

طابع التخصص عن الأدوار déspécialiser les rôles الموكولة إلى الجنسين، ووضع التدابير المساعدة على ذلك، والإقرار مثل، بأنه إذا كان الرجل والمرأة يشتغان معًا خارج البيت، فإن مهماتهما بصفتهما والدين parentales ونشاطات الرعاية والمهمات المنزلية

عمومًا تكون من مسؤوليتهما معًا، للمزيد انظر:

Dominique Méda, Le temps des femmes, pour un nouveau partage des rôles (Paris: Ed Flammarion, 2001), p. 12. (45) Ibid., p. 16. (46) Dubet & Duru–Bellat, p. 18. (47) Baudelot & Establet, p. 16.

س من التفاوتالاجتماعي إلى التفاوت بين الجن: سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي

في التربية. لكن التربية كفيلة بجعل الشباب واعين بدواليب ذلك التفاوت والقيود القوية التي تحملها بالنسبة إليهم، في حياتهم اليوم وغدًا. هذا الوعي شرط أولي بالنسبة إليهم لكي يصيروا مسلحين من أجل القضاء عليها. ونشير في الأخير إلى أن مجمل ما قدمناه سابقًا من خاصات للأبحاث والدراسات المتخصصة في موضوع «التربية والنوع»، والتي تنطلق من الواقع الفرنسي، والغربي عمومًا، ليس عدة نظرية جاهزة وتامة لمعالجة

الموضوع ذاته في مجتمعاتنا، بل منطلق لاستئناس والمساءلة والمراجعة والإغناء، كفيل بالمساهمة في تعزيز الأسس النظرية لسوسيولوجيا التربية في عالمنا العربي، على نحو يأخذ في الاعتبار أشكال التفاوت المختلفة التي تخترق حقل التربية، خاصة التفاوت الاجتماعي، والتفاوت بين الجنسين.

المراجع

References

العربية

شهبار، خالد. «سجال سوسيوأنثروبولوجي حول مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية.» عمران. مج 6. العدد 23 (شتاء.)2018

الأجنبية

Barrière, Anne & Nicolas Sembel. Sociologie de l’éducation. Paris: Nathan, 2005. Baudelot, Christian & Roger Establet. Allez les Filles! Paris: Seuil, 1992. Beillerot, Jacky & Nicole Mosconi (eds.). Traité des sciences de l’éduction. Paris: Dunod, 2006. Cacouault, Marlaine & Françoise Oeuvrard. Sociologie de l’éducation. 2 nd ed. Paris: La découverte, 2001. Claire, Isabelle. Sociologie du Genre. Paris: Armand Colin, 2012. Dubet, François & Marie Duru–Bellat. 10 propositions pour changer d’école. Paris: Seuil, 2015. Duru–Bellat , Marie. L’école des filles: Quelle formation pour quels rôles sociaux? 2 nde ed. Paris: L’Harmattan, 2004. Fize, Michel. Les pièges de la mixité scolaire. Paris: Presses de la Renaissance, 2003. Gérard Mauger et al. (eds.). Jeunesse et sociétés. Paris: Armand Colin, 1994. Hirata, Helena et al. (eds.). Dictionnaire critique du féminisme. Paris: PUF, 2000. Jarlégan, Annette. «De l’intérêt de la prise en compte du genre en éducation.» Recherches & éducations (2 décembre 2009). at: https://bit.ly/2Mqklw2 Méda, Dominique. Le temps des femmes, pour un nouveau partage des rôles. Paris: Éd Flammarion, 2001.

(48) Dubet & Duru–Bellat, p. 109.