Return to Article Details Theoretical Concepts in Population Migration: a Comparative Analytical Study

مفاهيم نظرية في الهجرة السكانية: دراسة تحليلية مقارنة

Theoretical Concepts in Population Migration: a Comparative Analytical Study

هاشم نعمة فياض | Hashim Nimah Fayad *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في المفاهيم النظرية المتعلقة بالهجرة السكانية عمومًا، ومدى أهميتها في تطوير فهمنا لآليات الهجرة ومقرراتها وأنماطها واتجاهاتها وتأثيراتها؛ إذ تحلل نظريات الهجرة على المستوى الكلي وعلى المستوى الجزئي، وتبيّن تطورها عبر الزمن، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها، وخصوصًا نشأة النظام الرأسمالي وتطوره وعلاقته القوية بموجات الهجرة، وعلاقة ذلك بتطور ظاهرة التحضر (توسع المدن). وخلال هذا التحليل تعقد الدراسة مقارنات بين المفاهيم والنظريات، وتبيّن مواطن قوتها وضعفها، وتنظر إليها - ما أمكن ذلك - من ناحية انطباقها على الدول النامية، ومنها العربية. وتجري مناقشة لإبراز أوجه الشبه والاختلاف بين هذه المفاهيم والنظريات.

Abstract

Abstract: This study considers theoretical concepts pertaining to population migration broadly and the extent of its importance in our understanding of the mechanisms, types, directions and effects of migration. It analyses theories of migration on the micro and macro level and shows their development over time and the economic and social circumstances in which they emerged, in particular the emergence and development of the capitalist system and its strong relationship with waves of migration. It also assesses the relationship of this with the development of the phenomenon of urbanization. In the course of this analysis, the study makes comparisons between concepts and theories and shows their strong and weak points. So far as is possible, it considers their applicability to developing countries, including Arab countries. Its discussion highlights points of similarity and difference between these concepts and theories, and comes to some conclusions.

الكلمات المفتاحية:
  • الهجرة
  • التمدين
  • المستوى الكلي
  • المستوى الجزئي
  • الدول العربية
Keywords:
  • Migration
  • Urbanisation
  • Macro/Micro Level
  • Arab Countries

ملخص: تبحث هذه الدراسة في المفاهيم النظرية المتعلقة بالهجرة السكانية عمومًا، ومدى

أهميتها في تطوير فهمنا لآليات الهجرة وأنماطها واتجاهاتها وتأثيراتها؛ إذ تحلل نظريات الهجرة على المستوى الكلي وعلى المستوى الجزئي، وتبيّن تطورها عبر الزمن، والظروف

الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها، وخصوصًا نشأة النظام الرأسمالي وتطوره وعلاقته

القوية بموجات الهجرة، وع قااة ذلك بتطور ظاهرة التحضر (توسع المدن). وخ لاا هذا التحليل تعقد الدراسة مقارنات بين المفاهيم والنظريات، وتبيّن مواطن قوتها وضعفها، وتنظر

إليها – ما أمكن ذلك – من ناحية انطباقها على الدول النامية، ومنها العربية. وتجري مناقشة لإبراز أوجه الشبه والاختلاف بين هذه المفاهيم والنظريات.

Abstract: This study considers theoretical concepts pertaining to population migration broadly and the extent of its importance in our understanding of the mechanisms, types, directions and effects of migration. It analyses theories of migration on the micro and macro level and shows their development over time and the economic and social circumstances in which they emerged, in particular the emergence and development of the capitalist system and its strong relationship with waves of migration. It also assesses the relationship of this with the development of the phenomenon of urbanization. In the course of this analysis, the study makes comparisons between concepts and theories and shows their strong and weak points. So far as is possible, it considers their applicability to developing countries, including Arab countries. Its discussion highlights points of similarity and difference between these concepts and theories, and comes to some conclusions.

Specialist researcher in population geography.

مقدمة

باتت الهجرة السكانية وعلاقتها بالتنمية تحظى بالمزيد من الاهتمام والبحث العلمي على المستوى الأكاديمي ومستوى المنظمات المتخصصة. ويعدّ هذا حصيلة لاتساع هذه الظاهرة وزيادة تأثيراتها المتشابكة والمتبادلة التأثير في المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. ولكن يلاحظ أن هذا الموضوع لم يلقَ بعدُ الاهتمام البحثي الكافي في البلدان العربية، خصوصًا الجانب النظري منه،

فهناك شحٌّ في الأبحاث والدراسات النظرية. وباتت هذه الظاهرة على درجة من التعقيد حتى إنه يتعذر

التعمق في دراستها من دون الاهتمام بالجانب النظري، علمًا أن البلدان العربية أضحت منذ فترة طويلة

تشترك بقوة في الهجرة السكانية محليًا وإقليميًا ودوليًا. ومن بين أسباب هذا الشح النظري ضعف

مؤسسات البحث العلمي المتخصصة بدراسة الهجرة أو عدم وجودها أصلً، وقلة توثيق معطيات الهجرة، وقلة الشفافية في بحثها. ومن هنا تأتي أهمية البحث المعمق لتحليل المفاهيم النظرية المتعلقة بالهجرة السكانية وعلاقتها بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها. وهذا ما يحاول بحثنا التصدي له. على الرغم من أن الهجرة قديمة قدم وجود الإنسان، فإنَّ نظرياتها تُعدّ جديدة تمامًا. ففي الخمسينيات

من القرن العشرين، انتقلت نظريات الهجرة من النماذج الميكانيكية البحتة إلى نظريات أكثر تطورًا. وقد

استخدمت نماذج الهجرة في وقت مبكر (مثلً جورج زيبف، 1946 Zipf George) المفهوم المادي للجاذبية، وفسرت الهجرة باعتبارها انعكاسًا لحجم السكان في مناطق الأصل والاستقبال، وتوقعت

أن تكون العلاقة عكسية بين الهجرة والمسافة. ولأول مرة، تمثلت التوقعات النظرية لتيارات الهجرة بنماذج الاقتصاد المزدوج العائدة إلى وليام لويس William Lewis في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ووفقًا لهذه النماذج تحدث الهجرة نتيجة الاختلافات في العرض والطلب على القوى العاملة في القطاعين الريفي والحضري. في الواقع، إن معظم الملامح الرئيسة المميزة للهجرة مشتركة بين الحركات السكانية الداخلية والدولية. وهناك دلائل تشير إلى أن المسافة بدأت تضمحل على المستوى الداخلي والدولي؛ إذ يمكن أن تقطع الحركات السكانية الدولية مسافات قصيرة نسبيًا، ويمكن أن تقطع الحركات الداخلية مسافات أطول،

من دون أن تعبر الحدود الدولية. وهذا يعني أن الميزة الرئيسة للهجرة الدولية تتمثل بالبعد السياسي، وأن العلاقة بين المكانين، أي الأصل والاستقبال، تتأثر بقوة بالأيديولوجيا السياسية، مع ما يصاحبها من تدخل الدولة النشط في تنظيم الحركات السكانية. لقد أصبحت الحواجز السياسية عقبات إضافية بالنسبة إلى أي شخص يتحرك عبر الفضاء المتواصل، ومن ثم فإن المهاجر الدولي بات هو ذلك الشخص الذي يتوافر على إمكانية عبور الحدود الدولية.

(((ازداد عدد المهاجرين واللاجئين من البلدان العربية ازديادًا مط ردًا على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية. وقُدر أن زهاء

62 مليون شخص من البلدان العربية كانوا يعيشون خارج بلدانهم عام 015.2 وتستضيف المنطقة العربية 41 في المئة من أعداد المهاجرين الدوليين (من ضمنهم اللاجئون)، بمن فيهم الوافدون من داخل المنطقة ومن خارجها. وقد ازداد عددهم ليرتفع إلى ما

يقارب 35 مليونًا عام 015 2، انظر: الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2017: الهجرة في

المنطقة العربية وخطة التنمية المستدامة لعام 2030 (0182)، ص 15،.23

(2) J. Salt, «International Migration: A Spatial Theoretical Approach,» in: Michael Pacione (ed.), Population Geography: Progress & Prospect (London: Croom Helm, 1986), pp. 169–170.

في الوقت الذي تختلف حسابات الهجرة الدولية من الناحية النظرية، استمر البحث المتعلق بالهجرة الداخلية أو المناطقية متأثرًا تأثرًا بالغًا بالأطر أو البنى التقليدية. ويلاحظ أن استمرارية الهجرة

الريفية – الحضرية في القسم الجنوبي من العالم، ونمو تيارات الهجرات الحضرية – الريفية وشبه الريفية في كثير من المجتمعات ما بعد الصناعية – قد اقترنت باستخدام النظريات الاقتصادية وذات النزعة الوضعية. وقد أدى عمل ولبر زيلينسكي Wilbur Zelinsky الكلاسيكي فرضيات تحول الحركية دورًا مهمًا في تنظيم معالجة الهجرة الداخلية على نحو جيد، خصوصًا تلك الجهود المتعلقة بربط

الأنماط المتغيرة لصافي الهجرة بأوجه التحديث المختلفة. إلى حد كبير، تجعل الميزة الريفية لمعظم بلدان العالم الثالث للهجرة نمطين بارزين هما: الهجرة الريفية – الريفية والهجرة الريفية – الحضرية؛ حيث يشارك عدد كبير من السكان في الهجرة الريفية – الريفية في كثير من بلدان العالم الثالث. فهم في المعتاد يتحركون نحو الأراضي الأكثر خصوبة أو الأكثر وفرة. وتُسرّع الكوارث الطبيعية، مثل الجفاف في منطقة الساحل في أفريقيا، مثل هذه الحركات، وتعمل

السنوات الجافة في بلدان المشرق العربي والمغرب العربي، كذلك، على زيادة وتيرة تيارات الهجرة الريفية نحو المدن، وهي تساهم في خلق تداعيات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية في المدن. لقد حفزت الهجرة الريفية – الحضرية في العالم الثالث الاهتمام البحثي؛ لأنها شكلت، في النصف الثاني من القرن العشرين، المرحلة الأخيرة للثورة البشرية الكبيرة؛ إذ عملت على إكمال التحول الحضري. علمًا أن بداية تأسيس المستوطنات الحضرية كانت منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، لكن في بداية القرن

العشرين، كان هناك شخص واحد فقط من كل ثمانية أشخاص يعيش في المناطق الحضرية.

1. أهمية البحث

تعاني العلوم الاجتماعية، عمومًا، في الوقت الراهن، قلةَ الاهتمام بالجانب النظري، وهذا ينطبق بدرجة أكبر على العالم العربي؛ حيث إن هناك شحًّا في الأبحاث والدراسات النظرية المتعلقة بالهجرة

السكانية، والتي تُعدّ حقلً عابرًا للتخصصات. وبات هذا الحقل على درجة من التعقيد بحيث يتعذر

التعمق في دراسته من دون الاهتمام بهذا الجانب النظري، والذي يسهم في حال توافره في فهمٍ وتفسيرٍ لآليات عمل الهجرة وأنماطها ومقرراتها وتأثيراتها، ومن ثم رسم السياسات الملائمة تجاهها.

2. إشكالية البحث

تتمثل إشكالية البحث الرئيسة بالإجابة عن السؤال المركزي: ما أهم المفاهيم النظرية التي عالجت الهجرة السكانية على المستوى الكلي والمستوى الجزئي؟ وما الظروف التي حكمت ظهورها وتطورها؟ وما مدى الاتفاق والافتراق بينها؟ وما مدى إمكانية الاستفادة منها في فهمٍ وتفسيرٍ لآليات عمل الهجرة وأنماطها ومقرراتها وتأثيراتها؟

(3) Adrian Bailey, Making Population Geography (London: Hodder Arnold, 2005), p. 128. (4) J. Gugler «Internal Migration in the Third World,» in: Pacione (ed.), p. 194.

3. منهجية البحث

اتبعنا في البحث المنهج التحليلي للاستفادة منه في الاستنباط والاستنتاج، وإيضاح المفاهيم النظرية المتعلقة بالهجرة، والآراء والمعطيات التي تناولها البحث، وطبقنا أيضًا المنهج المقارن للتعمق في فحص درجة التشابه أو الاختلاف واستجلائها، واستبيان تطور نظريات الهجرة والعوامل المؤثرة في هذا التطور في كل من الدول المتقدمة والنامية ومنها الدول العربية. وكذلك استخدمنا المنهج النقدي لمعرفة مدى واقعية تطبيق نظريات الهجرة التي تناولها البحث على مستوى العالم والبلدان النامية، بغية الوصول إلى نتائج ذات قيمة علمية يمكن الركون إليها في الدراسات والأبحاث الأكاديمية.

4. الدراسات السابقة

على مستوى ما كتب باللغة العربية حول الموضوع، لم نعثر على بحث أو دراسة تم تكريسها لبحث الجانب النظري للهجرة السكانية عدا الأطر النظرية الموجزة التي ترد في مقدمات أبحاث الهجرة (ليس جميعها بطبيعة الحال)، أو ترد عمومًا في الدراسات السكانية. أما في اللغات الأخرى، وخصوصًا الإنكليزية، فهناك الكثير من هذه الأبحاث والدراسات ذات المنهج الأكاديمي؛ لذلك ارتأينا أن يكون بحثنا متميزًا بطرح هذا الجانب ومعالجته باللغة العربية بهذه البنية والمنهجية.

أولا: تصنيف نظريات الهجرة

يمكن تصنيف نظريات الهجرة وفقًا للمستوى الذي تركز عليه. فنرى نظريات المستوى الجزئي Micro–level تركز على قرارات الهجرة ذات الطابع الفردي أو الشخصي، بينما تفحص نظريات المستوى الكلي Macro–level اتجاهات الهجرة الإجمالية، وتفسر هذه الاتجاهات استنادًا إلى الأسباب المتعلقة بالمستوى الكلي (الجدول.)1 الجدول (1) نظريات الهجرة بحسب مستوى التحليل المستوى الجزئي سبب الهجرة: قيم فردية، رغبات، توقعات، مثلً، تحسين مستوى الحياة، الثروة... إلخ.

(5) Jessica Hagen–Zanker, «Why do people migrate? A review of the theoretical literature,» Working Paper , Maastricht

المستوى الكلي سبب الهجرة/ استمراريتها: بنية المستوى الكلي، مثل البنية الاقتصادية (التفاوت في الدخل وفرص العمل)

يتبع

University, Maastricht Graduate School of Governance (January 2008), pp. 4–5.

تابع

النظريات الرئيسة: – عوامل الطرد والجذب العائدة إلى إفيريت لي – نظرية الهجرة الكلاسيكية الجديدة على المستوى الجزئي – النماذج السلوكية – نظرية النظم الاجتماعية

المصدر:

عادة المنهج الذي يعالج كل العوامل المؤثرة في الهجرة.

نظرية عديدة تغطي تنوع أنماط الهجرة عامة.

1. نظريات الهجرة على المستوى الكلي

أ. الماركسية والهجرة السكانية

كان هذا ممكنًا عن طريق نزوح العمالة (هجرة العمالة).

النظريات الرئيسة: – نظرية الهجرة الكلاسيكية الجديدة على المستوى الكلي – الهجرة بوصفها نظامًا

– نظرية سوق العمل المزدوج – نظرية النظم العالمية – تحول الحركية

Jessica Hagen–Zanker, «Why do people migrate? A review of the theoretical literature,» Working Paper , Maastricht University, Maastricht Graduate School of Governance (January 2008), p. 5.

من الممكن اكتشاف المسائل النظرية أو المفاهيمية على المستوى الكلي أو الجزئي، علمًا أنه قد أشير

من قبل إلى أن العوامل المتعلقة بالمستوى الأول يمكن اعتبارها المقرر الكلي ل «الضغوط» التي تدفع إلى الهجرة، في حين تقرر العوامل المتعلقة بالمستوى الثاني الشخص الذي يهاجر فعلً أو لا يهاجر. في الواقع، تمثّل هذه النظرة إفراطًا في التبسيط، لكنها طريقة مفيدة للبدء؛ أي لتبيان أهمية العوامل في كلا المستويين. ففي كثير من الأحيان، لا يتم الاعتراف بها في دراسات الهجرة، التي تنزع إلى التركيز على هذا العامل أو ذاك، مهملة أهمية العوامل على المستوى الآخر. ومثل هذه الدراسات لا تتبع

والجدير بالملاحظة أن نظريات الهجرة تهتم أوليًا بقرارات الهجرة؛ إذ يكرس القليل من الاهتمام

البحثي بشأن نتائج الهجرة، تلك المتعلقة بالنواحي الديموغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية... إلخ، إضافة إلى تعلقها بالسؤالين: ما المعايير التي تستخدم في قياسها؟ ولمَن تفحص

نتائجها؟ علمًا أنّ ديموغرافيين وسوسيولوجيين وعلماء آخرين حددوا في الدراسات الاجتماعية مبادئ

على الرغم من أن كارل ماركس لم ينشر أي نظرية خاصة بالهجرة، فإن أعماله تتضمن مفاهيم مفصلة حول نزوح العمل نحو المدن؛ إذ ذكر أن وجود القوى العاملة الكبيرة في المناطق الحضرية كان له دور حاسم في تطور التراكم الرأسمالي والأسلوب الرأسمالي للإنتاج. فتراكم رأس المال يقتضي، ضمنيًا، وجود فائض القيمة، ويستلزم فائض القيمة الإنتاج الرأسمالي، ويستلزم هذا الإنتاج وجودًا

مسبقًا لكميات كبيرة من رأس المال وقوى عاملة تكون في متناول يد منتجي السلع. ووفقًا لماركس،

(6) Richard E. Bilsborrow (ed.), Migration, Urbanization, and Development: New Directions and Issues (New York: UNFPA, 1998), pp. 14–15.

وقد ساهم فصل الفلاحين والمستأجرين عن الشروط الموضوعية للعمل، مثل الأرض والوسائل الأخرى للمعيشة، بدرجة كبيرة، في التطور الرأسمالي. ولم يسمح هذا فقط للزراعة الرأسمالية ذات الحجم الكبير وإنتاج المواشي بالتطور، لكنه دفع الفلاحين أيضًا إلى ترك أراضيهم، فارضًا عليهم التوجه نحو المدن، وهذه العملية تولّد هجرة العمالة. وقد سهل نمو المدن الصناعية هذه العملية، التي وفرت وسائل هروب هؤلاء الفلاحين المحررين من العلاقات الإقطاعية، والذين صادر الفلاحون الكبار أراضيهم. ومن السخرية أن جعلت مثل هذه الحرية الاجتماعية العمل يعتمد على رأس المال الذي أجبر العمل على التوجه إلى مواقع ثانوية في علاقاته الإنتاجية، مع تركز رأس المال في المناطق الحضرية المتوسعة. أشار ماركس، أيضًا، إلى أن الهجرة عملت على استقرار معدل الأجور في المدن أو خَفْضه، وسمح توليد الفائض الاجتماعي (فائض القيمة) بتراكم رأس المال. وأضاف أنه جنبًا إلى جنب مع مصادرة ممتلكات الفلاحين المعتمدين على أنفسهم استمر تحطيم الصناعة المحلية الريفية، واستمرت عملية التفاوت الاجتماعي والجغرافي بين الصناعة في المدن والزراعة في الريف. وهي عملية كانت أساسية لتغذية هجرة العمالة. وقد أعطى تحطيم الصناعة الريفية السوق الداخلية للبلد توسعًا وتناسقًا يتطلبهما أسلوب الإنتاج الرأسمالي. باختصار، فحص ماركس الهجرة من ناحية أدوارها الإنتاجية، حيث كان مشاركة في الإنتاج؛ إذ كان نصيبهم يتقرر من جانب الطلب الرأسمالي على العمل. لقد ظهرت الهجرة استجابةً منهجية مشروطة للبنية الاجتماعية – الاقتصادية والتحولات الناتجة من تقدم عملية الإنتاج المادي الذي تميزت به الزراعة الرأسمالية بحجمها الكبير في المناطق الريفية، وزيادة تركز التصنيع (رأس المال الصناعي) في المناطق الحضرية. لذلك، فإن زيادة التقسيم المكاني للزراعة والصناعة (أو الريف والحضر)، مع ما صاحبها من تغيرات اقتصادية، حفزت على توجه تيارات الهجرة نحو المراكز الحضرية، أو أجبرتها على ذلك. وعلى الرغم من قلة تعرض ماركس للهجرة، كما أشرنا، فإن مفاهيمه هي في الواقع وثيقة الصلة بالموضوع، إذا تمّت إعادة صياغتها على نحو ملائم؛ حيث تقدم إطارًا نظريًا سليمًا لتحليل الهجرة المعاصرة. والجدير بالذكر أنه قد تم تطوير الإطار الهيكلي لهذه المفاهيم لتحلل الهجرة المعاصرة في البلدان الأقل نموًا. وفي ما يتعلق بالجانب الأخير، أشار ماركس في القرن التاسع عشر إلى أن البرجوازية (الطبقة الصناعية)، في بحثها عن الأرباح واستخلاص الفائض من البروليتاريا (الطبقة العاملة)، ستوسع آفاقها الجغرافية جاذبة بلدان الهامش نحو نظامها باعتبارها مزودًا لليد العاملة

(7) Nanda R. Shrestha, «A structural perspective on labour migration in underdeveloped countries,» in: Vaughan Robinson (ed.), Geography and Migration (Cheltenham and Brookfield: Elgar, 1996), p. 464. (8) Ibid., p. 465.

الرخيصة والمواد الخام. وهذا ما حصل فعلً على نطاق واسع، عن طريق استعمار البلدان الأوروبية للكثير من البلدان، خصوصًا النامية منها. من هنا يلاحظ أن النظام الاقتصادي العالمي، الذي يشكل الاقتصاد الوطني جزءًا مكونًا له، يتيح

تناول حركية العمل الدولية موضوعَ بحث واستقصاء. فهذه المقاربة تنطلق من فرضية قوامها أنه لا يمكن إدراك الهجرة الدولية من دون ربطها بمنظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ فهي من إنتاج هذه المنظومة والتحولات التي حدثت في بنية هذا الاقتصاد وقسمة العمل الدولية. تهيئ الهجرة بين البلدان المستعمِرة والمستعمرات، وبين مستعمرَة وأخرى، الشروط لانطلاق هجرات

جديدة؛ فالهجرة الآتية من البلدان الأولى، مثلً، ستهيئ «التربة الخصبة» لنمو هجرة معاكسة من المستعمرات نحو المتروبولات الأوروبية. وقد أطلق إقدام النظام الرأسمالي على تحطيم حدوده الوطنية، عن طريق الاستعمار، صيرورةَ إزالة الطابع الوطني عن قوة العمل، وبذلك تكون قد أرسيت أسس انبثاق مجال لسوق العمل، ستكون له آثار حاسمة على المدى البعيد. وهذا ما نلاحظ تجلياته حتى الوقت الحاضر في حالة البلدان العربية التي ارتبط اقتصادها بقوة باقتصاد بريطانيا وفرنسا، ولا سيما في فترة الحكم الاستعماري. لا يمكن دراسة الهجرة الدولية، من دون تحليل تطور تقسيم العمل الدولي المرتبط بنشأة النظام الرأسمالي وتطوره، لا في الدول الرأسمالية المتطورة فحسب، بل أيضًا في البلدان التي زُرعت فيها الرأسمالية بطريقة مبتورة ومشوهةحتى صارت دولً «متخلفة». ومن المعلوم أن أحد الشروط الأساسية اللازمة لبدء عملية الإنتاج الرأسمالية هو وجود قوة عمل محررة من أي علاقة إنتاج سابقة للرأسمالية يمكن أن تغني عن الاضطرار إلى بيع قوة العمل. وحصل ذلك بالتدريج من خلال نزع ملكية الفلاحين وتحطيم الصناعة التقليدية، واتخذت تلك الصيرورة التاريخية في الدول المتخلفة وسائل عدة، من بينها، مثلً، الاستعمار العسكري المباشر أو آلية التبادل اللامتكافئ، وهذا ما ينطبق إلى حدٍ كبير على البلدان النامية، ومنها العربية.

(((ورويك موراي، جغرافيات العولمة: قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية، ترجمة سعيد منتاق، سلسلة عالم المعرفة 397 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 0132)، ص.42 1(((انظر: صالح ياسر حسن، العلاقات الاقتصادية الدولية: الأبستمولوجيا، الأنطولوجيا، الأكسيولوجيا (بغداد: دار الرواد للطباعة والنشر، 0062)، ص.380–379 (((1 لم تظهر في الدول النامية عناصر المجتمع الحديث إلى حيز الوجود، بوصفها قاعدة عامة، من التطور الذاتي الداخلي للمجتمع من خلال الانفصال التدريجي عن المجتمع القديم، بل إنها ظهرت مثل الأشكال الرأسمالية الجديدة للاقتصاد، فرضت من الخارج، من دون أن تكون لها أي علاقة عضوية سابقة، نشأت في مفاصل بنية المجتمع القديم بعيدًا عن تدخل البيئة الخارجية.

إن اختراق الرأسمالية الأجنبية، الذي أخذ طريقه عمومًا من خ لاا أوضاع العدوان الاستعماري، عرقل التطور الطبيعي وتحوّل

المجتمعات الأصلية، جاعلً من المتعذر – على نحو قطعي – أن تأخذ هذه العملية مجراها وتتطور بوتيرة تقررها القوانين الداخلية وتطورها، انظر:

Jozsef Nyilas (ed.), Theory and Practice of Development in The Third World , Istvan Veges (trans.), (Leyden and Budapest: A.W. Sijthoff/ Akademiai Kiado, 1977), pp. 125–126.

(((1 حسن، ص.381–380

ب. نظريات أخرى

يستند الإطار النظري للمقاربة التقليدية المتعلقة بالهجرة إلى فرضية تقول إن «عوامل» الإنتاج (العمل، ورأس المال، والموارد الطبيعية والأرض) تتوزع جغرافيًا بداهة، بصفة متفاوتة – وتشكل هذه الفرضية أيضًا قاعدة النظرية الاقتصادية الحدّية التقليدية – وإن التوزيع الجغرافي المتفاوت ل «عوامل» الإنتاج المتوافرة يقرر أيضًا التعويض غير المتساوي، العائد إلى كل من هذه العوامل. وفي مناطق معينة يكون العمل نسبيًا أكثر وفرة ورأس المال يكون أشدّ ندرة، وفي مناطق أخرى يكون العكس؛ لذلك يتحرك العمل في الاتجاه الذي يحصل فيه على أعلى الأجور. من الواضح جدًا أن رحيل العمل ليس الحل النظري الوحيد الممكن لإعادة بناء «التوازن» بين «عوامل» الإنتاج المختلفة؛ ذلك أن رأس المال يكون أقدر على الحركة من العمل. صحيح أن «وظيفة الإنتاج» في النظرية التقليدية تتوفّر على ثلاثة عوامل (رأس المال، والعمل، والطبيعة)، ولا يمكن تمامًا حل مسألة التوزيع الجغرافي المتفاوت لعاملين (العمل، ورأس المال) من دون أن نأخذ في الحسبان العامل الثالث. تشير النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، إلى أن العمالة المنخفضة الدخل في الأسواق تستجيب للتباين في الدخل من خلال الهجرة إلى البلدان مرتفعة الدخل. وفي النهاية، سوف تقلل زيادة عرض العمالة في الدول الغنية اقتصاديًا من معدل الدخل الحقيقي هناك، في حين سيرتفع الدخل الحقيقي في دول الأصل، نتيجة ندرة العمالة الماهرة والتحويلات التي يرسلها المُهاجرون من الدول المُضيفة إلى دول الأصل. من الناحية المثالية، سوف تعمل الهجرة الدولية على تقليص التفاوت في الدخل بين البلدان الغنية والنامية. غير أن الواقع ولَّد شكوكًا حول مساهمة الهجرة في مساواة الدخول على مستوى العالم. وبحسب لاري سجاستاد Sjaastad Larry (9621)، فإن هذه المشكلة موجودة لأن الفرق بين إجمالي الهجرة الداخلة والخارجة لم يكن كبيرًا كما كان يُنظر إليه عمومًا. والنتيجة أن صافي الهجرة لم يكن

كبيرًا على نحو كافٍ للتأثير في اختفاء التفاوت في الدخل بين الدول الفقيرة والغنية. في الواقع، إن هذا الطرح تبسيط للأسباب العميقة التي تقف وراء هذا التفاوت الذي يرتبط بمدى تطور البنية الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية في بلدان الأصل والاستقبال. افترضت النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة كذلك، فترةً طويلة، أن تيارات الهجرة تتجه من المناطق ذات الأجور المنخفضة إلى المناطق ذات الأجور المرتفعة إلى أن تصل الأجور إلى درجة التوازن، عندها يفترض أن يصبح التباين في الأجور ضيقًا ليساوي تكاليف الهجرة. ذلك أن هذه النظرية تشير إلى أن الأشخاص يتحركون لمضاعفة مكاسبهم. فالأشخاص يقيّمون المبالغ التي يتوقعون تحصيلها عن طريق العمل محليًا، مقارنة بتلك التي يتوقعون الحصول عليها في مختلف

(13) Samir Amin (ed.), Modern Migration in Western Africa (Oxford: Oxford University Press, 1974), p. 85. (14) Eugene K. Campbell, «Brain Drain Potential in Botswana,» International Migration , vol. 45, no. 5, (2007), p. 118. (15) Bilsborrow, pp. 15–16.

مناطق التوجه، الداخلية والدولية. لقد كان نموذج هذه النظرية، المسمى نموذج الضبط أو التنظيم الكلي، عرضة لعدد من الانتقادات؛ منها في المقام الأول الافتراض المذكور القائل إن الهجرة تتحرك في هذا الاتجاه. وهذا يفترض، بالطبع، عدم وجود عوائق أمام الهجرة، علمًا أن حركية الأشخاص المثالية تكون نادرة. وبكل بساطة، تبقى المسافة عائقًا أمام الهجرة، فارضة تكاليف مادية، إضافة إلى التكاليف النفسية المحتملة المرتبطة بها؛ ومن بينها، على سبيل المثال، الانفصال أو الفراق العائلي. ويمكن أن تُعرقَل الهجرة من جانب الأوضاع السائدة في الأسواق؛ مثل الاهتمام بالعمال ومتطلبات الاعتماد، وبرامج الرفاه الاجتماعي، التي تشمل ضمان البطالة (أو في الحد الأدنى، تعمل على تأخير الحاجة إلى الهجرة). في الوقت نفسه، تعرقل الحركة الحرة للأشخاص؛ نتيجة المعلومات غير الكاملة المتوافرة لدى قسم من المُهاجرين المُحتملين (عدم معرفة جميع البدائل المُمكنة)، وكذلك حالة «اللزوجة» في سوق العمل والأجور؛ أي تلك المتعلقة بمطالب الاتحادات العمالية، ومنها تحديد الحد الأدنى لأجور العاملين. ثانيًا، تعمل الأجور، من دون شك، على تحفيز الهجرة بدرجة مهمة، وفي الوقت نفسه ليس من

الواضح إمكانية تحرك معدلات الأجور على المستوى الإقليمي في اتجاه التوازن من خلال الهجرة. فوجود التفاوت في الدخل على المستوى الإقليمي، في البلدان ذات الحركية الكبيرة بشأن السكان (مثل الولايات المتحدة الأميركية) يشير إلى أن نتائج الهجرة ربما لا تتوفر على تأثيرات في اتجاه العمل على جعل معدلات الأجور متوازنة على المستوى الإقليمي، كما ينص على ذلك نموذج الضبط الكلي. ثمّ إنه من المرجح أن تعمل التأثيرات الأخرى لأوضاع الأسواق (مثل دور الاتحادات العمالية أو قوانين الحد الأدنى للأجور) على بقاء الأجور مستقرة. وقد تحدت دراسات عديدة الفرضية القائلة إن الهجرة تكون عملية متوازنة، ووجدت أن الهجرة بدلً من ذلك تقود إلى زيادة الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي، عاكسةً عملية السببية التراكمية على نحو أكثر. وهذا واضح من استمرار التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، بل تعمقه بين الدول النامية المرسلة للمهاجرين والدول المتقدمة المستقبلة لهم. ثالثًا، يشير وجود متغيرات أخرى وعوامل شخصية، وقد لوحظ أنها تتوفر على تأثيرات مهمة في قرار الهجرة، إلى أن نموذج الضبط الكلي يكون بسيطًا جدًا في اعتماده على الأجور؛ إذ يفتقد هذا النموذج مُتغيرًا مهمًا هو البطالة، وقد تأكدت المشكلة من خلال تجارب فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن

العشرين. فخلال هذه الفترة، كان صافي الهجرة موجبًا إلى المناطق الريفية، على الرغم من حقيقة

أن معدلات الأجور بقيت في المناطق الحضرية عالية بدرجة مهمة، مقارنة بالمناطق الريفية؛ لذلك لا يمكن أن تُفسَّر هذه الظاهرة بمقاربة تفاوت الأجور. في الواقع، كان سبب الحركات السكانية يعود،

(16) Douglas S. Massey, «A Missing Element in Migration Theories,» Migration Letters , vol. 12, no. 3 (September 2015), p. 282. (17) Bruce K. Newbold, Population Geography: Tools and Issues , 2 nd ed. (Maryland: Rowman & Littlefield, 2014), p. 133. (18) Ibid., p. 134.

خلال هذه الفترة، إلى البطالة الحادة في المناطق الحضرية؛ ما يشير إلى تأثير البطالة في قرارات الهجرة. وعندما نطبق ذلك على الهجرة الحالية، فإن البطالة العالية في إقليم معين ستولّد معدلات عالية من الهجرة الخارجة، في حين ستكون علاقة الهجرة الداخلة بمعدلات البطالة سلبية في مناطق استقبال المهاجرين. تصبح تكاليف الهجرة يسيرة، إلى حدٍ ما، مع وجود مهاجرين مقيمين من بلد الأصل في البلد المُضيف؛ لذا سوف تقل تكاليف الهجرة مع ازدياد عدد المهاجرين الذين سبق أن استقروا هناك. وهكذا، يتحدد معدل الهجرة من خلال اتساع الفجوة في الدخل بين بلدان الأصل والاستقبال، ومستوى الدخل في البلدان الأولى، وكذلك عدد المهاجرين المقيمين. هذه العلاقة ليست تراكمية بل تتضاعف؛ ففجوة واسعة في الدخل مع قليل من المهاجرين، أو فجوة ضئيلة في الدخل مع عدد كبير من المهاجرين، كلتاهما لن تولّد سوى تدفق ضئيل في الهجرة. إذًا، يعتمد تدفق الهجرة على وجود فجوة واسعة في الدخل تتفاعل مع عدد كبير من المهاجرين ومستوى كاف من الدخل في البلدان الأصلية للمهاجرين يعمل على تمويل تكاليف سفرهم. يفترض النموذج الأساسي الذي انبثق من نظرية التجارة أن الأسواق المثالية وفائض العمالة في القطاع الزراعي التقليدي يمتصهما القطاع الحديث، وأن هذا القطاع ينمو من خلال تراكم رأس المال وامتصاص العمالة من القطاع التقليدي. وينجذب العمال الزراعيون نتيجةً للتباين الإيجابي في الأجور، ويهاجرون إلى القطاع الحضري (المدن)؛ أي يُسحَبون إلى الهجرة. في هذا النموذج، تحدث

الهجرة حتى في حالة حدوث تساوٍ في مستوى الأجور. وقد أضاف مايكل تودارو Todaro Michael وجون هاريس Harris John إلى هذا النموذج حساب البطالة الحضرية المهمة الموجودة في كثير من البلدان الأقل نموًا. وإن الهجرة لا تكون من دون مخاطر؛ لأن المهاجرين لا يحصلون بالضرورة على عمل عند وصولهم المدينة. وتحدث الهجرة الريفية – الحضرية ما دام يتوقّع أن يكون التباين في الدخل الحقيقي إيجابيًا. ويفترض هذا النموذج أن التوازن في الأجور

سيأخذ طريقه، لكننا لا نجد هذا التوازن في العالم الحقيقي، كما أشرنا إلى ذلك آنفًا. فسّرت نظرية سوق العمل المزدوج حدوث الهجرة نتيجةً لعامل الجذب المؤقت؛ أي الطلب القوي على العمالة في الدول المتقدمة. ووفقًا لهذه النظرية، توجد ثنائية اقتصادية في سوق العمالة في الدول المتقدمة. فهناك القطاع الأولي الذي يوفر وظائف جيدة الأجر، ويتمتع المشتغلون في مجال التعليم العالي بأجور عالية، ومن ثم تعكس الأجور المكانة والهيبة أيضًا. وهناك القطاع الثانوي الذي يوفر وظائف لا تتطلب مهارات، ويتميز بالأجور المنخفضة، وظروف عمل غير ثابتة، وتقدم مهني محدود.

(19) Ibid.

2(((بول كوليير، الهجرة: كيف تؤثر في عالمنا؟، ترجمة مصطفى ناصر، سلسلة عالم المعرفة 439 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 0162)، ص.47

(21) Hagen–Zanker, pp. 6–7.

وكثيرًا ما تُملأ مواقع عمل القطاع الثانوي بالشباب أو بعمالة الأقليات العرقية والإثنية. وبسبب التضخم

البنيوي، هناك ارتفاعات متواصلة في الأجور في القطاع الأولي. في حين يكون الارتفاع النسبي في الأجور في القطاع الثانوي مكلفًا جدًا؛ لذلك فإن انخفاض الأجور يجعل هذا القطاع غير جاذب للعمالة الوطنية. وإن تذبذب التوظيف في القطاع الثانوي، استنادًا إلى الدورة الاقتصادية، يجعل أعماله غير مستقرة وغير مؤكدة، ومن ثم غير جاذبة مرة ثانية للعمالة الوطنية. ولا تكون مصادر العمالة التقليدية في القطاع الثانوي المتمثلة بالنساء والمراهقين متوافرة بعد الآن نتيجة التغيرات الديموغرافية. فالنساء منخرطات في القوى العاملة المنتظمة، وهناك أعداد أقل من المراهقين. ومع انخفاض معدلات الخصوبة السكانية، إضافة إلى التشريعات التي وفرت مساواة أكبر في مواقع العمل بالنسبة إلى جميع المجموعات السكانية، يتمّ مَلْءُ نقص العمالة من مهاجري العالم الثالث؛ لذلك يكون هناك

طلب قوي على العمالة المهاجرة المؤقتة يعمل على جذب الهجرة. ويُعدّ هذا النموذج مهمًا؛ لأنه يفسر بعض اتجاهات الهجرة ما بعد الحرب في أوروبا والولايات المتحدة، لكن تركيزه يكون ضيقًا جدًا؛ إذ يتعامل مع عامل جذب الهجرة فقط، ولا يتعمق في تحليل عملية اتخاذ قرارات الهجرة، وهي عملية معقدة تتداخل فيها كثير من المحددات ذات الطابع الكلي والجزئي، كما سنرى فيما بعد. من الملاحظ أن معظم نظريات الهجرة ذات المستوى الكلي تعالج العلاقة بين الحركية السكانية من جانب، والتنمية الإقليمية وإعادة توزيع السكان من جانب آخر؛ إذ يشير أحد السيناريوهات، على سبيل المثال، إلى أن نمو الاقتصاد وفرص العمل يحفزان هجرة العمالة الداخلة، وهو أمر يزيد من الاستثمارات والنمو الاقتصادي. وقد تم تحليل مثل هذه العلاقة من خلال مناهج تحدد العلاقة السببية الثنائية الاتجاه. وقد أكدت الدراسات في البلدان المتقدمة والنامية الدور الذي تؤديه الهجرة في إعادة توزيع السكان، وفي التنمية الإقليمية. فمثلً، حدد البحث أن التحولات التي شهدتها الوظائف والسكان في نطاقي الثلوج والشمس تُعدّ عمليات رئيسة سرعت من التنمية الاقتصادية في جنوب الولايات المتحدة وغربها منذ ستينيات القرن الماضي. وفي اليابان، فإنّ لزيادة تركز السكان وتجدده في منطقة طوكيو دورًا رئيسًا في تشكيل المجال الاقتصادي للعاصمة. وبما أن الزيادة الطبيعية للسكان (الفرق بين الولادات والوفيات) تكون منخفضة في الاقتصادات الصناعية المتقدمة، فإن الهجرة على وجه الخصوص تُعدّ عاملً مفسرًا مهمًا للتباين الإقليمي في النمو السكاني. لكن حتى في البلدان النامية التي تكون فيها

معدلات الزيادة الطبيعية للسكان مرتفعة نسبيًا، تساهم الهجرة الداخلية في التوزيع المتفاوت للسكان

والتنمية الإقليمية. ويكون النمو المستمر للأقاليم المركزية، مثلً في مصر، والأكوادور، والفلبين، هو حصيلة صافي الهجرة من أقاليمها الهامشية.

(((2 انخفض معدل الخصوبة الكلي في البلدان الأكثر تطورًا من 2.8 طفلً في الفترة 955–19501 إلى 1.7 طفل في الفترة –2010

0152، أما في البلدان الأقل تطورًا فقد انخفض المعدل من 6.1 أطفال إلى 2.6 طفلً في الفترة ذاتها، وفقًا للمُتغير المتوسط، انظر:

UN, World Population Prospects: The 2015 Revision , vol. 1 (New York: 2015), p. 124. (23) Hagen–Zanker, p. 7; Newbold, p. 152.

والجدير بالملاحظة أن معظم دراسات الهجرة تتعامل مع سياقات الهجرة «الشخصية الحرة» بوصفها معيارًا، مع أن التحكم في الحركية السكانية بالنسبة إلى الاقتصادات الاشتراكية والمتحولة يحدّ من حجم الهجرة وتأثيرها. فقد كانت الهجرة في الاتحاد السوفياتي السابق رهنًا بالموافقات الرسمية، وحتى بعد أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ظلّت الحركية في روسيا تتأثر كثيرًا بإرث نظام التسجيل المتعلق

بالحقبة السوفياتية؛ حيث يرتبط الوصول إلى الخدمات والموارد بذلك النظام. ثم إنه على الرغم من التحولات الهائلة التي شهدتها الصين نتيجة تسارع النمو الاقتصادي على نحو غير مسبوق، يوجد نظام التحكم في الهجرة في هذ البلد. أما نظرية النظم العالمية، فقد بنيت على عمل والرشتاين عام 1974، وتبنت مقاربة بنيوية تاريخية؛ إذ تشدد على دور الاضطرابات أو الإخلالات التي حدثت في المناطق الهامشية من العالم، نتيجة الاستعمار والتوسع الرأسمالي. فهي تأخذ في الاعتبار العوامل البنيوية التي أهملتها النظريات الأخرى؛ إذ نتج من التوسع الرأسمالي عواقب وخيمة بالنسبة إلى قضايا الهجرة؛ ليس باعتباره أسلوبًا رأسماليًا

للإنتاج فحسب، بل إنّ الهوامش اختُرقت، أيضًا، وأثرت فيها ثقافة ووسائل نقل ومواصلات متقدمة وعلاقات عسكرية. ومن الناحية الاجتماعية، نتج من دمج الأراضي، والطرق الجديدة في الزراعة الرأسمالية والنباتات المصنعة، سكان مجتثون، مع إضعاف روابطهم بأراضيهم وجعلهم أكثر استعدادًا للهجرة. وقد عمل الطلب القوي على العمالة المُهاجرة في المدن العالمية قوةَ جذب للهجرة؛ إذ تؤكد هذه

النظرية أن الهجرات العابرة للحدود تتجه نحو المدن العالمية التي توجه الاستثمارات الأجنبية وتسيطر عليها، وتكون ذات مميزات خاصة مثل كونها مقرًا لمكاتب مؤسسات تجارية عابرة

للحدود، وتشهد تدفق رؤوس أموال كبيرة. وإن الهجرات الدولية تتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية لفترة ما بعد الحداثة. ووفقًا لنظرية النظم العالمية، ترافق الهجرة ديناميات خلق الأسواق وبنية الاقتصاد العالمي، لكن هذه النظرية لم تأخذ في الاعتبار أكثر الدوافع الفردية. إضافة إلى ذلك، لم تكن آليات الهجرة الدقيقة واضحة فيها. وهناك أمثلة حديثة لهذه النظرية تتمثل بالعولمة بصفة عامة، والتحولات التي حدثت في وسط أوروبا وشرقها بعد انهيار النظم الاشتراكية. فالهجرة الدولية تعتبر حصيلة طبيعية للعولمة الاقتصادية، وفتح الحدود الوطنية أمام التجارة العالمية. لكن لا يوجد في النظرية ذكر للدور المهم الذي تؤديه المؤسسات الرسمية وغير

(24) C. Cindy Fan, «Interprovincial Migration, Population Redistribution, and Regional Development in China: 1990– 2000 Census Comparisons,» in: William G. Moseley et al., (eds.), The Introductory Reader in Human Geography: Contemporary Debate and Classic Writings (Malden and Oxford: Blackwell Publishing, 2007), pp. 97–98. (25) Immanuel Wallerstein, «The Rise and Future Demise of the Capitalist World System: Concepts for Comparative analysis,» in: Carlos A. Martinez Vela, «World Systems Theory,» ESD, no. 83 (fall 2001), p. 1. (26) Hagen–Zanker, pp. 7–8. (27) Ulrike Schuerkens, «Transnational Migrations and Social Transformations: A Theoretical Perspective,» Current Sociology , vol. 53, no. 4 (2005), p. 542. (28) Hagen–Zanker, pp. 7–8.

الرسمية المختلفة، والشبكات الإثنية وغيرها في الهجرة؛ لذلك من المهم إضافة هذه المكونات إلى المفاهيم النظرية السابقة. من جانب آخر، ترى المقاربة البنيوية – التاريخية أن منهج الاقتصاد الكلاسيكي الجديد يركز كثيرًا على

الاختيار الحر للأشخاص، ويهمل العوامل البنيوية التي تشكل أساس التفاوت المناطقي الذي يحفز على الهجرة؛ لهذا تبحث هذه المقاربة في أسباب الهجرة، في العوامل والقوى التي تكمن وراء التوزيع المكاني غير المتكافئ للفرص. كما يعرض ذلك وود تشارلز Charles Wood، تؤكد المناهج البنيوية في دراسة الهجرة الداخلية والدولية مدى واسعًا من الظواهر. وهذه تشمل انبثاق الأسلوب الرأسمالي للإنتاج وتوسعه؛ ونمط التنمية الذي يتم انتهاجه؛ ودور البلد في تقسيم العمل الدولي؛ والتنمية غير المتكافئة داخل البلدان وفيما بينها؛ والارتباط المفصلي للتشكيلات الرأسمالية وغير الرأسمالية، كونه يؤثر في توزيع المحافظة على/ أو إعالة العمالة وتكاليف إعادة إنتاج العمل، وخَفْض تكاليف الوظائف غير الدورية للقوى العاملة المهاجرة. إذًا، ترى المقاربة البنيوية أن نتائج الهجرة بالنسبة إلى التنمية تكون سلبية بصفة عامة؛ إذ تزيد الهجرة التبعية إلى مناطق المركز وعدم المساواة عن طريق استنزاف بلدان الهامش لفوائضها الاقتصادية وسكانها الأكثر موهبة. وبناء عليه، يزداد التفاوت بين المركز وبلدان الهامش. ومن خلال تسهيل التركز غير المتكافئ للموهوبين والموارد والقوة ورأس المال في مناطق المركز، تفاقم الهجرة عدم المساواة بين المناطق، وتساهم في مشكلات اجتماعية واقتصادية في كل من بلدان الأصل والاستقبال. في تقديرنا، من الممكن أن تكون النتائج سلبية بالنسبة إلى هجرة الكفاءات عمومًا، ولكن لا يمكن تعميم ذلك دائمًا على

هجرة اليد العاملة غير الماهرة، والتي تفيض عن حاجة أسواق العمل الوطنية، على الرغم من أن الهجرة لا يمكن أن تكون بديلً من التنمية الحقيقية في البلدان النامية المصدرة للعمالة خصوصًا. تختلف تمامًا وجهتا نظر المنهج البنيوي والمنهج الكلاسيكي الجديد، بشأن آثار السياسات المترتبة

على التنمية. فوفقًا للمنهج الثاني، تكون الهجرة مفيدة؛ ومن ثمّ إذا استخدمت التدخلات كلها ستعزز الحركية السكانية من أجل تسريع عمليات التنمية الإيجابية. على العكس من ذلك، ووفقًا للمنهج البنيوي، ينبغي إحداث تحول في الهجرة، أو ينبغي على الأقل إبطاؤها من خلال تبني إجراءات لتحقيق توازن مكاني أو دمج التنمية الإقليمية عن طريق تعزيز الفرص الاجتماعية والاقتصادية في مناطق الهامش؛ أي في البلدان النامية. يرى بعضهم أن الأطر الرئيسة للتنظير المتعلق بالسكان، الذين هم عُرضة للهجرة في البلدان المُرسِلة،

تتمثّل بنظرية النظم العالمية في علم الاجتماع المشار إليها، وكذلك في النظرية المؤسسية في علم

(29) Sebem Koser Akcapar, «Do Brain Really Going Down the Drain,» Revue Europeenne des Migrations Internationales , vol. 22, no. 3 (2006), p. 84. (30) UN, «Internal Migration of Women in Developing Countries, Proceedings of the United Nations Expert Meeting on the Feminization of Internal migration,» Mexico, 22–25 October 1991 (New York, 1993), pp. 60–61. (31) Ibid., p. 61.

الاقتصاد؛ إذ ترى النظريتان أنّ المهاجرين ينشؤون نتيجة التحولات البنيوية في المجتمعات التي تنجم عن نشوء الأسواق وتوسعها في مجرى التطور الاقتصادي. فالتحول من الاقتصاد الموجه، أو المعيشي، إلى نظام السوق يتبعه عادة إعادة هيكلة ضخمة للمؤسسات الاجتماعية والممارسات الثقافية. وفي مجرى هذه التحولات، ينزح السكان من مناطق وسائل العيش التقليدية في قطاع الزراعة المعيشية (حيث الزراعة الريفية تفسح المجال للزراعة التجارية)، وينزحون كذلك من مشاريع الدولة (نتيجة خصخصة القطاعات التي تهيمن عليها الدولة في الاقتصادات الموجهة سابقًا). وينطبق هذا الأمر على تجربة بلدان وسط أوروبا وشرقها، والبلدان النامية التي جرت فيها عمليات الخصخصة، بناء على توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي نتجت منها تداعيات اجتماعية واقتصادية سلبية مدمرة خصوصًا في البلدان النامية. تناقش فرضيات زيلينسكي المتعلقة بتحول الحركية أن الهجرة تُعدّ جزءًا من التغيرات الاقتصادية

والاجتماعية المتأصلة في عملية التحديث. وهي تُعدّ أيضًا جزءًا من النظريات الوظيفية للتغير

الاجتماعي والتنمية، التي تحاول ربط النظريات بالاتجاهات التجريبية الماضية. ويذكر زيلينسكي أن أنماط الهجرة ومعدلاتها يمكن أن تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمرحلة التحديث (التصنيع مثلً) والعوامل الديموغرافية (معدلات الولادات العالية مثلً). ويؤكد أن ممارسة مزيد من الحريات الشخصية تُعدّ جزءًا من عملية التحديث. تبدو فرضياته هذه منطقية، بصفة عامة، عند النظر إلى أنماط الهجرة السابقة

في البلدان الصناعية، لكنها تبدو ملتبسة ولا تسمح بالتفريق بين الأنماط المختلفة للهجرة، وهي لم تأخذ في الاعتبار قرارات الهجرة على المستوى الشخصي التي تعود إلى نظريات الهجرة على المستوى الجزئي، والتي سنناقشها فيما بعد. وتتبنى مقاربة «قياس المهاجرين» نقطة مرجعية تتمثل بالهجرة الأوروبية الناجحة إلى الولايات المتحدة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتُطبق هذه التجربة على بقية المجموعات المُهاجرة. وإذا لم تنجح مجموعة مُهاجرة مثل نجاح المُهاجرين الأوروبيين، عُدَّ ذلك بمنزلة مشكلة «ثقافية» داخل المجموعة المُهاجرة. ومن خلال مجانسة تجارب مجموعات مُهاجرة مختلفة، فإن هذه المُقاربة تساهم – في كثير من دراسات الهجرة – في شرعنة ممارسات السكان المهيمنين في الهرميات العرقية/ الإثنية، وتتجنب مواجهة التمييز العنصري والإرث الاستعماري المستمر في المناطق الخارجية. يمكن أن يحدث أمر مشابه بالنسبة إلى نظريات الهجرة الحديثة، وأهم من نظريات «الاستيعاب» أو «التعددية الثقافية» مثل المنهج العابر للوطنية أو الحدود. وعلى الرغم من أنه في الأدب العابر للوطنية يتم تجنب مقاربة «قياس المهاجرين» اعتمادًا على الهجرة الأوروبية المبكرة إلى الولايات المتحدة، فإنه بدلً من ذلك يقدم فهمًا أشدّ تعقيدًا لديناميات العرق، والطبقة، والجنس، والتي تسقط داخل نوع من مقاربة «قياس الهجرة من الجنوب». في هذه الحالة، تكون مقاربة «قياس الهجرة» استنادًا

(32) Massey, p. 282. (33) Hagen–Zanker, p. 9.

إلى مهاجري العالم الثالث الذين يتوزعون بين دولتين، والذين تنقسم ولاءاتهم السياسية، والثقافية، والهُوياتية بين هاتين الدولتين. ليس الهدف هنا هو رفض المنهج العابر للوطنية، لكن المطلوب الدعوة إلى فهم أكثر دقة لتجربة الهجرة العابرة للوطنية في علاقتها بالإرث الاستعماري. وقد تحدى الأدب العابر للوطنية النماذج الأكثر ثباتًا للهجرة التي استمرت تفكر في الحركية الأحادية الاتجاه من المجتمعات المُرسِلة إلى المجتمعات المُستقبلة. ففي هذا الأدب إدراك مفاده أنّ المهاجرين هم أكثر

تركيبًا، أو إقرار بهذا الأمر، وأن هناك تفاعلات في اتجاهات متعددة بين بلدان الأصل والوصول. وقد

جعل الضغط الحالي للوقت والمكان من التفكير القديم المتعلق بالهجرة أمرًا غير مألوف. وعلى

الرغم من هذه الرؤى الرئيسة، يمكن أن يقود كل من عدم الإشارة إلى الاستعمار أو قلتها، والفروق المتعددة بين المهاجرين، الأدبَ العابر للوطنية إلى نوع من مقاربة «قياس المُهاجرين» من الأسفل؛

بمعنى القيام بالقياس استنادًا إلى تجربة هجرة العالم الثالث. إن عدم التمييز بين أنماط مختلفة من المهاجرين العابرين للحدود، وعلاقة ذلك بالسلطة الاستعمارية لمركز المتروبول، يُعيد على نحو خطر

إنتاج مقاربة «قياس المُهاجرين من الجنوب» في مقابل مقاربة «قياس المُهاجرين من الشمال» في أدب

الهجرة القديم. هذا فضلً عن وجود مخاطر تتمثل بالنظر إلى التجارب المختلفة على أنها متجانسة، ومن ثم عدم التمكن من حساب العمليات المختلفة لنجاح المُهاجرين وفشلهم، في حالة فشلهم في

الاندماج من وجهة نظر «السلطة الاستعمارية» ومنهجها. يُعتبر الإقرار بالفروق المختلفة بين تجارب اندماج المهاجرين أمرًا حاسمًا، لأجل تجنب التفسيرات

الثقافية المتعلقة بفشل المجموعات المهاجرة أو نجاحها. وتمثل هذه التفسيرات الثقافية حاليًا

أيديولوجيا مهيمنة عابرة للوطنية، وهي رائجة بقوة في قلب الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وترتبط بما يسمى «العنصرية الجديدة» أو «العنصرية الثقافية»، علمًا أن النظرية الدينامية للهجرة والتحولات

ترى أن العلاقات بين الهجرة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية متبادلة، وهناك تأثيرات متبادلة بين التنمية والهجرة، ولا يوجد جنوب متماثل، وأن تأثيرات الهجرة في التحولات لا تكون بالقدر نفسه بالنسبة إلى جميع دول الجنوب والشمال. يبدو هذا التفسير مقبولً عند التعمق في تحليل العلاقة بين الهجرة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، آخذين في الاعتبار إطارها الزماني والمكاني. من جانب آخر، وفيما يتعلق بالتفاعل الاجتماعي بين المُهاجرين والسكان الأصليين، تناول روبرت

بوتنام عينة واسعة من المجتمع الأميركي، وبحث تأثير الهجرة في مبدأ الثقة بين الطرفين. ومن النتائج التي توصل إليها – وهي مثيرة للقلق – أنه كلما زادت نسبة المهاجرين في مجتمع معين، انخفضت مستويات الثقة المتبادلة بين المُهاجرين والسكان الأصليين. بعبارة أخرى، بعيدًا عن التقارب الذي

يؤدي إلى تفاهم مشترك أكبر، فإن ذلك يؤدي إلى شكوك متزايدة متبادلة. وقد خضعت هذه العلاقة

(34) Ramon Grosfoguel et al., «Racism, intersectionality and migration studies: Framing some theoretical reflection,» Identities: Global Studies in Culture and Power , vol. 22, no. 6 (2014), pp. 644–645.

(3((للمزيد حول العلاقة بين الهجرة والتنمية، انظر: هاشم نعمة فياض، «الهجرة الدولية والتنمية الاجتماعية–الاقتصادية»، حوليات

الجامعة الحرة، العدد 2 (0072)، ص.72–19

(36) Schuerkens, p. 544.

لدراسات مستفيضة، وانسجمت النتائج التي توصل إليها بوتنام مع نتائج البحوث الأخرى التي تناولت الموضوع نفسه. من النقاط السلبية الأساسية في تحليلات بوتنام، والتي يعترف بها هو نفسه، أن عمله كان يستند إلى لقطات سريعة؛ حيث لم يتتبع التغيرات عبر حقب طويلة من الزمن. وهذا لا يجعل النتائج التي توصل إليها باطلة بالضرورة، غير أن البيانات التي استخدمها لا يمكن توظيفها لتحليل الأسباب التي ربما تجعل الهجرة أقل ضررًا على التعاون بين المهاجرين وسكان البلد الأصليين على مستوى تجارب عالمية مختلفة. فيما يخص الهجرة الطلابية، ثمة نقاشات نظرية متباينة تحاول فهم الهجرة الحركية الدولية للطلاب. وقد لخص كلير مايج Clare Madge وآخرون هذه النقاشات في ثلاثة مسارات رئيسة: يرتبط المسار الأول بحركية الطلاب الحديثة من خلال منظور أدب الهجرة، ويكتشف المسار الثاني الهجرة الطلابية الدولية ISM بوصفها جزءًا من الحركية الكلية وعولمة التعليم العالي، بينما يركز الثالث على القضايا البيداغوجية التي تنشأ عن حركية الطلاب المتزايدة على المستوى الإقليمي والعالمي. وقد استخدم الاقتصاد السياسي، على نحو واسع، لتحليل هجرة الطلاب باعتبارها نزيفًا للعقول خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. إذ يُنظر إلى الطلاب على أنهم يمثلون بوادر الهجرات الماهرة؛ حيث إن لتحركاتهم تأثيرات أكبر من مجرد اشتراك عدد منهم فيها. ويُنظّر هذا المنهج لكل من مكان الإرسال والاستقبال بالتزامن، وضمن الإطار التحليلي ذاته. إذ يربط التفاوت البنيوي الذي يدفع إلى الهجرة أماكن الإرسال والاستقبال ربطًا عضويًا. ويمتد هذا التفاوت إلى الماضي، ويستفيد من التكوين التاريخي، خصوصًا من السيطرة الاستعمارية؛ حيث يتوجه طلاب المستعمرات السابقة إلى البلدان التي كانت تمثّل مراكز الإمبريالية، وهذه الحالة تديم التفاوت الذي نشأ خلال الفترة الاستعمارية. لذلك، يناقش بيتر كيل Peter Kell وجيليان فوغل Gillian Vogl بأن القوى الاستعمارية السابقة، استخدمت هذه الارتباطات مصدرًا للطلاب الدوليين للحفاظ على هيمنتها، وعلى تبعية جديدة للمستعمرات السابقة؛ إذ يأتي كثير من الطلاب، الذين يختارون الدراسة في فرنسا مثلً، من البلدان الفرنكوفونية، والتي كانت مستعمرات فرنسية، كما هي الحال بالنسبة إلى بلدان المغرب العربي.

((3(كوليير، ص.81–80 ((3(للمزيد حول الهجرة الطلابية، انظر: هاشم نعمة فياض، «الهجرة الطلابية من البلدان العربية، اتجاهاتها، مقرراتها، تأثيراتها:

دراسة استقصائية تحليلية»، ورقة بحثية قُدمت في المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،.2017/3/20–18

(39) Russell King & Parvati Raghuram, «International Student Migration: Mapping the Field and New Research Agendas,» Population, Space and Place , vol. 19, no. 2 (March–April 2013), p. 128. (40) Parvati Raghuram, «Theorising the Space of Student Migration,» Population , Space and Place , vol. 19, no. 2 (March–April 2013), pp. 144–145.

عولجت الهجرة الطلابية العابرة للحدود الوطنية، أيضًا، من خلال الاتحادات الطلابية العابرة لهذه الحدود، والتي توفر، أو تزود، الصلات على المستوى المحلي، وفي الشتات، وظلت قيد البحث باعتبارها وحدات من الهجرة العابرة للحدود الوطنية، وجهات فاعلة سياسيًا عبر هذه الحدود. تدمج

هذه الاتحادات الفضاءات الاجتماعية المتعددة في الحرم الجامعي، وهي تسمح بملاحظة كيفية تشكل التوجهات المختلفة وديناميات السلطة أو النفوذ ما أسماه سيلا بن حبيب Benhabib Seyla الخطابات العابرة للحدود لتكرار الديمقراطية؛ أي إمكانية نقل التجارب الديمقراطية في الدول المتقدمة إلى بلدان الأصل عبر الهجرة الطلابية. وهذه مسألة يتداخل فيها الكثير من العوامل البنيوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تخص مجتمعات الأصل، ولا يمكن النظر إليها بهذه البساطة.

2. نظريات الهجرة على المستوى الجزئي

كانت واحدة من المحاولات المبكرة لتطوير نظرية للهجرة تلك العائدة للإحصائي البريطاني رافنشتاين في ورقة له بعنوان «قوانين الهجرة»، حيث أوضح أن الهجرة بين الأماكن تقل مع زيادة المسافة الفاصلة بينها، وتتجه حركات الهجرة إلى المسافات الأطول نحو المراكز الحضرية الرئيسة. وكل تيار للهجرة يقابله تيار معاكس يشمل المهاجرين العائدين. ولاحظ أن تطور التكنولوجيا يزيد من معدل الهجرة، وأن أغلبية المهاجرين يقطعون مسافات قصيرة، وأنّ سكان المدن الأصليين يهاجرون أقل من سكان المناطق الريفية، وأنّ الإناث يهاجرن أكثر من الذكور داخل المملكة المتحدة، حيث مكان الميلاد، لكن الذكور يكونون أكثر مجازفة بالهجرة إلى خارج المملكة المتحدة، وأنّ معظم المهاجرين من الراشدين، وأنه نادرًا ما تهاجر الأسر خارج مقاطعة الميلاد، وأنّ المدن الكبيرة تنمو من خلال الهجرة أكثر مما تنمو من الزيادة الطبيعية لسكانها، وأنّ حجم الهجرة يزداد كلما نمت الصناعة والتجارة وتحسنت المواصلات، وأنّ الاتجاه الرئيس للهجرة يكون من المناطق الزراعية إلى المراكز الصناعية والتجارية، وأنّ الأسباب الرئيسة الدافعة للهجرة تكون اقتصادية. ربما يمكن القول، على نحو أكثر دقة، إن فرضيات رافنشتاين، حول طبيعة الهجرة، ساهمت بدرجة مهمة في تحفيز أبحاث كثيرة تتعلق بالهجرة في أجزاء كثيرة من العالم. وإن عمله هذا الذي تناول الهجرة في بريطانيا في القرن التاسع عشر، على الرغم من أن الباحثين اللاحقين فصّلوا القول فيه كثيرًا

فإن هذه الدراسات اللاحقة لم تحلّ محل هذا العمل. لكن بما أن «قوانين الهجرة» اعتمدت على معطيات تجريبية (مثلً كون معظم المهاجرين يقطعون مسافات قصيرة فقط)، فهي بعيدة عن أن تبني

(41) Tamirace Fakhoury, «Transnational Immigrant Narratives on Arab Democracy: The Case of Student Associations at UC Berkeley,» International Migration , vol. 53, no. 3 (2015), p. 10.

(4((ولد إرنست جورج رافنشتاين في فرانكفورت في ألمانيا في عام 8341، وقد هاجر إلى إنكلترا في عام 8521، وتزوج امرأة إنكليزية، وأقام في هذا البلد، ثم إنه توفي في ألمانيا في عام.1913

(43) Mark Monmonier & George A. Schnell, The Study of Population: Elements, Patterns, Processes (Columbus, OH: Charles E. Merrill, 1983), pp. 248–250. (44) D. B. Grigg & E. G. Ravenstein, «Laws of migration,» in: Robinson, pp. 106–107, 118.

نظرية متكاملة للهجرة. إضافة إلى ذلك، ناقش رافنشتاين الهجرة من المنظور السلوكي، باعتبارها عملية يتخذ قرارها الشخص؛ إذ نظر إلى الهجرة باعتبار أنها خيار حر، تهدف إلى تعظيم المنفعة خارج مناطق الموارد الشحيحة. في وقت أحدث، راجع الديموغرافي أفيريت لي «قوانين» رافنشتاين وقدم العديد من التحسينات الإضافية الجديرة بالاهتمام؛ حيث لاحظ أن حجم الهجرة يختلف إيجابيًا مع الآتي: تنوع فرص الرفاهية

أو التسلية في المنطقة، وتنوع البنية السكانية؛ خصوصًا البنية المهنية والعرقية والإثنية، والتقلبات الاقتصادية، وتطور التكنولوجيا ومستوى التنمية. لاحظ أفيريت لي أيضًا أن الهجرة تميل إلى الحدوث بدرجة كبيرة في تيارات محددة جيدًا، وتتعزز من

خلال إنشاء طرق المواصلات وتدفق المعلومات من الدول المُستقبلة إلى الدول المُرسِلة. وذكر أن

المهاجرين المختارين، مثل خريجي المدارس الطبية، تواجههم صعوبات أقل فيما يتعلق بالمسافة، عكس غير الماهرين الذين يميلون إلى التحرك عبر مسافات قصيرة إلى المدينة القريبة أو البلد الأقرب. ربما واحد من أهم مبادئ لي يتمثّل بأن المهاجرين يميلون إلى أن يكونوا متوسطين من حيث مميزاتهم الديموغرافية بين سكان دول الأصل وسكان دول الاستقبال. فمثلً، يكون المهاجرون، في المعتاد، أفضل تعليمًا من سكان بلدهم الأصلي، وأقل تعليمًا من سكان بلد الاستقبال. وتميل الهجرة

المختارة إلى توزيع بعض أنماط التعليم والخبرة المهنية على نحو أكثر اتساعًا. ويمكن أن تتجه الهجرة نحو التركز جغرافيًا لتشمل مهارات خاصة محددة أكثر. وكان لي أول من صاغ الهجرة في إطار عوامل الطرد وعوامل الجذب على المستوى الشخصي، وذكر أن أربعة عناصر تتداخل في قرار الهجرة، وهي أن شدة تيار الهجرة يتناسب عكسيًا مع طول مسافتها،

وأن معلومات المهاجر كلما كانت أكثر وضوحًا بشأن جهة المهجر كان الدافع إلى الهجرة أقوى،

وأن الصعوبات المحيطة بالهجرة كلما زادت ضعف تيارها، وأن شدّة الهجرة تتوقف على الظروف الشخصية للمهاجر. ونظر إلى كل من جانبي العرض والطلب على الهجرة، وقال إن العوامل السلبية والإيجابية في مناطق الأصل والاستقبال تدفع، أو تجذب، في اتجاه الهجرة أو عدمها (الجدول.)2 وتعرقل الهجرة عوامل معترضة، مثل قوانين الهجرة، وتتأثر بالعوامل الشخصية، مثل كيفية فهم المهاجر

(45) Hagen–Zanker, p. 4.

((4(على سبيل المثال في هولندا، يكون مستوى التحصيل الدراسي منخفضًا وسط المغاربة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأتراك. وبصورة عامة، يكون المستوى الدراسي منخفضًا وسط السكان غير الأصليين القادمين من البلدان غير الغربية مقارنة بالهولنديين الأصليين، إذ إن 6 من كل 01 منهم يكون مستوى التحصيل الدراسي لديهم منخفضًا مقابل 4 من كل 01 فقط لدى الهولنديين

الأصليين، انظر: هاشم نعمة فياض، هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا، هولندا نموذجًا: دراسة تحليلية مقارنة (الدوحة/

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0122)، ص 84.

(47) Monmonier & Schnell, pp. 248–250. (48) Hagen–Zanker, p. 9.

(4((أمينة علي الكاظم، «الهجرة»، في: مجموعة مؤلفين، دراسات في المجتمع العربي المعاصر، خضر زكريا (محرر)، (دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 9991)، ص.51

لهذه العوامل. ويضع لي عددًا من التوقعات؛ منها أن التباين الأكبر بين الأشخاص يقود إلى مزيد من الهجرة، ولهذا السبب هناك معدلات عالية للهجرة في الولايات المتحدة. وهذه لا تكاد تُعدّ نظرية، وهي عبارة عن عملية تجميع لعوامل تؤثر في الهجرة، من دون أن تأخذ في الاعتبار الآليات المسببة للهجرة بالتحديد، وهي عديدة ومتشعبة وذات تأثيرات متبادلة. الجدول (2) الهجرة: عوامل الطرد وعوامل الجذب

نوعية العواملعوامل الطردعوامل الجذب
دايموغرافيةمعدلات
السكان،
نمو
الولادات العالية
جغرافيةالمسافة، الحدود
اإجتماعية، تاريخية وثقافيةخرق حقوق الإنسان، التمييز
الإثني والجنسي والديني
جمع شمل العائلة، هجرة
الشتات، التحرر من التمييز،
لغة مشتركة، علاقة استعمارية
اأقتصاديةانخفاض
البطالة،
الفقر،
الأجور، النقص في الخدمات
اأأالصحية والتعليمية الأساسية
الأمل في الحصول على
أجور أعلى، إمكانية تحسين
المستوى المعيشي، التطور
اأالشخصي والمهني
سياسيةالنزاع، انعدام الأمن، العنف،
سوء الإدارة، الفساد
السلام والأمن.

المصدر:

Raul Ramos & Jordi Surinach, «A Gravity Model of Migration between the ENC and the EU,» Journal of Economic and Social Geography , vol. 108, no. 1 (2017), p. 26.

في كثير من نظريات الهجرة يكون مفهوم المسافة مركزيًا؛ لذلك، نجده في جوهر النظرية المكانية.

فعلى سبيل المثال، يُظهر نموذجا الجاذبية والانحدار Regression and Gravity كيف يمكن أن يكون

متوسط المسافة المقطوعة من جانب المهاجرين ذا صلة بمستويات التنمية، وأنّ معامل المسافة في نموذج الجاذبية ينخفض على نحو معتاد مع استمرار النمو الاقتصادي. يتمثّل أحد جوانب ضعف النماذج المعتمدة على المسافة بما يتسم به المفهوم نفسه من طبيعة غامضة؛ إذ يمكن قياس المسافة بعدة طرق: ببساطة من ناحية عدد الكيلومترات، والتكاليف، والوقت أو العوامل المعترضة. فقد يكون من الأفضل فهم المسافة باعتبارها مفهومًا أكثر قيمة من المسافة الخطية.

(50) Hagen–Zanker, p. 9. (51) Salt, pp. 168–169.

وكانت نماذج الجاذبية قد استندت بدايةً إلى قانون الجاذبية العائد إلى نيوتن، لكن المساهمات الحديثة وفرت أيضًا أسسًا على المستوى الجزئي في سياق تحليل الهجرة. وقد استخدمت هذه النماذج على نطاق واسع في التحليل التجريبي للهجرة نظرًا إلى فاعليتها الجيدة نسبيًا في التوقع،

خصوصًا الافتراض القائل إن رصيد الهجرة أو تياراتها بين بلدين يزداد مع حجمهما ويقل مع المسافة بين البلدين. وفي المعتاد، يكون المتغير الأكثر تمثيلً لحجم البلدان هو السكان؛ لذلك من المتوقع أن تكون وظيفة الهجرة إيجابية بالنسبة إلى حجم السكان في بلد الاستقبال وبلد الأصل، وتكون سلبية مع المسافة حيث تدخل تكاليف الهجرة في الحساب، ومن ثم يساهم دخل المهاجر أو دخل عائلته في بلد الأصل في تحديد مدى تحمل هذه التكاليف. على نطاق ما بين الأقاليم، تنظر نظرية رأس المال البشري إلى الهجرة، باعتبارها استثمارًا في رأس المال البشري، أو تغييرًا في رصيد المهارات والمعارف يتجسد في الفرد؛ وذلك من خلال موازنة

تكاليف الهجرة إزاء العوائد المتوقعة منها في حياة المرء مستقبلً. فإذا تجاوزت العوائد التكاليف، فإن الشخص سيختار الهجرة إلى المكان الذي يقدم عائدًا أكبر. وبناء عليه، تعرض هذه النظرية العديد من المميزات من خلال مقاربة تفاضل الأجور. من المهم هنا، أنها لا تعد الهجرة قرارًا اقتصاديًا خالصًا. في حين يقرر الاقتصاد وفرص الدخل على نحو بارز قرار الهجرة، لكن التأثيرات الأخرى التي لا تتعلق بالأجور تمارس تأثيرها أيضًا في قرار الهجرة. ثمّ إن النظرية تقدم تفسيرًا مختصرًا متعلقًا بانخفاض

معدلات الهجرة مع التقدم في السن؛ إذ يتوفر الشباب على فترات أطول يستطيعون من خلالها أن يحصلوا على منافع الهجرة (الدخل المتوقع)، مقارنة بنظرائهم الأكبر سنًا. يُضاف إلى ذلك أنّ الأبعاد المكانية تكون مُدمجة في النظرية، مع الإشارة إلى تكاليف الحركة المتعلقة بالمسافة. وأخيرًا، يعكس

هذا النموذج المقاربة الاقتصادية على المستوى الجزئي. هذه النظرية في الواقع تُنسب إلى سجاستاد (9621)، وكان قد زادها تفصيلً تودارو (9691) وهاريس وتودارو (9701) لتأخذ في الاعتبار أرجحية الحصول على العمل. فقد أقيمت هذه النظرية بداية على ملاحظات مشتقة من أفريقيا الشرقية، وهي تهدف إلى مواجهة حجج الاقتصاديين على المستوى الكلي، القائلة إن الهجرة تعرقلها معدلات البطالة العالية في المناطق الحضرية التي تتوجه إليها الهجرة. وقد افترض تودارو أن الناس يهاجرون من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية ما دامت الفروق في الأجور عالية، حتى لو كان معدل البطالة في المناطق الحضرية عاليًا. وينظر المهاجرون المحتملون

إلى مكاسبهم المتوقعة بحسابها في مناطقهم الأصلية والمناطق الأخرى المتوجهين إليها، ويهاجرون إذا كان الفرق إيجابيًا وأكثر من تكاليف تمويل هجرتهم. ويتمثل المضمون السياسي الأساسي

لنظرية تودارو بأن سياسات تحسين أجور العمل أو ظروفه في المناطق الحضرية تعمل على جذب المزيد من المهاجرين فقط، حتى لو كانت معدلات البطالة عالية؛ لذلك فإن سياسات تقليل الهجرة

(52) Raul Ramos & Jordi Surinach, «A Gravity Model of Migration between the ENC and the EU,» Journal of Economic and Social Geography , vol. 108, no. 1 (2017), p. 27. (53) Newbold, p. 136.

الريفية – الحضرية، التي تمثل الهدف الذي تسعى معظم الحكومات لتحقيقه، ينبغي أن تتوجه نحو تحسين ظروف مناطق الأصل الريفية. وتوفر هذه النظرية عددًا من المزايا النظرية، وقد تم تطبيقها على نطاق واسع في أبحاث الهجرة، لكنها لا تخلو من مواطن ضعف: أولً، تفترض النظرية توفر معلومات كاملة حول الهجرة، سواء من جانب المهاجرين المحتملين أو من جانب واضع النموذج، وكلا الأمرين يعدّ توقعًا غير واقعي. إذ يرتبط الحصول على المعلومات بالتكاليف (الوقت والجهد المبذول في تجميع المعلومات)، وهذا يعني أن المعلومات تُعدّ متغيرًا ذا نوعية وكميّة، وهذا المتغير

يختلف من شخص إلى آخر. ثانيًا، تفترض النظرية أن المهاجر (أو واضع النموذج) يمكن أن يُقدر

العوائد التي يحصل عليها خلال حياته في أماكن التوجه الأخرى، وهذه المسألة من الصعب غض النظر عنها. إذ تقود هذه الصعوبة عمليًا إلى استبدال المكاسب المتوقعة خلال دورة الحياة بالدخل

الحالي للمُهاجر، ومن ثم تنقص هذه الصعوبة من جاذبية هذا النموذج ومن قابليته للتطبيق. عمومًا، هذه النظرية مثيرة للاهتمام، ومفيدة في شرح انتقائية المهاجرين، وبما أنه من السهل انتقادها – نظرًا

إلى استنادها إلى افتراضات غير واقعية –اقترح بيتر فيشر Peter Fischer وراينر مارتن Reiner Martin وتوماس ستروبار Straubhaar Thomas (9971) «نسخة» أكثر تطورًا للنموذج، حيث لا يتم إسقاط افتراضات المخاطر والمعلومات غير المتماثلة المتعلقة بالهجرة من الحساب. تشرح مقاربة هانز–يواكيم هوفمان–نوفوتني Hoffmann–Nowotny Hans–Joachim الهجرة من خلال نظرية النظم الاجتماعية. وهذه النظرية لا تستثني العوامل الاقتصادية الدافعة إلى الهجرة، لكن بدلً من ذلك تضعها في إطار أوسع من العوامل المجتمعية الدافعة، وتأخذ في الاعتبار ما يحدث للمهاجرين في مناطق توجههم. فالنظرية ذات نطاق واسع. وعلاوة على ذلك، تُدخل العوامل البنيوية التي تهملها معظم النظريات على المستوى الجزئي. لكن ليس من السهولة تطبيقها واختبارها على أي حال. وهذه تمثل نقطة ضعف مهمة في بنائها. أما نموذج عتبة الإجهاد لجوليان ولبرت Wolpert Julian، فيصف النموذج السلوكي للهجرة الداخلية، بطريقة مشابهة لتحليل المنافع والتكاليف، إلّ أنه يفترض أن الأشخاص ينزعون إلى أن يكونوا مدركين مسبقًا لهذه المميزات، لكن ليس بالضرورة أن يكونوا كذلك لاحقًا. وإن لدى الأشخاص عتبة للفائدة يطمحون إلى تحقيقها. فهم يقارنون فوائد المكان الذي ينوون التوجه إليه بهذه العتبة من أجل أن يتخذوا قرار الهجرة ومكانها أو يقرروا ألّ يهاجروا. ووفق هذا النموذج، تستند فوائد المكان بالنسبة إلى الوضع الحالي إلى مقارنتها بمنافع الماضي والمستقبل. وتعتمد مساحة مبادرة الشخص على مميزاته الشخصية، ومراحل حياته واختلاف البيئة؛ لذلك تحدث تيارات الهجرة نتيجة لتقييم الشخص فوائد المكان هذه، وربما لا يكون هذا التقييم بالضرورة هو الأمثل، أو مستندًا إلى معلومات معيارية دقيقة

(54) Bilsborrow, pp. 15–16. (55) Newbold, p. 136. (56) Hagen–Zanker, p. 10. (57) Ibid., pp. 11–12.

ومعقولة. ويهمل هذا النموذج افتراضات يراها غير واقعية، عائدة إلى مقاربة رأس المال البشري، لكن ربما يكون أكثر صعوبة في الاختبار. وبهذه الطريقة يغير ولبرت المصطلحات فقط مقارنة بالمقاربة المذكورة، وهذه نقطة ضعف بيّنة في نموذجه. لم يبدأ تطبيق هذا النموذج على الهجرة في البلدان النامية إلا حديثًا، وتُعد دراسة غاري جيزان Gary Gezann (9761) في أكرا عاصمة غانا إحدى هذه المحاولات؛ حيث قام الباحث بقياس مدى ارتياح عينة من رؤساء الأسر تقدر بنحو 882 أسرة، وذلك فيما يتعلق بسكنهم الحالي وسكنهم السابق في أكرا عن طريق تقييم أربعة عشر متغيرًا تم اختيارها لقياس مدى ارتياح الأسر لخدمات المدينة، ومدى

تأثير الأقارب، والعمل، ومستوى المعيشة. وقد وضح جيزان أن العديد من المهاجرين وجدوا أن الخدمات المتوافرة في المدينة أقل مما كانوا يتوقعونه، إلا أن المهاجرين استطاعوا التكيف مع وضعهم الجديد، وبدؤوا بالفعل يرتاحون لحياة المدينة، وقد ختم دراسته بالقول: «إن المستوى الاقتصادي ونوع المساكن ولغة رب الأسرة كلها عوامل ذات أثر قوي في تباين موقف السكان من منفعة مكان الإقامة». تعمل نظرية المنفعة العشوائية على تعميق إدراك أهمية المكان أكثر في نماذج الهجرة. وقد تم تطوير هذا الإطار ضمن اقتصادات النقل في طريقة لتوفير تقديرات موثوقة لمجمل الحوادث التي تقع (مثل الاختناقات المرورية)، مع الاعتراف بأن قرارات الأشخاص التي تساهم في هذه الاختناقات يجب تصورها على نحو يختلف سلوكيًا، من خلال كونها تحدث في ذلك الموقع، وفي وقت معين، وإن

كان ذلك في حدود السبب المؤدي إليها. وإذا كانت نماذج رأس المال البشري للهجرة قد اعترفت بمجموعة من الاختلافات السلوكية، فإن نظرية المنفعة العشوائية اعترفت بالاختلافات الشخصية في النزوع إلى الهجرة – التي أثبتتها أبحاث السلوك – لتؤخذ في الاعتبار أكثر. فهذه الاختلافات لا تعود إلى تباين في الطموحات والمحفزات والمميزات فحسب، بل تعود أيضًا إلى التغيرات في هذه الصفات، إضافة إلى العوامل البنيوية (مثل مستويات البطالة) عبر الوقت، وهذه الأخيرة تُعد مسألة أساسية يفترض إدراجها في التنظير مثلما تمت الإشارة إليها. نتيجة ارتفاع نسبة الشيخوخة، في البلدان المتقدمة، تم تركيز الاهتمام على دراسة قرارات الهجرة بالنسبة إلى كبار السن. لذلك فإن أحد مناهج «هجرة التقاعد» يربط نظريات الراحة المتعلقة بالهجرة

(58) Ibid., pp. 10–11.

(5((الهادي كشيدان، «نظريات الانتقال السكني داخل المنطقة الحضرية الواحدة»، في: مجموعة مؤلفين، العلوم الجغرافية

وحماية البيئة: الملتقى الجغرافي الأول، تحرير الهادي مصطفى أبو لقمة، منشورات جامعة السابع من أبريل، ج 1 (الزاوية: الشركة العامة للورق والطباعة، 9941)، ص.232

(60) Bailey, pp. 129–130.

((6(ارتفعت نسبة السكان في عمر 60 عامًا فأكثر في البلدان الأكثر تطورًا من 19.5 في المئة إلى 23.9 في المئة خ لاا الفترة

015–20002، ومن المتوقع أن تصل إلى 32.8 في المئة في عام 0502، أما في البلدان الأقل تطورًا فهذه النسب هي: 5.1 في المئة

و 5.5 في المئة و 9.8 على التوالي، انظر:

UN, World Population Ageing (2015), p. 26.

بدورة حياة التقاعد لاستنتاج فرضيات تتعلق بوقت حركية كبار السن واتجاهها خلال المراحل الأخيرة من حياتهم. وتشير أنماط التقاعد في اليابان، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، إلى أن هناك ثلاث مراحل للتحول في حركية كبار السن، على التوالي. في الواقع، قاد اختيار كثير من المتقاعدين البريطانيين التوجه إلى المناطق الريفية في فرنسا الباحثَين هنري بولر Buller Henry وكيث هوغارت Keith Hoggart لتمييز هذا التيار باعتباره «تحضرًا عالميًا عكسيًا»، وهو مصطلح جدير بالتمعن والدراسة.

ثانيًا: مناقشة

من خلال ما تم عرضه من مفاهيم نظرية تتعلق بالهجرة السكانية، سواء الداخلية منها أو الدولية، نلاحظ تشعب هذه المفاهيم وتباينها في التركيز على هذا الجانب أو ذاك، مع أنها تشترك في العديد من المكونات. وهذا يعود في تقديرنا – في جانب منه – إلى أن ظاهرة الهجرة شهدت تحولات في أنماطها ومكوناتها ومقرراتها واتجاهاتها عبر الوقت؛ نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها المجتمعات على الصُعد المحلية والإقليمية والعالمية. هذا فضلً عن أن بعض

المفاهيم النظرية ذات منطلقات طبقية وسياسية وأيديولوجية في التفسير والاستنتاج. ساهمت استنتاجات الدراسات الميدانية، التي أجريت خلال الفترات الأخيرة، في مراجعةٍ ونقدٍ للمفاهيم والنماذج النظرية المتعلقة بالهجرة، وقد يكون من أبرز تلك الاستنتاجات ما يلي: تشعب عوامل الطرد والجذب وشمولها العوامل الثقافية والعلاقاتية والجغرافية، إضافةً إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى؛ ومن ذلك اعتراف العديد من الباحثين بكون الهجرة حال حدوثها تجدد نفسها بنفسها أو بعوامل متعلقة بالأسرة والعلاقات القرابية والاجتماعية. ومن ذلك أيضًا، استنتاج أن العديد من الجهات والجماعات المتطابقة الخصائص (البطالة، والفقر... إلخ) لم تشهد المشاركة ذاتها في تيارات الهجرة، أو كون العرض والطلب على العمل ليس أحدهما مستقلً عن الآخر، وكون الهجرة لا تستقطب السكان الفقراء فحسب، بل أيضًا جميع السكان القادرين على تحمل تكاليف الهجرة، وكون قرار الهجرة ليس قرارًا فرديًا بل هو في الغالب عملية يساهم فيها مختلف أفراد الأسرة. علاوة على ذلك، اتجه الاهتمام إلى اعتماد مقاربات أشمل لمعالجة الهجرة، وظهرت أطروحات؛ مثل الدعوة إلى معالجة الهجرة بوصفها نظامًا اجتماعيًا، أو جزءًا من النظام الاجتماعي الذي يقوم بدور

الوسيط بين المجالات، أو معالجتها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من شبكة العلاقات التي تربط بين المجالين

الواقعين على طرفَي خط سير الهجرة، أو بوصفها علاقة تاريخية للتبعية الاقتصادية المتبادلة بين مجتمعات «المركز» ومجتمعات «الأطراف»، وهذا ينطبق أيضًا بأجلى صوره على حالة البلدان العربية. كما رأينا، حاولت مجموعة من المفاهيم النظرية تفسير الهجرة بصفة عامة، مع ملاحظة تركيز معظم النظريات الحالية للهجرة الدولية على هجرة العمالة ذات المهارة المحدودة من الدول النامية إلى

(62) Bailey, p. 131.

(6((خالد الوحيشي، الهجرة والأسرة: حالة البلدان العربية المرسلة للعمالة (الإسكوا، 9981)، ص.9–8

الدول المتقدمة، وأن تفسيرها لهجرة العمالة الماهرة غير كافٍ، وطوال سنوات عديدة ظلت هجرة الكفاءات العالية المهارة غير منظورة، ومن ثم فإن نظريات الهجرة لم تأخذها في الاعتبار، وربما كان ذلك بسبب قصر فتراتها نسبيًا. فقد أشار خالد كوسر Koser Khalid. وجون سالت John

Salt في بحثهما المتعلق بجغرافية الهجرة الدولية إلى أن التحليل النظري المتعلق بهجرة الكفاءات العالية المهارة يبقى محدودًا. وعلى الرغم من هيمنة البحث في الهجرة على الجغرافيا السكانية، وأن الباحثين في الهجرة أظهروا انفتاحًا أكبر على المنهجيات الجديدة، فإن الانشغال الحاسم بالكثير من

النواحي النظرية يبقى ناقصًا. فالمفاهيم النظرية تتطور وتتغيّر، أو يُعدّل مضمونها وأشكال تطبيقها

تاريخيًا مع تطور الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي أنتجها، كما تتطور مع تبدل المكونات

التي تدخل فيها والحاجات الجديدة التي ترد عليها؛ لذلك هناك حاجة ماسّة إلى تطوير الجهد

النظري المتعلق بهجرة الكفاءات عمومًا، لإنتاج مفاهيم نظرية تواكب المستجدات في هذا الصنف من الهجرة، وخصوصًا من الدول النامية ومنها العربية. صحيح أن اتجاه تيارات الهجرة يتأثر بهيمنة العلاقات الثقافية والتاريخية، ولكن هذا لا ينطبق على كل تيارات الهجرة؛ إذ نلاحظ انبثاق تيارات جديدة، مثل هجرة المغاربة إلى هولندا وإيطاليا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة، رغم أن هجرتهم إلى البلد الأول في أغلبها من المناطق التي لم تكن خاضعة للاستعمار الفرنسي، بل الاستعمار الإسباني، مثل منطقة الريف في شمال المغرب، إضافة إلى المسافة الجغرافية. جاءت أكبر تيارات الهجرة من دول لم تكن أفقر دول العالم، علمًا أن موقع الدول في الهجرة الدولية

يتغير عبر الوقت. ويحفز تغير مستويات الدخل ارتفاع معدلات الهجرة الخارجة أو انخفاضها. فمثلً، قد تصبح الدول المرسلة للمهاجرين دولً مستقبلة لهم؛ إذ هاجر الإيطاليون إلى ألمانيا في ستينيات القرن الماضي في حين أصبحت إيطاليا في التسعينيات بلدًا للهجرة الأفريقية الوافدة، خصوصًا غير الشرعية منها. وهاجر الهولنديون في ما مضى إلى دول العالم الجديد بأعداد كبيرة، في حين استقطبت هولندا منذ الستينيات من القرن الماضي آلاف المهاجرين من بلدان مختلفة، ومن أكبر الجاليات فيها هي الجالية المغربية. هناك ملمح مهم يتعلق بالهجرة من دول جوار الاتحاد الأوروبي، يتمثل بتركزها العالي في بعض بلدان الاستقبال؛ نتيجة القرب الجغرافي، أو قوة العلاقات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاستعمارية. فعلى

(64) Siew–Ean Khoo et al., «Temporary Skilled Migration to Australia: Employers’ Perspectives,» International Migration , vol. 45, no. 4 (October 2007), p. 196. (65) Akcapar, p. 84. (66) Espeth Graham, «What Kind of Theory for What Kind of Population Geography?» International Journal of Population , no. 6 (2000), p. 268.

(6((برهان غليون، «منهج دراسة الديمقراطية في البلدان العربية: مقدمة نظرية»، في: مجموعة مؤلفين، المسألة الديمقراطية في

الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0002)، ص.247

(68) Schuerkens, p. 537.

سبيل المثال، يتوجه معظم المهاجرين من الجزائر وتونس إلى فرنسا، ويتوجه معظم المهاجرين من بلدان الجوار في أوروبا الشرقية إلى روسيا. في الواقع، تتمثل إحدى النتائج المهمة في هذا الصدد بأن بلدان الاتحاد الأوروبي لا تكون دائمًا المقصد الرئيس المتوجه إليه من بلدان الجوار. فمثلً، يختار المهاجرون المصريون السعودية مقصدًا أول، ويفضل المهاجرون اللبنانيون الهجرة إلى الولايات المتحدة، أما المهاجرون من سورية فيتوجهون إلى الأردن والكويت أو السعودية. وهذا يعني أن دور المسافة بين البلدان المرسلة للمهاجرين والمستقبلة لهم لم يعُد يتمتع بالأهمية السابقة نفسها؛ نتيجة التطورات الكبيرة في قطاع النقل والمواصلات. بقدر ما يوجد منهج نظري مكاني للهجرة الدولية، فإنه يعتمد على مفهوم التباين؛ إذ يكون التطور الاقتصادي غير متساوٍ عبر الزمان والمكان بسبب التوزيع غير المتساوي للمواد الأولية والطاقة، واقتصادات الحجم، والانتشار غير المتساوي للتكنولوجيا وتوزيع القوة الاقتصادية والسياسية، والطبيعة الدورية للاقتصادات الحديثة. ومن ثمّ تُعدّ الهجرة نفسها مُتغيرًا يستجيب لهذا التباين المكاني في وسائل الإنتاج، وليس من المفاجئ أن تأخذ الهجرة طائفة من الأشكال تنعكس في الأسباب، والمميزات والتأثيرات. تقليديًا، عدّ الجغرافيون الهجرة عملية إعادة توزيع للموارد البشرية على المستوى المكاني. وركز منهجهم على دراسة تباين هذه العملية، وتأثيراتها في مناطق الأصل والاستقبال. وفي الأساس، تُدرس الهجرة باعتبارها أحد المكونات في عملية التغيير الإقليمي العام، ويعتمد المنهج هنا في جانبه التجريبي والواقعي، من حيث كون الأطر النظرية المتخصصة ملائمة للمشكلة قيد البحث. وهذه مسألة مهمة تساهم في الوصول إلى استنتاجات أكثر واقعية. يرى الباحث الفرنسي توماس بيكيتي أن هناك طريقة أخرى أكثر سلمية لإعادة توزيع اللامساواة العالمية في رأس المال، وهي تتمثل بالهجرة. فبدلً من أن ينتقل رأس المال، وهو أمر يخلق صعوبات جمة، تقتضي الطريقة الأسهل أن يسمح للعمل بالانتقال إلى حيث الأجور الأعلى. ذلك هو الإسهام الأكبر للولايات المتحدة في إعادة التوزيع على مستوى العالم؛ فقد تضاعف عدد سكان هذا البلد من ثلاثة ملايين نسمة في وقت استقلاله إلى ما يربو على 300 مليون نسمة، ويرجع ذلك في معظمه إلى تيارات الهجرة. وبفضل الهجرة أيضًا تبتعد الولايات المتحدة عن أن تصبح «أوروبا عجوزًا أخرى عالمية». وفي رأينا، يمكن أن يكون العكس صحيحًا؛ لأن انتقال العمالة المهاجرة تكون نتائجه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية أكبر كثيرًا من انتقال رأس المال، سواء على مستوى البلدان المرسلة

أو المستقبلة للمهاجرين.

(69) Ramos & Surinach, pp. 23–24. (70) «Internal Migration of Women in Developing Countries,» p. 61.

(((7 توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين (القاهرة: منتدى البحوث الاقتصادية، [د.ت.])، ص.593–592

مع ذلك، تجدر ملاحظة أن إعادة التوزيع عن طريق الهجرة، مهما بدت محببة، لا تحل إلا جزءًا من

مشكلة اللامساواة. فما إن تتعادل متوسطات الناتج والدخول بين الدول، عن طريق الهجرة، خصوصًا عن طريق عملية اللحاق الخاصة بالإنتاجية التي تحققها الدول الفقيرة للدول الغنية، حتى تبقى المشكلات التي تطرحها اللامساواة، وتحديدًا التي تطرحها القوى المُحركة لتركز الثروات على مستوى العالم، كما هي. أي لا تقوم الهجرة سوى بتأجيل مشكلة وسائل التنظيم (الدولة الاجتماعية، والضريبة التصاعدية على الدخل، والضريبة التصاعدية على رأس المال) التي تعود لتفرض نفسها من جديد. تبنّى معظم الباحثين الفكرة القائلة إنّ المقاربتين البنيوية والكلاسيكية الجديدة قد أهملتا اعتبارات النوع؛ إذ لا يزال النوع (الجنس) بعدًا حاسمًا في أي مقاربة نظرية. فعلى سبيل المثال، تشير المقاربة الكلاسيكية الجديدة إلى أن النساء يرافقن المهاجرين الذكور، ويملن إلى الاستفادة من الهجرة كما هي الحال مع الرجال. ولكن ما دامت النساء أقل تعليمًا مقارنة بالرجال، أو يشاركن بنسبة أقل في القوى العاملة (أيًا كانت الأسباب)، فإن إمكانية استفادتهن من العمل، أو فرص الحصول على عمل يدرّ عليهن دخلً في أماكن استقبال المهاجرين البديلة، تكون أقل احتمالً، ومن ثمّ تكون هجرتهن أقل احتمالً. ويمكن للمرء أن يرسم تحليلً موازيًا أو شبيهًا بين المركز إزاء الهامش في المقاربة البنيوية، ووضع الذكور إزاء وضع الإناث في المجتمع. وإذا كانت الهجرة تمثّل نوعًا من استغلال المركز للهامش، فإنّ النساء المهاجرات يكنّ في البيئة التي يهيمن فيها الذكور أكثر عرضة لاستغلال الرجال المهاجرين لهن. لذلك، قادت التغيرات الجديدة في التقسيم الدولي للعمل، على نحو واسع، إلى إنشاء مناطق تجهيز الصادرات في البلدان النامية، وفيها يتم في الغالب اختيار النساء المهاجرات للعمل؛ لكونهن أكثر انصياعًا، إضافة إلى أنهن عمالة أرخص أجورًا مقارنة بالرجال. وبناء عليه، تقدم النظريتان البنيوية والكلاسيكية الجديدة تفسيرات موازية (وإن كانت متباينة) لما يجعل احتمال استفادة النساء من الهجرة أقل مقارنة بالرجال. وهذا راجع طبعًا إلى الحيف الذي يلحق بهن نتيجة التمييز على أساس النوع، والذي تدعمه البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في أغلب دول العالم، ومنها العربية. على الرغم من الجهود النظرية والتجريبية التي بُذلت، يمكن القول إنه لا توجد نظرية شاملة للهجرة. ويمكن العثور على بعض أسباب ذلك؛ منها أنّ قرار البقاء وعدم الهجرة لا يُعتبر من المكونات الداخلة في عملية صنع القرار. فهناك نقص في معرفة ما يجعل الأشخاص يعيشون في أماكنهم الأصلية ولا يهاجرون، على الرغم من انفتاح الفرص (إضافة إلى النشاطات المشجعة والإجراءات التي اتخذتها مناطق معينة لجذب الأشخاص إليها)، وقد لوحظت هذه النزعة في البلدان النامية وبلدان وسط أوروبا وشرقها، حتى بعد انهيار التجربة الاشتراكية والتغيرات السياسية والاقتصادية الكبرى التي أعقبتها.

(((7 المرجع نفسه، ص.593

(73) «Internal Migration of Women in Developing Countries,» p. 61. (74) Djula Borozan & Ivana Barkovic Bojanic, «Migration Motives of University Students: An Empirical Research,» International Migration , vol. 53, no. 1 (2015), p. 66.

خاتمة

هناك حاجة إلى المزيد من التنظير فيما يتعلق بالهجرة السكانية عمومًا؛ نتيجة تشعب هذه الظاهرة

والتحولات التي شهدتها في أنماطها واتجاهاتها، وإلى إيلاء عناية أكبر للتنظير بشأن هجرة الكفاءات والهجرة الطلابية على اعتبار أنهما في نمو وتحول، ويتوقع أن يزداد هذا النمو مستقبلً. كما أن هناك حاجة إلى التنظير للهجرة غير النظامية التي هي أيضًا في تزايد ملحوظ؛ من الدول النامية نحو أوروبا خصوصًا. وبما أن هناك عدم توازن كبير بين ظاهرة الهجرة على صعيد العالم العربي، سواء باعتباره

مصدرًا للعمالة أو مستضيفًا لها، وبين البحث الأكاديمي والنظري العربي الخاص بها، وهو أمرٌ لا

يتناسب مع حجم هذه الظاهرة وأهميتها، فإن المطلوب هو الاستفادة من المفاهيم النظرية الحالية، والعمل على تطويرها وتكييفها، والمساهمة الفاعلة في وضع مفاهيم ونظريات جديدة للهجرة تتماشى مع التحولات البنيوية المهنية والثقافية الحاصلة فيها محليًا وإقليميًا وعالميًا. كما أن إنشاء مراكز أبحاث

متخصصة في الهجرة يساهم من دون شك في ذلك، وهذا ما يسهل مسألتَي الفهم والتفسير لآليات عمل الهجرة السكانية وكيفية دمجها في عملية التنمية في أبعادها الشاملة على مستوى المنطقة العربية.

المراجع

References

العربية

الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2017: الهجرة في المنطقة العربية وخطة التنمية المستدامة لعام 2030 2).018(بيكيتي، توماس. رأس المال في القرن الحادي والعشرين. ترجمة وائل جمال وسلمى حسين. القاهرة: منتدى البحوث الاقتصادية، [د.ت.]. حسن، صالح ياسر. العلاقات الاقتصادية الدولية: الأبستمولوجيا، الأنطولوجيا، الأكسيولوجيا. بغداد: دار الرواد للطباعة والنشر،.2006 فياض، هاشم نعمة. «الهجرة الدولية والتنمية الاجتماعية–الاقتصادية». حوليات الجامعة الحرة. العدد 2 (007.)2 ________. «الهجرة الطلابية من البلدان العربية، اتجاهاتها، مقرراتها، تأثيراتها: دراسة استقصائية تحليلية». ورقة بحثية قُدمت في المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة،.2017/3/20–18 ________. هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا هولندا نموذجًا: دراسة تحليلية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 كوليير، بول. الهجرة: كيف تؤثر في عالمنا؟ ترجمة مصطفى ناصر. سلسلة عالم المعرفة 439. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2016

مجموعة مؤلفين. العلوم الجغرافية وحماية البيئة: الملتقى الجغرافي الأول. تحرير الهادي مصطفى أبو لقمة. منشورات جامعة السابع من أبريل. الزاوية: الشركة العامة للورق والطباعة،.1994 مجموعة مؤلفين. دراسات في المجتمع العربي المعاصر. خضر زكريا (محرر). دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع،.1999 مجموعة مؤلفين. المسألة الديمقراطية في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 موراي، ورويك. جغرافيات العولمة: قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية. ترجمة سعيد منتاق. سلسلة عالم المعرفة 397. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2013 الوحيشي، خالد. الهجرة والأسرة: حالة البلدان العربية المرسلة للعمالة (الإسكوا،.)1998

الأجنبية

Akcapar, Sebem Koser. «Do Brain Really Going down the Drain.» Revue Europeenne des Migrations Internationales. vol. 22. no. 3 (2006). Amin, Samir (ed.). Modern Migration in Western Africa. Oxford: Oxford University Press, 1974. Bailey, Adrian. Making Population Geography. London: Hodder Arnold, 2005. Bilsborrow, Richard E. (ed.). Migration, Urbanization, and Development: New Directions and Issues. New York: UNFPA, 1998. Borozan, Djula. & Ivana Barkovic Bojanic. «Migration Motives of University Students: An Empirical Research.» International Migration. vol. 53. no. 1 (2015). Campbell, Eugene K. «Brain Drain Potential in Botswana.» International Migration. vol. 45. no. 5 (2007). Moseley, William G. et al. (eds.) The Introductory Reader in Human Geography: Contemporary Debate and Classic Writings. Malden and Oxford: Blackwell Publishing,

Graham, Espeth. «What Kind of Theory for What Kind of Population Geography?» International Journal of Population. no. 6 (2000). Grosfoguel, Ramon et al. «Racism, intersectionality and migration studies: Framing some theoretical reflection.» Identities: Global Studies in Culture and Power. vol. 22. no. 6 (2014). Hagen–Zanker, Jessica. «Why do people migrate? A review of the theoretical literature.» Working Paper. Maastricht University. Maastricht Graduate School of Governance (January 2008). King, Russell & Parvati Raghuram. «International Student Migration: Mapping the Field and New Research Agendas.» Population, Space and Place. vol. 19. no. 2 (March– April 2013).

Khoo, Siew–Ean. et al. «Temporary Skilled Migration to Australia: Employers’ Perspectives.» International Migration. vol. 45. no. 4 (October 2007). Massey, Douglas S. «A Missing Element in Migration Theories.» Migration Letters. vol. 12. no. 3 (September 2015). Monmonier, Mark & George A. Schnell. The Study of Population: Elements, Patterns, Processes. Columbus, OH: Charles E. Merrill, 1983. Newbold, Bruce K. Population Geography: Tools and Issues. 2 nd ed. Maryland: Rowman & Littlefield, 2014. Nyilas, Jozsef (ed.). Theory and Practice of Development in The Third World. Istvan Veges (trans.). Leyden and Budapest: A.W. Sijthoff/ Akademiai Kiado, 1977. Pacione, Michael (ed.) Population Geography: Progress & Prospect. London: Croom Helm, 1986. Raghuram, Parvati. «Theorising the Space of Student Migration.» Population, Space and Place. vol. 19. no. 2 (March–April 2013). Ramos, Raul & Jordi Surinach. «A Gravity Model of Migration between the ENC and the EU.» Journal of Economic and Social Geography. vol. 108. no. 1 (2017). Robinson, Vaughan (ed.). Geography and Migration. Cheltenham and Brookfield: Elgar, 1996. Schuerkens, Ulrike. «Transnational Migrations and Social Transformations: A Theoretical Perspective.» Current Sociology. vol. 53. no. 4 (July 2005). UN. «Internal Migration of Women in Developing Countries, Proceedings of the United Nations Expert Meeting on the Feminization of Internal migration.» Mexico, 22–25 October 1991. New York: UN, 1993. ________. World Population Ageing (2015). ________. World Population Prospects: The 2015 Revision (New York: 2015). Vela, Carlos A. Martinez. «World Systems Theory.» ESD. no. 83 (fall 2001).