Return to Article Details Social Movements and Protest in Transitional Contexts: The Maghrebi Case

الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية الحالة المغاربية

Social Movements and Protest in Transitional Contexts

* Abderrahmane Rachik | عبد الرحمان رشيق

الملخّص

تهدف هذه الورقة إلى تقديم بعض المقاربات النظرية السوسيولوجية حول الاحتجاج الاجتماعي وتحليلها، وذلك من خلال تَتَّبُعِنا لدراسة السلوك الجماعي وتطوّره خصوصًا في المدن المغاربية، وصيرورة الانتقال من الانتفاضات العنيفة والدموية غير المؤطَّرة إلى التظاهرات السلمية في الشارع العام التي تقودها الحركات الاجتماعية الكلاسيكية والحركات الاجتماعية الجديدة.

Abstract

Abstract: This paper presents and analyzes sociological theoretical approaches towards social protests. It studies group behaviour and development in Maghrebi cities and the transition from violent and bloody uprisings to non–violent public street demonstrations led by both classical and modern collective movements. Collective movements are actions that are neither defined by systemic crises nor by the marginalization or deprivation of their social actors. Rather, it is the ability of these actors – when resources allow them – to mobilize in defense of their own interests and values that define these movements.

الكلمات المفتاحية:
  • مجال عام
  • حركات احتجاجية
  • احتجاج
  • انتفاضة
  • حرمان جماعي
Keywords:
  • Public Domain
  • Protest Movements
  • Protest
  • Uprising
  • Mass Deprivation

ملخص: تهدف هذه الورقة إلى تقديم بعض المقاربات النظرية السوسيولوجية حول الاحتجاج

الاجتماعي وتحليلها، وذلك من خ لاا تَتَّبُعِنا لدراسة السلوك الجماعي وتطوّره خصوصًا

في المدن المغاربية، وصيرورة الانتقال من الانتفاضات العنيفة والدموية غير المؤطَّرة إلى التظاهرات السلمية في الشارع العام التي تقودها الحركات الاجتماعية الكلاسيكية والحركات الاجتماعية الجديدة.

Abstract: This paper presents and analyzes sociological theoretical approaches towards social protests. It studies group behaviour and development in Maghrebi cities and the transition from violent and bloody uprisings to non–violent public street demonstrations led by both classical and modern collective movements. Collective movements are actions that are neither defined by systemic crises nor by the marginalization or deprivation of their social actors. Rather, it is the ability of these actors – when resources allow them – to mobilize in defense of their own interests and values that define these movements.

Civilizational Sociology Professor in the Faculty of Government and Economy in Rabat.

مقدمة

حاولت عدّة نظريات وبراديغمات (نماذج معيارية) مقاربة موضوع الاحتجاجات الاجتماعية، وخصوصًا مفهوم الحركات الاجتماعية؛ فقاعدة البيانات العالمية Search Academic Premier التي تحتوي على مقالات جامعية، تضمّ أكثر من 4000 مقالة أغلبيتها باللغة الإنكليزية حول

الحركات الاجتماعية. كما كُتِب كثيرًا، منذ سنة 0112، عمّا سمي الربيع العربي، إذ تضمّ قاعدة بيانات

مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء في المغرب، أكثر من 3001 مرجع (مقالة وكتاب) باللغة العربية، وأكثر من 5001 مرجع باللغات الأوروبية. وقد شارك كاتب هذه السطور في مؤلّف جماعي قيد النشر حول حركة 02 فبراير في المغرب سيُصدِره

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. سعت العلوم الاجتماعية منذ نهاية القرن التاسع عشر لمحاولة فهم السلوك الاجتماعي وتفسيره. وقد دار النقاش حول عقلانية السلوك الجماعي أو لاعقلانيته. ونستطيع من خلال الأدبيات السوسيولوجية الكلاسيكية أن نميّز، على وجه الإجمال، بين أطروحة اللاعقلاني المتمرّد، والعقلاني المتظاهر، وهو

الأمر الذي يعني المرور من مجتمع عنيف ومتوحّش إلى مجتمع حداثي وسلمي. وكَتب في هذا الاتجاه غوستاف لوبون، المفكّر الفرنسي، صاحب كتاب «سيكولوجية الحشد» أو «سيكولوجية الجمهور» الذي نُشِر في نهاية القرن التاسع عشر، وهو يتناول بالدراسة الخصائص الأساسية لسلوك الجماهير، قائلً إن الحشد «مسيّر على وجه التقريب من قِبل اللاوعي. وإن الفرد وسط الحشد يقترب

من الكائنات البدائية. فغرائز التدمير الشرسة هي بقايا العصور البدائية النائمة في أعماق كلّ واحدٍ منّا». ويتيح الفعل الجماعي للأفراد اكتساب قوّة إضافية لوجودهم ضمن الحشد، لأنّ الفرد يذوب وسط الجماهير، وكأنه لا يصبح مسؤولً عن أفعاله. يُترجِم الاحتجاج الجماعي التغيرات الاجتماعية، ويظهر بأشكال متعددة ومتنوعة. ويُعدّ الاحتجاج الجماعي مصطلحًا عامًا وفضفاضًا، فالبعض يتحدث عن الفتنة أو الانتفاضة أو الشغب، أو الفوضى، أو القلاقل، أو العصيان وحتى الثورة. ويُعبَّر عن الاحتجاج من خلال الإضراب، والتجمهر، والتظاهرات،

(1) Alain Touraine, «Action collective,» in: Encyclopædia Universalis, Dictionnaire de la sociologie (Paris: Éditions Albin Michel, 1998).

يميّز ماكس فيبر Max Weber (920–18641) بين أربعة أنواع من الدوافع المحدِّدة للفعل الجماعي: تكييف الوسائل مع الغايات،

والاقتناع بتفوّق بعض القيم التي تدفع فاعليها إلى التصرف في اتجاه معيّن، وضغط التقاليد، وأخيرًا الأهواء العاطفية التي تقود

السلوكات في معزل عن كل الأفعال العقلية. (((لن نعود هنا إلى استخدام مفهوم العرق من قبل غوستاف لوبون لتفسير التغيرات في سلوك مختلف ضروب الجماهير. انظر في هذا الصدد تقديم أوتو كلينبرغ Otto Klineberg كتاب غوستاف لوبون في:

Gustave Le Bon, Psychologie des foules (Paris: PUF, 1981). (3) Ibid., p. 25. (4) Ibid., p. 17. (5) Ibid., p. 29.

والوقفات، والمسيرات السلمية، وكذلك من خلال الاعتصام، والاحتلال العنيف للفضاء العام، أو للمقاولات أو للمقارّ الإدارية، أو من خلال الإضراب الجماعي عن الطعام، ومحاولات الانتحار الجماعي، وغير ذلك. يمكننا من خلال تتبّعنا دراسة السلوك الجماعي في المغرب حصْر مصطلح الاحتجاج الاجتماعي

في ثلاثة أنواع: الانتفاضة، والحركة الاجتماعية، والحركات الاجتماعية الجديدة. وتتميز الانتفاضة، إجمالً، بعنفها الجماعي، وبعفويتها، وبسرعة زوالها. أما الحركة الاجتماعية فهي بناء منظّم لصيرورة جماعية تهدف إلى الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لفئة أو أكثر من فئات المجتمع. وتعتمد هذه الأفعال الجماعية Collectives Actions أساسًا على اختيار عقلاني يوجّه السلوكات الاجتماعية كإضراب العمّال، أو الموظفين، أو الطلبة، أو حركات الشباب العاطل عن العمل الحاصل على

الشهادات، وهو سلوك جماعي منظّم يتميّز بالسلمية. ويعدّ أمد حياة الانتفاضة قصيرًا مقارنةً بالحركة

الاجتماعية التي قد تكون لها ديمومة زمنية. أما الحركات الاجتماعية الجديدة فهي تقوم بالدفاع عن مجموعة من القيم. إذ يقود التعبئة الاجتماعية فاعلون جدد، فرضوا أنفسهم في المشهد الحضري، مثل الحركات الثقافية، والحركات النسائية، وحركات حقوق الإنسان والطفل، والبيئيين أو «الإيكولوجيين»، والسكان، والجهويين، والسلميين والمثليين... إلخ. وسنرجع بالتفصيل إلى هذه المفاهيم والمصطلحات.

أولا: ولنبدأ بظاهرة الانتفاضة، ما معنى الانتفاضة؟

يحتوي مصطلح Emeute بالفرنسية، الذي أستعمله للتعبير عن الانتفاضة، في طياته على كلمة Emotion، والتي تعني العاطفة أو الإحساس، لذلك يبقى مصطلح الانتفاضة تعبيرًا جماعيًا تلقائيًا

لا يحدّده، ويعبّئه بصفة مباشرة أو غير مباشرة، أيّ بعد هوياتي عرقي، أو إثني، أو لغوي عكس ما

نلاحظه في الدول الأوروبية والأميركية. إذ لا يوجد تعريف الانتفاضة في قواميس علم الاجتماع، فهو مصطلح وليس مفهومًا قائمًا بذاته. ويتحدّد لذلك مصطلح الانتفاضة بحسب السياقات الحضرية، وطبيعة النظام السياسي المحلي. تكتسي الانتفاضة في المدن الغربية أشكال صراعات عنصرية، وتظهر في الحواضر الكبرى التي يتمركز فيها المهاجرون بصفة مكثفة، والذين ينتمون إلى فئات اجتماعية هشّة ومهمّشة يسود فيها البطالة وعدم التمثيل السياسي لسكان ما يسمى «الأحياء الصعبة» في فرنسا و«الغيتو» في الولايات المتحدة. ولقد كتبت الصحافة الأميركية أن، في عهد الرئيس أوباما، قُتل 582 شخصًا في سنة 2015 من الأميركيين السود على يد الشرطة، والذين كانوا غير مسلحين في كثير من الأحيان. ويتبع كل حادثة

(((كتبت الصحافة الأميركية أنه خلال الفترة 965–1876 ل 1 قُت 39 شخصًا فقط من الأميركيين السود على يد الشرطة، انظر:ِ

Pierre Breteau, «Qui sont les 700 personnes tuées par la police américaine en 2016?» Le Monde , 8/7/2016, accessed on 18/9/2018, at: https://lemde.fr/2NQ8Cu8

مميتة ردّة فعل جماعية عنيفة للسكان السود يختلط فيها النهب والسرقة، وكذلك التظاهرات في الشارع العام احتجاجًا على القتل العنصري من طرف الشرطة، خصوصًا بعدما يتم تصوير القتل وتوزيعه على

الشبكة العنكبوتية. وقد أسقِطَت الملاحقات القضائية ضد العديد من رجال الشرطة البيض المسؤولين عن قتل السود كما هي الحال في سنة 0162، على نحو تسبّب في سخط عاطفي وتظاهرات كثيفة في

الشارع العام. وتؤدّي هذه الوضعية إلى الشعور بالإقصاء الاجتماعي وبالانتماء إلى عشيرة متميّزة ينتج

منها تلاحم أكبر للسود الأميركيين. لنتذكّر كذلك الصراعات الاجتماعية الدرامية التي تكتسي طابعًا هوياتيًا في المدن البريطانية مثل

ليفربول، ومانشستر، ولندن في صيف 981.1 واجه السود في منطقة بريكستون في لندن، التي تعدّ موطنًا للكثيرين من منطقة الكاريبي، الشرطة في الشوارع. وخاض الشبان في منطقة غرب لندن، التي يتمركز فيها عدد كبير من السكان الهنود، معارك في الشوارع ضد الشرطة، وغالبًا ما تؤدي هذه

الصراعات إلى اقتحام المحالّ التجارية ونهبها. تُعزِّز الأصول الجغرافية للمهاجرين، خصوصًا الجيل الثاني والثالث الذي يتمتع بجنسية البلد المُستَقبِل

أو البلد المُضيف، والشروط الاجتماعية القاسية، والشعور بالإقصاء، الإحساسَ الهوياتي الذي يكوّن

الخطوة الأولى للانتفاضة. وإذا كانت أفعال العنف ضد الأقليات الإثنية، والتي يذهب ضحيّتها كذلك بعض رجال الشرطة في

الأحياء الهامشية في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، ما يبرّرها، فالانتفاضة في بلداننا يُعبَّر من

خلالها عن السخط والكراهية ضد النظام الاجتماعي القائم. في هذا الإطار يبدو عدد من أعمال الانتفاضة في مدننا غير عقلاني؛ إذ هاجم المتمردون الأشجار، وأعمدة الكهرباء، ومحطات الحافلات، وحرقوا الدراجات النارية، والسيارات الخاصة الصغيرة، ولكنهم نهبوا أيضًا محالّ البقالة، وفروع البنوك، والمدارس، ومقارّ السلطة المحلية، وغير ذلك. كما واجه الحشدُ الجنود والشرطة الذين كانوا يتلقّون الحجارة وكل أنواع القذائف. ويمكننا أن نتساءل فيما إذا كانت أفعال الانتفاضة نهاية، وليست وسيلةً للتعبير عن شعور جماعي ومطالب اجتماعية محدّدة. فمن خلال تتبّعنا لصيرورة الانتفاضة في السياق المغربي وفي ظل نظام سياسي متسلط، بمعنى أنه لا

يسمح بتنظيم حركات اجتماعية، فإن مصطلح الانتفاضة يتشكّل معناه وفق المحددات التالية: يكمن المحدّد الأول في كون الانتفاضة، كما سلف الذكر، ردات أفعال جماعية عفوية وتلقائية، تعبّر عن

نفسها من دون تخطيط مسبق لتحركّاتها ومن دون مطالب أو برامج أو أيديولوجيا معيّنة. ويتجلّى

المحدد الآخر في كثافة استخدام المُنتفِضين للعنف غالبًا بصفة مجانية يُستهدف فيها النظام الاجتماعي

القائم، وهو الأمر الذي يتسبّب في خسائر بشرية ومادية كبيرة. وتتمثّل الخصوصية الأخرى للانتفاضة

في المدن المغربية في الانتقال بالعدوى، فهو يظهر في حيّ معيّن وينتشر بسرعة كبيرة إلى أحياء

مجاورة ثمّ إلى مدن أخرى، كما هي الحال في أعوام 9659811 و 9841 و.19901 و

يحتاج انطلاق شرارة أعمال الانتفاضة في ظل نظام سياسي متسلط إلى أرضية ملائمة كالأجواء المتوترة داخل المدينة، والذي يمكن أن تحقّقه، مثلً، الدعوة إلى الإضراب العام التي تخلق جوًا

متوترًا في المدن الكبرى. كما يمكن أن تظهر الانتفاضة في المجال المهمَّش الذي تقطنه الشرائح

الاجتماعية الهشّة، والتي تتميز بكثافة ديموغرافية عالية. ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل الغياب النسبي لأجهزة الدولة ورجال سلطتها في المناطق الهامشية، والضعف الكبير في التجهيزات والمرافق الاجتماعية التي من شأنها أن تملأ أوقات فراغ الشباب، وأخيرًا غياب مؤسسات فعالة تؤدي دور

الوسيط (مثل الجمعيات، ولجان الأحياء، والأحزاب... إلخ) بين أجهزة الدولة والسكان، والتي تُتيح للسخط الاجتماعي أن يتجلّى ويُعبّر عن نفسه سلميًا عبر قنوات ملائمة. غالبًا ما تكون الانتفاضة، عكس ما يجري عادةً في الدول التي تُنعَت بالديمقراطية كإنجلترا وفرنسا

والولايات المتحدة، حدثًا معزولً في الزمان والمكان إذا استثنينا ما جرى أول مرة في تاريخ الضواحي الفرنسية سنة 0052، حيث انتشرت الانتفاضة العنيفة في مجموعة كبيرة من هوامش المدن. لا توجد في المدن المغربية والتونسية والجزائرية الكبرى، عكس بعض المدن العربية في الشرق الأوسط، تجمعات مجالية ببعد هوياتي: ثقافي أو عرقي أو ديني. كما لم يلُاحظ إعادة إنتاج التكتلات الريفية أو القبلية في المجال الحضري. فمدننا الكبرى ليست مدنًا عالمية Cosmopolite؛ إذ لا تعبّر عن

فسيفساء كما يقول علماء الاجتماع المنتمون إلى مدرسة شيكاغو، تتكون من عدة تفاعلات اجتماعية وعرقية وثقافية ولغوية ودينية متباينة ومتمركزة مجاليًا. فَرضت التحولات العمرانية مجتمعًا وثقافة وقيمًا وأنماطًا سلوكية جديدة. وتتمثل السمة الأساسية المميِّزة لهذه العلاقات الاجتماعية المتبادلة في الاتجاه نحو الفردانية، أي الانفصال عن العشيرة

Communauté التقليدية المبنية على روابط قبلية وعلاقات الدم والقرابة، للمرور إلى مجتمع حضري يسود فيه التنافس بين الأفراد. لكن الاحتجاجات في الوسط القروي والمدن الصغيرة تتميز بسمات أشد ارتباطًا بالتضامن الترابي واللغوي والانتماء إلى الجماعة أو القبيلة أو العشيرة. فالعشيرة تطغى عليها علاقات شخصية وتلقائية، ويُقوّيها القرب المجالي (علاقات الجوار)، والقيم الدينية والأخلاقية، واللغة (أو اللهجة) المشتركة

التي تكاد تكون متجانسة. فهذا ما يفسر بعض الأوجه من الاصطدامات المتكررة بين السكان والشرطة في منطقة القبائل الأمازيغية في الجزائر مثلً، وفي هذه الأثناء في منطقة الريف شمال المغرب؛ فالمواطنون هناك من خلال احتجاجهم، منذ سنة 0162، يعبّرون عن أنفسهم بوصفهم عشيرة تقليدية مبنيّة على اللغة المشتركة،

(7) Abderrahman Rachik, «Sciences sociales et violence collective urbaine au Maghreb,» Prologues , no. 16 (1999), pp. 19–25.

(((للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى: عبد الرحمان رشيق، «السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب»، عمران، العدد 81 (خريف 0162)، ص.7

وروابط قبلية، وعلاقات الدم والقرابة، وعلاقات الجوار، وتاريخ قريب وأليم مشترك لا يزال يهيمن على أذهان سكان منطقة الريف بصفة عامة، ومدينة الحسيمة بصفة خاصة. فالذاكرة والخطاب الاحتجاجي والشعارات خلال التظاهرات مليئة بحمولات تاريخية تمجّد الغاضبين والمتظاهرين كالرجوع باستمرار إلى حرب منطقة الريف ومقاومة الريفيين، وعلى رأسهم الزعيم عبد الكريم الخطابي، ضدّ الاستعمار الإسباني في عشرينيات القرن الماضي. وهناك حمولة تاريخية أخرى تعبّر عن «الحگرة» والإقصاء

اللذَين نهجهما النظام السياسي المغربي منذ سنة 9581، وتُقدّم المحتجّين الريفيين على أنهم ضحية للسياسات العمومية التمييزية التي همّشتهم اجتماعيًا واقتصاديًا وعزلتهم جغرافيًا عن باقي مناطق

المغرب. لكن ما يميّز احتجاجات مدينة الحسيمة ومنطقة الريف عامةً في الظروف السياسية الجديدة

الحالية هو السلوك الجماعي السلمي في الفضاء العام منذ عشرات الشهور، وكذلك الموقف السلمي بصفة عامة، لقوات حفظ النظام العام.

ثانيًا: النتائج السياسية والاجتماعية والمجالية لأفعال الانتفاضة

أشرنا إلى أن أمد حياة الانتفاضة قصير مقارنة بالحركة الاجتماعية التي قد تكون لها ديمومة زمنية. وقد يكون موت الانتفاضة أحيانًا إعلانًا عن ميلاد حركة اجتماعية أو سياسية منظّمة، كما حدث مثلً في الجزائر سنة 9881، إذ ظهرت بعد ثلاثة أيام من الانتفاضة حركات بشعارات جديدة حملتها الحركات الإسلامية. أما حالة تونس، سنة 0102، بعدما تحولت الانتفاضة إلى ثورة انطلقت شرارتها من مدينة صغيرة ومهمشة وغطّت بعد ذلك الجهة والمدن المجاورة لتصل إلى تونس العاصمة، حيث دامت 92 يومًا، لتنتهي بمغادرة رئيس الدولة إلى السعودية. وكما هي الحال في ضواحي المدن الفرنسية والولايات المتحدة، حيث تتحول عفوية الانتفاضة في الأحياء الشعبية في التعبير عن نفسها إلى فعل مؤسّس لجمعيات أو لجان أحياء تقوم بدور الوسيط بين أجهزة الدولة والمؤسسات المنتخبة من جهة، وسكان الضواحي من جهة أخرى. لا يعني الطابع المؤقت والعابر وغير المنظّم الذي تتميّز به الانتفاضة أن ليس لها تأثيرٌ في الحقلين

السياسي والاجتماعي، وكذلك المجالي. فقد استُغلَّت مثلً حركات الاحتجاج الاجتماعية فيما كان يسمّى بأوروبا الشرقية في يوغوسلافيا من قبل «الحركات القومية». وكانت لأحداث الانتفاضة التي وقعت في تموز/ يوليو 9811 في المغرب، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 9881 في الجزائر، نتائج وانعكاسات مهمة. تتميّز الانتفاضة بأنّها قابلة لاستغلالها وتحويل اتجاهها من قِبل مجموعة (اجتماعية أو سياسية) لتجعل

من نفسها حركة اجتماعية تكتسب صفة الدوام والاستمرار. فقد ركبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، على

(9) Natacha Rajakovic, «L’anatomie d’une captation nationaliste: L’absence de mouvements de contestation en Yougoslavie,» Cultures & Conflicts , no. 5 (1992), pp. 85–108.

سبيل المثال، موجة أحداث الانتفاضة التي وقعت سنة 9881 في الجزائر، واستغلّتها لتتأسّس وتستمر في الوجود. عاشت الجزائر، بعد الإعلانات المتعددة عن الإضرابات العمّالية خصوصًا في المنطقة الصناعية بالرويبة وفي قطاع الطيران والبريد والنقل، على إيقاع ثلاثة أيام من الانتفاضة والعنف في الشوارع والأحياء، وظهور حركات بشعارات إسلاموية في المجال العام. أدت هذه الانتفاضة إلى إعلان حالة الحصار، وتدخّل الجيش بعنف كبير لإعادة الهدوء للبلاد. نتج من هذه الاصطدامات بحسب الإحصائيات الرسمية نحو 901 قتيلً و 5001 جريح، وتحوّلت عفوية الانتفاضة في الأحياء الشعبية من التعبير عن نفسها إلى فعل مؤسَّس. شهدت الجزائر بعدها مجموعة من الإصلاحات السياسية وضعت إشكالية استمرار نظام الحزب الواحد موضع تساؤل، وتُعدّ سنة 9891 نقطة تحوّل في الحياة السياسية لأنها نقلت الجزائر من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية السياسية، وضمنت كذلك حرية التعبير، وتأسيس الجمعيات، وعقد الاجتماعات للأفراد والجماعات. ووُضِع مباشرةً بعد أحداث الانتفاضة في المغرب، التي وقعت في حزيران/ يونيو 9811 وخلّفت مئات الضحايا، تدبيرٌ سياسي جديد للمجتمع الحضري، يقوم على الكفّ عن استعمال العنف

الجسدي وحده وسيلةً لقمع المجتمع (الاعتقال، والترهيب، والتصفية الجسدية، والسجن بسبب ارتكاب جنحة التعبير عن الرأي، وعزل العلماء والخطباء (الوعاظ)، ومصادرة الجرائد، وتوقيف المجلات... إلخ)، وبدأ إعداد توجهات «عصرية» جديدة في التدبير السياسي، والتخطيط الحضري. تتمثّل هذه التوجهات الجديدة، أولً، في ضمان أحسن مراقبة للسكان، بفضل تهيئة أدوات التصميم العمراني (المخطط المديري للتهيئة العمرانية 984–19811، وتصاميم التهيئة المخصصة للجماعات 989–1984.)1 بدأت الدولة في تطبيق سياسة مكثفة للسكن الاجتماعي، آملةً بذلك تحقيق أفضل إدماج اجتماعي – حضري لساكنة اعتُبرت خطيرة. كانت تصاميم التهيئة العمرانية تشنّ حملة ضارية على الأحياء التي اعتُبِرت بؤرًا للانفجار الاجتماعي العنيف. ووُضع برنامج لهدم عدد كبير من المنازل لضمان التقليص من الكثافة الديموغرافية، وإفساح النسيج الحضري الشديد الازدحام. وكانت الكثافة الديموغرافية وإمكان الرؤية في الفضاء الحضري من المعايير التي برّرت مخطط تدخّل الدولة في الأحياء التي وقعت فيها أحداث الانتفاضة.

ثالثًا: مفهوم الحركة الاجتماعية

بعد التعريف بمصطلح الانتفاضة وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية والسياسية والمجالية، نتساءل الآن عن مفهوم الحركة الاجتماعية. تُعرَّف الحركة الاجتماعية كلاسيكيًا بأنها «عمل جماعي لمجموعة تهدف إلى تعديل التنظيم الاجتماعي القائم أو الدفاع عن المؤسسات التي تهدّدها الحركات الاجتماعية

1(((إلى جانب ذلك، طبّقت سياسة دينية، ظ نّ أنها ستحقق مراقبة الحركات الإسلامية، والعلماء المستقلين، و«توظيف» الحائزين

للمعرفة الدينية.

الأخرى». وتركّز أدبيات علم الاجتماع على توليف ثلاث نقاط جوهرية في تعريف مفهوم الحركة الاجتماعية: • فكرة تجَمُّع، وفق مقياس صغير أو كبير، وتنظيمٍ ذي بعد محلي أو جهوي أو وطني. • فكرة برنامج، ومطالب اجتماعية وثقافية أو أيديولوجية: نضال من أجل مصالح مادية، أو رمزية، من أجل قيم محافظة أو حديثة. • فكرة الفاعل المعبّئ: قائد واحد، أو أكثر، تتوافر فيه كفايات Compétences فكرية وتنظيمية

(التحدّث أمام جمهور، وتنشيط الاجتماع، وتدبير التفاوض بين المصالح المتعارِضة... إلخ). ومن ثمّ يصير مصطلح الانتفاضة الصورة السلبية لمفهوم الحركة الاجتماعية. وإذا كانت الحركة الاجتماعية تحدث بأدنى مقدار من الظهور والصخب الإعلامي، فإن الانتفاضة لها القدرة، بسبب عنفها المميت، على زعزعة المسؤولين السياسيين والرأي العام. والواقع، كما يقول لويس كوزي، إن «الأنظمة المتحجّرة، إذ تخنق الصراعات الاجتماعية، إنما تحرم نفسها من إشارة إنذار، وتُضاعِف من خطر انهيار كارثي. ظهر إلى جانب مصطلح الانتفاضة ومفهوم الحركات الاجتماعية، مفهوم آخر في الستينيات، وهو مفهوم الحركات الاجتماعية الجديدة الذي بلوره عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين. وكما أشرنا سابقًا، يقود التعبئة الاجتماعية فاعلون جدد، مثل الحركات الثقافية، والحركات النسائية، وحركات حقوق الإنسان والطفل، والبيئيين أو الإيكولوجيين، والسكان، والجهويين، والسلميين، والمثليين، وغيرهم. أخذ مفهوم الحركات الاجتماعية الجديدة، في الغرب، يفرض نفسه تدريجيًا في حقول العلوم الاجتماعية. وتتميز هذه الحركات الاجتماعية بأنها ليست نتاجًا لعلاقات الإنتاج الاقتصادية، وبأنها تهمّ بالدرجة الأولى حقل الثقافة، والاستئناس الاجتماعي، والمدينة، والقيم، ومن ثمّ فإنها تزحزح، فيما يبدو، التدبير الكلاسيكي للنزاع الاجتماعي، والتمثيل السياسي.

(11) Emilio Willems, Dictionnaire de sociologie (Paris: Librairie Marcel Rivière et Cie, 1970), p. 206.

(((1 كتب فيرنر سومبارت (941–18631) عالم الاقتصاد، وأستاذ بجامعة بريسلاو، في سنة 898:1 «حيثما يمكن الحديث عن حركة

اجتماعية فسنجد، بصفة عامة، نقطة انطلاق وهي التنظيم الاجتماعي الموجود، وحاملً (الذات الفعّالة) للحركة أو قائمًا بها وهي

الطبقة الاجتماعية، وهدفًا وهو المثال الأعلى للمجتمع الجديد»، انظر:

Werner Sombart, Le socialisme et le mouvement social au XIXe siècle (Paris: V. Giard & E. Brière, 1898), p. 12, accessed on 19/9/2018, at: https://bit.ly/2PRX2vZ (13) Lewis Coser, Les fonctions du conflit social (Paris: PUF, 1982), pp. 85–86.

انتخب المؤلف ثلاث وظائف للنزاع الاجتماعي، هي: تحقيق الذات، وإشارة منبّهة إلى وجود خطر، وحافز أو عامل وسيط.

(14) François Dubet, «Les nouveaux mouvements sociaux,» in: Françoise Chazel (dir.), A ction collective et mouvements sociaux (Paris: PUF, 1993), p. 6.

وإذا كانت الحركات الاجتماعية الكلاسيكية تسعى إلى الدفاع عن المصالح المادية (الفئوية) والرمزية، فإن الحركات الاجتماعية الجديدة تنظّم نفسها بالدرجة الأولى حول مجموعة من القيم. فقد أبرزت الحركات الأخيرة أشكالً أخرى للهيمنة الاجتماعية، والجنسية، أو اللغوية. وكما تستطيع الحركات الاجتماعية النهوض بالقيم الحديثة المتصلة بالمواطنة، والعدل، والمساواة بين الجنسين والحقّ في الاختلاف، وغير ذلك، فإنّها قادرة كذلك على أن تجعل نفسها في خدمة القيم المحافظة القديمة أو التقليدية. لا تقبل هذه النزاعات الاجتماعية الجديدة الاندماج بسهولة في التحليل الماركسي لصراع الطبقات. «فلم يعد صراع الطبقات، ونزاع المصالح يظهران في المعامل فقط، بل في كل مكان يسعى فيه المجتمع إلى إِحداث تحوّل في كيانه، وتبعًا لذلك، في كل مكان يسعى فيه سادة المجتمع إلى فرض مصالحهم».

رابعًا: هل يمكن استخدام مفهوم الحركة الاجتماعية لتحليل النزاعات الاجتماعية في نظام سياسي سلطوي، أو في نظام استبدادي؟

يفترض مفهوم الحركة الاجتماعية، كما حدده ألان تورين، وجودًا سابقًا للسوق والديمقراطية، ففكرة الحركة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن التفكير الليبرالي الديمقراطي. والواقع أن القمع والترهيب المنظّمَين يعوقان إنشاء الحركات الاجتماعية في البلدان غير الديمقراطية. وقد خلق بسط السلطة

القمعية، على الدوام، مناخ الخوف والحذر لدى السكان؛ مُستخدَمِين، وتجارًا، وطلبة، وصحافيين، ومحامين، وقضاة... إلخ. ونتيجةً لذلك يجعل الترهيب تكلفة انخراط الفرد في حركة احتجاج اجتماعية مرتفعة جدًا. إن إضعاف العمل النقابي، وتشتّت النضالات الاجتماعية الحضرية في الغرب، وظهور حركات اجتماعية جديدة تتميز بعدم تجانسها، وتكاثرها، خلق كل ذلك قلقًا وعدم ارتياح لدى علماء الاجتماع، خصوصًا الماركسيين منهم، الذين كانوا يظنون أن الحركة الاجتماعية الحقيقية الوحيدة إنما ترتبط بالطبقة العاملة. ففي رأي ألان تورين، تستجيب الحركة العمالية وحدها لتعريف الحركة الاجتماعية. ويعطي لهذا المفهوم معنى أدقّ، إنْ لم نقل أضيق، كونها، أي الحركة الاجتماعية، «في آن واحد نزاعًا اجتماعيًا

ومشروعًا ثقافيًا [...] فليس أيّ نضال مطلبي في حدّ ذاته حركة اجتماعية؛ فقد يكون هذا النضال

(15) Ibid., p. 61. (16) Alain Touraine, Le mouvement de Mai: Ou le communisme utopique (Paris: Seuil, 1968), pp. 10–11.

(((1 لمزيد من التفاصيل حول فكرة أن الحركة الاجتماعية لا تنفصل عن التفكير الليبرالي الديمقراطي، انظر:

Alain Touraine, «Découvrir les mouvements sociaux,» in: Chazel, p. 28. (18) M. Pichol, «A propos des questions de M. Foucault,» Hérodote , no. 6 (1977), p. 31.

المطلبي دفاعًا تضامنيًا، واستخدامًا للظرفية في سوق الشغل، بل قد يكون ضغطًا سياسيًا»،

بينما «تشير الحركة الاجتماعية، بأصابع الاتهام إلى علاقة من علاقات السلطة المندرجة بصورة ملموسة جدًا في المؤسسات والمنظمات». فلا يشكّل أيٌّ من هذه الحركات الاجتماعية الجديدة المنبثقة، انطلاقًا من ستينيات القرن الماضي، نزاعًا اجتماعيًا مركزيًا ومستديمًا في المجتمعات

الراهنة. ظهرت خلال هذه الفترة، أيْ فترة الستينيات، زاوية أخرى للتحليل تعتمد على مفهوم الحرمان. وتُتيح لنا هذه النظرية، التي طوّرها جيمس دافيز (9971) وتيد روبرت غور (0102)، إلقاء الضوء على نشأة السخط الجماعي. فالسخط وحده لا يكفي ليؤدي إلى تعبئة جماعية، على الرغم من أن الشعور بالحرمان هو الشرط الأول لبناء عمل جماعي. يحلّل تيد روبرت غور الحرمان بوصفه حالة توتر، ورضًا منتظرًا مرفوضًا، مولِّدًا لطاقة السخط والعنف.

ووضع منظّرو الحرمان القاعدة السوسيولوجية التالية: «عندما يكون الناس في حالة من اليأس والبؤس الشديدين، فإنهم غالبًا ما يكونون أقل نزوعًا إلى الانتفاضة، لأنهم يكونون حينئذ من دون أمل [...]

وحين تبدأ وضعياتهم في التحسن، ويكون لديهم شعور بتغيّر محتمل، إذاك فقط يتمردون تمردًا فعليًا

ضد القمع والجور. إن ما يفجّر العصيان لهو الأمل وليس فقدانه، لأن الأمل هو الذي يبعث الثقة،

وليس التألّم المكتئب». إن هذه الفرضية ذات النزعة السيكولوجية الضيقة، المتعلقة بالحرمان، والتي تزعم تفسير الانفجار العنيف للنزاعات الاجتماعية، سيحالفها نجاح كبير، فيما بعد، في مجال الأدبيات السوسيولوجية. نلاحظ أن السخط الجماعي لا يرتبط بالمحددات الاقتصادية (البطالة، والفقر، والأزمة الاقتصادية وغيرها)، ولكنه نتيجة الفجوة والتوتر بين التوقعات والانتظارات والآمال التي بُنيت اجتماعيًا والوضع

المعيشي الحالي المرّ. فمثلً يشعر الشباب العاطل عن العمل من حاملي الشهادات بالحرمان والإحباط

على نحو مضاعف؛ فالأمل في الترقية الاجتماعية كبير بعد الحصول على شهادة جامعية، لكن الشاب يصطدم بواقع البطالة الذي يعزّزه شعورٌ بالظلم (الحرمان النسبي) مقارنةً بالشباب العاطل عن العمل من حاملي الشهادات الذين تمكّنوا بفضل احتجاجاتهم المتكرّرة في الفضاء العام من الحصول على

عمل في الوظيفة العمومية. يعكس مفهوم الحرمان النسبي الشعور بالظلم، ولكنه يستند إلى مبدأ المساواة. ويوضح ألكسي توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أميركا»، أن «إذا كان بعض زملائي الرجال يتمتعون بامتيازات، فسوف أشعر

(19) Alain Touraine, Critique de la modernité (Paris: Fayard, 1992), p. 279. (20) Ibid., p. 282.

(((2 يتعلّق الأمر بحركات نساء، وسلميين، وبيئيين، ومثليّين، وجمعيات الأحياء... إلخ، انظر:

Erik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux (Paris: La Découverte, 1996), pp. 40–41 (22) Ted Robert Gurr, Why Men Rebel (Boulder: Paradigm Publishers, 2011), p. 114.

بالظلم. من ناحيةٍ أخرى، عندما يكون عدم المساواة هو القانون العام في المجتمع أو المجموعة التي أعيش فيها، فإن التفاوتات القاسية يمكن تحمّلها».

خامسًا: كيف تغذي السياسات العمومية الكثيفة الحرمان ومن ثمّ الاحتجاج؟

منذ سنة 0042، بعد الأعمال الإرهابية الخمسة التي هزّت مدينة الدار البيضاء سنة 0032، نهجت الدولة سياسات متعددة هدفها إدماج السكان في وضعية اجتماعية هشّة. فهناك أربعة مشاريع كبرى لا تزال قيد الإنجاز تثير الانتظارات والآمال لدى ساكنة تعيش في ضواحي المدن وفي المناطق القروية المعزولة: الشبكات الطرقية، وسياسة السكن الاجتماعي، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والأنظمة الجديدة للتغطية الصحية. وينعكس أثر التركيز الشديد لوسائل الإعلام في المشاريع التي دشّنها الملك محمد السادس في مختلف جهات المغرب، والوعود التي قُدِّمت ولم تتحقق، على تنظيم الاحتجاج الاجتماعي وتحريكه. وقد تسبّب حجم هذه السياسات العمومية في نتائج معاكسة تتمثل في خلق الإحساس بالحرمان

وتغذية الأمل ومضاعفة الانتظارات الاجتماعية. فالتدخلّات التي تقوم بها الدولة لمصلحة مناطق معزولة ومهمّشة، تخلق الشعور بالتمييز لدى سكان مناطق أخرى تعاني الصعوبات نفسها. ويولّد هذا

التدخّل الشعور بحرمان نسبي، والذي يُشعِل بدوره حماس الفاعلين المعبِّئين، ويثير غضب السكان

الذين تغذّوا بالأمل في تغيّرٍ ممكن. فمنطقة الرشيدية مثلً، وهي أفقر منطقة في المغرب، لم تعرف أيّ غضب جماعي على الرغم من وجود

عزلة جغرافية واجتماعية كبيرة وتفاقم تهميشها مقارنةً بالمناطق الأخرى التي تحظى بسياسة عمومية ديناميكية نسبيًا. كانت حالات الفقر المجتمعي والإقصاء المجالي يعيشها السكان باعتبارها حالات «طبيعية». لكن الآن، وبعد أخذ الكلمة من طرف الفاعلين، والاقتناع بأن التغيير ممكن من دون تكلفة شخصية عالية في ظلّ تراجع الخوف من السلوك العنيف المحتمل من السلطات المحلية، أصبح السكان يشعرون بالظلم ويحتجّون في الفضاء العام. فسكّان منطقة الريف، بوصفهم عشيرة، لم يحتجّوا على هذه الوضعية المزرية بصفة منتظمة وسلمية

ومستمرة وكثيفة إلا بعد وضع مشاريع كبرى مهيكلة في الشمال وبعد الإعلان عن انطلاق مشاريع كبرى سنة 0152 هدفها إدماج منطقة الريف جغرافيًا واجتماعيًا. فالإحساس الجماعي ب «الحگرة» أو

بالحرمان والتعبير عنه في المجال العام يغذّيه الشعور الجماعي بالأمل وبإمكانية التغيير على مستوى وضعيتهم الاجتماعية المزرية. فالحرمان هو حالة من التوتر، ورضا مُتوقّع لكن يُرفض، ولا يتحقّق. ويُعدّ هذا الإحساس هو الخطوة الأولى للانتفاضة أو التظاهرات.

(23) Alexix De Toqueville, De La démocratie en Amérique (Paris: Pagnerre, 1850).

ولكن نظرية الحرمان لا تصرّ على صيرورة عملية الانتقال من السخط الفردي (الشعور بالظلم) إلى

العمل الجماعي. كما لا تأخذ في الاعتبار طبيعة قيود النظام السياسي على الأعمال الجماعية. ولا تسعى إلى تفسير تطوّر أشكال الاحتجاج الاجتماعي أو التغيير في طبيعة الأعمال الجماعية. لكن في السبعينيات، ظهر إطار جديد لتحليل الحركات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية: نظرية تعبئة الموارد. فلم يعد الأمر كما هي الحال في نموذج «الحرمان الجماعي» الذي يتساءل عن أسباب تعبئة المجموعات، ولكن عن كيفية إطلاق التعبئة الجماعية أو تطويرها أو نجاحها أو فشلها. تعدّ الحركات الجماعية أفعالً لا تتحدّد بأزمات نظامية، أو بوضعيات تهميش، أو بظروف الحرمان التي يحسّ به الفاعلون في هذه الحركات، بل بقدرة هؤلاء الفاعلين – متى أتاح لهم توافر الموارد ذلك –

على تنظيم تعبئة تروم الدفاع عن مصالحهم وقيمهم الخاصة.

خاتمة

تدمج مقاربتنا أبعادًا متعددة كفيلة بتسهيل بناء مصطلح الاحتجاج الاجتماعي. ومن أجل ذلك فإننا نميّز بين مستويين: • مستوى أكبر (ماكرو)، يُحيل على فرص سياسية محلية، ووطنية، بل حتى دولية تكون في مصلحة

تنظيم الاحتجاج الاجتماعي (حرية التعبير، ووصول متاح إلى وسائل الإعلام، ودرجة السخط الاجتماعي... إلخ). • مستوى أصغر (مايكرو)، يُبرِز في المقام الأول، قدرة الفاعلين على النجاح في التعبئة الاجتماعية،

وتحديد المنافع الجماعية التي ينبغي المطالبة بها، وأهداف الاحتجاج، وتكلفة المشاركة فيه (مواجهة بدنية مع رجال الأمن، واعتقال، وإدانة، وتعذيب)، والفوائد التي سيجنيها المحتجّ من احتجاجه. لكن المشكل الآن في مجتمعاتنا هو ضعف المؤسسات السياسية والنقابية والجمعوية التي من مهمتها ممارسة دور الوساطة الاجتماعية بين السكان وأجهزة الدولة، ومن ثمّ دور هذه المؤسسات في تخفيف

حدّة تطرف النزاعات الاجتماعية أو تساعد على تجنبه. وتشير الأبحاث الاجتماعية إلى ارتفاع درجة عدم الثقة بهذه المؤسسات التي تؤدي دور الوسيط.

المراجع

References

العربية

رشيق، عبد الرحمان. «السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب». عمران. العدد 1 8 (خريف.)2016

(24) Anthony Oberschall, «Social Movement and the Transition to Democracy,» Democratization , vol. 7, no. 3 (2000), pp. 25–45.

الأجنبية

Chazel, Françoise (dir.). Action collective et mouvements sociaux. Paris: PUF, 1993. Coser, Lewis. Les fonctions du conflit social. Paris: PUF, 1982. De Toqueville, Alexix. De La démocratie en Amérique. Paris: Pagnerre, 1850. Encyclopædia Universalis. Dictionnaire de la sociologie. Paris: Éditions Albin Michel,

Gurr, Ted Robert. Why Men Rebel. Boulder: Paradigm Publishers, 2011. Le Bon, Gustave. Psychologie des foules. Paris: PUF, 1981. Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. Paris: La Découverte, 1996. Oberschall, Anthony. «Social Movement and the Transition to Democracy.» Democratization. vol. 7. no. 3 (2000). Pichol, M. «A propos des questions de M. Foucault.» Hérodote. no. 6 (1977). Rachik, Abderrahman. «Sciences sociales et violence collective urbaine au Maghreb.» Prologues. no. 16 (1999). Rajakovic, Natacha. «L’anatomie d’une captation nationaliste: L’absence de mouvements de contestation en Yougoslavie.» Cultures & Conflicts. no. 5 (1992). Sombart, Werner. Le socialisme et le mouvement social au XIXe siècle. Paris: V. Giard & E. Brière, 1898. Touraine, Alain. Le mouvement de mai: Ou le communisme utopique. Paris: Seuil, 1968. ________. Critique de la modernité. Paris: Fayard, 1992. Willems, Emilio. Dictionnaire de sociologie. Paris: Librairie Marcel Rivière et Cie,