Return to Article Details Unfinished Dream: A Critique of Samir Amin

سمير أمين: في نقد حلم انكسر

Unfinished Dream: A Critique of Samir Amin

عصام الخفاجي | Isam al Khafaji *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة مساهمة سمير أمين النظرية، بوصفه أحد روّاد مدرسة سُمّيت "مدرسة التبعية"، التي هيمنت لعقودٍ عديدة على فهمنا لعلاقة تخلّف العالم الثالث بالعالم الرأسمالي المتقدّم. ثوّرت مدرسة التبعية فهمنا للعالم الثالث، وأسباب تخلّفه، رابطةً هذا التخلّف بآليات تطوّر الرأسمالية على مستوى العالم كلّه. تمثَّل إرث سمير أمين ومساهمته في تقديمه تحليلًا وتفسيًرا اقتصاديًّا عميقًا للكيفية التي تجعل تقدّم العالم الرأسمالي المتقدّم متلازمًا مع تخلّف العالم الثالث. تركّز هذه الدراسة على مساهمات أمين التأسيسية في مدرسة التبعية، وتنقد قصورها، مفسّرةً تراجع أهميّة المدرسة وأفولها، كما تفكك كذلك مساهمة أمين في الفهم الماركسيّ للتاريخ.

Abstract

Iraqi scholar and writer in social science and political economy. He has taught at the University of Amsterdam, New York University, and Yale University.

الكلمات المفتاحية:
  • سمير أمين
  • مدرسة التبعية
  • الرأسمالية
  • الماويّة
  • التخلّف
Keywords:
  • Samir Amin
  • Dependency Theory
  • Capitalism
  • Maoism
  • Underdevelopment

ملخص: تتناول هذه الدراسة مساهمة سمير أمين النظرية، بوصفه أحد روّاد مدرسة سُمّيت

«مدرسة التبعية»، التي هيمنت لعقود عديدة على فهمنا لعلاقة تخلّف العالم الثالث بالعالم الرأسمالي المتقدّم. ثوّرت مدرسة التبعية فهمنا للعالم الثالث، وأسباب تخلّفه، رابطةً هذا

التخلّف بآليات تطوّر الرأسمالية على مستوى العالم كلّه. تمثَّل إرث سمير أمين ومساهمته

في تقديمه تحليلً وتفسيرًا اقتصاديًّا عميقًا للكيفية التي تجعل تقدّم العالم الرأسمالي المتقدّم

متلازمًا مع تخلّف العالم الثالث. تركّز هذه الدراسة على مساهمات أمين التأسيسية في مدرسة

التبعية، وتنقد قصورها، مفسّرةً تراجع أهميّة المدرسة وأفولها، كما تفكك كذلك مساهمة أمين

في الفهم الماركسيّ للتاريخ.

Abstract: This study revisits Samir Amin’s Marxist conceptual framework as one of the pioneers of the Dependency Theory School that dominated scholarly understandings of the structural relationship between capitalism and underdevelopment. Amin provided a solid economic analysis that explains how the progress of the developed capitalism coincided with underdevelopment in the rest of the world. However, this article will show that Amin’s theoretical and ideological model pushed him to go further in developing a distinctive teleological Marxist theory on history that serves his theory of dependency. Keywords:

Samir Amin, Dependency Theory, Capitalism, Maoism, Underdevelopment.

شتاء   winter 2019

دُفن سمير أمين حيث يليق به، في مقبرة بير لاشيز Lachaise Père التي تضم رفات مناضلي

كوميونة باريس 1870. هنا يرقد عشرات الثوريين ممن وقفوا أمام فرق الإعدام، بعد أن هُزمت

ثورتهم التي أقامت لبضعة أشهر أول «سلطة نافية للسلطة» في التاريخ، سلطة تقضي على الدولة لتقيم محلّها سلطة الكوميونات، سلطة التجمّعات الطوعية للعمال والكادحين التي تتول ى إدارة شؤون

المجتمع بالمساواة، سلطة لم يهزمها غير استدعاء الحاكم «الوطني» الإمبراطور لويس بونابرت (ابن أخ نابليون بونابرت) جيش الدولة الألمانية التي لم يمضِ على تأسيسها غير عقدين من الزمن، لكي تحتل بلده وتقضي على أولئك الحالمين الفوضويين. أن يرقد مفكّر مناضل (ولعل أمين كان يفضّل أن أقدم صفة «المناضل» على «المفكّر») إلى جانب مناضلين ليست الرمزية الأهم هنا. عشرات من أحبّتي من شتى الجنسيات دُفنوا (أو أوصوا بدفنهم)

هنا أو في مقبرة هايغايت Highgate في لندن، حيث يرقد كارل ماركس. رمزية رقود أمين في مقبرة بير لاشيز تكمن في كونه مناضلً تشارك مع أبطال الكوميونة في حلم لم يكن مؤسّسًا على واقع. لا

الشروط المادية – الاقتصادية ولا وعي البشر كانا مؤهّلين لإقامة مجتمع كهذا. كأن هايغايت وبير

لاشيز رمزان لرفقة متصارعة. الثوري كارل ماركس حذّر ثوريي الكوميونة: لم تحن شروط الثورة بعد. لكنه، إذ ثار شيوعيو باريس، وقف بكل طاقته معهم. وهكذا هي علاقتي بأمين. كانت تناوسًا بين رؤية هايغايت ورؤية بير لاشيز: حلم نتشارك فيه حول

ضرورة تجاوز الرأسمالية، وحتمية تجاوزها، بصفتها منظومة علاقات استغلال. تبنّينا، أمين وأنا، منهج التفكير المادي التاريخي (الماركسي وفق التعبير الشائع)، اعتنقنا معًا رؤى رافضة الماركسية السوفياتية،

انتمينا إلى تيّار لم تكن له الغلبة في أوساط اليسار، يرى أن نظم الاستبداد القومية (الناصرية والبعثية

وغيرها) تبني نظم استغلال طبقي جديدة لا نظمًا اشتراكية، رفضنا التطويب السوفياتي لتلك النظم. لكنّنا اختلفنا على كل ما عدا ذاك. إذ ا سيسأل القارئ: وما عدا ذاك؟ «ما عدا ذاك» هو جسم هائل من

التنوّع في صفوف اليسار، أنتج صراعات فكرية وسياسية حادة، لكنه أنتج أيضًا حراكًا فكريًّا شديد

العمق أغنى الفكر الإنساني، وتأثر به معظم التيارات الغربية يمينًا ويسارًا، صراعات تبدأ من النظرية

وتنتهي بالرؤى السياسية. يبدأ الخلاف من رؤية التيار الفكري الذي انتمى إليه أمين لواقع العالم الرأسمالي وموقع بلدان العالم

الثالث فيه، ليتفرع إلى تفسير إمكانات تطورها وآفاقه، وصول إلى التساؤل عن معنى الحديث عن سيطرة الرأسمالية وكيفية تجاوزها نحو نظام أكثر عدالة. لوهلة من الزمن سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي بأعوام، بدت تلك الأسئلة ساذجة. كان ثمة إحساس خلال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته بأن تلك الأسئلة، ومن انهمكوا في محاولة الإجابة عنها، باتت تراثًا قد يُحتفى به، لكن مكانه هو كتب تاريخ الفكر، وعليه أن يغادر مسرح النقاشات النظرية

والسياسية المعاصرة. إنه إحساس نتج من الشعور اليميني والليبرالي الظافر بأن عصر الاشتراكية والتفكير الاشتراكي قد انتهيا، وأن التجارب السوفياتية والصينية وغيرها كانت لحظة عابرة في التاريخ.

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

لا شك في أن كثيرًا من أسئلتنا باتت من مخلّفات الماضي حقًا، وهي إذ نتأملها من منظارنا المعاصر،

لا منظار عقد الستينيات الثوري، ساذجة مثلما هي الأجوبة عنها. لكن أسئلة اليسار الجوهرية ظلت قائمة، وعادت لتلهب حماس قطاعات واسعة من سك ان كوكبنا اليوم: من المسؤول عن الأزمات التي هزّت العالم منذ عام 2008، وعن اتساع الفجوة بين الدخول

خلال ربع القرن الأخير؟ أين يكمن الخلل في نظامنا القائم؟ كيف نفسره؟ بل كيف نفسّر النظام

القائم؟ ما الذي يستدعي التغيير فيه؟ كيف نغيّر؟ وما الذي نريد أن نقيم بديلً منه؟ لم يكن يورغن

هابرماس، إذ ا، مخطئًا حين أعلن أن «شبح ماركس سيظل شاخصًا فوقنا» حتى بعد سقوط التجارب

التي أرست مشروعيتها على فكره.

معرفة سمير أمين

لعلها مفارقة أن يكون انتماء أمين وانتمائي إلى مدارس اليسار الثوري، فكريًا، سببًا في تأخر تعرّفي إليه

شخصيًا. كانت أولى عباراته حين التقينا أوائل التسعينيات: «إنها لعنة أن تكون مناضلً.» تمثّلت «اللعنة» في أن بلدانًا عدّة كانت تمنع دخول أحدنا، وأخرى كانت تنظر بريبة إلى جوازات السفر التي نحملها، وأخرى، وأخرى. لحقت تلك اللعنة أمين قبل أن تلحقني بعقدين على الأقل. فأمين ينتمي إلى جيل أساتذتي، وبيني وبينه عشرون عامًا. كان وطنه، مصر، محرّمًا عليه. لم يتطلّب الأمر

جهدًا كبيرًا من أجهزة الأمن المصرية، ذات الخبرة العريقة في ميدانها، لكي تحدّد أن حسن رياض

مؤلف كتاب مصر الناصرية L’egypte nasserienne لم يكن غير أمين، ذاك الشاب الذي ذهب لدراسة الدكتوراه في فرنسا، وكان له سجل أحمر بصفته عضوًا في تنظيم «الراية» الشيوعي المصري

الذي خالف التيار السائد في الحركة الشيوعية المصرية، أي «حدتو» (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وبنى تحليلاته للوضع المصري على أساس أن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن غير انقلاب فاشي. فكيف نلتقي؟ كان عمري ثلاثين عامًا، حين فوجئت بأن أمين رشّحني للمساهمة، إلى جانب أسماء كبيرة لامعة،

في مشروع بحثي كبير عنوانه «المستقبلات العربية البديلة». أشرف عليه منتدى العالم الثالث الذي كان يديره من السنغال. كان قد تعرّف إلى اسمي بفضل أحد أبرز اقتصاديي مصر، الدكتور محمود

عبد الفضيل، الذي خصص صفحتين من كتاب له حول جديد الفكر الاقتصادي العربي لعرض مؤل ف

لي نشرته قبل عام. لكن مساهمتي في المشروع لم تكن لتشفع لي لكي أتمك ن من لقائه. فقد كنت منفيًّا في بيروت الحرب الأهلية، أتنقل بجواز سفر صادر عن دولة «تثير الريبة» لأن نظامها السياسي

يعتنق الماركسية؛ هي جمهورية اليمن الديمقراطية (أي الجنوبية قبل وحدتها مع اليمن.) كان عليّ انتظار عقد من الزمن لكي تتاح لنا فرصة اللقاء، حين دعوته بصفتي محرّرًا لكتاب دوري

متخصص في العلوم الاجتماعية لزيارة دمشق حيث كنت أقيم. لم أكن أتخيّل أن أمين الذي تملأ كتبه

(1) Samir Amin (Hassan Riad), L’egypte nasserienne (Paris: Ed. de Minuit, 1964).

شتاء   winter 2019

أكشاك دمشق، كان في حاجة إلى تصريح أمني يسمح له بالدخول، ولم أكن أتوقّع أن تعتذر جامعة دمشق عن دعوته لإلقاء محاضرة لأسباب لم يفصح رئيس القسم المعني عنها، لكنها كانت أمنية بلا شك. أخذ أمين يساهم في الكتاب الدوري. في الأعداد الأربعة التي صدرت منه، نشر ثلاث مساهمات.

وتكرّرت اللقاءات فيما بعد في بيروت والقاهرة، بعد أن رُفع عني حِرْم دخولي إليها في أوائل التسعينيات.

لم يمنع الخلاف الفكري تواصل اللقاءات بل لعله كان سببًا في ذلك. فقد كان أمين مساجل رائعًا

يحتفي بالنقد ويرحّب به. أردت لما سبق أن يكون مدخلً لرسم صورة عن السياق التاريخي لرؤى أمين، ولمدرسة فكرية مثّلت صرحًا نظريًا هيمن على الدراسات الأكاديمية طوال عقدين، وكان أمين من أعمدتها. وأستبق عَرضي

الذي سيكون نقديًا بالقول إن كل الفكر اليساري الجاد يجب أن يكون محل نقد، وإن كاتب هذه المادة

لا يريد الإيحاء إطلاقًا بأنه «خارج» أو «فوق» الأفكار موضع النقد.

في تاريخ «التخلف»

لعل مدرسة التبعية School Dependency، وهو الاسم الذي تعارف الدارسون على إطلاقه على التيار الذي مثّله أمين (ولم يكن المنتمون إليه يؤيدونه)؛ هو أول محاولة لتقديم تفسير شمولي يدرس تطور البلدان المتقدمة وتخلّف العالم الثالث بصفته وحدة متشابكة، مستندًا إلى معطيات علوم اجتماعية متعددة. وقد تصدّر تيار التبعية مشهد دراسات العالم المعاصر طوال عقدين من الزمن، وتراجع تأثيره تدريجيًا حتى بات شبه منسيّ في حقول البحث الأكاديمي. ولعل منطقتنا العربية التي غالبًا ما تتعرّف

إلى النظريات بعد عقود من طرحها، ونادرًا ما قدّم باحثوها دراسات نقدية جدّية لتلك النظريات، تُعد

استثناءً؛ إذ لا تزال تحظى أفكار ذلك التيار بشعبية في الأوساط الأكاديمية، بل في الوعي السياسي

التقدّمي عمومًا. ما مدرسة التبعية؟ وما السياق التاريخي الذي مهّد لظهورها ومن ثمّ أفولها؟ هنا عرض شديد الإيجاز لا بد أن ينطوي على تبسيط: حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكن «دراسة التخلّف»؛ أي دراسة اقتصاد العالم الثالث ومجتمعاته وأسباب تخلّفه وسبل تجاوزه، فرعًا مستقل معترفًا به في الأوساط الأكاديمية، بل ظل كثيرون (ومنهم كاتب هذا البحث) لا يعترفون به. ولم تكن هناك، على أي حال، أبحاث علمية تستحق هذا الاسم عن التراكيب الاجتماعية – الاقتصادية للبلدان أو المناطق الواقعة خارج العالم الرأسمالي المتقدم وخارج الاتحاد السوفياتي. كانت هناك دراسات لا حصر لها تتعلق بتواريخ بلدان محددة أو اقتصادها، وكانت هناك قلّة من الكتابات التقدمية التي تهاجم السياسات الاستعمارية التي تتعمّد إبقاء

تلك البلدان متخلّفة.

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

مع تصاعد موجات التحرر الوطني، ونيل غالبية شعوب آسيا وأفريقيا استقلالها خلال عقدَي الخمسينيات والستينيات، عمّ التفاؤل بين شعوب وقادة تلك البلدان بأن اللحاق بالدول المتقدمة،

وإن تطلب وقتًا وجهدًا، أمر ممكن. وفي هذه الفترة تحديدًا، ازدهرت الكتابات عن «التخلف». كانت

الدراسات، وبعضها شديد الأهمية والعمق، تركّز البحث على العوامل المعرقلة للتطور؛ كنقص رأس المال، أو ضيق السوق، أو نظم الحكم الفاسدة وغيرها. كان هذا التوجه في مقاربة قضايا العالم الثالث ينطوي على منطق ضمني، مفاده أن زوال عوامل التخلف سيضع البلدان المتخلفة على الطريق الذي سلكته قبلهم البلدان المتقدمة. وكان المنطق السائد في أوساط القادة وصانعي القرار

أن رحيل الاستعمار، واستعادة السيطرة على مصادر الثروة الوطنية التي كان يتحك م فيها، سيفسحان المجال أمام رأس المال المحلي، لكي يستثمر في الصناعة، وما على الدولة سوى خلق الشروط الملائمة لذلك؛ بفرض قيود على استيراد السلع التي كان الغرب يغرق الأسواق المحلية بها، وتشجيع رأس المال المنخرط في التجارة الخارجية على التوجّه إلى الاستثمار في الصناعة. كانت تلك هي

الإستراتيجية التي تبنتها معظم البلدان المتحررة حديثًا، والتي عُرفت باسم «التعويض عن الاستيراد»

. Import Substitution

وسرعان ما اكتشف مصممو تلك الإستراتيجية أن البرجوازية المحلية لم تضخ إلا القليل من رؤوس أموالها في الصناعة، وظلت تفضّل الاستثمار في التجارة الخارجية والعقارات، فكان أن اتجهت الدولة في كثير من البلدان إلى الحلول محلّ رأس المال الخاص بإقامة الصناعات وتأميم المؤسسات المالية والتجارية الخاصة. هكذا تكاثرت منذ أوائل الستينيات نظم حكم ترفع شعارات «الاشتراكية العربية»، و«الاشتراكية الأفريقية»، و«الاشتراكية العلمية» وغيرها. ولم تكن حصيلة تلك التحولّات غير مزيد من

الانتكاسات. فالمصانع التي أُنشئت لإنتاج المواد الغذائية أو النسيج أو السلع الكيميائية أو الكهربائية، على سبيل المثال، ربّما استطاعت تغطية حاجة السوق المحلّية (بسلع رديئة) ووفّرت الأموال التي

كانت تذهب إلى استيراد تلك السلع. لكن ما لم ينتبه له قادة تلك الدول هو أن مشاريع كهذه قادت إلى عكس ما كانوا يسعون لتحقيقه؛ فمكائن كل تلك الصناعات المعوّضة عن الاستيراد وقطع غيارها

وما يتعلق بصيانتها، أيضًا، كانت تستورد بمبالغ أكبر لا تُقارن بالمبالغ التي كانت تذهب إلى استيراد السلع التي تم إنتاجها محلّيًا. والتوجّه المعلن للاستقلال الاقتصادي قاد إلى مزيد من التبعية، وتحويل

البلدان المستقلّة من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي أفضى إلى انهيار الزراعة من دون نهوض الصناعة، بحيث باتت تلك الدول معتمدة على الخارج حتى في غذائها. كانت حصيلة محاولة اللحاق بالبلدان المتقدمة، باختصار، تزايدًا مريعًا في الهوّة بين العالم الثالث

والبلدان المتقدمة؛ من حيث مستويات المعيشة والإنتاجية. كان المزاج الطاغي في أوساط المثقفين وصانعي القرار وبين غالبية شعوب العالم الثالث معاديًا للرأسمالية، وكان أقصى ما سمحت به نظم

الحكم الثورية هو منح القطاع الخاص أدوارًا مكمّلة لنشاط الدولة. كان السؤال الملحّ: أين الخلل؟ وما البديل؟ القول إن نظام السوق الرأسمالي هو الأكثر كفاءة والأقدر

على تطوير بلدان العالم الثالث كان أقرب إلى الخيانة. كما أن التجربة السوفياتية حققت قفزات هائلة

شتاء   winter 2019

في ظل نظام رفض الرأسمالية، وبات أكثر المنظ رين يمينية يعترف بأن الاتحاد السوفياتي حقق خلال نصف قرن ما احتاج الغرب إلى قرن لتحقيقه، بحيث إن نقد النظام السوفياتي كان يبدأ بالاعتراف بنجاحاته، ليتساءل عن الثمن الباهظ الذي تطلّبه النجاح من حيث التضحية بالحريات، وعدم إشباع حاجات السكان لكي تذهب الموارد إلى الاستثمار في صناعات إستراتيجية تستفيد منها أجيال لاحقة.

سمير أمين ومدرسة التبعية

هنا تقدمت مدرسة التبعية لتملأ الفراغ، وتسعى لتقديم جواب عن تلك الأسئلة. تعود بدايات مدرسة التبعية إلى نهاية الخمسينيات، حين عرض الأرجنتيني راؤول بريبش أطروحته القائلة بعجز النظريات الاقتصادية والنيوكلاسيكية عن تفسير العلاقات الاقتصادية القائمة بين «المركز» المتخصّص في الصناعة و«الأطراف» المتخصصة في الزراعة والصناعات الاستخراجية. فالأحرى،

من وجهة نظره، تفسير العلاقة وفق نظرية تقوم على «التبادل غير المتكافئ» (وهو عنوان الكتاب الأهم لأمين). كان بريبش أول من صاغ مفهومي «المركز» و«المحيط» اللذين باتا شائعين اليوم. كان لهذه الأطروحة، التي بدت في صيغتها التجريدية شأنًا أكاديميًا، مفاعيل سياسية وفكرية هائلة،

إذ تلقّفها منظّرو اليسار «الجديد» (أي اليسار الماركسي الناقد للرأسمالية وللماركسية في صيغتها

السوفياتية في آنٍ) في فترة المد الثوري العاصف الذي اجتاح العالم خلال النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ليحوّلوها إلى برنامج متكامل للعمل. عرض أندريه غندر فرانك فكرته القائلة بتشكيل

«المتروبول» و«الأفلاك» (وهما المقابل لمفهومي «المركز» و«الأطراف») جزأين لا بد من وجودهما معًا في النظام الرأسمالي العالمي؛ ذلك أن هذا النظام يقوم على التبادل الاحتكاري الذي يؤمّن

نقل الفائض الاقتصادي من المناطق الخاضعة (الأفلاك) إلى المراكز الإمبريالية (المتروبول). وهذا النظام هو الذي يتحكّم في توزيع السلطة السياسية وفي أشكال تنظيم الإنتاج والبنى الطبقية للمناطق المختلفة. وبناءً عليه، فإن الآليات التي تطلق التطور في المتروبول هي نفسها الآليات التي تسبّب

التخلّف في الأفلاك. يتمثل الاشتقاق النظري المباشر من هذه الأطروحة في أنه من الوهم الحديث عن إمكانية تحقيق تقدّم جذري في العالم الثالث «الأفلاك»، ما ظل هذا العالم جزءًا من النظام الرأسمالي العالمي؛ ذلك

أن التطوّر غير المتكافئ ليس اختلالً يمكن تصحيحه من خلال تبني إستراتيجيات أو خطط تنمية

«صحيحة»، بل هو شرط ضروري لوجود النظام الرأسمالي العالمي. التقدم والتخلّف، بتعبير آخر،

(2) Robert A. Packenham, The Dependency Movement: Scholarship and Politics in Development Studies (Massachusetts and London: Harvard University Press, 1992), p. 16.

(((أستخدم هنا تعبير «المحيط» لترجمة periphery بديً من تعبير «الأطراف» الذي درج العرب على استخدامه، فالتعبير الإنكليزي يحيل على «محيط الدائرة» في علم الهندسة.

(4) Andre Gunder Frank, Capitalism and Underdevelopment in Latin America: Historical Studies of Chile and Brazil (London and New York: Modern Reader Paperback, 1969).

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

وجهان لعملة واحدة. فتقدّم المركز يحتّم تخلّف المحيط، وتخلّف المحيط ضرورة لتقدم المركز. ولا

سبيل إلى الفكاك من أسر التخلّف إلا بالفكاك من الرأسمالية، أي بالثورة الاشتراكية التي تنقل البلد التابع إلى الاستقلال عن المركز. ذلك أنه من المستحيل أن تنتج بلدان المحيط/ الأفلاك/ الأطراف برجوازيةً وطنية تقود ثورة أو تحوّلً

رأسماليًا يقضي على البنى العتيقة ويضع البلد على طريق التطور. برجوازية المحيط «كومبرادورية»،

ذات مصلحة في استمرار علاقات التبعية، وذات مصلحة في بقاء البنى قبل الرأسمالية لبلدانها. أكثر من هذا، يرى فرانك أن إقحام أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا في شبكة التبادل الرأسمالي منذ القرن السابع عشر جعل هذه المناطق رأسمالية، أيًا تكن البنى الاجتماعية – الاقتصادية القائمة فيها. سرعان ما سيغتني تيار التبعية بإضافات نظرية مهمة، وسيحتل أمين الذي أصدر مؤل فه الرئيس الأول بعد عام من صدور مؤلَّف فرانك موقعًا مهمًا بين منظّريه، إذ ركّزت مساهماته على ثلاثة جوانب أتناولها

فيما يلي.

التراكم على الصعيد العالمي

كان أمين (إلى جانب أرغيري إيمانويل) أول من قدّم مقاربة جدّية للقضية التي تمحورت حولها مدرسة

التبعية، والتي تعامل معها منظ رو تلك المدرسة الآخرون على أنها بداهة: كيف يحصل هذا التطور غير المتكافئ بالضبط؟ يميّز أمين – على نحو قاطع – بين عملية التراكم (ولنسمّها لأغراض التبسيط: عملية النمو) في المركز

وعملية التراكم في المحيط/ الأطراف. تطوّر المركز يتم عبر عملية «متمحورة على الذات»، أي إنها

تتبع آليات تنشأ من داخلها: تنشأ الصناعات وتتطوّر الزراعة لسد حاجات السوق الداخلية بالدرجة

الأساس، ويغذّي كل من قطاعات الاقتصاد وفروعه قطاعات وفروعًا أخرى، أي إن ثمة دائرة داخلية متكاملة تترابط فيها عمليات الإنتاج مع حاجات الاستهلاك من دون أن يعني هذا، بالطبع، الاستغناء عن السوق الخارجية. وليس الحال هكذا في الأطراف. فالتراكم هنا «تابع» أو خارجي؛ لأنه يتحدد وفق حاجات المركز من المواد الخام أو المعادن أو النفط أو المنتجات الزراعية. هكذا يتشكل التخصص الدولي وفق مستويات التكلفة التي تتحدد بعاملين هما الإنتاجية والأجور. ولأن رأسمالية المركز نشأت في مرحلة مبكّرة، فإنها تتمتع بتفوق هائل من حيث إنتاجية العامل، كما أن قفزات التصنيع الأولى جرت فيها حين كانت الأجور متدنيةً لا تكاد تزيد على متطلبات البقاء المادي على قيد الحياة، مثلما هو حال الأجور في الأطراف. نتج من هذا، وفق مخطط أمين، أن تكاليف الإنتاج ظلّت أقل في المركز مما هي عليه في الأطراف، حتى بعد أن أخذت أجور العمال تزداد. ذلك أن التطور العاصف في إنتاجية العمل عوّض عن تلك الزيادة، بينما كان ركود الإنتاج في الأطراف سببًا في ارتفاع تكلفته.

(((الكومبرادور مفردة برتغالية تعني التجار، وهم أول من أدخل الصين في شبكة التجارة العالمية. فيما بعد، استخدم الحزب الشيوعي الصيني هذه المفردة استخدامًا هجائيًا لوصف البرجوازية المحلية المتخصصة في التجارة الخارجية.

شتاء   winter 2019

بفعل نمط التخصص والتبادل غير المتكافئ هذا، ساد نمط الإنتاج الرأسمالي في المركز قاضيًا على

أشكال التنظيم الحرفي والزراعة قبل الرأسمالية، أما الأطراف التي لم يعد في وسعها المنافسة إلا في

نشاطات تصديرية للمواد الخام، فإن تطوّرها الرأسمالي يظل معرقَل. «الرأسمالية الطرفية»، وفق تعبير

أمين، تعجز عن القضاء على أشكال الإنتاج قبل الرأسمالي؛ لأن مجال توسّعها محدود، وسوقها

الداخلية تبقى ضيّقة، وقطاعات اقتصادها المختلفة غير مترابطة، إذ تتوجه القطاعات الحديثة إلى

التصدير وتبقى السوق الداخلية معتمدة على الاستيراد أو على إنتاج محلي قبل رأسمالي. تعرّضت نظرية أمين لنقد لا مجال لعرضه هنا؛ لأن كثيرًا منه ينطوي على نقاشات اقتصادية متخصّصة.

أشير، على سبيل المثال، إلى نقد أنثوني برور الذي توصّل إلى أن فرضيات أمين حول تفاوت الأجور

قد تؤدي إلى انطلاق عملية تطور رأسمالي في «الأطراف»، بينما كان أمين يرى أن التخلّف ليس غير تشكيلة رأسمالية طرفية، وأن «عدوان نمط الإنتاج الرأسمالي انطلاقًا من الخارج على هذه التشكيلات

يشكّل جوهر مشكلة الانتقال إلى الرأسمالية الطرفية »، ومن ثمّ فإن البرجوازية المحلّية في الأطراف

تظل كومبرادورية لا مصلحة لها في التصنيع، بل تكمن مصالحها في تعظيم أرباحها من خلال تصدير

المواد الخام واستيراد المنتجات الغربية في آنٍ. ولعل النقد الأشد جذرية لكل مدرسة التبعية هو مؤلَّف روبرت برينر المفتاحي الذي حاجج بأن أطروحات التبعية التي تنطلق من الماركسية إنما هي أقرب إلى مبادئ آدم سميث الاقتصادية منها إلى ماركس؛ إذ هي لا ترى في التطور الرأسمالي غير تراكم للثروة يكفي ضخّه في الاستثمار الصناعي لكي تنطلق عملية التطور، ولا ترى أن العلاقات الطبقية القائمة هي التي تحدد شكل استخدام الفائض المتراكم من الثروة. لكي يحاول أمين البرهنة على فكرته باستحالة انتقال التشكيلة الرأسمالية الطرفية إلى رأسمالية «وطنية» من دون التخلّي عن تحليل البنى الطبقية، صاغ رؤية خاصّة به لتاريخ النظم الاقتصادية – الاجتماعية.

سمير أمين مؤرخًا أو تطويع التاريخ

لم يدّع أمين أنه مؤرخ، لكنه تميّز من أقرانه في مدرسة التبعية في إسناده رؤيته مآل علاقات الاستغلال

بين المركز والمحيط إلى تفسير، بوسعي القول إنه انفرد به، لتاريخ التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية وتحولّاتها على مستوى العالم. هل صاغ نظرية في التاريخ؟ ربما، ولكن إلى أي درجة كان أمين موفّقًا

في صياغته النظرية؟ ينتقد أمين، مثل غالبية الماركسيين الذين خرجوا على التنظير السوفياتي التقليدي، بل حتى بعض

الشيوعيين داخل المعسكر السوفياتي، مخط طًا خماسيًا لتعاقب التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية

عبر التاريخ البشري، ويُنسب إلى ماركس؛ يبدأ بمرحلة المشاعية البدائية، فالمرحلة العبودية،

(6) Samir Amin, L’accumulation à l’échelle mondiale (Paris: Anthropos, 1970), p. 204. (7) Robert Brenner, «The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo–Smithian Marxism,» New Left Review , no. 104 (July–August 1977), pp. 25–94.

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

فالإقطاعية، ومن ثم الرأسمالية، وصول إلى المستقبل الحتمي المنشود، أي المجتمع الشيوعي المساواتي. وتركّز النقد المتصاعد منذ منتصف ستينيات القرن الماضي على عدم وجود تتابع ضروري تلقائي ولا حتمي كهذا. فلا التحليل النظري الماركسي يشترطه، ولا وقائع التاريخ غير الأوروبي تسنده. لا تكمن مساهمة أمين هنا، بل في «ابتكاره» نمط إنتاج مرّت به البشرية كلّها قبل الرأسمالية هو

«نمط الإنتاج الخراجي» Tributaire الذي يصفه هكذا: «نمط الإنتاج الخراجي يضع فوق المجتمع القروي جهازًا اجتماعيًا وسياسيًا لاستغلال هذا المجتمع

عن طريق فرض الخراج. ونمط الإنتاج الخراجي هذا هو الشكل الأكثر انتشارًا بين الطبقات قبل

الرأسمالية. وأنا أفرّق بين شكلين من أشكال نمط الإنتاج الخراجي أولهما شكل مبك ر، وثانيهما شكل

متطور هو نمط الإنتاج الإقطاعي الذي يتعرّض فيه مجتمع القرية لفقدان حقّه في امتلاك الأرض

لصالح السادة الإقطاعيين». تعرّض مفهوم «نمط الإنتاج الخراجي» للكثير من النقد، إذ أدمج طيفًا واسعًا من المجتمعات تمتد من

المشاعات الأفريقية، وتمرّ بالحضارات الآسيوية وصول إلى أوروبا الإقطاعية؛ ما جعله مفهومًا قليل

الفائدة التفسيرية. فعوضًا عن مخطط ماركس الكلاسيكي لتتابع أنماط الإنتاج الذي تعرّض للنقد بسبب

تعميمه وجبريته التاريخية، صاغ أمين تشكيلة اختزلت كل أنماط ماركس وأكثر منها تعميمًا. وسنلاحظ

أن «ابتكار» أمين نمط الإنتاج الخراجي لم يكن سعيًا لتفسير التاريخ السابق للرأسمالية، بل كان مسعى

للوصول إلى استنتاجات تتعلق بتوصيف النظام الاقتصادي – الاجتماعي العالمي الراهن وتحليله، فضلً عن كونه مسعى لتقديم أساس نظري لرؤيته صيرورة هذا النظام وآفاقه المستقبلية. وفقًا لأمين، كان ثمة ثلاث تشكيلات «مركزية» قائمة على الخراج في العالم قبل الرأسمالي هي: الصين، والهند، ومصر (لا نفهم سبب عدم إدراجه حضارة ما بين النهرين ضمن تلك التشكيلات.) وفي المقابل، كان ثمة «محيط» (أطراف) أقل استقرارًا بكثير، وكان تأثر هذه الأطراف بالمركز أشد

من تأثيرها هي فيه. كانت الأطراف المتوسطية، أي المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، تؤمّن العبيد

للمركز. من هنا كانت مجتمعاتها عبودية. وأدّى انهيار تلك المجتمعات إثر غزو البرابرة إلى تحولّات

أفضت إلى قيام النظام الإقطاعي الذي أمّن شروط التحوّل فيما بعد إلى الرأسمالية. وكان حال التشكيلة

المركزية الصينية شبيهًا بمثيلتها المصرية، إذ كانت اليابان هي التشكيلة الطرفية للصين. وكما هو حال

الطرف المتوسّطي للحضارة المصرية، أنتجت اليابان نظامًا إقطاعيًا تحوّل فيما بعد إلى الرأسمالية. لا شكّ في أنَّ هذا العرض لرؤية أمين الموسوعية تبسيطي بالتأكيد، ولكن في الوسع القول، وبالقدر نفسه من التأكيد، إن رؤية أمين تبسيطية إلى حدٍّ مخلٍّ. ثمة خلل فاضح في تأريخ الحضارات لم ينتبه له القارئ الغربي الذي كان شغوفًا بتنظير ذي مضمون نضالي، وثمة خلل أشدّ يتمثل في تفسير العلاقة بين الحضارات والتشكيلات المختلفة.

(8) Samir Amin, L’échange inègale et la loi de la valeur (Paris: Anthropos, 1973), p. 13. (9) Anthony Brewer, Marxist Theories of Imperialism: A Critical Survey (London: Routledge, 1990), p. 123.

شتاء   winter 2019

يتحدث أمين عن انهيار نظام العبودية وصعود الإقطاع في «المحيط» في عصر الحضارات «المركزية» المصرية والهندية والصينية. لست قادرًا على تأريخ الحضارتين الأخيرتين، لكن في وسعي (وفي وسع

أي تلميذ جامعي عربي مجتهد) أن يلاحظ غياب ستة قرون حاسمة الأهمية في علاقة «المركز» في منطقتنا ب «المحيط» أي أوروبا، هي فترة الحضارة الإسلامية. ثمة اختزال مثير للتاريخ هنا: الحضارة المصرية الفرعونية انهارت خلال الألف الأول قبل الميلاد، وانهار النظام العبودي الأوروبي (وهو نظام لم يسُد إلا في بقع محدودة من أوروبا، على عكس ما تخيّل ماركس ومؤرخو القرن التاسع عشر) بعد

خمسة قرون من ذاك على الأقل. لكن خلل نظرية أمين لا يكمن في أخطاءِ تحقيبِه التاريخَ، بل في الاستنتاج الفكري الذي أراد الوصول إليه؛ والذي ميّزه من باقي منظ ري التبعية. أراد أمين أن يثبّت فرضيتين. الفرضية الأولى تقول إن تلازم

المركز/ المحيط ليس ظاهرة مميّزة للعصر الرأسمالي فقط، بل هي كامنة في صلب كل التشكيلات

الاجتماعية التاريخية. أما الفرضية الثانية، وهي الأهم، فتقول إن عمليات الانتقال التاريخية من تشكيلة اجتماعية إلى أخرى أرقى منها تتم من داخل الأطراف، لا المركز. اليابان التي كانت طرفًا لتشكيلة الصين المركزية، وأوروبا التي كانت طرفًا لحضارة مصر (ولنقل للحضارة الإسلامية) المركزية هما اللتان أنجزتا الانتقال إلى الرأسمالية لتحتلا موقع المركز، محيلتين بذلك ما كان مركزًا إلى أطراف له. لنتذكّر أن «الأطراف» وفق تعريف منظري التبعية، بمن فيهم أمين، هي المناطق التي تخضع لنظم اقتصادية – اجتماعية أدنى تطورًا من النظم التي يخضع المركز لها. لكن نظرية أمين تنقض نفسها. فهو

الذي ميّز بين شكلين من أشكال نمط الإنتاج الخراجي؛ فالشكل الأول هو ما ساد في المركز وما أسماه

«الشكل المبك ر»، والشكل الثاني هو الإقطاع الذي وصفه بأنه أكثر تطورًا. هل كان نمط الإنتاج السائد

في اليابان وأوروبا أكثر تطورًا من النمط السائد في المركز؟ يقدم أمين إجابتين متناقضتين: «حين يستكمل النمط القائم على الخراج تطوّره ينزع على الدوام تقريبًا إلى أن يصبح إقطاعيًا (وقد

حصل هذا في كل من الصين والهند ومصر»)، لكنه يعود في كتابه اللاحق (التطور غير المتكافئ) ليصف النظام الإقطاعي بأنه نظام مميّز للأطراف. ما مصدر الخلل في نظرية أمين عن التشكيلات قبل الرأسمالية وعمليات التحول من نظام إلى آخر؟ يكمن الخلل، في رأيي، في أنه بذل جهدًا للبرهنة على ما لا وجود له، وهو الطابع الكوني للعلاقات بين التشكيلات قبل الرأسمالية، في وقت لم يكن ممكنًا فيه الحديث عن اقتصاد أو حتى نظام عالمي. نعرف جميعًا أن التبادل التجاري كان قائمًا بين الصين والهند وبلاد المشرق منذ عصور. ونعرف أن شبكة

التبادل وصلت إلى إيطاليا منذ القرن الثالث عشر. لكن هذا لا يسمح بالحديث أبدًا عن نظام عالمي له تشكيلاته المركزية وأخرى محيطية. لم تكن ثمة أي منطقة في العالم يعتمد عيشها على ما تستورد من المناطق الأخرى بما يبرر تسميتها منطقةً طرفيةً. ولم تكن ثمة دولة يعتمد إنتاجها على التصدير إلى

(10) Amin, L’accumulation , p. 140. (11) Amin, L’échange inègale, p. 16.

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

الخارج وإلا تعرضت لأزمة إن لم تجد أسواقًا خارجية تستورد منها. كل هذه الظواهر والتلازمات ميّزت

العصر الرأسمالي وما زالت تمّيزه، ولكن حتى هنا لا يصح الحديث عن نظام اقتصادي عالمي إلا بعد

مرور نحو ثلاثة قرون على ترسّخ النظام الرأسمالي في بريطانيا على الأقل. حين نتحدّث عن خطوط التجارة و«طريق الحرير» المار من الصين عبر بلدان آسيا الوسطى وصول إلى

منطقتنا، تنطلق صور رومانسية في الذهن عن رحّالة مغامرين خاضوا طرقًا غير مأهولة للحصول على

حاجات أسواقهم. لكن الأمر لا يتطلّب غوصًا في الوثائق لكي نعرف أن قيود التكنولوجيا، وتكنولوجيا

المواصلات بوجه خاص حتّمت أن تبقى علاقات التبادل والتجارة بين البلدان والمناطق المختلفة

شديدة المحدودية، وأن اقتصاد كل منطقة كان مستقلًّ عن اقتصادات المناطق الأخرى، بل إن اقتصاد كل منطقة داخل البلد، أو الوحدة السياسية الواحدة، كان مستقلًّ عن اقتصاد المناطق الأخرى. بعيدًا عن مخاطر القرصنة على الطرق البحرية والبرية بوجه خاص، كان ثمة قيود على نوع المواد المنقولة

عبر المناطق المختلفة وكميتها. فمن المستحيل مثل نقل الحبوب أو اللحوم أو المواشي من خلال طرق التجارة الخارجية. السبب الأول الذي لا يغيب عن البال هو بالطبع أن مواد كهذه ستتعرض للتلف حتمًا عند تخزينها لفترات طويلة في ظل الظروف التقنية السائدة في القرون الوسطى وما قبلها. لكن

ثمة عامل أهم يتعلق باقتصادية نقل مواد للاستهلاك الواسع عبر مناطق شاسعة جغرافيًا (والمناطق

ال «شاسعة جغرافيًا» في ظل تقنيات النقل البرّي لذلك الوقت قد لا تزيد على خمسين كيلومترًا)؛ إذ

توصل هيرمان شوارتز في دراسة عن «الأسواق والدولة» إلى تكوين صورة عن الحجم الأمثل للوحدة المكتفية ذاتيًا في أوروبا قبل اكتشاف الطاقة البخارية، وتوصل إلى أن تلك الوحدة يجب ألا تتجاوز

دائرة قطرها عشرين ميلً. فعلى العربة التي تنقل القمح أو الذرة على سبيل المثال، أن تخلي جزءًا من

مساحتها لخزن أعلاف الخيل التي تقود العربات. فإذا تجاوزت تلك المساحة نسبة معينة من مساحة الجزء المخصص لتخزين الذرة أو القمح، لم يعد نقل البضائع مجزيًا من الناحية الاقتصادية. وينطبق

الأمر نفسه على السفن الشراعية التي كانت تستخدم للنقل في المحيط الهندي والخليج العربي، إذ لم يكن في وسعها نقل أحمال ثقيلة. من هنا، فإن من قرأ قصص التلاقح الحضاري بين الدول والإمبراطوريات والحضارات قبل الرأسمالية سيجد سلعًا تتكرر باستمرار في قائمة التبادل بينها، وهي سلع نادرة تنتجها منطقة ثمّ تعرفها منطقة

أخرى، فتبقى ضمن حاجات الطبقات العليا في المجتمعات المعنية وتباع بأسعار باهظة: المعادن الثمينة كانت السلعة الأساس التي «تصدّرها» أوروبا لتستورد من الشرق في المقابل التوابل (التي ظلت سلعة نادرة حتى فترة متأخرة)، والحرير، والسجّاد والمصنوعات الزجاجية، والشاي والبن، وما أشبه

من سلع. إذًا، لم تكن ثمة «تشكيلة» تتبع تشكيلة أخرى في العالم قبل الرأسمالي. كانت ثمة صناعات أو منتجات لا يعتمد اقتصاد البلد المنتج لها على صادراتها لتأمين ازدهاره، ولا يعتمد عليها اقتصاد البلد المستورد

(12) Herman M. Schwartz, States versus Markets: History, Geography and the Development of the International Political Economy (New York: St. Martin’s Press, 1994).

شتاء   winter 2019

لتأمين حاجاته الضرورية. والحق أن هذا ينطبق على القرون الأولى لترسّخ الرأسمالية في أوروبا. من

هنا يرتبط صعود النزعة القومية وبروز الفكرة القومية نفسها مع التحول البرجوازي للمجتمعات؛ ذلك

أن الرأسمالية في بدايتها كانت ضعيفة تسعى جاهدة لكي تغطّي حاجة السوق المحلية للبلد الذي تعمل فيه. وكان هذا السعي، والخوف من المنافسة الخارجية، هما ما دفعها إلى إذكاء الروح القومية لكي تفرض معاملة تمييزية على السلع القادمة من الخارج. كان الخوف من استيراد الذرة الرخيصة من أميركا الجنوبية وغيرها وراء تشريع «قانون الذرة» الشهير في بريطانيا، والذي يعدّ المؤرخون إلغاءه

مؤشرًا دالً على نضج الرأسمالية البريطانية واستعدادها للدخول في منافسة مع البضائع الأجنبية. إذًا، فحتى القرن الثامن عشر، ما كان في الوسع الحديث – بالمعنى العلمي الصارم – عن نظام رأسمالي عالمي، ومن باب أولى عن تشكيلة رأسمالية مركزية وأخرى طرفية. كانت السوق القومية حتى ذلك الحين هي الهدف الذي تسعى الرأسماليات للسيطرة عليه. أختصر بالقول إن أمين سعى لبناء نظام نظري يفسر عمليات الانتقال من تشكيلة اجتماعية – اقتصادية إلى أخرى على نطاق كوني، وعلى امتداد فترات تاريخية شديدة الامتداد، فكان لا بد من أن تعاني أجزاء من هذا البناء ارتباكًا وتشوّشًا. والمؤسف أن تلك الأجزاء من بنائه النظرية كانت أعمدة ارتكاز

رئيسة يهدد انهيارها بانهيار البناء كلّه. لقد بذل أمين جهدًا للبرهنة على وجود ما لا وجود له، وهو الطابع الكوني للتشكيلات قبل الرأسمالية. وقاده هذا إلى مقارنات صورية حلمها تأكيد استنتاج ثوري

سياسي كان راهنًا وضاغطًا على وعيه، مفاده أن الثورة العالمية القادمة التي ستقلب الرأسمالية وتحلّ

نظامًا جديدًا محلّها ستنطلق من الشرق. وليس ثمة تلخيص أشدّ وضوحًا لرؤيته هذه من مقدّمة كتابه

التأسيسيالتراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف، إذ يقول أمين: «إن نقد اقتصاد التطوّر هو

الذي قادنا إلى عرض الأطروحة التي تقول إن أي نظام لا يتمّ تجاوزه من مركزه بل من محيطه. وثمة

مثالان يؤكّدان ذلك: أوّلهما ولادة الرأسمالية من محيط أنظمة الحضارات ما قبل الرأسمالية، والثاني

الأزمة الراهنة للرأسمالية». مثالان يؤكدان؟ المثال الأول عن ولادة الرأسمالية من محيط ال «مراكز» قبل الرأسمالية خاطئ تاريخيًا،

والمثال الثاني عن ولادة الاشتراكية من محيط الرأسمالية وعن الأزمة العامة للرأسمالية التي تؤذن بنهايتها يحيل ما يتمنى الكاتب حدوثه وما لم يحدث بعد إلى واقعة تاريخية متحققة.

سمير أمين مناضلا

ربما كان أمين الأكثر انغماسًا في التفكير السياسي والأشدّ ارتباطًا بالحركات الثورية من بين مفكّري

مدرسة التبعية. كان شاغله الأكبر هو كيف تخرج «الرأسمالية الطرفية» من تبعيتها وتبني نظامًا اقتصاديًا –

اجتماعيًا متمحورًا على الذات وفق تعابيره.

(13) Bernard Semmel, The Rise of Free Trade Imperialism: Classical Political Economy, the Empire of Free Trade and Imperialism 1750–1850 (Cambridge: Cambridge University Press, 2004). (14) Amin, L’accumulation , p. 16.

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

كان خيار أمين هو تبنّي الفكر الماوي؛ أي أفكار الثورة الصينية وقائدها ماو تسي تونغ، وهو التيار الذي طغى في صفوف مثقفي اليسار الجديد الفرنسيين أواخر الستينيات. بدت التجربة الصينية النموذج المثالي الذي حلم به أمين، وقد أشار في أكثر من موقع إلى انحيازه المبكر إلى التوجه الصيني منذ عام 1957. كان تفسير ماو تسي تونغ للماركسية وكيفية بناء الاشتراكية قد تفارق كلّيًا مع تفسير الاتحاد

السوفياتي وسياساته منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وتكرّس التفارق، بل العداء، بين ماركسيتين

يقود كل جناح منهما دولة كبيرة. في عام 1964، حين نشر ماو تسي تونغ كرّاسًا بعنوان حول شيوعية

خروتشيف المخادعة ودروسها التاريخية للعالم، كان مضمونه أن الاتحاد السوفياتي بات قوة استعمارية بواجهة اشتراكية. رفض ماو تسي تونغ مبدأ التعايش السلمي مع العالم الرأسمالي الذي تبنّاه السوفيات، ورفع بديل منه شعار «الإمبريالية نمر من ورق»، ورفض الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها الأخيرون بعد وفاة ستالين، والتي سمحت باللجوء إلى بعض مؤشرات السوق، مثل الربحية، في تقييم أداء مشاريع الدولة، كما رفض الانفتاح على الاقتصاد الرأسمالي العالمي والتبادل الواسع النطاق مع الدول الغربية. تطابقت رؤية أمين لآفاق التحولات العالمية المقبلة مع رؤى الحزب الشيوعي الصيني الذي كان أحد مبادئه «ريح الشرق تهب على الغرب»؛ أي إن الصين هي التي ستبني المجتمع المتجاوز الرأسمالية، وستلحقها الدول المتطورة في الانتقال إلى الاشتراكية. فنظرية أمين التي تؤكد أن أطراف الحضارات المركزية هي التي تبني النظم الاقتصادية – الاجتماعية الأرقى تؤسس فكريًا للمبدأ الصيني. أستبق سوء فهم فأقول: لم يكن أمين تبريريًا لنظام سياسي، ولا بوقًا أيديولوجيًا لماو تسي تونغ. كان

مفكّرًا مناضلً آمن بأفكار الثورة الصينية. وتلك معضلة أوقعت كثيرًا من المنظّرين المنخرطين في

النضال السياسي، بمن فيهم ماركس، في مآزق نظرية إذ كانت رؤيتهم السياسية تضغط على وعيهم لكي ينتج ما يتوافق معها. في التزامه السياسي الذي ميّزه من منظّري التبعية الآخرين، لم يكتفِ أمين بتحليل واقع بلدان العالم

الثالث، ولا بطرح تنبّئه بأن هذه البلدان سترسي أسس نظام عالمي جديد لا يفرض نفسه على الغرب،

بل إنه سينقل تشكيلاته الاجتماعية – الاقتصادية بحيث تتماثل مع تشكيلات الشرق المتفوّقة، ثم إنه

كرّس جزءًا كبيرًا من كتاباته وجهده لطرح إستراتيجيات النضال من أجل الوصول إلى ذلك الهدف، ولا

سيّما خلال ربع القرن الأخير من حياته المديدة.

(((1 تُرجم هذا الكراس إلى عشرات اللغات ومنها العربية وصدر عن دار نشر شينخوا، بكين. (((1 في عام 1956 عقد الحزب الشيوعي السوفياتي مؤتمره العشرين، الأول بعد وفاة ستالين قبل ثلاثة أعوام. كان هذا المؤتمر، الذي دان ستالين، نقطة انعطاف في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية. رفض الحزب الشيوعي الصيني استنتاجات المؤتمر العشرين. وهكذا بدأت الماركسية «الماوية:»

Hélène Carrère d’Encausse & Stuart Schram, L’URSS et la Chine devant la révolution des sociétés pré–industrielles (Paris: Armand Colin, 1970);

كارير دنكوس، الاتحاد السوفياتي والصين إزاء الثورات في المجتمعات ما قبل الصناعية، ترجمة كميل داغر (بيروت: دار الحقيقة، [د.ت.)].

شتاء   winter 2019

تكريسه جلّ نشاطه الأخير لبلورة أفكاره السياسية ومراجعتها كان مفهومًا. ثلاثة تطورات هائلة كان لا

بد لها أن تدفع كل مثقف ذي عقل متفتّح إلى التأمل وإعادة النظر في بعض قناعاته على الأقل: انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وانتقال الصين المتسارع نحو النظام الرأسمالي، وانتقال دول شرق آسيا من «الرأسمالية الطرفية» إلى «مراكز رأسمالية.» قبل تلك التحولّات المزلزلة في المشهد العالمي، كان أفق التطوّر واضحًا أمام أمين وغالبية الماركسيين

حتى ممن لم يعتنقوا اللون الصيني للشيوعية. كان مشروع أمين يقوم على إنجاز الثورة الاشتراكية التي تقودها الطبقة العاملة بالتحالف مع الفلاحين، على غرار الصين، وبناء الاشتراكية في الأطراف؛ فهي الوحيدة القادرة على انتشال تلك البلدان من التبعية والتخلّف. في معرض سجاله معي عام 1992، كتب أمين: «تجاوزت النظرة الماوية [...] فتوصّلت بالتدريج إلى أن بناء الاشتراكية في أطراف النظام

هو في نهاية المطاف مشروع طوباوي واستراتيجيا غير فعالة للانتقال إلى الاشتراكية العالمية». لم يكن هذا نقدًا ذاتيًا جريئًا فقط، بل كان إقرارًا ضمنيًا بقصور نظريته في التاريخ التي تقول إن تحوّل

التشكيلات الاجتماعية إلى أشكال أرقى يتم على الدوام من داخل الأطراف لتنتقل بعد ذلك إلى التشكيلات المركزية. فهل دفع أمين نقده هذا إلى نهايته المنطقية بما يسمح بالتفكير في إمكانية انتقال بعض بلدان الأطراف على الأقل إلى المركز؟ المؤسف أن الجواب كان بالنفي؛ ذلك أن المفاهيم الأساس التي بنى عليها تحليلاته السابقة ظلّت تؤدّي دورًا محوريًا في منظومته الفكرية. فما بديله إن كان «بناء الاشتراكية في أطراف النظام مشروعًا

طوباويًا»؟ أجاب أمين: «أقول اليوم إن البديل هو أن تفرض القوى الشعبية تحالفًا وطنيًا شعبيًا قائمًا

على استمرار التناقض بين الاتجاه الرأسمالي والتقدم الاشتراكي اللذين يعملان في إطار المجتمع لمدة طويلة». لم يحدد أمين هدف هذا التحالف الوطني الشعبي، ومشروعه، وكيف يتجسد التناقض بين الاتجاه الرأسمالي والتقدم الاشتراكي على نحو ملموس، وشكل النظام السياسي – الاقتصادي الذي سيبنيه هذا التحالف إن انتصر. كل هذه المسائل بقيت من دون تحديد؛ فقد حدّد أمين ما يجب أل يكون عليه التحالف الوطني الشعبي وترك للقارئ أن يخمّن ما سيكون عليه. لن يكون البديل الذي يسعى له التحالف الوطني رأسماليًا بالتأكيد، فمنطلق أمين في ردّه على نقدي له

هو: «[...] نقطة الخلاف الرئيس في الموضوع كله: هل من الممكن تحقيق رأسمالية انطلاقًا من وضع طرفي تكرّر في نهاية المطاف إنجازات الرأسمالية المركزية أم لا؟ وبالتالي هل للبرجوازية المحلية دور

تاريخي إيجابي لا يزال قائمًا؟ [...] أقول فقط إن نظرتي للاستقطاب تؤدي إلى إجابة سلبية مبدئيًا عن

(((1 سمير أمين، «التحالف الوطني الشعبي: ملاحظات توضيحية (ردًّا على عصام الخفاجي)»، في: عصام الخفاجي (محرر)،

التبعية في عالم متغيّر، جدل 3 (دمشق/ نيقوسيا: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1992)، ص.91 (((1 المرجع نفسه، ص.93

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

جميع هذه الأسئلة المترابطة». يستتبع هذا «أن التحالف الشعبي يستبعد البرجوازية بصفة أساسية ومن حيث المبدأ». اعترض أمين على قولي إن إستراتيجيته عن التحالف الوطني الشعبي ليست غير إعادة صياغة للينينية بألفاظ أخرى؛ ذلك أن لينين غلّف سعي البلاشفة لاستلام السلطة في روسيا بشعار تحالف العمال والفلاحين والبرجوازيين الصغار الذي لا يبني الاشتراكية فورًا، بل يبقي على بعض عناصر اقتصاد

السوق. هل يمكن أن يبقي تحالف كهذا على اقتصاد السوق إن لم يكن البرجوازيون في صفوفه؟ ومن هم الفاعلون في اقتصاد السوق إن لم يكونوا رأسماليين؟ لذا كان محتّمًا أن تقود التجربة اللينينية فورًا

إلى تعميم شامل لنظام ملكية الدولة نعرف ما ترتّب عليه سياسيًا واقتصاديًا. ظل أمين متمسّكًا بأعمدة كان يراها تتهاوى سريعًا. ظل يرفض الاعتراف بأن نشوء مراكز رأسمالية

جديدة يعني أن ثنائية المركز/ الأطراف (مثل كل تنظير ينبني على ثنائيات متعاكسة) فقيرة القيمة التحليلية، وأن التوسع الرأسمالي في اتجاه الأطراف ليس ممكنًا فقط، بل إنه يتحقق أمام أعيننا؛ فهو يعلق على التجربة الكورية بوصفها استثناء، بمعنى أن تكرارها غير ممكن، ويضيف أمين قوله: «أنا أرى أن هذه التجربة هي الأخرى ستواجه التحدي نفسه، فإما أن تخضع في نهاية المطاف إلى مقتضيات الكومبرادورية وإما أن القوى الشعبية تغيّر مضمونها من خلال نضالها ضد ذلك النظام المحكم الذي

‘نجح’ في التنمية الرأسمالية المعنية». ظل أمين يرى أن التنمية «الحقيقية» لا يمكن أن تتحقق إلا ب «فك الارتباط» بالعالم الرأسمالي، في حين كانت الوقائع تشير إلى العكس تمامًا.

عوضًا عن الخاتمة: لنعد إلى البداهة

غالبًا ما تستغرقنا النقاشات الفكرية المعمّقة إلى درجة ننسى معها السؤال الأول الذي انطلق منه

النقاش. يبدو السؤال الأول عندها بدهيًا، بل ساذجًا لشدة بداهته مع أننا نسينا الإجابة عنه. وإذ أستخدم

ضمير المتكلم الجمع (نحن)، فلكي أؤكد أن النقد ليس موجّهًا إلى أمين فقط، بل هو نقد ذاتي لنا

جميعًا، أعني المشتغلين بالعمل الفكري. ما منطلق النقاش في المادة المكتوبة آنفًا؟ منطلقه كان المساهمة الكبيرة التي قدمتها مدرسة التبعية وأمين في تثوير فهمنا لمعنى التخلّف، ولفت أنظارنا إلى أن التخلف جزء من عملية كونية، لا عناصر مفقودة في بلد ما يكفي التعويض عنها حتى تنطلق عملية التقدم. هكذا بدأ النقاش لينتقل إلى قدرة الرأسمالية على تحويل «الرأسماليات الطرفية» إلى «رأسماليات مركزية» (مع التحفّظ في التعابير)، أو بتعبير آخر: هل استنفدت الرأسمالية قدراتها على التطور والتطوير؟ هل انتهى دورها الثوري في

(((1 المرجع نفسه، ص.92 (((2 المرجع نفسه، ص.96 (((2 المرجع نفسه، ص.97

شتاء   winter 2019

القدرة على القضاء على أنماط الإنتاج البالية؟ كان جواب مدرسة التبعية قاطعًا، كما لاحظنا. لم يعد

للرأسمالية دور سوى إدامة التخلّف والتبعية، وبناءً عليه، فلا بد من طريق آخر هو بناء الاشتراكية، وفك

الارتباط بالسوق الرأسمالية العالمية. تقدّم أمين خطوة، إذ توصّل إلى أن بناء الاشتراكية حلم طوباوي،

ولا بد من طريق آخر انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية. فالاشتراكية حلم طوباوي، وبناء رأسمالية «متمحورة على الذات» أمر مستحيل في ظل النظام الرأسمالي العالمي، كما تقول مدرسة التبعية. عن الأسئلة المتعلقة بتجاوز بلدان يتزايد عددها للحالة الطرفية، أجاب أمين بأن الاستقطاب الرأسمالي لا بد أن يعيدها إلى ما كانت عليه، فإستراتيجية اللحاق بالمركز هي وهم، والقول إن ثمة إمكانية للتوسع الرأسمالي هو «استسلام للأمر الواقع»، على حدّ وصفه موقفي: «أعتقد أن هذا ‘الاستسلام’ للأمر الواقع لن يساعد على كشف إستراتيجية جديدة فعّالة. فالتوسع الرأسمالي

الذي سيتم في الظروف الجديدة لن يحل مشكلات أطراف النظام، بل سوف تتفاقم الأوضاع في هذه الأطراف من جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وينطبق هذا الحكم على جميع الأطراف سواء كانت الأطراف المصنّعة للعالم الثالث (الآن بصفة أساس أوروبا الشرقية وروسيا وآسيا الشرقية وأميركا اللاتينية) أم كانت أطراف العالم الرابع (أفريقيا والوطن العربي والعالم الإسلامي»). إلامَ يستند التنبّؤ القاطع المتمثل بأن «الأوضاع ستتفاقم من جميع الجوانب»؟ يقول أمين: «أعتمد في

هذا الحكم على قولي السابق عن استحالة استيعاب الجيش الاحتياطي من خلال التنمية الرأسمالية المندرجة في النظام العالم، ولو في أفضل الفرضيات.» ها قد وصلنا أخيرًا إلى تلمّس السؤال الأول، سؤال البداهة الذي يبدو ساذجًا. السؤال الأول: هو ما

معيار التقدم والتأخّر، بعد أن أتخمنا النقاش بتعابير التنمية المتمحورة على الذات والخلاص من التبعية، وعجز برجوازية الأطراف عن أن تكون حاملة مشروع التطور؟ لأطرحَ السؤال بأكثر سذاجة: لماذا نريد

إقامة هذا النظام الاجتماعي – الاقتصادي أو ذاك في الأطراف؟ لا أجادل في أن النظام الرأسمالي يقوم على استغلال قوة العمل، ولا أظن أن اثنين من اليسار يختلفان حول هذا الأمر. ولا أجادل في أن ثمة هوة تفصل بين مستويات الدخول بين الدول وفي داخل كل بلد قد تنجح الرأسمالية في تضييقها، لكنها لن تستطيع القضاء عليها من دون أن تقضي على نفسها. ولا أجادل في ضرورة تجاوز الرأسمالية نحو نظام يحافظ على إنجازاتها الهائلة ويطورها، لكنه يُؤنسنها ويكون أعدل. كل هذه القضايا تمس العالم

كله بمركزه وأطرافه. إنما السؤال الذي انطلقت منه مدرسة التبعية وينطلق منه كل دارس للعالم الثالث أيًّا

كان اتجاهه وميوله الفكرية، كان وما يزال: كيف يخرج هذا العالم من تخلّفه؟ هنا السؤال الذي نسينا أن نسأله: أليس تحسّن مستوى عيش البشر هو المقياس؟ نسينا أن نستشير

الوقائع وتحدّثنا عن قدرة الرأسمالية الطرفية على القضاء على البطالة أو عجزها عن ذلك، أي جيش العمل الاحتياطي.

(((2 المرجع نفسه، ص.90

رسكنا ملح دقن يف:نيمأ ريمس

تقول الوقائع إن نسبة البطالة في الصين، ولنتذكّر أن واحدًا من كل سبعة من البشر يعيش في الصين، تبلغ 3.5 في المئة وهي كذلك في كوريا، بينما تبلغ نسبة البطالة في قلب «رأسمالية المركز»، أي أوروبا أكثر من 10 في المئة. نسينا أنه في ظل انطلاق العولمة وخلال ربع قرن فقط تحقق ما لم تستطع البشرية تحقيقه عبر تاريخها إذ تم انتشال 1.1 مليار إنسان من مستوى خط الفقر المدقع، فانخفضت نسبتهم من 36 في المئة إلى 10 في المئة. ونسينا أن حجم الاقتصاد الصيني ازداد 44 ضعفًا خلال الخمسة والعشرين عامًا التي تلت «إطلاق الإصلاح الاقتصادي» عام 1978، وازداد الناتج المحلي الإجمالي

خمسة أضعاف خلال الأعوام الخمسة عشر التالية، وكل هذا بعد أن باتت حصة القطاع الخاص من الإنتاج الصناعي 78 في المئة، بعد أن كانت صفرًا في منتصف الثمانينيات. كتب جيفري سانت دو لاكروا، أحد أهم مؤرخي المجتمع العبودي في اليونان القديمة: «الوقائع مقدّسة. إنها تنتقم ممن يتلاعب بها بقسوة شديدة». يقينًا أن رسملة مجتمعات العالم الثالث من الصين إلى البرازيل مرورًا بالهند أنتجت فجوات هائلة بين الدخول، وزادت من تلوّث البيئة، وأنتجت

مشكلات اجتماعية جديدة، لكن النقاش لا يدور حول عدالة الرأسمالية، بل حول قدرتها على رفع مستوى رفاه البشر مقيسة لا بمستوى الدخل وإيجاد فرص عمل للغالبية الساحقة من القادرين عليه فقط، بل بانخفاض معدلات الأمية وزيادة العمر المتوقع للبشر. ولعل من المفارقات التي أثرتها في نقاشي مع أمين هي أن الفجوة بين الدخول في تايوان، البلد الذي كان مبرر نشوئه معاداة النظام الاشتراكي في الصين وتبني الرأسمالية، كانت أقل مما كانت عليه في الصين حتى قبل انطلاقة الرأسمالية في الأخيرة. كان ماركس الناقد الأهم للاستغلال الرأسمالي يتحدث عن دور الرأسمالية التثويري الهائل، عن

تقدميتها قياسًا على النظم السابقة عليها، وعن وحشيتها في آن. ويندر وجود باحث ماركسي عن العالم

الثالث لم يستشهد بعبارته الشهيرة: «إن مدفعية الرأسمالية تدك أسوار أكثر الأمم بربرية وتجبرها تحت طائلة الفناء على تبنّي نمط إنتاجها». لعلّه يردّ النقد الآن من قبره على من انتقدوا «خطأه» إذ توقع أن

تسود الرأسمالية معظم أجزاء العالم قبل أن تختفي من مسرح التاريخ. لعله يرد النقد لمن خط أ توقّعه بأن المجتمعات الرأسمالية الأكثر تقدمًا هي القادرة على تجاوز هذا النظام حين يستنفد قدرته على

التطور. ولعله يقول لهم الآن إن الرأسمالية لا تزال تمتلك مخزونًا هائل من القدرة على التطوير، وإن على البشر الصراع بهدف أنسنتها للقضاء عليها.

References

المراجع

العربية

دنكوس، كارير. الاتحاد السوفياتي والصين إزاء الثورات في المجتمعات ما قبل الصناعية. ترجمة كميل داغر. بيروت: دار الحقيقة، [د.ت.].

(23) Geoffrey de Ste. Croix, «Class in Marx’ Conception of History, Ancient and Modern,» Monthly Review , vol. 36, no. 10 (1985), pp. 20–46.

شتاء   winter 2019

الخفاجي، عصام (محرر.) التبعية في عالم متغيّر. جدل 3. دمشق/ نيقوسيا: مؤسسة عيبال للدراسات

والنشر،.1992

الأجنبية

Amin, Samir (Hassan Riad). L’egypte nasserienne. Paris: Ed. de Minuit, 1964. ________. L’accumulation à l’échelle mondiale. Paris: Anthropos, 1970. ________. L’échange inègale et la loi de la valeur. Paris: Anthropos, 1973. Brenner, Robert. «The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo–Smithian Marxism.» New Left Review. no. 104 (July–August 1977). Brewer, Anthony. Marxist Theories of Imperialism: A Critical Survey. London: Routledge, 1990. Carrère d’Encausse, Hélène & Stuart Schram. L’URSS et la Chine devant la révolution des sociétés pré–industrielles. Paris: Armand Colin, 1970. De Ste. Croix, Geoffrey. «Class in Marx’ Conception of History, Ancient and Modern.» Monthly Review. vol. 36. no. 10 (1985). Frank, Andre Gunder. Capitalism and Underdevelopment in Latin America: Historical Studies of Chile and Brazil. London and New York: Modern Reader Paperback, 1969. Packenham, Robert A. The Dependency Movement: Scholarship and Politics in Development Studies. Massachusetts and London: Harvard University Press, 1992. Schwartz, Herman M. States versus Markets: History, Geography and the Development of the International Political Economy. New York: St. Martin’s Press, 1994. Semmel, Bernard. The Rise of Free Trade Imperialism: Classical Political Economy, the Empire of Free Trade and Imperialism 1750–1850. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.