Return to Article Details Producing Marginalization: School Dropouts and Social Exclusion among Youth in Tunisian Border Areas

إنتاج الهامشية : الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتماعي لدى الشباب في المناطق الحدودية التونسية (دراسة حالة غار الدماء)

Producing Marginalization: School Dropouts and Social Exclusion among Youth in Tunisian Border Areas (a Case Study Ghardimaou)

* Mohamed Ali Ben Zina | محمد علي بن زينة

الملخّص

* أستاذ في قسم علم الاجتماع في كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في جامعة تونس.

Abstract

Does marginalisation stem from the "unintended" side effects of development processes? Or is the cultural-social-political production of this phenomenon inherent to some of these same policies? This research attempts to answer this question by studying a border area in northwest Tunisia. This study is based on official statistics and recent field research. The results showed that the commitment of young people to school is strongly influenced by the parents' efforts for their children’s success, but also by the role of education in achieving upward social mobility as it had been in the past. The majority of young people dropping out of school leads to social isolation, lack of economic activity, or involvement in the informal economy, a policy that in itself produces vulnerable living conditions and uncertainties.

الكلمات المفتاحية:
  • الانقطاع المدرسي
  • الهامشية
  • الإقصاء الاجتماعي
  • الشباب
  • التربية
Keywords:
  • School Dropouts
  • marginalisation
  • Social Exclusion
  • young
  • education

ملخص: هل تعود الهامشية إلى النتائج الجانبية «غير المقصودة» للعمليات التنموية؟ أو هل يوجد إنتاج سياسي – اجتماعي – ثقافي للظاهرة متأصل في بعض هذه السياسات ذاتها؟ يحاول هذا البحث الإجابة عن ذلك من خ لاا دراسة منطقة حدودية تونسية تقع في الوسط الغربي للبلاد. يعتمد هذا البحث إحصاءات رسمية ومعطيات بحث ميداني أجري موخرًا. وقد بينت

النتائج أنّ تعلّق الشباب بالمدرسة يتأثر كثيرًا برغبة الآباء وسعيهم لنجاح أبنائهم، لكنه يتأثر أيضًا

بتدحرج دور التربية في تحقيق حراك اجتماعي صاعد مثلما كان في السابق. ويؤدي الانقطاع المدرسي لدى غالبية الشباب إلى العزلة الاجتماعية وانعدام النشاط الاقتصادي، أو إلى الانخراط في الاقتصاد غير – الرسمي الذي هو سياسة في حد ذاته تنتج الهشاشة المعيشية واللايقين.

Abstract: Does marginalisation stem from the «unintended» side effects of development processes? Or is the cultural–social–political production of this phenomenon inherent to some of these same policies? This research attempts to answer this question by studying a border area in northwest Tunisia. This study is based on official statistics and recent field research. The results showed that the commitment of young people to school is strongly influenced by the parents’ efforts for their children’s success, but also by the role of education in achieving upward social mobility as it had been in the past. The majority of young people dropping out of school leads to social isolation, lack of economic activity, or involvement in the informal economy, a policy that in itself produces vulnerable living conditions and uncertainties.

Professor in the Department of Sociology at Tunis University.

شتاء   winter 2019

مقدمة

يعتبر التفاوت الجهوي لمؤشرات التنمية في تونس من أهم أسباب الحراك الاجتماعي الذي ما فتئت تشهده البلاد منذ أحداث الثورة التونسية. وقد أكد عديد الدراسات الرسمية منها والأكاديمية وجود فوارق مهمة بين الجهات في تونس تتعلق بمؤشرات أساسية، كنسب الفقر والبطالة والاستثمار والتعليم والبنية التحتية. وتعتبر المناطق الحدودية، النائية جغرافيًا عن المدن الساحلية، وغير الممثلة في مراكز القرار في

العاصمة، من أكثر المناطق التونسية المهمشة اقتصاديًا، سواء على مستوى البنية التحتية أو على مستوى مؤسسات الإنتاج والتشغيل. وقد شكل ذلك ديناميكية محلية منتجة للهامشية الاجتماعية بكل أبعادها، قامت على ثلاثة أضلاع: الانقطاع المدرسي، والبطالة، والانخراط في الاقتصاد الموازي. ويمكن النظر، من الناحية السوسيولوجية، إلى الثورة التونسية التي انطلقت من هذه المناطق على أنها، إلى حد بعيد، ثمرة لهذه الديناميكية. لن تشمل دراستنا بحثًا تفكيكيًا لمجمل عناصر الاقتصاد غير الرسميّ في هذه المناطق، أو تحقيقًا

مفصلً عن ارتباط شبكات التهريب بهذا الاقتصاد، لكننا سنبحث في المدرسة؛ في علاقتها بهذا الواقع، إذ رغم أنها مثلت في عيون أولياء الأمور وسيلة نادرة تعلقوا بها لإنقاذ أبنائهم من سطوة هذه الآلية الاجتماعية المنتجة للتهميش والإقصاء، فإن المؤشرات في هذا المجال تفيد بأنّ ما يقارب نصف الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و 19 سنة في هذه المناطق يغادرون مقاعد الدراسة من دون الحصول على أي شهادة تعليمية؛ وذلك في علاقة بالهشاشة الحياتية التي أثرت بعمق في المدرسة وفي المخرجات الاجتماعية المنتظرة منها: بطالة، وتهريب، واقتصاد غير رسميّ، وعمل في الممنوع

مقترن بهشاشة على كل المستويات، وتسرب مدرسي، وغير ذلك. لمناقشة هذه المسائل سنعتمد على معطيات التعداد الوطني للسكان والسكنى لسنة 2014 والمتعلقة منها تحديدًا بمنطقة غار الدماء. كما أننا سنقوم بتحليل نتائج دراسة ميدانية كمية أنجزت خلال أيار/ مايو 2017، وشملت عينة ممثلة متكونة من 300 شاب وشابة من الذين تراوح أعمارهم بين 15 و 19 سنة، موزعين بين منقطعين ومزاولين للدراسة وقاطنين في المنطقة؛ وذلك لاحتوائها على معطيات حول تصورات الشباب المستجيبين، ومواقفهم من أوضاعهم الاجتماعية الدقيقة التي تساهم في إعادة إنتاج الهامشية الاجتماعية في هذه المناطق.

(((محمد علي بن زينة، «جيل الثورة في سيدي بوزيد والقصرين»، في: محمد علي بن زينة وآخرون، الثورة التونسية: القادح

المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 157 وما يليها. (((اعتمدنا في هذه الدراسة على معطيات وقع تجميعها بمناسبة دراسة ميدانية أشرف الباحث على إعدادها وأنجزها مكتب تونس

لمنظمة إنترناشيونال ألرت. انظر: محمد علي بن زينة وآخرون، في سوسيولوجيا الهوامش في تونس: دراسات في المناطق الحدودية

والأحياء الشعبية (تونس: دار محمد علي الحامي للنشر،.)2018

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

اعتبارات منهجية للبحث الميداني

لفت انتباهنا، خلال إعدادنا هذه الدراسة، إضافة إلى الوضع السوسيوديموغرافي والاقتصادي المثير في المنطقة، ظاهرتان أساسيتان مختلفتان، وإن كانت إحداهما مرتبطة بالأخرى. سنحاول إبرازهما والبحث في العوامل التي أدت إلى ظهورهما: • تتعلق الأولى بسلوك الشباب المنقطعين عن الدراسة، والذين يبقون خارج دائرة النشاط الاقتصادي؛ باعتبار أن أغلبهم لم ينخرطوا بعد في مسارات البحث عن شغل، رغم انقطاعهم المبكر عن الدراسة أو أنهم يعيشون وضع عطالة متواصلة. يدفعنا هذا إلى التساؤل عن اهتماماتهم وتصوراتهم للوضع الذي يعيشونه وعن تمثلاتهم لمستقبلهم والطرق التي قد يعتمدونها لتحسينه. • وتخص الثانية فئة المنقطعين المشتغلين، سواء كان ذلك في مجال اقتصاد الحدود أو المجالات الأخرى؛ وذلك لتبيان مدى اندماجهم في الحياة الاجتماعية، ومدى مساهمة هذا الوضع الجديد في خروجهم من حلقة التهميش و/أو الهشاشة.

خصائص العينة

وقع تحديد خاصيات العينة بالاعتماد على طريقة الحصة النسبية (الكوتا) وذلك بتحديد متغيرات المراقبة التالية: النوع الاجتماعي، ووسط الإقامة، والتمدرس، والنشاط الاقتصادي. وتحاكي العينة توزيع المجتمع الأصلي نفسه بحسب كل المتغيرات المتشابكة؛ وذلك بالاعتماد على نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014. وقد وقع إنجاز العمل الميداني في كامل مجال المنطقة المدروسة، مع الحرص على حسن توزيع الباحثين الميدانيين على مجال البحث. الجدول (1) توزيع العينة بحسب الوسط والتمدرس والنوع الاجتماعي للمستجيب النوع الاجتمعي

المجموعالنوع الاجتمعيالدراسةالوسط
ذكرأنثى
613031يدرسبلدي (حضري)
271710منقطع عن الدراسة
1045054يدرسغمير بلدي (ريفي)
1085751منقطع عن الدراسة
300154146المجموع

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

شتاء   winter 2019

وسيلة جمع المعطيات

وقعت صياغة استمارة لهذا العمل باحتوائها على أكثر من 170 متغيرًا قُسِّمت إلى سبعة أجزاء: • يهتم الجزء الأول بالأصول الاجتماعية للمستجيب وبخصائص أسرته. • في حين يُعنى الجزء الثاني بالنتائج الدراسية من خلال مجموعة من مؤشرات النجاعة المدرسية

والسلوك في الفضاء التربوي. • ويتعلق الجزء الثالث بتمثلات الشاب لعلاقته بالمدرسة وبتوقعاته من التعلم. • أما الجزء الرابع فيهتم بعلاقة عائلة المستجيب بدراسته. • وخصص الجزء الخامس للمحيط المدرسي للتلميذ. • في حين يهتم الجزء السادس بالممارسات الثقافية وبسلم القيم للمستجيب. • وينفرد الجزء السابع والأخير بفئة غير مزاولي الدراسة.

أولا. الخصائص السوسيوديموغرافية والاقتصادية لمعتمدية غار الدماء

يدرك المتابع أوضاع المناطق المهمشة في تونس أنّ سكانها، إضافة إلى ما ينطبق على هذه الأوضاع من توصيف موضوعي يأخذ في الحسبان المؤشرات المختلفة التي تشهد على فداحة ما يعيشونه، يشكون وصمًا اجتماعيًا هو بمنزلة العلامة الملصقة بهم تجعل منهم فئة من «الدرجة الثانية»؛ فهم

قاطنون في جهات نائية تغفل، كما يقولون، حتى لافتات الطريق عن ذكرها. ويذكرنا هذا بما ذهب إليه هوارد بيكر؛ إذ صاغ فكرة أساسية تفيد بأنّ الوضعيات الاجتماعية (الفقر، والتشرد، والانحراف... إلخ) هي ليست وضعيات خارجية موضوعية مستقلة عن الأفراد، بل هي نتاج لسيرورة تفاعلات تؤدي إلى إنتاج وصمة اجتماعية تبقى آثارها تنتقل من جيل إلى آخر. ينصب اهتمام هذه الدراسة على منطقة تونسية حدودية مع الجزائر تقع في الشمال الغربي تسمى غار الدماء. ويرجح الرواة أنّ هذه التسمية تعود إلى الفترة الاستعمارية، ومقترنة بإنشاء الفرنسيين خط ا

(((تعبير دارج الاستعمال في تونس لوصم سكان هذه المناطق بأنهم يقطنون في مجال يقع «ما بعد ما تشير إليه لافتات الطرقات.»

(4) Howard S. Becker,  Outsider: Studies in the Sociology of Deviance (New York: The Free Press of Glencoe, 1963).

اطلعت على النسخة المترجمة للفرنسية من قبل:

Jean–Pierre Briand & Jean–Michel Chapoulie, Outsiders: Etudes de sociologie de la déviance (Paris: Métailié, 1985). (5) Maryse Bresson, Sociologie de la précarité (Paris: Armand Colin, 2007).

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

حديديًا يربط تونس بالجزائر، وبنائهم محطات للقطار على طول هذا الخط أطلق على إحداها تسمية

«محطة ماو» نسبة لمعمّر مشهور في ذلك الوقت في تلك المنطقة، لتكون التسمية بالفرنسية «ڨار دي

ماو». ثم عرّبت هذه التسمية في منطوق السكان المحليين لتصبح في العربية غار الدماء للقرب في

النطق رغم اختلاف المعنى في اللفظين. ويبلغ عدد السكان في هذه المنطقة بحسب آخر تعداد 64.170 نسمة يقيم %70 منهم في الوسط الريفي، وتمثل الفئة المدروسة نسبة %9.33 منهم؛ أي تقريبًا 6 آلاف شاب وشابة من الذين تراوح

أعمارهم بين 15 و 19 سنة. ومن بين ما يثير الاهتمام في هذه المنطقة؛ الضعف الواضح في المستوى التعليمي للسكان مقارنة بالمعدل الوطني؛ حيث تبلغ نسبة الأميين، كما هو مبين في الرسم البياني (1)، %41.07 من مجموع السكان البالغة سنهم 10 سنوات أو أكثر؛ وهي تتجاوز ضعف ما هو ملحوظ على المستوى الوطني (%19.34). وتتفاقم هذه النسبة لدى النساء لتبلغ %50.48 مقابل %25.68 بالنسبة إلى النساء في المستوى الوطني. كما تتعاظم هذه النسبة أكثر في الوسط الريفي حيث تبلغ لدى النساء.%57.78 الرسم البياني (1) توزيع السكان (10 سنوات فأكثر) في غار الدماء وعلى المستوى الوطني بحسب المستوى التعليمي

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء، جندوبة من خلال التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، أيلول/ سبتمبر.2015 (((المعهد الوطني للإحصاء، جندوبة من خلال التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، أيلول/ سبتمبر.2015

شتاء   winter 2019

ومقابل ارتفاع نسب الأمية في هذه المنطقة تنخفض نسب أصحاب المستويات العليا إلى أقل من نصف ما هو موجود على المستوى الوطني، ليؤكد ذلك جدية الظاهرة وتفاقمها بالنسبة إلى الأجيال الجديدة؛ فنسبة الأمية لدى الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و 29 سنة تبلغ في غار الدماء %16.83 أي تقريبًا أربعة أضعاف ما هو موجود على المستوى الوطني (%4.76). وتختلف هذه الوضعية

بحسب النوع الاجتماعي والوسط الجغرافي، إذ تبلغ %3.52 بالنسبة إلى الذكور في الوسط البلدي (مقابل %5.14 بالنسبة إلى الإناث) في حين أنها ترتفع في الوسط الريفي إلى %26.86 بالنسبة إلى الإناث (مقابل %16.13 بالنسبة إلى الذكور). وإن كان للمعطيات المتعلقة بالنسب العامة للأمية تفسير مرتبط بتاريخ تطور المنظومة التربوية، والتي تبقى عاجزة عن تدارك هذه الظاهرة بالنسبة إلى الأجيال الجديدة، باعتبار أنّ المنقطعين عن الدراسة يعدّون من بين الأكثر ارتفاعًا في تونس، وذلك في كل الفئات العمرية. الرسم البياني (2) نسب التمدرس بحسب الفئة العمرية في غار الدماء وعلى المستوى الوطني

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء، التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، العدد السادس: المعطيات الاجتماعية (بالفرنسية.)

يفيد الرسم البياني (2) بأنّ نسب التمدرس في المنطقة موضوع الدراسة منخفضة مقارنة بالمستوى الوطني بالنسبة إلى كل الفئات العمرية. فنسبة المنقطعين عن الدراسة لدى المعنيين بالتعليم الأساسي (14–6 سنة) تبلغ %11.69، رغم إجبارية التعليم في تونس حتى سن 16 سنة، لتتدرج بعد ذلك بسرعة بالنسبة إلى فئة 19–15 سنة لتبلغ %46.1. وتسجل نسبة المنقطعين عن الدراسة لدى المعنيين بالتعليم العالي ارتفاعًا شديدًا، حيث تبلغ %70.81 من بين الذين تراوح أعمارهم بين 20 و 24 سنة.

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

يمكن أن توحي هذه الأرقام بأنّ ارتفاع الانقطاع المبكر عن الدراسة يؤدي إلى ارتفاع في مستوى النشاط الاقتصادي؛ باعتبار أنّ الالتحاق بسوق الشغل يكون في سن أقل مما هو متواتر في باقي جهات البلاد. لكن المطّلع على المعطيات في هذا المجال يتفاجأ بانخفاض النشاط الاقتصادي للسكان البالغة أعمارهم 15 سنة فما فوق في هذه المنطقة. الرسم البياني (3) نسب السكان الناشطين في غار الدماء وعلى المستوى الوطني بحسب النوع الاجتماعي

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء، جندوبة من خلال التعداد العام للسكان والسكنى لسنة.2014

يمثل السكان الناشطون في غار الدماء %30.96 ممن هم في سن النشاط؛ وهي نسبة ضعيفة جدًا مقارنة بالمستوى الوطني (%46.55) مع وجود فوارق مهمة بين الذكور (%53.05) والإناث (%10.95) وبين الوسط البلدي (%36.91) والوسط الريفي (%28.29). كما أنّ التدقيق في هذه المعطيات يكشف أنّ نسبة النشاط تنخفض انخفاضًا كبيرًا لدى النساء القاطنات في الوسط الريفي، حيث تبلغ %6.71

فقط ممن هنّ في سن النشاط. يطرح هذا الوضع تساؤلات منهجية حول مدى ملاءَمة التعريفات والتصنيفات الرسمية للنشاط الاقتصادي والشغل للممارسات المهنية خاصة في الوسط الريفي، مع وجود عوائق مهمة للاندماج في العمل المأجور في هذه المناطق التي تهيمن فيها القطاعات الهشة على النشاطات الاقتصادية، وتغيب المبادرات الخاصة والاستثمار في المجالات الاقتصادية المشغلة للكفاءات المتعلمة.

شتاء   winter 2019

الرسم البياني (4) توزيع السكان الناشطين المشتغلين بحسب مجال النشاط في غار الدماء وعلى المستوى الوطني

المصدر: المرجع نفسه.

تنحصر النشاطات الاقتصادية في منطقة غار الدماء في قطاعات قليلة هي، في الأساس، الفلاحة (%11.30 في غار الدماء مقابل %10.47 على المستوى الوطني) والبناء والأشغال العامة (%41.09 في غار الدماء مقابل %14.45 على المستوى الوطني)، إضافة إلى قطاع الخدمات العمومية (التربية والصحة والخدمات الإدارية) والتي تضاهي نسبة المشتغلين فيها (%23.17) ما هو موجود على المستوى الوطني (%25.15) لتنذر ببلوغ هذا القطاع مرحلة التشبع، وبعدم قدرته وحده على استيعاب الأعداد المتزايدة من المتعلمين. ويشكو قطاع الصناعة في جزئه المتعلق بالتحويلات المعملية عجزًا بارزًا في الاقتصاد المحلي؛ باعتباره يشغل %3.43 من المشتغلين فقط، في حين أنه يمثل %18.29 من المشتغلين على المستوى الوطني. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ هذه الأرقام تبقى عاجزة عن الإلمام بحجم الشغل في القطاعات غير الرسميّة؛ باعتبارها لا تحظى باعتراف التصنيفات الإحصائية الرسمية.

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

الرسم البياني (5) نسب البطالة في غار الدماء وعلى المستوى الوطني بحسب النوع الاجتماعي

المصدر: المرجع نفسه.

في ضوء هذا الوضع تبلغ معدلات البطالة في المنطقة نسبًا عالية جدًا؛ إذ إن أكثر من ربع السكان الناشطين (%25.64) يعاني البطالة، وتبلغ هذه النسبة %46.02 لدى الإناث مقابل %21 من الذكور، كما أنها ترتفع في الوسط الريفي لتبلغ %26.65 (%22.27 للذكور و%57.75 للإناث.) يؤثر هذا الوضع مباشرة في خيارات الشباب وتوجهاتهم المستقبلية. وتؤكد المعطيات الرسمية أن صافي الهجرة الداخلية في هذه المنطقة خلال الفترة 2014–2009 كان سلبيًا بالنسبة إلى الجنسين (1673 نسمة)؛ حيث غادر 2154 نسمة المنطقة (1042 من الذكور و 1112 من الإناث) خلال الفترة نفسها. ويمثل البحث عن شغل أول أسباب الهجرة ب %35.24 من المغادرين. وإضافة إلى ذلك غادر خلال الفترة نفسها 372 نسمة البلاد للإقامة في الخارج للسبب نفسه؛ أي للعمل، وذلك بالنسبة إلى %82.6 من المغادرين. تمثل الخصائص التي وقع ذكرها أهم ما يميز الوضع السوسيوديموغرافي والاقتصادي للمجال الجغرافي للبحث في علاقة باستتباعات ذلك على تمثلات النجاح والدراسة لدى فئة الشباب في المنطقة.

شتاء   winter 2019

ثانيًا. نتائج الدراسة الميدانية

1. التصورات حول المدرسة ووظيفتها

الجدول (2) أهمية الدراسة بالنسبة إلى المستجيب الإجابة

منقطع عن الدراسة

يدرس

مجموع العينة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةالإجابة
%52.3%77%20.7مهمة جدًا
%30.3%18.9%44.8مرهمة
%16.7%4.1%32.8غمرير مهمة
%8%1.7غمير مهمة تمامًا
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك = 88.59، درجة الحرية: 3، مستوى الدلالة: –19.)4.39 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

تبقى قيمة المدرسة راسخة في قناعات الشباب، رغم ما تبدو لنا عليه اليوم، من خلال المعطيات السابقة، من انعدام نجاعتها في تحقيق حراك جيلي يتمكن من خلاله الشباب من الصعود في التراتبية الاجتماعية؛ إذ يتبين لنا من خلال نتائج الدراسة الميدانية أن %82.6 من أفراد العينة يقرّون بأنّ للدراسة

أهمية بالنسبة إليهم، وإن اختلفت درجة الأهمية لدى فئة الذين يزاولون دراستهم (%95.9) عن فئة المنقطعين.)%65.5(وتكمن أهمية الدراسة بالنسبة إلى المستجيبين في أنّ لها وظيفة تثقيفية وتربوية (%87.3 من

المستجيبين) في حين يرى %76.8 منهم أنها تمكّن من الإعداد لمهنة يريدونها، مع وجود اختلاف ذي دلالة إحصائية بين المزاولين الدراسة (%86.6) مقارنة بالمنقطعين (%65.0)؛ فقناعة الشاب بوجود علاقة بين الدراسة والحصول على مهنة يرغب فيها تؤثر في مدى حرصه على مواصلة الدراسة. وتحيلنا هذه الوضعية إلى ما ذهب إليه روبرت كينغ ميرتون في أعماله، وخاصة التي يبرز فيها وضعيات «الأنوميا» الناتجة من عدم تمكن الأفراد من تحقيق الأهداف المحددة لهم من جانب المجتمع بالاعتماد على الوسائل التي يقرّها لهم، فقد أبرز أنّ ذلك يؤدي بهم إما إلى التخلي عن

الأهداف المرسومة وإما رفض الوسائل المحددة للوصول إليها. وينتج من ذلك بحسب ميرتون أنماط وظيفية تتمثل في خمسة أشكال من السلوك، هي: • الامتثال: وهو سلوك يقر فيه الفرد بالأهداف التي تحدد اجتماعيًا، والتي من بينها تحقيق الحراك

الاجتماعي الصاعد والانخراط في النشاط الاقتصادي من خلال الحصول على مهنة ملائمة مثلً،

(7) Robert King Merton, Eléments de théorie et de méthode sociologique (Paris: Plon, 1965), p. 176, cited in Jean–Pierre Delas & Bruno Milly, Histoire des pensées sociologiques , 3 rd ed, (Paris: Armand Colin, 2009).

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

ويكون ذلك بالاعتماد على الوسائل المحددة اجتماعيًا لتحقيق هذه الأهداف، كمزاولة الدراسة والنجاح

فيها. ويعتبر هذا السلوك سائدًا لدى أغلبية أفراد العينة المدروسة كما هو مبين في المعطيات السابقة. • الابتداع: يتميز هذا السلوك بتسليم الفرد بالأهداف المحددة مع رفضه الوسائل المعتمدة، ويؤدي ذلك إلى الانقطاع عن الدراسة؛ باعتبارها أصبحت وسيلة عاجزة عن تحقيق الفرد أهدافه مما يؤدي به لاستكشاف طرق مستحدثة لتحقيق أهدافه. • الطقوسية: ويتمثل هذا السلوك في القبول بالوسائل والحرص على توفيرها رغم اختلاف الموقف من الأهداف التي لا يقرها أصحاب هذا السلوك. فمواصلة الدراسة في هذه الوضعية تعد محاكاة للسلوك العام للأفراد الذين لا يرجون من وراء ذلك هدفًا محددًا. • الانسحاب: وهو سلوك يتخلى الأفراد فيه عن الأهداف ويعزفون كذلك من خلاله عن الوسائل. ويؤدي ذلك إلى حالة من الجمود عن الفعل الاجتماعي، ولاحظنا هذا السلوك لدى أغلب المنقطعين من أفراد العينة، والذين يبقون خارج دائرة التعليم والتكوين أو الشغل. • التمرد: وهو سلوك يرنو من خلاله الأفراد إلى إحداث قيم اجتماعية جديدة تعتمد على أهداف ووسائل جديدة. ويبقى هذا السلوك أقليًا ونخبويًا لدى الشباب. في محاولة للتأكد من مدى ملاءَمة هذه السلوكات النمطية واقع الفئة المستجيبة؛ أعددنا خريطة لمعامل

التبادل بين فئات النشاط وفئات درجة أهمية الدراسة للمستجيبين. الرسم البياني (6) تحليل عاملي للتبادل بين أهمية النجاح بالنسبة إلى المستجيب ونشاطه

(العينة: 300، مربع ك = 104.01، درجة الحرية: 9، مستوى الدلالة: –18.)2.42 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

شتاء   winter 2019

يؤكد هذا الرسم العلاقة بين درجة الأهمية التي يوليها المستجيب للنجاح في الدراسة وطبيعة نشاطه (مواصلة الدراسة، العمل، البحث عن شغل أو عدم النشاط). فالذين يولون النجاح أهمية قصوى باعتباره وسيلة يؤمنون بنجاعتها هم غالبًا من يواصلون مزاولة الدراسة، في حين تقل درجة أهمية

الدراسة لدى من يبحثون عن وسائل أخرى لتحقيق أهدافهم؛ وذلك بولوجهم سوق الشغل للعمل أو للبحث عن عمل. وتبقى فئة غير الناشطين من المنقطعين عن العمل أقرب إلى فئة الذين يعتبرون أن النجاح في الدراسة غير مهم، وهو سلوك يتناسب مع نمط الانسحاب الذي وقع ذكره سابقًا، والذي يتميز بالعزلة والبقاء خارج دائرة التعليم والتكوين والعمل. ويمثل كذلك مستوى الطموح والرغبة في الحصول على شهادة تعليمية أعلى دافع لمواصلة الدراسة، حيث يتضح من خلال الجدول (3) وجود تباين في مستوى الطموح بين المنقطعين عن الدراسة ومزاوليها. الجدول (3) أعلى شهادة تعليمية كنت أو ما زلت ترغب في الحصول عليها الإجابة

منقطع عن الدراسة

يدرس

مجموع العينة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةالإجابة
%44.6%34.2%58.6اإلباكالوريا
%16.2%11.4%22.5ارملإجازة
%18.8%24.2%11.7الماجستير/ الهندسة
%19.6%28.9%7.2الدكتوراه
%8%1.3شمهادة أخرى
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك 35.228=، درجة الحرية: 4، مستوى الدلالة: –7.)4.17 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

في حين لا يتجاوز مستوى طموح أغلبية المنقطعين عن الدراسة الحصول على شهادة ختم الدراسة الثانوية (%56.6)، يؤكد أغلبية الذين يزاولون دراستهم أنهم يرغبون في الحصول، في الحد الأدنى، على شهادة الماجستير أو الهندسة. بل إن نسبة الذين يرغبون في الحصول على أعلى المراتب العلمية (الدكتوراه) تصل إلى.%28.9 وتختلف هذه النتائج عامة بحسب النوع الاجتماعي؛ إذ يبدو بارزًا ارتفاع مستوى الطموح لدى الفتيات مقارنة بالفتيان؛ ذلك أن %63.0 من الفتيان لا تتجاوز درجة طموحهم الحصول على شهادة ختم الدراسة الثانوية، في حين يرغب أكثر من نصف الفتيات (%53.6) في الحصول على شهادة تتجاوز الماجستير. ولا يتأثر مستوى الطموح على نحو دال إحصائيًا بالمستوى الاجتماعي للأب أو بمستواه

التعليمي؛ ذلك أن محددات الطموح تبقى مرتبطة في الأساس بمدى قناعة المستجيب بمردودية

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

الدراسة، وبمدى قدرتها على تمكينه من الحصول على مهنة يرغب فيها. في هذا الإطار يحدد %74.6 من الذين لا يعتبرون أن من وظائف المدرسة الإعداد لمهنة يريدونها، شهادة ختم الدراسات الثانوية بأنها الشهادة الأعلى التي يرغبون في الحصول عليها، في حين يرغب %63.4 ممن يعتقدون عكس ذلك على الأقل في شهادة جامعية (الإجازة فما فوق.)

2. أسباب الانقطاع عن الدراسة

تتعدد أسباب الانقطاع عن الدراسة وتتداخل، إلا أنّ أبرزها يرتبط بعزوف الشباب المنقطع في غار الدماء عن التعليم وعدم رغبته في ذلك. وهو موقف له علاقة بما سبق ذكره من تدني توقعات الشباب من الشهادة التعليمية. ويبدو الفتيان أشد اقتناعًا من الفتيات بعدم الرغبة في الدراسة من بين المنقطعين؛

فقد بلغت نسبة الذين أكدوا ذلك %80 لدى الذكور مقابل %42.9 لدى الإناث، ويعود ذلك أساسًا

إلى اختلاف الأدوار الاجتماعية بين الذكور والإناث، وبتصورات مختلفة للأولويات بحسب النوع الاجتماعي. ذلك أنّ البطالة وصعوبات الحصول على شغل لها وقع أشدّ حدة لدى الفتيان منه لدى الفتيات، حتى إن كانت معدلات البطالة لدى الإناث أعلى بكثير منها لدى الذكور. الجدول (4) أسباب الانقطاع عن الدراسة بحسب الأهمية الإجابة

نعم

لا

المجموع

المجموعلانعمالإجابة
%100%91.8%8.2مشاكل صحية شخصية
%100%78%22مشاكل عائلية
%100%72.8%27.8قيرار من الوالدين
%100%64.8%35.2مشاكل في الدراسة
%100%56.5%43.5مييمشاكل مادية
%100%38.1%61.9لم تعد لي رغبة في ذلك

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

ويعتبر أهم سبب لانقطاع الفتيات هو عدم رغبة والديهن في مواصلة دراستهن (%46) في حين أنّ هذه النسبة لا تمثل إلا %10.7 لدى الفتيان. ويؤشر ذلك على وجود تمييز لدى جزء من الوالدين يعطي أولوية لدراسة الفتيان على الفتيات. كما تبين نتائج الدراسة الميدانية أن نسبة مهمة (%76.3) من المنقطعين ليست لها أي رغبة في العودة إلى الدراسة، مع وجود فوارق ذات دلالة إحصائية بين الذكور (%83.8) والإناث (%76.6). في حين يرغب %50 من المنقطعين في متابعة تكوين مهني، ويعزف عن ذلك ال %50 الآخرون. وتبقى نسبة مهمة من المنقطعين (%87) خارج دائرة العمل؛ باعتبار أن %13 فقط منهم صرحوا بأنهم يمارسون مهنة بعد انقطاعهم عن الدراسة.

شتاء   winter 2019

3 موقف العائلة ودورها

يمثل حرص الوالدين على مواصلة الأبناء دراستهم أهم عامل مشجع ودافع للنجاح. كما تبقى مستويات حرص الوالدين مرتفعة حتى لدى المنقطعين رغم ما يعتري التلاميذ من تشاؤم ومآخذ على المنظومة التربوية، مما يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب اختلاف تقييمات جيل الآباء مقارنة بأبنائهم حول دور المدرسة وإصرارهم على التعلق بها لتحسين مستقبل أبنائهم، رغم ما يلاحظ، عامة، من ضعف مردود المدرسة في علاقتها بالموقع الاجتماعي. الجدول (5) حرص الوالدين على النجاح أثناء فترة الدراسة الإجابة

منقطع عن الدراسة

يدرس

مجموع العينة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةالإجابة
%86.2%96.6%73.8ناعم
%13.8%3.4%26.2ل
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك = 29.287، درجة الحرية: 1، مستوى الدلالة: –8)6.23 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

لفهم هذه الوضعية تعتبر مقاربة هربرت سايمن حول «العقلانية المحدودة» من المقاربات الأنجع في تفسير سلوكات قد تبدو في الوهلة الأولى غير عقلانية؛ وذلك عند التمسك بوسائل غير ملائمة للأهداف والغايات المرسومة. ويفيد سايمن في هذا المجال بأنّ مثل هذا السلوك يبقى عقلانيًا في مجمله؛ باعتبار «أن الناس لهم أسبابهم ليقوموا بما يقومون به ولو سألناهم، لأمكنهم أن

يعطونا تفسيرهم حول هذه الأسباب». وتختلف هذه المقاربة مع ما يسميه «العقلانية الجوهرية»؛ باعتبارها صيرورة حُسن اعتماد الوسائل أو الموارد لتحقيق الأهداف، والتي تعتمد في المطلق

على فرضية أنّ المعلومة مثالية وتامة؛ أي إن الخلوص إلى نتائج مسبقًا يبنى على أساس معطيات واضحة ولا تحتمل الخطأ. ذلك أنّ سايمن يرى أنّ العقلانية هي أن يقوم شخص ما بالاختيار من بين احتمالات ممكنة ما يعتبر أنه يؤدي إلى أحسن نتيجة عامة. ويمكن تعريفها بأنها فرز سلوك (أو فعل مرتبط بفرع من الخيارات) محبذ. خيار يكون مفتوحًا بناء على منظومة من القيم يمكن من خلالها تقييم هذا الخيار.

(8) Herbert Simon, Administrative Behavior: A Study of Decision–Making Processes in Administrative Organization , Pierre & Emmanuel Dauzat (trad.), (Paris: Economica, 1983). (9) Herbert Simon, Rationality in Political Behavior (Pittsburgh: Carnegie Mellon University, 1991), p. 1. (10) Jacques Rojot , Théorie des organisations (Paris: Eska, 2003).

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

يتعلق الخيار الأمثل، إذ ا، بمنظومة قيم تعتمد على معطيات ذاتية وتخضع للظرفية التاريخية وللواقعية الذاتية الفاقدة الموضوعية في أغلب الأحيان. ويمكن التثبت من ذلك لمّا يتعلق الأمر بالمقارنة

بين مواقف أجيال مختلفة حول التربية والتعليم في تحقيق الحراك الاجتماعي؛ ذلك أنّ جيل الآباء بقي رهين واقع عاشه وظروف تاريخية معينة مثلت فيها التربية والتعليم المحدد الأساسي للتموقع الاجتماعي، ولا يقبل هذا الجيل الآن أل تقوم المدرسة بهذا الدور. غير أنّ جيل اليافعين والشباب اليوم عايش واقعًا آخر تتزايد فيه نسب البطالة بحسب طول الفترة التي يقضيها الشاب على مقاعد

الدراسة ليفقد بذلك حماسته نحوها، وليفكر جزء من الشباب في وسائل أخرى قد تمكنهم من الوصول إلى أهدافهم، في حين ينعزل الجزء الآخر عن المجتمع في وضعية أشبه بالانتظار اللامحدود لوسائل جديدة للخروج من الأزمة. ويبذل الأهالي جهدًا كبيرًا لإقناع أبنائهم بالبقاء على مقاعد الدراسة؛ وذلك من خلال الحديث

والمحاورة حول المستقبل المهني في علاقة بالمدرسة. الجدول (6) تواتر تبادل الحديث مع أفراد العائلة حول المستقبل المهني الإجابة

منقطع عن الدراسة

يدرس

مجموع العينة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةاملإجابة
%24.5%40%6.3دائمًا
%41.2%36%47.2أحيانًا
%13.4%8%19.7نادرًا
%20.9%16%26.8أمبدًا
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك = 44.771، درجة الحرية: 3، مستوى الدلالة: –9.)1.03 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

ولهذا التمشي نجاعة نسبية على ما يبدو باعتبار اختلاف نسب تواتر الحديث بين اليافعين وأفراد أسرهم بحسب وضعية الانقطاع ومزاولة التعليم. ولا ينفي هذا الأمر أن المستقبل المهني يشغل الشباب في حديثهم مع أقرانهم أيضًا؛ ذلك أن %68.7 منهم يؤكدون أنهم يتبادلون دائمًا أو أحيانًا الحديث

مع أصدقائهم حول مستقبلهم المهني، وترتفع هذه النسبة لدى المزاولين الدراسة (%81.8) مقابل المنقطعين (%53.2) ليؤكد ذلك ما جاء سابقًا أنّ الانقطاع يولد سلوكًا انعزاليًا.

(11) Mohamed Ali Ben Zina, «Le chômage des jeunes diplômés dans les quartiers populaires de Tunis,» in: Mohamed Ali Ben Zina & Aissa Kadri (dir.), Un Etat en Transition, une Société en Mouvement, La Tunisie 2011–2014 (Tunis: Arabesque, 2018)

الجدول (7) تواتر تبادل الحديث مع الأصدقاء حول المستقبل المهني الإجابة

منقطع عن الدراسة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةاملإجابة
%29.8%45.6%11.1دائمًا
%38.9%36.2%42.1أحيانًا
%11.3%8.7%14.3نادرًا
%20%9.4%32.5أمبدًا
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك = 48.04، درجة الحرية: 3، مستوى الدلالة: –10.)2.08 10

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

ويمثل التفكير في الهجرة إلى الخارج إحدى المسائل الأساسية التي تشغل بال الشباب، فقد صرح %72.7 منهم بأنهم يفكرون دائمًا أو أحيانًا في ذلك، مع وجود فوارق ذات دلالة بين المنقطعين

(%67.8) والمزاولين الدراسة (%76.8) وبين الذكور (%76) والإناث (%70.3). ويتبادل الشباب المدروسون نسبيًا الحديث في ما بينهم حول هذا الأمر (%41.2) ويتواتر ذلك أكثر بين المنقطعين

(%51.1) مقارنة بالمزاولين الدراسة.)%33.2(الجدول (8) التفكير في الهجرة إلى الخارج الإجابة

منقطع عن الدراسة

مجموع العينةيدرسمنقطع عن الدراسةاملإجابة
%49.8%53.7%45.2دائمًا
%22.9%23.1%22.6أحيانًا
%7.4%2.0%13.7نادرًا
%19.9%21.1%18.5أمبدًا
%100%100%100المجموع

(العينة: 300، مربع ك = 13.63، درجة الحرية: 3، مستوى الدلالة:.)0.003

المصدر: دراسة ميدانية من إعداد الباحث.

4. انخراط المنقطعين عن الدراسة في العمل والعلاقة باقتصاد الحدود

لا يمثل الناشطون اقتصاديًا إلا نسبة %26 تقريبًا من بين المنقطعين عن الدراسة، يبلغ المشتغلون

الحقيقيون منهم نسبة %50 في حين يبقى النصف الآخر في وضع بطالة. وتبين هذه المعطيات صعوبة

شتاء   winter 2019

يدرس

مجموع العينة

يدرس

مجموع العينة

الانقطاع المدرسي والإقصاء الاجتامعي لدىالشباب في المناقط الحدودية التون: إنتاج الهامشية

وضع يتخبط فيه الشاب بحثًا عن حلول غائبة. ويصرح %42.7 من المشتغلين بأنّ لعملهم علاقة بالحدود لترتفع نسبة الذين يعتبرون أنّ عملهم لا يندرج في نشاط مرخص فيه إلى %80.1 منهم، كما

أن %100 منهم ليست لهم تغطية صحية. ويعتبر %55.5 من المشتغلين أن وضعهم المالي متردٍ رغم انخراطهم في العمل. ويبقى الوالدان في درجة أولى (%94.3) الداعمين الأساسيين ماديًا للمنقطع عن الدراسة خلال الفترة

الفاصلة بين انقطاعه وحصوله على شغل، يليهما الأقارب (%27.7) في حين تغيب تمامًا الدولة أو

الجمعيات عن هذا الحقل. كما صرح %63.1 من بين المنقطعين عن الدراسة وغير المشتغلين بأنهم يقضون يومهم في المنزل مع فوارق عامة بين الذكور (%26.2) والإناث (%100) في حين يقضي %41 من الذكور يومهم في الشارع. ويدفعنا هذا إلى التساؤل عن غياب مؤسسات الإحاطة والرعاية الواجب توفيرها لشباب غادروا مقاعد

الدراسة لعزوفٍ لدى أغلبهم عنها، باعتبار تناقص الدور الاعتباري للمدرسة في المجتمع، وفي ظل غياب خيارات أخرى بديلة تمكّنهم من النظر إلى المستقبل بآمال جديدة.

خاتمة

حاولنا من خلال هذه الورقة الاهتمام بفئة من الشباب في جهة حدودية مهمشة ترتفع فيها ظاهرة الانقطاع المدرسي في علاقة بضعف إمكانية تحقيق الحراك الاجتماعي. كما حاولنا إبراز الأسباب الاقتصادية التي أدت إلى هذا الوضع، إذ إنّ النسيج الاقتصادي يتميز بضعف النشاطات الصناعية التحويلية والقطاعات المشغلة لليد العاملة المتكونة، على نحوٍ يؤدي إلى تنامي ظاهرة البطالة عامة وبطالة أصحاب الشهادات خاصة. كما اعتمدنا على دراسة ميدانية في تحديد مواقف الشباب وتصوراتهم مقارنة بتصورات آبائهم تجاه المدرسة والمستقبل؛ إذ تتباين الآراء بين الجانبين لارتباطها بمعيش كل منهم وتجاربهم الجيلية المختلفة. والوضعية الأجدر بالاهتمام في هذه الدراسة هي وضعية فئة المنقطعين عن الدراسة وغير المنخرطين في النشاط الاقتصادي وهي الأكبر عددًا من بين المنقطعين. وتستوجب هذه الفئة اهتمامًا خاصًا لأنها

تعيش وضعًا تسوده العزلة وقلة الخيارات وضعفها، إضافة إلى الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية؛ مما

يستوجب إحداث آليات جديدة تحدّ من وقع ما تعيشه هذه الفئة.

References

المراجع

العربية

بن زينة، محمد علي وآخرون. في سوسيولوجيا الهوامش في تونس: دراسات في المناطق الحدودية والأحياء الشعبية. تونس: دار محمد علي الحامي للنشر،.2018

مجموعة باحثين. الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

الأجنبية

Becker, Howard S. Outsider: Studies in the Sociology of Deviance. New York: The Free

Ben Zina, Mohamed Ali & Aissa Kadri (dir.). Un Etat en Transition, une Société en

Briand, Jean–Pierre & Jean–Michel Chapoulie. Outsiders: Etudes de sociologie de la

Delas, Jean–Pierre & Bruno Milly. Histoire des pensées sociologiques. 3 rd ed. Paris:

King Merton, Robert. Eléments de théorie et de méthode sociologique. Paris: Plon,

Simon, Herbert. Rationality in Political Behavior. Pittsburgh: Carnegie Mellon

________. Administrative Behavior: A Study of Decision–Making Processes in Administrative Organisation. trad. française par Pierre & Emmanuel Dauzat. Paris:

شتاء   winter 2019

Press of Glencoe, 1963.

Mouvement, La Tunisie 2011–2014. Tunis: Arabesque, 2018. Bresson, Maryse. Sociologie de la précarité. Paris: Armand Colin, 2007.

déviance. Paris: Métailié, 1985.

Armand Colin, 2009.

Rojot , Jacques. Théorie des organisations. Paris: Eska, 2003.

University, 1991.

Economica, 1983.