Return to Article Details Prospects for Sectarianism Studies after Sect, Sectarianism and Imagined Sects

دراسات الطائفية ما بعد كتاب «الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة»: الآفاق الممكنة

Prospects for Sectarianism Studies after Sect, Sectarianism and Imagined Sects

حيدر سعيد Haider Saeed *

الملخّص

المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: بيروت/ الدوحة. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 927 صفحة.

Abstract

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفية
  • دراسات القومية
  • عزمي بشارة
Keywords:
  • Sectarianism
  • Nationalism Studies
  • Azmi Bishara

شتاء   winter 2019

قبل بضع سنوات، وفي أثناء بحث عن «الطائفية السياسية في العراق»، جردتُ وتابعت الكمَ غير القليل من الأدبيات الطائفية/ وعن الطائفية، التي ظهرت عن العراق عشية حرب

عام 1991 وما بعدها، وما تلا ذلك من أحداث وانتفاضات، وهي أدبيات تصف العلاقات الطائفية وتاريخها، أكثر مما تفسّرها. ووصفُها ورؤيتها لتاريخ الطائفية مدفوع بالسياسات الطائفية التي خلّفها

هذا الحدث المفصلي، بل إن بعضها (وربما قسم كبير منها) هو جزء من الصراع والسجال الطائفيين؛ بمعنى أنه يتبنى سردية أو رؤية لطرف ما في مواجهة الآخر، ويعيد كتابة التاريخ وفق هذه الرؤية. وهو أمر يرى فيه عزمي بشارة، في كتابه الصادر راهنًا الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، مصداقًا لفكرة أن الطائفة يعاد كتابة تاريخها، بل التاريخ كله، بأثر رجعي، على وفق رؤية ناشئة من الطائفية المعاصرة. وإلى جانب هذا، هناك الأدب الهجائي للطائفية. ولا أسعى، هنا، لتصنيف الدراسات التي كُتبت عن الطائفية قبل هذا الكتاب، ولكن، ينبغي أن أشير إلى أن هناك، بين الدراسات التي حاولت أن تقدّم تاريخًا للعلاقات الطائفية، وجزء كبير منها يتبنى المنظورَ الطائفي، على نحو ما تقدّم، وبين الدراسات

التي حاولت أن تقدم تفسيرًا أكاديميًا للطائفية يتضمن رغبة في مواجهتها، كما سأبسط لاحقًا. وبين

هذين التيارين هناك تيار ثالث تمحض لنقد الطائفية، من دون كبير عناية بتفسيرها وفهمها. ويتمثل هذا التيار، على نحو أخص، بما قدّمه اليسارُ اللبناني، ولا سيما في النصف الثاني من السبعينيات وما تلاه،

إثر اندلاع الحرب الأهلية، التي كانت بمنزلة فشل للنظام السياسي اللبناني القائم على أساس طائفي. ومع ذلك، هناك جهود أخرى، بحثية وفكرية، حاولت أن تؤسس مقاربة أكاديمية لظاهرة الطائفية، وهي جهود قليلة ونادرة، وهي ليست تراكمًا أو تطويرًا للتاريخ السالف للطائفية، ولا لهجائها، مع

أنها تحتفظ بموقف بيِّن منها. كانت هذه الجهود تسعى لتقديم «تفسير» للطائفية، يستند إلى أسس

نظرية واضحة. والتفسيرُ والفهم، في السياق الذي ظهرت فيه هذه الجهود، هو العمل الأكثر إلحاحًا

لمواجهة الطائفية بوصفها جرحًا نرجسيًا، لمجتمعات انبنى مخيالُها عن نفسها بوصفها تشرّبت الروابطَ

الحديثة. ولذلك، تجرح الطائفيةُ كبرياءَها وصفاءَ صورتها عن نفسها. ومع أن التفسير هو الهدف الأساسي للعلم وللممارسة العلمية، كان تفسيرُ الطائفية هنا حاجةً أبعد من

العلم؛ حاجة إلى النخب المثقفة والسياسية، وحتى إلى الجمهور العام، الذي يريد أن يفهم كيف تحوّل

(((حيدر سعيد، «الطائفية السياسية في العراق، إنكارًا واعترافًا»، في: مجموعة مؤلفين، المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في

الوطن العربي (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017 (((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 (((انظر، على سبيل المثال: وضاح شرارة، في أصول لبنان الطائفي (1975)؛ رياض الصمد، الطائفية ولعبة الحكم في لبنان

(1977)؛ الفضل شلق، الطائفية والحرب الأهلية في لبنان (1978)؛ مهدي عامل، مدخل إلى نقض الفكر الطائفي (1980)؛ مسعود

ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية (1981)؛ مهدي عامل، في الدولة الطائفية (1986)؛ حسان حلاق، الأبعاد الطائفية

والسياسية في مواقع الحكم والسلطة في لبنان (1988)؛ كما أصدرت مجلةُ الحزب الشيوعي اللبناني، الطريق، عام 1978، عددين خاصين ب «الظاهرة الطائفية في لبنان». وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك جهودًا، لبنانية وعربية، في نقد الطائفية اللبنانية سبقت اندلاع

الحرب الأهلية عام 1975، ولعل من أبرزها كتاب أنيس صايغ، لبنان الطائفي (1955)؛ وناصيف نصّار، نحو مجتمع جديد: مقدمات

أساسية في نقد المجتمع الطائفي.)1970((((انظر، على نحو خاص: برهان غليون، نظام الطائفية: من القبيلة إلى الدولة (1990)؛ أسامة مقدسي، ثقافة الطائفية.)2000(

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

التعايشُ بين أتباع ومعتنقي ديانات وطوائف مختلفة في المشرق العربي إلى صراع دامٍ، ووحشي، وإلى

كراهية عنيفة للآخر؟ أو لمَ لمْ تستطع مجتمعات المشرق بناءَ هذا التعايش أصلًِ؟ ولمَ اختار بعضُهاِ

نظامًا سياسيًا يقوم على أساس التمثيل الطائفي، لا المواطنة الكاملة؟ ولذلك، كان النتاج الفكري عن الطائفية يزداد بعد لحظات الانفجار: في النصف الثاني من السبعينيات إثر الحرب الأهلية في لبنان، وفي مطلع التسعينيات إثر غزو الكويت وما تلاه من تداعيات. ودائمًا ما كان يختلط التناولُ العلمي للطائفية بالرغبة في مناهضتها. وسيطبع هذا الأمرُ بميسمه جلَّ

التناول الأكاديمي والفكري للطائفية، فلم تعتنِ هذه الجهودُ بالحدود التي يبدأ معها تشكل المجال

الطائفي، وهل كلُّ دينامية، سياسية أو اجتماعية، تستند إلى هوية دينية أو مذهبية هي فعل طائفي؟ أم هل أن الطائفية نظام متكامل؟ وهل يمكن وضع خطوط فاصلة بين حقل «سياسات الهُوية» على سبيل

المثال، وحقل «الطائفية»، حتى إن كان أحدهما يمكن أن يفضي إلى الآخر؟ وما إلى ذلك من أسئلة. وفي الحقيقة، لم تعتنِ الدراسات التي تناولت الطائفية بهذا التمييز بين «سياسات الهُوية» و«الطائفية»،

إن كان هذا التمييز ممكنًا، فبالنسبة إلى هذه الدراسات، هذا التمييز أكاديمي نظري مجرد، وفي اللحظة التي نريد مناهضة الطائفية، من منطلق إرادوي حقوقي، لا يكون مهمًا هذا التمييز، فحتى سياسات

الهُوية هي، بمعنى من المعاني، مظاهر طائفية. ولعل أهم مظهر لهذا هو أن هذه الدراسات تستعمل تعبيرَ «الطائفية»، كما يُستعمَل في الخطاب العام

والخطاب السياسي، أي من دون تحديد، وبمعان ليست موحّدة أحيانًا، وأحيانًا بقدر من المجانية. وفي

الحقيقة، إن عدم الاتفاق على معنى موحّد ل «الطائفية» أمر ليس جديدًا، فهو يرافق بدايات ظهور هذا

المصطلح في السجالات العربية، ففي الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، كانت الطائفية تعني في الأدبيات اللبنانية النظامَ السياسي القائم على تقاسم المناصب. «الطائفية في لبنان [...] هي

ضمان التمثيل السياسي والاجتماعي لأقليات طائفية متشاركة»، بتعبير ميشال شيحا. ولذلك، هي «طائفية بنّاءة»، على نحو ما يسمّي كمال يوسف الحاج كتابَه (1961)، في حين أن تعبير «الطائفية» كان

يُستعمل، في بعض الوثائق الشيعية في العراق في الخمسينيات، في الإشارة إلى سيطرة طائفة ما على

الحكم على حساب الطوائف الأخرى، قائمة على أساس تمييزي إقصائي. الطائفيةُ في خمسينيات

لبنان هي سمة نظام، متفق عليها، في حين أنها في خمسينيات العراق سمةُ سلطةٍ متغلّبة بشكل قسري.

تقشير مفهوم الطائفية

إن عدم عناية هذه الدراسات الأكاديمية بتمييز اصطلاحها ل «الطائفية» من الخطاب العام والخطاب السياسي اليومي هو مؤشر على أن هذه الدراسات لم تعتن بتحديد الموضوع، ما الطائفة؟ وما

(((ميشال شيحا، في السياسة الداخلية، ترجمة أحمد بيضون (بيروت: دار النهار، 2004). (((مركز شهداء آل الحكيم للدراسات التاريخية والسياسية (معد)ّ، من مذكرات العلامة الشهيد محمد مهدي الحكيم (رض) حول

التحرك الإسلامي في العراق ([د.م.]: مركز شهداء آل الحكيم للدراسات التاريخية والسياسية، [د.ت.])، ص.51

شتاء   winter 2019

الطائفية؟ وانتقلت مباشرة إلى تفسيرها، فعدّت تعريفَ «الطائفية» بمنزلة «مسلّمة»، بالمعنى المنطقي. ولذلك، هي تستند، في تعريف «الطائفية»، إلى الحس المشترك Sense Common: إنها هذا الشيء الذي نكرهه، ويتحدث به الجميع، فهو متداول في الخطاب العام. ومن ثم، لا حاجة إلى تعريفه، بقدر أن الأهم هو تفسيره لمواجهته. وهذا مرتبط بالنزعة العارمة لمواجهة الطائفية، التي كانت متضمنة في تحليلها، وسمحت بتجاوز بعض الاعتبارات الأكاديمية، ومنها التعريف. غير أن الحس المشترك، أو الفهم العام للطائفية، يتضمن معاني عدة، على نحو ما تقدم: فهل تعني الطائفيةُ امتيازَ طائفة على أخرى، أم احتقار طائفة لطائفة أخرى، أم سيطرة طائفة ما على الحكم، أم أولوية التعريف على أساس الطائفة على حساب الهُويات الأخرى ولا سيما الوطنية، أم التوتر بين المجموعات الدينية القائم على أساس طائفي، أم النظام السياسي القائم على أساس الطوائف من حيث هي إطار تمثيلي، أم كل ذلك وربما معانيَ أخرى؟ قد يكون بإمكاننا، في إنشاء البرهان العلمي، الاستنادُ إلى أحد هذه التعريفات ل «الطائفية» وتبنيه.

ولكن، ما الطائفة أصلً؟ تتجاوز جميع الدراسات الأكاديمية السابقة عن الطائفية هذين التعريفين الأساسيين: تعريف الطائفية، وتعريف الطائفة على نحو أولي، وهو ما يحاول بشارة تداركه في كتابه عن الطائفية، فيُفرد له مساحة

مهمة، ليس فقط لتجاوز هذا الثقب الأسود في الجهد الأكاديمي عن الطائفية، ولكن أيضًا لأن أطروحته الأساسية في الكتاب هي أن الطائفة هي وليدة الطائفية، وليس العكس. وبكلمة شديدة الكثافة: يعود كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة إلى الخطوة التأسيسية: تعريف الطائفة والطائفية، وتحديد مجالها وموضوعها. وعلى عكس الأعمال الأخرى، يضع هذا الكتاب نظريتَه عن الطائفية هنا. وربما هو يعتقد أنها لا تتحقق إلا هنا. ولا يفرّط في الوقت نفسه بتفسير

الطائفية، بل إنه يرى تفسيرَها جزءًا، أو فرعًا على تحديد موضوعها. يقوم بشارة، وهذا هو الجزء الرئيس والأوسع من الكتاب، بما يمكن تسميته مجازيًا «تقشير مفهوم

الطائفة»، أول، ثم الطائفية، أي التدرج في الوصول إلى تحديدها، وذلك بسلبها مما ليس هي، بتعبير المناطقة، فيَفْص ل مفهومَ «الطائفة» عن كونه مفهومًا دينيًا، ويفصله عن مفاهيم الفرق والمذاهب

والنحل والمِلل المستعملة في التراث الإسلامي، وعن مفهومي «الإثنية» و«المجتمع الأهلي»، وعن مفهوم الفرقة Sect الفيبري، ومفهوم العصبية الخلدوني. وعلى مستوى التقنيات المنهجية، يطلق الكتاب حزمة من الثنائيات أو التقابلات، التي يحاول من خلالها ضبطَ الموضوع. وهناك ثلاث ثنائيات أساسية في هذا المجال:

(((انظر: الفصول: 1، 2، 3، 4، 5، 7، 8، 11، في: بشارة. (((المرجع نفسه.

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

• المذهب (الفرقة)/ الطائفة (المجتمع الأهلي.) • الطائفة/ الطائفة المتخيلة. • الطائفية الاجتماعية/ الطائفية السياسية. المذهب هو اعتقاد ديني، يتبعه ويعتقد به مجموعة من البشر، ولكن، لا تتشكل على أساسه جماعة يوحِّدها ويربطها هذا المذهب بوصفه هُوية. والفرقة هي مجموعة دينية مغلقة، تُمارس طقوسها الدينية

المخالفة لسياقها الاجتماعي، في حين أن الطائفة هي مجتمع أهلي، ينشأ بين أتباع مذهب معين. أما الطائفة المتخيلة فهي أمر مختلف بالكامل، فهي تعني تشكل جماعة كبرى على أساس هذه الهُوية. وللتصنيف المنهجي، تدور الجهود السابقة عن الطائفية في الثنائية الأولى، وموضوعها «الطائفة»، في حين يقترح بشارة أن تكون «الطائفة المتخيلة» هي موضوع دراسات الطائفية. يميز بشارة بين مفهومي «الطائفة» و«الطائفة المتخيلة». وهو هنا، اضطر إلى وصف المفهوم الثاني من خلال أحد مكوناته، وهو التخيل، بدل من أن يلجأ إلى إرباك اللغة الاصطلاحية التي تقوم عليها هذه الدراسات بمصطلح جديد يسمي به «الطائفة المتخيلة». وبالتأكيد، إنه يريد كذلك الإبقاء على الشحنة الانفعالية (السلبية ربما)، التي يتضمنها مفهوم «الطائفة»، والتي يشتق منها مفهوم الطائفية، وهو لا يريد أيضًا أن يضحّي بهذا الاشتقاق بكل تأكيد. ولئن قام بشارة بالتمييز بين المفهومين من خلال الصفة (= المتخيلة)، فقال «الطائفة» و«الطائفة المتخيلة» فإنه كان يحس بالحاجة إلى نوع من الصدام أو التجديد الاصطلاحي. وفي بعض الأحيان، كان ثمة تداخل بين مفهومي «المذهب» و«الطائفة»، فكلاهما بحسب تعريف بشارة نوع من الروابط، الوشائجية أو التراحمية Primordial، وهي روابط ما قبل حديثة، وأيضًا، ما قبل وطنية، وما قبل الدولة statist – Pre، تجمع أتباع دين أو مذهب معين. وهي تشمل أتباع الطوائف والفرق الصغيرة المغلقة، وكذلك أتباع المذاهب الإسلامية الكبرى، الذين لا يتعدى هذا الانتماءُ لديهم

الرابطةَ المذهبية، حتى إن سُيِّست في بعض لحظات التاريخ، ولا يتضمن شعورًا بالانتماء إلى جماعة

كبرى. فعلى سبيل المثال، لم يتعامل الشيعة، أو نخبهم أو مؤسستهم الدينية، مع الغزوات الوهابية على المدن الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء، من أواخر القرن الثامن عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين، بأنها تستهدف الجماعة الشيعية، حتى إن كانت هذه الغزوات ذات جذور دينية عقائدية أيديولوجية، وحتى في حال إرسال الشاه رسالة احتجاج إلى الوالي العثماني، يحتج فيها على غزوة كربلاء عام 1802، التي دمّر فيها الوهابيون جزءًا من ضريح الإمام الحسين.

(((المرجع نفسه. (((1 المرجع نفسه، ص.19

(11) Meir Litvak, «Karbala,» Encyclopedia Iranica, vol. XV, pp. 550–556.

شتاء   winter 2019

ومع أن بشارة يفصّل في كون الدولة الصفوية باشرت بمذهبة التشيع، جزءًا من تحركها الجيوستراتيجي

الإمبراطوري العابر للحدود الإيرانية، أرى أن رسالة الاحتجاج، في المثال المذكور آنفًا، ليست تصديقًا لتشكل التشيع طائفةً متخيلة، وهي لا تختلف عن رسائل الاحتجاج التي يبعث بها بابا الفاتيكان حاليًا

في الاعتداءات التي يتعرض لها المسيحيون في منطقتنا. في الحالتين، فإن الرابطة هي رابطة تشارك

الاعتقاد أو الانتماء إلى دين أو مذهب، وليست مؤشرًا دال على جماعة يحكم حراكها السياسي

والاجتماعي انتماؤها إلى هذا الدين أو المذهب. وهو الفارق النوعي الذي يميز الطائفة المتخيلة من الطائفة، كما سنلاحظ.

الطائفة وأنماط الولاءات السياسية

في كتابه نظام الطائفية: من القبيلة إلى الدولة، يقصر برهان غليون تعريفه للطائفية على صعود الروابط دون الوطنية، أو دون الدولة إن صح التعبير، في مواجهة الانتماء الوطني، والذي غالبًا ما ينتج بسبب

فشل الاندماج الوطني. ولذلك، يدمج غليون، من جهة، مسألةَ الأقليات في المسألة الطائفية، ومن جهة أخرى، يميز المسألة الطائفية من المشكلات الإثنية الكبرى في المشرق العربي، كالمشكلة الكردية. والأكثر من ذلك، أن غليون يرى أن الطائفية لا تختلف عن العصبيات التقليدية، إذ يقول: «إن الطائفية تُدرج نظريًا ضمن مسألة أعم منها هي مسألة التكوين العصبوي أو نشوء الآليات العصبوية

في المجتمع»، ويضيف قوله: «إن الذي يهمنا بالضبط هذه العلائقية [...] التي تجعل من الانتماء إلى دين أو قبيلة أو عائلة حقلً لتأسيس ولاء سياسي يخالف الولاءَ العام، أو يضع نفسه على الأقل

فوقه ويعطيه الأسبقية عليه، وهو ما نسمِّيه الطائفيةَ كنظام، التي تعني استخدام العصبيات الطبيعية

ضمن نظام يتجاوزها في غاياته ووسائل عمله، وفي هذه الحالة فإن الطائفية ليست العصبوية الدينية، أو استغلال العصبية الدينية فحسب، وإنما أي عصبية اجتماعية موجودة في لعبة الولاء والسلطة». وهذا يعني أَن غليون يضيق الطائفية إلى العصبية. ومع أن بشارة يتفق مع فكرة أن الطائفية تستحوذ على الولاء العام، فإنه لا يتفق مع أساس التفسير، أي اختزالها إلى عصبيات ما دون الدولة، وهي فكرة تلقى رواجًا على ما يبدو. ولذلك، خصص بشارة فصل كاملً من الكتاب لفحص ما إذا كان مفهوم العصبية

الخلدونية يصلح إطارًا لتفسير الطائفية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين العصبوية، أي الانتماء القائم على أساس العصبية بالمعنى الخلدوني، والتعصب؛ فالطائفية شكل من أشكال التعصب بكل تأكيد، يقول بشارة: «لا يهمّ إن كانت[...]

الطائفية تعني تعصبًا لجماعة تابعة لمذهب أو لدين، أي إن كانت طائفية مذهبية أو طائفية دينية.

(((1 برهان غليون، نظام الطائفية: من القبيلة إلى الدولة، ط 2 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.35–31 (((1 المرجع نفسه، ص.37 (((1 المرجع نفسه، ص.38 (((1 بشارة.

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

فهي في الحالتين انتماء عصبوي إلى جماعة تجمعها رابطة العقيدة (وليس بالضرورة الإيمان بهذه العقيدة وممارستها). ففي الطائفية عمومًا، يتغلب التعصب للجماعة على التعصب للدين، وفي

المذهبية والتدين يغلب التعصب للمذهب أو للدين على التعصب للجماعة، ولكن غالبًا ما يتقاطع

التعصبان». هناك أكثر من مصدر، وأكثر من سبب وعامل لتشكل الطوائف المتخيلة، وليس مصدرًا واحدًا.

والكتاب يتوقف عند هذه التباينات. فهناك من جهة، نمط من العلاقات أقرب إلى ما تسمِّيه دراسات

السوسيولوجيا السياسية الحديثة «النيوباترومانيالية»، تطويرًا لمفهوم ماكس فيبر «الباترومانيالية».

ويضرب بشارة مثالً هنا بنمط الولاءات التي تعززها الأنظمة التسلطية لتشكيل القاعدة التي تستند إليها،

وهي غالبًا ما تكون بديلً من المؤسسات الحديثة، ولا سيما الأحزاب. وتشمل هذه الولاءات أنماطًا

من العلاقات، كالقبلية، أو الطائفية. والمثال الأشهر، هنا، هو حالة الطائفة العلوية في سورية. غير أن هناك طوائف متخيلة، لا يمكن ربط تشكلها أو صناعتها بنزعة نيوباترومانيالية. ولعل حالة تشكل الطائفة الشيعية هي جزء من هذا، فتشكلها بوصفها جماعة فوق وطنية لا يرتبط بولاء نيوباترومانيالي، بقدر ما يرتبط بحزمة معقدة من العوامل، لعل في صدارتها العوامل الجيوستراتيجية.

الطائفة والقومية

إن الفكرة الأساسية التي يقدمها بشارة في هذا الكتاب هي أن الطائفية لا تتكون بمنطق العصبيات التقليدية أو الروابط الوشائجية، بل بمنطق التكون القومي وآلياته. ولذلك، فإن أهم ما جاء به هذا الكتاب هو أنه يصف ويفسر تكوّن الطوائف بلغة ومفاهيم تكون الأمم، فالطائفة هي الجماعة التي

يشعر أفرادُها بأنهم ينتمون إلى جماعة كبرى، ويتخيلون أن هناك الملايين يشاطرونهم الانتماء نفسه،

داخل حدود وطنهم أو خارجه. يقول بشارة: «الطائفة في الفهم المعاصر هي [...] عودة من الدولة والمواطنة والدين إلى الجماعة، كما في حالة القبلية والروابط ‘الإثنية’، غير أنها قبلية وإثنية جديدة تقوم على الانتماء إلى دين أو مذهب معين بالولادة، ليصبح هو الهُوية القبلية أو ‘الإثنية’ (أو حتى القومية

بلغة العصر»)، ويضيف: «تنتج الطائفة [...] بآليات الاتصال (والتخييل) نفسها التي تساهم في إنتاج القومية». ومع أنه يستدرك لتوضيح الفوارق بين الطائفة والقومية، بالقول: «القومية [...] ظاهرة حديثة بكليتها، لا تقوم على أساس تخيل جماعة بالانتماء إلى دين أو مذهب، بل تخيل انتمائها إلى لغة وثقافة. وهي من ثمّ أقرب إلى واقع المجتمع الحديث، كما أنها غالبًا ما ترتبط بالتطلع إلى السيادة وحق تقرير المصير،

(((1 المرجع نفسه.

(17) Gero Erdmann & Ulf Engel, «Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch–All Concept,» GIGA, Working Paper 16 (February 2006).

(((1 بشارة. (((1 المرجع نفسه.

شتاء   winter 2019

وتشكيل دولة ذات سيادة [وهي] أكثر تأهيل لتوحيد المجتمع المتعدد الطوائف في هُوية واحدة. وتبني

المعطياتُ التي تقوم عليها القوميةُ علاقات أفقية بين أتباع الأديان المختلفة والمذاهب والطوائف. أما

الطائفيةُ فيعني تحويلُها الطائفةَ الدينية إلى متخيل تفكيكَ العلاقات التي نشأت بحكم نشأة الدولة الحديثة، وتشتتَ الوحدة الوطنية؛ وهي من ناحية أخرى لا تنجح في المهمات التي تخفق القومية

في إنجازها، مثل توحيد مجتمع متعدد القوميات في كيان سياسي واحد؛ فضلً عن احتمال تدخل رجال الدين في السياسة الطائفية، أو اللقاء بين الطائفية والتدين السياسي، أي الاستغلال المتبادل بين الطائفية والحركات والتيارات التي تقوم بتسييس الدين»، أقول: مع ذلك، وبغض النظر عن النسيج السياسي المختلف للطائفة عن القومية، وبغض النظر أيضًا عن تبعاتها السياسية، يمثل نقلُ الآليات

الداخلية للقومية، أو منطقها الداخلي، لفهم الطائفة وتكونها وصيرورتها، تحول راديكاليًا، فالقومية

ليست مجرد نمط حديث من الروابط فقط، بل مجموعة من الآليات والديناميات كذلك. يرى كثير من دارسي القومية أن القومية قد تكون الشكل الحديث للروابط الوشائجية (غيرتز، سميث.) ومع ذلك، يرَوْن أن القومية الأوروبية نشأت بانحلال الروابط الوشائجية، وصناعة آليات جديدة، منها

التخيل (أندرسون.) إن إعادة موضعة دراسات الطائفية في دراسات القومية، أو دمجها فيها، ستعمل على فتح المجال لدراسة آليات البناء الطائفي، كما البناء القومي، سواء في فكرة المصير المشترك، أو الذاكرة المشتركة، أو ما سوى ذلك. وأكثر من ذلك، قد يغيّر هذا الدمجُ من دراسات القومية نفسها، في منطقتنا على الأقل، إذ لن تبقى

حبيسة الأمة المتأطرة في إطار دولة، بل إنها ستفتحها على الروابط المنافسة، التي تتمدد أوسع من الدولة، ولها منطقُ الأمة؛ ومنها، بل في صدارتها، الطائفة.

جيوبولتيك الطائفية

إذًا، يجعل التصورُ السائد في دراسات الطائفيةِ الطائفيةَ رابطة دون وطنية national – Sub، ذات أساس

عصبوي، في حين يجعلها بشارة رابطة تشبه الأمم الحديثة في تكونها، وقد تتعدى ذلك لتكون رابطة

فوق وطنية Transnational.

وللتدقيق، لا يتحدد هذا الشعور بتخيل انتماء عابر للحدود، بل إن هذا التخيل يمكن أن يحدث حتى داخل الوطن، ولكن الطائفية حتى في هذا ليست رابطة عصبوية، أو دون وطنية، بل إنها إستراتيجية نقيضة للأمة. ولذلك، في إمكانها أن تنفتح، وسريعًا، لتكون رابطة عابرة للحدود، على غرار ما حدث

مع الهُوية الشيعية في العقدين الأخيرين. كان بشارة أوضح من غيره في الحديث عن دور العوامل الجيوستراتيجية في صناعة الطائفية والطوائف؛

(((2 المرجع نفسه، ص.81

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

فهو يتحدث عن دور الصراع الصفوي – العثماني في مذهبة الطائفتين الشيعية والسنية. وهي خطوة أبعد من قصر نشوء الطائفية على مجموعة من العوامل الداخلية، وأبعد من البحث في دور العوامل الجيوستراتيجية في نشوء التشيع الصفوي فقط، من دون ربطه بتشكل الفضاء الطائفي، وأبعد من مجرد الحديث عن دور العوامل الخارجية في تحفيز الحراك الداخلي، وأبعد من استعمال العوامل الجيوستراتيجية لفهم الطائفية الراهنة في العقدين الأخيرين فقط. ما يفعله كتاب بشارة هو وضع العوامل الجيوستراتيجية في نظرية عامة عن الطائفية، توضح كيف يتضافر الداخلي والخارجي في صناعة الفضاء الطائفي، الذي يول د الطوائف، ويرسم حدودها، ثم كيف تحاول هذه الطوائف المتخيلة ترصين حدودها، في مراحل تاريخية متغايرة، ليكون استدعاؤها ميسورًا، أي تفعيلها وإطلاقها من جديد، في الصراع الجيوستراتيجي، حتى إن تغيرت أركانه.

الطائفية ظاهرةً فوق وطنية

إن هذه الاسترسالات المفاهيمية ستسمح لنا باكتشاف العلاقة بين دراسة الطائفية، كما يطوّرها بشارة،

وحقل دراسات فوق الوطنية Studies Transnationalism، فتخيلُ الانتماء إلى جماعة واسعة عابرة للحدود، يعني ضمنًا تخيل لهُوية فوق وطنية، تمثل إستراتيجية معارضة لبناء الأمة. وهذه الهُوية فوق الوطنية هي الطائفة المتخيلة، التي يقترحها بشارة. ظهر حقل «دراسات فوق الوطنية» Transnationalism في التسعينيات من القرن الماضي لمتابعة ما عُدّ أنه «ظاهرة جديدة»، تشير إلى عالم جديد، وُلد مع العولمة. وفي صدارة الظواهر، التي أصبحت فضاء للنشاط فوق الوطني، الهجرة واللجوء. ويكاد بعض الباحثين يقصر حقل «فوق الوطنية» على دراسة ما تبدعه النشاطات الحياتية اليومية للمهاجرين من حقول اجتماعية تعبر الحدود الوطنية، أي التبادلات الثقافية لمجتمعات المهاجرين في الغرب.

(((2 نتبنى، هنا، ترجمة المصطلح الإنكليزي Transnationalism إلى العربية ب «فوق الوطنية»، ذلك أن مصطلح «القومية»، في

الأدبيات العربية، ومع أنه يُستعمَل أحيانًا ترجمة ل Nationalism واشتقاقاته، يغلب عليه استعماله قريبًا من معنى «الإثنية»، وبعيدًا عن

أي إشارة إلى Nationalism، على نحو ما استعملتها الدراسات السياسية والسوسيولوجية، والتي تجعل المصطلح (وقبله مصطلح

»«الأمة Nation) مرتبط ا جوهريًا بالدولة والكيان السياسي، في حين أن مصطلح «القومية» العربي يشير إلى إثنية قائمة على هُوية

لغوية وثقافية جامعة، وإلى سردية تاريخية موحّدة، بغض النظر عن تجسدها (أو إمكانية تجسدها) في دولة أو كيان سياسي.

(22) Alejandro Portes, «Conclusion: Towards a New World, the Origins and Effects of Transnational Activities,» Ethnic and Racial Studies , vol. 22, no. 2 (1999), pp. 463–477;

انظر كذلك:

P. Kennedy & V. Roudometof, «Transnationalism in a Global Age,» in: P. Kennedy & V. Roudometof, (eds.), Communities across Boarders: New Immigrants and Transnational Cultures (London: Routledge, 2002), pp. 1–26. (23) Nina Glick Schiller, Linda Basch & Cristina Blanc–Szanton, «From Immigrant to Transimmigrant: Theorizing Transnational Migration,» Anthropological Quarterly , vol. 68, no. 1 (January. 1995), p. 50.

شتاء   winter 2019

من الواضح، أن هذا الحقل (والمفهوم نفسه) صُمِّم انطلاقًا من المجتمعات الغربية التي كانت الفضاء الأساسي لظواهر العولمة، والمقصدَ الأساسي لحركة الهجرة. ومن ثم، كان تصميم الحقل يتضمن نوعًا من المركزية الغربية. ومع ذلك، يشهد العالم اللاغربي الذي قُسِّم إلى نظام الدول الأمم «مظاهرَ فوق وطنية». وهذه المظاهر

لم تنشأ (أو الجزء الأساسي منها، في الأقل) بالتوازي، ولا بالتفاعل، ولا بتأثير من نشاط الظواهر فوق الوطنية في المجتمعات الغربية. ولذلك، تبدو هذه المظاهر ذات طبيعة مختلفة عمّا يشهده الغرب،

ذلك أن سياق تشكل الظواهر التي يمكن إدراجها بوصفها «ظواهر فوق وطنية» في المشرق العربي مختلف تمامًا عما هي عليه في المجتمعات الغربية، ففي حين كانت فوق الوطنية نتاجًا للعولمة في الغرب، وجزءًا من دينامية «ما بعد الدولة الوطنية»، ظهرت فوق الوطنية في منطقتنا ردَّ فعلٍ على الدولة الوطنية، ومحاولة لاستعادة النسيج التقليدي لهُويات «ما قبل الدولة الوطنية.» ومع ذلك، يبدو أن العلاقة الممكنة بين دراسات الطائفية ودراسات فوق الوطنية ستفضي إلى اكتشاف الطرق الخاصة في تشكل القوميات في منطقتنا، وبناء الأمة، وطريقة التفاعل بين الهُويات التقليدية والهُوية الوطنية الناشئة، ذلك أن المعطى الأكثر انتعاشًا وقوة في الفضاء فوق الوطني في المشرق

العربي هو الهُوية. والهُوية، هنا تحديدًا، معطى سياسي أولً، بمعنى أن ما نقصده ونريده من «الهُوية »، هنا، ليس التبادلات الثقافية فوق الوطنية، على نحو ما يحدث مع مجتمعات المهاجرين في البلدان الغربية، بل التعبيرات السياسية عن الهُوية، وعلاقتها بالدولة. وإلى جانب هذا، يمكن للعلاقة بين دراسات الطائفية ودراسات فوق الوطنية أن تمك ن الأخيرةَ من معالجة الإشكالات النظرية التي تواجهها، والمستنبطة من تجربة المشرق العربي. من ذلك أن «فوق الوطني»، خارج الفضاء الغربي، تعبير إشكالي، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن «وطني» National مكتمل وواضح، ومن ثم «فوق وطني»، مكتمل وواضح هو الآخر، كما لا يمكن فهم الدينامية التي يمكن أن توصَف إجرائيًا بأنها «فوق وطنية» بأنها تعبير عن الخروج من إطار وطني مكتمل وثابت

وواضح الحدود، إلى نمط أوسع من الروابط. وإذا كان في هذه الجمل الأخيرة شيء من التعميم، فإنها تصدق بكل تأكيد على المنطقة التي نحن بصدد دراستها (المشرق العربي)، التي لم يكتمل فيها الإطار الوطني (وهو ما نصفه بلغة دراسات القومية: فشل وتعثر عملية بناء الأمة). وفي الوقت نفسه، فإن ما يسمى «فوق الوطني» هو ليس أكثر من استمرارية للهُويات ما قبل الوطنية، العصية على الاندماج. ولذلك، يمكن أن تسهم دراسات الطائفية في التصحيح المفاهيمي، ف «فوق الوطني»، هنا، هو الرابطة الناشئة عن تخيلها (أو إعادة تخيلها) بوصفها رابطة عابرة للحدود. هذا فضلً عن أن «الوطني» و«فوق الوطني» لا يعبّر كل منهما عن ظاهرة جديدة وحراك جديد،

بقدر ما يعبر عن «إستراتيجيات» هووية. وإذا كان بعض الباحثين يتحدث عن تفاعل أو تكامل بين

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

«الوطني» و«فوق الوطني»، فإن كل منهما، على وفق تجربة المشرق العربي، يشكل «إستراتيجية نقيضة»، من دون أن نريد لمفهوم «الإستراتيجية النقيضة»، هنا، أن يعني نفيَ «الوطني» ونسفه، ذلك

أن كثيرًا من التنظيمات التي تعمل على الروابط فوق الوطنية، تقبل بالأطر الوطنية، ولا تعمل على

تأسيس دولة تتطابق مع الروابط فوق الوطنية، كما أن كثيرًا من تنافسات التنظيمات الشيعية وتفاعلاتها،

على سبيل المثال، تحدث داخل الإطار الوطني، وبوعي قصدي منها. تعني الإستراتيجية النقيضة أنه في حين كان مشروع الدولة الوطنية الناشئة في المنطقة غداة الاستعمار يتمثل في إحداث مطابقة (ثقافية وسياسية) بين الدولة والأمة، لم تعُد هذه المطابقة ضرورية الآن، لمن يعتقد ذلك من الفاعلين السياسيين في المنطقة، فبموازاة كيان الدولة الوطنية القائم، هناك تفاعلات وعلاقات، يظن فيها بعض الفاعلين الأساسيين أن هذه الروابط هي «الأمة الحق»، حتى إن لم تتراكب أو تتطابق مع حدود الدول القائمة. هذا التركيب (دولة بروابط فوق وطنية) أصبح غاية في حد ذاته. بمعنى أن الدينامية التي أنتجها تعثر عملية بناء الأمة ومحاولة تقديم مشروع بديل للرابطة الوطنية لم تقف عند استعادة هُوية ما قبل وطنية، وهي الهُوية المذهبية، بل إنه قد تم فتحها على ما هو أوسع من الأمة. هذا الانفتاح فوق الوطني، العابر للحدود، هو الدينامية التي تُنشئ الطائفة بوصفها جماعة متخيلة، بمفهوم بشارة. ومرة أخرى، تتشكل الطائفة المتخيلة العابرة للحدود على ديناميات تشكل الأمة، لأنها مشروع بديل للأمة. ومن ثم، أفضى فشل عملية بناء الأمة إلى صعود هُويات ما قبل الأمة، ولكن هذه لم تصعد

بالشكل الذي كانت عليه، بل بوصفها طوائفَ متخيلةً، أو أممًا، أو جماعاتٍ أشبه بالأمة. على سبيل المثال، أفضى تخيل الهُوية الشيعية بوصفها هُوية أوسع من الهُوية الوطنية إلى أن ينتقل التشيع من كونه مذهبًا دينيًا إلى أن يكون «طائفة متخيلة»، بالمعنى السوسيولوجي، تتمدد وتنتشر في

خطوط لا تتطابق مع حدود الدول الوطنية. وفي الخلاصة، إن دراسات الطائفية بوصفها تشكل فوق وطني يمكن أن تشغل هذا الحقل، أي إنها ستكون التعريب المكافئ لحقل دراسات فوق الوطنية، تفيد من مفاهيمه ونظرياته، كما تفيد من مفاهيم ونظريات أخرى، ولكنها بالتأكيد بناء معرفي نابع من هذه المنطقة... من احتياجاتها ومشاغلها.

(24) Thomas Risse–Kappen, «Introduction,» in: Thomas Risse–Kappen (ed.), Bringing Transnational Relations Back In: Non–State Actors, Domestic Structures and International Institutions (Cambridge: Cambridge University Press,

(((2 قد يبدو هذا المفهوم قريبًا من مفهوم «القومية الإثنية»، انظر:

Anthony D. Smith, The Ethnic Origins of Nations (Oxford: Basil Blackwell, 1986).

مع ملاحظة أنه ينفتح على الروابط التي تفرضها الطوائف المتخيلة، بوصفها روابط تشبه الروابط القومية.

شتاء   winter 2019

الكتاب وسياقه

يقول غليون، في صدر مقدمته الجديدة للطبعة الثالثة من كتاب المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، إن ما فعله كتابُه هو تحرير المسألة الطائفية من المسألة الدينية. وهذه الخطوة – على الرغم من

كونها خطوة أساسية وضرورية بلا شك – خطوة ابتدائية. وينبغي لدراسات الطائفية أن تذهب أبعد، بحزمة تحررات. وهو ما أنجزه كتاب بشارة الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة؛ من جهة التحرر من المقاربة العصبوية للطائفة وأنها شكل من الروابط التقليدية؛ ذلك أنها تستند إلى أنماط من الروابط الحديثة المنشأ، وليست قديمة. والتحرر من الفهم الجوهراني للطائفة، حتى إن فُهمت بوصفها تنظيمًا اجتماعيًا وليس دينيًا. وما قامت به الدراسات السابقة هو وضع الطائفية، لا الطائفة، في سياقها

التاريخي. والتحرر من فهم أن الطوائف الجوهرانية ساكنة قبل أن تتوافر ظروف تاريخية تُدخلها في صراع؛ ذلك أن الطوائف نفسها هي صناعة هذا الظرف التاريخي، ترتسم حدودُها بالتفاعل مع

التاريخ، وليس بمعزل عنه. والتحرر من فهم الطائفية بوصفها نمط ا من العلاقات الداخلية بين مكونات اجتماعية، ذلك أن الطوائف في اللحظات الأساسية في الصراع الطائفي في المشرق العربي كانت تعرَّف بوصفها ولاءات عابرة للحدود. هذا الكتاب ابن زمانه، هو الشاهد على الدينامية السريعة والمتطورة في تكوينات الطائفية. من هنا، فإنه يضع نظريتَه، وقد خَبُرَ كيف بدأت الطوائف، وكيف تطورت، وأي منطق اعتمدت... خبُر مبتدأها

ومصيرها معًا.

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 شيحا، ميشال. في السياسة الداخلية. ترجمة أحمد بيضون. بيروت: دار النهار، 2004. غليون، برهان. المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. ط 3. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012.________ نظام الطائفية: من القبيلة إلى الدولة. ط.2 بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 مجموعة مؤلفين. المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربي. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

(((2 برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ط 3 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.7

الآفاق الممكن»: لطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة ا« باتك دعب ام ةيئفاطلا تاسارد

مركز شهداء آل الحكيم للدراسات التاريخية والسياسية (معد)ّ. من مذكرات العلامة الشهيد محمد مهدي الحكيم (رض) حول التحرك الإسلامي في العراق. [د.م.]: مركز شهداء آل الحكيم للدراسات التاريخية والسياسية، [د.ت.].

الأجنبية

Erdmann, Gero & Engel, Ulf. «Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch–All Concept. » GIGA. Working Paper 16 (February 2006). Kennedy, P. & V. Roudometof. (eds.) Communities across Boarders: New Immigrants and Transnational Cultures. London: Routledge, 2002. Litvak, Meir (ed.). Encyclopedia Iranica. vol. XV. Encyclopædia Iranica Foundation (December 15, 2010) Portes, Alejandro. «Conclusion: Towards a New World, the Origins and Effects of Transnational Activities.» Ethnic and Racial Studies. vol. 22. no. 2 (1999). Risse–Kappen, Thomas (ed.). Bringing Transnational Relations Back In: Non–State Actors, Domestic Structures and International Institutions. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Schiller, Nina Glick, Linda Basch & Cristina Blanc–Szanton. «From Immigrant to Transimmigrant: Theorizing Transnational Migration.» Anthropological Quarterly. vol. 68. no. 1 (January 1995). Smith, Anthony D. The Ethnic Origins of Nations. Oxford: Basil Blackwell, 1986.