Return to Article Details On the Sectarian Reproduction of the Sect The Theoretical, the Socio-Political and the Historical

في إعادة إنتاج الطائفية للطائفة: النظري والسوسيو-سياسي والتاريخي

On the Sectarian Reproduction of the Sect The Theoretical, the Socio–Political and the Historical

جمال باروت | Jamal Barout *

الملخّص

يسعى بشارة في كتابه إلى تقديم نظرية عامة عن الطائفية، تنطلق أساسًا من التحديد العلمي الأكاديمي لمفهومي «الطائفة» و «الطائفية»، وإعادة بنائهما في السياق التاريخي – المعرفي الذي تكونا وتطورا فيه.

Abstract

In his book, Bishara proposes a grounded model and a general theory on Middle–Eastern sectarianism through reconceptualization of sectarianism within its Middle–Eastern historical context.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفة
  • الطائفة الاجتماعية
  • الطائفة المتخيلة
  • الطائفية
  • المحاصصة الطائفية
Keywords:
  • Sects
  • Social Sects
  • Sectarianism
  • Imagined Sects
  • Sectarian Quotas

يمثّل تحوّل الصراعات الاجتماعية السياسية الراهنة في منطقة المشرق العربي الكبير (العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية التاريخية)، إلى صراعات جماعاتية هوياتية طائفية وتحديدًا صراعات سُنّية – شيعية، مختبرًا اجتماعيًا تاريخيًا لاشتقاق نظرية في الطائفية. وليست الصراعات الهوياتية – الطائفية هي الوحيدة بين أنواع الصراعات المركبة تلك، لكنها أوضحها من ناحية البروز والتواتر والمباشرة. درست الأدبيات الغربية ظاهرة الطائفية في هذه المنطقة، وتحديدًا أدبيات دراسات الشرق الأوسط المعاصرة، في ضوء نظرية «المجتمع الفسيفسائي» التي تخط ت حدود المفهوم إلى حدود النظرية التفسيرية والمعيارية لاستعصاء التطور التاريخي الحديث لمنطقة المشرق العربي في اتجاه تمثل نموذج الدولة – الأمّة في العصور الحديثة، واستعصاء التحديث فيه بوصفه تاريخًا من دون تاريخ، أو مجتمعات من دون مجتمعات مدنية، أو جماعات من دون مجتمعات، وتعقّد اندراجه في التاريخ العالمي الكلّي الحديث المهيمن الذي تمثّل معياره في تلك الدراسات بالغرب في مرحلة احتكاره إرادتَي القوة والمعرفة، و«فتح» العالم. تاريخيًا، أي في تاريخ الفكر، ارتبطت بلورة مفهوم «المجتمع الفسيفسائي» بالدراسات الاستشراقية، باعتبارها رؤية كلّية للعالم، ترتكز على رؤية الآخر، وتطوّرت إلى نظرية لتفسير تاريخ تلك المجتمعات في ضوء الرؤية التاريخانية Historicisme التي اجتاحت العلوم الاجتماعية، ولا سيما علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ في القرن التاسع عشر، مع إنشاء الرأسمالية الحديثة للسوق العالمية وإرساء شبكة تاريخ كلّي موحّد، حاشرةً تاريخيّة Historite تلك المجتمعات في بوتقتها النظرية التي تحوّلت إلى بوتقة اعتقادية معيارية، تتخطى حدود التمييز المقارن إلى التمييز المعياري المبني على أسس مرجعية تاريخية وإبستيمولوجية وإثنولوجية. وليس بناء الترسيمة المنهجية التمييزية في علم الاجتماع بين المجتمعات المنقسمة أفقيًا أو طبقيًا، والمجتمعات المنقسمة عموديًا أو جماعاتيًا، إلا من آثار ثقل التاريخانية تلك في علم الاجتماع الذي كان يهدف، بدوره، في القرن التاسع عشر إلى الكشف عن القوانين التي تتحكم في تاريخ الاجتماع لبلوغ الرقيّ والتقدم، أو تحقيق الغاية من التطوّر الاجتماعي في ضوء أيديولوجيا التقدّم، إذ أعادت دراسات الطائفية المعاصرة إنتاج هذه الترسيمة. صيغ مفهوم «المجتمع الفسيفسائي» تحت تأثير محاولة فهم تاريخ العراق وبلاد الشام أو ما يسمى «الهلال الخصيب»؛ في ضوء تنوّعه الجماعاتي الإثني والعشائري الأقوامي واللغوي والثقافي والديني المذهبي، وتحك م ذلك التنوّع في انقساماته، ثم تطوّرت صياغات هذا المفهوم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مع تطور حركة القوميات الحديثة في البلقان، وإفرازها نشوء دول قومية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، وبدرجة جزئية في تلك المرحلة التاريخية عن الإمبراطورية النمساوية – المجرية، على النمط الشكلي للدولة – الأمّة الغربية، وتفسير اندلاع تلك الانقسامات البلقانية قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، بتعبير مجازي؛ هو «برميل البارود.»

صراعات أخرى في نشوء طوائف متخيّلة عابرة الحدود مع مأسسة الدول الأساسية لعقيدة مذهبية في سياستها، وهذا يصدق، على نحو خاص بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، وإيران. من هنا نفهم من مجرى تحليله، أن الصراع الاجتماعي– السياسي المطيّف الذي تتدخّل فيه أيضًا انقسامات إقليمية استقطابية حادّة، مثل الانقسام السعودي – الإيراني هو الذي يُعيد بدرجة أساسية إنتاج هذه الطوائف أيضًا في طوائف متخيّلة. الطائفة المتخيّلة عند بشارة هي «متخيل اجتماعي حديث يقوم على تصوّر التبعية لدين أو مذهب، بالاشتراك مع ملايين البشر الذين لا يعرفون بعضهم ولم يشكّلوا يومًا جماعة، كأنه انتماءٌ إلى جماعة كبرى بناء على مقاربة انتقائية لماضٍ مشترك من المرويات والقصص والحقائق المنتقاة والأساطير.» الكلّية الأساسية النظرية تتكثف في أن الطائفية هي التي تنتج الطائفة المتخيّلة في أزمنتنا الحديثة، ويحدث ذلك مع قيام نظام المحاصصة الطائفية مموّهًا ب «ميرون» الديمقراطية التوافقية. وتحاول هذه الأخيرة أن تتحوّل منذ زمن، وحتى اليوم، في مجتمعات المشرق العربي المنفجر، إلى شيفرة منتشرة وسائدة، ونجدها تفسّر الدساتير المقترحة لسورية المنهارة اليوم، كما الكثير من اتجاهات النظر والتفكير لدى شخصيات المعارضة السورية والنظام أيضًا. لكن سنتفادى الانزلاق البحثي إلى السياسي المباشر؛ لكونه يخرج عن موضوع هذه المداخلة وحدودها، متوقفين عند المستوى النظري. يتوقف بشارة في معالجة مسألة الديمقراطية التوافقية على نحوٍ مكثف عند تاريخ نظريات التوافق الغربية، متحوّلً من المجرد إلى المتعيّن وسياقاتها وشروطها التاريخية في تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي الحديث. الانتقال إلى المتعيّن في المشرق العربي الكبير يعني محاولة اشتقاق مفهوم نظري لما يعادله هذا المفهوم اجتماعيًا – سياسيًا. في الخلاصة هو نظام المحاصصة الطائفية الممأسسة التي تمثلت في لبنان، ثم غدت النموذج الذي يتلبنن فيه المشرق العربي أو ينظر إلى بنائه القانوني الدستوري؛ أي بناء الدولة على أساسه. الديمقراطية التوافقية التي كان لها نجاعتها في مجتمعات متطورة حديثة، مثل بعض بلدان الغرب التي حوّلت تنوّعها إلى مصدر للاندماج، هي نوع من «ميرون» يغطي عملية المحاصصة بهدر مفهوم المواطنة لمصلحة مأسسة جماعات طائفية متخيّلة، وإيجاد مقاولين محليين لذلك. بحسب مفاهيم بشارة، تتحوّل الطائفية هنا إلى بنية بانية للطائفة المبنية من جديد، أو المتخيّلة، بمعنى أنها تُعيد بناءها وتأسيسها استنادًا إلى تاريخ انتقائي سابق؛ ومن ثمّ فإن الطوائف المتخيّلة كلها تنشغل بحرب التاريخ، وبكابوس التاريخ. ولهذا كله تاريخ. فلم تكن المحاصصة قائمة قط في التاريخ الإسلامي، ولم يكن نظام الملل العثماني المزعوم، كما يشير إلى ذلك بشارة، نظامًا، وهو لم يكن نظامًا إلا في ما يتعلق بالأحوال الشخصية وتخلّله في بعض الأحيان، بحسب توتر الشروط السياسية، شروط الزي. بل إن مصطلحه صيغ لاحقًا ليشير إلى منظومة الحقوق والواجبات المترتبة على الانتماء إلى مذهب أو دين معيّن. حتى أواخر القرن الثامن عشر أيضًا، كما يشير بشارة، كان الصراع العشائري في لبنان بين قيسيين ويمانيين هو محور الاستقطاب، ويمكننا أن نضيف إليه أن شيعة قد انضموا إلى مسيحيين بدعوى

قُيّض لهذا التعبير أن يتحوّل إلى «شيفرة» بالمعنى السيميائي أو السيميولوجي، أي شيفرة لا تعبّر عن المعنى فحسب، بل تصنع المعنى أيضًا، وهي شيفرة «برميل البارود» التي لا نزال نفكك ما تختزنه من دلالات ومعانٍبوساطة نظرية «المجتمع الفيسفسائي» التي يثوي جهازها المفهومي في الأفكار ويتحكم في إنتاجها. ثم عادت دراسات الشرق الأوسط المنقطعة ظاهريًا عن التقاليد الاستشراقية المعرفية لنظرية «المجتمع الفسيفسائي» إلى ما تختزنه تلك الشيفرة؛ من أجل قراءة ما يحدث في المشرق العربي الكبير، مازجة هذه المرة ما بين مفهوم «المجتمع الفسيفسائي» ومفهوم «العصبية» الخلدوني، كما نرى لدى ميشيل سورا والأحدث منه غولد سميث، وهما اللذان يتوقف كتاب عزمي بشارة الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة عند تفكيكهما وخرق نظام الأفكار الذي يحكمهما؛ فتحولت شيفرة «برميل البارود» المتفرّعة عن الشيفرة الإدراكية المعرفية لإنشاءات نظرية «المجتمع الفيسفسائي»، من ترسيم سيميائي شيفري إدراكي معرفي مكثّف يقع في إطار بنية مبنيّة، إلى شيفرة إدراكية معرفية موجّهة تقع في إطار بنيةٍ بانيةٍ للمفاهيم التي تنتج أفكارها حول ما بات يُطلق عليه في الأدبيات العربية الحديثة منذ العمل الرائد المبكّر لجورج قرم أوروبا والمشرق العربي، من البلقنة إلى اللبننة: تاريخ حداثة غير منجزة، وما أكمله في كتاب انفجار المشرق العربي، لتفسير ما بات يُعرف ببناء شيفرة مشتقة أخرى هي شيفرة «انفجار المشرق العربي»، وغدا تعبير الانفجار، بدوره، يتحوّل إلى نوع من شيفرة إدراكية جديدة. يتصدى كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة الذي نناقشه هنا، لتفكيك تلك الشيفرة الإدراكية المعرفية الموجهة، حتى اليوم، لجهاز مفاهيم الدراسات التي تبحث في اندلاع الصراع الجماعاتي الهوياتي في المشرق العربي وأفكاره، فيقيم الكتاب منذ البداية قطيعة معرفية عنها، لكن ليس وفق رؤية جورج قرم التي تعلي التعددية الثقافية الدينية والمذهبية على نموذج الدولة – الأمّة الأوروبي، مقارنة بينه وبين النماذج الإمبراطورية الكلاسيكية للتعددية الثقافية، وباحثةً عن تخطي نموذج الدولة – الأمّة إلى ما بعده، بل وفق رؤية تركز على إخفاق بناء الدولة المؤسسية الحديثة التي تقوم وحدتها على المواطنة، أو ما وصفه بشارة في كتابين آخرين مهمين له يتقاطعان في الكثير من المفاهيم مع كتابه الحالي؛ كتاب المجتمع المدني، وكتاب في المسألة العربية، ب «أمّة المواطنين» أو «الأمّة المواطنية.» نقصد بالقطيعة المعرفية هنا معنى محدّدًا لها متمثّلً بأنها قطيعة عن مرجعيات تلك الشيفرة، أو عن إنشاءاتها النظرية، وهذا ما تكثّفه رؤية هذا العمل التفكيكية للمرجعيات التي يُبنى عليها قول مفاده أن الطائفية مغروسة بنيويًا في المجتمعات العربية، وتحديدًا في مجتمعات المشرق العربي، وهي ظاهرة ملازمة، أو ملازمة ضروريًا، للمجتمعات العربية، بل هي وفق رؤية الكتاب الذي بين أيدينا تاريخية بالمعنى التام لكلمة «تاريخية.» نفهم هذه القطيعة في ضوء ما يطرحه هذا العمل من مفاهيم في إطار التمييز الرهيف والدقيق جدًا الذي نجده في معظم أعمال بشارة الفكرية بين التاريخية والتاريخانية. وليست هذه الفكرة أو الرؤية التي تشكّل إحدى أهم الرؤى المعرفية الإستراتيجية في هذا الكتاب، جديدةً من ناحية مضمونها، بل غدت منتشرة في الفكر العربي الحديث مع عصر النهضة العربية، ولا سيما بعد ستينيات القرن العشرين،

فما من أحد، سوى الاعتقاديين الحداثويين والعلمانويين، يسلّم بها معرفيًا على نحو تلقائي من دون تشكيك معرفي فيها، لكن جديدها هو محاولة بنائها في معالم نظرية للطائفية في المشرق العربي، عبر القطيعة مع نظرية «المجتمع الفسيفسائي» وشيفراتها المعرفية الإدراكية، وتفكيكها المعرفي السوسيولوجي التاريخي المركّب منهجيًا. يحضر نقض نظرية الفسيفساء وشيفراتها ضمنيًا في الكتاب، بمعنى أن بشارة لا يُخصص فصولً نظرية لهذه النظرية، بل يُفك كها فعليًا في عملية تحليله إشكالية العلاقة بين الطائفة والطائفية، وبين الطائفة الاجتماعية والطائفة السياسية، وبين إعادة إنتاج الطائفة في طائفة متخيلة والطائفية والطائفية السياسية المعاصرة، مستخدمًا على نحو نقدي شبكات منهجية تكاملية نظرية وسوسيولوجية وتاريخية لفهم الطائفية في تلك المجتمعات، في ضوء استيعابه النقدي المقارن ل كَِمٍّ كبير مما يمكن تسميته «مكتبة دراسات الطائفة» في الأدبين الغربي والعربي. وتسمح هذه الشبكة المنهجية التفاعلية المركّبة له ببناء معالم نظرية عربية في الطائفية، ونعني ب «عربية» أنها مشتقة من تاريخية الاجتماع العربي – الإسلامي، لا من مفاهيم قومية خصوصية وماهوية. فالقومية لدى بشارة هي بدورها تخيّل، وتستهدف توحيد ذاكرة الأمم أو توحّد أناها القومي الكلّي المنسجم بوساطة التنشئة الاجتماعية بشأن تاريخ واحد مشترك لأداء وظيفة تاريخية اجتماعية ملموسة، وعملها مشابه لعمل بناء الطائفة. على المستوى البحثي العربي، نُميّز بين البحث النظري المنهجي العربي الذي يحاول أن يصوغ معالم أو مقدمات أو أُطرًا نظرية لفهم المسألة الطائفية، وما كُتب عن الطائفية من منظورات اعتمدت مداخل أخرى. لا يعني ذلك فصل بين النظري والسياسي، بل التمييز بينهما، وهذا التمييز هو ما يهمنا؛ ونهتم به ليس بوجهات فكر نظرية عابرة في سياقات تحليل مختلفة، بل لأن وجهات النظر هذه تحكم إنتاج المعنى وتهيمن عليه، أي ما يُضفي عليها سمة عمل نظري. من هنا نحصر اهتمامنا بجانب المساهمة في محاولة بناء نظرية، لكون كتاب بشارة ينتمي إلى هذه المساهمات، باعتباره يمثّل جهدًا في صوغ نظرية للطائفية في المشرق العربي. ونميّز هنا بين نقد الطائفية ونقضها السياسي الأيديولوجي الوظيفي، ونقدها النظري الذي يروم المساهمة في بناء نظرية، أو وضع مقدمات نظرية أساسية لها. يعتبر ناصيف نصار من أوائل الذين طرحوا، على المستوى النظري، مسألة الطائفية في كتابه نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفيفي مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكانت التجربة الطائفية اللبنانية مختبرَ تفكّره الفلسفي، مع أن الحرب الأهلية اللبنانية الطائفية، في الحقيقة، لم تكن قد اندلعت بعد. وهو لم يسعَ لوضع نظرية، بل لوضع مقدمات نظرية في محاولة فهم المسألة الطائفية في المجتمع اللبناني، لكن قيمته كانت في تأسيس هذه المقدمات النظرية المعمّقة، وفي صلبها مفاهيم التفارق والتشارك التي سيصوغها في كتاب مبكر آخر هو الفلسفة في معركة الأيديولوجية، على بواكير نقد فلسفي نظري رائد لطرح مسألة الطائفية.

أما المفكر السوري ياسين الحافظ الذي توفي عام 1978 في بيروت المنغمسة في حربها الأهلية، فكان أول من طرح المسألة الطائفية من منظور نظري منهجي تاريخاني متماسك، أو في إطار نظرية واضحة، وتمثّل جديده، آنذاك، بطرح هذه المسألة على أجندة الفكر القومي الماركسي العربي الجديد الناهض في حقبة السبعينيات، والمتفلّت من سيطرة الفكر الماركسي المُسفْيَت (من السوفيات)، وربطه حل مسألة الطائفية بمسألة الدولة القومية الديمقراطية الحديثة، والتحوّل إلى مجتمع – أمّوي، في مفهوم اجترحه هو «الأمّوية»، لكن كوابحه المعرفية تمثلت بتشرّبه الاعتقادي للتاريخانية التي كان نموذجها الحقيقي على مختلف مضامينها الأيديولوجية الحداثوية، أو حتى الإسلاموية الحديثة للدولة، توتاليتاريًا، واضطراره إلى إعادة إنتاج ترسيمة الانقسامات العمودية والأفقية في كلاسيكيات مفاهيم علم الاجتماع، وتكريسها بصيغة نظرية معيارية لكشف ما وصفه ب «الفوات» التاريخي – التاريخاني في بنية المجتمعات العربية المعاصرة، وإفضاء بحثه النظري، من دون أن يدري تمامًا، إلى نموذج توتاليتاري للدولة ثاوٍ فيه، وهذا هو التناقض الجوهري بين فكره النظري المجدد الذي طرح مسألة الديمقراطية، والنموذج العملي التوتاليتاري الذي تقوم به الدولة في طحن الانقسامات العمودية ما قبل المدنية، أو ما قبل الرأسمالية، وتحويلها إلى انقسامات أفقية طبقية مدنية. لكن كان جهده النظري والمفهومي الإبداعي كبيرًا وصادرًا عن نظرية تحكمه. كما كان الحافظ أهم مفكر ماركسي قومي على الإطلاق، في تاريخ الفكرة العربية الحديثة، يطرح نظرية المجتمع – الأمّة، وكان أول من طرحها هو أنطون سعادة الذي علينا أن نتذكر منه جانب المفكر، وليس القائد التوتاليتاري لحزب لبناني. ففي الفكرة المشرقية العربية، أو القومية الاجتماعية السورية في إطار أمّة سورية باعتبارها إحدى الأمم العربية، هناك رائدان نظريان لا ثالث لهما لمفهوم المجتمع – الأمّة؛ هما الحافظ، وسعادة. ثم جاء المفكر السوري الشاب يومئذ برهان غليون بعده بقليل، وهو من جيل أصغر من جيل الحافظ، وأصدر في إطار الفتح النظري الحقيقي الذي قام به الحافظ في المجال الفكري المشرقي العربي حول مسألة الديمقراطية كتابه بيان من أجل الديمقراطية في عام 1976، وكان ذلك في سياق التغيير النظري المؤسس الذي أحدثه الحافظ بالنسبة إلى مسألة الديمقراطية، وأتبعه بكتاب آخر رائد له، أصدره في عام 1979، بعد وفاة الحافظ بقليل، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، وهو الكتاب الذي نوّه به بشارة كثيرًا إلى جانب كتاب غليون الثاني نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة. ومما يجب وضع نقاطه على الحروف، أن الحافظ هو الذي حوّل طرح نظرية الديمقراطية من وجهة نظرها الماركسي المُسَفيَت، والعام غير المُسَفيَت، إلى الديمقراطية من دون لاصقة أو لاحقة معيارية أيديولوجية بها، لينفي بها ما تصفه الماركسية بالديمقراطية البرجوازية. في هذين الكتابين، ينقطع غليون عن ترسيمات الحافظ، ويغدو من أبرز الناقدين النظريين الحديثين العرب للحداثوية والعلمانوية من داخل الحداثة، وفي ما سبق أن أطلقنا عليه اسم اتجاه «نقد الحداثة»، بمعنى نقد أسسها المعرفية التاريخانية التي شكّلت أساس التوتاليتاريات الشيوعية والقومية النازية والفاشية الكبرى في القرن العشرين، ويطرح المسألة الطائفية عبر ربطها بالعلاقات الاجتماعية

السياسية الحديثية، أو المحدثة لبنية السلطة والثروة في البلدان العربية، لكنه، مثل الحافظ، بقي بعيدًا في هذين الكتابين من فهم تاريخية الاجتماع العربي – الإسلامي وتكوّن الطوائف باعتبارها جماعات اجتماعية تاريخية فيه، فكان ما يؤاخذ به عمل الحافظ ومَن بعده بقليل، غليون، هو محدودية معرفتهما بتاريخية الطوائف في الاجتماع العربي – الإسلامي، مع أن غليون حاول في كتاب صدر له بعد ذلك، نقد السياسة: الدولة والدين، تجاوز ذلك نسبيًا، لكن بقي تجاوزه عموميًا من دون تعمّق في التاريخ. أما أعمال مهدي عامل، فجاءت بدءًا من عام 1980 في كتابه مدخل إلى نقض الفكر الطائفي، لكنه انصبّ حول موقف ما يسميه البرجوازية الكولونيالية اللبنانية من القضية الفلسطينية، ثم أصدر في عام 1986 كتاب في الدولة الطائفية مشحونًا بالتجربة اللبنانية، وبنظريته عن نمط الإنتاج الكولونيالي، ممثلًالنظرة الطبقوية للمسألة الطائفية، وبمجالات معيّنة الطائفة – الطبقة. وهو الفكر – أي فكر عامل – الذي ينتقده بشارة بحدّة لطبقويته في زمن انتشار شيفرة «الثابت والمتحول» الأدونيسية، والقراءة الحداثوية للتاريخ الإسلامي؛ بوصف السنّية مستودع الثابت المسيطر، والشيعيات والصوفيات والهرطقيات الإسلامية مستودع المتحول و«الثوري». أما أحمد بيضون الذي ينتمي، مثل سائر المفكرين الآخرين الذي عرّجنا عليهم، إلى الجيل الذي أنتج أعماله في السبعينيات، فقد أصدر كتابًا فريدًا من نوعه في المكتبة العربية يومئذ هو الصراع على تاريخ لبنان أو الهوية والزمن في أعمال مؤرخينا المعاصرينفي النقد الهيستوريوغرافي للمدوّنات التاريخية الطائفية اللبنانية. ولعله لا يزال فريدًا في مكتبة النقد الهيستوريوغرافي العربي كلها، فلقد كشف بيضون كيف تعيد ذاتُ المؤرخ اللبناني المعاصر والحديث تمثّل الذات الطائفية، وتعيد إنتاجها في طائفة متخيلة معاصرة، لتبرير وظائف سياسية وسياسوية معاصرة. وهذا بحث فريد على المستوى الهيستوريوغرافي – المعرفي لاعتقادية الطائفية في مدونات التاريخ الحديث.

هذه مقدمة ضرورية لفهم تموضع كتاب عزمي بشارة الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة في السلسلة البحثية النظرية العربية التي ينتمي إليها، أي سلسلة النقد النظري للطائفية في مرحلة الدولة العربية الحديثة منذ اكتشاف المفكر العربي نُذرها مع ناصيف نصار، وصول إلى انفجارها في السبعينيات، أي مرحلة إنتاج الحافظ وغليون وعامل وبيضون، وغيرهم. وهي سلسلة قابلة للتمييز بين النظري ووطأة السياسي الحدثي المتمثل بالحرب الأهلية اللبنانية عليها، لتمييز النظري في حدّ ذاته في إطار طرح سؤال: هل هناك نظرية عربية للطائفية؟ لا يدّعي بشارة أنه يصوغ هذه النظرية، بل يشير بوضوح إلى «جهد في تطوير نظرية في الطائفة والطائفية»، و«تقديم عمل شامل يجمع بين المساهمة النظرية والبحث السوسيولوجي والتاريخ[...] في موضوع يفترض أن يخرج المساهمة الرئيسة في التنظير له من المنطقة التي تكاد تشكل مختبرًا حيًّا له.» والمقصود بكلمة «موضع»، في سياق النص، هو انفجار المشرق العربي بالصراعات والانقسامات

الطائفية الهوياتية التي حوّلت الطائفية السياسية، وما زالت تحوّلها، من حالة محاصصة طائفية مؤسسية مرتبطة بالحالة اللبنانية، إلى حالة مشرقية، وكأن المشرق العربي كله مقبل على «التلبنن»، بما فيه الجزيرة العربية التاريخية، أي التي تضم بلاد اليمن. ولا بد في هذه الإشارة من التذكير بأن بشارة استكشف معالم ومؤشراتٍ ونذرًا لهذا المصير الكارثي بعد الاحتلال الأنكلو – أميركي للعراق (2003)، ونجد إشاراته الواضحة على مستوى الصياغات النظرية المبكرة في كتابه، في المسألة العربية، الذي كتبه قبل احتلال العراق وتغيير تاريخ المنطقة، والتنويه بذلك هو لتبيُّن كيفية فهم تطور مشروع بشارة الفكري وفي عداده كتاب المجتمع المدني، وصولً إلى العمل الضخم الدين والعلمانية في سياق تاريخي الذي يختلف عن سائر الكتب الأخرى بكونه كتابًا أكاديميًا. ولئن كان من الممكن نقد المجتمع المدني، بل النقد الجذري لكتاب في المسألة العربية؛ بوصفهما كتابين تُهيمن عليهما الأيديولوجيا، فإن هذا الكتاب الذي نناقشه اليوم، يتسم بهيمنة المستوى النظري الأكاديمي عليه، بوصفه مستوى محددًا لفهمه ما يجري على مستوى الحركية السياسية؛ بمعنى أن النظري هو الذي يحدّد فهمه للسياسي، على أن نفهم النظري هنا بوصفه مشتقًا من تعميمٍ وتجريد لما هو فكري اجتماعي سياسي تاريخي مركّب. وهذا التركيب بين النظري والسوسيولوجي والتاريخي هو ما يميّزه في التقليد البحثي الفكري العربي المتعلق بنظرية الطائفية الذي يندرج فيه. وهي نظرية غير مُنجَزة، يحاول بشارة بذل جهد بيّنٍ من نوع جديد في محاولة صوغ بعض مقترباتها. ولهذا طرح الكتاب في بحثه النظري السوسيولوجي التاريخي المركّب عن الطائفية أسئلته على ما يمكن تسميته بمصطلحات بروديل والحوليات «التاريخ الطويل»، وهي رؤية منهجية معرفية يشترك فيها بشارة مع جورج قرم الذي يتميز بهذه الرؤية، بينما من منظور المقارنة الوصفية البحتة غابت رؤية التاريخ الطويل للتاريخ والتكونات الاجتماعية والأفكار على نحو كامل عن الدراسات السابقة لهما في مسألة الطائفية، فيما عدا إشارات انتقائية تاريخية جزئية إلى حدثية معيّنة، أو أخرى، في قرن أو سنة ما. في منظور التاريخ الطويل للتاريخ والأفكار، يجد الكاتب نفسه، في كثير من المواضع التي يطرح فيها المفاهيم ويسائلها عن صلاحيتها المعرفية لإنتاج الأفكار، أنه يقارن بينها في مراجع الفكر السوسيولوجي الغربي، ولا سيما ماكس فيبر وفرديناند تونيز، وغيرهما، وبين مراجعها في تاريخية الفكر الإسلامي. وأساس المقارنة مفهوم جدًا؛ وهو تحوّل الفرقة إلى طائفة، أو عملية بنائها في كنيسة بالنسبة إلى الفكر الغربي أو في مؤسسة دينية منظمة. وهناك تمييز بين المذهب والفرقة والطائفة يُعمل فيه بشارة جهدًا نظريًا واضحًا. وليس هذا التمييز الذي يُعيده بشارة جديدًا، بل بات مفهومًا أو «معقول »، بمعنى العقل – الواقع، كما أن التمييز بين مفاهيم الفرقة والدين والمذهب الفقهي منجز منهجيًا في الفكر الإسلامي الكلاسيكي منذ الفترة الواقعة بين بدايات القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وليس قبلها، ومنتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، لكن الجديد النظري هو بناء المقارنة النقدية النظرية – التاريخية بين هذه المفاهيم، ولا سيما مفهوم الفرقة في الفكر الإسلامي الكلاسيكي، ومفهومها في السوسيولوجيا الغربية، وتحديدًا سوسيولوجيا ماكس فيبر. وهذا جهد مهم في بناء التمييزات لإدراك التداخل مفهوميًا بينهما، وواضح في كتاب

بشارة، وهو ما سمّاه ناصيف نصار بلغته، في بواكير صوغه مقدمات نظرية للطائفية في عام 1970، «التفارق في التشارك.» يغوص بشارة في هذا البحث النظري، الذي من أجل أن نستجليه لا بد من العودة التفصيلية إلى كتابه الدين والعلمانية، لكن حتى من دون هذه العودة، يلتقط نظريًا عملية التحول من فرقة إلى طائفة اجتماعية منذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. والواقع أن مفهوم الفرقة Sect الذي استخدمه الفكر الإسلامي الكلاسيكي بين أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وبدايات القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، مع وجود بواكير له منذ القرن الثاني الهجري، لا يختلف عن مفهوم الفرقة في التجربة الاجتماعية الدينية الغربية من جهة كونه يشير، منذ أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، إلى مقالة اعتقادية فلسفية أو فكرية دينية، لكنه أخذ يشير إلى فرق منشقة عن مسيحية أصلية مع اندلاع الحركات الغنوصية العرفانية المسيحية والحروب الدينية التي أفضت إلى تمأسس الفرق المنشقة في كنائس. يساعد هذا الحفر المقارن في بناء يروم تقديم نفسه للمساهمة في بناء نظرية عربية لتحوّل الفرق الدينية إلى طوائف، والواقع أن ما يبيّنه بشارة من كون مفهومَي الفرقة والطائفة مفهومين وصفيين حياديين لامعياريين هو صحيح في تاريخية الفكر الإسلامي؛ إذ لم يكن مقصودًا بالفرقة حتى القرن السادس الهجري/ الثالث عشر الميلادي، على الأقل، مجموعة منشقة عن إسلام أصلي، بل كان ما سُمّي «أهل السنة والجماعة» الذين يعتبرون أنفسهم حتى أواخر القرن الخامس الهجري فرقة من الفرق، لكنها الفرقة «القويمة الاعتقاد»، بينما تعتبر الفرق الأخرى نفسها الفرق «الصراطية»، أي «القويمة الاعتقاد»؛ ومحور إسلام أصلي، شأنها في ذلك شأن الفرق السنية، بل حدث تنافس إسماعيلي – خارجي – سنّي – معتزلي في القرنين الرابع والخامس الهجريين حول احتكار مصطلح «أهل السنة والجماعة»، فأين الطائفة هنا؟ إنها على وجه الضبط في مرحلة تكوّن أسسها المرجعية في الفرقة – الطائفة خلال الصراع الطائفي الجماعاتي الطائفي المتواتر في بغداد في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فهنا – في القرن الخامس الهجري تحديدًا – يمكننا الحديث عن تبلور جماعات طائفية: جماعة طائفية شيعية إمامية وجماعة طائفية سنّية، لكل منها منظوماته الاعتقادية والفقهية المرجعية المؤسسة، وأحياؤه ومساجده الخاصة به. يطرح الكتاب مفهوم الطائفة الاجتماعية ويراها اجتماعية تاريخية تضرب بجذور قديمة حتى القرنين الرابع والخامس الهجريين، وبتعبيره هي كيان اجتماعي أقرب إلى الجماعة. وهذا صحيح من زاوية العلاقة بين النظري والتاريخي والسوسيولوجي، وكذلك من زاوية التاريخ الاجتماعي على نحو خاص للصراع الجماعاتي الطائفي بين حنابلة بغداد وشيعتها في القرنين الرابع والخامس الهجريين. وتحوّل الفرقة إلى طائفة. وشرح الإنساني والمؤرخ الكبير مسكويه (ت. 421 ه)، الذي عايش القرن الرابع الهجري معايشة حقلية ودوّنها أخباريًا، تحوّل الصراع الاعتقادي إلى صراع طائفي جماعاتي، بلغة مكثفة، في كونه تحوّل من الخلاف حول «أمر الدين» إلى «أمر الدين والدنيا». ويرصد مسكويه هنا سيرورة تحوّل الفرقة إلى طائفة اجتماعية بالنسبة إلى السُنّة والشيعة الإمامية، والفرقتان – الطائفتان سُنّيتان، بمعنى السُنّة السُنّية والسُنّة الشيعية الإمامية.

ما أراه هو أن التحوّل من فرقة إلى طائفة اجتماعية «هابيتوسية» في بنية مبنية من ناحية مقوّماتها الاعتقادية والفقهية المنظمة للعبادات والمعاملات، أ نتجت مراجعه المعرفية الاعتقادية الفقهية بينِ بدايات القرن الرابع الهجري وأواسط القرن الخامس الهجري، وبلغة بيير بورديو تحوّلت تلك الأسس إلى بنية مبنية، ما لبثت أن تحوّلت إلى بنية بانية. على المستوى الاعتقادي – الفقهي، شُيّدت على نحو متكامل البنية المبنية في القرن الخامس الهجري تقريبًا، وما جاء بعدها هو تنويعات عليها لا تكسرها، إنما هي تنويع على البنية المبنية، لكن أين هي الطائفة هنا؟ إنها في صلب عملية التحول من فرقة إلى طائفة اجتماعية. ومن جهة أخرى بينما بقيت البنية المبنية تتحول إلى بنية بانية على المستوى الاعتقادي الفقهي للجماعة الطائفية، فإن الجماعة الطائفية، باعتبارها جماعة اجتماعية، بقيت تتطور تاريخيًا باستمرار، والتمييز المنظومي أو النسقي بين الطائفتين السُنّية والشيعية الإمامية بوصفهما طائفتين اجتماعيتين هابيتوسيتيْن، سيحصل في جدل العلاقة بين الديني والمعرفي والسياسي. في كتاب بشارة وقفة نظرية مكثّفة مشتقة من التاريخ الاجتماعي – الفكري نفسه عند هذا التطور الذي سيشهد حلقته النوعية في العصر المملوكي، ثم إبان الصراع العثماني – الصفوي؛ ففي هذه العملية أو السيرورة التاريخية على مدى التاريخ الطويل، سيُعاد صوغ الإسلام السني والشيعي المتمأسسَين، لكن اعتقاديًا فقهيًا؛ استنادًا إلى البنية المبنية في القرن الخامس خصوصًا، فضل عن القرن الرابع، التي تحوّلت في مجرى التاريخ الطويل إلى بنية بانية. سيُعاد صوغ الإسلام السُني حول مفهوم «أهل السنة والجماعة»، وهو مفهوم تاريخي صرف، يشير بشارة، مُحقًّا، إلى ارتباطه بظاهرة «أهل الحديث» التي برزت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، لكنها تبلورت في القرن الثالث، ويُسمّيه «إسلام الفقهاء». ونتفق مع هذا الوسم في نتائجه وليس في تكوّنه التاريخي، فهو كان قد ساد، كما أشار بشارة لاحقًا، في العصر المملوكي، وهنا نقطة الاتفاق في تحوّل إسلام الفقهاء إلى إسلام الفقهاء المؤسسي على أساس اعتقادي أشعري، بينما نقطة الاختلاف هي أن يوضع أهل الحديث في فضائهم، إذ كانوا شريحة واسعة ومنوّعة الآراء والاتجاهات والمواقف، ولم يكن حنابلة أحمد بن حنبل سوى أحد اتجاهاتهم. فلقد حدث بين الفقهاء نوع من زواج الفقه مع الاعتقاديات، من نوع زواج غالب بين الأحناف وبين الماتريدية أو الاعتزال في فترة من القرنين الرابع والخامس الهجريين ببغداد، وبين الشافعية والأشعرية... إلخ، بينما ظل أهل الحديث بمنأى عن الاتجاهات الاعتقادية. في هذا السياق، لم يكن مفهوم أهل السُنّة والجماعة طوال القرنين الرابع والخامس، وقبلهما في إرهاصات القرن الثالث به، مرادفًا لمفهومه كما وصلنا اليوم، بل كان مثار صراع حاد بين الفرق حول الاستئثار به وتملّكه، ولم يتمكن سُنّة أهل السُنّة والجماعة من احتكاره السُنّي إلا حوالى أواخر القرن الخامس مع السلاجقة، أي بعد خمسمئة سنة من تاريخ الدعوة الإسلامية، بينما اضطر الإسماعيليون الفاطميون إلى التخلي عن أداء ادّعاء تمثيل أهل السُنّة والجماعة، أما الشيعة الإمامية المتكونون نسقًا بين القرنين الرابع والخامس، فاحتكروا الإمامية وطردوا «النصيريين» أو العلويين اللاحقين المتكوّنين في تلك الفترة من حرم تمثيل الإمامية وهرطقوهم. بل إنهم وضعوا كل الشيعة غير الإماميين في فئة

«النواصب». والخلاصة أن الطائفتين السُنّية والشيعية، باعتبارهما طائفتين، هما طائفتان اجتماعيتان صرفتان، بل إن أسسهما المرجعية تاريخية بحتة وتعود إلى القرنين الرابع والخامس، وإن كانت هذه الأسس تنسب نفسها إلى صدر الإسلام المؤسس الأول. أين هي من جديد الطائفة إذًا؟ إنها في القلب الاجتماعي لتلك العملية التاريخية الطويلة المدى، وهي عملية تكوّن الطوائف الإسلامية، ولا سيما منها السُنّية والشيعية. ويمكننا أن نضيف إليها الدرزية والعلوية والإسماعيلية النزارية بوصفها فرقًا – طوائف اجتماعية في منظورنا بين القرنين الرابع والخامس الهجريين. يعيّن بشارة تلك الطائفة تحت مصطلح الطائفة الاجتماعية، مميزًا إياها من الطائفة المتخيّلة. في نظرنا كانت الطائفة دومًا متخيّلة منذ تبلور أصولها التاريخية في القرنين الرابع والخامس، لكن بشارة يقصد هنا تحوّل الطائفة الاجتماعية التاريخية إلى نوع من طائفة سياسية حديثة. الطائفة الكلاسيكية قديمة، بينما الطائفة السياسية جديدة، وهي التي يحددها بشارة في إطار هذه العلاقة المحددة بكونها الطائفة المتخيّلة. يميز بشارة بين الطائفة الاجتماعية التاريخية التقليدية، بوصفها كيانًا اجتماعيًا جماعاتيًا أو أقرب إلى الجماعة، والطائفة المتخيّلة التي يعيّنها أحيانًا في سياقات تاريخية محددة استبداليًا تحت اسم الطائفة السياسية. وعرف التاريخ الاجتماعي الإسلامي الطوائف الدينية والمذهبية الاجتماعية، لكنه لم يعرف الطوائف السياسية. يتمثل التمييز الأهم من الناحية النظرية في مشروع بشارة بهذا التمييز بين الطائفة الاجتماعية والطائفة المتخيّلة. ويبني بشارة هنا مفهومه النظري الأساسي على أن الطائفية هي التي تنتج في شروط عملية التحديث ونشوء الدولة الطوائف بوصفها طوائف جماعاتية متخيّلة. فتتحول الطائفية إلى بنية بانية للطائفة، تحولها من بنية مبنية إلى بنية مبنية متخيلة أخرى. في منظورنا، عملية إعادة البناء المتخيّل للطائفة مستمرة منذ نشأتها، وليست تحت وطأة الأزمنة الحديثة؛ إذ لا يمكن أن يحصل التبلور الاجتماعي التقليدي للطائفة من دون إعادة تخيّل لها، وبناء منظوماتها وتاريخها وطقوسها الشعائرية الرمزية، لكننا كي نفهم المحاولة النظرية في مشروع بشارة من داخل نسقها، فإنه يعني بها، إجرائيًا، الطائفة المتخيلة التي تتشكل في الأزمنة الحديثة، بما في ذلك ليس في المجتمعات المحدثة أو السائرة في طريق التحديث، بل في المجتمعات الأكثر حداثة، فالولايات المتحدة مثلً هي مصنع إنتاج الطوائف الجديدة المتخيّلة، ونشوء كنائس جديدة. عند بشارة هذا واضح، لكنه يقصد تعيينًا محدّدًا لهذه الطائفة المتخيّلة في شروط انفجار المشرق العربي، ويتميز هذا الانفجار من جهة أن الانفجار الإقليمي يتحوّل إلى انفجار داخلي، وهذا يدل على التشابك والاندماج، بين ما هو «خارجي» و«داخلي» عبر الجماعات العابرة للدول وليس العكس، كما يوحي نظريًا، فما هو خارجي يتحوّل إلى داخلي، وبالعكس. ويصح ذلك بشأن انفجار العلاقات الدولية في إقليم محدد، وهو ما يرصده بشارة في عملية استزبان القوى الدولية في التاريخ العثماني المتأخر للطوائف في صراعها لحل «المسألة الشرقية»، وتنطعها في ممارسة حقوقها القديمة السابقة، أو الجديدة، بحماية ما سُمي «الأقليات». وساهم هذا الصراع في إنتاج طوائف متخيّلة، لكنه ساهم مع

وحدة الانتماء العشائري، وفي تاريخ الدولة العثمانية كله في المشرق العربي، ما عدا مرحلة اشتداد الصراع العثماني – الصفوي في القرن السادس عشر، لا نجد سياسة نسقية طائفية عثمانية، بل نجد إدارة إمبراطورية للتنوّع، تستخدم فيها الفتوى لبعض القضايا المحددة المرتبطة بتمرّدات كبرى، أو بالامتناع عن تسديد الضرائب، ومرة واحدة فقط. وإلا كيف نفسر ديمومة الطوائف غير السُنّية في العهد الإمبراطوري العثماني؟ وكيف نفسر النمو الديموغرافي الحضري الكبير للمسيحيين والعلويين في جبال العلويين والشيعة في جبل عامل أو جنوب لبنان؟ نعم في الربع الأول من القرن التاسع عشر اتخذ بعض الولاة سياسات طائفية واضحة، ضد العلويين والإسماعيليين على سبيل المثال، لكنها لم تكن سياسات عثمانية نسقية مركزية قط، بل سياسات ولاة أو قوام مقامين، كما في نموذج بربر آغا بطرابلس، تستهدف الإخضاع لتشديد الضريبة. ولهذا تاريخ أكيد في ضوء الوثائق. كيف نشأ نظام المحاصصة الطائفية السياسية المذهبية في لبنان؟ وكيف تمأسس دستوريًا، وتحوّل من نطاق التمثيل الانتخابي النسبي في الانتخابات التشريعية إلى نظام مؤسسي متكامل حتى على مستوى تعيين الزبالين في البلديات، بل حتى في ما يتعلق بتنفيذ أحكام الإعدام في المحكوم عليهم؟ ومتى؟ الجواب هو أن تاريخ جبل لبنان الدولي بعد مذابح عام 1860، والانتداب الفرنسي، هما اللذان زرعا ذلك على مستوى التمثيل النسبي في الانتخابات التشريعية، لكنهما لم يمأسساه على مستوى تعيين أصغر الموظفين إلى أعلاهم وتخصيص رئاسة السلطات الثلاث (الجمهوري، والحكومة، ومجلس النواب) إلا أن نخب الدولة الوطنية اللبنانية ما بعد الدولة الانتدابية الفرنسية هي التي مأسست نظام المحاصصة الطائفية بشكل شامل محوّلة الدولة الوطنية اللبنانية إلى دولة طائفية. لقد أرسى الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان التقسيم الطائفي للدول التي بناها، لكن مأسسة الطوائف بصورة نسقية لم تحدث إلا بعد الاستقلال في إطار نظام المحاصصة الطائفية المستقر بعد الاستقلال، بل حتى خلال فترة الانتداب كان يمكن لنائب سُنّي أن يترشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية الواقعة تحت الانتداب، وحتى بعد أربع سنوات من الاستقلال كان يمكن لمسيحي أرثوذكسي أن يكون رئيسًا لمجلس النواب. لقد وضع الفرنسيون الأسس الطائفية، لكن من طورها مؤسّسيًا تطويرًا شاملً، هو الدولة الوطنية ما بعد الانتدابية في سيرورتها دولة طائفية تقوم على المحاصصة بين نخب الطوائف وقياداتها. ينقد بشارة نظريات المحاصصة الطائفية وأنماطها المؤسسية بوصفها تعبيرًا عن الطائفية السياسية جذريًا، ولعل مساهمته هي أول مساهمة نظرية عربية في الأدب النظري العربي تعرض نقديًا نظريات «التوافق» الغربية، وتحدد سياقاتها ووظائفها وما تلخصت فيه من ترسيمات، محاولً تفكيكها. وهذه مساهمة نظرية جديدة للفكر العربي في نقد نظريات التوافق أو الديمقراطية التوافقية وشكلها المؤسسي والاجتماعي – السياسي المتمثل بالطائفية السياسية التحاصصية التي تكرس الطوائف وتعيد إنتاجها وتخيلها من جديد في طوائف سياسية ممأسسة في بنية الدولة نفسها، لم يعرفها التاريخ العربي – الإسلامي. وعلى طريق لبنان الموصوف من أيديولوجيي المحاصصة ب «الفريد» تسير منطقة المشرق العربي الكبير، إن لم تستعد شعوبها الممزقة السيطرة على مصيرها. فكيف «يُلبنن» و«سيُلبنن» نظامُ لبنان

منطقةَ المشرق العربي الكبير كلها في مرحلة انفجاره الكبير، حتى إنه قد «يلبنن» نسخًا جديدة من اللبننة، أعني صيغ الفدرلة الرخوة، التي تسير بالدولة من الوحدة إلى الفدرلة، وإلى التقسيم الفعلي في شروط المشرق العربي الكبير، بينما لا يزال لبنان يقوم، قانونيًا دستوريًا، على نمط الدولة البسيطة الواحدة؟ يفتح الكتاب هذه الأسئلة وغيرها، وهي أسئلة نظرية جديدة في تاريخ الأدب النظري العربي حول الطائفية. وكل ما يثيره بشارة في هذا التحليل هو موضع أسئلة ومثار تفكير ونقد وتوليد أفكار، لكن براديغمًا نظريًا أساسيًا يحكمه، وهو يقوم على أن الطائفية هي التي تحيي الطائفة وتُعيد إنشاءها من جديد. من نتائج هذا البراديغم فهم «صناعة الطائفة»، فالطائفة التي نعرفها اليوم ليست امتدادًا خطيًا تلقائيًا لما كانت عليه في الماضي، بل إن تطوّرها هو نتاج صناعة يرتد إلى براديغم إنشاء الطائفية في المشرق العربي للطائفة في صيغة طائفة متخيّلة.