Return to Article Details The New Gulf Urban: Test Beds, Work-arounds, and the Limits of Enacted Cities

التوسع المديني الخليجي الجديد: حلبات الاختبار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحدثة

The New Gulf Urban: Test Beds, Work–arounds, and the Limits of Enacted Cities

هارفي مولوت ش | Harvey Molotch *دافيد بونزيني | Davide Ponzini **

الملخّص

رُسمت صورة نمطية عن مدن الخليج؛ أنها مدن استثنائية ومستقبلية، وفي مقابل هذا الاحتفاء تسود تصورات، أغلبها استشراقيّ، تؤكد التخلّف الاجتماعي والسياسي وانعدام المساواة فضلًا عن التبعية الثقافية للغرب. ولكن بدلًا من استخدام الخليج مثالًا لإصدار أحكام قيمية، يمكن أن يعتبر الأكاديميون والباحثون في الدراسات المدينية مدن الخليج نماذج جديدة لفهم الاتجاهات التمدينية الصاعدة، ويمكنهم أن يلاحظوا، على نحو خاص، كيف تَعبُر هذه المشروعات الحدود الوطنية، وكيف تتفاعل مع البنى المادية والاجتماعية المحلية، التي تفرض عليها تطوير حلولٍ التفافية مؤسسية، تفضي، على نحو محايث، إلى أشكال مختلفة من التهجين. كما تُعلمنا التجربة التمدينية في الخليج حدود القدرات المالية وسلطتها في خلق بيئات ومجتمعات مدينية اصطناعية.

Abstract

Abstract: Cities of the Persian Gulf have been stereotypically depicted as exceptional and futuristic. Against such celebrations, Orientalist claims stress socio–political backwardness and inequalities, as well as cultural dependency on the West. As opposed to using the Gulf to issue judgements, urban scholars can use instances of extreme urbanization to discern trends that – for better or worse – are ascendant in other world regions as well. In particular, urban projects can be seen to circulate transnationally, and physical and social structures lead to institutional work–arounds and how hybridization operates in situ. Research can also discern – given the extant great capacities for capitalization and mandate – the evident limits of efforts to artificially enact urban environments and societies.

الكلمات المفتاحية:
  • مدن الخليج
  • التمدين الانتقالي
  • علم الاجتماع المديني
Keywords:
  • Gulf cities
  • Transnational urbanism
  • Urban Sociology

هارفي مولوت ش | Harvey Molotch * دافيد بونزيني | Davide Ponzini **

ملخص: رُسمت صورة نمطية عن مدن الخليج؛ أنها مدن استثنائية ومستقبلية، وفي مقابل

هذا الاحتفاء تسود تصورات، أغلبها استشراقيّ، تؤكد التخلّف الاجتماعي والسياسي وانعدام

المساواة فضا عن التبعية الثقافية للغرب. ولكن بدلً من استخدام الخليج مثالً لإصدار أحكام قيمية، يمكن أن يعتبر الأكاديميون والباحثون في الدراسات المدينية مدن الخليج نماذج جديدة لفهم الاتجاهات التمدينية الصاعدة، ويمكنهم أن ياحظوا، على نحو خاص، كيف تَعبُر هذه المشروعات الحدود الوطنية، وكيف تتفاعل مع البنى المادية والاجتماعية

المحلية، التي تفرض عليها تطوير حلول التفافية مؤسسية، تفضي، على نحو محايث، إلى أشكال مختلفة من التهجين. كما تُعلمنا التجربة التمدينية في الخليج حدود القدرات المالية وسلطتها في خلق بيئات ومجتمعات مدينية اصطناعية.

Abstract: Cities of the Persian Gulf have been stereotypically depicted as exceptional and futuristic. Against such celebrations, Orientalist claims stress socio–political backwardness and inequalities, as well as cultural dependency on the West. As opposed to using the Gulf to issue judgements, urban scholars can use instances of extreme urbanization to discern trends that – for better or worse – are ascendant in other world regions as well. In particular, urban projects can be seen to circulate transnationally, and physical and social structures lead to institutional work–arounds and how hybridization operates in situ. Research can also discern – given the extant great capacities for capitalization and mandate – the evident limits of efforts to artificially enact urban environments and societies.

Professor Emeritus of Sociology at University of California, Santa Barbara.

Associate Professor of Urban Planning at Politecnico di Milano.

ربيع   Spring 2019

التعلم من مدن الخليج

إن التعلّم من مدن شبه الجزيرة العربية، ولا سيما المدن الأكثر دينامية وإثارة للجدل مثل دبي وأبوظبي والدوحة، لا يعني الاحتفاء بها أو السخرية منها. فالمؤلفان يسيران على هدي أفكار الباحثين المعماريين روبرت فنتوري ودينيس سكوت براون وستيفين إيزينور الذين درسوا مدنًا عاصروها ويعرفونها. ففي كتاب «التعلم من لاس فيغاس» Learning from Las Vegas الذي أصبح كاسيكيًا الآن، تجاوزت رؤيتهم لمدينة لاس فيغاس كونها مدينة لا طعم لها، أو مادية، أو غير نمطية؛

إذ أكدوا أنها تعلّم دروسًا مهمة قد يستفيد منها جميع الأماكن. وبحسب رأيهم، يجب دراسة المدينة

وفقًا لشروطها الخاصة؛ وهذا التأكيد لا يغيّر الفهم المستقبلي لمدينة لاس فيغاس فحسب، بل ينعكس

على الهندسة والتخطيط والسياسات التمدينية على نحو عام أيضًا. ومن وجهة نظرهم، إن «الامتناع عن إطاق الأحكام الأولية يشكل أداة لجعل الأحكام الاحقة أكثر حساسية. إنها طريقة للتعلم من كل شيء».

The New Arab Urban: Gulf Cities of Wealth, Ambition, and Distress وكما أوردنا في كتاب

لمجموعة باحثين من تخصّصات أكاديمية متنوّعة ودول متعدّدة، فإننا نسعى جاهدين للتعلّم من مدن

الخليج، ولا سيما أبوظبي ودبي والدوحة التي تتصدّر الواجهة العالمية. وقد أولينا اهتمامًا أقل

لمناطق مدينية Urban أخرى في الخليج، كالمملكة العربية السعودية والكويت والبحرين التي تعتبر أيضًا جزءًا من الاقتصادات المترابطة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. لكننا استثنينا مدينة

الرياض في السعودية، مع أنها أكبر مدن مجلس التعاون، لأنها تندرج ضمن فئة مختلفة عن البقية، من حيث التاريخ والطموح والعاقات المعاصرة بأجزاء أخرى من العالم. وانطاقًا من الاعتراف بالاختاف، نتفادى التفكير وفقًا ل «نموذج وحيد للمدن الخليجية». إذ لا نريد تكرار الخطأ الجوهري الشائع تاريخيًا بالتعامل مع مدن مختلفة أكانت «إسامية» أو «عربية» أو «شرق

أوسطية»، بصفتها متماثلة. وعلينا تجنب الانجرار إلى القوالب النمطية، بما فيها الأكاديمية، ولا سيما عند التعامل مع مساحات شاسعة جغرافيًا تشمل شعوبًا تباينت الدراسات الأكاديمية بشأنها كثيرًا. لقد أطلقنا أحيانًا على المدن محط اهتمامنا تسمية «مدن الخليج»، في إيحاء إضافي لحدود مجالها، فما الذي يبدو مشتركًا بينها في الحدود الدنيا؟ إنها لا تستمد أهميتها من كونها مراكز مدينية مهمة بالنسبة إلى المناطق المحيطة كالقاهرة في مصر أو شيكاغو في الغرب الأوسط للولايات المتحدة، بل تكمن أهميتها المحورية في اتسامها بطابع عالمي. وقد بات بعضها يتحرّر بصورة متنامية من

(1) Robert Venturi, Denise Scott Brown & Steven Izenour, Learning from Las Vegas (Massachusetts: MIT Press, 1972). (2) Ibid.; Martino Stierli, Las Vegas in the Rearview Mirror: The City in Theory, Photography and Film (Los Angeles: Getty Research Institute, 2013), pp. 35–36. (3) Edward Said, Orientalism (New York: Pantheon, 1978); Janet L. Abu–Lughod, «The Islamic City–Historic Myth, Islamic Essence, and Contemporary Relevance,» International Journal of Middle East Studies , vol. 19, no. 2 (May 1987), pp. 155–176.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

الاعتماد على الموارد الطبيعية الأساسية التي تميّز منطقتها (النفط)، ولا تعتمد إلا قليل على أي زراعة

أو صناعة في محيطها. إنها أساسًا دول مدن، يشكل العالم عمقها. ومقارنة بجميع الأماكن الأخرى، فإن أكثر ما يميزها غناها

واستثمارها في أشخاص طموحين جدًا، لا لأنفسهم بصفتهم أفرادًا وعائات فحسب، بل من أجل مدنهم الصاعدة أيضًا. ونظرًا إلى ثرواتها واستقاليتها، فهذه المدن مهمة كإرهاصات محتملة، كما

كانت لاس فيغاس في وقت سابق في الولايات المتحدة. ومثل لاس فيغاس أيضًا، قد تتجاوز أنماط التطوير الخليجي وأساليب عيشه حدود الخليج، وتؤثر في العالم المديني. وفي الوقت الذي نؤكد تميّز مدن الخليج، نتبنى أيضًا آراء باحثين أكاديميين سعوا لنزع صفة

«الاستثنائية»exceptionalize – de عنها، ونستخدمها لإثراء التحليل على نحو عام، إذ تتبع هذه المدن مسارات اقتصادية وسياسية وثقافية مماثلة بدرجة معينة لأي مستوطنات بشرية أخرى. ويشير اتباع هذه المسارات التمدينية إلى وضعها ضمن سياقها التاريخي الخاص، إضافة إلى السياق العالمي المعاصر حيث تؤدي فيه حاليًا دورًا بارزًا. وهذا لا يتضمن مراعاة تاريخ طويل من التجارة والحوكمة

فحسب، بل يشمل أيضًا سمات التاريخ الحديث التي تشير إلى خروجها عن النماذج المألوفة بدرجة كبيرة. ومن الواضح أن مدن الخليج التي نتحدث عنها لا تشبه في شيء تبعية «العالم الثالث»، أو وضع ما بعد الاستعمار، نظرًا إلى المنطقة الجغرافية التي تقع فيها؛ فهي تسير وفق أنماط، سنعمل

على شرحها لاحقًا، لا يمكن ببساطة حصرها في نموذج واحد للتطور العمراني. يهمنا أن نعلن، بداية، ما سنعود إليه لاحقًا: نحن، في سياق مدن الخليج، لا نغفل المظالم والأوضاع القاسية التي تواكب حاضرها ببريقه وسحره. وفي الواقع، ثمة عاقة بين ما يظهر على السطح وما يمور تحته؛ بين مشهد الثروة الباهر ومشاق الحياة الظالمة. لقد انصب شطر كبير من الاهتمام الإعامي والبحثي، محقًا، على التفاوت الاجتماعي والتهديد البيئي الناجمَين عن التطوير العمراني الخليجي،

ما أدّى، من دون أي شك، إلى أعلى مستويات التفاوت الاجتماعي في العالم، وتسبّب أيضًا، بحسب

مصادر بيانات موثوقة، بأعلى مستويات انبعاث الكربون. وانطاقًا من إستراتيجيتنا المنهجية، نعرّج أحيانًا على الجانب المأساوي في التمدّن الخليجي، مثلما

نعرّج أيضًا على المخيال المحلّي الذي يترك بصماته على جميع الخصوصيات المرتبطة بالتوسع

المديني في الخليج. وكما هو الحال في لاس فيغاس، تسعى هذه الدراسة إلى تطوير فهمٍ أشمل

(((يرى بعضهم في لاس فيغاس «نموذجًا أوليًا لمدينة المستقبل الأميركية»، انظر: Stierli, p. 9. (((لمراجعة المثال الأول، انظر:

Nelida Fuccaro, «Visions of the City: Urban Studies on the Gulf,» Middle East Studies Association , vol. 35, no. 2 (Winter 2001), pp. 175–187. (6) Nelida Fuccaro, Histories of City and State in the Persian Gulf: Manama since 1800 (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).

ربيع   Spring 2019

لإشكاليّات التمدين الخليجي بما يتيح التفكير في اجتراح الإستراتيجيات. وتتطلع الدراسة كذلك

إلى الاستفادة من مثال الخليج لإعادة التفكير في آليات التمدين عمومًا.

مدن الخليج بوصفها أحاجيَ نظرية

تتحدى مدن الخليج المفاهيم الأساسية للعلوم الاجتماعية على نحو عام، من خال خلطها بعض أهم تقاليد دراسات التمدين، كما تُبيّن لنا قصور بعض التقاليد الفكرية الغربية الموروثة عن فهم كيفية

نشوء المجتمعات والثقافات والاقتصادات وتماسكها وانهيارها، فا تُفسّر النماذج المشتقة من

الاقتصاد الكاسيكي مبدئيًا آليات تطور التمدين الخليجي، ومن ثم يكون من الصعب تطبيق نظريات

آدم سميث أو ديفيد ريكاردو على وضعه. وأيًا يكن الميل العام في الخليج إلى المقايضة والمتاجرة والتبادل، فهو محكوم ومقيّدٌ بقوى أخرى،

فالأسواق ليست مفتوحة وحرة، والمعلومات إلى حدٍّ بعيد محجوبة في مختلف المجالات. ولا تحافظ مبادئ مهمة على اتساقها إلا بصعوبة؛ مثل دور مبدأ الميزة النسبية advantage comparative في تحديد الأسعار والإنتاجية. ولا يشك ل السوق الخليجي جهازًا لتقديم أفضل البضائع لأكبر عدد من الناس، كما هو معروف في آليات عمل الأسواق، ولا عاقة أيضًا لاستثمارات في القطاع العقاري، أو في قطاعات أخرى، بما يعرف بالانضباط داخل الأسواق. وعلى الرغم من استنادها إلى نماذج اقتصادية، فإن كثيرًا من اقتصاديات الأراضي والمقاربات

المشابهة في الجغرافيا وعلم الاجتماع المديني تفقد قدرتها التفسيرية في منطقة الخليج. ومنذ تأسيس الملكيات والإمارات في الخليج، تطوّرت المشاريع العقارية على أسس احتكارية صريحة ومتواصلة،

واستندت المِلكية العقارية إلى حق الشيوخ الطبيعي المكتسب منذ الولادة بصيغته المعدلة بموجب الهدنة مع المستعمرين البريطانيين، كما استندت إلى تقاليد العائات التجارية المتنوعة. وقد كانت عاقات النسب والروابط المختلفة بين العائات المقربة من المستعمرين البريطانيين وطائع شركات النفط البريطانية والأوروبية والأميركية في أوائل القرن العشرين هي أساس توزيع الريوع النفطية، وشكّلت تلك الشبكات ما أسماه جيمس بيل «إمبراطورية غير رسمية ». ويمكن قراءة نماذج مدينية عديدة في منطقة الخليج من زاوية هذا الشكل المبكر من أشكال التحالف بين الإدارة الكولونيالية والعائات المحليّة الحاكمة، فقد أقامت شركات النفط في أول عهدها، على

نحو علني وظاهر، مجتمعات مسوّرة ومنعزلة للتكنوقراط والمديرين الغربيين والمهنيين، كما حدّدت

المؤرخة نيليدا فوكارو أحد الأحياء الذي يقع في ما أصبح مركز مدينة المنامة في البحرين، بصفته منطقة أولى من نوعها في الخليج، إذ بات موقعًا سكنيًا «نيوكولونياليًا» أنشأته شركة نفط البحرين

(7) James A. Bill, «The Geometry of Instability in the Gulf: The Rectangle of Tension,» in: Jamal S. Al–Suwaidi (ed.), Iran and the Gulf: A Search for Stability (Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 1996), p. 106; Cited in: Arang Keshavarzian & Waleed Hazbun, «Re–Mapping Transnational Connections in the Middle East,» Geopolitics , vol. 15, no. 2 (May 2010), pp. 203–209.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

BAPCO الأميركية عام 1937. أمّا التطوّر العمرانيّ الذي شهدته أنحاء مختلفة في الخليج، وشمل

ناطحات السحاب والمنتجعات ومراكز التجارة والمقاهي، إضافة إلى نسقٍ كاملٍ من المباني والبنى التحتية، فيمكن تتبع مساره التاريخيّ الذي تعود أصوله على نحو رئيس إلى اعتماد الأسر الحاكمة

على القوى الأجنبية، وإلى الاتفاقيات التجارية المبكرة معهم، وعلى الرغم من ذلك فهو يعتمد في

بعض دول الخليج على أشكالٍمتأخرة تاريخيًا من الامتيازات والروابط. كما تمتلك المفاهيم الاقتصادية التي تنتمي إلى مجالات علم الاجتماع المديني والتخطيط العمراني والجغرافيا الحضرية أهمية تفسيريّة ثانوية في منطقة الخليج. ووفقًا لأحد هذه المنظورات التأسيسية

المستمدة من أعمال الاقتصادي والتر كريستالر Christaller Walter في منتصف ثاثينيات القرن الماضي التي تعوّل على المركزية الجغرافية، ودور النظام الهندسي للمدن في التقليل من عبء

المسافات، نشأت نماذج مثل قاعدة الرتبة والحجم rule size – rank التي ترمي إلى تحديد عدد المدن في مساحة معينة، وحجم كل منها ونوعها وآلية ارتباطها بعضها ببعض. ويفترض هذا النموذج أن المركزية الجغرافية تعود بالفائدة على التجمعات المدينية، لأن أنماط مستخدمي الأراضي المعنيين ينتهي بهم الأمر إلى التجمع معًا في مركز المدينة، مستكمل بعضهم الوظائف الأساسية لبعضهم

الآخر. وقد لوحظ اتساق نتيجة فرضيات نظرية المناطق المشتركة المركز التي طرحتها مدرسة شيكاغو لعلم البيئوية البشرية Ecology Human of School Chicago The. وتشير نماذج أخرى إلى أهمية الموقع الجغرافي المميز الذي يحدد أهمية المدينة، مثل نقاط الشحن والتصدير التي تستفيد من تقاطع الأنهار مع خطوط النقل البري. ومع ذلك، ثبت قصور هذه الأفكار في توقّع اتجاهات التمدين الخليجي، وذلك وفقًا للشكل الذي صيغت به على الأقل. وعلى الرغم من أنَّ التحليل الماركسي هو الناقد الجذريّ لمختلف الاقتصاديات الرأسمالية، فإن

دراسة حالة المدن الخليجية تتحداه أيضًا. ويعود ذلك إلى قدرة الدولة الخليجية المستمرّة على

التدخل من خال أنظمة الامتيازات والمحسوبية، ونجاحها في تكريس صورتها التي تتشبه بالأنظمة

الملكية الإقطاعية، عبر إنشاء الهياكل الضخمة والاستعراض الرمزي. فبدلً من اضمحال الدولة، أصبحت تلك الأخيرة أداة لتعزيز الحكم الملكي، لتصبح المناطق الحرّة، التي اعتُبِرت أيضًا مؤامرة

رأسمالية، حلبةً مهمةً لدراسة «المنطق السياسي والاقتصادي [لتحالف] القوى العظمى، والقوى الإقليمية المتنافسة، وبناة الدولة، والشركات المحلية». بهذا المعنى، كان واضحًا أن القاطرة

الرأسمالية كانت، ولا تزال، إلى حد بعيد أداة بيد الطبقة الملكية الحاكمة، لا العكس. فقد تجاوزت هذه الدول كثيرًا كونها بنية فوقية، واضطلعت بدور فاعل في تعزيز ثروة وشرعية القصور الملكيّة.

(8) Fuccaro, Histories of City and State , p. 191. (9) Brian J. L. Berry & Allen Pred, Central Place Studies: A Bibliography of Theory and Applications (Philadelphia: Regional Science Research Institute, 1961). (10) William Alonso, Location and Land Use: Toward a General Theory of Land Rent (Massachusetts: Harvard University Press, 1964). (11) Keshavarzian & Hazbun, p. 208.

ربيع   Spring 2019

ومع ذلك، لا شيء مما سبق يقلل من أهمية المنظور الماركسي لدراسة التمدين الخليجي، أو بروز أسواق كاسيكية جديدة في مناطق بعينها، لكن التحليل يأخذ أحيانًا طابعًا تقريبيًا وملتويًا، فهناك

أتباع ينعمون بامتيازات وتجار مقربون وجيوش من العمال، ولكن ما من برجوازية تعمل في خدمة حكام رأسماليين أو كتلة بروليتارية منظمة من خال وسائل الإنتاج الرأسمالي. وتدعو بعض نظريات التمدين المعاصرة، سواء كانت هذه النظريات ماركسية أم غيرها، إلى دراسة المدن وكأنها تتبع مراحل تاريخية، متزامنة مع دراسة التحولات في القاعدة الاقتصادية والتغييرات في التنظيم الاجتماعي. فبحسب أحد النماذج التفسيريّة، وفّرت الزراعة التي نشأت عن حياة مستقرة مبكرة، فائضًا كرّس

التخصّص المديني، بينما اقترح نموذج آخر أن النخب المدينية المبكرة نجحت في اقتطاع هذا الفائض

من الفاحين، وقد لاحظت لورا ليتو أن تلك التفسيرات الكاسيكية لا تناسب حالة الخليج، فمدن كأبوظبي والدوحة نمَت انطاقًا من مستوطنات صغيرة محدودة من ناحية البنى الثابتة التي كانت

موجودة، أو حتى من حيث استقرار السكان على مدار العام، ولا سيما في حالة أبوظبي، كما أتاحت

الصحراء المفتوحة مجالً للتوسّع وفق مخططات قدّمها مخططون ومصممون أجانب، واعتمدها

الحكام المحليون من دون اعتبار يُذكر لما كان قبلها. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الشكل المديني المعاصر لمدن الخليج الحديثة العهد على أنها «فقست» كمجتمعات مهنية، تائم خصوصيات المنطقة وزمانها، على الرغم من أن بعضها، بالتأكيد، انبثق با سياق محدد، مستفيدًا من حقبة النفط والخروج البريطاني الطوعي اللذين تزامنا والمناخ الأيديولوجي لحقِّ تقرير المصير، وهو ما مهّد الطريق لبناء هياكل الدولة بسهولة. ويمكننا في هذه الحالة أن نصف

دول الخليج، مُستعيرين تعبير حسين مهداوي بأنها مثال على «السيطرة الطارئة للدولة» التي نشأت

عنها هيئات وهياكل فرضت سيطرتها ذات الطابع الخاص. وفي الواقع، لم تُطبّق المخططات العامة التي أعدها خبراء أجانب متعاقدون في بناء مدن الخليج إلا

بطريقة فضفاضة، واستُبدلت خال فترات قصيرة نسبيًا، أما التطوير الفعليّ فقد جرى وفق أجندات

غير شفافة، لم يعرف بها أو يطلع عليها أحد مسبقًا، حتى إن المواطنين أصحاب الامتيازات توصلوا إليها على نحو محدود. ولم يشك ل أصحاب الأماك تحالفات للمطالبة علنًا ببنى تحتية تحقق لهم مكاسب مالية، كما هو سائد في بلدان كالولايات المتحدة، حيث تسعى «ماكينات النمو» جاهدة لاستغال الحكومة لتحقيق مكاسب مالية. أما في الخليج، فتُوضع الخطط العامة وتُفرض «الرؤى»،

(((1 لاطاع على عمل مميز ينمّ عن اطاع واسع، انظر:

Ahmed Kanna, Dubai: The City as Corporation (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2011). (13) Laura Lieto, «Planning for the Hybrid Gulf City,» in: Harvey Molotch & Davide Ponzini (eds.), The New Arab Urban: Gulf Cities of Wealth, Ambition, and Distress (New York: New York University Press, 2019). (14) Hossein Mahdavy, «The Patterns and Problems of Economic Development in Rentier States: The Case of Iran,» in: M. A. Cook (ed.), Studies in the Economic History of Middle East (London: Oxford University Press, 1970), pp. 428–467. (15) John Logan & Harvey Molotch, Urban Fortunes: The Political Economy of Place (Berkeley: University of California Press, 1987).

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

وتُنفذ بسرعة، وثمة مؤشرات دالة على وجود مساومات بين صفوف النخبة، على نحو مباشر أو غير مباشر، وعلى مستوى رفيع قد يشمل أحيانًا الأمراء أو الملوك أنفسهم. ماذا عن الثقافة؟ وهل تشكل مدخلً لفهم الاتجاهات التمدينية في الخليج مثلما استخدمت، وإن على نحو متفاوت، وبنتائج مشكوك فيها، لشرحها في أماكن أخرى من العالم؟ يتأثر العديد من النماذج التفسيرية الشائعة في منطقة الشرق الأوسط بالمناهج الثقافوية التي تضع في قلب تصوراتها الدور الأساسي الذي يؤديه الإسام. لكن الدين، بطبيعة الحال، لا يؤدي هذا الدور، فالتباينات من ناحية العقيدة والممارسة في العالم الإسامي كبيرة؛ من إندونيسيا إلى السعودية إلى لوس أنجلوس، تحمل في طياتها فوارق شبه سوريالية في تبايناتها. وبالمثل، ثمة فوارق واضحة بين دولة خليجية وأخرى. وكما هو حال الادعاء الفيبري المبالغ فيه، بل الخاطئ تمامًا من الناحية

التجريبية، أن البروتستانتية شكلت نقطة انطاق الرأسمالية، أو أن أوروبا وأميركا الشمالية مرهونتان للمسيحية، فإن الإسام يتجلى على نحو مختلف في تقاطعه مع الأسواق والسياسات والحياة. وقد لخّص الباحثان المخضرمان والمميزان المتخصّصان في شؤون المنطقة روي متهده ومأمون

فندي، هذه النقطة بصراحة: «إن صفة ‘إسامي’ في حد ذاتها لا تقدم شرحًا يذكر في الحقيقة».

وعندما يتبنى باحثون متخصصون آخرون مقاربات تنتمي إلى حقولٍمختلفة جدًا، فإنهم نادرًا ما

يحيلون على الدين بصفته تفسيرًا عامًا، وهم محقون؛ فالإسام متنوع وحمّال أوجه بدرجة كبيرة، بل

غير محدودة، لما هو شرعي أو غير شرعي. وحتى ضمن المذهب أو الطائفة الواحدة، ثمة عناصر غير متسقة و«متعايشة بصفتها عقيدة شرعية». ويكتب فرانك فوغل أنه يُسمح لها بالاستمرار على نحو

تلفيقيّ «من دون توفيق متسّق وموثوق في ما بينها»، إضافة إلى الاجتهادات الجديدة المستمدة من

مختلف النصوص والظروف، والتي تؤدي دورًا أساسيًا في العديد من الأحيان، خاصّةً مع تغيّر

الظروف الخارجية التي تؤدي إلى نشوء «تعاليم»، وظهور فتاوى جديدة يصدرها العلماء الذين يتم تصويرهم على أنّهم سدنة العقيدة، وكما يؤكد فوغل، إن علماء الدين الإسامي «سواء كانوا

(16) Davide Ponzini, «Large Scale Development Projects and Star Architecture in the Absence of Democratic Politics: The Case of Abu Dhabi, UAE,» Cities , vol. 28, no. 3 (June 2011), pp. 251–259. (17) Ulf Hannerz, Transnational Connections: Culture, People, Places (London; New York: Routledge, 1996).

(((1 لمشهد واضح عن حياة مجموعة من الشباب المسلمين في لوس أنجلوس، انظر:

John O’Brien, Keeping It Halal: The Everyday Lives of Muslim American Teenage Boys (New Jersey; Oxford: Princeton University Press, 2017). (19) Roy P. Mottahedeh & Mamoun Fandy, «The Islamic Movement: The Case for Democratic Inclusion,» in: Gary G. Sick & Lawrence G. Potter (eds.), The Persian Gulf at the Millennium: Essays in Politics, Economy, Security and Religion (New York: St. Martin’s Press, 1997), pp. 297–318. (20) Frank E. Vogel, «Islamic Governance in the Gulf: A Framework for Analysis, Comparison, and Prediction,» in: Sick & Potter, p. 263. (21) Woolfhart P. Heinrichs, «On the Figurative (Majaz) in Muslim Interpretation and Legal Hermeneutics,» in: Mordechai Z. Cohen & Adele Berlin (eds.), Interpreting Scriptures in Judaism, Christianity and Islam: Overlapping Inquiries (Cambridge: Cambridge University Press, 2016), p. 251.

ربيع   Spring 2019

مجتهدين أم أرثوذكسيين، يستفيدون جميعًا من التعدّدية في العقيدة، لأنهم يعثرون على آليات مختلفة

لتغيير وجهات نظرهم، وقد يغيّرونها أحيانًا كي تائم ظرفًا بعينه فحسب». ولأننا نشكك في كون الدين آلية عامّة للتفسير، يمكننا الاستفادة من نظريات ثقافية أخرى أقل شمولية

ربما تساعد في نشوء الدول والمجتمعات، فقد استخدم الاقتصادي ألفريد مارشال مصطلح «المناخ الصناعي» لجذب الانتباه إلى الجوانب غير المادية التي تلتقي مع جوانب أخرى مادية لتجعل المجتمعات أكثر إنتاجيّة. وقد تطوّر هذا التصوّر في التفكير النقديّ المعاصر، حيث ازداد الوعي

بارتكاز الازدهار مثلً على «توليفة» مختلفة من المهارات والمعارف المحليّة والتفاهمات الضمنية

المفهومة على نحو مشترك، ليصبح التوافق الضمنيّ بين مختلف الفاعلين الأساسَ الذي يهيئ لبروز

اقتصادات إقليمية، كنهوض «إيطاليا الثالثة» منذ جيل مضى، أو وادي السيليكون في الآونة الأخيرة. وبلغة الجغرافي الاقتصادي مايكل ستوربر Storper Michael، إنَّ هذا الشكل من أشكال «الاعتمادية غير خاضع للتداول»؛ بمعنى أن السوق لا يمتلك وسيلة لتحديد أسعار مثل هذه الأصول، ولكن لها قيمة اقتصادية في كل الأحوال. وفي الواقع يمكننا ماحظة أن هذا التصوّر قد ولّد خطابه الذي يعوّل على مؤهات في المكان تجعله

«مبدعًا» أو «مبتكرًا»، وتستخدم جين جاكوبز Jacobs Jane، في كتابها اقتصاد المدن، ما يشبه

«المناخ» المارشالي، حيث تحاجج بأنّ تفاعل أنواع متنوعة من الناس في حيز عام ومتقارب، كما هو الحال في حي غرينويتش في نيويورك أو في أيّ حيّز وطني آخر، هو الوصفة المائمة لبناء

اقتصادات قوية. وبحسب قول ريتشارد فلوريدا، ينجذب المبدعون إلى الأماكن التي تتصف بهذا التنوع، ما يعزّز قدرتهم على الإبداع. لكنْ ثمة شكوك كبيرة حول صاحية مثل هذه الأفكار عند

تطبيقها على الخليج، فالقرارات الصادرة من الأعلى أهم بالتأكيد من التكامل العضوي النابع من أرضية اجتماعية. بصورة عامة، يرغمنا التمدن الخليجي على البحث خارج حدود الأطر التحليلية السائدة كأنه صدمة تحليلية، ويتطلب فهمُ مدن الخليج توسيعَ البحث أو إجراءَه على نحو مختلف على الأقل. وكما

شكّكنا في التفسيرات التعميمية، علينا أيضًا تجنب فخ النزعة التاريخانية البالية؛ كالقول إنَّ «هذه طبيعة الأشياء»، أو اختزال التفسير على نحو ماديّ عبر النظر إلى التمدين الخليجي كأنه خلطة من النفط

والرمال.

(22) Vogel, p. 263.

(((2 انظر مثلً:

Robert D. Putnam, Robert Leonardi & Raffaella Y. Nanetti, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (New Jersey: Princeton University Press, 1994); Michael J. Piore & Charles F. Sabel, The Second Industrial Divide: Possibilities for Prosperity (New York: Basic Books, 1984); Anna Lee Saxenian, Regional Advantage: Culture and Competition in Silicon Valley and Route 128 (Massachusetts: Harvard University Press, 1996). (24) Jane Jacobs, The Economy of Cities (New York: Vintage Books, 1969).

(((2 نسبة إلى خطة مارشال.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

وعليه، هل يجعلنا التفكير في مدن الخليج على نحو محايد شكاكين إزاء جميع النظريات المدينية الكبرى؟ ربما كان الأمر كذلك، وسواء كان هذا الفشل التفسيريّ مصدره النماذج النظرية السائدة أم

مدن الخليج نفسها، فإن أمرًا جلل يحدث فيها وفي ما بينها يتحدى الفهم بالتأكيد. فهي حاضرة بقوة

في عالمنا، وثمة صابة تبدو من الخارج، لمبانيها العمرانية ولبناها الاجتماعية التي تواصل إنتاج

الصدمات، بمعنيَيه السلبي والإيجابي. إنَّ هذا المقال مساهمة في تعميق فهمنا لمفارقة وجود نمطٍ

مدينيٍّ مكتمل، كما نشهده فعلً، في ظروف تبدو غير مواتية.

مدن الخليج: تحدٍ منهجي

تقيّد التسلطية في مدن الخليج الوصول إلى المسؤولين والبيانات الإحصائية ومواقع العمل الميداني،

فليس من السهل عادة، أو حتى ممكنًا أصل، استخدام الأساليب القياسية؛ كالمسوح، أو المقابات أو الإثنوغرافيا، وعند توافر البيانات قد لا تكون متاحة. ويكمن جزء من الأزمة في غياب تقاليد مهنية وبحثية راسخة؛ في منطقة الخليج، وليس في عموم المنطقة. وعلينا أن نتذكر أنه حتى عام 1957، لم يكن للجامعات وجود في أبوظبي، بل لم يكن فيها حتى طبيب واحد. وإذ ا، فإن العلم، ولا سيما في الإمارات العربية المتحدة، اعتمد تمامًا على الغرباء، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر في صعوبة

تحصيله، واحتمال هيمنة النزعة الاستشراقية عليه، بما في ذلك بين الباحثين من مناطق أخرى في العالم العربي. وقد وصف أحد الإماراتيين البارزين هذه الحالة المحزنة بقوله: «على مدى معظم السنوات المئتين الماضية، لم يكن يوجد سوى وثائق تضم السجات والمراسات بين البريطانيين وغيرهم من المستعمرين. نحن في وضع يرثى له، لأننا محكومون بدراسة الماضي من وجهة نظر الأجانب، وباستخدام وثائقهم وصورهم القديمة في بحوثنا». هذه الكلمات مقتبسة من كتاب من المَحل إلى الغنى: قصة أبوظبيالذي كان مؤلفه مقربًا من الشيخ الحاكم الذي كان هو نفسه

وكيلً لشركة مرسيدس، وغيرها من الاحتكارات المهمة في أبوظبي. وعلى الرغم من معلوماته المفيدة، فإن الكتاب في الحقيقة يبدو سيرة تبجيلية لقدّيس؛ ذلك أن الباحثين المحليين مطالبون

باحترام الوجهاء المحليين، ولا سيما الأمراء الحك.ّام ونظرًا إلى القيود المفروضة على ما هو معروف، أو ما يمكن معرفته، يتعين على الباحثين تشكيل

معرفتهم – ما أمكنهم ذلك – بناءً على قاعدة تخصصاتهم، وبإدراك اختاف السياقات الثقافية

أيضًا؛ ولذلك يتعين دراسة المدن الخليجية انطاقًا من تعقيداتها، حيث حدود الإفصاح

(((2 أشار كولو إلى السمات المشتركة لمنطقة الخليج بكونها تمتلك «قدرات محلية محدودة في جميع المهن تقريبًا»، انظر:

Jerry Kolo, «Accidental or Envisioned Cities: A Comparative Analysis of Abu Dhabi and Dubai,» in: George Katodrytis & Sharmeen Syed (eds.), Gulf Cities as Interfaces (Cambridge: Gulf Research Center, 2016), p. 164. (27) Mohammed Al Fahim, From Rags to Riches: A Story of Abu Dhabi (Abu Dhabi: Makarem, 1998). (28) Ibid.; Seth Thompson, «Digitally Preserving the Heritage of the Arabian Peninsula: Al Jazeera Al Hamra Considered,» in: Katodrytis & Syed, p. 211.

ربيع   Spring 2019

والكتمان جزءٌ من هذا التعقيد. فبسبب الضرورة العملية للفهم، وكذلك الشرط المعرفي، بات

من المهم النظر إلى الجهاز المادي للمدن بوصفه أسلوبًا إستراتيجيًا قابلً للتحليل، إذ إن جهاز

المدينة في هذه الحالة يتحول إلى مختبر يمكن من خاله تتبع دروس في السياسة والثقافة والحياة المدنية، وفق التقليد الذي أرسته مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع المديني في منتصف القرن العشرين. ولكن خافًا لمدرسة شيكاغو الشهيرة التي استفادت من وفرة البيانات الإحصائية والإثنوغرافية والخرائطية، يجب على الباحثين المهتمين بمدن الخليج في الوقت الحاضر، على الأقل، العمل بمعطيات أقل، مع الاحتفاظ بأهداف موسومة بالطموح لتحلياتهم. فالمباني، من وجهة نظر هذا البحث، تمتاز بحضورها هناك؛ بكثافة كبيرة، وفي سياقات تفتقر إلى المعلومات يدأب رعاتها على ترويجها، وتتباهى بها السلطات، وتتحدث التقارير الإعامية عن الهياكل وطموحات مصمميها ومطوريها والمستثمرين فيها. وتظهر التقارير تفاصيل التكنولوجيا الأساسية والعمليات المعمارية والمالية، وتركز كذلك على أدوار بعض الهيئات في الهياكل العمرانية، في حين تنقل تقارير أخرى تفاصيل أقلّ عن معاناة أولئك الذين بنوها بسواعدهم، وينطبق ذلك، بنحو خاص، على المباني الكبرى التي تُصوّر على أنها أعمال فنية، وتصبح حديث الكتب وتستحوذ على اهتمام وسائل الإعام،

على عكس المباني الحداثية الروتينية المنتشرة حولها. إن المباني عمومًا، وخاصةً المباني الكبيرة منها، قد تقدم منهجًا لدراسة الواقع، حيث يمكن أن يفكك

المحللون الهياكل المادية بطريقة عكسية، أي بعكس عمل المهندسين، لتحقيق فهمٍ أفضل للعوالم الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شيّدتها، مع إدراك أن التحليل الذي يعتمد على المباني وحدها

لا يكفي، إذ يفتقر إلى القدرة التي تتيح له رؤية المعارضة المحلية، إضافة إلى الناس العاديين ذوي الدور الثانوي في تشييد هذه الهياكل، والذين يظلون خارج المشهد إلى حد بعيد. ومع ذلك تبدو تفاصيل هذه المدن مهمة من زوايا متعدّدة، وتعطي مؤشرات دالة على التطور المديني العالمي المستقبلي؛ بما فيها ما يؤثر في التغيير، كحالة لندن أو نيويورك. ومن غير المفيد إطاق صفات زائفة تبسيطية على مدن الخليج، سواء كانت «دينية» أم «إقطاعية» أم «قبلية» أم «استبدادية»، كما لا يمكن اعتبارها مجرد متلقية لشكل واحد من أشكال التحديث الذي يأتي من الخارج، وعادةً من الغرب، لتحويل مصير مجتمع محدد. فالخليج مكان يحدث فيه اليوم، كما في الماضي البعيد، عبور الحدود، حيث تُختبر الأفكار والحلول على المستوى المديني من خال تجميع وإعادة تجميع عناصر ذات أصول متعددة. وإذا حدث أن نجحت العناصر المختلفة في أن تصبح جزءًا من «التوليفة» المحلية، فإنها عادة ما تنتقل إلى منطقة أخرى، ولكن بعد تكيّفها مع

الأوضاع الجديدة لتصبح، في بعض النواحي على الأقل، مختلفة مرة أخرى. إن واقع الخليج يتطلب مقاربة تَعتبر الحالة العابرة للحدود الوطنية نظامًا ديناميًا، ينطبق على أي مجموعة من الأماكن،

بمحتوى متغير دائمًا.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

الخليج العابر للحدود الوطنية

بخاف ما يوحي به الخطاب الغربي الشائع الذي يفترض هويات محلية معزولة، تدين مستوطنات الخليج لأصولها التاريخية (وواقعها الحالي) في التجارة والسفر والهجرة. وكما ساهم البحر الأبيض المتوسط في تشكيل أوروبا وشمال أفريقيا ضمن كيان مترابط، بحسب المقولة الشهيرة لفرناند بروديل، كذلك كان حال ممر الخليج المائي الذي لم يشكل عائقًا؛ بل كان صانع محتوى، ووعاء

لمكوناته المترابطة. يمكن مقاربة مدن الخليج كفضاءات «تدفق»، على النحو الذي شخّص به مانويل كاستلز النمط التمديني المتأخر في عصر الرأسمالية المتأخرة، إذ تنتقل الأفكار والخامات والسلع النهائية عبر المدن والقرى والموانئ، مخلفةً رواسب من المحتوى الثقافي والممارسة البشرية في المنبع والمصب وعلى الضفتين، بكثافة كبيرة وعلى نطاقات واسعة وضخمة، إلى حد يصعب مقارنته بالحقبة التي كانت محل اهتمام بروديل في القرن السادس عشر. ووفقًا لهذا المنظور، يمكن اعتبار مبادرات منطقة الخليج وممارساتها طليعية على المستوى العالمي. تتعرض صورة الخليج العابر للحدود للتشويش منذ مدة طويلة، بسبب فرض حدود سياسية وترتيبات مؤسسية أخرى لا تعكس استقرارًا مضلّلً فحسب، بل تبدو كأنها تفرضه. وكما يلحّ بودروكاس

وكيشافاريان، فإن الإقرار بالسيولة التاريخية يساعد على التفكير في شعوب الخليج على نحو تبدو فيه كأنها مقيدة بأساليب حياة متخلّفة ومتزمّتة. إن دراسة متأنية لتاريخ مدن الخليج تكشف في الحقيقة

عن وجود أشكال معيّنة عابرة للحدود الوطنية منذ زمن طويل، فقد كان الخليج والممرات المائية

المتّصلة به بحرًا لاندماج الذي يأخذ الحسابات الاقتصادية والعائلية والدينية المتقلبة باعتبار خاص.

فثبات الحدود والعداوات، كما في مثال إيران والسعودية، ليس «قديمًا» أو جوهريًا، بل هو حديث

وظرفي. ويمكن رؤية هذا التاريخ المتشابك والمترابط في الهندسة المعمارية، وفي التحف الفنية أيضًا، فقد كانت المهندسة والباحثة المعمارية آمال أندراوس (2019) من الباحثين الذين تخصصوا في دراسة النتائج المادية والبصرية، إذ حللت التصاميم والأشكال المعمارية، وشككت في النقاش المعاصر المبالغ في التبسيط، الذي يحيل على ما يُعرف بالثقافة العربية. ثم إنه، في جميع أنحاء الشرق الأوسط،

(29) Fernand Braudel, The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II (Berkeley, CA: University of California Press, 1995 [1949 French edition]). (30) Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society, and Culture: The Rise of the Network Society , vol. 1 (Oxford: Blackwell, 1996).

(((3 انظر مثلً:

Hélène Thiollet & Leïla Vignal, «Transnationalising the Arabian Peninsula: Local, Regional and Global Dynamics,» Arabian Humanities , no. 7 (2016). (32) Alex Boodrookas & Arang Keshavarzian, «Giving the Transnational a History: Gulf Cities across Time and Space,» in: Molotch & Ponzini.

ربيع   Spring 2019

يجب أن يكون هنالك احترام للسياق، بل إلزام باحترامه، عبر أخذ تاريخية تشكله التي قد تظهر حتى في القباب، أو الفسيفساء، أو أشكال الخط الإسامي، في الاعتبار. وقد بذلت أندراوس جهدًا كبيرًا لإظهار تعقيدات تحديد السياق، وأن الجهد المبذول في هذا الصدد

ليس بالضرورة بريئًا تمامًا، بل قد يكون إشكالية حقيقية بالفعل. فتصنيف ما هو «عربي» أصيل أو غير

أصيل، لا يحصل تلقائيًا بناءً على مخزون تاريخي أو ثقافي، إذ يمكن التمييز في كل ظاهرة أو فكرة

أو بناء أو أي شيء آخر في منطقة الخليج بين طبقات النفوذ المتعددة المتحركة من الشرق الأوسط وإليه، بما في ذلك من أوروبا والصين وإليهما، وأميركا الشمالية في ما بعد، بحيث يصبح من الصعوبة

بعدها إطاق صفة «عربي» على شيء ما، فضلً عن حجبها، فهل تكون الحقبة التاريخية التي جاء منها معيارَ اعتباره عربيًا أكثر أو أقل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي حقبة زمنية نختار؟ في الواقع، تتفاعل أنماط التطور الاجتماعي والمادي في الشرق الأوسط مع التطور التمديني في مناطق أخرى في العالم، ويغيّر هذا التفاعل حقًا ما تم بناؤه محليًا، ويغير من دلالاته أيضًا. وأندراوس

نفسها مستعدة وتواقة إلى الاحتفاء بمبانٍجديدة في العالم العربي تَصدُر عن معماريين أجانب ومؤثرات تصميم أجنبية، كما درجت العادة منذ فترة طويلة، وهذا الجمع هو ما يضفي القيمة، كما كان الحال في الماضي. ولكن التفكير من زاوية المؤثرات المختلطة في ماضي الإقليم، بما في ذلك التحديث القادم من أوروبا، يحمل في طياته مغبة الاتهام بالتغريب. ويأتي خلف التفكير في هذه المسألة التبعات الكارثية لوجهات النظر «الماهوية»؛ كالإعان أن شيئًا ما، أو شخصًا ما، هو حقًا «عربي» أو «مسلم» أو «استعماري» أو «غربي»، أو في أقصى الحالات «كافر»، ويرجع كل هذا النقاش الماهوي إلى شكل من الخيال الخطير والمدمر. أيًا كان الماضي العربي الذي تستلهمه المباني الرئيسة في المدن الخليجية، ومهما تعددت مهارات

التصميم التي تقف وراءها، فإنها مستمدة من الغرب بدرجة كبيرة. ولكن التصاميم في مدن الخليج لها «أقدام» تأخذها مرة أخرى إلى أجزاء مختلفة من العالم؛ وهي ظاهرة تاريخية متكرّرة أيضًا. وتضع

نخبة عالمية من «نجوم العمارة»، بمساهمة خليجية ذات طموح، قواعد الشكل التمديني المعاصر المثيرة غالبًا، والتي تستطيع تلبية أعلى المتطلبات في حالة الخليج. إن «برج خليفة» في دبي، على سبيل المثال، هو أعلى مبنى في العالم (خططته ونفذته شركة سكيدمور وأوينغز وميريل الأميركية). وقد صمّم المهندس المعماري الأميركي من أصل صيني آيوه مينغ بي

متحف الفن الإسامي الرائع في الدوحة، كما ألقت لندن اللورد نورمان فوستر وباريس جان نوفيل بظالهما على المكان المذهل. من خال هذا المشهد بالتحديد، نستطيع أن نرى لاس فيغاس، وهي المدينة التي تتوق إلى «التفوق» في كل شيء «لتضع نفسها على خارطة العالم، وإن استهدف مسعاها في البداية خارطة الولايات المتحدة».

(33) Robert A. Beauregard, «City of Superlatives,» City & Community , vol. 2, no. 3 (September 2003), pp. 183–199.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

أيًا يكن الأصل التاريخي للمشروعات العمرانية الخليجية، فإنها تتشكل وفق ظروف الخليج المحددة،

وتتبدى فيها العمليات والآثار المدينية المحلية في تفاعلها مع العالم. وخلف ما يبدو أنه سعي هذه المشروعات لأن تكون عربية، هنالك ما يحيل أيضًا على موارد مالية وفيرة، والتزام سياسي قوي وتسلطي، وأنظمة تخطيط ضعيفة، وطموح كبير. بذلك، لا يعكس العمران الخليجي «ذوقًا» محددًا له تفضياته الجمالية المميزة، بل يمكن أن يُفهم على أنه خليط من التفسيرات المحلية لأهداف إقليمية

مع تفسيرات نخبوية عالمية متغيرة لهذه الأهداف. يُضاف إلى ذلك ما تتركه مهارات التفاوض

والوساطة وإدارة الروابط الصحيحة بين الرعاة والعماء والمهنيين من مختلف الجنسيات والتخصّصات. إن اجتماع كل هذه العناصر معًا هو ما يهب مشروعات عمرانية مختلفة ومعقدة (وربما

مبتكرة) الحياة. إن سرعة تنفيذ هذه المشروعات واستعداد رعاتها لتحمل المخاطر يجعان المنطقة «حلبة اختبار» لمشروعات يتم في ما بعد اختيارها، أحيانًا من قبل الشركات التي اقترحت النموذج الأولي، لتنفيذها في مناطق أخرى في الشرق الأوسط وخارجه. وقد وسّعت الشركات العقارية في

منطقة الخليج حافظاتها الاستثمارية نحو أوروبا والهند وأميركا الشمالية، وباتت تشتري مباني قائمة أو شُيّدت حديثًا، ولا سيما التي تحمل معاني أيقونية. فمجلس أبوظبي لاستثمار يملك مبنى كرايسلر

في نيويورك. وتملك قطر القابضة 95 في المئة من أسهم برج شارد في لندن، وهو أطول مبنى في أوروبا، وكذلك حي بورتا نوفا للأعمال في ميانو الذي يضم أطول ناطحة سحاب في إيطاليا. وتعكس هذه التحف المعمارية نمطًا طموحًا حديث العهد في توظيف الأموال، ليس في العقارات

فحسب، بل في جميع أنواع الاستثمارات. ومن خال ذلك، يغيّر المستثمرون الخليجيون العالم الذي

يُغيّرهم بدوره. كان لا بد لهذا التنوّع، في الأهداف والمشروعات والتهجين والتفسيرات والتنفيذ، أن يوضع ويُنجز

في حينه ومكانه من أشخاص بعينهم. أما على الصعيد المهني، فثمة «صياغة»، تتقاطع فيها أشكال معينة من الخبرة مع الوعي بتفاصيل ثقافية وسياسية ومادية مختلفة. وتنتشر في المقابل على الصعيد العالمي صور تجارية «جذابة» مشغولة بمهارة تروّج نموذجًا «استعراضيًا مبهرًا» عن الخليج.

ويحدث الشيء نفسه مع الخطط والسياسات العمرانية عن طريق استنساخ النماذج والأساطير الموجودة، أو تهجين الجديد منها محليًا.

حلبات اختبار تمدينية للتصدير

تُنجَز الأشياء في الخليج على نحو أسرع، وأكثر طموحًا، بحيث تنشأ مبان وبنى تحتية وتكنولوجيات

وتشكيات مالية، تنتقل بعدها إلى أجزاء أخرى من العالم. ويعترض المخط طون بدرجة أقل، على شروط أمكنة العمل أو الأنظمة، ولكن قلّما تقف المحافظة على المواقع التاريخية أو البيئة عائقًا،

(34) Michele Nastasi, «A Gulf of Images: Photography and the Circulation of Spectacular Architecture,» in: Molotch & Ponzini. (35) Lieto.

ربيع   Spring 2019

فمعنى أن تكون مدن الخليج مائمة لاستثمار، هو أن تستطيع تنفيذ أنماط جديدة من التجميع على نحو سريع. ويمكن لما يتمخض من نتائج أن يصبح سابقة صالحة للتكرار، برعاية الخليج أحيانًا، أو برعاية جهات أجنبية ساهمت في تأسيس تلك النتائج أحيانًا أخرى. ويتيح لنا هذا التفكير تجاوز الاتجاهات التي ترى أن الغرب، أو الشمال، هو المصدر، وأن نتعلم كيف أن ما يحدث في الخليج ينتقل إلى خارجه. تعني ظاهرة حلبة الاختبار هذه أيضًا أن الخليج يستطيع إعطاء الدروس عن الآثار السلبية للتمدين، في الخليج، وفي الخارج أيضًا. ونستطيع معرفة ما الذي يجري عندما تتعثر المشروعات، وحينما تساعد المقترحات، أو لا تساعد، في تصحيح المسار. كما نستطيع أيضًا معرفة ما الذي يجري، عندما تُنفّذ المشروعات بمعزل عن الرقابة الشعبية أو الانضباط التقليدي في الأسواق. فعلى سبيل المثال، تشيّد النخب أحيانًا مباني تبقى فارغة بأغلبيتها، أو بكاملها، إلى درجة التسبّب في

إفاس المستثمر المشارك، أو على الأقل تورطه في إعادة جدولة المدفوعات، لتتوارى السلبيات خلف سيولة مالية هائلة تستر الأخطاء. ومع ذلك، يتم الاحتفاظ بالمشاريع التي ترزح تحت عجز شديد في السيولة النقدية (يُعرف هذا الأمر أحيانًا ب «رأس المال الصبور»)، في الوقت الذي تسير فيه

الأنظمة التطويرية قدُمًا نحو مشروعاتها التالية، ما قد يتسبّب في اكتساب معرفة أو تقنيات متراكمة من

فشل المشروعات السابقة. وحتى لو كانت المشروعات ذات عجز كبير على المدى القصير، فقد تتحوّل إلى مشروعات تعمل

بكامل طاقتها، على نطاق أوسع، عابر للحدود الوطنية على المدى الطويل. ومثل مشغلي ساسل المطاعم في الغرب الذين يخططون منذ البداية لتكرار التجربة، فإن التطلع إلى التكرار خاصية أصيلة قد تغيّر حساب مستوى الربح المفترض للتنفيذ الأول. ويمكن استخدام المنطق نفسه مع المستثمرين

على الأقل، لتوضيح جدوى بناء مجمّعات على هذه الدرجة من الضخامة، وإن كانت مدنًا جديدة كليًا

لا يُتوقع منها تحقيق أرباح على مدى سنوات عديدة. أصبح إنشاء نظام ميناء دبي معلمًا بارزًا في العالم المديني، حيث أصبحت شركة «موانئ دبي

العالمية» مشغّل عالميًا يتبوأ حاليًا المرتبة الثالثة عالميًا لإجمالي عدد الحاويات التي تعبر

موانئها. وانطاقًا من قاعدتها في دبي، تضم هذه الشركة 77 محطة بحرية وبرية في جميع أنحاء

(36) Charles Edward Lindblom, The Intelligence of Democracy: Decision Making through Mutual Adjustment (New York: Free Press, 1965).

(((3 يجب أن نحذّر مجددًا من مغبة التبسيط: قد تحتمل المصالح المالية المباني الفارغة في مناطق أخرى من العالم، أو حتى

التشييد في أسواق غير مواتية، عندما تعتقد أن هذه الأسواق ستنتعش في نهاية المطاف. وكما هو الحال في الخليج تقريبًا، يفضل

كثير من أصحاب العقارات في مراكز مدن الولايات المتحدة عدم تأجير محاتهم الفارغة، عوضًا عن توقيع عقود إيجار طويلة الأجل برسوم منخفضة، انظر:

Charles V. Bagli, «In a Thriving City, SoHo’s Soaring Rents Keep Storefronts Empty» The New York Times , 23/8/2017, accessed on 14/4/2019, at: https://nyti.ms/2wxznev

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

العالم. وتعتبر المرافق الجانبية، كالمستودعات والخدمات اللوجستية، أساسية لعمل الموانئ، إذ تشكّل مظهرًا من مظاهر كل ميناء في العالم. ووفقًا لسياسة دبي، تحثّ الموانئُ الجزيرة على

تنظيم المناطق المعمورة أو إعادة تنظيمها في مناطق نائية، وتحثها على استخدام السكك الحديدية والطرق السريعة والنقل الجوي، مستثمرةً أدوات وأنظمة لوجستية متعددة الوسائط، ثم تتجاوز الابتكارات حدود الخليج، في ظل أجهزة وبرامج تتاءم وتنسق في ما بينها عبر المواقع العالمية. أما أبوظبي، فتسير قدُمًا في تنفيذ مشروع مدينة مصدر «الخالية من الكربون»، كما وصفتها الباحثة الأميركية في علم أنثروبولوجيا الطاقة وتغيّر المناخ غوكشي غونال التي أمضت سنوات في العمل

الميداني هناك. وعلى الرغم من أن خطة المشروع مدفوعة باستثمارات قدرها 16 مليار دولار أميركي، وبطموحات صناعية واقتصادية أكثر راديكالية، فإن الإنجازات لم ترق إلى مستوى الطموح الكبير المتمثل بتطوير نمط تمدينيّ محايد مناخيًا. صحيح أن الحرم الجامعي الفاره والمشهور

الذي صممه نورمان فوستر يثير الإعجاب كيفما نظرت إليه، لكن آمال التقدم في مجال الطاقة الشمسية، والسيارات با سائق، وغير المُلوِّثة، وتقنيات التبريد التي تتمتع باكتفاء ذاتي، لم تكن في

المستوى المطلوب. وفي أثناء مراجعة ما جرى إنجازه من المشروع، قد يتبيّن أنه مشروع محكوم بشدّة بسيناريو تحقيق

إنجاز تكنولوجي، من دون ربطه بالتحولات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية التي كان من شأنها دعم اكتشافات أصيلة. وربما يصلح هذا درسًا عامًا مستمدًا من مشروعات التكنولوجيا في الخليج، فضعف الجانب الاجتماعي والسياسي يحد من فرص الاستفادة الفعّالة من التكنولوجيا. تبدو مشروعات؛ مثل مدينة مصدر الإماراتية، أو مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في السعودية، مغرية جدًا لبعض واضعي سياسات تطوير المدن في آسيا وأفريقيا؛ وهو ما وصفه بحث إثنوغرافي متميز لسارة موسر وزمائها، إذ تشجّع البهرجة ورعاية الزيارات للمعالم السياحية والمواقع البارزة على

تقليد مدن الخليج، حتى من ق بَل جهات تفتقر إلى الإمكانيات المالية الازمة لتغطية الاستثمارات

الضخمة المطلوبة. ومن الواضح أن النخبة في المناطق الأقل نموًا في العالم تسعى لاقتداء بأمجاد

مدن الخليج، مهما بدت تلك الخطوة غير حكيمة. وبهذه الطريقة أيضًا، قد يؤثر التمدين الخليجي في أنماط التمدين في بقية العالم.

(38) Mina Akhavan, «Gateway: Revisiting Dubai as a Port City,» in: Molotch & Ponzini. (39) Gokce Günel, «Exporting the Spaceship: The Connected Isolation of Masdar City,» in: Molotch & Ponzini. (40) Tamsin Carlisle, «Masdar City Clips Another $2.5bn from Price Tag,» The National , 1/12/2010, accessed on 15/4/2019, at: https://bit.ly/2Dte8fJ (41) Laurence Côté–Roy & Sarah Moser, (in press) «‘Does Africa not deserve shiny new cities?’ The power of seductive rhetoric around new cities in Africa,» Urban Studies , Ahead of print, pp. 1–17.

ربيع   Spring 2019

فضاءات الحلول الالتفافية

استقرت مدن الخليج الحالية ضمن أنماط لم يكن تصوّرها في الحسبان. وقبل أن يصبح «التعطيل»

مصطلحًا شائعًا في الدوائر الغربية لصنع السياسات، كانت مدن الخليج تطبقه على نطاق واسع من

دون ذِكره. وقد جرى ترتيب البيئات الصحراوية والعاقات التجارية، وتدفقات الهجرة وأنماط

الأحياء السكنية، وأُعيد ترتيبها؛ من خال القرارات الفوقية، والفصل المكاني والتحولات المفاجئة، وجرى السعي باستمرار لجعل الأجزاء التي تبدو غير متناسقة، بل متنافرة إلى حد الإقصاء المتبادل أحيانًا، متماسكة ودائمة. وبرزت التحديات كما أن بعضها لا يزال قائمًا، ومع ذلك بقي الوضع تحت

السيطرة، وقد أدّى توسع أسواق النفط عالميًا، جزئيًا فقط، دورًا في إنقاذ الأنظمة الخليجية من

مناورات خطرة. تشتهر مدن الخليج بتناقضاتها، وأبرزها التوتر بين بلوغ العالمية والولاء لبعض التقاليد العربية أو الإسامية. وجاء الحل عبر ما نسميه «الحلول الالتفافية» التي تمك ن من تجاوز المحظورات القانونية والاجتماعية والثقافية المربكة أو «المتزمتة». ولكن ينبغي لنا أن ننظر إلى مثل هذه المراوغة الإبداعية بوصفها ضرورية حقًا، ومألوفة في مختلف المجتمعات؛ أكان ذلك في الحياة اليومية أم في تاريخ الشعوب. وتبرز هنا الحلول الالتفافية بوضوح في استخدام الأراضي والقوانين والأعراف، كما يمكن ماحظتها تقريبًا في جميع المجالات، بما فيها المجال الاجتماعي – النفسي الذي أطلق عليه أحد

الباحثين اسم «أيديولوجيا التسويات اليومية». يُعتبر الفصل المكاني إحدى الدعائم الأساسية للحلول الالتفافية في استخدام الأراضي في المناطق

المدينية. وكائنةً ما كانت دواعيه في أجزاء أخرى من العالم، فهو كثيرًا ما يكون إلزاميًا في الخليج، كما

في حالة تخصيص بعض المناطق السكنية للمواطنين فحسب، أو لفئات معينة من العمال اليدويين. وتكون الحصيلة نوعًا من «التنظيم المديني بصفته نمط عيش»، وهو مختلف عما لاحظه تجريبيًا

دارسو المدن، بل إنه مختلف أيضًا عن المدن الاستعمارية أو مدن ما بعد الاستعمار في الأميركتين أو آسيا أو أفريقيا؛ فبقدرتها على التكيّف والابتكار المتواصل، تشجّع أنظمة الخليج ما هو مبتكر عالميًا

مرة أخرى. غالبًا ما يجري أيضًا تهميش الدور الكبير الذي تؤديه الاستهاكية في الكتابات التي تدرس أنماط

التمدين، مع أنها تؤدي دورًا كبيرًا في تشكيل حالة التمدين الخليجي. فأولئك الذين لهم أساف

عاشوا قبل عام 1925، في ما أصبح لاحقًا يُسمّى دولة الإمارات العربية المتحدة (وفقًا لقيود النسب

(((4 انظر مثلً:

Harold Garfinkel, Studies in Ethnomethodology (New Jersey: Prentice–Hall, 1967); Don H. Zimmerman, «The Practicalities of Rule Use,» in: Jack D. Douglas (ed.), Understanding Everyday Life: Towards a Reconstruction of Sociological Knoweldge (Chicago: Aldine, 1970), pp. 221–238. (43) Boris Brorman Jensen, «Masdar City: A Critical Retrospection,» in: Steffen Wippel et al. (eds.), Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region (London: Ashgate, 2014), p. 49.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

المدرجة في «دفتر العائلة»)، صاروا يُعدّون مواطنين يتشاركون الثروة بموجب هذا الحق. ومن هذا

المبدأ الأساسي في «العقد الاجتماعي» القائم بين الحلقة الداخلية للمشيخة الحاكمة وبقية المواطنين، يأتي المال الازم لهذا الشراء الكثيف للسلع، ولا سيما المنازل والسيارات (جميعها مكيّفة). ويأتي

الزحف المديني المحموم بأغلبيته نتيجة هذين العنصرين المتازمين، والذي تبرزه التضاريس المنبسطة. ويتطلّب تشييد البنية التحتية لاستهاك وصيانتها عمل مكثفًا ومتواصلً وشاقًّا يؤديه

أجانب، بدل من طبقة عاملة من السكان الأصليين، ويؤدي غياب الديمقراطية وارتفاع مستويات الاستهاك إلى شكل بديل من الاستقرار السياسي والاجتماعي بين المستفيدين. يمكن القول أيضًا إن الاستهاك يتضمّن، بأشكال مختلفة تاريخيًا، استيراد مؤسسات ثقافية متميزة؛

كمتحف اللوفر، وجامعة السوربون، ومتحف غوغنهايم، وأكثر من دزينة من الجامعات الغربية المرموقة، بما في ذلك جامعة نيويورك، إضافة إلى الفنادق العالمية. فهذه المؤسسات جزء من الحلول الالتفافية التي تسمح بالتحديث، والعولمة، والممارسات المتساهلة في أمور الجنس والطعام والأموال والمشروبات الكحولية والعروض الفنية بين فئات معينة، وفي مناطق محددة. ويُعد الفصل في مناطق جغرافية خاصة من أهم أدوات التنظيم، ليتحول العديد من المناطق إلى ما

يشبه المناطق الحرة التي تعفي الشاحنين والتجار من الرسوم والضرائب الأخرى على البضائع، حيث يتاح للمستثنَيْن القيام بأنشطة مختلفة مثل البحث والتعليم على المستوى الغربي (ما يتيح درجة عالية

من الحرية الأكاديمية)، وباختاط اجتماعي سهل، ولا سيما بين الجنسين. كما تلبي مناطق الخدمات السياحية أذواقًا ومسرّات خاصة تؤدي في الواقع إلى نوع من «تقسيم أخاقي» مألوف تمامًا في

الغرب، كأحياء الأضواء الحمراء التي تعرف بمناطق البغاء. وبالمثل، يوجد في الخليج نمط مكاني معين يعكس محاولة التوفيق بين أهداف متناقضة. وتتشارك دول الخليج في ما أسماه هيرتوغ «البحث عن الأهمية»، حيث تستخدم النخب النفطية ثرواتها لشراء مستلزمات «المواطنة الصالحة» و«التقدمية» على المسرح الدولي. وتستقطب مشروعاتها الباهظة، المنفذة بمشاركة كثيفة من الشركاء الدوليين، جمهورًا أغلبه من الأجانب، بغض

النظر عن المكان الذي يأتي منه، والذي من المؤكد أنه يرغب في الحصول على اعتراف دولي بمعزل عن الطبقة النفطية الثرية. وقد كانت الحصيلة التراكمية لذلك، هي تكاثر المؤسسات النخبوية العالمية التي شكلت مجتمعات تدعمها أجهزة خاصة في الدولة، تمولها وتحميها أحيانًا من معارضة رجال الدين. وتُفصل لهذه المجتمعات طرق التمويل والحرية الجنسية وحرية اللباس والنظام الغذائي ومختلف الاحتياجات الأخرى، كما تقدّم لها هيئات محدّدة الرعاية والخدمة والدعم على نحو مستقل عن باقي أجهزة

(44) Fuccaro, Histories of City and State , p. 231. (45) Steffen Hertog, «A Quest for Significance: Gulf Oil ‘Monarchies’ International ‘Soft Power’ Strategies and Their Local Urban Dimensions,» in: Molotch & Ponzini.

ربيع   Spring 2019

الدولة البيروقراطية. وقد تدير هذه الوكالات «مدنها» الخاصة (هي في الواقع أقرب إلى المقاطعات

بحسب المصطلحات الغربية)، أو أشكال أخرى من «الجيوب» التي تعمل مستقلة عن كيانات مادية وتنظيمية أخرى. وعلى الرغم من أن لغة الإستراتيجيات التمدينية الخليجية وأفكارها مستعارة من المجتمع المدني العالمي أو من نماذج حوكمة من الخارج، فإنها ترتكز عمليًا على الاقتصاد السياسي المحلي لأنظمة

الخليج ولصيقة جدًا بأوضاعه. وفي الواقع، كما رددنا مرارًا، إن ديناميات التمدين الخليجي تشكل

تحديًا كبيرًا لهذه الأنماط السائدة. ومرة أخرى، يُبرِز تنامي الأدلة المعاصرة على أن نموذج المدينة

الخليجية، أو ما يشبهها، أو ما يشبهها ويختلف عنها في ذات الوقت كالصين، العيوبَ التي تشوب

النماذج التفسيرية الغربية بطريقة قد تصل إلى حد التعميم. كما يؤكد ضرورة فهم أنماط أخرى من التمدين واعتبارها مألوفة، بل عادية، فحيثما توجد «مشكات»، تتوافر حلول التفافية، ومن ثم تستطيع، على الأقل، معالجتها.

مدّ أفق المدينة من منظار الخليج

تعزّز دراسة الخليج فهمنا لكيفية بناء مدن ومجتمعات حضرية معاصرة ومستدامة. ويقدّم التطرف

والتميز في الخليج (المباني الشاهقة والتنافر السكاني والتعارض بين التقاليد وطموح العالمية)، دروسًا قابلة للتطبيق على كثير من الأماكن الأخرى. وتعلمنا المباني كيف يعمل الابتكار والاختراع

والإبداع، جنبًا إلى جنب مع التقليد الأعمى والمعاناة والخسائر البيئية. ويوفّر السياق المديني التقييدي

للخليج لمحة عن الأنظمة المعقدة للسلطة والشراكات والتعاقد من الباطن. وتصلح الهياكل المادية هنا، كما في أماكن أخرى (الهدية الثمينة لعلم الآثار) لأن تكون بقايا أدلة. وتتعارض ظروف الخليج مع ما يفترض أنه الأسس الاجتماعية والثقافية للتطوّر المتقدّم. وتكمن إحدى النتائج العملية لذلك في التعقيد الذي يواجه النية في «تنويع الاقتصاد» الذي هو الموضوع الأثير لدى حكام الخليج. أما السبب في ذلك، في رأينا، فيعود إلى تعارض الجيوب ومساحات الاستثناء في المدن، كما نستمرّ في الاعتقاد، مع الإمكانات التي قد يوفرها نمط التمدين

الخليجي، لأنَّ تلك الجيوب لا تعزّز أوجه التكامل النشط للمدينة. أما الإنجاز الراهن الذي قد يمتلك

ساقين تحمانه إلى المستقبل وإلى الفضاء، فيتوقف على التصميم والجرأة المستمدّين من العيش في

البيئة المحلية، والحاجة إلى الثقة بالنفس والتسامح، فصناعة المعرفة قد نشأت أصل من خال

(((4 إن الأسماء التي تعرف بها هذه «المدن» مثل المدينة الاقتصادية، والمدينة التعليمية، ومدينة الإنترنت، لا تشي بالضرورة بما

يدور داخلها. فمدينة دبي للإنترنت مثلً، تضم شركات عديدة لا تعمل في مجال الإنترنت، انظر:

Keshavarzian & Hazbun, p. 274.

ولمناقشة مستفيضة بشأن هذه المسألة، انظر:

Keller Easterling, Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space (New York: Verso Books, 2014). (47) Richard Florida, The Rise of the Creative Class: And How It’s Transforming Work, Leisure, and Everyday Life (New York: Basic Books, 2002).

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

مدخات غير متوقعة ومخرجات غير متوقعة أيضًا، وغير مقصودة غالبًا. إن غياب التسامح والانفتاح

يؤدي إلى تنظيم المدينة الخليجية بصفتها أرخبيلً مؤلفًا من الأحياء الخاصة، ولكن إذا كان هذا الأمر قد يساعد في تنفيذ مشروعات عماقة فردية فإنه لا يبشّر بالتعاون والتضافر. ويبقى الشعور بالمؤقت لدى أغلبية الناس في الخليج غير مفيد هو الآخر، فهو يضعف حب المعرفة، ولا سيما بين الجماعات والمهن والمؤسسات. كما يتشارك الوافدون الأندية والمطاعم وماعب

الغولف ومراكز التسوق والمنتجعات البحرية ومدارس الأطفال، وتوفر مدن الخليج أيضًا ماذ ا للمهنيين القادمين من مناطق أخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك مناطق يفتقرون فيها إلى فرص تتيح لهم التطور المهني والعيش باستقرار وأمان. ويتخالط الوافدون من أوروبا وأميركا الشمالية في ما بينهم، وتنعم جالياتها بغنى خاص، نظرًا إلى تنوّعها الداخلي. ويمكن تسمية تلك الجاليات

ب «المجتمعات التكافلية»، لأنها تشك ل موردًا بالتأكيد، ولكنه مورد عارض ومؤقت، إذ لا يوجد ما

يكفي من الدعم أو التعبئة من رأس المال الثقافي والاجتماعي الثابت، لأن المكان هش، وغير متماسك. ولا يفي استيراد الأشياء «جاهزة» بالغرض، أكانت تكنولوجيا أو قوى عاملة أو تصميم مبنى. واعتمادًا

على دروس البيئة العمرانية، نعلم أن الرموز تستمد قوتها من النسخة الأصلية الأولى ثم تفقدها بعد ذلك، بحكم تعريفها، وبصفتها استنساخًا. فمعبد البارثينون المتربع على قمة جبل الأكروبولس اليوناني ليس هو النسخة التي تكرّرت في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي الأميركية، كما أن نقل جسر

لندن إلى مدينة ليك هافاسو سيتي في ولاية أريزونا الأميركية حماقة لا معنى لها. وللمفارقة، فإن النسختين المقلدتين لبرج إيفل، وهو أكثر نصب تذكاري يقصده الزائرون على وجه الأرض، لم

تُشكّا معلمًا فارقًا في مدينة باريس في ولاية تكساس الأميركية أو في فندق باريس في لاس فيغاس.

إذ لا يحقّق الحصول على امتياز في تقليد المنتجات، أو في التجارة، العائد الأصلي نفسه. يمتلك الخليج «كل شيء»، من كارتييه إلى ستاربكس، لكنه لا يملك ما يعادل النسخة الأصلية. لم يقدم نمط التمدين الخليجي أي سابقة من السوابق المهمة في مجال الابتكار الذاتي حتى في مجالات التكنولوجيا التي لا تعتبر قضايا الرقابة والإقصاء الاجتماعي عائقًا بارزًا فيها. صحيح أن مدينة «مصدر» تسجل براءات اختراع عدة كل عام، لكن الجامعات الأميركية المعروفة تتقدم

بطلبات تسجيل المئات منها سنويًا. ويندرج تحت العامة التجارية «مصدر» تشييد مبان سكنية ومرافق

تسوّق ونموذج أولي أنيق لمنزل عائلي متطور بيئيًا (إيكو فيا)، يعتبرها النقاد مجرّد «غسيل أخضر»

Greenwashing. وقد يكون الابتكار الحقيقي على الطريق، لكن في الوقت نفسه ما نزال لا نمتلك في الواقع سوى وجه آخر للقدرة على بناء العقارات وتسويقها.

(48) Edward Malecki, «Creating and Sustaining Competitiveness: Local Knowledge and Economic Geography,» in: John R. Bryson et al. (eds.), Knowledge, Space, Economy (London: Routledge, 2000), pp. 103–119.

(((4 آلاء عبد الغني، «يقوم بدور بارز في النهوض بالابتكار: ‘مصدر’ يسجل براءات اختراع ويتقدم بأكثر من 42 طلبًا جديدًا»،

الخليج الاقتصادي، 2014/12/21، شوهد في 2019/4/15، في:  https://bit.ly/2GvCaHw

ربيع   Spring 2019

إن كثيرًا من المهنيين في مدن الخليج عمال مأجورون، ولا تربطهم عاقة بأي روح محلية، ويتقاضون

أجرًا على الاستشارات وتنفيذ المشروعات، وهم مضطرون إلى تنفيذها بطريقة غير أصيلة. ومن

جانبها، لا تعمّم الإدارة العامة عادة المعلومات المعقدة والدروس المستفادة على الأماكن

والمشروعات المماثلة. ويجري تفريغ نصوص السياسات المبسطة والمصطلحات الشائعة؛ «مستوى عالمي»، و«مستدام»، و«ذكي»، و«مذهل»، من معناها. وتتنافس مدن الخليج في ما بينها بشأن هذه «الادعاءات»، بيد أنها، كما نظن، لا تشارك سوى في تبادل محدود للدروس. وتبقى السرعة هي الجوهر، وتحقيقها في حد ذاته مصدر اعتزاز. وعلى الرغم من إنجاز الكثير من الأعمال، ليس هناك ما يحثّ على التفكير في مشكات المبالغة في البناء أو تعارضه مع الاستخدامات الحالية أو المشروعات الأخرى التي تُنفذ في الوقت نفسه. فوتيرة المشروعات تسبق القدرة المؤسسية على إدارتها، كما لا تجد المعرفة متسعًا من الوقت كي تترسخ، فضل عن تكوين

ثقافة تخطيط محلية متجذرة في المشاركة في الحياة المدنية، ومن دون وجود مشاركة سياسية، أو تبادل المعارف بين المقيمين. فكل ابتكار، مهما بلغت جرأته، يرتكز على طبقات سابقة، معقّدة ومائمة تمامًا لظروفها، بما في ذلك التجارب الجيدة والسيئة السابقة. وسواء أكان الابتكار مبنى أو

لوحة أو مصيدة فئران، فإن الخلفية الخفية وحدها توفّر التماسك المنتج. يعاني الخليج نوعًا من العجز المستعصي؛ نقصًا في العناصر التراكمية وهي، للمفارقة، الشرط الذي

يهيئ شروط الابتكار. ولأن الجهات الفاعلة في الخليج تعتمد دائمًا على شيء سابق، وعادةً ما يكون

من مكان آخر، فإنها تبقى متأخرة، ولو قليل. ومن ثم، ليست هذه المناطق «حبيسة الماضي»، كما تصورها النظرة النمطية الفجة، بل على العكس تمامًا. إنها عالقة أكثر في الحاضر؛ شبه منغلقة ضمنه.

وليس كل ما في الحاضر جميلً.

References

المراجع

Abu–Lughod, Janet L. «The Islamic City–Historic Myth, Islamic Essence, and Contemporary Relevance.» International Journal of Middle East Studies. vol. 19, no. 2 (May 1987). Al Fahim, Mohammed. From Rags to Riches: A Story of Abu Dhabi. Abu Dhabi: Makarem 1998.

(((5 لاطاع على ملخص حكومي يفخر بالإنجازات، انظر ديوان ولي العهد لعام:2011

Crown Prince Court, United Arab Emirates: 40 Years of Progress Retrospective Analysis of Key Indicators (Abu Dhabi: Mimeo, 2011), accessed on 15/4/2019, at: https://bit.ly/2jBku1w

(((5 لاطاع على وصف ثاقب بشأن عدم استرشاد جميع المشروعات العماقة في أبوظبي في العشرية الأولى من هذا القرن بخطة شاملة لتنظيم المدينة أو بقوانين استخدام الأراضي، انظر:

Kais Samarrai, «The Evolution of Abu Dhabi’s City Urbanization and the Sustainability Challenge,» in: Mohammad Al–Asad & Rahul Mehrotra (eds.), Shaping Cities: Emerging Models of Planning Practice (Berlin: Hatje Cantz, 2016), pp. 98–118.

لحبات الاختب ار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن المستحد: التوسع المديني الخليجي الجديد

Al–Asad, Mohammad & Rahul Mehrotra (eds.). Shaping Cities: Emerging Models of Planning Practice. Berlin: Hatje Cantz, 2016. Alonso, William. Location and Land Use: Toward a General Theory of Land Rent. Massachusetts: Harvard University Press, 1964. Al–Suwaidi, Jamal S. (ed.). Iran and the Gulf: A Search for Stability. Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 1996. Beauregard, Robert A. «City of Superlatives,» City & Community. vol 2, no. 3 (September 2003). Berry, Brian J. L. & Allen Pred. Central Place Studies: A Bibliography of Theory and Applications. Philadelphia: Regional Science Research Institute, 1961. Braudel, Fernand. The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II. Berkeley, CA: University of California Press, 1995 [1949 French edition]. Bryson, John R. et al. (eds.). Knowledge, Space, Economy. London: Routledge, 2000. Castells, Manuel. The Information Age: Economy, Society, and Culture: The Rise of the Network Society. vol. 1. Oxford: Blackwell, 1996. Cohen, Mordechai Z. & Adele Berlin (eds.). Interpreting Scriptures in Judaism, Christianity and Islam: Overlapping Inquiries. Cambridge: Cambridge University Press, 2016. Cook, M. A. (ed.). Studies in the Economic History of Middle East. London: Oxford University Press, 1970. Côté–Roy, Laurence & Sarah Moser. (in press). «‘Does Africa not deserve shiny new cities?’ The power of seductive rhetoric around new cities in Africa.» Urban Studies. Ahead of print. Court, Crown Prince. United Arab Emirates: 40 Years of Progress Retrospective Analysis of Key Indicators. Abu Dhabi: Mimeo, 2011. at: https://bit.ly/2jBku1w Douglas, D. (ed.). Understanding Everyday Life: Towards a Reconstruction of Sociological Knoweldge. Chicago: Aldine, 1970. Easterling, Keller. Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space. New York: Verso Books, 2014. Florida, Richard. The Rise of the Creative Class: And How It’s Transforming Work, Leisure, and Everyday Life. New York: Basic Books, 2002. Fuccaro, Nelida. «Visions of the City: Urban Studies on the Gulf.» Middle East Studies Association. vol. 35, no. 2 (Winter 2001). Fuccaro, Nelida. Histories of City and State in the Persian Gulf: Manama since 1800. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Garfinkel, Harold. Studies in Ethnomethodology. New Jersey: Prentice–Hall, 1967. Hannerz, Ulf. Transnational Connections: Culture, People, Places. London; New York: Routledge, 1996. Jacobs, Jane. The Economy of Cities. New York: Vintage Books, 1969.

ربيع   Spring 2019

Kanna, Ahmed. Dubai: The City as Corporation. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2011. Katodrytis, George & Sharmeen Syed (eds.). Gulf Cities as Interfaces. Cambridge: Gulf Research Center, 2016. Keshavarzian, Arang & Waleed Hazbun. «Re–Mapping Transnational Connections in the Middle East.» Geopolitics. vol. 15, no. 2 (May 2010). Lindblom, Charles Edward. The Intelligence of Democracy: Decision Making through Mutual Adjustment. New York: Free Press, 1965. Logan, John & Harvey Molotch. Urban Fortunes: The Political Economy of Place. Berkeley: University of California Press, 1987. Molotch, Harvey & Davide Ponzini (eds.). The New Arab Urban: Gulf Cities of Wealth, Ambition, and Distress. New York: New York University Press, 2019. O’Brien, John. Keeping It Halal: The Everyday Lives of Muslim American Teenage Boys. New Jersey; Oxford: Princeton University Press, 2017. Piore, Michael J. & Charles F. Sabel. The Second Industrial Divide: Possibilities for Prosperity. New York: Basic Books, 1984. Ponzini, Davide. «Large Scale Development Projects and Star Architecture in the Absence of Democratic Politics: The Case of Abu Dhabi, UAE.» Cities. vol. 28, no. 3 (June 2011). Putnam, Robert D., Robert Leonardi & Raffaella Y. Nanetti. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. New Jersey: Princeton University Press, 1994. Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon, 1978. Saxenian, AnnaLee. Regional Advantage: Culture and Competition in Silicon Valley and Route 128. Massachusetts: Harvard University Press, 1996. Sick, Gary G. & Lawrence G. Potter (eds.). The Persian Gulf at the Millennium: Essays in Politics, Economy, Security and Religion. New York: St. Martin’s Press, 1997. Stierli, Martino. Las Vegas in the Rearview Mirror: The City in Theory, Photography and Film. Los Angeles: Getty Research Institute, 2013. Thiollet, Hélène & Leïla Vignal. «Transnationalising the Arabian Peninsula: Local, Regional and Global Dynamics.» Arabian Humanities. no. 7 (2016). Venturi, Robert, Denise Scott Brown & Steven Izenour. Learning from Las Vegas. Massachusetts: MIT Press, 1972. Wippel, Steffen et al. (eds.). Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region. London: Ashgate, 2014.