مال وأسواق وأنظمة ملكية: مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاقتصاد السياسي للشرق الأوسط المعاصر
Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East
الملخّص
عنوان الكتاب الأصلي: Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. المؤلف: آدم هنية. الناشر: مطابع جامعة كمبريدج. مكان النشر: كمبريدج. تاريخ النشر: 2018. عدد الصفحات: 314 صفحة.
Abstract
Book Title: Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East . Author: Adam Hanieh. Publisher: Cambridge University Press. Date of Publication: 2018.
- الاقتصاد السياسي
- أنظمة ملكية
- مجلس التعاون لدول الخليج العربية
- Political Economy
- Monarchies
- The Gulf Cooperation Council
عنوان الكتاب الأصلي:
المؤلف: آدم هنية. الناشر: مطابع جامعة كمبريدج. مكان النشر: كمبريدج. تاريخ النشر: عدد الصفحات 314 صفحة.
يقتفي آدم هنية في هذا الكتاب مؤشرات النفوذ المتنامي للدول الست لمجلس التعاون لدول الخليج العربية طوال العقدين الماضيين، وتأثيرها في تشكيل الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط الكبير. ويتعمّق في دراسة أدوار تكتات الشركات العماقة Conglomerates، ودورة السلع الزراعية، والبيئة المادية المبنية، والقطاع المالي في دول مجلس التعاون. ويسعى بذلك لتقديم مساهمتين في المعرفة العلمية الحالية لدول المجلس، في موضوع لم يُوفَ حقه بعد: إثبات أن «خروج الفوائض المالية لدول المجلس يشكّل عنصرًا أساسيًا لفهم الشكل الملموس لاقتصاد العالمي المعاصر.» إدراج الشرق الأوسط الكبير ضمن تحليل الاقتصاد السياسي لدول المجلس، بصفته وسيلة لإظهار مدى ارتباط الاثنين أحدهما بالآخر (ص. 23) ينجح هنية في إثبات كلتا النقطتين، فهو يساهم بذلك في الأدبيات التي تتناول تدويل رأس المال (ص. 26)؛ إذ يشرح بطريقة مفيدة كيف أن تراكم ما يسميه رأس مال (خليجيًا) مرتبط بساحات أخرى لتراكم رأس المال، وكيف تشكّل العاقات المكانية رأسَ المال في دول المجلس وتصوغ الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط الكبير (ص. 48)–47 عرض هنية في الفصل الأول سياق تشكُّل الفوائض المالية لدول المجلس، موضّحًا أن أهمية تصدير النفط والغاز حظيت باهتمام كبير، في حين نالت عملية إعادة تدوير تلك الأموال في الاقتصاد العالمي اهتمامًا أقل؛ ما دفعه للتركيز عليها (ص. 58). ويصف السوق العالمية التي تذهب إليها تلك الفوائض بأنها خاضعة لهيمنة المؤسسات والأسواق المالية الأميركية وهيمنة الدولار الأميركي، ويشير إلى الدور المتنامي لأسواق شرق آسيا، على الرغم من الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة الأميركية، لافتًا إلى تعزز المنافسة في كسب الأسواق المختلفة، وفي النفوذ الاقتصادي العالمي منذ الانهيار الاقتصادي في عامي 2008 و 2009. وفي الفصل الثاني، يحدّد هنية موقع مجلس التعاون في هذه السوق عبر ثاثة مسارات للتدفّقات المباشرة نحو الخارج: الدين الأميركي وأسواق رأس المال الأميركي، والنظام المصرفي الدولي وخاصةً المصارف التي مقرّها في لندن، والاستثمار الخارجي المباشر (ص. 61) يستكشف هنية بعد ذلك طرق تأثير استهاك دول المجلس في الأسواق العالمية بوسائل غير مباشرة. ويشير إلى أن «معدل نمو حصة دول مجلس التعاون في السوق العالمية جاء في المرتبة الثانية بعد الهند التي تتجاوزها الآن بغض النظر عن المتغيرات الأخرى». وهو يلفت إلى أن التدفقات المباشرة لفوائض دول المجلس نحو الخارج لا تزال تدعم بالتأكيد الموقف الأميركي في الأسواق الدولية (ص. 99)، على الرغم من أنه يشير أيضًا إلى التراجع النسبي لحصص الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في السوق العالمية (ص. 89). ويضيف أن دول المجلس تتميز، بصفة خاصة، بتعاظم دورها المرن في الطلب على الاستهاك العالمي (ص. 100) يغطي هنية في نقاشه لسوق دول مجلس التعاون موضوعًا جذابًا، ولكنه لم يلقَ اهتمامًا لدى الباحثين، وهو موضوع تكتات الشركات العماقة العاملة في الخليج، مع تركيز على ثاثة
قطاعات رئيسة يتراكم فيها رأس المال في هذه الدول: قطاع الصناعة، وقطاع البيئة المادية المبنية الذي يشمل كلًّ من البناء والتعهّدات، والمشروعات العقارية، والاتّصالات، والسلع الاستهاكية، إضافةً إلى قطاع الأسواق المالية (ص. 111). ويشير إلى نقطة مهمة مفادها أن في دول المجلس، خافًا لأي مكان آخر في الشرق الأوسط، «تتشابك صناديق الاستثمار الحكومية تشابكًا وثيقًا مع شركات دولية في جميع هذه الشركات. وهي تتآزر معًا لتعزيز موقع رأس المال في دول المجلس على مدار دورة رأس المال بأكملها» (ص. 111). وفي هذا السياق، يبرز هنية أيضًا العاقة التكافلية الناتجة من هذا التشابك بين الدولة وشركات الأعمال. وفي ما يلي سردٌ لما أراه أهم الأفكار الواردة في الكتاب: «بدل من اعتبار الدولة طرفًا منافسًا أو عائقًا أمام تراكم رأس المال الخاص و‘الأسواق الحرة’ – وهي وجهة نظر وردت في مقاربات كثيرة لدول مجلس التعاون (ودول الشرق الأوسط) وفق منظور فيبر و‘الدولة الريعية’ – علينا النظر إليها بصفتها شكلً مؤسسيًا يعبّر عن سلطة الطبقة الرأسمالية نفسها، ويعكس مصالحها، ويتوسّط بينها (يجب أن ندرك أنها طبقة تشمل الأسر الحاكمة؛ لكنها لا تقتصر عليها). والدولة الخليجية – كما في جميع المجتمعات الرأسمالية – هي دولة طبقية، وليست مؤسسة محايدة أو طفيلية مقطوعة عن العاقات الاجتماعية للإنتاج والتراكم أو دولة ‘تنافس’ القطاع الخاص» (ص. 115)–114 غير أن الصفة الطبقية للدولة في الخليج لا تعني أن المنافسة غير موجودة بين مصالح الشركات المختلفة، أو سلطات الدولة، أو أعضاء الأسر الحاكمة. والحقيقة كما عبر عنها هنية، هي أن شبكة العاقات مُهمة بسبب العاقة الداخلية بين الطبقة والدولة في الخليج (ص. 115)، كما أن التحالفات السياسية يمكن أن تؤدي إلى نجاح شركات الأعمال، مثلما تؤدي الحسابات الخاطئة إلى عواقب مالية (ص. 115) أما من ناحية مواقع تراكم رأس المال، فيحدّد هنية مجالين عريضين: النشاطات الصناعية، وتشمل البتروكيماويات والألمنيوم والفولاذ والإسمنت، ومجال البيئة العمرانية، ويشمل مشروعات البناء الكبيرة ومشروعات التطوير العقاري والاتصالات (تسع شركات اتصالات تشغل جميع شبكات الهاتف النقال والإنترنت في دول مجلس التعاون، وتملكها الدولة كلّها)، وتجارة التجزئة وتوزيع السلع، والخدمات المصرفية والمالية (ص. 164). وقد شهد الشرق الأوسط الكبير توسعًا دوليًا كبيرًا في كا المجالين والصناعات المرتبطة بهما. ويشير هنية إلى أن تكتّات الشركات العماقة المتنوّعة، الخاضعة غالبًا لسيطرة عائات بارزة، تعمل في عدد من القطاعات. ويورد في الفصل الثالث قائمة بأسماء كبرى هذه الشركات في دول مجلس التعاون وفي كل قطاع تجاري تناوله؛ ما يمثّل مصدرًا لا يقدّر بثمن. ويصنّف هنية أيضًا نفوذها النسبي داخل بلدان مجلس التعاون من ناحية الحجم، والحصة في السوق، ويعتبر شركات سعودية وإماراتية في طليعتها، يليها شركات كويتية وقطرية، ثم شركات عمانية وبحرينية (ص. 179) يشدّد هنية طوال نقاشه للمجالات المتعدّدة لقطاع الأعمال المتعولم في دول مجلس التعاون على حقيقة أن كثرة مشروعات التطوير العقاري،
خصوصًا تلك التي تملكها الدولة للدولة، لا تعني إقصاء رأس المال الخاص، بل تعني، كما يشير، أن «هذه الهيئات التي تملكها الدولة تشك ل حلقة حيوية تربط بين إنفاق الدولة للرأسمال الفائض على البيئة العمرانية وإمكانات التراكم المتاحة للطبقة الرأسمالية في الخليج. وذلك لا يتم من خال عقود البناء فحسب، بل إن تكتات الشركات الخليجية الخاصة العماقة مرتبطة بنيويًا بشركات التطوير هذه عبر المشروعات المشتركة، وعبر ملكية الأسهم (في حالة المطوّرين المدرجين في قائمة الأسواق المالية الإقليمية)، وأحيانًا عبر مواقع في الإدارة» (ص. 142). لذلك فهو يرى أن وجود الشركات التي تملكها الدولة في مختلف قطاعات دول مجلس التعاون أمر ضروري لتوفير رأس المال الخاص فيها، ومن خاله يجري تسهيل توسّع التمويل الخاص؛ ليشمل كامل أنحاء الشرق الأوسط (ص. 143). إذ ا، توجد عاقة تكافلية بين رأس المال الحكومي والخاص، إذ تستضيف الشركات الخاصة غالبًا شخصيات عامة مهمة في مجالس إدارتها، وغالبًا ما تضم مجالس إدارة الشركات التي تملكها الدولة شخصيات من قطاع الأعمال؛ لذلك يبدو الفصل بين هذين النوعين من رأس المال مصطنعًا إلى حد بعيد (ص. 180) يغطي الفصل الرابع من كتاب هنية قطاع دوائر تسويق السلع الزراعية في الخليج، وهو موضوع قلّما أخذ حقه في الدراسة عمومًا، ويبحث بعمق خاص الميل الخليجي نحو التدويل لتحقيق الأمن الغذائي؛ وهو المسعى الذي تصدّرته المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وفي هذا السياق، يناقش المؤلف السعي الخليجي «لاستحواذ على الأراضي» الجاري في الخارج، ولا سيما في أفريقيا؛ حيث نجحت دول مجلس التعاون في التفاوض على بيئات أعمال مائمة (ص. 200)، ويلفت هنية أيضًا إلى أنه جرى إعادة رسم دوائر تسويق السلع الزراعية في بلدان الشرق الأوسط (ص. 212) ويشرح المؤلف كيف سعت دول مجلس التعاون ل «إعادة تركيز تداول الغذاء في الشرق الأوسط، وفق أنماط التراكم في الخليج» (ص. 213)، ويُثبِت نجاحها على هذا الصعيد عن طريق تحليله لبيانات واسعة توضح «الارتباط المتنامي لأنواع وأحجام السلع الزراعية التي تجري زراعتها ومعالجتها وتصديرها، والاستهاك والطلب في دول المجلس» (ص. 215). والواقع أن هناك نسبة متزايدة من سلع غذائية معيّنة تستوردها دول مجلس التعاون، إما لاستهاك المحلي، وإما يعاد تصديرها إلى بلدان الشرق الأوسط الكبير؛ ما يجعل مجلس التعاون مركزيًا في السوق الإقليمية للسلع الزراعية (ص. 217) ويشرح هنية بتفصيل خاص الحالة المصرية، مثبتًا أن استخدام رأس المال الخليجي ربط جوهريًا تراكم رأس المال المصري في هذا الميدان ربطًا متزايدًا بالأنماط الخليجية (ص 232–231). وباختصار «إن تدويل رأس المال الخليجي يعيد تحديد حجم الزراعة التجارية في مصر، ويدمجه بقوة ضمن ديناميّات تراكمٍ تعود لنظام إقليمي، محوره دول الخليج، وبالتالي يغير طرق تشغيل الشركات الزراعية» (ص. 232)، ونتيجةً لذلك فإن بلدان مجلس التعاون، في تقدير هنية، أكثر دول الشرق الأوسط أمنًا من حيث توفير الغذاء (ص. 234) يركز الفصل الخامس على دور رأس المال الخليجي في البيئة العمرانية لبلدان الشرق الأوسط الكبير. ويؤكد هنية، في سياق مشابه
لفصول أخرى، أن «مسارات التنمية وإيقاعها وأشكالها ضمن التوسّع الحضري في المدن العربية تتداخل أكثر فأكثر مع ديناميات تراكم مستمدّة من مجلس التعاون الخليجي. أو بعبارة أخرى، يصبح منطق مقاييس مجلس التعاون بشكل متزايد جزءًا داخليًا من نطاق الامتداد الحضري للمنطقة ككل. ويرتبط هذا التشابك ارتباطًا وثيقًا بتدويل رأس المال الخليجي الفائض في البيئة المادية المبنية لدول عربية أخرى» (ص. 246). ويتناول هنية في هذا الموضوع نقطتين نظريتين مهمّتين: تتطلب عملية الاستبطان هذه تغييرًا تنظيميًا لتخفيف العوائق أمام الاستثمار في هذا القطاع. تُحدث التدفقات الرأسمالية المتشعبة تغييرًا جوهريًا في البنى الطبقية في العالم العربي عمومًا، حيث تربط الرأسماليين الخليجيين برؤساء أموال البلدان الأخرى في المنطقة (ص. 247)–246 وفي مجال التطوير العقاري المربح جدًا في الخليج، يؤكد هنية أهمية كون رأس المال مطلوبًا في هذا القطاع أكثر من غيره؛ لأن البيئة المادية المبنية لا يمكن نقلها من مكانها، كما يحدث مثلً في قطاعَي الاتصالات والمشروعات الزراعية، ولذلك استُثمر في هذه السوق بقوة بما يتماشى مع تدفقات رأس المال العابر للحدود (ص. 251). ونتيجة لذلك «فإن عملية تبنِّي سياسة إسكان وبناء عقاري تحكمها آلية السوق هي التي صاغت النموذج المهيمن للتطوير العقاري في مدن المنطقة، كالمشروعات الضخمة، والأبنية البرجية السكنية والتجارية الراقية، والمجمّعات السكنية المسيّجة، والمجمّعات التجارية الضخمة، مستهدِفة الطبقات الأكثر ثراء في المجتمع (وما يرتبط بذلك من تحوّل في أولويات البنى التحتية لهذه المشروعات)» (ص. 253) والافت للنظر أن هنية يكشف عن نحو 40 في المئة من إجمالي المشروعات العقارية الكبيرة في ست دول عربية (الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس) تملكها أو تبنيها شركاتٌ مقرها دول مجلس التعاون، وتبلغ قيمة هذه المشروعات أكثر من نصف القيمة الإجمالية لسوق المشروعات (ص. 256). وذكر هنية أن هذه المشروعات تؤثر في نطاق الامتداد الحضري لهذه الدول، وتنعكس على بناها التحتية (ص. 265). كذلك «إن السياسات العمرانية التي تحكمها آلية السوق والتي توالت في كامل أنحاء المنطقة طوال سنوات العقد الأول من القرن الحالي، كانت تفترض ضمنًا تحققها عبر تدويل رأس المال في دول الخليج، لقد كان ذلك عملً متعدّد المقاييس من تحول رأس المال، أتاح عملية تسليع البيئة المادية المبنية العربية وعزّزها، سعيًا للتغلب على الجمود المكاني المزمن لهذا القطاع» (ص. 279) من ناحية أخرى، ينوه الكاتب في إشارة عابرة إلى أن الخليج موقعٌ لتراكم رأس المال غير الخليجي. ويملك رأسماليون عرب رأس المال الخليجي، وهذا يدخلهم في تشكيات هذه الطبقة في دول مجلس التعاون (ص. 264). وربما كان مفيدًا هنا لو ناقش هنية دور التحويات المالية من الموظفين العرب العاملين في الخليج في تدويل بناه الطبقية. يحلّل الفصل السادس أثر رأس المال الخليجي في تعزيز دور المؤسسات والأسواق المالية في اقتصادات الشرق الأوسط، وهو أمر لا يمكن
إنكاره. وتكمن الحقيقة في «أن الأسواق المالية سهّلت تمرير عائدات البترودولار من الدولة إلى الطبقة الرأسمالية، ما سمح لتكتات الشركات العماقة في الخليج باستخدام فوائض أكبر من رأس المال، وبالتالي تمويل مزيد من التوسع على المستويين المحلي والدولي» (ص. 289) إضافةً إلى ذلك، أثر تطور الأسواق المالية، التي شهدت توسعًا كبيرًا في سنوات العقد الماضي، في كيفية تطور البنى الطبقية أيضًا (ص. 289) ويبين الباحث أن ربحية المصارف في العالم العربي «مقارنة بحجم رأس مالها أعلى بكثير من الشركات غير المالية. ولهذا، تُظهر هذه المؤشرات القياسية حصول نمو مؤكد في حجم القطاع المالي ووزنه في مختلف أنحاء العالم العربي» (ص. 299). يشير هنية أيضًا إلى أن الأسواق المالية تقود إستراتيجيات الأعمال حتى للمؤسسات ذات الطابع غير التجاري، ولذلك فهي تحظى بأهمية حاسمة، ولا سيما بعد التدويل الكبير الذي شهدته طوال العقد الماضي (ص. 301). وفي الواقع، تهيمن المصارف المرتبطة بدول مجلس التعاون على المنظومات المصرفية التي لا تملكها الدولة في مصر والأردن ولبنان وفلسطين وسورية، وتمتلك أكثر من نصف أصول هذه المصارف، و 86 في المئة في الأردن (ص. 308) يرصد هنية عملية تدويل متزايدة في مواجهة الأزمات الإقليمية تجري بطريقتين: إنشاء شركات في الخارج تابعة لشركات خليجية، وهو النموذج الشائع في القطاعات غير المالية، وأيضًا استثمارات خليجية في مصارف عربية موجودة أصلً (ص 311–310). ويخلص إلى القول: «يدلل تحليل التوجهات في قطاعات أخرى، أن المسارات المستقبلية لهؤلاء الرأسماليين العرب غير الخليجيين تتوقف أكثر فأكثر على العاقات التي تربطهم بمنطقة الخليج. وباختصار، ليست الدوائر المالية لمجلس التعاون خارجية بالمقياس الوطني لدول عربية أخرى، بل يتعين النظر إليها على أن لها ارتباطًا داخليًا بعمليات تكوين الطبقات والدول في المنطقة بأكملها» (ص
يدرس هنية في الفصل السابع نشوء ما يدعوه «الحالة الطبيعية» الجديدة في الخليج، ولا سيما من خال دراسة الرؤى الاقتصادية الطموحة. وعلى الرغم من أن رؤية كل بلد تُطرح بصفتها حلً تكنوقراطيًا لمشكلة استمرار انخفاض أسعار النفط بعد عام 2014، فإن هنية يشير بقوّة إلى أن كل رؤية هي في الواقع «محاولة تقودها الدولة لاستفادة من هذه الأزمة الظرفية وسيلة لتحويل الشروط العامة لتراكم رأس المال وتعميقها» (ص. 330). ويورد في النقاش آراء الماركسيين الذين أرّخوا لاستفادة الدول الرأسمالية من الأزمات لفرض تغييرات كان من المستحيل تحقيقها لولا الأزمات، والتي وسّعت السوق فأوصلتها إلى قطاعات كانت لولاها خاضعة لهيمنة الدولة (ص. 330). وأشار إلى تقبل دعم السكان المحليين استيراد نموذج من التاتشرية إلى البيئات الخليجية، مع تركيز كبير على الخصخصة. وأظهر هنية حقيقة أن أغلبية عمليات الخصخصة الناجحة منذ عام 2015 كانت من نصيب شركات خليجية تربطها صات قوية بالدولة والأسر الحاكمة. نتيجة لذلك، «يبدو أننا نشهد تمايزًا متزايدًا داخل الطبقة الرأسمالية؛ هيمنة متنامية للشركات الخليجية الكبرى متزامنة وانخفاضًا في رؤوس الأموال الأصغر. وبهذا المعنى، تقدّم معالجة دول الخليج للكساد الاقتصادي مؤشرًا قويًا عن المصالح الطبقية التي
تستند إليها باستمرار عملية صنع السياسات في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية» (ص. 332) يستشهد هنية في نقاشه للرؤى المستقبلية بأهداف تقليص الإنفاق الحكومي، وإيجاد مصادر دخل جديدة، مثلً، عبر خفض التكاليف في المشروعات الكبيرة، وخفض الإنفاق على التوظيف في الحكومة، وفرض الضرائب والرسوم (ص. 357). ورأى أيضًا في اعتقال رجال الأعمال السعوديين في فندق ريتز كارلتون، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 «محاولة أخرى لجمع أموال من الطبقات الرأسمالية السعودية [....] أشبه ب ‘ضرائب قسرية’ في بلد لا توجد فيه ضرائب على الشركات» (ص. 370) يرى هنية محقًا أن الوقت الحالي هو بمنزلة فترة تغيير بالنسبة إلى الاقتصاد السياسي في الخليج، ما قد يغير العاقات بين الدولة والطبقة عن طريق تغيير طرق تراكم رأس المال (ص. 376). ثم يَخْلُص إلى أن «التحولات الإستراتيجية الجارية حاليًا في بلدان مجلس التعاون، تعبّر أبلغ تعبير عن ‘رؤى رأس المال’« (ص. 376). ويلفت الكاتب إلى أن المواطنين الأشد فقرًا، إضافة إلى عدد كبير من العمال المهاجرين في مجلس التعاون، يتعرّضون لمزيد من التهميش في لحظة التغيير هذه (ص. 377) يتطرق الفصل الختامي المختصر قليلإلى النقاط الرئيسة المستفادة من الكتاب، والتي لها تأثيرات مهمة في الأكاديميين وصناع القرار. وفيه أكد هنية بطريقة نقدية مرة أخرى إلى أي درجة بات الشرق الأوسط «مرتهنًا بحركة المد والجزر التي تعصف بالتراكم في الخليج، لافتًا إلى ارتباط طبيعة تشكّل الطبقة والدولة العربيتين بمتطلّبات أكبر تكتّات الشركات العماقة في دول الخليج من ناحية، وبمكائد السلطات السياسية الخليجية من ناحية أخرى»، مدلل على أن الأزمات الحالية في المنطقة عزّزت توسيع نطاق عملية تدويل رأس المال الخليجي التي كانت جارية أصلً (ص. 391). كما يشرح: «لأن هذه اللحظة بالذات تشهد حالة من التقلّب الشديد وعدم اليقين، تبرز جميع التناقضات على المستوى الإقليمي بعمق، مع تفاقم حدّة التوترات الناشئة داخل مجلس التعاون نفسه، وبين دول المجلس والقوى الإقليمية والدولية الأخرى المنافسة على النفوذ» (ص. 392) أخيرًا، يناقش هنية باختصار التطورات الأخيرة مثل أزمة مجلس التعاون، وإحياء العاقات مع إسرائيل، وبروز الدور الإنساني لدول المجلس في أنحاء الشرق الأوسط. وينهي الكتاب بماحظة متشائمة أن «الدور الخليجي في صنع المنطقة ساهم في تعميق حدّة الاستقطاب على جميع المستويات، أي بين دول المجلس وبين بقية دول الشرق الأوسط، وداخل مجلس التعاون نفسه، وداخل حدود كل بلد على حدة» (ص
إجمالً، الكتاب مكثّف جدًا؛ إذ يحتوي على قدر كبير من المعلومات الإحصائية والنوعية المفيدة، لذلك يُنصح بقراءته كل من يهتم بالاقتصاد السياسي للشرق الأوسط.