الميكرو- ماكرو: في إلزامية تبيان آليات الانتقال
Macro–Micro: on the Necessity of Explaining Mechanisms of Transition between the Micro and the Macro
الملخّص
تحاول هذه الدراسة إثبات أن التفسير في العلوم الاجتماعية للظاهرة أو الفعل أو التفاعل، باستعمال فرضيات ومعطيات تنتمي إلى مستوى مختلف عن مستوى الإشكالية المعنية، رهينٌ بمدى صياغة جسور العبور بين هذه المستويات، وإلا ضعُف التفسير أو غلبت عليه الانطباعية. وتتطرق الدراسة بدايةً إلى التعاريف ومقاييسها بغية الفصل بين مكونات الاجتماعي، ثم تطرح سؤال إلزامية الانتقال. وللإجابة عن هذا السؤال تم الاعتماد على فرضيتَين هما: فرضية الانبثاق، وفرضية "صراع الآلهة". أخيرًا، تعرض الدراسة بعض نماذج العبور، وتخلص إلى استحالة نموذج عام صالح لكل زمان ومكان، وإلى أنه يجب على كل موضوع بحثي بناء ميكانزمات انتقاله.
Abstract
Abstract: This article demonstrates that in the social sciences, interpretation of phenomena or acts or interactions using hypotheses and data pertaining to a level that differs from the level of the subject being studied depends on the extent to which the bridge between these levels is crafted. Otherwise the interpretation is dominated by Impressionism. The first part of the study is concerned with definitions and measures in order to separate social components of the social. Then it clarifies the mandatory nature of transition. To answer the question the study adopted the two theses of «emergence» and «the conflict of the gods.» Finally, some models of transition were presented which concluded that it was impossible for a general model to be valid in every context. Every research topic must build the mechanisms of its transition.
- الميكرو
- الماكرو
- آليات الانتقال
- الانبثاق
- التبعية البينية
- Micro
- Macro
- Transition Mechanisms
- Emergence
- Inter-Dependence
ملخص: تحاول هذه الدراسة إثبات أن التفسير في العلوم الاجتماعية للظاهرة أو الفعل أو التفاعل، باستعمال فرضيات ومعطيات تنتمي إلى مستوى مختلف عن مستوى الإشكالية المعنية، رهينٌ بمدى صياغة جسور العبور بين هذه المستويات، وإلا ضعُف التفسير أو غلبت
عليه الانطباعية. وتتطرق الدراسة بدايةً إلى التعاريف ومقاييسها بغية الفصل بين مكونات الاجتماعي، ثم تطرح سؤال إلزامية الانتقال. ول جإإابة عن هذا السؤال تم الاعتماد على فرضيتَين هما: فرضية الانبثاق، وفرضية «صراع الآلهة». أخيرًا، تعرض الدراسة بعض نماذج
العبور، وتخلص إلى استحالة نموذج عام صالح لكل زمان ومكان، وإلى أنه يجب على كل موضوع بحثي بناء ميكانزمات انتقاله.
Abstract: This article demonstrates that in the social sciences, interpretation of phenomena or acts or interactions using hypotheses and data pertaining to a level that differs from the level of the subject being studied depends on the extent to which the bridge between these levels is crafted. Otherwise the interpretation is dominated by Impressionism. The first part of the study is concerned with definitions and measures in order to separate social components of the social. Then it clarifies the mandatory nature of transition. To answer the question the study adopted the two theses of «emergence» and «the conflict of the gods.» Finally, some models of transition were presented which concluded that it was impossible for a general model to be valid in every context. Every research topic must build the mechanisms of its transition.
Professor of Sociology at the University of Cadi Ayyad in Morocco.
مقدمة
يعتبر موضوع الانتقال بين مستويات الواقع حديث الطرح في العلوم الاجتماعية، إذ لم ينفتح باب الاهتمام بالمسألة إلا في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بمقال لراندل كولينز، فاز
على إثره بالجائزة الافتتاحية للجمعية الأميركية للسوسيولوجيا. لم يكن علم الاقتصاد أكثر حظ ا، فإثارته الإشكالية كانت أسبق بعقد من الزمن فقط، لكن المعالجة المنهجية لم ترَ النور إلا في نهاية السبعينيات
مع توماس شيلينغ. لم يكن ليطرح الموضوع لو بقي الاجتماعي على وحدته الأنطولوجية. لكن تم تفكيك هذا الأخير إلى مستويات، أسوةً بالفيزياء (الجسيمات، النواة، الذرة، الجزيئة، الماكروجزيئة)، فميَّز أهل الاختصاص
بين مستويات ثلاثة: الميكرو (الجزئي)، والميزو (الوسطي)، والماكرو (الكلي.) لا يخفى على أحد أن الفلسفة هي السباقة إلى تصور الواقع على أنه ليس متجانسًا، وفصلت بين الكلي
والجزئي، وفيما بعد اقتفت العلوم الإنسانية الأخرى أثرها، بما في ذلك النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية. منذ ذلك الحين ومسألة الانتقال بين مستويات الاجتماعي تقض مضجع السوسيولوجيين والاقتصاديين. فعدم الاكتراث لها لا يعني إلا أمرًا واحدًا: الاختزالية؛ أي اختزال الجزئي في الكلي أو العكس، بينما
لا تعني كذلك محاولة فهم الواحد بالآخر إلا أمرًا واحدًا: وجوب ابتكار آليات الانتقال بين الفردي
والاجتماعي. لا يمكن فهم وتفسير الواحد بالآخر من دون الربط والعبور، بحسب مبدأ إبستيمولوجي
قارّ؛ إذ لا يمكن، مثل، تفسير سلوك فردي (ميكرو) بجعله من وحي معيار اجتماعي (ماكرو) من دون
آلية انتقال لأن المستويين غير متجانسين. سنحاول في هذه المساهمة معالجة ثلاث مسائل: • مقاييس الفصل بين مستويات الواقع. • الفرضيات المفسرة لوجوب تبيان آليات الانتقال. • عرض لنماذج الانتقال تبين أن لكل إشكالية حلولَ عبورٍ خاصة بها.
أولا: فصل الميكرو والماكرو بمقياس الحجم
إن ما يلاحظ عند قراءة الأدبيات المتخصصة هو وجود تعاريف مختلفة نسبيًا، بالرغم من كونها تشترك
في النواة الصلبة للتعريف وهي الحجم؛ فتقول إن الحجم الصغير للوحدات يميز الميكرو، والحجم الكبير لها يميز الماكرو.
(1) Randall Collins, «On the Microfoundations of Macrosociology,» American Journal of Sociology , vol. 86, no. 5 (March 1981), pp. 984–1014. (2) Thomas Schelling, Micromotives and Macrobehavior (New York: W.W. Norton & Company, 1978).
لنعرض الآن بعضًا من التعاريف بغية الوقوف عند هذه النواة الصلبة، ولنكتشف العناصر المُضافة التي
يستعملها كل باحث لملاءمة تعريفه مع أفق برهنته.
1. تعريف بيتر بلو
ما لا يخطئه مهتم هو أن الماكروسوسيولوجيا والميكروسوسيولوجيا أوصلتانا إلى آفاق نظرية تكاد تكون متناقضة، فيأتي بذلك تفسيرها للظواهر بصيغ مختلفة. «وحدات التحليل متباينة. إنها الأفراد في الحالة الأولى والجماعات في الحالة الثانية. الشيء نفسه يسري على المفاهيم والمتغيرات؛ إنها مميزات الأفراد في الميكروسوسيولوجيا، وهي الخصائص الناشئة للبنيات في الماكروسوسيولوجيا». وكأن بيتر بلو يستشعر أن معيار الحجم ليس بالمعيار الفيصل، فيضيف مجموعة من المواضيع التي تدخل تارة في نطاق الميكروسوسيولوجيا، وتارة في حيّز الماكروسوسيولوجيا. أما هدفه فهو توضيح
ما لا يمكن لمقياس الحجم أن يزيح عنه اللبس؛ إذ يقول: «تحلل الميكروسوسيولوجيا السيرورات الاجتماعية الكامنة التي بها ومن خلالها تنشأ العلاقات بين الأشخاص. يَنصب التركيز هنا على التفاعل
الاجتماعي والتواصل. والمفاهيم المهمة هي المبادلة والرموز الأكثر معنى والالتزامات والتبادل والتبعية». ثم يحدد مجال الماكروسوسيولوجيا بالمقارنة حرفًا بحرف، فيكون هو تحليل هذه الأخيرة لبنية الوضعيات في جماعة ما ومدى تأثيرها في العلاقات الاجتماعية. ويصبح الموضوع استجلاء القيود السياقية على العلاقات بين الأفراد، أما المفاهيم المعتمدة فتصير التمايز والمؤسسات واللاتكافؤ وعدم التجانس. يبدو أن بيتر بلو غير مقتنع بالحجم كقاعدة لرسم الحدود الفاصلة بين السوسيولوجيتين. فالأفراد من جهة، والجماعات من جهات أخرى، قاصران كميزتين في نظره ليعرفا بجلاء الميكرو والماكرو، وإلا لمَ أضاف التحديد المجالي والموضوعي والمفاهيمي؟ وحتى على هذا المستوى، هناك ملاحظتان: الأولى، تتعلق بالسيرورات الاجتماعية كمجال بحسب نظرة بلو للميكرو. أهي بالفعل كذلك؟ ما
دامت صفة الاجتماعية لصيقة بالسيرورات، فالأجدر أل تكون كذلك إن لم نقل استثناء مجالً للماكرو؛ إذ إنها ليست سيرورات فردية. وهذه الأخيرة لا تسقط في دائرة الماكروسوسيولوجي إلا إذا تبلورت
بحسب التعبير الدوركايمي لكي تترك عالم الأفراد وترتقي إلى الاجتماعي فتكرههم نزولً. أما الثانية، فترتبط بمفهوم التبعية الذي أورده بلو في أمثلة المفاهيم الدالة والأداتية للميكرو، فهو لا يصلح فقط لوصف و/ أو لتفسير علاقة بين – فردية تبادلية، مبادلتية منتجة إلزامًا للسلطة، بل يستعمل
كذلك لوصف و/ أو لتفسير واقع اجتماعي. أليست السلطة ظاهرة ومفهومًا ونظرية ذات صفة مزدوجة
(3) Peter Blau, «Constrasting Theoretical Perspectives,» in: Jeffrey C. Alexander et al. (eds.), The Micro–Macro Link (California: University of California Press, 1987(, p. 71. (4) Ibid., pp. 71–72.
فردية وبنيوية؟ ألا تهتم سوسيولوجيا التنظيمات والمقاولات بالسلطة فردانيًا؟ أليس عندنا فرع يسمى
«ميكروسوسيولوجيا السلطة»، وآخر يعرف ب «ماكروسوسيولوجيا السلطة»؟ بلى، وإن كان مفهوم التبعية أحد مؤشرات السلطة؛ بنيوية كانت أو فردانية. فالأولى أن يحمل بدوره ازدواجية المفهوم الذي يؤشر إليه؛ ومن ثمّ فإن التبعية مفهوم للماكرو والميكرو. وحيث هو كذلك، فلن يتأتى له أن يكون معيارًا
للفصل.
2. تعريف راندال كولينز
يُعدّ راندال كولينز من السوسيولوجيين الأوائل الذين انتبهوا إلى موضوع الانتقال بين مستويات الواقع
وطرحوه للنقاش. وفي مقاله المؤسس، يستعين ببعدَي الزمان والمكان من أجل تبيان الأساس الإمبريقي لتمييز الميكرو والماكرو عبر جدول يرتب النماذج المثالية. وأحد محورَي هذا الأخير
يتضمن البعد الزماني الذي يشمل تصاعديًا بعض الثواني إلى بعض من الدقائق والساعات والأيام
والأسابيع والأشهر حتى بلوغ السنوات ثم القرون. أما المحور الثاني فهو يشمل البعد المكاني، وهو عبارة عن عدد الأفراد المستقرين بالفضاء المجسد موضوع الدراسة، بدءًا من شخص واحد والفضاء
الخاص به، مرورًا بالمجموعات الصغرى، فالكبرى (حشود وتنظيمات)، فالمجاميع حتى الوصول إلى
مجموع الأفراد الموجودين على رقعة كل التراب (الجماعات والمجتمعات.) في تقاطع هذين البعدين تترتب أفعال أو وقائع متناسبة مع زمانها ومكانها. مثل، الفرد في فضاء خاص به وحده لا تتأتى له إلا سيرورات ذهنية وعاطفية، ومن ثم فهي ميكرو؛ لأن مصدرها الفرد ذاته. ربما يقول قائل إنها، هي الأخرى، حاملة بصمات بنيوية. نعم، شرط البرهنة على ذلك، وهو أمرٌ لا يتم
إلا بإيجاد طريقة الوصل. ثم إن كولينز بصدد الحديث عن فرد وليس مجموعة أفراد التي يكون فيها البنيوي أكثر نفاذًا لوجود المراقبة الاجتماعية. وبالنسبة إلى مكان المجموعات الصغرى وفي زمان الثواني، لا يمكن لهذه الأخيرة إلا إتيان فعل الاتصال بالعين والدخول في محادثات صغرى، وهذا المستوى ميكرو كذلك بحسب الأنواع المثالية لكولينز. لن أسترسل في عرض فئات كولينز، بل أشير فقط إلى فعل الجماعات من خلال التفييء Classification في الصفحة الرابعة، يتموضع في السلم الزماني الذي يصادف الأسابيع والشهور ويناسبه مثال الحركات الاجتماعية. أما المجتمع، فيتوافق أفق فعله مع السنوات والقرون، وتوضحه أنماط السياسة، والاقتصاد، والديموغرافيا، والتراتبية، على مستوى السنين، والتغيرات البعيدة المدى على مستوى القرون. إن المتعطش لإيجاد مقياس لحد فاصل بين الجزئي والكلي عند كولينز سيصاب بخيبة أمل، بل الأدهى والأمر أنه هو نفسه يقول إن كل المستويات الأصغر زمانًا ومكانًا هي أكثر ميكرو من التي فوقها، وكل
(5) Collins, pp. 984–1014. (6) Stephan Fuchs, «On the Microfoundations of Macrosociology: A Critique of Macrosociological Reductionism,» Sociological Perspectives , vol. 32, no. 2 (June 1989), pp. 169–182; Nicos Mouzelis, «The Interaction Order and the Micro–macro Distinction,» Sociological Theory , vol. 10, no. 1 (Spring 1992), pp. 122–126.
المستويات الأكبر زمانًا ومكانًا هي أكثر من حيث الماكرو من التي دونها. ولرفع بعض من اللبس، يسوق السوسيولوجي بعض الأمثلة ويحتكم إلى بعدي الزمان والمكان لتصنيفها. التفاعلية الرمزية مجال أليف لتحليل الميكرو، وهو عادة يتموضع في المستوى الزماني «دقائق إلى ساعات»، والفينومينولوجيا تستقر في الآني، مما يعني أنه كلما كان زمان الفعل صغيرًا، تناسب معه المكان صغرًا،
فسقط بذلك في الجزئي. يستشف من مقاله وكتاباته الأخرى أنه يتبنى استراتيجية ترجمة المفاهيم الماكروسوسيولوجية انطلاقًا من تركيب الميكرو–ظواهر (الميكرو–ترجمة)؛ إذ لا وجود ل «الدولة» و«الاقتصاد» و«الثقافة» و«الطبقات الاجتماعية»، «ما يوجد فعل هو فقط مجموعات أشخاص يتصرفون من خلال وضعيات صغرى». من هنا نستخلص أن الميكرو عند كولينز يحيل على ثنائية الأفراد والوضعيات التفاعلية التي يوجدون بها. من خلال كل ما تقدم، نستخلص أن الميكرو يحيل على الأفراد، والتفاعل، والوضعيات الصغرى، والسيرورات الصغرى. أما الماكرو فينسحب على الجماعات، والمجموعات، والسيرورات الاجتماعية الكبرى، وبنية الوضعيات داخل مجموعة ما، والسياقات الإكراهية، والخصائص الناشئة للبنيات، وكل ما ليس ميكرو. وبالرغم من هذه التمييزات التي تعتمد في جوهرها على مقياس الحجم، والإكراه أو النشوء، فإن التفريق ليس دائمًا وفي كل مرة سهل المنال. الحجم كما أسلفت ليس بالمعيار الآمن: هل العائلة
مجموعة ميكرو أو ماكرو؟ إنها ماكرو إن كانت الدراسة تروم توزيع السلطة بين أفرادها. إنها ميكرو إن كان البحث يستوضح ظاهرة الطلاق في المجتمع. ولنقس على ذلك. الإكراه ليس هو الآخر بالمعيار الواضح. نعم تُمارس السياقات إكراهًا، لكن حتى
التفاعل لا يخلو منه. أنقول إنه ماكرو؟ النشوء (أو الانبثاق) ليس ميزة فردية، لسبب بسيط: إنه يخص السياقات ذات التبعية البينية. وإذ ا، فهو ميزة فوق–الأفراد. وإن يكن، فقد تصبح السياقات التي يظهر فيها النشوء ميكرو بحسب إشكالية البحث المطروحة بصدده (مثل، نظرية النتائج غير المنتظرة لماكس فيبر ولروبرت ميرتون). ثم إنه لا يتمتع بالاكتفاء الذاتي كمقياس لأنه قابل للاستعمال في حالات دون أخرى، فالدين المرتبط بالوحي ماكرو من دون الحاجة إليه (الانبثاق.)
ثانيًا: الميكرو والماكرو بمقياس «الإشكالية-الفرضية-وحدة الملاحظة»
في معرض تحليله ما يفصل بين الميكرو–منطقي والماكرو–منطقي، نعت محمد الشرقاوي معيار الحجم بغير الكافي، بل بالخاطئ أيضًا. إنه أحادي البعد ويعتمد فقط على التعريف الإيتمولوجي
(7) Ibid., p. 987. (8) Ibid., p. 988. (9) Mohamed Cherkaoui, «Le réel et ses niveaux: Peut–on toujours fonder la macrologie sur la micrologie?» Revue française de sociologie , vol. 38, no. 3 (juillet–Septembre 1997), p. 503.
من دون مضمون تحليلي. إنه يجرّ دائمًا، في حالات إمكانية تطبيقه، شكوك الفاعلية، وعدم
الجدوى، واستحالة التطبيق. فوحدات الملاحظة لبعض النظريات ليست ميكرو ولا ماكرو، بل هي وضعيات التفاعل (التفاعلية الرمزية)، كما أن الماكروسوسيولوجيا تهتم حينًا بوحدات صغرى، هي نفسها موضوع الميكروسوسيولوجيا أحيانًا أخرى. وكما أسلفت في مثال سابق، ما يحدد هو طبيعة السؤال الموجه للبحث. وبدل من تعريف أحادي البعد، اعتمد الشرقاوي تعريفًا ثلاثي البعد، يضم ما يلي: • المشكل المطروح الذي يتعين تفسيره؛ وبلغة الكاتب الانتظامات الفردية (سلوكات واختيارات فردية من قبيل التصويت، والتوجيه الدراسي، وقرار الزواج، وغير ذلك) أو الاجتماعية (التمازج الاجتماعي بالزواج البين–إثني، والتعاون أو الصراع داخل التنظيمات، وغير ذلك.) • نوعية فرضيات البحث التي تدلنا على وجهة التفسير، عقلانية أو لاعقلانية. مع تعريف إجرائي للعقلانية يختلف عن عقلانية الإنسان الاقتصادي الذي يحقق الحد الأقصى من أهدافه المقصودة. إنه الإنسان السوسيولوجي Homo–sociologicus ذو العقلانية التي إن شئنا وصفناها بالمحدودة، مستعملين تعبير هربر سايمون A. Simon Herbert، والتي حددها الشرقاوي مقتبسًا تعريف هذا
الأخير في «كل سلوك يتناسب والأهداف المقصودة في الحدود التي تفرضها ظروف وإكراهات معينة». وتجدر الإشارة إلى أن الأفراد والوحدات الفردية (الأشخاص والفاعلون الجماعيون) هم المعنيون بالعقلانية من دون البنيات (الثقافة والقيم والمؤسسات الاجتماعية.) • وحدة الملاحظة والتحليل التي من خلال مكوناتها تُستجمع معطيات اختبار الفرضيات. ويمكن أن تكون الوحدات تلك أفرادًا، ووضعيات أو بنيات. وانطلاقًا من هدم الأبعاد الثلاثة (الإشكالية، وحدة التحليل، نوع الفرضية)، تمكن الدارس من هندسة تصنيف للنظريات يضم عشرة أنواع مثالية تقوم بمسح للنظريات السوسيولوجية الموجودة والآتية، مع ضمه في كل نوع–مثالي النظريات التي توافقه. وإن ما يلاحظ هو أن بعدَي الإشكالية والفرضيات حجَبا معيار الحجم الذي أصبح غير ذي جدوى من دونهما. وجب القول إن إحدى حسنات هذا التصنيف عرضه، بوضوحٍ، النظريات التي يجب عليها تبيان آليات مرورها بين مستويات الواقع. وبناءً عليه، فإن النظريات التي تنشغل بتفسير الانتظامات الاجتماعية بصياغتها
لفرضيات، عقلانية أو لاعقلانية، حول الفرد أو حول ثنائية الفرد–السياق معنية بسؤال الانتقال من الميكرو إلى الماكرو. ثمة نوع واحد فقط معني بمشكل العبور عكسيًا من الماكرو إلى الميكرو؛
إنه النوع الذي يروم تفسير الانتظامات الفردية انطلاقًا من فرضيات حول البنيات، والنظريات المعيارية مثال دالٌّ على ذلك.
(10) Ibid., p. 505. (11) Ibid., p. 506.
جدول تصنيف النظريات بحسب محمد الشرقاوي* (أ 3) صنف الفرضية (أ 2) مستوى التحليل
| (أ 3) صنف الفرضية (أ 2) مستوى التحليل | ||||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| فارد | فارد – سياق | بنية | ||||
| .ف. ع | .ف. لا | .ف. ع | .ف. لا | |||
| الإشكالية)أ (1 | .انت. فر.انت. اج | 1 2 | 3 4 | 5 6 | 7 8 | 9 10 |
لا أريد المضي في عرض المقاييس المعتمدة للتمييز بين مستويات الواقع، غير أن السؤال المحوري الذي يُطرح الآن، بعد أن عرجنا جزئيًا على النقاش الذي واكب تعريف الميكرو والماكرو، هو: لماذا يجب على دارس الظواهر الاجتماعية أو الباحث في الأفعال والسلوكات الفردية تبيان آليات الانتقال بين مستويات الواقع؟ إن كل من يحلل واقعًا اجتماعيًا، بطبيعته كليًا، انطلاقًا من الأفراد، يتحتم عليه تحت طائلة النقصان، إن لم نقل البطلان، توضيح كيفية تفسيره مستوى محددًا من الظواهر الاجتماعية بمستوى آخر منها مختلف عن الأول (مثل، مستوى كلي بمستوى جزئي أو العكس). الوظيفة التفسيرية لعلم الاجتماع، وحتى ربما العلوم الإنسانية الأخرى، تعتل بإهمال الإذعان لهذه الضرورة الإبستيمولوجية والشرط المنهجي. لماذا؟ ما الذي يجعل، على المستوى التطبيقي، دراسة الظاهرة عبر عينة الأفراد لا تكفي لتفسيرها، وكأن الكلي لا يستنتج مباشرة من أجزائه؟ لماذا يجري تفسير فعل أو سلوك فردي يتعذر استنباطه من عنصر ماكرو–اجتماعي على نحو تلقائي من دون مد قنطرة تسمح للدارس بالعبور، وتمد القارئ بتحليل من دون علب سوداء؟ محاولة مني للإجابة عن هذه الأسئلة سأستدعي: • مفهوم «انبثاق الظواهر» الاجتماعية كحاجز لتأسيس الماكرو على الميكرو على نحو تلقائي.
(12) Ibid.
(((1 للمزيد من الاطلاع حول هذه المسألة، انظر:
Douglas V. Porpora, «Are There Levels of Social Structure,» Humboldt Journal of Social Relations , vol. 22, no. 2, Recent Advances in Theory and Research in Social Structure (1996), pp. 23–25.
يعرض الكاتب خمسة مقاييس، هي: الأولوية الأنطولوجية، والجزء/ الكل، والأولوية السببية، والتضمين، والنطاق أو المحلية.
• مفهوم «حرب الآلهة» الذي يعيق تفسير النظريات الماكروسوسيولوجية لأفعال الأفراد تأسيسًا على
النظريات المعيارية.
ثالثًا: في إلزامية بناء جسور الانتقال
إن كل الظواهر التي يهتم الدارس بالبحث فيها، انطلاقًا من فرضيات حول وحدات فردية، تحتم عليه وجوبًا تبيان آليات الانتقال بين المستوى الإمبريقي للدراسة (ملاحظة، مقابلة، استمارة، مجموعة بؤرية، سيرة ذاتية، أرشيف، خطاب، ذاكرة) إلى الظاهرة نفسها. وإن عدم الامتثال لهذا الشرط يجعل الفهم والتفسير، تعسفًا وقسرًا. لماذا؟ لأن هناك شيئًا ما مفقودًا كان عليه أن يوصل المعطيات الجزئية
والمؤسِّسة إلى الواقعة الكلية، وإلا استعصى على المتطلع الفهم لوجود بياض بين «السبب» و«النتيجة». ثم إن التسليم بالدراسة على هذا المنوال ينطوي على إحدى مسلمات ثلاث، هي: • التسليم بعدم وجوب تبيان الانتقال لأنه تلقائي وداخلي للعملية البحثية. • التسليم بأن تجاور الأفعال الفردية كفيل بإنتاج الظاهرة. • التسليم بأن تجميع أو تركيب الأفعال تلقائي ومنوط به ذلك. ثم إن هناك سببًا آخر يجعل تحديد آليات الانتقال ضرورة لا مناص منها، وهو مبدأ الملاءمة المنطقية:
استحالة المرور من مستوى إلى مستوى يطبع اللاتجانس تركيبتيهما. بمعنى آخر؛ مستويات الواقع منبنية على نحو لا يمكن توقع، أو تفسير، خصوصيات مستوى محدد منها انطلاقًا من خصوصيات مستويات أخرى من دون فرضيات إضافية. إن السؤال الذي يُطرح، هو: لماذا تضع الإبستيمولوجيا هذا الشرط في باب الوظيفة التفسيرية للعلوم الاجتماعية؟ سأرجح للإجابة فرضية الانبثاق التي تفيد أن الظواهر الاجتماعية ظواهر منبثقة أو ناشئة لا تختزل في مكوناتها.
1. فرضية الانبثاق
لربما كان برنار ماندوفيل أول من اكتشف الظواهر المنبثقة. ففي كتابه، الذي يمكن ترجمة عنوانه إلى العربية بحكاية النحل، عبر عنها في عنوانها الفرعي ب الرذائل الخاصة التي تُنشئ الفضائل
(14) Mohamed Cherkaoui, Le paradoxe des conséquences (Genève: Librairie Droz, 2006), p. 26; Hervé Mauroy, «La fable des abeilles de Bernard Mandeville: L’exploitation de son prochain comme fondement de la civilisation,» Revue européenne des sciences sociales , vol. 49, no. 1 (Octobre 2011), p. 85.
بحسب حايك الذي يحيل عليه بيير موسنجر، كانت فكرة الانبثاق موجودة عند الفلاسفة الإغريق (أرسطو مثل)، عندما يفرقون بين المؤسسات الطبيعية التي لا تخضع لإرادة الأفراد، والمؤسسات الاتفاقية التي تنتج من أفعال الأفراد.
Pierre Moessinger, Irrationalité individuelle et ordre social (Genève: Librairie Droz, 1996), p. 187.
العامة. ويقول كذلك: «هكذا، أعضاء المجتمع، بالرغم من اتباعهم طرقًا متناقضة على نحو مطلق، يتآزرون رغمًا عن أنفهم». ويضيف قوله: «نادرًا ما لا يدرك العامي غير المتبصر إلا رابط ا واحدًا في
سلسلة الأسباب. أولئك الذين لهم نظر ثاقب يدركون تسلسل الأحداث وتوالي الأسباب فيبصرون مئة مكان ينبعث فيه الخير من الشر». يعتبر آدم سميث كذلك من الأوائل الذين انتبهوا إلى وجود «أنظمة عفوية» (النظام الاجتماعي، مثلً) لا مقصودة ولا متوقعة عبر مجاز «اليد الخفية». هذه الأخيرة أطلقها كاتب ثروة الأممعلى شيء لا يرى ولا يلمس، لكنه موجود، ومن دونه لا يمكن فهم أثر ناشئ لم يكن البتة في الحسبان، وكأن هذه اليد الخفية توجه أفعال الأفراد والجماعات حيث تريد؛ إذ هي الكفيلة، مثلً، بتحقيق التوازن في الأسواق: «يد خفية تقود الأغنياء لإنجاز التوزيع نفسه لضروريات الحياة، كما لو أن الأرض مقسمة إلى أجزاء متساوية بين جميع السكان؛ ومن ثم فإنهم يخدمون، من دون قصد ولا معرفة مسبقة، مصالح المجتمع، ويوفرون وسائل تكاثر النوع». هذان أثران ماكرو–سوسيولوجيان منبثقان لم يكونا ليقعا لو حصرنا تفكيرنا وبحثنا فقط في اختيارات وقرارات وسلوكات الأفراد. هذه لن تعطي أبدًا ذلك من دون آلية يتحتم استجلاؤها. إنها الآلية التي سماها سميث حدسًا باليد الخفية. يجب أن أشير هنا إلى أن مؤسس
الليبرالية الاقتصادية استعمل أولً تعبير اليد الخفية في كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية الذي نشر سنة 1759 قبل أن يضمنها في كتابه المشهور ثروة الأممالذي تم إصداره سنة 1776. يقول سميث في هذا الكتاب: «في الحقيقة، قصده (أي الفرد) عمومًا ليس خدمة الصالح العام، ولا يعلم حتى إلى أي حد سيكون نافعًا للمجتمع […] إنه في هذه الحالة (تدبيره لمقاولته بهدف تثمين منتوجه) كما في حالات أخرى كثيرة يجد الفرد نفسه منقادًا بيد خفية لتحقيق غاية لم تكن بتاتًا جزءًا من نياته». والغاية التي يعنيها هذا المقتطف رفع الدخل الوطني. ظاهرة أخرى لم تكن لتظهر لولا اليد الخفية. إنها تقسيم العمل بحسب سميث؛ إذ «إن تقسيم العمل، بفوائده الكثيرة، ليس في أصله أثرًا لحكمة إنسانية توقعت واستهدفت ما ترتب عليه من مزايا، بل هو
نتيجة ضرورية لميل طبيعي عند كل الناس […] إنه الميل الذي يقودهم إلى التجارة، والمقايضة وتبادل
(15) Bernard Mandeville, La Fable des abeilles: Suivi de « essai sur la charité et les écoles de charité » et de « defense du livre, » Lucien & Paulette Carrive (trad.) (Paris: Librairie philosophique J. Vrin, 1998). (16) Ibid., p. 33. (17) Ibid., p. 79. (18) Adam Smith, La théorie des sentiments moraux (Paris: PUF, 1999).
لم يكن كارل ماركس ينظر بإيجاب إلى مفهوم «اليد الخفية»، و«المجتمع الذي ينشأ عنها هو مجتمع فوضى»، بحسب تعبير باسكال برديل. لكن من زاوية ما يهمنا هنا، فرضية الانبثاق، فماركس لم يعترض على كون اليد الخفية أحد ميكانزماتها، بل فقط على ما ينبثق منها (الفوضى)؛ أليس تقييم ماركس معياريًا؟
Pascal Bridel, «Quelques réflexions sur l’idée de ‘main invisible’,» Revue européenne de sciences sociales , vol. 26, no. 82, L’économie dans la société: Ve colloque annuel du groupe d’étude «Pratiques sociales et théories (1988), p. 79. (19) Adam Smith, La richesse des nations , tome 1 (Paris: Flammarion, 1991), p. 40.
الشيء بآخر». ليس تقسيم العمل فقط هو الذي يعد بحسب الفيلسوف الإسكتلندي واقعًا ناشئًا، بل كذلك سقوط النظام الفيودالي الذي لم يكن في الحسبان، فلا مالكو الأرض أرادوا ذلك، ولا البرجوازية التجارية والصناعية أرادت ذلك. كل منهم (مالكو الأرض، المزارعون، البرجوازية الصناعية) يتوخى تحقيق مصالحه الخاصة، ولم يكن يتوقع أن سبل المصالح المتفرقة ستؤدي إلى سقوط النظام المرتبط بالأرض، وصعود ذلك المرتبط بالإنتاج الصناعي والمبادلة التجارية. إنها نتيجة منبثقة، غير منتظرة؛ «هكذا، تحققت ثورة مهمة للصالح العام بتضافر أفعال صنفين من الفاعلين لم يكن همهم تحقيق الخير العام. الملاكون الكبار سعوا وراء إرضاء غرور سخيف (إنفاقات مفرطة لاقتناء المنتجات الصناعية الفاخرة). التجار والصناع عملوا من أجل مصالحهم بحسب مبدأ مألوف عند طبقة التجار يحثهم على عدم الاستهانة بربح ضئيل كلما وجدت وسيلة تحقيقه. لا أحد منهم شعر أو تنبأ بالثورة الكبرى التي أوصل إليها تبذير البعض والنشاط الصناعي للبعض الآخر». إنه الانبثاق التلقائي للأنظمة الاجتماعية عبر التبعية البينية للوكلاء الاجتماعيين. لائحة الفلاسفة الذين فطنوا إلى ظاهرة الانبثاق ليست بالقصيرة، ولا يمكن حصرها. انقاد آدم فيرغوسون لمنطق الانبثاق بخصوص نشأة المؤسسات التي اعتبرها نتيجة لأفعال الإنسان وليس لمخطط الإنسان. الشيء نفسه بالنسبة لولهليم ووندت Wundt Wilhelm الذي رأى في ما أنشأه المجتمع من لغة وعادات وقانون وأساطير أنه بعيد كل البعد عن صنع الأفراد إراديًا وبوعي. لماذا؟ لأن الفرد عند إقدامه على فعل يستعمل وسائل لبلوغ أهداف تتحقق جزئيًا أو كليًا أو لا تتحقق، لكن
بالموازاة تنبثق من فعله أهداف أخرى غير متوقعة. إنه مبدأ «لاتجانس» الأهداف لووندت الذي سماه بوكلي «تعدد الأهداف» التي توصل إليها الوسيلة الواحدة، والذي أطلق عليه فيبر بحسب اقتباس فرانسيس أندريه إزامبرت «التوليف الخلاق». إنه المنطق نفسه الذي حكم ماركس في موضوع نشأة نظام رأسمالي مثلً، وكارل مينجر Menger Carl في موضوع ظهور العملة إذا اعتمدنا تأويل الشرقاوي.
(20) Ibid., p. 83. (21) Ibid., pp. 509–510. (22) Adam Ferguson, An Essay on the History of Civil Society (Cambridge: Cambridge University Press, 1995). (23) Serge Nicolas, La Psychologie de W. Wundt (Paris: L’Harmattan, 2003), p. 12. (24) Célestin Bouglé, «Remarque sur le polytélisme,» Revue de métaphysique et de morale , vol. 22, no. 5 (1914), p. 595. (25) François–André Isambert, «L’interprétation, source de la compréhension chez Max Weber,» Enquête , no. 3 (1996), p. 131. (26) Julien Freund, «Introduction,» in: Max Weber, Essais sur la théorie de la science: premier essai: « L’objectivité de la connaissance dans les sciences et les politique sociales ,» Julien Freund (trad.), Collection Les classiques des sciences sociales (Québec: Edition électronique, 2006), pp. 52–54. (27) Ibid., p. 37.
من الزاوية المنطقية الخالصة، يَعتبر جون ستيوارت ميل في كتابه الثالث المعنون ب نظام منطق الاستنباط والاستقراء أنه «في بعض الحالات وفي لحظات معينة من سيرورة الانتقال من الفعل المنعزل إلى الفعل المركب، تتغير القوانين وتنضاف مجموعة جديدة تمامًا من الآثار أو تحل محل آثار الفعل المنفصل؛ قوانين هذه الآثار الجديدة ما تزال موضوع التأليف كما القوانين التي تم إلغاؤها». ويضيف قوله: «أيًا كان تقدم معرفتنا خصائص الأجزاء المكونة للكل، فإن مجرد جمع لهذه الأجزاء منعزلة لا يقود إلى الفعل الكلي». المبدأ الذي يدافع عنه ميل هو أن مجموع تأثير عدد من الأسباب ليس مماثلً لجمع تأثيراتها منفصلة: «إذا كان المبدأ صحيحًا في ما يخص الظواهر الكيميائية، فإنه أصح بالنسبة إلى ظواهر أكثر تعقيدًا مثل
الظواهر التي تدرسها البيولوجيا أو علوم السياسة والاجتماع». على مستوى الكيمياء مثل، «يُنتج
مزيج مادتين كيميائيتين مادة ثالثة تختلف خصائصها اختلافًا تامًا عن خصائص كل من المادتين على حدة أو كلتيهما معًا. لا يوجد أي أثر لخصائص الهيدروجين والأكسجين في المركب الناتج منهما، الماء». لا ننسى أن هذه المبادئ أوردها ميل في الكتاب الثالث الاستقراء، ولسان حاله كأنه يقول لا يستقرأ الكل من أجزائه إلا في مجالات محصورة كالميكانيك. ومن هنا ميز الفيلسوف بين نوعين من الظواهر والقوانين، تلك التي سماها «المتماثلة المستوى» والأخرى «المتباينة المستوى». الأولى تعرف من خلال كون الأسباب والآثار تتموضع في المستوى نفسه، والأثر الناتج يساوي مجموع آثار كل سبب منفرد. في الثانية، تستقر الأسباب في مستوى، وتنتج آثارًا في مستوى آخر غير متجانس مع آثار كل سبب على حدة، ثم استحالة الانتقال بين مستويات غير متجانسة. من جانب السوسيولوجيا، يرجح المهتمون أن غوستاف لوبون هو أول من نقل مفهوم الانبثاق إلى مجال علم الاجتماع: «خلافًا للرأي الذي يثير الدهشة لكون مبعثه من فيلسوف متبصر هو هربرت سبنسر، المركب الذي يشكله الحشد لا ينتج من عملية جمع أو حساب متوسط عناصره، بل هو تركيبة
(((2 يعتبر ميل أول من تناول بدقة مفهوم «الانبثاق» بحسب فاشير الذي يحيل عليه موسنجر:
Ibid., p. 187. (29) John Stuart Mill, Système de logique deductive et inductive: Expose des principes de la preuve et des methodes de recherche scientifique , Livre III: De l’induction , Louis Peisse (trad.), Collection Les classiques des sciences sociales (Québec: Edition électronique, 2002), p. 145. (30) Ibid., p. 139. (31) Mohamed Cherkaoui, Naissance d’une science sociale: La sociologie selon Durkheim (Genève: Libraire Droz, 1998), p. 22. (32) Mill, p. 137. (33) Ibid., pp. 137–139. (34) Ibid., p. 142.
تُنشئ خصائص جديدة». ثم أصبح المفهوم حاضرًا عند علماء الاجتماع الكلاسيكيين (دوركايم،
وفيبر، وتوكفيل)، وكذا لدى أغلب من يتبعون المنهجية الفردانية، ويؤمنون بقاعدة استنباط الكلي من أجزائه، وبكونها أنجع طريقة للتفسير (بودون، وكولمان، وشيلنغ.) فدوركايم مثلً، يحصر في تسعة مقترحات تصوره للظاهرة الناشئة، بحسب تأويل الشرقاوي: • تختلف الظاهرة الناشئة émergent عن الظاهرة العامة général. هذه الأخيرة هي ناتجة phénomène résultant أي إن الظاهرة في هذه الحالة تساوي مجموع الأفعال والكلي مجموع الأجزاء. • تخالف المتوسط؛ بمعنى آخر، لا يمكن الحصول على الظاهرة الناشئة بحساب متوسط السمات التي تسم كل جزء من أجزائها أولً، ثم بحساب متوسط هذه المتوسطات ثانيًا؛ كأن تكون نقطة مادة
الرياضيات لتلميذ هي متوسط امتحانات الرياضيات خلال الفصل، ومتوسط السنة الدراسية هو متوسط المتوسطات التي حصل عليها في كل مادة. • لا تختزل في جمع الأجزاء المكونة. • تُعَرّف بقانون التركيب الذي يترجم التبعية البينية للأجزاء؛ للحصول على الظاهرة على المستوى
الكلي يجب صياغة قانون كفيل بتركيب الأجزاء، يأخذ في الحسبان تأثيرات كل جزء في الأجزاء
الأخرى كما تأثيراته الرجعية فيها وفي نفسه. لنُعْطِ مثالً: شخص راكب في قطار يسير ب 100 كيلومتر
في الساعة يرمي كرة بسرعة 10 كيلومترات في الساعة، ما هي سرعة الكرة؟ لا يمكن الجواب إلا بمعرفة القانون التركيبي للسرعات، فتصير سرعة الكرة 110 كلم/ س (التركيب عن طريق التجميع) إن كان اتجاه رمي الكرة يوافق اتجاه سير القطار؛ وتصبح سرعة الكرة 90 كلم/ س (التركيب بالتنقيص) إن عاكس اتجاه الكرة اتجاه القطار. • يمكن أن تأخذ شكلين؛ شكلً مبلورًا كالمؤسسات، وآخر غير مبلور كالتيارات الاجتماعية. • الآثار الناشئة هي خصوصية النظام الاجتماعي وليس لأجزائه. • الانبثاق يؤدي إلى تمييز مستويات من الواقع لا يُختزل بعضها في بعض. • تتميز بالجدة أو الخلق. إنها ظاهرة فريدة من نوعها generis sui. • غير قابلة للتنبؤ انطلاقًا من المعلومات المتضمنة في الأجزاء، وكل تفسير يرتكز على استنباط الظاهرة من معطيات حول مكوناتها فهو مجانب للصواب.
(35) Gustave Le Bon, Psychologie des foules , 9 ème ed. (Paris: Félix Alcan, 1905), Collection Les classiques des sciences sociales (Québec: Edition électronique, 2001), pp. 20–21. (36) Cherkaoui, Naissance , p. 24.
يجب الإشارة إلى أن كل هذه المقترحات توجد جزئيًا أو كليًا عند الفلاسفة الذين سبقوا المؤسس
الفرنسي إلى تحليل الانبثاق. تمييزه الظواهر العامة من الظواهر الجمعية ما هو في نهاية المطاف إلا تمييز ما بين الأثر الناتجrésultant effet (يساوي مجموع أثر الأجزاء منفصلة)، والأثر الناشئ émergent effet (يخالف مجموع أثر الأجزاء منفصلة). إنّ دخل الدولة أثر ناتج لأنه مجموع دخول الأجزاء المكونة له، وهي المقاولات والإدارات والأسر، بينما الفقر أثر ناشئ. فعلى سبيل المثال، ليس تقسيم العمل وليد غاياته (أثره الإيجابي في الإنتاج)، ولا يفسر بنظرية غائية تجعل الوكلاء الاجتماعيين قادرين على استشراف نتائجه الإيجابية فيَهمون لإحداثه. بل هو، بحسب
دوركايم، أثر ناشئ غير متوقع، كما عند سميث؛ فلا يمكن استنتاجه من خصوصيات الأفراد؛ ذلك أنه منبثق من تفاعل الأفراد، من تأثير رجعي للتفاعل في أفعالهم، ومن تأثير متغيرات نسقية (الحجم، الكثافة). وفي هذا السياق نورد قول دوركايم: «سنقول إن نمو وتكثيف المجتمعات لا يمك ن، بل يُجبر
على قدر أكبر من تقسيم العمل. إنه ليس فقط الأداة التي يتحقق بها هذا الأخير. إنه السبب المحدد». سنختم فرضية الانبثاق بالإحالة على فيبر بوصفه عالم اجتماع آخر يؤسس لها ويوظفها؛ يؤسس لها من خلال مفهوم «التوليف الخلاق» الذي استعاره من ووندت كما لمحت لذلك سابقًا، ويوظفها من خلال تحاليله لظهور الرأسمالية، الهيمنة والقانون. هذا التوليف هو المدخل لإقرار التبعية البينية كآلية تحدث الخلق.
2. التبعية البينية
إن التبعية البينية بين أجزاء الكل هي التي تجعل الكل يأتي مخالفًا للتوقعات التي نظن أنه يمكن رصدها انطلاقًا من علمنا بخاصيات مكوناته. ومخالفة الماكرو لعناصره الميكرو مجتمعة، مبعثها هذا التأثير البيني الذي يحمي، في الأساس، العناصر من التصدع ويكون رابطها. إن مبدأ التبعية البينية عرفته السوسيولوجيا إبان تأسيسها مع دوركايم. لكن أبوة المبدأ ليست له. لقد سبقه كل من سان سيمون وأوغست كونت؛ ففي كتاب الفسيولوجيا الاجتماعية، يقول سيمون: • «تعتني الفسيولوجيا العامة باعتبارات من مستوى أعلى؛ إنها تعلو على الأفراد الذين هم مجرد أعضاء الجسم الاجتماعي». إن استعارة الجسم وإلحاقها بالمجتمع ينمان عن أولوية منطق التبعية البينية لفهم الاجتماعي.
(((3 يعتبر كارل هامبل أول من استعمل مفهوم الأثر الناتج، انظر:
Carl Hempel, Aspects of Scientific Explanation and other Essays in the Philosophy of Science (New York: The Free Press Collier; London: Macmillan Limited, 1965), p. 259. (38) Emile Durkheim, De la division du travail social (Paris: PUF, 1987), p. 244. (39) Claude–Henri de Saint Simon, La physiologie sociale: Œuvres choisies , Georges Gurvitch (intro. & not.), Collection Bibliothèque de sociologie contemporaine)Paris: Presses Universitaires de France, 1965(.
• «لا تكتفي الفسيولوجيا كعلم بدراسة حياة الأفراد. إنها تتعداه لتدرس حياة الكل. للأفراد آلياتهم المحركة [...] كل واحد منهم يقدم على ما يلزم من فعل ورد فعل». لا شك في أن رد الفعل يكون استجابة لفعل آخر مما يحيل على التبعية البينية. • «المجتمع ليس مجرد تكتل لكائنات حية، أفعالها مستقلة عن كل غاية ولا تدين إلا لإرادات فردية متعسفة [...] المجتمع، على العكس من ذلك، آلة منظمة تسهم أجزاؤها في اشتغالها». إن تعابير مثل «ليس مجرد تكتل»، و«لا تدين إلا لإرادات فردية»، و«آلة منظمة»، تحيل كلها على ثنائية الفرد والمجتمع، واستقلالية المجتمع في كليته عن الأفراد، وعن تبعية الأجزاء بعضها لبعض. من خلال هذه المقولات، يتبين أن سيمون يستعير مجاز الجسم العضوي تارةً، ومجاز الآلة تارةً أخرى. إذا كان دوركايم يركن هو كذلك إلى الاقتباس من البيولوجيا العضوية، فإنه يرفض تشبيه الآلة، لأنه يحيل على النموذج الميكانيكي. وهذا النموذج عكس نموذج البيولوجيا والكيمياء، على الأقل في ما يخص موضوعي هذا، يجعل الظواهر آثارًا ناتجة وليس ناشئة. ودوركايم يقول بوضوح: «إن رونوفيي
هو من اقتبسنا من عنده مسلمة أن الكل لا يساوي مجموع الأجزاء». بمعنى أوضح؛ الكل ليس ناتجًا، وإنما ناشئ، والاجتماعي لا يختزل في الفردي. من جانبه، كان أوغست كونت سباقًا لاستعمال مفهوم التبعية البينية. وسنقتطف بعضًا من كتاباته بالرغم من أن تجزيء فكر ما يسيء إلى منطقه العام. لكن ما يعزز قناعتي بكون المبدأ راسخًا عند كونت هو تأكيده من طرف علماء اجتماع متمرسين: • «يمكن أن نقول إنه حيث يوجد نسق ما، من اللازم أن يوجد نوع من التضامن. إلا أن المفهوم العلمي للتضامن والتوافق يتناسب أكثر مع الأنساق العضوية بفضل تعقدها بالرغم من كونيته». • «في خضم ذلك التشبيك الاجتماعي معرفة معمقة، وكافية لخصائص جزء تمكن من توقع، إلى حد ما، الحالة العامة لكل جزء آخر بحسب قوانين الانسجام اللائقة». • نلاحظ في الظواهر الاجتماعية «وقع القوانين الفسيولوجية للأفراد، وفوق هذا، شيء ما فريد يغير من نتائجها من جراء تأثير الأفراد بعضهم في بعض»، بحسب ما نقله دومينيك كويلو. إن كانت قراءتي صحيحة، فإن تعابير مثل «التضامن»، و«الأنساق»، و«العضوية»، و«التشبيك الاجتماعي»، و«الجزء»، و«الفسيولوجيا»، و«تأثير الأفراد بعضهم في بعض»، وهي تعابير نجدها مبثوثة
(40) Dominique Guillo, «La sociologie d’inspiration biologique au XIXe siècle: Une science de l’organisation sociale,» Revue française de sociologie , vol. 41, no. 2 (Avril–Juin 2000), p. 245. (41) Ibid., note infrapaginale, no. 7, p. 245. (42) Cherkaoui, Naissance , p. 34; Guillo, pp. 241–275. (43) Auguste Comte, Cours de philosophie positive , tome 1 (Paris: Hermann, 1975), pp. 118–119. (44) Ibid., tome 2, p. 112. (45) Ibid., p. 266.
بصيغ مختلفة في كل كتابات مؤسسي العلوم الاجتماعية، تفيد كلها نوعًا من التبعية البينية. لا شك في أن التشبيه بالنماذج العضوية يُقصد منه التركيز على هذه التبعية، وعلى التكامل والتضامن. رفض
كونت، بحسب الشرقاوي، القياس على الميكانيك؛ لأنه يحيل على مبدأ السببية الناجع الذي يمكن من اختزال الكل في مجموع مكوناته. قبل أن أنتقل إلى مؤسس آخر للسوسيولوجيا اعتبر، هو كذلك، التبعية البينية حجر الزاوية للنظرية
السوسيولوجية (ماكس فيبر)، أ ذكّر بأن دوركايم صنف بزوغ القانون والمعايير والموضة والأساليب
اللغوية (أمثلة، وح كم، وغير ذلك) والانحراف والسلوك الجماعي للحشد في خانة الآثار الناشئة عن التبعية بين الوحدات الاجتماعية. يعدّ فيبر من أقطاب فكر الانبثاق المعتمد على التبعية البينية إن كانت الظواهر المراد تفسيرها ماكرو، إلا أنه، وهذه نقطة اختلاف مع الكليانيين، لا يحصر الانبثاق في الوقائع، بل يبسطه حتى على مخرجات الفعل الفردي. وهذا النوع من الانبثاق، الذي يسري على الفعل الفردي العقلاني، هو ما يسميه فيبر «مفارقة النتائج غير المنتظرة»، وهو ينبعث من: 1) عدم تناسب جزئي أو كلي لوسائل الفاعل مع أهدافه، و/ أو 2) تجاوزه غير المقصود لمجال فعله إلى مجالات أخرى منطقها مختلف، و/ أو بزوغ قيم جديدة أثناء سيرورة الفعل، و/ أو تضارب عقلانيات نطاقات مستقلة نسبيًا. ليست البرهنة على إعمال فيبر التبعية البينية أمرًا صعبًا. فأول، مبدؤه في الفهم يروم تأسيس الظاهرة
على أفعال الأفراد، وهذا لا يتأتى إلا بافتراض التأثير البيني والتآلف بصيغة ما. وثانيًا، مفاهيمه الأساسية
في السوسيولوجيا دالة على البينية. فأول هذه المفاهيم مفهوم الفعل الذي لا ينال صفة «الاجتماعي» إلا إذا كان موجهًا للآخر، أي إنه في نهاية المطاف جواب عن فعل الآخر؛ وثانيها مفهوم «العلاقات الاجتماعية» الذي يرسي بوضوح مبدأ التبعية البينية. يقول فيبر: «نضع تحت مسمى العلاقة الاجتماعية، سلوك عديد من الأفراد الذي، بفضل مضمون معناه، كل فرد يوجه سلوكه بحسب سلوكات الآخرين [...] يعد الفعل المتبادل بين الأفراد أحد مرتكزاتها». هذا التقعيد هو منهج فيبر في دراساته المتعلقة بالبيروقراطية والهيمنة والمشروعية والرأسمالية والدين، فكلها متأسسة في فهمها على التبعية البينية بين الأفراد. سأختم هذه الفقرة بالرجوع إلى عالم اجتماع معاصر اهتم بالتأثيرات الناشئة والتبعية البينية، وهو ريمون بودون الذي يميز «أنساق التبعية البينية»، في مقابل «الأنساق التفاعلية»، بكونها:
(46) Ibid., note infrapaginale, no. 22, p. 34. (47) Max Weber, Économie et société: Les catégories de la sociologie , Julien Freund (trad.) (Paris: Plon, 1995), pp. 52–57. (48) Ibid., p. 58. (49) Raymond Boudon, La logique du social: Introduction à l’analyse sociologique , Collection Pluriel 25 (Paris: Hachette Littératures, 1990), pp. 117–159.
• لا تعتمد على مفهوم الفاعل، بل على مفهوم الوكيل Agent. • تقصي مفهوم «الدور» الذي يلتصق بالفاعل وبأنساقه التفاعلية. • تنتج، على المستوى الكلي، ظواهر غير متوقعة من طرف الوكلاء. لربما قاربنا إلى حد ما مسألة إلزامية تبيان آليات الانتقال من الميكرو إلى الماكرو. فمرتكزها هو الانبثاق الذي بدوره يفهم عبر التبعية البينية. لكن ماذا عن وجوب تبيان العبور من الماكرو إلى الميكرو؟
3. وجوب الربط بين الماكرو والميكرو
من خلال جدول أنماط النظريات الذي عرضناه في فقرة التعريف بالميكرو/ ماكرو، يتبين أنه من بين الأنواع العشرة، ثمة خمس نظريات فقط ملزمة بتبيان الانتقال، وكلها تشترك في خاصية واحدة: عدم تجانس الإشكالية مع فرضياتها. إما أن الفرضيات تهم الوحدات الفردية أو الفرد – السياق وتصبو إلى تفسير الماكرو–ظواهر، وإما أن الفرضيات تعنى بالمتغيرات الكبرى وتهدف إلى فهم الوحدات الصغرى. هذه الحالة تهم نوعًا واحدًا؛ ذلك الذي ينطلق من البنيات لفهم الانتظامات الفردية بينما الأنواع الأربعة الباقية، أي الأكثرية، تسلك الطريق المعاكس. ربما استحواذ النظريات الفردانية على لاتجانس الفرضيات/ الإشكالية جعل لها الحظ الأوفر في نقاش سؤال الانتقال. بل أكثر من ذلك، حتى بعض النظريات الكليانية تحتاج إلى مد طريقين للعبور، واحدة نزولً نحو الوحدات الفردية لكونها موضوع فرضياتها (أغلب تقنيات البحث الميداني تتجه نحو الأفراد)، ثم أخرى صعودًا نحو الظاهرة – الإشكالية (مثال: المرور نزول من الأخلاق البروتستانتية [ماكرو]، إلى الأفعال الفردية [ميكرو]، ثم صعودًا إلى الرأسمالية [ماكرو.)] بشأن دواعي إلزامية الانتقال، هناك من جهة حجة منطقية دامغة: وجوب تجانس الإشكالية/ الفرضيات/ مستوى التحليل (الفرد، السياق، البنيات) الذي يعتمد على المبدأ المنطقي اللاتناقض. ومن جهة أخرى نلاحظ أن أغلب النظريات الماكروسوسيولوجية التي تدخل في نطاق الإلزامية هي من قبيل النظريات الوظيفية ونظريات المراقبة الاجتماعية، التي تجد ضالتها في المعايير والقيم والقواعد الاجتماعية لتفسير سلوك الفرد. وهنا يكمن أحد الحواجز التي يواجهها التفسير من دون قنوات العبور، ألا وهو، اقتباسًا للمجاز الفيبري، «حرب الآلهة» والاستعمال الانتهازي للقيم من طرف
الأفراد والجماعات. الشيء الذي يجعل ربط سلوك ما بقيمة، أو معيار، أو قاعدة ما، لا يمكن أن يكون
(50) Cherkaoui, «Le réel,» pp. 507–510. (51) Max Weber, Sociologie des religions (Paris: Gallimard, 1996). (52) Erhard Friedberg, Le pouvoir et la règle: Dynamiques de l’action organisée (Paris: Seuil, 1997).
خطيًا. فلا يخلو الدين ولا السياسة، ولا الأخلاق، ولا الاقتصاد، من تعارض القيم في ما بينها، بل حتى داخل كل مجال على حدة. ففي مجال العدالة الاجتماعية مثلً، هل أن سلوك المسؤول السياسي سيمتثل لقيمة المساواة (التوزيع بحسب الحاجات من دون مراعاة معيار المساهمة)، أم لقيمة الإنصاف (التوزيع بحسب معيار المكافأة مع المساهمة contribution / Rétribution)؟ إن ما «يزيد الطين بلة» أن كلا التصورين (القيمتين) مشروعٌ من الناحية الأخلاقية. إذ ا، هنا يصعب استنباط الفعل من القيمة أو المعيار من دون آليات أخرى، والتي غالبًا ما تتخذ شكل فرضيات إضافية حول السياق. وفي مجال التدريس الذي هو أقرب إلينا، نكون كذلك أمام مأزق الاختيار بين قيمة تكافؤ الفرص عبر معيار الاستحقاق وقيمة التضامن المتجلية في إنقاذ طالب استنفد كل فرصه، خصوصًا إن كان أقرب إلى معدل النجاح. دائمًا يكون الأمر على مستوى المعايير، لكن هذه المرة من داخل الأنساق الوظيفية؛ أي التي يعهد لها بتنظيم الدور بدقة شديدة تجعل سلوك المكلف بالدور مقيدًا ومتوقعًا. بالرغم من ذلك، من الصعب جدًا أن نقول إن السلوك يأتي موافقًا للمعايير المُكرهة، وإن كان حامل الدور يوجد بين مطرقة الوضعية وسندان انتظارات الشركاء في النسق. ومن ثم، هناك مجازفة في كل محاولة لاستنباط السلوك بإعمال معايير الأدوار التي يستند إليها الوظيفيون الذين يعتبرون المجتمع كله عبارة عن أنساق وظيفية؛ ومرد ذلك أن الفاعل متملص من الدور، وهذا الأخير يكتنفه غموض مرتبط ب: • قدرة تأويل معايير الدور من طرف الفاعلين. • تداخل الأدوار (أدوار الأب والزوج والأستاذ تضايق دور الباحث.) • كون الأدوار مركبة من أدوار فرعية (أستاذ–باحث، مثلً.) • لُبْس في المعايير نفسها التي تعرف الدور (على الباحث أن يحترز من الموضة الفكرية، لكن عليه في الآن نفسه ألا يكون منغلقًا على الأفكار الجديدة.) هذه الخاصيات الأربع هي التي تعطي لمالك الدور القدرة على التلاعب معه، فتضفي عليه بعدًا استراتيجيًا يصعب معه تنزيل الماكرو لوَحْيه على الميكرو من دون تدقيق لمسار الرسالة. لا يتأتى التدقيق الذي يجنب التيه إلا باستجلاء آليات العبور.
(((5 اقتبست المثال من كتاب محمد الشرقاوي، انظر:
Cherkaoui, Le paradoxe , p. 144. (54) Boudon, pp. 91–114.
رابعًا: نماذج لآليات الانتقال
ينغلق كتاب ارتباط الميكرو–ماكرو على خاتمة بعنوان «ربط الميكرو والماكرو» من توقيع مانش وسمالسر، يعرضان فيها باقتضاب في جزئها الرابع والخامس حلول الانتقال بين المستويين. ويفردان العبور من الميكرو إلى الماكرو بالميكانزمات الآتية: • التجميع: يوصف بكونه صيغة بسيطة تتأسس على كون الكل يساوي مجموع الأجزاء. رأى النور في الاقتصاد النيوكلاسيكي الذي يعتمده لحساب المتغيرات المركبة (الإنتاج الوطني، الدخل الوطني، الاستهلاك العام). تستعمله السوسيولوجيا كذلك اقتصارًا على الظواهر الناتجة وليس الناشئة، أي التي
يكون فيها الواقع الاجتماعي حصيلة للجمع الحسابي لأفعال الأفراد. غالبًا ما يساق في هذا الباب مثال
كلاسيكي، وهو الانتحار عند دوركايم الذي يساوي مجموع انتحار الأفراد، لأن المنتحرين مشتتون في أرض الله الواسعة، وفعل أحدهم لا يؤثر في فعل الآخر، وهو ما يعني انتفاء التبعية البينية. لكن دوركايم مصر على جعله منبثقًا لدحض نظرية التقليد لغابرييل تارد، مستنجدًا بالتبعية البينية للأسباب في غياب تلك التي تخص الأفراد. تعرضت هذه الآلية لانتقاد مفاده أن المعدلات الاجتماعية في الاقتصاد وغيره ليست إلا إحصاءات ذات قيمة وصفية، يستلزم تأويلها معرفة السياق الذي أنتج الواقع الذي تصفه. ويستدعي التفسير بالضرورة (السببية المتعددة) وقائع لامتجانسة لأنها منتمية إلى مجالات مختلفة؛ فيكون التجميع بذلك غير ممكن. • توليف التفاعلات مع عوامل أخرى: هنا تركب متغيرات الأجزاء في ما بينها، إضافة إلى متغيرات تنتمي إلى النسق المباشر والأنساق غير المباشرة. وتبنى المتغيرات بحسب أهميتها للإشكالية. وتكمن الصعوبة، بحسب كاتبي الخاتمة، في الثقل الراجع إلى كل عامل على حدة في ظهور الواقع موضوع البحث. ويمكن، إحصائيًا، حساب ذلك بتقنيات الترابطات المتعددة المتغيرات، لكن يطرح تحدٍّ آخر:
إذا كانت المتغيرات من بناء الباحث، فكيف سيتم الأخذ في الاعتبار دوافع الأفراد الذين هم دعامة الظاهرة؟ وبأي طريقة ستركب؟ يجيب فيبر: بإنتاج أنواع مثالية تركز المشترك. • خلق وتعزيز أو إعادة إنتاج الماكرو: هنا الماكرو لا يتأتى فقط انطلاقًا من وضعيات التفاعل، بل هو مزيج من خاصيات منبثقة إبان الفعل ورد الفعل مع عناصر ماكرو. هذه السيرورة تنتج ماكرو جديدًا، تدعم الكائن أو تعيد إنتاجه. الكل عبر «منظومة تبادل الخطاب» التي تعتبر صلة وصل بين التفاعل
(55) Richard Münch & Neil J. Smelser, «Relating the Micro and Macro,» in: Alexander et al. (eds.), p. 377; Cherkaoui, Naissance , pp. 31–33. (56) Gabriel Tarde, Les lois de l’imitation , Collection Les classiques des sciences sociales (Québec: Edition Numérique, 2004), pp. 133–134, 139, 281. (57) Reinhard Wippler & Siegwart Lindenberg, «Collective phenomena and rational choice,» in: Alexander et al. (eds.), pp. 135–152.
الآني والمكاني والبنيات التي تُدمج كما هي أو بتغيير ما بحسب تأثير التفاوض فيها. بمعنى آخر؛ آلية الربط ميكرو–ماكرو يجب البحث عنها في التفاوض، أي في منظومة تبادل الخطاب. • الامتثال: الميكرو يمتثل لأوامر الماكرو من خلال المراقبة الاجتماعية والعقاب الاجتماعي، وهو آلية انتقال ابتدعتها نظرية الأدوار الوظيفية لميرتون بتآزر مع نظرية النظام الاجتماعي لتالكوت بارسونز. ماذا عن سلوكات مقاومة؟ إنها تصنف في خانة الانحراف حتى لا تفند هذا الحل الانتقالي. أما الماكرو فيعبر إلى الميكرو عبر آليتين، هما: • الماكرو كاستدخال: القول هنا بكون مكونات الماكرو (لغة، معايير، وغير ذلك) تَنفذ إلى الأفراد عبر
التنشئة، فتمارس ضبطًا على السلوك والتفاعل. • الماكرو كواضع للحدود: حل العبور هذا لا يقول بالاستدخال المطلق، بل يرى في المتغيرات
الماكرو أُطرًا تُؤوي سيرورات الميكرو (الفعل والتفاعل)، مع الأخذ في الاعتبار كونها بدورها يُعاد
إنتاجها، تُؤول أو تُبدَل عبر الابتكار، أو الاستراتيجية (التلاعب)، أو التصنيف عبر النشاط الذهني للفاعل. هل من قيمة تطبيقية لهذا المُركَّز من حلول العبور؟ بالطبع لا. لماذا؟ • لأن لها من التجريد والعمومية ما لا يمكّن من تنزيلها أثناء دراسة إشكالية معينة. • لأنها تستخدم مفاهيم جاهزة (استدخال، إعادة الإنتاج، امتثال، تنشئة) وهي في نهاية المطاف مجرد وصف لسيرورات، وليست أدوات تفكيكية تفسيرية. • لأن هذه النماذج بدورها تحتاج إلى تفسيرها كمعطيات سوسيولوجية. فمثل، عند قولنا بانعدام حوادث السير في مجتمع ما لأن السائقين الأفراد يمتثلون لقواعد مدونة السير، وأن هذا الامتثال هو آلية العبور من أفعال الأفراد إلى انعدام الحوادث، نكون كمن وصف السيرورة لا كمَنْ فسرها. ما يجب فعله
هو استجلاء ميكانزمات الامتثال. • ليست كل النظريات التفسيرية، ميكرو كانت أو ماكرو، تستوجب تبيان آليات الانتقال؛ فقط التي لا تحترم مبدأ التجانس بين وحدة الملاحظة والتحليل من جهة والإشكالية من جهة أخرى. هذه النماذج التي عرضها مانش وسمالسر أهملت هذه الخاصية الفاصلة. فالامتثال للماكرو كآلية عبور إلى الميكرو،
مثلً، تحت طائلة المراقبة والعقاب الاجتماعيين لا يصلح لفهم ظواهر التنظيمات: أولً، لأن هذه
الأخيرة تتموقع في الميزو، وهو لا يحتاج أصل إلى آليات الانتقال ما دامت وحدة الملاحظة تتموضع في مستوى الإشكالية نفسها. ثانيًا، قد ينتج التنظيم قواعد لا تلتقي دائمًا مع قواعد المجتمع. فالتضامن
على سبيل المثال، بوصفه قيمة اجتماعية أوجب المجتمع الامتثال لها، لا يذعن له الفاعلون في
(58) Robert King Merton, Éléments de théorie et de méthode sociologique (Paris: Armand Colin, 1997), pp. 260–292. (59) Talcott Parsons, The Social System (Oxford: Taylor and Francis, 2005), pp. 201–243.
التنظيمات على نحو مستمر؛ إذ لا يمكن لمصلحة مراقبة الجودة أن تمتثل لهذه القيمة فتتضامن مع قسم الإنتاج كلما تعلق الأمر بمراقبة مطابقة المنتوج لمعايير الجودة. لنقل، إذًا، إنه ليست هناك قوالب مُعدَّة سلفًا للانتقال، ضدًا على أولئك الذين ذهبوا هذا المذهب؛
ف «لكل حادث حديث»، ويستحيل، إلى حدود ما وصلت إليه اليوم مناهج العلوم الاجتماعية، تصور حل
موحد للربط بين مستويات الواقع. من أجل هذا، ينبغي أول اختزال قسري للمستويات؛ الماكرو في الميكرو أو الميكرو في الماكرو. هناك محاولات بين دعاة هذا الطرح أو ذاك (كولمان، كولينز، بودون، بورديو). ثم ينبغي اقتراح نظرية موحدة للاجتماعي، وهو أمر مستعصٍ. نعم، كانت هناك محاولات
(كولمان وبارسونز)، لم تُجدِ نفعًا لأنها اختزالية راديكالية (كولمان)، أو ضعيفة (بارسونز وشيلز، لأنها
حاولت الاحتفاظ بالمشترك بين النظريات فكانت الحصيلة مقترحات لا تفي بالغرض). ومن ثم، إذا استحال اختزال المستويات، واستحال التوحيد النظري، استحال كلازمة توحيد آليات الانتقال. في حصيلة الأمر، لكل إشكالية بحثية طرق عبور خاصة بها، تُبتكر وتبنى في مكانها وزمانها. سنعرض في ما يلي بعض الدراسات التي وقفت عند آليات العبور، لأنه ليس كل الأبحاث تفلح في ذلك. وسنهتم بمثال عن الربط الذي استعمله دوركايم لتفسير ظهور الظاهرة الدينية انطلاقًا من «ضروب الفعل» التي يأتيها الأفراد، ثم سأحاول كذلك تقديم السجال بين السوسيولوجيَّيْن؛ الأميركي جيمس
كولمان والمغربي–الفرنسي محمد الشرقاوي، في موضوع تبيان فيبر لآلية الانتقال من الأخلاق البروتستانتية إلى الرأسمالية من عدمه، وسأنهي بعرض مقتضب ل «تركيب الأفعال الفردية» عند ريمون بودون.
1. دوركايم وانبثاق الدين
ما سأعرضه حول ميكانزمات العبور عند دوركايم مقتبس من تأويل السوسيولوجي محمد الشرقاوي في كتاب له بالفرنسية يمكن ترجمة عنوانه إلى العربية ب ولادة علم: السوسيولوجيا بحسب دوركايم. الشرقاوي، في محاولته استخراج حل الانتقال الدوركايمي من سلوك الأفراد إلى انبثاق «الأشكال الأولية للدين»، يعيد، على نحو مقتضب، وصف السيرورة التي يكونون عليها وهم في غمرة «التعبد.» وهذا لا يخلو، كما عودنا دوركايم، من استعمال عوامل مورفولوجية (الحجم، والكثافة المادية،
(60) James S. Coleman, Foundations of Social Theory (Cambridge: Harvard University Press, 1990). (61) Talcott Parsons & Edward A. Shils, Toward General Theory of Action: Theoretical Foundations for the Social Sciences , Neil J. Smelser (intro.) (London; New York: Routledge, 2001), pp. 3–46.
(((6 يعترف دوركايم بكونه عاجزًا عن الوصف الدقيق لسيرورة التفاعل الذي يجعل الفرد المسالم يتحول إلى وحش عندما يندس
في حشد. ولعدم قدرة دوركايم على النفاذ إلى ميكانزمات هذا التحول، فإنه يلجأ، اعترافًا منه، إلى التعابير المجازية، انظر:
Durkheim, note 2, p. 116. (63) Cherkaoui, Naissance , pp. 44–52.
والكثافة الحركية). وتفترض سيرورة انبثاق الدين المقترحات التالية التي هي في الوقت نفسه عناصر وصفية: • وجود تجمع لأفراد مركز زمانًا ومكانًا. التركيز يرفع الكثافتين، فترتفع وتيرة التفاعلات. • التجمع بغرض الاحتفال بحدث ما يختلف مطلقًا عن الأنشطة اليومية المألوفة. الأنشطة العادية لا تركز في المكان والزمان وجود الأفراد مجتمعين، فالتضامن آلي وليس عضويًا تكامليًا. • الاحتشاد وحده كفيل بالتأثير في السلوك. يصعب على الفرد أن يسير ضد التيار. إنه يقيس سلوكه وإحساسه على أعضاء الحشد. تتأجج الأحاسيس بفعل الحماسة المترتبة على الكثافة وبالتأثير البيني التماثلي لمكونات المجموعة. • يتعزز المشهد بالنقر على أدوات الإيقاع. يصاحبه غناء ورقص جماعيان. يذوب الفرد في المجموعة. فينشأ فوران جمعي سيفصل تدريجيًا كل فرد عن هويته الذاتية. • سينسلخ الفرد كلية عن شخصه عبر طقس الأقنعة وطلاء الصباغة، فيتكون وعي جمعي يشل بالتدريج الوعي الفردي. يتقوى الأول على حساب الثاني باستعمال الرموز والطوطم. • ينبثق الوعي الجمعي على إثر الفوران الجماعي، ويخلق لنفسه إبان الحدث المحتفى به الاستثناء، ويضفي على الجمعي المهابة والسمو بالسماح لخرق قواعد ذات إكراه وعقاب خارج هذا الزمان وهذا المكان كالترخيص مثلً، بل تشجيع علاقات حميمية ممنوعة. يقول دوركايم «في هذا الوسط المتسم بالفوران ومن هذا الفوران نفسه تنبعث، على ما يبدو، فكرة الدين. ودليل ذلك أنه في أستراليا لا يتجلى النشاط الديني إلا عند انعقاد مثل هذه التجمعات[...] خارج احتفالات القبيلة والعشيرة، الزمان تملؤه وظائف لائكية ومدنسة». لا ينشأ الدين إذ ا في «عزلة الرسول الموحى له». ينبثق من الحشود من جراء انصهار وعي الأفراد فرادى في وعي جمعي جامع جامحٍ. يقول الشرقاوي عن هذه السيرورة إنها «تصف آلية أولية للانبثاق ليس فقط للدين، بل حتى للقاعدة الأخلاقية والمعيار الاجتماعي». إذًا، آلية العبور هذه «أولية»، لكن «لا نسأل دوركايم أكثر مما يمكن أن يعطيه» بحسب تعبير الشرقاوي. نشأة ظواهر ماكروسوسيولوجية كهذه ليس من السهل بناء نموذج كامل متكامل بشأنها. فالدراسة الإمبريقية تكاد تكون مستحيلة لكون زمان رصدها يفوق بكثير حياة الدارسين. لماذا هي أولية؟ لأنها غير مكتملة؛ فهي تجعل التكون التدريجي لإحساس فردي بشيء خارق خارج عنه مردّ الإحساس الديني. لكن تبقى صفة الجمعي لهذا الإحساس غير معلومة؛ إذ كيف يصير مشتركًا،
(64) Ibid., p. 47. (65) Ibid., p. 48.
أي كيف نمر من إحساس فردي إلى إحساس جماعي؟ خصوصًا أن الإحساس الجمعي الديني هو البعد المركزي للشكل الأولي للدين. نعم، الإحساس الديني فردي ينبعث من الفوران الجماعي الذي هو حالة نفسية جمعية. الفوران الجماعي ينشأ عن الأفراد إحساسًا وسلوكًا؛ لا عبر تجاور أو تجميع للسلوك، بل عبر تركيب ما يجعل الانتقال مفهومًا. هذا التركيب يجب أن يؤلف بطريقة ما عوامل مورفولوجية، حجم الجماعة المحتفلة بالحدث وكثافتها (يحددان شدة العلاقات البينية)، مع عامل آخر، هو التباعد الزمني بين الحياة الجمعية والحياة الاجتماعية العادية عبر تردد متباعد في الزمن. المفارقة الكبيرة بين الحياتين (أنشطة مدنسة
مقابل أنشطة لامدنسة) تذكي إحساسًا عميقًا تجاه شيء أ ضفيت عليه صفة القداسة لفرادته: إنه الإحساس الديني. لكن مؤلف الحياة الأولية للأشكال الدينية لم يُوضح ارتباطات المتغيرات الثلاثة. وهذا مكمن ضعف آلية انتقاله.
2. سجال كولمان/ الشرقاوي حول فيبر
بالنسبة إلى كولمان، لم يفلح فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية في ربط المتغير الماكروسوسيولوجي الأول (الأخلاق) بالمتغير الماكروسوسيولوجي الثاني (الرأسمالية)، لأنه لم يوضح على أي جسر عبَر من الدين إلى نظام اقتصادي جديد. ثم يجب أن نلاحظ أن فيبر لم يقتصر
على محاولة فهم ظهور الرأسمالية بالدين، وإلا سيكون كمن يفسر الاجتماعي بالاجتماعي، المبدأ الدوركايمي الشهير. وانسجامًا مع مبدئه الفهمي، يصبح لزامًا عليه النزول من متغير «كلياني» إلى متغير «فرداني» ثم، مرة أخرى، الصعود إلى المتغير الكلياني التابع المراد تفسيره. هكذا يكون مؤسس السوسيولوجيا الألمانية منسجمًا مع طرحه المنهجي الإبستيمولوجي الوارد في محاولات في النظرية
العلمية، الذي يقول بنجاعة التفسير الذي يستنبط الظواهر من الأفعال الفردية. بالنسبة إلى كولمان، فيبر لا يمكنه أن يفيد في الانتقالات بين مستويات الواقع، ولهذا السبب فإن نظريته قاصرة عن تفسير الظواهر التي تناولتها. بمعنى آخر؛ عند غياب حل الانتقال، مهما كانت براعة التفسير، فإنه يبقى ناقصًا. لم يكن نيكوس موزليس متفقًا مع هذا الرأي، ف «هناك أمثلة كثيرة للتعامل السيئ الذي يواجه به منظرو الاختيار العقلاني النصوص الكلاسيكية، خصوصًا نصوص ماركس وفيبر.
أحسن مثال على ذلك هو طريقة تعامل كولمان مع أعمال فيبر». ثم يسترسل موزليس قائل إن ما يعيبه السوسيولوجي الأميركي على هذا الأخير هو: «كولمان يقول بالضعف الكبير لنظرية فيبر لأنها تريد إحداث علاقة سببية بين البروتستانتية وازدهار الرأسمالية من دون استكشاف الروابط ماكرو>ميكرو (لتوضيح بأي ميكانزمات خاصة يؤثر المذهب البروتستانتي في الممارسات اليومية للأفراد)، ولا
(66) Nicos Mouzelis, Sociological Theory: What Went Wrong? Diagnosis and Remedies (London; New York: Routledge, 2003), p. 34.
الروابط ميكرو>ماكرو (ما التغيير الذي وقع في ممارسات الأفراد فرادى فأدى إلى ظهور المقاولة الرأسمالية، ثم إلى ازدهار الرأسمالية الاقتصادية»). يقول كولمان بوضوح: «من أجل استكشاف ما الذي يجب فعله لصيغة عبور مناسب بين الميكرو
والماكرو، سأعرض مثال لعبور غير موفق. المثال مأخوذ من السوسيولوجيا الكلاسيكية؛ إنه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية لماكس فيبر». يرى كولمان أنه يمكن تفكيك النظرية الفيبرية إلى ثلاثة مقترحات. أولها: المذهب البروتستانتي يولد عند المنتسبين إليه قيمًا ما. ثانيها: إن الأفراد المعتقدين
هذه القيم لهم توجه معين إزاء السلوك الاقتصادي. ثالثها: توجهات محدَّدة للسلوك الاقتصادي تساعد على ظهور تنظيم اقتصادي رأسمالي في المجتمع. وبحسب السوسيولوجي الأميركي، فإن هذا المقترح الأخير هو أضعف حلقة في النظرية الفيبرية. لنفترض أن المنتسبين إلى البروتستانتية لهم قيم ذات المضمون الديني والاقتصادي نفسه، هذا لا يعني بالضرورة أن الديني يؤثر في الاقتصادي. كولمان يرى أن فيبر لم يجد قناة العبور من مجال القيم إلى مجال الأنشطة. ثم على اعتبار أن روح الرأسمالية هي في الآن ذاته خاصية فردية واجتماعية، فإن فيبر لم يفلح في إظهار كيف ننتقل من معتقدات فردية إلى المعايير الاجتماعية، ولم ينجح في الإقناع بأهمية تلك المعايير للممارسة الرأسمالية. ويختتم كولمان نقده باعتبار أطروحة فيبر ثقافوية مقنَّعة، ليس إلا. الخطاطة *)1(العلاقات بين المستوى الماكرو (الدين والرأسمالية) والمستوى الميكرو (القيم والسلوكات الاقتصادية)
المصدر:
James S. Coleman, «Microfoundations and Macrosocial Behavior,» in: Jeffrey C. Alexander et al. (eds.), The Micro– Macro Link (California: University of California Press, 1987), p. 155.
(67) Ibid. (68) James S. Coleman, «Microfoundations and Macrosocial Behavior,» in: Alexander et al. (eds.), p. 154.
ينفي محمد الشرقاوي هذا جملة وتفصيلً، ويحاول استنباط الميكانزم الفيبري للانتقال من خلال تأويله لكتابه، فجاءت ردوده على كولمان كالتالي: • لم يكن في نية فيبر إثبات تأثير إيجابي للدين في الاقتصاد الرأسمالي. فأحد المبادئ الموجهة ل «الأخلاق البروتستانتية» هو نفي التحديد الأحادي للسببية. لو أراد فيبر أن يبني ترابطات الدين البروتستانتي بالرأسمالية لوصل إلى عكس ما توقعه، لأن البروتستانتية في صيغتها الخالصة كانت متزامنة مع الركود الاقتصادي، بل أكد فيبر غير مرة أن ازدهار الرأسمالية في القرن السابع عشر تزامن مع انحطاط الدين، فما يتوافق مع النظام الاقتصادي المستجد هو التأويل الكلفاني للبروتستانتية. • هدف فيبر ليس تأريخ ظهور الرأسمالية التي كانت بعض مظاهرها موجودة في حضارات أخرى كالصين أو في العصور الوسطى، ثم إن إعمال فيبر المقاربة التاريخية ليس لربط الرأسمالية بالدين، بل لتبيان أسبقية روح الرأسمالية على النظام الرأسمالي. • علاقة الدين بالقيم التي تترجم بحسب كولمان المرور من الماكرو (الدين) إلى الميكرو (القيم) خاطئة لسبب بسيط هو أن القيم والدين ينتمي كلاهما إلى الماكرو. الشيء نفسه لروح البروتستانتية التي تعتبر في خطاطة الانتقال للسوسيولوجي الأميركي مُتغيرَ ميكرو على الرغم من كونها ماكرو. • انتقاد كولمان لفيبر على أنه لم يوضح آلية المرور من المعيار إلى الفعل ليس في محله، بل على العكس، أثار عالم الاجتماع الألماني العلاقة بين المعتقد المعياري والسلوك في أماكن كثيرة من كتابه وموضعها في آلية الربط. وهنا يحيل الشرقاوي على فيبر: «إن فكرة الاختبار هي الخطاطة الرابطة بين الاعتقاد والأخلاق». إذ ا، ف «الاختبار» (اختبار الإيمان) أو «التوكيد» (توكيده) هما آليتا الانتقال من الماكرو (المعيار) إلى الميكرو (فعل البروتستانتي الكالفيني الذي حثَّه المعيار على سلوك فيه روح الرأسمالية: توفير من أجل الاستثمار، عدم الإفراط في الاستهلاك، اعتبار العمل كهدف في الحياة.) يضاف إلى ذلك توكيد الإيمان واختباره عبر نشاط مهني يومي. لماذا لم يقنع هذا التفسير بآلية الربط هذه كولمان؟ لأن فيبر لم يلجأ إلى فرضيات مستوحاة من الاختيار العقلاني الذي يدافع عنه كولمان، والتي تجعل المنفعة المنتظرة أساس كل فعل. على العكس، فعل البروتستانتي الكالفيني يفسر بمعتقده وليس بغاياته: إنها العقلانية القيمية. يعيب كولمان على فيبر، كذلك، عدم توضيحه طرق الانتقال من السلوكات الفردية الاقتصادية (ميكرو) إلى تنظيم اقتصادي رأسمالي (ماكرو). بالفعل، بحسب تأويل الشرقاوي، لم يتطرق كتاب الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية مباشرة إلى المسألة. عاب كولمان على فيبر أنه لجأ في تفسيره إلى متغيرات لا–اقتصادية؛ أي خارجية وذات طبيعة ثقافوية مركزة في «روح الرأسمالية». وبحسب تأويل
(69) Mohamed Cherkaoui, «Les Transitions micro–macro: Limites de la théorie du choix rationnel dans les foundations of social theory,» Revue française de sociologie , vol. 44, no. 2 (Avril–Juin 2003), pp. 231–254.
الشرقاوي، اعتمد السوسيولوجي الألماني على دمج متغيرات ماكرو–اقتصادية وماكرو–اجتماعية (تنظيمات، معايير) وأفعال فردية وآليات الانتشار والتنافس التي تركِّب هذه الأخيرة. عاب كولمان كذلك على فيبر عدم تبيانه آليات الانتقال بين البروتستانية والقيم (التي موضعها كولمان في المستوى الميكرو، رغم أنه تعامل معها على أنها ماكرو في كل كتابه!). ثم انتقده لعدم صياغته طرق المرور من السلوك الاقتصادي لكل فرد (العامل والمقاول) إلى الرأسمالية. ثم دحض نظريته لأنها تخالف خطاطة آليات الانتقال التي اقترحها، والتي سميت في الأدبيات السوسيولوجية والاقتصادية «باخرة كولمان». وهكذا، كل نظرية تفسيرية لا تطابق خطاطته فهي معيبة. بدلً من هذه الخطاطة الكولمانية القارة، صاغ الشرقاوي خطاطة متحركة لآليات المرور بين المتغيرات الفيبرية التي حددها في ستة متغيرات (انظر الخطاطة 2): أ. الأرثوذكسية الدينية. ب. البروتستانتية الزاهدة (تأويل أ). ت. الأخلاق الزاهدة العلمانية (غير متوقعة وغير إرادية). ث. روح الرأسمالية. ج. الأفعال الفردية. ح. الرأسمالية المعاصرة (غير متوقعة وغير إرادية). الرمز «ز» إلى سيرورة زمنية. الخطاطة (2) خطاطة متحركة لآليات المرور بين المتغيرات الفيبرية
المصدر:
Mohamed Cherkaoui, «Les Transitions micro–macro: Limites de la théorie du choix rationnel dans les foundations of social theory,» Revue française de sociologie , vol. 44, no. 2 (Avril–Juin 2003), p. 244.
أما آليات المرور بين المتغيرات، فهي ثلاث: • آلية 1 (الاختبار والتوكيد): تربط «ت» (الأخلاق الزاهدة العلمانية) و«ث» (روح الرأسمالية) ب «ج» (الأفعال الفردية). بمعنى آخر؛ الأخلاق ليست وليدة التنشئة بحسب النظريات المعيارية، ولا وليدة «المنفعة المتوقعة» بحسب نظرية الاختيار العقلاني، بل وليدة الاختبار والتوكيد (أي اختبار الإيمان وتوكيده.) • آلية 2 (آلية الانتشار)، وآلية 3 (آلية المنافسة)، اللتان تركبان أفعال الأفراد لتعطيَا «ح»، الرأسمالية.
(70) Coleman, Foundations.
نلاحظ أن آليتين اثنتين تركبان بالتوازي أفعال الأفراد (المنافسة والانتشار) لتنتج ظاهرة ناشئة لم تكن
في الحسبان وهي النظام الرأسمالي، لكنّ هاتين الآليتين، أ دمجتا بدورتهما في أثر رجعي تمارسه الرأسمالية كنظام على أفعال الأفراد، فينتج من ذلك تأثير دوراني منغلق بين الأفعال والرأسمالية عبر المنافسة والانتشار دونما حاجة إلى الأساس الديني، أي إنه مع مضي الوقت استقلت ظاهرة الرأسمالية تدريجيًا فأصبحت تنتج نفسها بنفسها من دون تبعية للأخلاق البروتستانتية. والخطاطة تدمج الزمان (ز)
لتأكيد انبثاق الظواهر والحاجة إلى مدد طويلة لظهور تأثيراتها.
3. التركيب بحسب بودون
يلخص بودون براديغم الفعل في صيغة مُرمزة تحاول تركيب ثلاث دوال Fonction بالمعنى الرياضي
فتجعل: • الظاهرة (ظ) دالة للأفعال الفردية (أ.) • الأفعال الفردية (أ) دالة للبنيات (ب)، وهي دالة تَك يُّف الفعل مع الوضعية، أي إن الفعل تكون له
قابلية الفهم. • البنيات (ب) دالة لمعطيات ماكرو–اجتماعية (مإ.) إن تفسير الظاهرة (ظ)، بحسب براديغم الفعل، يرجع، إذًا، إلى تدقيق حدود الصيغة المختصرة التالية: ظ = ظ{أ[ب (مإ)]}. وفي الوقت نفسه فإن «ظ» هي أثر تركيبي أي ناشئ: «يمكن في بعض الأحيان فهم هذا الأثر على نحو حدسي كإقبال الناس بكثرة لشراء سلعة، اعتقدوا لسبب ما أن ثمنها سيرتفع. ينشأ عند ذلك شُح السلعة فارتفاع ثمنها. إنه نوع من الآثار الناشئة السهلة التركيب». في أغلب الأحيان، تبقى التأثيرات المركبة غامضة من دون مجهود تحليلي، لأن تركيب أفعال الأفراد يتطلب البحث عن معطيات كافية حولهم، إضافةً إلى تركيز كبير. لمزيد من التوضيح يقتبس بودون من كولمان دراسته حول انتشار الأدوية الجديدة بين الأطباء؛ إذ يلاحظ في البداية أن سيرورة الانتشار بطيئة، ثم ترتفع إلى أقصاها (عندما يتبنّى طبيب واحد من أصل اثنين الدواء الجديد) فتنحدر إلى أدناها في صفوف أطباء المستشفيات العمومية، بعكس أطباء القطاع الخاص الذين يقبلون ببطء شديد على الدواء الجديد. خلاصة التحليل أن أفعال الأطباء رُكِّبت في ما بينها لتعطي هنا بطئًا، وهناك سرعة في
سيرورة التبني بتأثير آلية النفوذ البين–شخصي. عرض السوسيولوجي الفرنسي المعاصر أمثلة كثيرة لآليات العبور التي توصل إلى الأثر الناتج (الظاهرة)، لا يتسع المجال لعرضها واستنتاج الخلاصات في ما يخص الانتقالات بين مستويات الواقع.
(71) Raymond Boudon, La Place du désordre , Collection Quadrige (Paris: PUF, 2004), p. 67.
نختم هذه الفقرة بمقولة لبودون تركز كل الخلاصات الممكن استنباطها بشأن أهمية الانتقال واشتراطه في العملية التفسيرية: «إن عملية تحديد الآثار التركيبية ليست دائمًا سهلة، بل تتطلب تدريبًا مسترسلً.
إن التركيب، للعقل البشري بمنزلة حساب التفاضل، وكما هو، وجب تعلمه».
خاتمة: الميزو والهابيتوس و«الأشكال»، رفض لثنائية الميكرو-ماكرو
هل أن «الهابيتوس» و«الشكل» آليات انتقال نافذة كيفما كان السؤال المطروح؟ في كتاباته، وعلى حد علمي، لم يطرح بورديو إشكالية ذات بعد إبستيمولوجي ومنهجي كتلك التي تخص المرور بين مستويات الاجتماعي، بل إنه يرفض صراحة ازدواجية الواقع ويقول عن الثنائية الميكرو–ماكرو إنها خاطئة ومضللة: «أعتقد أن كل التقابلات من قبيل الميكرو–الماكرو، الذاتانية– الموضوعية [...] هي تقابلات خاطئة ولا تصمد ولو هنيهة للتحليل النظري». إنه يصف، في الحوار نفسه، التقابل الفردي–الاجتماعي بالغبي، ويستشهد بمقولة باسكال «العالم يضمني وأنا أضمه.» بمعنى آخر؛ لا وجود لمستويات واقع منفصلة عند بورديو. هناك مستوى واحد يمتزج فيه الفردي والاجتماعي دونما القدرة على العزل. وهكذا، جاز لي القول إن السوسيولوجي الفرنسي، من حيث إنه يرفض تراتبية الواقع، فإنه لم يكترث لقنوات العبور. وعلى شاكلته، الألماني الكلاسيكي جيورغ زميل Simmel Georg الذي لم يثر مسألة العبور وإشكالياتها على نحو مباشر. كيفما كان الحال، يمكن ترتيب سوسيولوجيا بورديو في النوع التاسع من جدول تصنيف النظريات المذكورة سابقًا، لكونه يحاول أن يستجلي انتظامات الأفراد بإعمال البنيات. ومن هذا المنطلق، يكون لزامًا بناء جسر يوصل البنيات بالأفعال الفردية. والجسر، في تأويل لبعض علماء الاجتماع، هو
الهابيتوس. ليس استعمال هذا المفهوم وليد بورديو، فهو نفسه يعترف بأسبقية استعماله من طرف أرسطو، وفيبر، ودوركايم، وموس، وهوسرل وآخرين. ويحيل الهابيتوس على استعدادات مُبَنْينَة ومُبَنْيِة تكون في حالة
افتراضية تنبعث انسجامًا مع وضعية الوكلاء. وللهابيتوس من القوة ما يجعله يؤلف المسارات الفردية
مع الاجتماعية، والاختيارات الفردية مع البنيات الاجتماعية. ومن هنا فإن الهابيتوس هو القناة التي تغرف من بحر المجتمع لتصب في مَعين الفرد عبر التنشئة حتى قبل تعلمه، وهو طفل، لغة الأم. لكن
(72) Ibid, p. 69.
(((7 بيير بورديو في حوار مع المؤرخ روجي شارتيي، انظر:
Roger Chartier, «Pierre Bourdieu – Le monde me comprend mais je le comprends: Entretien avec l’historien Roger Chartier diffusé dans ‘Les chemins de la connaissance’ (partie 3, 1988),» Sociotoile, accessed on 25/6/2019, at: http://bit.ly/2FwAyh5
البعض الآخر ممن تخصصوا في إشكالية الانتقالات نفوا أن يكون الهابيتوس قنطرة عبور؛ إذ يكتنفه غموض شديد لأنه تنزيل للبنية في الفعل الذي هو بدوره يقوي البنية، مع عدم استحالة تفتق ذاتية الوكيل. «في الخطاطة البورديوزية، لا إشكالية الميكرو–الماكرو، ولا مسألة الفرد–البنية لهما قابلية الحل»، كما يقول جوناثان تارنر. الهابيتوس لا يحدد أي مظهر من المظاهر في الفرد (الذهن، أو الإدراك، أو السلوك) يتأثر، وبأي بعد من أبعاد البنية الاجتماعية، والعكس صحيح. ويختم تارنر بقوله: «إننا نقول بكل بساطة إن العلاقة بين البنية والفرد يتوسطها الهابيتوس، ونكون كمن سمى السيرورة، من دون توضيح أكثر.»
References
المراجع
Alexander, Jeffrey C. et al. (eds.). The Micro-Macro Link. California: University of California Press, 1987. Boudon, Raymond. La logique du social: Introduction à l’analyse sociologique. Collection Pluriel 25. Paris: Hachette Littératures, 1990. _______. La Place du désordre. Collection Quadrige. Paris: PUF, 2004. Bouglé, Célestin. «Remarque sur le polytélisme.» Revue de métaphysique et de morale. vol. 22, no. 5 (1914). Bridel, Pascal. «Quelques réflexions sur l’idée de ‘main invisible’.» Revue européenne de sciences sociales. vol. 26, no. 82. L’économie dans la société: Ve colloque annuel du groupe d’étude «Pratiques sociales et théories (1988). Calhoun, Craig, Chris Rojek & Bryan Turner. The Sage Handbook of Sociology. London: Sage Publications, 2005. Chartier, Roger. «Pierre Bourdieu - Le monde me comprend mais je le comprends: Entretien avec l’historien Roger Chartier diffusé dans ‘Les chemins de la connaissance’ (partie 3, 1988).» Sociotoile. at: http://bit.ly/2FwAyh5 Cherkaoui, Mohamed. «Le réel et ses niveaux: Peut-on toujours fonder la macrologie sur la micrologie?» Revue française de sociologie. vol. 38, no. 3 (juillet-Septembre
_______. Le paradoxe des conséquences. Genève: Librairie Droz, 2006. Cherkaoui, Mohamed. Naissance d’une science sociale: La sociologie selon Durkheim. Genève: Libraire Droz, 1998. _______. «Les Transitions micro-macro: Limites de la théorie du choix rationnel dans les foundations of social theory.» Revue française de sociologie. vol. 44, no. 2 (Avril- Juin 2003). Coleman, James S. Foundations of Social Theory. Cambridge: Harvard University Press, 1990.
(74) Jonathan H. Turner, «A New Approach for Theoretically Integrating Micro and Macro Analysis,» in: Craig Calhoun, Chris Rojek & Bryan Turner, The Sage Handbook of Sociology (London: Sage Publications, 2005), p. 406.
Collins, Randall. «On the Microfoundations of Macrosociology.» American Journal of Sociology. vol. 86, no. 5 (March 1981). Comte, Auguste. Cours de philosophie positive. Paris: Hermann, 1975. De Saint Simon, Claude-Henri. La physiologie sociale: Œuvres choisies , Georges Gurvitch (intro. & not.). Collection Bibliothèque de sociologie contemporaine. Paris: Presses Universitaires de France, 1965. Durkheim, Emile. De la division du travail social. Paris: PUF, 1987. Ferguson, Adam. An Essay on The History of Civil Society. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Friedberg, Erhard. Le pouvoir et la règle: Dynamiques de l’action organisée. Paris: Seuil, 1997. Fuchs, Stephan. «On the Microfoundations of Macrosociology: A Critique of Macrosociological Reductionism.» Sociological Perspectives. vol. 32, no. 2 (June
Guillo, Dominique. «La sociologie d’inspiration biologique au XIXe siècle: Une science de l’‘organisation’ sociale.» Revue française de sociologie. vol. 41, no. 2 (Avril-Juin 2000). Hempel, Carl. Aspects of Scientific Explanation and other Essays in the Philosophy of Science. New York: The Free Press Collier; London: Macmillan Limited, 1965. Isambert, François-André. «L’interprétation, source de la compréhension chez Max Weber.» Enquête , no. 3 (1996). Le Bon, Gustave. Psychologie des foules. 9 ème ed. Paris: Félix Alcan, 1905. Collection Les classiques des sciences sociales. Québec: Edition électronique, 2001. Maindeville, Bernard. La Fable des abeilles: Suivi de « essai sur la charité et les écoles de charité » et de « defense du livre, » Lucien & Paulette Carrive (trad.). Paris: Librairie philosophique J. Vrin, 1998. Mauroy, Hervé. «La fable des abeilles de Bernard Mandeville: L’exploitation de son prochain comme fondement de la civilisation.» Revue européenne des sciences sociales. vol. 49, no. 1 (Octobre 2011). Merton, Robert King. Éléments de théorie et de méthode sociologique. Paris: Armand Colin, 1997. Mill, John Stuart. Système de logique deductive et inductive: Expose des principes de la preuve et des methodes de recherche scientifique. Livre III: De l’induction , Louis Peisse (trad.). Collection Les classiques des sciences sociales. Québec: Edition électronique, 2002. Moessinger, Pierre. Irrationalité individuelle et ordre social. Genève: Librairie Droz,
Mouzelis, Nicos. «The Interaction Order and the Micro-macro Distinction.» Sociological Theory. vol. 10, no. 1 (Spring 1992).
Mouzelis, Nicos. Sociological Theory: What Went Wrong? Diagnosis and Remedies. London; New York: Routledge, 2003. Nicolas, Serge. La Psychologie de W. Wundt. Paris: L’Harmattan, 2003. Parsons, Talcott & Edward A. Shils. Toward General Theory of Action: Theoretical Foundations for the Social Sciences. Neil J. Smelser (intro.). London; New York: Routledge, 2001. _______. The Social System. Oxford: Taylor and Francis, 2005. Porpora, Douglas V. «Are There Levels of Social Structure.» Humboldt Journal of Social Relations. vol. 22, no. 2. Recent Advances in Theory and Research in Social Structure (1996). Schelling, Thomas. Micromotives and Macrobehavior. New York: W.W. Norton & Company, 1978. Smith, Adam. La richesse des nations. Paris: Flammarion, 1991. _______. La théorie des sentiments moraux. Paris: PUF, 1999. Tarde, Gabriel. Les lois de l’imitation. Collection Les classiques des sciences sociales. Québec: Edition numérique, 2004. Weber, Max. Économie et société: Les catégories de la sociologie. Julien Freund (trad.). Paris: Plon, 1995. _______. Sociologie des religions. Paris: Gallimard, 1996. _______. Essais sur la théorie de la science: premier essai: « L’objectivité de la connaissance dans les sciences et les politique sociales.» Julien Freund (trad.). Collection Les classiques des sciences sociales. Québec: Edition électronique, 2006.