Return to Article Details The Positioning of Geography between Natural and Social Sciences: Which Methodology for Which Topic?

تموضع العلوم الجغرافية بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية: أيّ منهاج لأيّ موضوع؟

The Positioning of Geography between Natural and Social Sciences: Which Methodology for Which Topic?

الحسن المحداد، رقية أيت واعزيز، محمد جداوي، لكبير أحجو، مبارك بوزليم |

El Hassane EL Mahdad, Rkia Ait Ouaziz, Mohamed Jadaoui, Lakbir Ouhajou, M’barek Bouzalim

الملخّص

* الحسن المحداد: أستاذ الجغرافيا الطبيعية، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.

رقية أيت واعزيز: أستاذة جغرافية السكان، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.

محمد جداوي: أستاذ مؤهل في جغرافية التنمية، المدرسة الوطنية للهندسة التطبيقية، جامعة ابن زهر، المغرب.

لكبير أحجو: أستاذ جغرافية الأرياف، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب. مبارك بوزليم: أستاذ الجغرافيا الطبيعية، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.

Abstract

Geography holds a special position that brings together natural and human phenomena. This raises questions about the approach of geographers to overcome the same methodological problems that all other social scientists undergo. Geography inherited a wide-reaching subject matter and a broad variety of methodology from Greek thought, and could not overcome this despite changes in successive theoretical contexts. It is true that the study of natural phenomena has contributed to some sort of identification with experimental science methodology, but addressing human phenomena did not enable it to overcome the methodological obstacles experienced by the social sciences and humanities.

الكلمات المفتاحية:
  • الفكر الجغرافي
  • براديغمات الجغرافيا
  • الموضوع
  • المنهاج
Keywords:
  • Geographical Theory
  • Geography Paradigms
  • Methodology

ملخص: يتخذ علم الجغرافيا وضعًا خاصًّا يجعله يجمع بين الظواهر الطبيعية والقضايا الإنسية،

الأمر الذي يثير التساؤل حول المنحى الذي يسلكه الجغرافيون لتجاوز الارتباك المنهجي الذي يعيشه كباقي العلوم الاجتماعية والإنسانية المجاورة. ورثت العلوم الجغرافية عن الفكر اليوناني نوعًا من الاتساع في الموضوع والتعدّد في المنهاج، ولم تستطع تجاوز ذلك رغم

تغيّرات سياقاتها النظرية المتلاحقة. صحيحٌ أنّ معالجتها للظواهر الطبيعية قد أسهمت في

تحقيق نوعٍ من التماهي مع مناهج العلوم التجريبية، لكنّ معالجة القضايا البشرية لم تمك نها

من تجاوز العقبات المنهجية التي تعيشها باقي العلوم الاجتماعية والإنسانية.

El Hassane EL Mahdad: Professor of Natural Geography in the Department of Geography at the Faculty of Arts and Humanities, the University of Ibn Zohr, Morocco.

Rkia Ait Ouaziz: Professor in the Geography Department, University of Ibn Zohr, specializing in population geography, Morocco.

Mohamed Jadaoui: Professor at the National School of Applied Engineering in the University of Ibn Zohr, specialized in development geography, Morocco.

لكبير أحجو: أستاذ جغرافية الأرياف، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.

Lakbir Ouhajou: Professor of Geography, specialized in rural areas in the Geography Department at Ibn Zohr University.

مبارك بوزليم: أستاذ الجغرافيا الطبيعية، قسم الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.

M’barek Bouzalim: Professor specializing in natural geography in the Geography Department at Ibn Zohr University, Morocco.

Abstract: Geography holds a special position that brings together natural and human phenomena. This raises questions about the approach of geographers to overcome the same methodological problems that all other social scientists undergo. Geography inherited a wide–reaching subject matter and a broad variety of methodology from Greek thought, and could not overcome this despite changes in successive theoretical contexts. It is true that the study of natural phenomena has contributed to some sort of identification with experimental science methodology, but addressing human phenomena did not enable it to overcome the methodological obstacles experienced by the social sciences and humanities.

أولا: مدخل: الجغرافيا وإشكالية المنهاج العلمي

تشكّل الممارسة الفكرية التي تُدرج اليوم ضمن علم الجغرافيا حالةً نادرةً إنْ لم نقل فريدة داخل الحقل الواسع للعلوم الاجتماعية والإنسانية. فهي تتناول موضوعًا ذا فضاء شاسع الامتداد يجعلها تتعرض لقضايا متباينة يدخل قسمٌ منها في شقّ «الجغرافيا الطبيعية»، وقسم ثان في

فرع «الجغرافيا البشرية»، وداخل كلّ شقٍّ تتعدّد وتتوالد تفرّعات أضيق فأضيق، وبشكل لا يكاد ينتهي

إلى حدٍّ يصبح فيه المنتسبون إلى الجغرافيا أنفسهم لا يتبادلون الاعتراف بين تخصصاتهم، وبالأحرى تقبّل العلوم المجاورة. ولئن تمّ التسليم بنفاذ الحدود وتراكبها بين العلوم، وما لذلك من انعكاسات

إيجابية على الربط فيما بينها ومن ثم على تقدّمها، فليس من المألوف غالبًا مصادفة حالة علم بهذه

الرحابة والاتساع في الموضوع على النحو الذي تتسم به الجغرافيا. من الجغرافيين من يذود عن تخصصه ويقبل بهذا التموضع الذي يجعل «الجغرافيا تنفتح على أفقين: فهي ملتقىً للعلوم الطبيعية والإنسانيات، وعبارةٌ عن قنطرة منتصبة بين هذين الفرعين للمعرفة البشرية،

ووضعية مفصلية بين مختلف التخصصات التي تقوم بالتنسيق بينها كفلسفة للمكان»، وهذا أمر

يفضي إلى ارتكاز بعض المفكرين القدامى والمحدثين على الوضع نفسه لينفي صفة «العِلمية » Scientificity / Scientificité عن الممارسة الجغرافية بسبب فقدانها وحدة و«شرعية» الموضوع، وبسبب ضبابية الأهداف وهلهلة الحدود، وضعف صرامة منهاجها العلمي ومحدودية صدقية النتائج. وبين الرأيَين نجد من يقبل بها لتدخل دائرة «التفكير العلمي» على أساس أنّ الجغرافيين يرتكزون في

(1) René Clozier, Histoire de la Géographie , Collection Que sais–je? 5 ème éd. (Paris: Presses Universitaires de France, 1972), p. 127.

(((نذكر في هذا الباب موقف الفلسفة الوضعية التي تبنّت شرعية العلم على وحدة الموضوع والمنهاج على نمط الفيزياء، وموقف

ج. بياجي الذي لم يدرج الجغرافيا في لائحة العلوم التي اعتمدها في «المركز الدولي للإبستيمولوجيا التكوينية» الذي أسسه وأشرف على إدارته، بدعوى أنها تدخل ضمن أنماط التفكير التي تعمل بمناهج علوم أخرى وتقتصر فقط على جمع و«إعادة تدوير» نتائج هذه العلوم.

عملهم على إعادة صياغةٍ وتوليف لما تنتهي إليه العلوم الأخرى من نتائج، ومن ثم على تقريبها من العموم، وبذلك فهم أقرب إلى الآداب من العلوم وإنْ كانوا «يلعبون على حبلين ويأكلون من قصعتين ثم يدّعون المنزلة بين المنزلتين. فهم في صحبة الأدباء علماء ومع العلماء مجرد أدباء». يسهم هذا الوضع المتذبذب والمرفق بنوع من «العوز الإبستيمولوجي» العميق لدى الجغرافيين عمومًا،

وعدم اهتمام هؤلاء على نحو كافٍ بقضايا الإطار النظري المهيكل لتفكيرهم وبالمناهج وكيفية تحقيق المعرفة داخل دائرة علمهم، في إضعاف وضع الجغرافيا أمام العلوم الأخرى، وتغييبها في كثير من الأحيان داخل لوائح تصنيفات العلوم، سواء تعلّق الأمر بالعلوم الطبيعية/ التجريبية أو بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. ومنذ البداية يجب التسليم بأنّ تناول إشكالية المنهاج في هذا التخصص الواسع والموغِل في القدم ليس بالأمر اليسير، لذلك سيقتصر طموح هذه الدراسة على المساهمة من جهة في استكشاف مسارات وطبيعة هذا الجمع اللافت لعلم الجغرافيا بين الظواهر الطبيعية «غير العاقلة» وقضايا الإنسان «العاقل»، ومن جهة ثانية على محاولة توصيف دروب القواعد الفكرية والنظرية التي استندت إليها الجغرافيا في هذا الربط، وأيضًا التوليف المنهجي الذي تحاول من خلاله الاستجابة لشروط الممارسة العلمية

والتوفيق بين الطبيعيات والإنسانيات المنتميَين إلى حقلَين متضاربَين في نظر بعض الباحثين.

1. مقاربة تاريخية لمعالجة أهداف متعددة

يتطلّب التطرق إلى قضايا المنهاج بالنسبة إلى أيّ ممارسة علمية أولً تحديد موضوع التخصص

العلمي المعني وحصر خاصياته وتغيراتها، ثم تأتي مرحلة وضع أسسه الفكرية والنظرية وربط طبيعة الموضوع بطبيعة المنهاج، وذلك في أفق توصيف خاصيات نتائجه وتحديد طبيعة العلاقات التي تربط التخصص العلمي المعني بباقي التخصصات المشكلة للمنظومة العلمية ككلّ. وبالطبع يمكن تناول هذه القضايا من زوايا نظر متعدّدة كزاوية الفلسفة التي تتوّخى مراقبة أداء العلوم المنحدرة منها، أو من

منطلق إبستيمولوجي صرف يطمع في نقد بناء التفكير الجغرافي، أو من زاوية علم المناهج الذي يطمح إلى نقد البناء المنهجي للممارسة الجغرافية. غير أنه اقتناعًا منا بوصفنا ممارسين للفعل الجغرافي في بعض مظاهره خلال مدّة غير قصيرة، ونظرًا إلى كون الجغرافيين لم يعتادوا بالقدر الكافي على

الاهتمام بالأسس النظرية لتفكيرهم، ولا على النقد الداخلي لأدائهم في إطار الإبستيمولوجيا الخاصة،

وبما أنّ الجغرافيا لم تنل بقدر وافٍ اهتمام أعمال الإبستيمولوجيا العامة على قدر ما استفادت منه علوم مجاورة أخرى، ستعتمد هذه الدراسة مقاربة كرونولوجية تبنّاها جغرافيون آخرون في مثل هذا المقام من أمثال مَحمد بلفقيه وجان–فرانسوا دونو وغيرهما. ذلك أنه يبدو أنّ التفكير الجغرافي الذي لازم

الإنسان منذ ظهوره على الأرض، على غرار باقي ميادين التفكير البشري، لم يستطع رسم خط مستقيم

(((محمد بلفقيه، الجغرافيا القول فيها والقول عنها: البحث عن الهوية (الرباط: النشر العربي الإفريقي، 1991)، ص.9 (((المرجع نفسه، ص.10

(5) Jean–François Deneux, Histoire de la pensée géographique (Paris: Belin, 2006), p. 5.

وهادئ عبر تاريخه الطويل، وإنّما سجّل مسارًا حافل بالاضطرابات في الموضوع، تُرجمت حتمًا إلى

تغيّرات في المناهج وانعكست على طبيعة النتائج والعلاقات بالعلوم الأخرى. لقد تم ترجيح اختيار البعد الزمني في إنجاز هذه الدراسة ليس من باب الدخول في عرض جدول مطوّل لتحوّل البراديغمات أو البارادايمات، بقاموس توماس كون، التي عرّفها علم الجغرافيا عبر

تاريخه وسجّلها متنه الضخم المتراكم عبر العصور، وإنّما فقط بغاية مناقشة بعض من القضايا التي

يطرحها الجمع بين ما هو طبيعي وما هو بشري علاقةً بالمنهاج وقضاياه. ستشكل هذه المساهمة في توصيف واقع التفكير الجغرافي ووضعه داخل منظومة الممارسة العلمية عمومًا من جهة، وطرح قضايا تطوّر منهاجه علاقةً بالعلوم الاجتماعية والإنسانية على وجه التخصيص

من جهة ثانية، وسيشكلان أساس أرضية للانطلاق نحو تحقيق مجموعة من الأهداف بالنسبة إلى هذه المشاركة، لعل أبرزها: أ. الإسهام في إغناء النقاش الجاري حول إشكالية مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ب. إثارة انتباه الجغرافيين وكل الباحثين في مجال النقد العلمي على حدٍّ سواء إلى أمر «العوَز

الإبستيمولوجي» الخاصّ والعامّ الملتصق بالتفكير الجغرافي، وما له من آثار تجعل الجغرافيا تعاني

ارتباكًا منهجيًّا بَيِّنًا. ج. محاولة توصيف الدروب التي سلكها الجغرافيون بعلمهم القديم على مرّ العصور، وذلك في سبيل

الاهتداء إلى حلول تجعل المنهاج أكثر ملاءمةً مع اتساع قاعدة الموضوع وازدواجيتها، وقادرًا على

إثبات صدقية النتائج أو دحضها.

2. الجغرافيا والعوَز اللافت في نقد مناهج البحث

سيصطدم من يختار معالجة مسألة الجمع بين القضايا الطبيعية والبشرية في الجغرافيا ومحاولته القيام بالمراجعة النقدية للموضوع، لا محالة، بفقر بَيِّنٍ في الكتابات المتعلقة بالأسس النظرية لهذه الممارسة

العلمية. فمقارنة الجغرافيا بباقي العلوم وخصوصًا بالعلوم المجاورة، تُظهر أنّها لم تدخل بوضوح في

دائرة اهتمام الفلسفة، كما أنّها لم تنل اهتمامًا كافيًا من قبل الإبستيمولوجيين، زيادةً على أنّ الجغرافيين

أنفسهم لم يتعوّدوا على تقليد الاشتغال على الأسس الفكرية والنظرية لنشاطهم العلمي. فإلى «غاية

نهاية الستينيات، لم يشعر الجغرافيون الفرنسيون بالحاجة إلى التفكير في تخصصهم، ما دامت شرعيته ومناهجه تعتبر قائمةً. لقد ركّزوا على الخاصية المحسوسة للجغرافيا، وأظهروا نوعًا من التراجع في

معالجة القضايا المجردة والنظرية». لقد انصرف بالفعل أهل الجغرافيا عمومًا نحو التدقيق في

(6) Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago Press, 1962); Thomas Kuhn,  La Structure des Révolutions Scientifiques, Laure Meyer (trans.), Collection Champs Essais (Paris: Flammarion, 2008). (7) Jean–François Staszak, «Géographie,»  in: Jean–Michel Berthelot (ed.), Épistémologie des Sciences Sociales , Collection Quadrige (Paris: Presses Universitaires de France, 2012), p. 77.

تخصصاتهم الضيقة ولم ينتبهوا إلى هذا الموضوع الأفقي إلا لمَامًا، لذلك يبقى ما نشر حوله متواضعًاِ

مقارنةً بالعلوم الأخرى القريبة والبعيدة. وانطلاقًا من الكتابات المتاحة المنشورة بالفرنسية والعربية التي تم اعتمادها في إنجاز هذه الدراسة، يبرز أنّ المدرسة الجغرافية الفرنسية أضحت خلال العقود القليلة الماضية تبدي نوعًا من الحيوية في هذا الباب. فنظرًا إلى كونها عملت على تبني وتطوير الرصيد الجغرافي الألماني الحديث، وفي الوقت

نفسه على إدماج ما جدّ من المفاهيم داخل العالم الأنكَلوسكسوني بقيادة الجامعات الأميركية خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، أصبح نشر الأعمال حول الموضوع، وخصوصًا تاريخ علم

الجغرافيا، حاضرًا بقوّة مع مرور الوقت. وترجع أبرز المحاولات المنشورة في هذا الباب خلال العقود

الأخيرة إلى الباحث المخضرم والنشيط بول كلافال الذي وجدت كتاباته صدىً قويًّا داخل منابر

مختلف دور النشر المتخصصة. قد يكون هذا الموضوع من دون شكٍّ، بسبب الانتشار الواسع للتفكير والإنتاج الفكري الجغرافي، قد نال عناية مجتمعات أخرى وبلغات أخرى، غير أنّ وميض هذا الاهتمام ليس بالوضوح الكامل ليضعه على الواجهة. وهذا هو حال الجغرافيا العربية التي وإنْ كانت لها مكانةٌ مضيئة في المراحل القديمة من تطوّر الممارسة العلمية الجغرافية، فإنّها اليوم يمكن اعتبارها في عداد المتلقي والمستعمل للمناهج

كصندوق أدواتٍ وتقنيات موجّهة لإنتاج معرفة جغرافية محليّة وإقليميّة وفق بروتوكول محدّد. لا يزال

الإنتاج العلمي المتعلق بالنقد الإبستيمولوجي وبتاريخ علم الجغرافيا بالجامعات العربية بمختلف أسلاكها على طريق طويل للتمكّن من بلوغ قوّة صدى ما تحقّقه جامعات العالم الغربي. ونذكر من بين

أكثر الأعمال تداولً بين قرّاء الجغرافيا بالعربية: كتيّب محمد على عمر الفرّا، وكتاب مَحمد

بلفقيه. صحيح أنّ الأدبيات الجغرافية العربية تشك ل خزانةً هائلةً يتعذّر حصرها، لكنّها غالبًا ما تأخذ

صيغة دروس جامعية تهتم بطرق البحث وخطواته أكثر من التعرض إلى موضوع البناء النظري للمنهاج والموضوع الجغرافي.

3. محددات البحث في المنهاج الجغرافي

يمكن للخوض في أمر موضوع الجغرافيا وطبيعة منهاجها، أن يسير في اتجاهات متعددة، نورد منها الاتجاهين الأساسيين التاليين: يتمثل الأول في اعتبار الفعل العلمي الجغرافي إرثًا عريقًا يعود إلى الجغرافيا القديمة ذات النظرة الشمولية للعالم، الأمر الذي جعله يجمع بين الظواهر الطبيعية والقضايا البشرية على منوال أنموذج التأمّل الفلسفي الذي لا يميّز بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان؛ ويكمن

الثاني في اعتبار موضوع الجغرافيا ومنهاجها، كما تتمّ ممارستها اليوم، أمرًا مستحدثًا وطارئًا اجتهد من

خلاله الجغرافيون، محاولة منهم لتحسين درجة علمية أدائهم الفكري تحت ضغط نداءات الفلسفة

(((محمد علي عمر الفرا، «علم الجغرافيا: دراسة تحليلية نقدية في المفاهيم والمدارس والاتجاهات الحديثة في البحث

الجغرافي»، رسائل جغرافية، العدد 22 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1980 (((بلفقيه، ص.210

الوضعية ودعواتها إلى محاكاة مناهج العلوم الطبيعية والتماهي معها، وذلك في خضم «صراع البقاء» الذي فُرض خوضه على مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية خلال القرنين الماضيين. وإذا ما تم تأكيد حقيقة هاتين الفكرتين أو زيفهما، سيكون من المفيد تحديد وجهة النزعة الحالية لتطوّر

علم الجغرافيا. بمعنى هل يتطوّر هذا العلم، على غرار الفلسفة، في اتجاه التباعد والانفصال بين

«الجغرافيا الطبيعية» و«الجغرافيا البشرية»، أم نحو التآزر الأوثق بين العدوتين؟ ومن جانب آخر، وبعد مناقشة هذا الربط بين موضوعَي الطبيعة والإنسان، يلزم الانتقال إلى حصر آثاره

في المنهاج المعتمد. فهل تمك نت الجغرافيا عامّةً من تحقيق وحدة المنهاج واستقلاله على رأي دعاة

العِلْمَوية القصوى؟ أم أنّها توجد في وضع خاص يجبرها دومًا وأبدًا على تنويع المناهج وتغييرها

وملاءمتها مع الظواهر المدروسة؟ ما يضطرها إلى التماهي مع العلوم المجاورة عبر حدود مرتخية تسمح بالتعدد وبالتداخل والتعاون وبالعبور بين الكيانات العلمية المتعددة؟ وكيفما كانت النتائج، هل حققت الجغرافيا في نهاية المطاف نجاحًا ما فيما يتعلق بتخفيف حدّة الارتباك المنهجي الذي تعيشه

العلوم الاجتماعية والإنسانية إجمالً، أم أنّ وضعها لم يزدد إلّ تعقيدًا؟ أخيرًا، وفي خضمّ هذا النقاش، إذا تمكنت الجغرافيا كممارسة فكرية قديمة من ضمان مكان لها داخل

مشهد التفكير العلمي عبر العصور، هل تمكن الجغرافيون اليوم من الإنصات إلى قضايا البيئة والمجتمع في أبعادها المختلفة؟ وهل نجحوا في تحقيق المنافع القادرة على المساهمة في تطوير الحضارة البشرية وتأطيرها واستشراف مستقبلها؟ تأسيسًا على كلّ ما تقدّم، يطمح هذا البحث في مناقشة هذا الموضوع من خلال ثلاثة عناصر رئيسة:

يخصّ العنصر الأول متابعة مسار موضوع الجغرافيا بغاية رصد التحولات الكبرى في البراديغمات التي

سجّلها عبر تاريخه الطويل، وسيتم توجيه العنصر الثاني نحو رصد معالم التطورات المتراكمة المتعلقة

بقضايا المنهاج، وفي الأخير سنحاول القيام بملامسة موقع الجغرافيا داخل المنظومة العلمية فيما يخص نفعيتها بالنسبة إلى الحياة البشرية.

ثانيًا: الجغرافيا: موضوع قديم لكنه دائم التجدد

من الصعب تصور الحديث عن مسألة المنهاج، كإطار فكري/ نظري منظ م للعمليات الذهنية والحسية الرامية إلى كشف الحقيقة والبرهنة على صدقيتها، بالنسبة إلى أيّ ممارسة فكرية أو أيّ علم من العلوم،

من دون موضوع حامل لهذا المنهاج. فطبيعة الموضوع وتحولّاته تعتبر عامل محدّدًا لطبيعة المنهاج

وكلّ ما يترتب عنه من نتائج وقوانين ومنافع. وندرج في هذا السياق ما يذهب إليه محمد وقيدي حينما يتحدّث عن العلاقة بين المنهاج والموضوع في دائرة العلوم الإنسانية فيقول: «ومن وجهة نظر الموضوع والمنهج نستطيع أن نؤكد أن النقد الموجه ضدًّا على علمية الدراسات الإنسانية لا يتعلق بمنهج الدراسة وحده، بل يشمل موضوع هذه الدراسة أيضًا. فالعلوم الإنسانية لم تكن تنتظر من أجل قيامها مجرد انطباق لمنهج حادث على موضوع جاهز سلفًا، بل إن الموضوع ذاته كان من اللازم بناؤه بناءً علميًا

بصورة يكون بها قابلً لأن يكون موضوعًا لمعرفة علمية [...] فحين لا يكون الموضوع قابلً للدراسة

العلمية، فلا فائدة عندئذ من اصطناع أدقّ المناهج». وتأسيسًا على هذا، لم يزغ علم الجغرافيا عن هذا الربط. لذلك، قبل الخوض في مسألة المنهاج

الجغرافي وما يطرحه من قضايا كبرى، حريّ بنا تقريب صورة مراحل مسار موضوع الجغرافيا عبر

تاريخها الطويل، وذلك من خلال تتبع تحولات المتن الجغرافي المتراكم على مدى عصور الحضارة البشرية.

1. الإنسان كائن جغرافي بطبعه

قبل أن يصل إلى مرحلته العِلمية والعَملية، يمكن القول إنّ التفكير الجغرافي قد نشأ مع الإنسان ليأخذ

. انتقل Géographie vernaculaire / vernacular Geography في مراحله الأولى طابع جغرافية عامية الإنسان منذ ظهوره على وجه البسيطة وبعدما تجاوز مستويات الاندهاش والقلق والاستغراب أمام الظواهر الجغرافية الطبيعية، إلى مراحل التأمل والتساؤل، وبعد ذلك إلى أطوار تحديد مكان عيشه وتوصيفه لتسهيل التوطين والتنقل والتوجه بداخله، قبل أن يرتقي إلى وضع أنظمة استغلال للخيرات التي يقدمها مكان استقراره وما يحيط به. لذلك يجوز اعتبار الإنسان كائنًا جغرافيًا بطبعه يعمل على

تحديد المواقع ووصف المكان الذي يستوطنه أو يرغب في الاستفادة من موارده. لقد ساهمت في نهاية المطاف مراكمة التجارب والدرايات البشرية ذات الطابع الجغرافي العامي في بلورة الأرضية الصلبة للتفكير الجغرافي العلمي كما هو متداول اليوم. إن المتداول على نطاق واسع، هو أن الجغرافيا الع لمية قد انطلقت مع اليونانيين، ثم تطورت حول البحر الأبيض المتوسط من قبل الرومان والعرب والمسلمين. وقد انطلق هذا الأمر حتى قبل أن تظهر كلمة «جغرافيا» التي يتم إسنادها إلى إراتوستينسEratosthènes عند القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد (194–276 ق.م.). وبذلك فالجغرافيا تمثّل واحدًا من أقدم العلوم الذي وصل إلينا عبر تاريخ طويل يتجاوز خمسة وعشرين قرنًا من الزمن. إنّ علم الجغرافيا وإنْ كان قد استطاع رسم مسار طويل حافل بالتحوّل في البراديغمات وفي

الموضوعات، فإنّ تتبع تاريخه يؤكد أنّه عرف مرحلتَين أساسيتَين: مرحلة طويلة جدًّا امتدّت إلى حدود القرن الثامن عشر تنعت بمرحلة «الجغرافيا القديمة»، وتلت ذلك مرحلة أقصر تعرف بمرحلة «الجغرافيا العصرية» التي سجّلت وما زالت تسجّل تطوّرًا في الموضوع لا يتوقّف حتى الآن.

(((1 محمد وقيدي، العلوم الإنسانية والأيديولوجيا (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.)1983

(11) Paul Claval, Histoire de la Géographie , Collection Que sais–je? (Paris: Presses Universitaires de France, 2011), p. 11.

(((1 يجب لفت النظر إلى أن متن الفكر الجغرافي العلمي المتداول يرتبط أكثر بالفكر الغربي، هذا مع العلم أن هناك حضارات لا متوسطية استطاعت أن تطور الم حااة البحرية بتقنيات خاصة وتتحكم في مجالات بحرية واسعة كما هو الحال بالنسبة إلى مجتمعات جنوب شرق آسيا وبولينيزيا التي عرفت انتشارًا واسعًا عند سواحل وأرخبيلات المحيطين الهندي والهادي، وذلك قبل أن

تصل سفن العرب ومن بعدهم الأوروبيون إليها.

2. «الجغرافيا القديمة» والموضوع الشامل

وُضِعت الجغرافيا منذ القديم في سياق فكري شامل يُذَكِر إلى حدٍّ ما بواقع الفلسفة التي بنت ازدهارها

على وضع أنساق فكريّة تجمع بين كلّ ما يمكن أن يدعو من ظواهر وقضايا الإنسان إلى التأمل

والتفكير. فالجغرافيا تعتني بوصف كل ما يقدّم اختلافات وتبايناتٍ مكانيةً عند سطح الأرض وكلّ ما يوجد تحت تربتها. وما دامت تدرج كلّ ما هو مرتبط بالأرض من قضايا طبيعية وبشرية فإنّ مادتها تعتبر ربّما لا متناهية كما عبّر عن ذلك سترابون (القرن الأول قبل الميلاد – القرن الأول الميلادي) حينما

اعتبر أنّ الجغرافيا تدرس «الحياة السياسية وممارسة الحكم ومعرفة السماء والبر والبحر وكل ما تضمه». فعلى غرار الفلسفة، لم يكن من الممكن تصوّر ممارسة الجغرافيا خارج تعدّد الموضوعات،

فجغرافيو العصر القديم ظلوا يتّسمون بنوع من الموسوعية تمكنّهم من الخوض في القضايا الطبيعية

والبشرية من دون تمييز واضح. لقد كان حينئذ كلّ شيء قابلً للجَغْرَفة. سجّل التفكير الجغرافي على امتداد زمن طويل غطّى العصر القديم (القرن السادس ق. م. – القرن

الرابع الميلادي) والقرون الوسطى (القرن الخامس – القرن الرابع عشر) وعصر النهضة (القرنان الخامس عشر والسادس عشر) والعصر الكلاسيكي (القرن السابع عشر)، اختلاط ا قويًا مع كلّ صيغ

التفكير التي يمكنها أن تُستغل في وصف التباينات والتوزيعات المكانية من دون تمييز بين ما هو طبيعي أو ما هو بشري. ومن الناحية العَملية صار الجغرافي ملازمًا للسلطان وصديقًا له، يشتغل على ضبط المواقع،

وتحرير الأوصاف الدقيقة للبلدان ورسم حدود الكيانات الترابية، رغبةً في جمع الضرائب والحفاظ على الأمن ووحدة الكيانات أو الرغبة في توسيعها. لذلك ازدهر تأليف المعاجم الجغرافية للبلدان ونسخها، وعرف رسم الخرائط وإنجاز الأطالس غزارة كبيرة إلى درجة وقع فيها نوع من التماهي بين الجغرافيا والخرائطية (الكارطوغرافيا Cartography.) لقد تم تأطير عمل الجغرافيين خلال العصر القديم على نحو أساسي على براديغم «استكشاف الأرض» الذي استند إلى تسطح المعمور ومركزية الأرض Geocentrism / Géocentrisme خلال مدّة طويلة، وذلك قبل أن يتمّ التحوّل نحو كُرويتها ثم نحو فكرة مركزية الشمس Heliocentric / Héliocentrisme.

ومهما كانت التغيرات الناتجة من هذا التحول في الإطار الفكري المرجعي، فإنّ الجغرافيا انصرفت على نحو رئيس إلى وصف البلدان من خلال مسارات الرحالة، وتحديد إحداثيات المواقع وضبطها بالاعتماد على المراقبة الفلكية، ممّا أثمر فتح الباب واسعًا أمام الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وذلك

في خضمّ محاولات تجنب المرور إلى الهند عبر أراضي الدول العربية الإسلامية عن طريق اقتحام

حاجز المحيط الأطلسي (بحر الظلمات)، ما دام رأي مركزية الشمس يقرّ بكروية الأرض.

(13) Strabon, Géographie , vol. 1, Introduction générale (Paris: Les Belles Lettres, 1969).

((1(يذكر التاريخ حالاتٍ متعددةً للجغرافيين كمستشارين للحكام، نذكّر هنا بحالة الجغرافي محمد الشريف الإدريسي المتوفى سنة 1175 م. الذي قضى مدّة مهمّة من عمره في كنف ملك جزيرة صقلية روجر الثاني.

وحريٌّ بنا في هذا السياق التاريخي، أنْ ننوّه إلى الموقع المرموق الذي احتله الجغرافيون العرب

والمسلمون خلال هذا العصر داخل مسلسل تطور علم الجغرافيا. فالامتداد الواسع لبلدانهم بين الشرق والغرب وإشعاعها الحضاري على باقي أنحاء المعمور، مك نا هؤلاء، على الأقلّ خلال الفترة المحدّدة في القرون الوسطى، من إغناء الفكر الجغرافي الإنساني وتطويره على نحو لافت. لا يسمح المقام بسرد خصوصيات هذا الفكر، ونكتفي بالقول إنّ أداء الجغرافيين العرب قد بلغ أوجه مع الجغرافي الشريف الإدريسي المتوفى نهاية القرن الثاني عشر. ويعتبر الكثير من المتتبعين أعماله، المتمثلة في كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاقوخرائطه السبعين وكرة الأرض الفضية، إشارات جيدة لمستوى تقدّم العلوم الجغرافية وما يرتبط بها من كارطوغرافيا خلال هذه الفترة بالبلاد العربية الإسلامية. وإجمالً، سيستمر أمر الجغرافيا على حال إيقاعه القديم إلى حدود القرن الثامن عشر الذي عرف

مستجدّاتٍ لافتة جعلت هذا النشاط الفكري أمام محكٍّ حقيقي إنْ هو أراد أن يستمر كممارسة علميّة.

لقد شكّل الحدث التقني المتمثّل في اختراع جون هاريسون Harrison John (1776–1693) الساعة البحرية منعرجًا مفصليًّا في تاريخ الجغرافيا، وذلك بفتحه الباب واسعًا أمام تحسين التمثيل البياني

والكارطوغرافي لسطح الأرض، وأيضًا أمام ازدهار الملاحة البحرية. لقد أصبح ضبط الإحداثيات

وخصوصًا تحديد خطوط الطول أقلّ عناءً وأكثر دقّةً ممّا كان يقدّمه أهل الجغرافيا. ومن جهة ثانية

سجّل التفكير البشري ثورةً جديدة أدخلته عهده العصري المبني على النقد العلمي والتقدم التقني. لقد

فتح هذا الوضع الجديد المجال أمام إعادة تأسيس أو بزوغ سلسلة من العلوم الطبيعية المستقلة بذاتها والمبنية على الملاحظة والتجريب، وعلى الخصوص المنهج العلمي التجريبي الذي ابتعد عن الميتافيزيقا. وقد تميّز هذا السياق عامّةً بالدعوة إلى أنّ قدرة العلم لا تتوقّف عند العمل على فهم

الواقع فقط، وإنّما في إمكانها أيضًا أنْ تؤثّر في هذا الواقع وتعمل على تغييره. فهكذا، وبعدما صار العلم يحتلّ موقعًا ساميًا داخل التفكير البشري ممّا ساعد على ظهور علوم جديدة

أضحت تزاحم العلوم القائمة بمنطق المنافسة، وجد الجغرافيون أنفسهم عند مفترق الطرق: إمّا أن

يتشبثوا بحالة السكون ويصدقوا على إعلان «نهاية الجغرافيا» والتسليم بتقسيم موضوعها وتوزيع تركتها بين العلوم الناشئة، وإما أن يدخلوا في ل جّة مسلسل عصرنتها وحجز مكان لها داخل المشهد

العلمي الجديد بموضوع وبمنهاج خاصّين بها لكن من دون قطيعة تامّة مع تراثها القديم.

3. «الجغرافيا العصرية»: مسار محاولات التجديد في الموضوع

أ. للجغرافيا العصرية اتجاهات متنوعة

عند القرن الثامن عشر، هبت رياح تغيير قوية على الجغرافيا في اتجاه تجديد موضوعها. وهكذا فإن فقدانها مجال الانشغال بالبحث في مجال ضبط الإحداثيات، جعلها تتحرر نوعًا ما من هذا العبء

(15) Richard O’Brien, Global Financial Integration: The End of Geography (London: Pinter for Royal Institute of International Affairs, 1992).

الثقيل وتتمسك بما تبقى لديها من قضايا، فانصرف الجغرافيون إلى تعميق وتجديد وصف وتفسير تنوع الأرض وأشكال استغلالها، ونحو التفكير في التجارب التي راكمها الإنسان كفرد وكجماعات بالتُرَبِ التي يستوطنها، وذلك في ضوء مستجدّات المشهد العلمي المحيط بها، مع العلم أنّ الجغرافيين

لم يُغلقوا الباب عن الأخذ بنتائج العلوم الأخرى، بما فيها نتائج التخصصات التي انشطرت عن

«الجغرافيا الأم.» لقد انطلق مسلسل التجديد هذا من ألمانيا حيث ظهرت الإرهاصات الأولى مع الفيلسوف إيمانويل كانط الذي حرّر الجغرافيا من التفكير اللاهوتي، وجعل منها دراسة للاختلافات الإقليمية لسطح

الأرض فأعطاها طابع الكورولوجيا Chorology / Chorologie كعلمٍ لتوزيع الكائنات الحية النباتية

والحيوانية. ولعلّ «الإرث الأساسي لكانط هو: الجغرافي يبقى هو سيد قراءة وكتابة المجال». يذكّر هذا الطرح إلى حدٍّ ما بموقف غاليليو حينما رأى أن الرياضيين (ممارسي الرياضيات) هم المؤهلون

لقراءة الطبيعة (الفلسفة) التي تمثّل كتابًا مفتوحًا لكنّه «مكتوب بحروف غير حروفنا الهجائية، فلا يمكن

أنْ يقرأه كلّ الناس. إنّ الحروف التي كُت ب بها هذا الكتاب ليست شيئًا آخر غير المثلثات والمربعاتِ

والدوائر والكرات والمخاريط وغير ذلك من الأشكال الهندسية التي تمكّن من قراءته. وبعد هذه المرحلة حمل الفكر الفرنسي مشعل الجغرافيا، ثم تبناه الجغرافيون بالولايات المتحدة الأميركية، قبل أن يتلقف صدى ارتداده لاحقًا بباقي الكيانات العلمية الجغرافية بالعديد من البلدان الأوروبية كإنكلترا واسكندنافيا وروسيا. وقد حصل نوع من الإجماع بين مؤرخي الجغرافيا للحديث على التأسيس لمرحلة جديدة هي مرحلة «الجغرافيا العصرية» التي على الرغم من قصر مدتها فإن موضوعها، مقارنة بالطور السابق، تميّز بسجّل حافل بالتغيّرات والتحولّات السريعة التي حصلت

خلال طورين أساسيين على الأقل: مرحلة الجغرافيا «الكلاسيكية» ومرحلة الجغرافيا «الجديدة.»

ب. «الجغرافيا الكلاسيكية» بين الأصل الطبيعي والأنسنة المستدركة

• «الجغرافيا الطبيعية» والمسار الفيزيائي توجهت الجغرافيا خلال هذه المرحلة نحو الاشتغال على وصف الأرض مع التركيز بدايةً على قاعدة طبيعية خالصة. جعلت عوامل متعددة من الجغرافيا إبّان هذه المرحلة «علمًا طبيعيًا»، منها اعتبارات

أولى ترجع إلى صعوبة التخلص من الرصيد الجغرافي الطبيعي الموروث عن العصر القديم والوظيفة الأصلية الموجهة نحو استكشاف الأرض؛ و«إلى الدور الحاسم والمساهمة الفعّالة التي كانت لكثير

من علماء الطبيعة[...]في إرساء قواعد الجغرافيا الفتية وتحديد مسارها. أما الثانية فتتلخص في

الطموحات العِلموية التي كانت تراود الرعيل الأول من الجغرافيين الذين عملوا على بناء علم يحظى

(16) André–Louis Sanguin, «Redécouvrir la Pensée géographique de Kant,» Annales de Géographie , no. 576 (1994), p.

(((1 محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.245

بالقبول والاحترام سيرًا على هدْي العلوم الطبيعية»؛ وهناك اعتبار آخر يرتبط باستناد الجغرافيين إلى

براديغم «تفسير التباينات» عند سطح الأرض انطلاقًا من العلاقات بين الإنسان والطبيعة. ونورد كمثالٍ على الأفكار الداعمة لهذا البراديغم رأيَ جان كوتمان حينما يقول: «لو كان كوكبنا كرةً دائرية ومتجانسة

ومصقولة […] ككرة البليارد، فإنّ المشاكل التي تطرح عند سطحها ستكون مختلفةً. […] ومن المحتمل أن لا تكون هناك اختلافات إقليمية وأنّ موارد الإنتاج والسكان سيتوزعون على نحو متساو في كلّ مكان». ذهب البحث الجغرافي سعيًا وراء تحقيق تدبير أفضل للوحدات المكانية السياسية والإدارية والاقتصادية

للدول، ومن أجل تجاوز عقبات التقسيمات الإدارية «المفروضة» من السلطة المركزية، في اتجاه اعتماد أدوات ومعايير أكثر دقةً مبنية على نتائج العلوم الحديثة. لقد كان لهذه العلوم وقعٌ كبير على

الجغرافيا لتهتم بقوّة بالقضايا الطبيعية لثباتها وسهولة وصفها، فتم اعتماد مفاهيم جديدة مبنية على

الهيدروغرافيا Hydrography مثل الحوض النهري الذي تؤطره خطوط تقسيم المياه المرتبطة بدورها بالتضاريس، وعلى الجيولوجيا مثل مفهوم الحوض الرسوبي والكتل القديمة والركائز الصخرية التي تشكل هيكل المناطق وبنيتها، وعلى علم سلوكات وعادات الكائنات الحية (الإثولوجيا Ethology / Ethologie) التي استغلت في ضبط الأقاليم البيو مناخية، وعلوم الإيكولوجيا والنبات

والمناخ التي بُني على أسسها مفهوم «الإقليم الطبيعي» أو ما يدعوه الجغرافيون الألمان «المشهدِ

الطبيعي.» وهكذا بدأ يترسخ أن الجغرافيا بُعِثت عند مرحلتها العصرية لتفضل المحددات الفيزيائية والبيولوجية

عند معالجتها الحيّز الجغرافي، ممّا أغرقها في النزعة الحتمية السببية التي لا تجعل الإنسان «محايدًا»

فحسب، وإنّما خاضعًا ومستسلمًا للتأثيرات الطبيعية. وقد ذهب البعض، في هذه المرحلة، إلى تأويل

الاختلافات البشرية بالاختلافات الطبيعية: «إنّ تفاوتات سطح الأرض [...] هي الأصل في[...] توزيع الناس والنشاط الاقتصادي». غير أنّ توسع عمليات استكشاف الأرض ومجموعاتها البشرية من جهة، وتوسع البحث في مجال العلوم الإنسانية من جهة ثانية، ساعدَا على ظهور نتائج عكسية تصب في اتجاه الإمكانوية Possibilism / Possibilisme، لا الحتمية المطلقة أو القدر المحتوم. فقد نجد داخل نفس المجال

الجغرافي المتجانس طبيعيًا مجموعتَين بشريتَين بردّ فعلٍ مختلف على شكل نمطَين متباينَين للعيش:

(((1 بلفقيه، ص.20

(19) Jean Gottmann, La Politique des États et leur géographie (Paris: Armand Colin, 1952), pp. 1–2. (20) Lucie Lagarde, «Philipe Buache ou le premier Géographe français, 1700–1773,»  Mappe Monde , vol. 87, no. 2 (1987), p. 26. (21) Elie de Beaumont (1798–1874) & Armand Dufrénoy (1792–1857). (22) Emmanuel De Martonne, Traité de Géographie (Paris: Armand Colin, 1909), p. 375. (23) Jean–Jacques Bavoux, La Géographie: Objets, Méthodes, Débats , Collection U, 3 ème éd. (Paris: Armand Colin, 2016), p. 63.

كحالة الرحّل إلى جانب المستقرين بواحات الأوساط القاحلة الساخنة؛ ثمّ من جانبٍ آخر لم تمنع

ظروف الجفاف والبرودة على الرغم من صعوبتها من بناء حضاراتٍ قويّة منتجة ومتحكّمة في ترابها.

وبذلك بدأت تترسخ أفكار الفعل الإرادي للمجتمعات وقدرتها على التطور، وأفكار قدرة الإنسان على التفكير والعمل والحركية والابتكار لتجاوز العقبات الطبيعية، بل تحسين ظروف العيش وأنماطه

بالأوساط الطبيعية «الوَعرة». وبالطبع فقد مهّد هذا الوضع الطريق في مرحلة أولى نحو الخروج من

الحتمية الجغرافية الطبيعية والدخول في «الجغرافيا الإقليمية.» • «الجغرافيا الإقليمية» ومسار تداخل الظواهر لقد نشأ وضعٌ جديد يمكن تلخيصه في منازعة العلوم الطبيعية وخصوصًا الجيولوجيا للجغرافيا في

تناولها المشهد الطبيعي، وتطوّر علوم قديمة مثل التاريخ وظهور أخرى جديدة مثل علم الاجتماع،

فصارت هي الأخرى تهتم بالمشهد الطبيعي ليس كقاعدة «محايدة»، وإنّما كسجّلٍ يوثّق لتراكم

التجارب والدرايات والتنافس بين المجموعات البشرية القديمة والحالية. ومرّةً أخرى وُج دت

الجغرافيا في وضعٍ يتطلّب تطوير الموضوع فأنجبت فرعًا جديدًا هو «الجغرافيا الإقليمية.» فمن جانبٍ، استطاع الجغرافيون المتشبثون بالبعد الطبيعي أن يجعلوا صلتهم أكثر وثوقًا بالجيولوجيا أو ما يُعرف اليوم بعلوم الحياة والأرض والكون، فأنجبت اجتهاداتهم تخصص علم الجيومورفولوجيا

الذي أصبح مع مرور الوقت يشكّل محور «الجغرافيا الفيزيائية» (الجغرافيا الطبيعية) التي تجمعه

بتخصصاتٍ أضيق ومكمّلة كالمناخ والطقس، والبيوجغرافيا، والهيدرولوجيا، والتربة، ودراسات تركات

ورواشم الزمن الرابع الجيولوجي. وما زالت الجيومورفولوجيا Geomorphology تشكل تخصصًا

نشيطًا له جمعياته وندواته ومنشوراته الخاصة. ومن جانبٍ ثانٍ، فضّل الجغرافيون الذين اختاروا الجغرافيا الإقليمية الذهاب نحو ازدواجية الموضوع، وذلك بتبنّي الحفاظ على البعد الطبيعي مع إدماج البعد البشري في أعمالهم. لقد جاء هذا الاختيار طبعًا ليؤكّد على خصوصية الجغرافيا كعلم

يفسّر تنوّعات سطح الأرض واختلافاته، وذلك أمام العلوم الاجتماعية والإنسانية الطارئة التي أثّثت

المشهد العلمي الواسع الذي ميّز القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد لقي هذا المنحى

الجديد للجغرافيا طلبًا متزايدًا داخل الدول الوطنية الناشئة التي تبنت مبادئ اللامركزية والديمقراطية

المجالية، وفي الوقت نفسه تشبعت بالرغبة فيما سمي بالتربية الوطنية الرامية إلى ترسيخ الحس الوطني داخل مجتمعاتها، وفي التعرف أكثر على خصوصيّات مستعمراتها بعالم ما وراء البحار. وإذا عرفت الديار الألمانية مهد الفلسفة النقدية الانطلاقةَ الأساسيةَ للجغرافيا في بعدها الحتمي البيئي بتخصصاتها المختلفة على أيدي الجغرافيين الروّاد أمثال ألكسندر هامبولت Humboldt Alexandere

(1859–1769)، وكارل ريتر Ritter Karl (1859–1779)، فقد خضعت الجغرافيا الإقليمية لتطوير

(((2 عادة ما يعتمد الجغرافيون في هذا السياق على مفهوم «المشهد» أو «الإقليم» أو «التراب» وما عرفه من تطوّر في المفهوم

للحديث عن تحولّات المقاربات الجغرافية التي يتم تقاسمها مع العلوم الأخرى، وكيف انتقل من مفهوم طبيعي صرف إلى مفهوم

بشري مؤنسن.

لافت بفرنسا على يد فيدال دو لابلاش Blache La de Vidal (1918–1845) ومن تبعه. لقد تمكنت من صياغة مفاهيم جديدة مبنيّة على الإمكانوية، مثل نمط العيش والكثافة السكانية والوحدات

المجالية – الاجتماعية، ممّا جعلها تتسم بصدىً إيجابي ساهم في ترسيخ مأسسة الجغرافيا فدخلت

في مختلف دول المعمور في مجالات التربية والتكوين والبحث والتواصل والتدبير الإداري والتخطيط الترابي. وسيستمر هذا الوضع الملائم لممارسة التفكير الجغرافي بشقّيه الفيزيائي والبشري إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية التي جعلت نتائجها الجغرافيين يستفيقون على واقعٍ وسياق علمي وتقني جديد، تفاعل

معه البعض منهم، فأدخلوا علمهم عهد ما سمّي «الجغرافيا الجديدة.»

ج. «الجغرافيا الجديدة»، رد فعل أمام التحولات المعاصرة

عند بداية الخمسينيات من القرن الماضي على إثر التحسّن التقني وتعاظم الظاهرة الحضرية ودور

التنقل في التطور الاقتصادي، والتوجّه نحو توسيع قاعدة نشاطات قطاع التجارة والخدمات، وتوسع

ظاهرة العولمة، بدأت تظهر آراء منتقدة ممارسة الفعل الجغرافي بداية بأميركا الشمالية ثم لاحقًا أوروبا، فصار يُنعت بالكلاسيكية مع الدعوة إلى إعادة النظر فيه ليتلاءم مع روح العصر الجديد. وكان شيفر

فريد أول من دعا، عند بداية الخمسينيات، إلى إعادة النظر في طبيعة الجغرافيا السائدة آنذاك، وبعد نقاشٍ واشتغال داما قرابة عقدين من الزمن اقترح بيتر كَولد عند نهاية الستينيات نعت «الجغرافيا الجديدة» على هذا التيار الذي جاء ليبتعد عن الجغرافيا الكلاسيكية. ومع مرور الوقت صارت لهذه الجغرافيا ملتقياتها الخاصة ودورياتها المتخصصة. لقد ارتكز النقاش بشكلٍ عامّ على تعبئة إبستيمولوجيا

توماس كون Kuhn Thomas (1962–1922)، إذ صار الحديث عن «أزمة» الجغرافيا رائجًا على نحو

لافت، ومعه ارتفعت أصوات المطالبة بتحقيق «ثورة علمية جغرافية »، من شأنها أن تجدّد علم الجغرافيا

وتحسّن شرعية موضوعها وعِلمية منهاجها، وبذلك يمكن القول إنه تمت الدعوة إلى الارتكاز على

براديغم «فهم تنظيم المجال الجغرافي» وتجاوز براديغم تفسير الاختلافات والتباينات الجغرافية. وإذا كان هناك من يذهب إلى أنّ الجغرافيا الجديدة قد جاءت لتحقيق القطيعة مع الجغرافيا الكلاسيكية، فإن هناك في الوقت نفسه من يرى فيها فقط نوعًا من التجديد في طريقة تناول نفس الموضوع والقضايا، مع نوعٍ من الرجع لصدى التيارات الفكرية الجديدة على ساحة العلوم خلال مرحلة ما بعد الحرب. ولربما حققت نوعًا من القطيعة التقنية من دون أن ترقى إلى القطيعة الإبستيمولوجية. ومن دون الخوض في متون الانتقادات الغزيرة المتبادلة بين الطرفين، يمكن القول إن الجغرافيا الجديدة جعلت من الاقتصاد المجالي منطلقًا لها، وبذلك فإنها قد فتحت باب علم الجغرافيا أمام التحليل المجالي وأمام الإبداع في استعمال تقنيات التحليل الكمي التي تطورت على نحو غير مسبوق بعد التبنّي الجارف

(25) Fred Kurt Schaefer, «Exceptionalism in Geography: A Methodological Examination,» Annals of the Association of American Geographers , vol. 43, no. 3 (September 1953), pp. 226–249. (26) Peter Gould, «The new Geography,» Harper’s Magazine (March 1969), pp. 91–100.

للجغرافيا لأدوات «الثورة» الكمية الرقمية التي لم تزدد إلا تأججًا مع مرور الوقت: التحليل الكمي

والكيفي، والتحليل المكاني الرقمي للمعطيات، والحصول على المعطيات باستعمال الاستشعار عن بعد، واستعمال وسائل الإعلام والتواصل الجديدة.

د. مستجدات الإيكولوجيا والتوجه نحو البعد الطبيعي للجغرافيا

يبدو أنّ «الجغرافيا الجديدة» ارتكزت بالدرجة الأولى على القضايا الجغرافية ذات الطابع البشري، غير أنّ هذا لا يعني أنّ «الجغرافية الفيزيائية» ظلّت جامدةً ومخلصةً لعهدها الكلاسيكي. ذلك أنّ هذه الأخيرة بدأت بدورها تتأثر بمستجدات باقي العلوم المستحدثة، وخصوصًا الإيكولوجيا التي أخذت

خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي في الابتعاد على نحو قويّ عن بعض المفاهيم القديمة مثل الحتمية الطبيعية. فأمام «العنف التكنولوجي» المتزايد داخل المجتمعات المتقدمة والسائرة في طريق النمو، بدأت تتردد في الساحة العلمية مفاهيم ومبادئ جديدة مثل هشاشة البيئة، ومسؤولية الإنسان، وضرورة الحذر والاحتياط من أجل تجنب الكارثة البيئية الكبرى الشاملة. وقد عبّر أحد الجغرافيين

عن هذا الوعي، فقال: صحيح أنّ «وزن الوسط الطبيعي لم يختف، [لكنّه] أصبح يظهر على نحو مختلف. إنّ ما يحدّ الآن من حرية الأشخاص، ليس بُخل الطبيعة ولكن هشاشة أو مرونة / Résilience

Resilience الأوساط البيئية التي يهدّدها توسع النشاطات البشرية وعدوانيتها». وبناء عليه يمكن القول إنّ الأدوار تغيّرت، ممّا جعل الإنسان في قلب الجغرافيا كاملةً، وأصبح مطروحًا على البحث

الجغرافي أنْ يشتغل على آثار الأنظمة الاجتماعية في الأوساط الطبيعية. فبعدما كان ينظر إلى أنّ موارد الأرض ثابتة وغير قابلة للنضوب، تغيّرت النظرة وتأكد على نحو ملموس

أنّ الموارد المتجددة نفسها أصبحت تتراجع أمام تزايد الضغوط المتزايدة للإنسان. لقد أصبحت هذه الأفكار تجد لها صدىً عند الجغرافيين الفيزيائيين، ودفعت أيضًا بالمتخصصين في الجيومورفولوجيا

إلى محاولة وضع الإنسان كهدفٍ لدراستهم ممّا أهّل بعضهم للقيام بدور تنشيط النقاش والتنسيق من

جهة بين أهل التخصص في العلوم الطبيعية الصرفة، ومن جهة ثانية بين المتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وفي إطار النقاشات العمومية والدراسات التطبيقية الاستشرافية المجالية في بعض الموضوعات ذات الصلة مثل: إعداد التراب، والتنمية المستدامة، وقضايا العولمة، والتغير المناخي. في نهاية المطاف، قد تجعل هذه الخطى التي سارت عليها الجغرافيا البعض يتحدّث عن كونها تمثل

علمًا غير مكتمل، وفاقد وحدة الموضوع. وفي المقابل هناك من يرى فيها علمًا حيويًا لا يتوقف عن

التجديد والتطور، وتشتت قضاياه بين شقٍّ طبيعي وشقّ اجتماعيّ – إنساني إنّما يعطي فرصةً للتوليف

(27) Hans Jonas, Le principe responsabilité: Une éthique pour la Civilisation technologique , Collection Champs Essais (Paris: Flammarion, 2013). (28) Paul Claval, Géo – épistémologie (Paris: Armand Colin, 2017), p. 20. (29) Deneux, p. 142.

بين مختلف العلوم التي أغرقت في التخصص الضيق، لذلك هناك من يعتبر الجغرافيا علمًا «بينيًا» أو

«مخضرمًا» يتداخل مع العلوم المجاورة في الموضوع والمنهاج، ومن دون «تقديس» للحدود بين

التخصصات أو الدفاع عن «سيادة» علمٍ من العلوم على مجال أو قطاع بعينه.

ثالثًا: الجغرافيا: تعدّد منهجي في مواجهة اتساع قاعدة الموضوع

يُبرِز البحث في المتون الجغرافية الواسعة المدى القوي للتحولّات التي عرفتها طبيعة موضوع التفكير

الجغرافي. ومن الظاهر أن المنهاج الجغرافي رسم ولا يزال يرسم مسارًا تتماثل وتتوازى منعرجاته

المتعدّدة مع قاعدة الموضوع ومنعرجاته. ففي سبيل تغطية مساحة الموضوع الواسعة، انتهى الجغرافيون إلى التعدّد في المنهاج مع كلّ ما يطرحه

ذلك من ارتباكٍوتماهٍمع باقي مكونات نسق العلوم «الصلبة» والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وذلك من دون التخلّي عن ثوابت أساسية تتجسّد في العمل الميداني والتعبير السيميائي.

1. الجغرافيا والمنهاج متعدّد المستويات

إذا بقيت الجغرافيا على مستوى الموضوع تشكل حالة للخوض والتشكيك في علميتها لأنها لم تصل بعد إلى الموضوع الموحد، فإن الوضع نفسه تسجله على صعيد المنهاج الذي لم يسر في اتجاه

تحقيق الطموحات العِلْمَوية القصوى على النحو الذي أدركه علم الفيزياء. تجرّ القاعدة الواسعة

للموضوع، الجغرافيين جرًّا نحو بناء مناهج متباينة ليس فقط داخل الفضاء العلمي الجغرافي، ولكن

أيضًا لها علاقة بنسق العلوم المجاورة. تحاول الجغرافيا كعلم «بيني» تغطية قاعدة ممتدة للموضوع، سارت – منذ أن بدأت تُفتح لها كراس علمية بالجامعة عند مطلع القرن الماضي – في طريق التنوع في المنهاج عددًا ومَاهيّةً، وذلك في

محاولة من الجغرافيين للتموضع عند نقطة تضمن تعدّد زوايا النظر إلى الظواهر وفي الآن ذاته إمكانية تغيير مقياس Scale / Echelle الملاحظة. لقد حاول الجغرافيون عند المراحل الأولى من الفترة المذكورة العمل داخل كيان منهجي موحد في إطار الجغرافيا الإقليمية، فتبنوا منهاج علم الجيولوجيا، الذي ينطلق من الواقع الميداني، واستثمار نتائجه في تفسير تنظيم المجال. لكن سرعان ما بدأت تنقطع السبل بينهم، فذهب فريق نحو استقلال «الجغرافيا الطبيعية» والتبنّي الشامل للمنهاج التجريبي لحقل «علوم الحياة والأرض والكون» كما يُسمّى اليوم؛ وسار الباقون في دروب مختلفة للعمل على

تكييف وتطوير مناهج ومقاربات لا تبتعد كثيرًا عن مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية الناشئة. وبالطبع، مع توالي الأحداث وتعاظم الآثار السلبية للحضارة البشرية الحالية في البيئة، والتأكيد على مسؤوليات الإنسان وضرورة اتخاذ الحيطة والحذر قبل تدخلاته، بدأ يبرز نوعٌ من الرجوع نحو دراسة

الظواهر الجغرافية الطبيعية والبشرية ككيانٍمتصل تربط تجلياته ومكوناته علاقاتٌ معقّدة وفي غاية

التشابك. فبدأت تظهر أبحاث ودراسات بمناهج قابلة للمرور ليس فقط بين حدود الجغرافيا الطبيعية والبشرية، وإنّما أيضًا عبر الحدود بين مختلف العلوم «الصلبة» والعلوم الاجتماعية والإنسانية. وإذا كان السياق لا يسمح بمعالجة مختلف الصيغ والأطوار التي يأخذها المنهاج الجغرافي في علاقاته البينية الداخلية بين الطبيعي والبشري، وفي علاقاته الخارجية بباقي مكونات النسق العلمي، فإنّ كل المستويات التي تطرّق إليها جان بياجي تبقى واردة في هذا السياق: مستوى تعدّد – التخصصات

Pluridisciplinarité؛ مستوى بين – التخصصات Interdisciplinarité؛ مستوى العبور بين التخصصات Transdisciplinarité. ويمكن إضافة مستوى رابع هو ما وراء – التخصص – Méta disciplinarité كما عبّر عنه بول كلفال. إنّ تعدّد المنهاج ليس أمرًا جديدًا على الجغرافيا لأنّ النقاش حوله ارتبط بظهورها منذ القديم، ثم إنّه

لا ينفصل عمّا تعرفه باقي العلوم وخصوصًا الاجتماعية والإنسانية. وهو ما يؤكده البعض مثل فرناند

برودل (1985–1902) عند حديثه عن الجغرافيا في «مواجهة» العلوم الاجتماعية: «ليست هناك علوم

إنسانيةٌ محدودة. فكلّ علمٍ منها يمثّل بابًا مفتوحًا على الكلّ الاجتماعي ويؤدّي إلى كلّ غرف البناية

وطوابقها، شريطة أل يتوقف الباحث عن المشي احترامًا للمتخصصين من جيرانه: وعند الاقتضاء

يمكن استعمال أبوابهم وأدراجهم». وسار في الاتجاه نفسه، مرّةً أخرى، الجغرافي المخضرم بول

كلفال الذي يقول: «حينما يشتغل الجغرافيون حول القضايا الطبيعية، يتجهون نحو تبني طرق مجاورة لطرق علوم الأرض؛ وحينما يهتمون بالجغرافيا البشرية، فإنّ مقاربتهم تشبه تلك التي تصورتها العلوم الاجتماعية»؛ وأيضًا جان–جاك بافو: «غالبية الموضوعات والظواهر والمفاهيم التي تأخذها الجغرافيا في الاعتبار يدخل فيها ما هو عضوي وتنظيمي، وما هو مادي وروحي، وما هو تاريخي واستشرافي، وما هو موضوعي وذاتي، وما هو محلي وعام، وما هو فردي ومجتمعي. وأمام هذه التعددية فإن الجغرافيين مجبرون على محاولة تتبع الخيارات المتتابعة وعلى استكشاف المقاربات المختلفة التي يعتبرونها ملائمة وضرورية من حين الى آخر». وبالطبع لا يعني التعدد في المنهاج البلبلة والقفز والاختزال، وإنّما يعني السير نحو العمل الجماعي للباحثين والتعاون والتنسيق بينهم لدراسة الظواهر الجغرافية التي تدخل في تركيبات معقدة. فالجغرافيون يحاولون في أعمالهم التوجه نحو مناهج «بينية» تسمح بالعبور عبر حدود الجغرافيا نحو العلوم الأخرى والعكس صحيح، لكن من دون أن تُفقدهم هويتهم. فالمنطلق يبقى هو المكان في علاقته بالإنسان والمجتمع، لكنّ التحليل يتبنى مقاربات بمسحة العلوم المجاورة: فالمقاربة الرسابية

(30) Jean Piaget, «L’épistémologie des relations interdisciplinaires,» in: André Lichnerowicz et al. L’interdisciplinarité: Problèmes d’Enseignement et de Recherche dans les Universités (Paris: OCDE, 1972), p. 166. (31) Claval, Géo– épistémologie , p. 109. (32) Fernand Braudel, «La Géographie face aux Sciences humaines,» Annales Economies, Sociétés , Civilisations , no. 4 (1951), p. 491. (33) Claval, Géo– épistémologie, p. 21. (34) Bavoux, p. 37.

تبقى مهمّةً في تحليل التضاريس ودينامية سطح الأرض، والباليونتولوجيا والتأريخ الإشعاعي أساسي

في إعادة تمثيل البيئات القديمة، مثلما أنّ التحليل الديموغرافي يعتبر أساسيًّا في الدراسات السكانية،

والتحليل الاقتصادي والمالي يساعد في تحليل النشاطات البشرية وأنماط العيش واستعمال التربة

وتهيئة المجال وإعداده. إنّ «هذه العلوم، التي يشك ل كل واحدٍ منها علمًا مستقلًّ بذاته حقًّا، تصل إلى

الدراسة العلمية لموضوعها بتعاونها مع العلوم الأخرى، أي بتداخلها مع علوم النسق بأكمله، من جهةٍ،

والعلوم الإنسانية القريبة منها والمتقاطعة معها على صعيد الموضوع والمنهج بصورةٍ أقوى من جهةٍ أخرى».

2. المنهاج الجغرافي بين الاستنباط والاستقراء

بالموازاة مع الموضوع الواسع والثنائية الطبيعية والبشرية، تشتغل الجغرافيا بمنهاج استقرائي واستنباطي على نحو منفصل، لكن من دون تغييب إمكانية التركيب بينهما. إنّ «الاستنباط يذهب من النظرية إلى

الوقائع، والاستقراء سلك طريقًا عكسيًّا، لكن في واقع الأمر يختلط الاثنان معًا في جزء كبير من

الخطاب الجغرافي». بناءً على موروثها الوصفي على عهد المرحلة القديمة والمرحلة الكلاسيكية، تعتبر الجغرافيا ممارسة

علميةً استقرائيةً تنطلق من معاينة الظواهر الجغرافية المحسوسة وملاحظتها، وذلك قبل تحليلها وتصنيفها وترتيبها، لتستخرج المعالم والسمات المشتركة وتضع التعميمات والعلاقات المتكررة. فمن

الظاهر أنّ «عين الجغرافي» قد تعوّدت وتملّكت مع مرور الزمن قدرات يُعترف لها بها فيما يتعلق

بالملاحظة والفحص والوصف. فرغبة في تفسير الأقاليم أو المشاهد المنفصلة (الفردية) ومقارنتها،

تسلك الجغرافيا منهاجًا استقرائيًّا لا ينطلق من اقتراحٍ أوّلي لكنّه يُمكِّن من الانتقال من المعاينات

والملاحظات المتكررة للواقع إلى التعميم Extrapolation. يُفضي تعدد عمليات البحث الموازية، عن طريق تعدّد إنجاز المنوغرافيات، إلى استخراج النتائج

المنتظمة والعامة، وعن طريق التعميم تصبح هذه النتائج صالحة للتطبيق على الحالات التي لم تشملها الدراسة لسبب من الأسباب، كبعد المسافة أو عدم توافر المصادر والمعطيات. وغالبًا ما تتم تقوية

المنهاج الاستقرائي بإدخال معطيات إحصائية على القضايا المعنية بالدراسة، وبذلك يتم الوصول إلى تحديد الخاصيات المشتركة واستخراج التصنيفات والقوانين وبناء النماذج ووضع المقترحات أو

النظريات: «إن الجغرافيا الكلاسيكية كانت أساسًا استقرائية، فهي تمرّ من أحداث ملموسة تتم

ملاحظتها وتحليلها وتصنيفها، إلى المعالم المشتركة والتعميمات والعلاقات المترددة. إنّها تبدأ من دراسة الحالات الخاصة انطلاقًا من الميدان [بعين المكان] أو، عند الاقتضاء، بالاعتماد على مختلف البدائل من خرائط ونصوص وإحصائيات وصور»ٍ.

(((3 محمد وقيدي، الإبستيمولوجيا التكوينية للعلوم (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص.277

(36) Deneux, p. 132. (37) Ibid., p. 129.

يعتبر هذا المنهاج الاستقرائي أكثر ملاءمةً للجغرافيا الطبيعية، وهو منهاج يتم اللجوء إليه على نطاقٍ واسع في تخصص الجيومورفولوجيا الذي يطمح إلى تفسير تنوع التضاريس وضبط دينامية تكوين سطح الأرض. وتبعته في ذلك الجغرافيا الإقليمية التي تمّ في إطارها إنتاج متنٍ جغرافي غزير حاول

تفسير تنوع الأقاليم عبر مختلف بلدان المعمور. وحيث تنبني الجغرافيا الاستقرائية في قسم كبير منها على الملاحظة والوصف، ومن مارسها ويمارسها من الجغرافيين هم في غالبيتهم من ذوي التكوين الأدبي، فإن الأبحاث المنجزة تتصف بالحجم الكبير ممّا لا يجعلها تُيسّر دائمًا عمل من يتخذ القرار

في المجال التطبيقي. وعلى عهد موجة «الجغرافيا الجديدة»، صارت عمليات الملاحظة والوصف والتحليل أكثر دقةً بعدما

بدأ الجغرافيون يستكملون المعطيات الكيفية بمعطياتٍ كميّة، بالاعتماد على طرق أكثر دقة للقياس

والتكميم والمراقبة والتحقق، فبدأ الاعتماد على نطاق واسع على نتائج عمليات تعداد وإحصاء السكان والسكنى، ومختلف النشاطات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وأمام الكم الهائل المتراكم من المعطيات بدأ يتسع اللجوء إلى المهارات المتطورة لعلم الإحصاء الذي عرف بدوره تقدّمًا كبيرًا مع

تطوّر الإعلاميات ومراكز الحساب وقدرتها الكبيرة وسرعتها الفائقة في تحليل بنوك المعطيات وتقاطعها

وتركيبها مهما كان حجمها. وإذا كانت هذه المعطيات الإحصائية المتراكمة لا تستجيب بما فيه الكفاية لمتطلبات البحث الجغرافي نظرًا إلى بعض العقبات؛ مثل صغر مقياس الوحدات المجالية المعتمدة، فقد طوّرت الجغرافيا طرق

البحث الميداني والتقصّي المباشر وغير المباشر باعتماد الصور الجوية، ثمّ الصور المأخوذة من

الفضاء، وتملّك تطبيقات الاستشعار عن بعد وبرامجه في إطار ما يُعرف بمنظومات المعلومات

الجغرافية. لقد صارت هذه الأخيرة تتيح ربط المعطيات على مقياس عالي الكبر والدقّة يُحدّد الصفة

الجغرافية وكميّتها وإحداثياتها الثلاث: خط ا الطول والعرض والعلوّ. وعليه أصبحت الجغرافيا بتمكنها

بنجاح فائق من إدماج المستجدات الرقمية، تتمك ن من معالجة المعطيات بطرق أشد تعقيدًا، على نحو يسهّل إبراز البنيات المكانية وتوصيف العلاقات التي تربطها وفهمها، واستشراف مصيرها. أما فيما يتعلق بالمنهاج الاستنباطي، فقد كانت تمثّل الجغرافيا في الأصل في العصر القديم ممارسة فكريةً استنباطيةً تُشَغِّل المنطق والأنساق الرياضية المختلفة، وذلك في سبيل تحديد الموقع وقياس المسافة عند سطح كوكب الأرض وبين المكونات الفلكية للكون. غير أنّ الدخول من الباب الواسع إلى دائرة المنهاج التجريبي الاستقرائي خلال العصر الحديث، لم يشك ل أمامها عائقًا جدّيًا لإعادة ربط الصلة بالمنهاج الاستنباطي – الفرضي إلى أن صارت تعمل بالنمذجة المستوحاة من العلوم المجاورة على نطاق واسع مثل علم الاقتصاد والديموغرافيا والفيزياء والكيمياء. وقد ساعد على هذا المنحى ولوج الجغرافيا الواسع إلى الإعلاميات التي تمكّن من القيام بعمليات محاكاة مبنيّة على تعدّد

المتغيرات.

ويمكن في سياق المنهاج الاستنباطي كما تتبناه الأبحاث والدراسات الجغرافية في الوقت الراهن التمييز على الأقل بين ثلاث مقاربات متباينة: أ. مقاربة التحليل النسقي كما تم تطويرها في الإيكولوجيا والفيزياء، يتم تبنيها في دراسة الأنساق الجغرافية مثل الأوساط الطبيعية أو المجال الحضري أو الأقاليم والجهات. وتعتبر هذه المقاربة النسق

الجغرافي مجموعة من المكونات المرتبطة فيما بينها تتطور تبعًا للعلاقات التي تجمعها، وأيّ تحوّلٍ

يسجّله أيّ مكوّن يكون له تأثيرات في توازن النسق بأكمله كما تصوّر ذلك لودفيك فون برتلانفي؛ ب. مقاربة ترييض (من الرياضيات) دراسة الظواهر الجغرافية، بمعنى إخضاعها لنماذج أو معادلات رياضية، كتطبيق قانون الجاذبية على الشبكات الحضرية، مثل النموذج الذي يجعل قوة تبادل التيارات بين مدينتين تتناسب مع حجمهما، وعكسًا مع مربع المسافة التي تفصل بينهما؛ ج. مقاربة الكوريم Chorème التي تعني الوحدة البنيوية الأولية للمجال الجغرافي كما تصوّرها بروني

روجي، ومعناها أنّ هناك أشكالً بسيطة لتنظيم المجال هي النقطة والخط والمساحة والشبكة، تتميز بقابليتها للتركيب والملاءمة والتوليف فيما بينها لتعطي نماذج مختلفة أشد تعقيدًا لتنظيم المجال الجغرافي، وذلك على النحو الذي يجعل الحروف الأبجدية تدخل في تركيب الكلمات ونسج الجمل والنصوص بالنسبة إلى اللغات. وهكذا، يمكن تأويل أيّ مجال جغرافي وتفسير بنائه وتنظيمه واشتغاله

بالاعتماد على عددٍ من البنيات المجالية الأساسية (الكوريمات). ويفتح هذا التوجه بمحاولته تركيب نماذج بسيطة على شكل نماذج نظريّة، «طريقًا في اتجاه حلّ التناقض بين المناهج الاستقرائية والمناهج

الاستنباطية، وبين المقاربات التعميمية الاسمية Nomothétique والمقاربات الفردية

.» Idiographique

3. التعبير السيميائي والعمل الميداني، عنصران من صلب المنهاج الجغرافي

لا يكمن ما تتميّز به الجغرافيا من باقي العلوم فقط في هذه الازدواجية المذكورة في الموضوع وما

يترتب عنها من تعدد في المنهاج، وإنّما أيضًا اعتمادها على التمثيل البياني/ السميائي لصياغة مفاهيمها والتعبير عن نتائجها. كيف لا وكلمة «غرافيا» اليونانية يُفهم منها الرسم على الأقل في أحد معانيها.

صحيح أنّ بعض التخصصات التي في غالبيتها متفرعة عن الجغرافيا أو متداخلة معها تعتمد على التعبير البياني في اشتغالها، وأن من الباحثين من يريد التخصص فقط في الكارطوغرافيا، لكن سيكون من الصعب تصوّر ممارسة جغرافية من دون إتقان للتعبير الكارطوغرافي أو القيام بالعمل الكارطوغرافي

من دون اعتماد مبادئ الجغرافيا وروحها.

(38) Staszak, p. 101. (39) Ludwig Von Bertalanffy, Théorie générale des Systèmes , Jean–Benoist Chabrol (trans.), (Paris: Dunod, 1973). (40) Roger Brunet, «La composition des modèles dans l’analyse spatiale,» Revue Espace géographique , vol. 9, no. 4 (1980). pp. 253–265. (41) Ibid., p. 253.

اهتدى العقل البشري من أجل التعبير عن الامتداد المجالي وتملكه ذهنيًا إلى الأنموذج المصغر لرسم

المكان، وجعله في متناول مقياس زاوية ومدى مشاهدة العينين البشريتين، وذلك على سطح مستو واصطلاحي مُبسط. لم يقتصر الجغرافيون، للتعبير عن نتائج المعرفة الجغرافية وصياغة مفاهيمها،

على التعبير اللغوي، وإنّما اهتدوا إلى التعبير السيميائي الذي انطلق من الرسومات والأشكال الهندسية

البسيطة، لتحلّ محلّها تدريجيًّا الرموز المعقّدة والنماذج المجالية الكوريماتية المركبة التي تشك ل

حاملً للمعلومات الجغرافية، كما تستخدمها بعض التخصّصات والأطالس والخرائطية التفاعلية. لقد طوّر الجغرافيون الكارطوغرافيا على نحوٍ موازٍ مع التحولات التي عرفها موضوع الجغرافيا،

فانتقلت من الرسومات العامية البسيطة، إلى خرائط تمثيل الجزء المعمور من الأرض مع التركيز على الإحداثيات لتسهيل تحديد المواقع، قبل الوصول اليوم إلى الخرائط التأليفية الممثلة لنتائج الأبحاث والدراسات الجغرافية على مقاييسها المختلفة. وارتباطًا بمسألة الازدواجية الطبيعية والبشرية في الموضوع، فقد حققت الجغرافيا الطبيعية ممثّلةً في الجيومورفلوجيا اتجاهًا ملفتًا في هذا المجال فطوّرت منظومةً كارطوغرافية خاصّةً بها، لها قواعدها

ورموزها الإصلاحية المعترف بها دوليًّا على غرار الخريطة الجيولوجية. وقد عملت بعض الدول على

وضع برامج علمية بغاية تحقيق تغطية كارطوغرافية جيومورفلوجية، نظرًا إلى ما لها من دورٍ في

المساعدة في اتخاذ القرار في مجال التهيئة وإعداد التراب. وبالطبع لا تعتمد الجغرافيا على الكارطوغرافيا فقط من أجل التمثيل والنشر المركز للنتائج، بل إنّها تعتمد عليها أيضًا مصدرًا للمعطيات

ومادّة مساعدة ومكمّلة للتحليل المجالي الميداني. لقد طوّر الجغرافيون الكارطوغرافيا وجعلوا منها زيادة على حاملٍ للمعطيات ونتائج البحث الجغرافي،

أداةً في خدمة منهاج البحث تُسهّل عملية تجابه مؤشرات البحث وتقاطعها وتركيبها وذلك لاستخراج

الوحدات المجالية كما هي في الواقع. تعتبر عملية تطبيق Superposition المؤشرات التي صارت اليوم ميسّرة باستعمال التطبيقات الإلكترونية لمنظومات المعلومات الجغرافية، في الأصل تقنية

الجغرافيين المبنية على تطبيق وتقاطع الخرائط المرسومة على الورق الشفّاف والحاملة لمختلف المؤشرات التي يُرغب في تقاطعها أو تركيبها أو تعميمها أو تأليفها. وإذا كانت الكارطوغرافيا قد عرفت اليوم قفزةً نوعيةً بتبنيها الرقمنة، وصارت مع أنظمة المعلومات الجغرافية مفتوحةً أمام الجميع، فمن غير الممكن وضع كارطوغرافيا وإنتاج كارطوغرافي جيّد فقط

بالجلوس في المكاتب وأمام شاشات الحواسيب ذات الحجم والسرعة الكبيرين. فالأمر يتطلب التحكم الجيّد في البحث الميداني، والعمل في عين المكان من أجل رصد الظواهر الطبيعية والبشرية

ودراستها، وهو مظهرٌ آخر التصق بالجغرافيا منذ القديم، وأيّ بحث جغرافي لا بدّ أن ينطلق من الميدان

ويعود إليه في سياق تأكيد صدقية النتائج واستشراف تدخلات الإعداد والتهيئة. لا بدّ أن يستند المنهاج المتبع في العمل الجغرافي مهما كانت طبيعته إلى الواقع الميداني الذي يشكّل مصدرًا مباشرًا لاستيفاء المعطيات أو لتأكيد فرضيات البحث الجغرافي ونتائجه. ويبدو أنّ اللجوء إلى

الميدان هو أمر ارتبط بالعمل الجغرافي منذ نشأته، فالقياسات الفلكية القديمة للإحداثيات، وأوصاف

البلدان من قِبَل الرحالة الهواة والمحترفين ظلّت تنطلق من عين المكان. وقد استمر هذا الأمر على

عهد الجغرافيا العصرية إلى اليوم من أجل معاينة الوسط الطبيعي والإنصات إلى الإنسان والمجتمع مع اعتماد بعدَي المكان والزمن، وقد تم في سبيل تحقيق ذلك وضع طرق وأدوات وتقنيات للبحث الميداني تطوّرت على نحو لافت مع مرور الوقت بنوعٍ من التكافل مع باقي العلوم المجاورة. وإذا ظلّ الجغرافيون في القديم يعتمدون بالدرجة الأولى على الميدان، فإنهم لا يزالون اليوم يحتفظون بالتقليد نفسه، لكن، مع دعمه بالعمل المخبري على النحو الذي تلجأ إليه العلوم التجريبية وبعض العلوم الاجتماعية الإنسانية، فصار العاملون من الجغرافيين في مؤسسات البحث والدراسات يجهّزون مختبراتهم الخاصّة بما جدّ في عالم التقنيات، أو يلجؤون إلى خدمات مختبرات العلوم المجاورة للقيام بتحليلاتهم وتجاربهم. وتعتبر الجيومرفولوجيا والبيو جغرافيا ربّما أكثر ريادةً من التخصصات

الجغرافية الأخرى في هذا المضمار.

رابعًا: الجغرافيا والمأسسة الراسخة

يبدو واضحًا الآن بعد تسليط بعض الضوء على طبيعة موضوع الجغرافيا الذي يستمد ازدواجيته

الفيزيائية – الإنسية من سيرورته التاريخية وما عرفته من قفزاتٍ إبستيمولوجية وتحولّات في البراديغمات

والأهداف، وبعد الوقوف على خاصيّة التعدّد في المنهاج الذي سلكه ويسلكه الجغرافيون؛ وحتى إذا

تم التسليم بوجود نوع من العوز الإبستيمولوجي للجغرافيا المرتبط بطبيعة الموضوع والمنهاج، يبدو واضحًا أنّ وضع الجغرافيا لا يختلف عن أوضاع باقي العلوم الاجتماعية والإنسانية التي لا يمكنها أن تستجيب للمواصفات الدقيقة للأنموذج العلمي الفيزيائي كما تتصوره النزعة العلموية. وعليه، يبقى الأمر المطروح بعد هذا كلّه هو تقييم مدى نفعيّة هذا النوع من الممارسة العلمية. وأخيرًا وبعد تحديد

طبيعة موضوعها ومنهاجها، علينا الانتقال إلى تحديد مكانة الجغرافيا بين العلوم ومدى مساهمتها في الحدّ من الارتباك المنهجي الذي يميّز العلوم الاجتماعية والإنسانية، والوقوف عند درجة نفعيتها

ودورها في تأطير البشرية واستشراف مستقبلها. يجعل وضع الجغرافيا المتسم بغياب الوحدة في المنهاج والموضوع، منها موضع نقد وتشكيك لكونها لا تتمكن من نيل إجماع باقي الحقول العلمية حول العديد من القضايا الإبستيمولوجية المطروحة على التفكير العلمي. وقد يذهب بعض المتخصصين من دعاة «السيادة العلمية» إلى حدّ إنكار صفة الشرعية

والعِلمية عن الجغرافيا، وعدم قدرتها على المساهمة في بناء القوانين أو القدرة على التنبؤ والإنتاج التكنولوجي. وبالطبع فإنّ هذه الانتقادات لا تصدر عن بعض المنتسبين للعلوم «الدقيقة» وحدهم، وإنّما أيضًا عن بعض الأطراف المنتمية إلى العلوم «المجاورة» من علومٍ تجريبية وعلوم اجتماعية وإنسانية. بل إنّ هذه

الانتقادات يتم تبادلها بين الجغرافيين أنفسهم في محاولة نفي متبادل للعِلمية فيما بين فرعي الجغرافيا الفيزيائية والجغرافيا البشرية، وأيضًا بين بعض التفرعات الجغرافية المفرطة في التخصص. وإذا تم التسليم بوجود هذا الوضع المنهجي المتسم بعدم الاستقرار من وجهة نظر الأنموذج العلمي الفيزيائي، فإنه في واقع الأمر لم يمنع الجغرافيا والجغرافيين منذ القديم من التمتع وعلى نحو لافت بمأسسة قوية جعلتها تتبوأ مكانة مرموقة داخل مختلف دواليب التفكير العلمي وداخل مظاهر الحياة البشرية في أدق تفاصيلها. خلق التحول من الدولة التقليدية الكلاسيكية إلى الدولة الوطنية الحديثة بأوروبا وتوسعها الاستعماري، طلبًا على المعرفة الجغرافية وأدّى إلى ظهور الرغبة في دمقرطتها بين

مكونات المجتمع كأداة لإذكاء روح الوطنية عبر تعريف المواطن ببلده وافتخاره به. فدخلت الجغرافيا في مسلسل الترسيخ المؤسساتي الذي لا يزال مستمرًا إلى اليوم. تحضر الجغرافيا اليوم وبقوّة داخل هياكل المنظومات الجامعية على نحو يكاد لا يستثني أيّ بلدٍ من

بلدان العالم؛ كما أنّها تشغل حيّزًا واسعًا داخل منظومات التربية والتكوين بكل المجتمعات

وبمختلف الأسلاك والمستويات، وصارت الجغرافيا تدريجيًّا تمثّل مرجعًا أساسيًّا في إنتاج وترتيب

ونشر وتجديد المعطيات المتعلقة بالموارد الطبيعية وبالسكّان ونشاطاتهم، وتشكّل قاعدةً أساسية في الدراسات التطبيقية في مجالات سياسة التراب والتخطيط له وإعداده وتهيئته وحَوكمته. وتمك نت

الجغرافيا بصيغةٍ أخرى في الواقع من تحقيق التعايش بين «اتجاهاتها الوظيفية الأربعة، الجغرافيا الجامعيّة التي تبحث، والجغرافيا المدرسية التي تُكوّن، والجغرافيا العالمة التي تقوم بدور الإعلام،

والجغرافيا التطبيقية الفاعلة». دفع هذا الحضور اللافت بالجغرافيين مبكّرًا نحو تنظيم عملهم داخل هياكل علمية خاصة بهم بأبعاد

مختلفة، فتم تنظيم «المؤتمر الأول للجغرافيا» على الصعيد الدولي سنة 1871 بأنفرس ببلجيكا؛ ثم تم تأسيس «الاتحاد الجغرافي العالمي» سنة 1922 ببروكسل ليشكّل هيئةً تنخرط في المجلس الدولي لاتحادات العلوم ICSU وفي المجلس الدولي للعلوم الاجتماعية ISSC. وعلى الصعيد الجهوي تأسّست اتحادات إقليميّة وجهوية، على غرار «اتحاد الجغرافيين العرب» الذي كان يعقد مؤتمره

(((4 للاستئناس وانطلاقًا من الإحصائيات المتاحة على صعيد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار الفرنسية، بعدما لم يكن عددهم يتجاوز 23 مدرّسًا سنة 1920 ثم 336 سنة 1968، بلغ عدد الأساتذة والباحثين المتخصصين في الجغرافيا بالجامعات

الفرنسية خلال موسم 2013–2012 أكثر من 1130 جغرافيًّا، وهو ما مثل 2 في المئة من مجموع الأساتذة الباحثين ونحو 15 في المئة

من مجموع المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، انظر:

La Republique Française, Ministère de lʼEnseignement supérieur, de la Recherche et de l’innovation, «Études et Regards statistiques: Démographie des personnels enseignants de lʼEnseignement supérieur Année universitaire 2012–2013,» 28/5/2015, accessed on 26/6/2019, at: http://bit.ly/2ZP2pky (43) Bavoux, p. 46.

(((4 يعقد الاتحاد العالمي الجغرافي مؤتمره الدولي كل أربع سنوات، وينظم سلسلة من الملتقيات الجهوية تنظمها مختلف اللجان المتخصصة المعتمدة التي يتجاوز عددها 40 لجنة، وذلك لتدارس القضايا التي تتماشى مع أهداف الاتحاد الرامية إلى تطوير الجغرافيا عبر تنسيق التدريس والبحث العلمي. انظر: الموقع IGUUGI، شوهد في 2019/6/27، في:

https://bit.ly/2HYDzXx

الدوري على رأس كل سنتين، وعلى الصعيد المحلي ظهرت جمعيات جغرافية وطنية تقريبًا في

كل الدول، مثل الجمعية الجغرافية المصرية التي تعتبر أقدم جمعية قُطرية أ سِّست خارج أوروبا

والأميركتين. وقد سعت مختلف الهياكل العلمية والتربوية للجغرافيا إلى التوفّر على منابرها الخاصة ممّا جعل منها

علمًا نشيطًا في مجال نشر نتائجه وتوزيعها. وقد تمكّن في هذا الباب سجل «البيبليوغرافيا الجغرافية

العالمية» الذي فتح منذ 1891 من ترصيد متن ضخم من المنشورات بلغ 185 ألف مرجع جغرافي منشور فقط في الفترة 2014–1976، طبعًا من دون احتساب ما نُشر خارج اللغات اللاتينية

والأنكلوسكسونية. حاليًّا وفي زمن تعاظم التقنيات المعلوماتية والتواصلية، فإن الجغرافيا كما يبدو

بكسبها رهان الرقمنة صارت بمنظومات المعلومات الجغرافية وبتطبيقاتها المختلفة تغزو كلّ المظاهر

الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى درجة أصبح معها من الصعب تصوّر حياة الإنسان من دونها في

بعض المجالات.

استنتاجات

في نهاية المطاف، سجّل علم الجغرافيا الذي رسم عبر تاريخه الطويل مسارًا مضطربًا، كلّ التحولّات

والمنعرجات التي عرفها الفكر البشري، وهو مسار يعطي الانطباع بأنّ الجغرافيا علمٌ حيوي لا يزال

يبحث عن استكمال سيرورة اتساع الموضوع وتعدّد المناهج، ومع ذلك فهو لم يتمكن من تجنب الارتباك المنهجي الذي تعرفه باقي العلوم الاجتماعية والإنسانية. وعليه، فأمام اتساع طيف موضوعات الجغرافيا وتقطّعه والابتعاد عن التفكير النظري النقدي لإنتاجها العلمي وغاياته، فإنّ الأبحاث والدراسات المنتسبة إليها غالبًا ما تغضّ الطرف عن الخوض في أمر المنهاج الذي تتبنّاه، وإن حدث

فإنّها لا تعتني بنوعٍ من الاهتمام بمسألة تأصيل الأسس النظرية للمنهاج المتّبع، لتنصرف إلى الخوض وباستفاضة في الجوانب التقنية التي تخوض عامّة في إجراءات وخطوات و«كيفية الاستعمال» الأداتية،

كوصف خطوات البحث والأدوات المستعملة والطرق المتبعة في البحث الميداني وأحيانًا المختبري، وفي طرق جمع المعطيات الكمية والكيفية والقالب التحليلي المتبع. ومن أجل رفع درجة علمية المنهاج الجغرافي، وجعل درجة مأسسته تتوافق مع أسسه النظرية، فإنه من الصائب الدفع بالجغرافيين نحو تمتين جسور الحوار مع الفلسفة، والتمك ن من التحليل في إطار الإبستيمولوجيا العامة والمشتركة للمعرفة العلمية، وفي الوقت نفسه من التحليل الإبستيمولوجي الخاص الموجه نحو دراسة المشكلات الخاصة بعلم الجغرافيا، والذي على الجغرافيين الاهتمام به

(((4 لم يستطع «اتحاد الجغرافيين العرب» عقد مؤتمره بدمشق سنة 2011، ولا يزال نشاطه مجمدًا إلى اليوم بسبب الظروف الصعبة

التي تمر بها بعض دول العالم العربي. (((4 سست بمرسوم خديوي سنة  أُ 1875، انظر: موقع الجمعية الجغرافية المصرية، شوهد في 2019/6/9، في:

https://bit.ly/2FfMVv1 (47) Bibliographie Géographique Internationale, «Accueil,» accessed on 9/6/2019, at: https://bit.ly/2Hsv5Hj

أكثر. وبالطبع يبقى السير بالجغرافيا في هذا الاتجاه مشروط ا بإدماج وحدات الفكر الفلسفي البشري وتاريخ العلوم وتاريخ الأفكار بالقدر الكافي ببرامج التكوين الجامعي، وذلك على النحو الذي تعرفه برامج التكوين في علم الاجتماع والعلوم المرتبطة به.

المراجع

العربية

بلفقيه، محمد. الجغرافيا القول فيها والقول عنها: البحث عن الهوية. الرباط: النشر العربي الإفريقي،

.________ العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم: تأصيل الصلة. الرباط: دار نشر المعرفة،.2007 الجابري، محمد عابد. مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي. ط.5 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 الفرا، محمد علي عمر. «علم الجغرافيا: دراسة تحليلية نقدية في المفاهيم والمدارس والاتجاهات الحديثة في البحث الجغرافي.» رسائل جغرافية (كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت). العدد 22 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1980 وقيدي، محمد. الإبستيمولوجيا التكوينية للعلوم. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2010._______ العلوم الإنسانية والأيديولوجيا. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1983

الأجنبية

Bavoux, Jean-Jacques. La Géographie: Objets, Méthodes, Débats. Collection U. 3 ème

Berthelot, Jean-Michel (ed.). Épistémologie des Sciences Sociales. Collection Quadrige.

Braudel, Fernand. «La Géographie face aux Sciences humaines.» Annales Economies,

Brunet, Roger. «La Composition des modèles dans l’analyse spatiale.» Revue Espace

Claval, Paul. Histoire de la Géographie. Collection Que sais-je?. Paris: Presses

Clozier, René. Histoire de la Géographie. Collection Que sais-je?. 5 ème éd. Paris:

De Martonne, Emmanuel. Traité de Géographie. Paris: Armand Colin, 1909.

References

éd. Paris: Armand Colin, 2016.

Paris: Presses Universitaires de France, 2012.

Sociétés , Civilisations , no. 4 (1951).

géographique. vol. 9, no. 4 (1980).

Universitaires de France, 2011. Claval. Géo – épistémologie. Paris: Armand Colin, 2017.

Presses Universitaires de France, 1972.

Deneux, Jean-François. Histoire de la pensée géographique. Paris: Belin, 2006. Gottmann, Jean. La Politique des États et leur géographie. Paris: Armand Colin, 1952. Gould, Peter. «The new Geography.» Harper’s Magazine (March 1969). Jonas, Hans. Le principe responsabilité: Une éthique pour la Civilisation technologique. Collection Champs Essais. Paris: Flammarion, 2013. Kuhn, Thomas. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press, 1962. _______. La Structure des Révolutions Scientifiques. Laure Meyer (trans.). Collection Champs Essais. Paris: Flammarion, 2008. Lagarde, Lucie. «Philipe Buache ou le premier Géographe français, 1700-1773.» Mappe Monde. vol. 87, no. 2 (1987). Lichnerowicz, André et al. L’interdisciplinarité: Problèmes d’Enseignement et de Recherche dans les Universités. Paris: OCDE, 1972. O’Brien, Richard. Global Financial Integration: The End of Geography. London: Pinter for Royal Institute of International Affairs, 1992. Sanguin, André-Louis. «Redécouvrir la Pensée géographique de Kant.» Annales de Géographie. no. 576 (1994). Schaefer, Fred Kurt. «Exceptionalism in Geography: A Methodological Examination.» Annals of the Association of American Geographers. vol. 43, no. 3 (September 1953). Strabon. Géographie. vol. 1. Introduction générale. Paris: Les Belles Lettres, 1969. Von Bertalanffy, Ludwig. Théorie générale des systèmes. Jean-Benoist Chabrol (trans.). Paris: Dunod, 1973.