عن حق الإنسان في الهيمنة
The Human Right to Dominate
الملخّص
عنوان الكتاب الأصلي: The Human Right to Dominate. المؤلفان: نيكولا بيروجيني ونيف غوردون. المترجم: محمود محمد الحرثاني. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: بيروت/ الدوحة. تاريخ النشر: 2018. عدد الصفحات: 320 صفحة.
Abstract
Book Title: The Human Right to Dominate . Author: Nicola Perugini, Neve Gordon . Publisher: ACRPS – Beirut/Doha . Date of Publication: 2018. Number of pages: 320.
- حق الإنسان
- الهيمنة
- منظمة العفو الدولية
- The Human Right
- Dominate
- Amnesty International
المؤلفان: نيكولا بيروجيني ونيف غوردون. المترجم: محمود محمد الحرثاني. الناشر: مكان النشر: بيروت/ الدوحة. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 320 صفحة.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
توطئة
في دراسة فريدة من نوعها، يحاول كتاب عن حق الإنسان في الهيمنة إماطة الغبش عن الالتباس الذي يغشي حقوق الإنسان في علاقاتها بقوى الهيمنة أثناء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما الفاعلون في مجال حقوق الإنسان الذين يفحصهم هذا الكتاب، فهم ثلاثة بحسب المؤلفَين نيكولا بيروجيني ونيف غوردون: منظمات حقوق الإنسان الليبرالية (مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش)، ومنظمات حقوق الإنسان المحافظة (مثل منظمة مراقبة الأمم المتحدة Watch UN، ومنظمة مراقبة المنظمات غير الحكومية Monitor NGO)، وهي منظمات تناهض كل من يحاول الاقتراب من إسرائيل، أما الفاعل الثالث فهو متمثل بالدول؛ وتحديدًا إسرائيل والولايات المتحدة. وباستلهام أطر تحليلية لعددٍ من المفكرين من أمثال ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وآشيل مبيب، وفرانتز فانون، وحنة أرندت، يبرع المؤلفان في توصيف تلك العلاقة الخفية التي لا يستطيع المرء تبينها بالنظر المجرد. يتكون الكتاب من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. فالمقدمة تتحدث عن حق الإنسان في الهيمنة، أما الفصل الأول فيبحث تناقضات حقوق الإنسان، ويتناول الفصل الثاني تهديد حقوق الإنسان، ويناقش الفصل الثالث حق الإنسان في القتل، ويبحث الفصل الرابع حق الإنسان في أن يستعمر، وتحاول الخاتمة استنتاج ماذا بقي من حقوق الإنسان؟ المؤلفان هما نيكولا بيروجيني ونيف غوردون. أما بيروجيني فهو محاضر العلاقات الدولية بجامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة، وأما غوردون فهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن غوريون، وقد سبق له أن عمل في الجيش الإسرائيلي، ويُعد من مؤيدي حملة المقاطعة ضد إسرائيل. أما المترجم محمود محمد الحرثاني فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الترجمة والدراسات الثقافية من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، ويحاضر بجامعة الأقصى في غزة بفلسطين.
مقدمة: عن حق الإنسان في الهيمنة
نستهل هذا الجزء بتعريف المؤلفين للهيمنة؛ إذ يريان أنها مجموعة واسعة من علاقات القهر، تتميز باستخدام القوة والإكراه. ومن هنا، فإن تركيزهما على الهيمنة ذو شقين، فلديهما اهتمام بدراسة الممارسات العنيفة المستخدمة ضد الأفراد والجماعات من أجل الهيمنة عليهم. لكنهما يدرسان المنطق المستخدم لتبرير هذه الممارسات من خلال علاقات هيمنة مختلفة، وفحص كيفية إضفاء الشرعية عليها، ومنحها معنى في ضوء الاسترشاد بحقوق الإنسان. إنهما باختصار يسعيان للإجابة عن سؤال: ما العلاقة بين حقوق الإنسان والهيمنة؟ يناقش المؤلفان تحريض منظمة العفو الدولية حلف شمال الأطلسي «الناتو» على البقاء في أفغانستان عشية قمة له عام 2012 وضع على جدولها الانسحاب من ذلك البلد. فقد نشرت منظمة العفو الدولية قبل القمة بأيام لافتات في محطات الحافلات في جميع أنحاء وسط مدينة شيكاغو، مقر انعقاد القمة، تحث الناتو على عدم سحب قواته من أفغانستان. وقد كتب على هذه الملصقات: «واصل التقدم أيها الناتو». أما دافع المنظمة فهو متعلق بإرادتها أن يظل الناتو في
أفغانستان حتى يحرر المرأة ويعزز التقدم! وأي دعوى حقوق إنسان تلك التي تحاول إظهار رابطٍ بين الاحتلال العسكري لبلدٍ ذي سيادة وبين «التقدم»؟ هل يمكن أن يتخيل المرء أن تلك الحملة التي تدعو إلى عدم سحب قوات الناتو من أفغانستان جرت تحت رعاية منظمة العفو الدولية؟ هنا يرى المؤلفان أنه «ليس العنف مصدر تعدٍ وحسب، ولكنه يمكن أن يكون مصدرًا لتحرير المرأة، كما تبين لافتات منظمة العفو الدولية. ومع ذلك، فإذا كان العنف يرتبط تقليديًا بالهيمنة وحقوق الإنسان بالتحرير، فما أغرب الربط بين الاثنين» (ص. 25). والسؤال هو: ألا يمكن أن تنفصل حقوق الإنسان عن الهيمنة أم أن هذه الحملة مجرد حالة استثنائية؟ كانت سوزان نوسل، مديرة منظمة العفو الدولية، هي القائمة على الحملة. وهنا يستلهم المؤلفان فكرة «السلم الاجتماعي بالمعنى الذي استخدمه بيير بورديو، الذي يرى أنه بقدر ما يكون من صفات مشتركة بين الفاعلين والمؤسسات بقدر ما يتقاربون» (ص 160، هامش 20). والشاهد هنا أن نوسل نفسها تولت في إدارة الرئيس باراك أوباما منصب نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون المنظمات الدولية، ومن هناك انتقلت إلى منظمة العفو الدولية. وهذا الانتقال مثيرٌ للاهتمام؛ لأنه يكشف أن منظمة العفو الدولية ووزارة الخارجية تشغلان مساحات اجتماعية لا تبتعد كثيرًا عن بعضها. على أن منظمة العفو الدولية، فيما يفترض، منظمة ليبرالية، وثمة منظمات حقوق إنسان محافظة سَمْتها الرئيس كما سنرى لاحقًا مجابهة ما تعتبره التخريب الليبرالي لحقوق الإنسان، وهي بهذا تكون أشد تطرفًا من منظمات حقوق الإنسان الليبرالية التي تتماهى بدورها مع الهيمنة. ورغم ما بين هذين النوعين من منظمات حقوق الإنسان من افتراق، فإنهما يتشابهان في استخدام الإجراءات نفسها؛ كرفع المذكرات للمحاكم، والاستشهاد في هذه المذكرات بالقانون الدولي، وحملات المناصرة التي يطلقونها، «بل وطريقة استخدام الأيقونات في الحملات» (ص. 33) وهنا تتعرض حقوق الإنسان إلى ما يسميه المؤلفان القلب والإبدال؛ الأمر الذي يجعلها عرضة لأنْ ترتبط بالهيمنة.
الدولة وحقوق الإنسان
بعد الليبراليين والمحافظين، انتبهت أجهزة الدول (والمثال هنا الولايات المتحدة وإسرائيل) لخطورة حقوق الإنسان، فخصصت لها دوائر داخل مؤسساتها، ولكنّ المؤلفين يريان أن هذا الاهتمام معكوسٌ؛ أي إن حقوق الإنسان تبحث في مؤسسات الدولة؛ ليس بغية تجنب انتهاك حقوق الإنسان، وإنما لكي يتجنب جيش الدولة الوقوع فيما يجعله تحت طائلة المسؤولية إذا ما انتهك حقًا من حقوق الإنسان. وقد بدأ اهتمام الدولة بهذا الشأن قبل نحوٍ من ثلاثة عقود، وكانت والولايات المتحدة من أبرز الدول في هذا المضمار؛ إذ تدرب، «إضافة إلى تدريب جنودها، كل عامٍ نحو 100 ألف من رجال الشرطة والجنود من أكثر من 150 بلد في نحو 275 من المدارس والمنشآت العسكرية الأمريكية من خلال توفير أكثر من 4100 دورة في مجال حقوق الإنسان» (ص. 39). وهنا تؤكد لاله خليلي Khalili Laleh أن «استدعاء القانون والشرعية عادةً ما يُشَيد سلوك الحرب ويؤثر في بنيتها، وذلك يساعد في تفسير وجوب تذرع الدول بحقوق الإنسان
كوسيلة لضمان الامتثال الإداري والأخلاقي » (ص. 39) خلاصة المقدمة هي أن القوى، سواء كانت ليبرالية أو محافظة، بما فيها الدولة، تدجن حقوق الإنسان وتستثمرها على نحو يعزز الهيمنة ويُرَشِدها بدلً من أن يفككها. ولكنّ المؤلفين يختمان بإيراد ملاحظة تحتاج إلى مزيد تأمل؛ وهي أن حقوق الإنسان نشأت باعتبارها «خاصية جوهرية من خصائص الثقافة الغربية» (ص. 47)، كما يرى الماركسيون، ولهما في ذلك قول نراه في الخاتمة. وقبل أن ندلف إلى الفصل الأول يجب التذكير بأن المؤلفين ينتقدان النموذج الهيدروليكي الذي يحظى بقبول واسع في مجال حقوق الإنسان، ومفاده أن مزيدًا من حقوق الإنسان يعني قليلً من الهيمنة.
الفصل الأول: تناقضات حقوق الإنسان
تكمن تناقضات حقوق الإنسان في أن معالجتها أحيلت في الجملة إلى الدولة؛ إذ إن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان (كاتفاقية جينيف الرابعة لعام 1949، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان) قد نصبت الدولةَ قيمًا على الحقوق. فوفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو الميثاق التأسيسي لنظام حقوق الإنسان المعاصر، فإن الدولة هي التي تضمن «اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها» (ص. 69). ويبرز هذا التفويض تناقضًا ثلاثي الأبعاد، ينشط كمزيج معقد يفصح عن نفسه بنفسه، وقوامه: الحماية من الدولة، والحماية التي تقدمها الدولة، وحماية الدولة. وفيما يلي كلام المؤلفَين البالغ الأهمية في هذا الشأن: «تُجسّد اتفاقية العام 1948 بشأن منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية ذلك بوضوح. أولً، تحدد الاتفاقية الدولةَ ومسؤوليها باعتبارهم من يمكن أن يرتكب الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان، وبالتالي تنص على الحماية من الدولة. ثانيًا، تطلب الاتفاقية من الدول الأطراف الاعتراف بأن جريمة الإبادة الجماعية عنصر تأسيسي في القانون الدولي ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب الإبادة الجماعية، ومن هنا فإن الاتفاقية تسند إلى الدولة مسؤولية حماية. وبالتالي، فإن المواطن محمي في نفس الوقت بالدولة من الدولة. «وأخيرًا، وباعتبار الاتفاقية صكًا يمكن الدولة من حماية المواطن، فإنها تمنح الحماية للدولة نفسها [...] من خلال منحها اعترافًا وشرعية متواصلين باعتبارها وحدة النظام المركزية والمنفذ الرئيس للاتفاقية » (ص. 71) من أظهر الأمثلة التي يوردها المؤلفان على تناقض حقوق الإنسان ما حصل بعد المحرقة الأوروبية التي دشنت مرحلة حقوق الإنسان المعاصرة؛ إذ أرادت أن تعوض مجموعة إنسانية واحدة فقط، من بين مجموعات كثيرة لحق بها أذى النازية، وهي اليهود، ومن ثم جرى إنشاء دولة لها، انتهكت حقًا لشعب كامل، وبذلك وقعت حقوق الإنسان في أوضح تناقض، وهو ما يجعلها موضع شك في علاقتها بقوى الهيمنة؛ وبهذا «منح تأطيرُ إنشاء دولة إسرائيل باعتباره حلً إنسانيًا الطبيعةَ الاستيطانية الاستعمارية هالةً من الشرعية الدولية» (ص. 81). هذا التأطير يبرهن على إمكان تساوق خطاب حقوق الإنسان مع خطاب الهيمنة، رغم أنه لا يبدو في الظاهر إمكان التوفيق بينهما.
الفصل الثاني: تهديد حقوق الإنسان
يركز هذا الفصل على شعور إسرائيل المتزايد بخطورة لغة حقوق الإنسان على وجودها. فلم تكن إسرائيل قبل ثلاثين عامًا تلقي للموضوع بالً؛ لأنه لم يكن يعمل على الأرض في فلسطين قبل الانتفاضة الأولى سوى مؤسسة حقوق إنسان واحدة، أما وقد اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 وظهر عنف إسرائيل جليًا، فقد تكاثرت المؤسسات حتى ناهز عددها 15 منظمة تفضح الممارسات الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، الأمر الذي بات يَؤزُّ إسرائيل حتى إن رابين نفسه أبدى امتعاضه من تلك «الأرواح الحساسة » (يقصد ناشطي حقوق الإنسان)، ولكن كانت ذروة الانزعاج بصدور تقرير غولدستون في إثر حرب 2008 على غزة؛ إذ رأت إسرائيل في منظمات حقوق الإنسان الليبرالية داخلها تهديدًا لوجودها. وكانت تلك نقطةَ تحوُّل؛ فقد شُنت حملة شعواء من منظمات حقوق الإنسان المحافظة، ومن جهات حكومية على منظمات حقوق الإنسان الليبرالية (كما شُنت على الأمم المتحدة)، وجرى اتهامها بأنها ساهمت في صناعة التقرير بشهاداتها وتقاريرها. ومن هنا خضعت تلك المنظمات للتمحيص باعتبارها تهديدًا للأمن القومي، وذلك ضمن مسمى «الحرب القانونية» تحت قيادة عدة منظمات؛ من أبرزها منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Watch Rights، ومنظمة مراقبة الأمم المتحدة Watch UN. وعلى سبيل المثال، تأسست المنظمة الأخيرة عام 1993، واتخذت من جينيف مقرًا لها. أما مؤسسها فهو موريس أبرام، الممثل الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة في السابق. وتهدف هذه المنظمة إلى مراقبة «التطبيق العادل لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة»، ومكافحة «العناية غير المتناسبة والمعالجة غير المنصفة التي تمارسها الأمم المتحدة تجاه إسرائيل » (ص. 115) وفي حربها ضد منظمات حقوق الإنسان الليبرالية زعمت منظماتُ حقوق الإنسان المحافظة أن الأولى تُجند ضد الدولة ما أطلق عليه «الحرب القانونية» Lawfare، وهو «استخدام القانون لتحقيق هدف عسكري» (ص. 120)؛ ومن هنا، اتُّهم تقرير غولدستون بأنه «يقيد أيدي الدول الديمقراطية التي تحارب الإرهاب في جميع أنحاء العالم» (ص. 131). إن محاولات جبارة بذلتها منظمات حقوق الإنسان المحافظة، وتبعها المشرع الإسرائيلي الذي صمم نحوًا من 30 مشروعَ قانونٍتباعًا، يحدّ معظمها من حرية التعبير، وقد نتج من ذلك تحجيم دور المنظمات الليبرالية، مثل صندوق إسرائيل الجديد، وهو مؤسسة حقوقية ضخمة، مقرها الولايات المتحدة وتساهم إسهامًا كبيرًا في تمويل منظمات حقوق الإنسان الليبرالية؛ إذ بلغ تمويلها لعدد من تلك المنظمات في إسرائيل نحو 200 مليون دولار. وقد اضطر ذلك الصندوق، تحت الضغط المحافظ، إلى جانب ضغط الدولة، إلى استحداث سلسلة من الإجراءات التي تحث منظمات حقوق الإنسان التي تتلقى تمويل، منه ومنها منظمة «بتسيلم» المعروفة، على أن تخفف لهجتها القانونية إزاء الدولة. وبعد أن كان الصندوق يشجع الولاية القضائية العالمية، حصر إنفاذ العدالة في الدولة، الأمر الذي قزَّم نطاق عمل تلك المنظمات. وتعني الولاية القضائية الدولية إمكان تقديم أي مسؤول إسرائيلي
للمحاكمة في أي دولة تطلبه للقضاء. أما بعد الآن، فدولته هي المسؤولة عنه، وبهذا تقتصر شرعية استنفار حقوق الإنسان على المحكمة العليا الإسرائيلية. وهنا يتحول خطاب «بتسيلم» من اتهام إسرائيل إلى اتهام المقاومة الفلسطينية، بحسب ما يرى المؤلفان، كما يتحول خطاب منظمات حقوق الإنسان من خطاب يفكك بنية الانتهاك إلى «خطاب بارد» يعالج قضايا منعزلة.
الفصل الثالث: حق الإنسان في القتل
ربما كان هذا الفصل أمتن فصلٍ في الكتاب؛ ففيه يجلي المؤلفان ديناميات شرعنة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل للقتل الإمبريالي، إضافةً إلى من برعوا في استثمار نظرية توماس هوبز بشأن حق الدولة السيادي في القتل، أو ما سماه ماكس فيبر لاحقًا احتكار الدولة الاستخدام المشروع للعنف. بهذا المعنى، فإن الدولة هي أفضَلُ طرفٍ يستطيع تحديد أفضل وسائل العنف وغاياته، وأوجَهُ من يقرر الحكم بشأن المعنى المسند إلى الحوادث. وهنا تجد الخبير القانوني حاضرًا، ومثاله كما يورد المؤلفان أستاذ القانون البارز في جامعة هارفارد، ديفيد كندي، الذي يفخر بعلاقة الجيش الأميركي بحقوق الإنسان، ويؤكد حرفيًا على «أن استيعاب القانون الإنساني وحقوق الإنسان وسيلة لجعل الجيش أكثر فاعلية» (ص. 151). نعم، دروس حقوق الإنسان إلزامية في الجيش الأميركي؛ ليس بهدف الحفاظ على حق الإنسان في الحياة، وإنما بهدف سلبه الحياة من دون تبعات. وليست إسرائيل استثناءً بطبيعة الحال، فهذا آسا كاشير Kasher Asa، أستاذ الفلسفة بجامعة تل أبيب، يصاحب الجيش الإسرائيلي ويدلي بتوجيهات إرشادية تحددُ متى يكون «الاغتيال» أخلاقيًا «في محاربة الإرهاب»؛ إذ إن الحق في الاغتيال، كما يرى كاشير، يقوم على أساسٍ من واجب الدولة في حماية حقوق مواطنيها، بما في ذلك الحق في الحياة. باختصار، «تُنَفذ الاغتيالات في إطار حقوق الإنسان (أي إنها جائزةٌ أخلاقيًا) عندما تستوفي شكلَين من الحماية المذكورة » (ص. 158)، وهما حماية الدولة للمواطنين وحماية الدولة نفسها. وهنا فإن حقوق الإنسان كونها مبررًا للقتل، تحوّل القتل إلى حق. ولقد أشاد ديفيد كينيدي بما اعتقد أنه «إبداع قاموسي» يساعد في ترويج ما عرف باقتصاد حقوق معين، وتعريفه هو: «الآليات التي تطور من خلالها الدولةُ وغيرها من الجهات الفاعلة حقوقَ الإنسان وتطوعها وتعممها، ومن ثم توزعها دون تساوٍ بين مختلف الأفراد والفئات الاجتماعية» (ص. 46) وبهذا يتمايز، فردٌ عن آخر، ومجموعة بشرية عن أخرى، بما يقتضيه ذلك من قتل الأول للثاني من دون مساءلة.
الدروع البشرية
التدرع هو استخدام المدنيين لردع هجمات المقاتلين، وقد منع بموجب اتفاقية جينيف الرابعة لعام 1948، ثم جاء نظام روما الأساسي لعام 1998 ليجرِّمه. ويركز المؤلفان هنا على فكرة الدروع البشرية؛ لأنها تحصل غالبًا في المناطق الحضرية التي يفترض أنها «مانعات لصواعق العنف السياسي» (ص. 168). تدرعت إسرائيل على امتداد فترة طويلة بالفلسطينيين، وكان هذا مصدرًا للتنديد بها حتى من داخل المؤسسة الإسرائيلية، مثل المحكمة العليا التي رفضت ذلك في عام 2005. غير أن منظمات حقوق
الإنسان المحافظة انتبهت لذلك، فشرعت في تطويع المصطلح وشرعنة التدرع بالبشر. كيف تدبرت إسرائيل أمرها إذًا؟ لقد استخدمت ما أسمته تدرع المقاومة في غزة بالبشر، فنزعت عن المدنيين صفة المدنيين، باذلة أقصى جهد في الاستخدام المحترف للغة؛ إذ أشاع الجيش عبارات من قبيل «متى يكون المنزل مأوى؟»، في إشارة إلى أن المقاومة تستخدم البيوت لغير وظيفتها الرئيسة، وهي إيواء المدنيين. وكذلك عبارة «إسرائيل تحمي المدنيين بالسلاح أما المقاومة فتحمي السلاح بالمدنيين»، في إشارة إلى ما تراه اتخاذ المدنيين على يد المقاومة دروعًا بشرية. وهنا يعلق المؤلفان بأن هذه العبارات مترعة ب «تمايز أخلاقي واضح في العقلية الإسرائيلية التي تحول البشر إلى أضرار جانبية ورعايا يمكن قتلهم دون انتهاكٍللقانون الدولي. وهنا فإن انتهاكات حقوق الإنسان التي يستخدمها فلسطينيون ضد فلسطينيين تصبح مصدرًا لشرعنة العنف». ومع ذلك، يؤكد المؤلفان أن القانون الدولي بذاته لا يمكن اعتباره عادلً أو ظالمًا، وإنما تحدد قيمته بطريقة استخدامه، وأن الأنظمة الاستعمارية تطوعه لتأطير عنفها باعتباره أخلاقيًا.
الفصل الرابع: حق الإنسان في أن يستعمر
يستهل المؤلفان هذا الفصل باقتباس طويل، من الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، مفاده أن المقتدر يستبدل قواعد السابق ويقلب معناها ضده. وهكذا يفعل المستوطنون في فلسطين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا والفلسطينيين غزاة، وينشئون منظمات حقوق إنسان تطالب بحقوقهم السليبة. ولهذا الغرض منظمات عديدة في إسرائيل يناقش الكتاب ثلاثًا منها؛ هي منظمة ريغافيم لحقوق الإنسان، ومنظمة ييشا لحقوق الإنسان، ومنظمة أنقذوا سفينتنا الإسرائيلية. وتترجم جميع هذه المنظمات حقوق الإنسان إلى لغة محلية تمكنها من تشريد الفلسطيني واستعمار أرضه. وتتهم تلك المنظمات المحكمة الإسرائيلية العليا بالتواطؤ مع الفلسطينيين «الذين يحتلون يهودا والسامرة» (ص. 197)، أي أرض الضفة الغربية، كما تندد «آسفةً» ب «غياب القانون » و«التمييز لمصلحة الفلسطينيين» (ص. 198)؛ من جهة أن ذلك يُعرض أسس الدولة الإسرائيلية الديمقراطية للخطر. يرى المؤلفان أن ذلك النوع الغريب من منظمات حقوق الإنسان قد ظهر من خلال استراتيجية ذات ثلاث شعب: أول، هذه المنظمات تطوع لغة حقوق الإنسان بترجمتها واستخدامها في البيئة المحلية في لهجة استعمارية محددة. ثانيًا، تستنسخ هذه المنظمات تقنيات واستراتيجيات منظمات حقوق الإنسان الليبرالية. ثالثًا، تحاول هذه المنظمات قلب تأطير التفاوت في القوة على الأرض بين المستعمِر والمستعمَر، من خلال تحويل المستوطِن إلى أصلي والأصلي إلى غاز.ٍ وانظر إلى الرسالة الرسمية لمنظمة ييشا لحقوق الإنسان؛ إنها تنطوي على النضال ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الجيش الذي يمنع، وإن على نحو شديد الندرة، المستوطنين من التوسع. وقد قدمت المنظمة، على مر السنين، الكثير من المذكرات إلى المحاكم الإسرائيلية ضد «تمييز الشرطة ووحشيتها» (ص. 204)، خاصة فيما يتعلق بإخلاء البؤر الاستيطانية.
وحين أجلى شارون في عام 2005 نحو 8500 مستوطن من قطاع غزة، وصف هذا الفعل بأنه «تطهير عرقي و«إبعاد» و«كره يهودي للذات» (ص. 205)، وبلغة حقوق الإنسان وصفت حكومة شارون بأنها «نظام يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام لحقوق الإنسان العالمية وهي حق الحياة وحق التملك وحرية الضمير والتعبير والتجمع » (ص. 205). وثمة توثيق لما تعتبره تلك المنظمات انتهاكًا لحقوق الإنسان في كل مرة يضطر فيها الجيش إلى إجلاء مستوطنين عن أراض فلسطينية. ومن الأمثلة التي يوردها المؤلفان ما أُطلقَ عليه «مذبحة عمونا»، رغم أنه لم يمت أي شخص في ذلك الإجلاء. ويرى المؤلفان هنا أن تشريد السكان الأصليين وحماية المستوطنين من العناصر المكونة في الاقتصاد الأخلاقي الاستعماري؛ الذي يعرفه فاسن ديدييه بأنه «إنتاج ونشر وتداول واستخدام المشاعر والقيم والمعايير والالتزامات في الفضاء الاجتماعي الذي يميز لحظة تاريخية معينة، كما يميز في بعض الحالات مجموعة معينة».
خاتمة: ماذا بقي من حقوق الإنسان؟
تقول حنة أرندت: «ثبت بأن حقوق الإنسان، التي يفترض ألا تكون غير قابلة للتصرف، لا يمكن فرضها – حتى في البلدان التي أسست دساتيرها عليها – كلما ظهر أناسٌ لم يعودوا مواطنين في أي دولة سيادية». ويتساءل المؤلفان: هل من الممكن توظيف حقوق الإنسان باعتبارها خطابًا مناهضًا للهيمنة؟ الجواب: نعم. إن حقوق الإنسان ليست ظاهرة إمبريالية خالصة كما يرى الماركسيون الذين لا ينتبهون إلى مدى تعقيد عالم ما بعد الاستعمار، ولذلك يمكن تطوريها بحيث تصبح أداة في يد المستضعفين. وحتى يتم ذلك يجب تغيير موقع حقوق الإنسان في علاقتها بالقانون، فليس على حقوق الإنسان اختزال مطالبها بالحد من الخسائر وتعويض الضحايا، بل عليها أن تثير التساؤلات عن مدى أخلاقية القانون نفسه وشرعيته، كما أن عليها أن تحرر نفسها من سطوة أولئك الخبراء الذين يقبلون بتواصل القتل المستهدف ما دام ينفذ وفقًا للقانون. يجب أن تنتقل حقوق الإنسان من لغة يتقنها المحترفون المغتربون عن المجتمعات التي يزعمون أنهم يمثلونها إلى لغة تتقنها الجماهير. إن الخبراء نادرًا ما ينزلون إلى الشارع بحجة أن ذلك مظنة الاتهام بانعدام المهنية. وإن التغيير السياسي لا يمكن أن يتحقق من خلال غطاء الحياد السياسي الذي لا يعدو أن يكون مظهرًا من مظاهر الإقفار التي ينتهجها التزام «المهنية الباردة» التي كثيرًا ما تُسلمُ منظمات حقوق الإنسان والممارسين إلى التعاون مع بنى السلطة القائمة، ومن ثم ترسيخها. يجب ملائمة حقوق الإنسان بحيث تستهدف القانون كلما عزز الهيمنة، وأينما عززها أيضًا. وهكذا يرى المؤلفان أن ثمة حركة صاعدة الآن تساهم في إعادة حقوق الإنسان إلى الجماهير، وهي حركة المقاطعة لإسرائيل التي يريان فيها طريقة مناسبة لتلك الملائمة التي تتجاوز «التفسير البارد» للقانون، وتقفز مباشرة إلى أصل المشكلة (أي بنية الهيمنة)، فتضربها في أصولها. والخلاصة
أن حقوق الإنسان، تاريخيًا، جزء من منتجات المنظومة الإمبريالية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تم تطويعها من أصحاب الفكر الليبرالي لمناهضة الإمبريالية. في القرن العشرين وفي القرن الواحد والعشرين، تحاول المجموعات المحافظة إعادة تطويعها من جديد، وتشكّل حقوق الإنسان بنسختها الليبرالية شوكة في خاصرة القوى الاستعمارية. على أن ما يمكن أن نتعلمه أيضًا أن بدايات حقوق الإنسان في سياق الإمبريالية إما ردةُ فعل عليها من جانب المستنيرين، وإما استنساخٌ لها من جانب الدول. وبحسها التاريخي، تدرك القوى الإمبريالية خطورة النشاط المنادي بالحقوق، ولذلك توليه أهمية شديدة، إما بمحاولة احتوائه، وإما باستنساخه وتطويعه. أما إسرائيل فتدرك خطورة
المراجع
التوثيق لجرائمها على مستقبلها؛ ومن ثم تجند القوانين الداخلية والتمويل لمنظمات حقوق إنسان محافظة، وتحرص على ألا تقوم بشيء من دون استشارة متخصصين في القانون، ومن دون «عمل اللازم.»
أما الفلسطينيون، فبإمكانهم إحراز تفوق على إسرائيل من خلال الاستثمار في هذا المجال، ولا سيما أن المنظومة الحقوقية الدولية فيها مداخل متاحة لصالحهم أكثر مما هي متاحة لإسرائيل التي تعيش على الثغرات. قد تسير هذه المسيرة ببطء، ولكنها تؤتي أكلها حتمًا في النهاية؛ كما فعلت من قبل كل حركات التحرر التي لم تكن تناقش جزئيات قانون المستعمِر، بل ضربت القانون نفسه في مقتلٍ، وفككت بنيته ذاتها كجنوب أفريقيا – مانديلا.