Return to Article Details Diary of the Siege of Beirut: Leaving Our Last Tent (Book Review)

يوميات حصار بيروت: صيف عام 1982 (الرحيل عن الخيمة الأخيرة)

Diary of the Siege of Beirut: Leaving Our Last Tent (Book Review)

* Ahmad Iz Addin As’ad | أحمد عز الدين أسعد

الملخّص

المؤلف: جميل هلال. عنوان الكتاب : يوميات حصار بيروت: صيف عام 1982 (الرحيل عن الخيمة الأخيرة) . مكان ودار النشر: حيفا: مكتبة كل شيء. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 190 صفحة. استهلال في البداية كانت فكرتي في الكتابة عن كتاب يوميات حصار بيروت: صيف عام 1982 (الرحيل عن الخيمة الأخيرة) لعالم الاجتماع الفلسطيني جميل هلال، محاولة كتابة مقال يسلط الضوء على حالة الحركة الوطنية الفلسطينية وتفاعلاتها مع المجتمع اللبناني وبنياته السياسية والعسكرية والثقافية والحزبية، خلال فترة الحصار في صيف 1982. لكن عدلت عن ذلك مباشرة، بعد قراءة تقديم الكتاب الذي ألّفه هلال في أواخر أيار/ مايو 2017. وتحولت فكرة الكتابة عن اليوميات إلى كتابة مراجعة للكتاب، ومحاولة تقصي منهجية كتابة المؤلف (جميل هلال) في النص الذي نقرؤه، واستشكال العام والخاص في اليوميات، بين المرسل والمرسل إليه، وهو شخص وصفه هلال في التقديم بـ "العزيز"، والتفاعل مع مناقشة التحليل الاجتماعي والسياسي والثقافي لهلال في توصيف حال الحركة الوطنية الفلسطينية واللبنانية والعربية على نحو عام، وهو في أتون القصف والحصار. كما تهتم مراجعة الكتاب باستكشاف الأبعاد السوسيولوجية الكتابية والنظرية التي تفيض من قلم هلال في المذكرات، وتلتقط المراجعة التي نحن بصددها بعضًا من سيرة المؤلف الذاتية المبثوثة في النص. تكمن أهمية الانشغال في فن اليوميات في الكشف عن الأحداث اليومية كما هي، من دون أن يتراكم غبار الزمن على المذكرة (المكتوبة) أو الذاكرة (المروية)، إذ تحضر اليوميات كوثيقة تاريخية مشبعة بالمعاني الإنسانية الواقعية؛ كونها (اليوميات) تكتب تحت وطأة الحدث اليومي من دون الغرق في النوستالجيا (الحنين)؛ ويعتبر المؤرخون والباحثون في حقول أخرى (ومنها على سبيل المثال حقل التاريخ الاجتماعي)، اليوميات والسير والمذكرات مصدرًا مهمًا وأساسيًا في رواية التاريخ المهمش وغير الرسمي، مقابل التاريخ الرسمي الذي ترويه السجلات الحكومية؛ فرواية اليوميات والمذكرات تبين لنا الوجه الآخر للروايات الرسمية، وتكون أكثر قربًا إلى ربط العلاقة ما بين الاجتماعي والسياسي والثقافي، وتقدم مقولة أكثر جراءةً ونقدًا وعمقًا.

Abstract

Author Name: Jamal Hilal Book Title: Diary of the Siege of Beirut: Leaving Our Last Tent Location and House of Publication: Haifa: Maktabat Kul Shi Date of Publication: 2017 Number of pages: 190 pages

الكلمات المفتاحية:
  • الحركة الوطنية الفلسطينية
  • الثورة الفلسطينية
  • بيروت
  • حصار

اسم المؤلف: جميل هلال. عنوان الكتاب: مكان ودار النشر: حيفا: مكتبة كل شيء. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 901 صفحة.

Diary of the Siege of Beirut: Leaving Our Last Tent

يوميات حصار بيروت: صيف عام 1982 (الرحيل عن الخيمة الأخيرة).

«لو كنت شاعرًا لكتبتُ شعرًا معبرًا عما يمر بي من صور ومشاعر، ولو كنت فنانًا لاستلهمت [مما يجري] لوحات ملحمية، ولو كنت أديبًا لبدأت في كتابة رواية [شخوصها أُناس ينتظرون موتًا مفاجئًا دون وجل]». جميل هلال، يوميات الحصار، 1982/6/12 «بيروت خيمتنا الأخيرة، بيروت خيبتنا الأخيرة... بيروت! من أين الطريق إلى نوافذ قرطبة أنا لا أهاجر مرتين ولا أحبك مرتين ولا أرى في البحر غير البحر...». محمود درويش

استهلال

في البداية كانت فكرتي في الكتابة عن كتاب يوميات حصار بيروت: صيف عام 1982 (الرحيل عن الخيمة الأخيرة)لعالم الاجتماع الفلسطيني جميل هلال، محاولة كتابة مقال يسلط الضوء على حالة الحركة الوطنية الفلسطينية وتفاعلاتها مع المجتمع اللبناني وبنياته السياسية والعسكرية والثقافية والحزبية، خلال فترة الحصار في صيف 982.1 لكن عدلت عن ذلك مباشرة، بعد قراءة تقديم الكتاب الذي ألّفه هلال في أواخر أيار/ مايو 017.2 وتحولت فكرة الكتابة عن اليوميات إلى كتابة مراجعة للكتاب، ومحاولة تقصي منهجية كتابة المؤلف (جميل هلال) في النص الذي نقرؤه، واستشكال العام والخاص في اليوميات، بين المرسل والمرسل إليه، وهو شخص وصفه هلال في التقديم ب «العزيز»، والتفاعل مع مناقشة التحليل الاجتماعي والسياسي والثقافي لهلال في توصيف حال الحركة الوطنية الفلسطينية واللبنانية والعربية على نحو عام، وهو في أتون القصف والحصار. كما تهتم مراجعة الكتاب باستكشاف الأبعاد السوسيولوجية الكتابية والنظرية التي تفيض من قلم هلال في المذكرات، وتلتقط المراجعة التي نحن بصددها بعضًا من سيرة المؤلف الذاتية المبثوثة في النص. تكمن أهمية الانشغال في فن اليوميات في الكشف عن الأحداث اليومية كما هي، من دون أن يتراكم غبار الزمن على المذكرة (المكتوبة) أو الذاكرة (المروية)، إذ تحضر اليوميات كوثيقة تاريخية مشبعة بالمعاني الإنسانية الواقعية؛ كونها (اليوميات) تكتب تحت وطأة الحدث اليومي من دون الغرق في النوستالجيا (الحنين)؛ ويعتبر المؤرخون والباحثون في حقول أخرى (ومنها على سبيل المثال حقل التاريخ الاجتماعي)، اليوميات والسير والمذكرات مصدرًا مهمًا وأساسيًا في رواية التاريخ المهمش وغير الرسمي، مقابل التاريخ الرسمي الذي ترويه السجلات الحكومية؛ فرواية اليوميات والمذكرات تبين لنا الوجه الآخر للروايات الرسمية، وتكون

أكثر قربًا إلى ربط العلاقة ما بين الاجتماعي والسياسي والثقافي، وتقدم مقولة أكثر جراءةً ونقدًا وعمقًا.

فن كتابة اليوميات بالروح السوسيولوجية

يروي هلال في تقديم الكتاب قصة هذه اليوميات، وأنها مدونة في دفتر صغير، وقد كتبت بقلم حبر ناشف (جاف). ويوضح أن هذه اليوميات ليست تأريخًا لكل تفاصيل الحياة اليومية الداكنة، والتجربة العلمية الغنية لفلسطينيين ولبنانيين في بيروت الغربية، وإنما هي شكل من أشكال التواصل مع شخص آخر يصفه هلال ب «العزيز»، وقد غادر هذا العزيز إلى جنوب لبنان بتوجيه حزبي. وتمتد هذه اليوميات من أوائل حزيران/ يونيو 9821 إلى أواخر آب/ أغسطس.1982 يعود دافع كتابة اليوميات تحت نيران المدافع في بيروت إلى اعتبارين؛ الأول، التواصل مع الشخص العزيز الغائب الذي افتقده هلال خلال فترة الحصار والبعد القسري عنه، والثاني، تتبع مجريات الحصار من حيث ما يدور من تشديد خناق على المقاومة الفلسطينية عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. إن الجميل في يوميات هلال أنها أشبه ما تكون بكتابته السوسيولوجية المنهجية؛ فهو منذ البداية يضع لنا محددات اليوميات، بدءًا بمادة التدوين، وانتقالً إلى دوافع الكتابة واعتباراتها، ثم يطلعنا على مادته الأولية لتدوين اليوميات، بقوله: إن «محرك الجسم الأكبر من هذه اليوميات معتمدًا على برقيات المقاومة، وخلاصة لقاءات القيادة السياسية التي كنت أطلع عليها بحكم موقعي التنظيمي والمهني (بصفتي مسؤول الإعلام المركزي للجبهة الديمقراطية، وعضو أمانة سر لجنتها المركزية، وعضو قيادة إقليم لبنان)، وبحكم علاقاتي الممتدة مع الصحافة الغربية والاشتراكية، ومتابعتي اليومية للصحف والإذاعات بحكم مسؤولياتي الحزبية والوطنية» (ص 7–6). وهذا يشبه إلى حد ما الكتابة السوسيولوجية المنهجية لهلال؛ التي تبين محددات الكتابة، ومصادرها، وخيوط غزل النص السوسيولوجي لديه. يشار إلى أن هناك لفتة مبدعة لهلال، وهي أنه لم يغير النص المسجل في دفتره، لكنه مارس بعض التحرير اللغوي المحدود جدًا؛ كي لا يخل إطلاقًا بالمعنى أو الوقائع أو السياق، وهذا يضع نص اليوميات في زمنها الأول، أي إن هلال قد نجا من فخ كتابة يوميات الحصار بذاكرة اليوم. ويعكس هذا الالتزام مدى الحرص والأمانة في نقل الأحداث كما كانت، من دون تدخل جراحي في النص إلا فيما ندر.

عندما تطغى الكتابة عن اﻟ «عام» على حساب اﻟ «خاص»

منذ اليوم الأول لليوميات (الأحد 982/6/61) يبدأ جميل هلال في حديثه الخاص بالعام، فهو يبدأ الحديث عن الاجتياح الإسرائيلي والغارات الجوية الإسرائيلية، وعن غياب خطة مواجهة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، ويلقي الضوء على مسألة عدم تدخل سورية، ويشير إلى الهدف والخطة الإسرائيليَّين من العدوان، وينهي برقية ذلك اليوم بآخر جملة بالخاص «لدي حاجة جامحة لحديث طويل معك، لا أعرف ما تخبئ الآلهة لنا للغد»

(ص. 0)1 وفي اليوم الثاني للحصار ولليوميات (الإثنين 982/6/71) ينشغل هلال في وصف الحالة في المكتب وفي بيروت، ويشير إلى إحصائيات عن عدد الشهداء، والخطة الإسرائيلية في حصار صيدا وصور وحاصبيا، ويذكر المواقع التي تم استهدافها بالقصف، ويلقي الضوء على الوضع العربي وخصوصًا «عدم» التدخل السوري، ويبدأ في تناول الهم الخاص في بداية الفقرة الرابعة من يوميات ذلك اليوم (الإثنين) «عرفت اليوم أنك في صيدا وليس في صور، عبر ما نقله رفاق وصلوا من الجنوب اليوم، وفهمت من حديثهم أن وضع الناس صعب (المعنويات متدنية)» (ص. 11) ويستمر هلال في الحديث عن العام، إلى أن يصل إلى آخر فقرة في يوميات هذا اليوم ويقول: «أخشى أن يقع ما يعيق لقاءنا [...] أريد إشارات مطمئنة بأنك بخير» (ص. 12) في اليوم الثالث (الثلاثاء 982/6/81) يستمر هلال في توصيف الوضع العام، من قصف جوي وبحري وحصار وسيطرة ودمار وشهداء وجرحى، ويوضح سوء تقديرات القيادة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية حول مشاركة سورية. وفي هذا اليوم يزداد الخاص في يوميات هلال، وقد علم أن زوجته في مخيم «عين الحلوة» ويبلغها بانعدام الخيارات باستثناء الصمود والقتال حتى النهاية. كما أرشف هلال من خلال اليوميات بعض النتائج العسكرية للمقاومة، ومنها فشل عملية الإنزال في «خلدة»، وتدمير عدد من الدبابات الإسرائيلية، واستيلاء حركة أمل على واحدة منها. إن المثير في اليوميات أنها كتبت لغرض التواصل الخاص بين هلال وشخص وصفه بالعزيز، كما أسلفت، لكن مطالعة اليوميات تشير إلى طغيان العام على الخاص، فقد انشغلت في توصيف المعركة وقوى المقاومة الفلسطينية والعربية. إن تسلل العام على حساب الخاص في اليوميات قد يحمل إشارات ودلالات متانة البنية الثقافية والسياسية والوطنية والنفسية للفلسطيني، إبان صعود حركة المقاومة والتحرر الفلسطينية، من خلال الإعداد الحزبي والتنظيمي والسياسي لكوادر وقيادات قادرة على تحمل المسؤولية وحمل الهم العام على حساب الخاص.

التحليل الطبقي والسوسيولوجي والسياسي في اليوميات

ينير هلال تعاطف الشرائح المجتمعية الفلسطينية في المجتمع اللبناني مع قوات الثورة، فيدون موقف الطبقة الوسطى الفلسطينية بأنها «بدأت ترسل إشارات تعاطف مع المقاومة واعتزاز بالصمود الفلسطيني» (ص 7 1)، ولم يغفل الإشارة إلى حاجة التنظيمات السياسية إلى «أشكال جديدة لتنظيم فئات اجتماعية جديدة (طبقة وسطى وبرجوازية صغيرة، عاطلين عن العمل وهم الآن كثر) في مهمات تعزيز صمود بيروت» (ص. 71)، كما نوه إلى ضرورة «إعادة تقييم أوضاع الأنظمة (البرجوازية الوطنية) العربية ودرجة تدهورها اليميني والشرخ الواسع بين أيديولوجيتها السياسية والواقع الاجتماعي – الاقتصادي القائم [في مجتمعاتها]» (ص. 24) يلاحظ أن المؤلف يفصل الحالة الاجتماعية والسياسية بقوله «إجراءات الصمود على الأرض [للناس] لا زالت غائبة أو شبه غائبة حتى الآن، لا معالجة لقضايا المهجرين، ولم يجرِ تشكيل لجان أحياء، ولا معالجة فعلية للقضايا المعيشية على ضوء التقنين الشديد في استخدام الكهرباء،

ولا يبدو أن هناك خطط دفاع مشتركة (فلسطينية – لبنانية). بدون هذه سوف يخف الالتفاف الجماهيري حول المقاومة، وقد تراجعت معنويات الناس» (ص. 6)2 وينتقد افتقاد عنصر التنظيم والتعبئة «حتى الآن لم تتشكل لجان أحياء، لكن شكلت لجان الإغاثة للاجئين. مقدمات المدود متوفرة، لكن غير معبأة ومنظمة» (ص. 7)2 ويشير إلى أن هناك تعاونًا جرى لإصدار جريدة العودة في مطابع جريدة النداء التي يصدرها الحزب الشيوعي اللبناني، كما أصدر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين جريدة باسم المعركة أثناء الحصار. وينتقد المساعدات الأميركية بشدة، «الإدارة الأمريكية تقرر منح 05 مليون دولار لمساعدة المتضررين من الحرب في لبنان. عجيب أمر هذه الإدارة تغذي الحرب والاجتياح بالسياسة والسلاح (وبالتالي القتل والتدمير) ثم تمنح المتضررين مساعدات (إنسانية)» (ص. 9)4 يشير هلال إلى الأوضاع الحزبية المجمدة، فلا توجد اجتماعات حزبية أو غير حزبية، ولا لقاءات منظمة على صعيد الأحياء لتنظيم الحياة ومنح ثقة ومرجعية للسكان، وقد اختفى التنظيم، والقيادات التنظيمية الأولى تلتقي وتقرر. وأشار إلى المبادرات الميدانية مثل قلعة شقيف، وتفاني أفراد وحدات عسكرية (بما فيها سورية) ومجموعات فدائية ومقاتلين لتنظيمات المقاومة في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي. كما طرح إشكالية التنظيم «لماذا ينفرط عقد التنظيم بسهولة في اللحظة الذي يكون وجوده هو المطلوب، لماذا لا يعمل التنظيم سوى بطاقة %10 – %20 من أعضائه ويتحول الآخرون إلى بشر عاديين [ليس لهم ارتباط سياسي أو تنظيمي] وخاصة ممن ليسوا (متفرغين) [أي اختزال الحزبي بالمتفرغ]؟» (ص. 60). ويفتح هلال فوهة النقد على الأوضاع التنظيمية؛ كون أطراف الثورة الفلسطينية «غير موحدة في الرواية والموقف [...] واليسار الفلسطيني غير موحد ويسود بعضه نفس مغامر تستهويه الشعارات الكبيرة من جهة والفعل القاصر من جهة أخرى [...] ويسود لدى البعض الآخر نفس انتهازي يبرر بأنه هو اليسار الحقيقي» (ص. 69). كما يشير إلى مفارقة طريفة ومحزنة في آن؛ ففي يوم السبت 982/7/31 قدرت الشرطة الإسرائيلية أن أكثر من 05 ألف عربي شاركوا في تظاهرات ضد الغزو الإسرائيلي في تل أبيب، وبحسب معلومات هلال؛ كانت هذه التظاهرة الجماهيرية، هي الوحيدة آنذاك في المنطقة، ضد إسرائيل وضد احتلالها ومحاصرتها مدينة عربية. يقدم هلال من خلال اليوميات إشارات تلمح إلى ضرورة إجراء نقد وتحليل سياسيين واجتماعيين للأحزاب والتنظيمات والأنظمة العربية وحركة المقاومة، ويشرح من خلال منظور طبقي واجتماعي حالة الأحزاب والتنظيمات والأفراد التي تراخت بفعل افتقادها عنصر التنظيم والتعبئة.

ملاحظات من/ في اليوميات

الملاحظة الأولى، البعد عن تمجيد القيادات والزعماء، فيظهر اسم «أبو عمّار» (ياسر عرفات) (ص. 22)، أول اسم قيادي فلسطيني في اليوميات، في يوميات يوم الأحد 982/6/13.1 وقد ذكر الاسم للحديث عن دوره في تدبير وقف إطلاق النار عبر المملكة العربية السعودية من خلال علاقاتها بالأميركيين. ولم يتغنَّ هلال بأي من القياديين أو السياسيين، ولم يعطهم مساحة أو

مكانة في اليوميات إلا بقدر الفعل أو الموقف الذي قاموا به. الملاحظة الثانية، موقف صمود المؤلف (هلال) ورفض انسحابه من المعركة، وتسطيره موقف المثقف العضوي؛ إذ يخبرنا هلال برفضه الخروج من بيروت بعد أن جهز المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية قائمة من القيادات والكوادر المتقدمة، من أجل خروجها من بيروت. وهنا يبرز دور هلال ملتزمًا وطنيًا يغلّب الهم الوطني على الخيارات التنظيمية والحزبية والشخصية، ويسجل موقفًا للتاريخ، أنه لم يترك الحصان وحيدًا، ويدشن موقف المثقف العضوي المنخرط في عملية التغير والبناء، على العكس من المثقف التقليدي الانتهازي والجبان. الملاحظة الثالثة، حضور لغة النقد والتوصيف الكثيفة في اليوميات، ينتقد هلال بعض المثقفين أو الذين يمكن تسميتهم بالمثقفين التقليديين «المثقفون أميل من غيرهم، كما يبدو، إفراطًا في الذاتية، وتحديدًا الذين يتعاطون الأدب كونه بالأساس نشاط فردي [...] مكتبنا يرتب لمن يرغب من المثقفين الأدباء زيارة المواقع الأمامية ونقوم بنشر مشاهداته وخواطره في جريدة العودة التي بدأنا نصدرها من مكتب الإعلام منذ أسبوعين تقريبًا. البعض من المثقفين شديد الإعجاب بنفسه لدرجة النرجسية، يذهب لزيارة المواقع الأمامية ليعود ليكتب عن نفسه وعن مثقفين آخرين (قلما بلغة إيجابية) وليس ما يرويه المقاتلون أو هموم الناس المحاصرين بالقصف والموت» (ص. 51) وهنا يكشف حالة الاغتراب لدى هؤلاء المثقفين عن واقعهم وواقع قضيتهم وثورتهم. الملاحظة الرابعة والأخيرة، يمكن تسميتها بالملاحظة الاستكشافية، إذ نجت لغة هلال من مرض التخوين والتكفير والتشهير، ولكنها كانت لغة متوازنة ووصفية. وما يمكن الإشارة إليه أيضًا أن هلال لم يتقمص دور «البطل»، فلا نلمح في اليوميات هالة البطولة، كيوميات ومذكرات أخرى تكفر وتخون الكل الوطني، وتنصب كاتبها بطلً وطنيًا أولَ.

سفر الخروج: رحلة الشتات والمقاومة

تأخر هلال في الحديث عن حياته الخاصة في يومياته عن الحصار، حتى وصل إلى يوم الخميس 982/8/26(ص 1 78 1)، ليسرد لنا مسارات حياته المتغيرة؛ أولً، بعد مغادرته الضفة الغربية (فلسطين) وقد ترك مقتنياته الشخصية (كتب فلسفية وروايات) لنادي البلدة، وثانيًا؛ بعد تركه وظيفة أستاذ في جامعة لندن للعودة إلى بيروت للالتحاق، في عام 9721، بمركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، أما المسار الثالث فهو تهجيره من بيروت. كان الخروج من بيروت كأنه الخروج إلى الحياة بعد حصار طويل؛ فقد وضع هلال خطة لحياته أو منهجًا لها بعد نجاته، وهذا في 982/7/9.1 وشملت الخطة: عدم جعل المهمات التنظيمية والسياسية تأخذ حصة التنمية الذاتية والتثقيف، وعدم ممارسة عمل غير مقتنع بجدواه، والعمل على تنمية الديمقراطية الداخلية (داخل الأطر التنظيمية)، والتنبه من الكليشيهات (التعبيرات التي لا مضمون لها) في التحليل السياسي وهي أحد أمراض اليسار العربي.

تحمل خطة هلال دلالات الطموح والديناميكية والاستمرار في العمل والنضال والعطاء، فلم يخرج من بيروت ليبحث عن أوسمة أو تكريم، كالأبطال الذين لا يدينون لحجم الغزوات بقدر ما يدينون لحجم التكريم وفق كثافة لغة جان جينيه.

تأملات نقدية

تغيب عن اليوميات تفاصيل المقاومة والمعارك اليومية التي خاضتها قوات الثورة الفلسطينية وقوات الحركة الوطنية اللبنانية، وربما مرد ذلك إلى أن هلال كان يعمل في المجال الإعلامي، ولم يكن مطلعًا اطلاعًا كافيًا على الخطط العسكرية والأمنية. لقد كان لتمركز يوميات هلال حول أحداث الحياة اليومية في بيروت وتفاصيلها دورٌ في التأريخ لتلك اللحظات العصيبة والصعبة، لكن عملية التاريخ أخذت الشكل الإخباري التقريري أحيانًا كون هلال كان يبعث بها إلى الشخص العزيز في مكان آخر من لبنان، وهذا ما جعله يجمل في يومياته أهم الأحداث ولم يركز على تفاصيل أخرى يومية، مثل حياة المقاتلين والمدنيين في بيروت. لا يختلف كتاب هلال عن كتب يوميات أخرى سجلت يوميات حصار بيروت عام 9821، لكن الاختلاف الوحيد الذي ربما يميزه أنه ألفه في أثناء المعركة، ولم يضف إليه أي تعديلات، وهذا ما يجعله في خانة اليوميات، بينما كتب أخرى هي أقرب إلى السيرة الذاتية أو المذكرات، وربما أقرب النصوص إلى نص هلال كتاب أمجد ناصر الموسوم ب: بيروت صغيرة بحجم راحة اليد: يوميات من حصار عام 1982. لكن هذا الكتاب كتب برهافة الشاعر وروحه، أما كتاب هلال فقد كثف التحليل السوسيولوجي في يومياته. من الكتب التي تناولت الموضوع ذاته مثلً كتاب عن أمل لا شفاء منه: يوميات حصار بيروت 1982، لفواز طرابلسي، وهو يوميات مؤرخ عايش الأحداث بوصفه لبنانيًا وسياسيًا منخرطًا في الشأن العام اللبناني والعربي، وهذا ما جعل يومياته مادة مهمة وغنية في رسم المشهد البيروتي واللبناني إبان العدوان عام 9821، ورواية زياد عبد الفتاح قمر على بيروت، تفتح لنا أهمية انشغال الأدب كجزء من الثقافي في الشأن العام بتجلياته كشأن تاريخي – اجتماعي – سياسي، ويروي لنا عبد الفتاح الرواية البيروتية عن العدوان بلغة الجماليات والتراجيديا. وكتب أخرى مثل كتاب 88 يومًا خلف متاريس بيروتلمعين بسيسو، وبيروت مدينتيلبسام أبو شريف، إضافة إلى مذكرات يزيد صايع، ونبيل شعث، وممدوح نوفل، وغيرهم. لكن ما يميز يوميات هلال، بحسب وجهة نظري، أنها مازجت بين العام والخاص، وولجت من الخاص إلى العام، وجعلت العام يتصدر مشهد الخاص، وعمق التحليل السوسيولوجي في تدوين اليوميات وتقديم مقاربات تحليلية مكثفة لأحداث إبان وقوعها. ربما كان هذان العاملان سببًا في اكتساب يوميات هلال سمة تفتقدها بعض الكتب واليوميات الأخرى التي أرّخت لغزو بيروت عام 982.1 كان لهذا النقد السوسيولوجي المبكر للحالة الفلسطينية واللبنانية، وأزمة اليسار العربي، ووهن الحالة التنظيمية، بعدٌ استشرافي واستكشافي لاحق في المشروع الفكري والبحثي لهلال؛ إذ بعد خروجه من لبنان بسنوات قليلة، قاد هلال

مشروع مجلة ثقافية فصلية اسمها الفكر الديمقراطي اتخذت النقد البنّاء منهجًا لها، وصدر عنها اثنا عشر عددًا، انشغل غالبها في القضية الفلسطينية وحركة التحرر العربية والعالمية وقضايا عروبية وفلسطينية فكرية وثقافية وسياسية، وامتازت المجلة بتقديم مقاربات نقدية جادة ورصينة، وتجلى فيها عمق المقاربة السوسيولوجية لهلال في كتاباته اللاحقة، وخصوصًا في دراسته للنظام السياسي الفلسطيني والنخبة والطبقة الوسطى، وغيرها من الدراسات التي جذرت المقولة النقدية والتحليلية الرصينة في مدرسة علم الاجتماع السياسي الفلسطيني.

بدل الخاتمة

يؤرخ الكتاب للسياسة الإقليمية والدولية، والمواقف العربية، ويرسم صورة وخريطة للقوى اللبنانية المتعددة. ومن سمات اليوميات أنها تمزج ما بين العام – الخاص، القومي – الوطني – الطائفي، البنيوي – الوظيفي، السياسي – الاجتماعي – الثقافي – الاقتصادي، الحزبي – التنظيمي. ويهتم بتوضيح مسارات النجاح والفشل، ويوضح طبيعة العلاقات التنظيمية البينية وما بين تنظيمية، كما امتدت اليوميات ما بين الواقع – الأمنيات – الأحلام، وتصدت بجهد يومي ودقيق لرصد أشكال الصمود، والخذلان، والمقاومة، والانكسار، والصعود، والهبوط. هذا النمط من اليوميات والكتابة هو ما نحتاج إليه؛ من أجل توثيق الرواية التاريخية الفلسطينية بمراحلها المختلفة ومحطاتها المتعددة، بعيدًا عن أسطوريات البطولة، وتضخيم الذات والآخرين، وعلى أمل صدور يوميات ومذكرات أخرى للسوسيولوجي جميل هلال، عن مرحلة ما قبل بيروت وما بعدها، من أجل إغناء المشهد الفلسطيني بنص رصين ومتزن يتلاقى مع الحقيقة ما استطاع إلى ذلك سبيلً.