Return to Article Details Medical and Family Management of Autism Stigma in the Moroccan City of Kenitra: From Denial to Recognition

التدبير الطبي والأسري لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية: من الإنكار إلى الاعتراف

Medical and Family Management of Autism Stigma in the Moroccan City of Kenitra: From Denial to Recognition

فؤاد أعراب | Fouad Aarab *

الملخّص

تعتمد هذه الدراسة، التي تستلهم نموذج إرفنغ غوفمان للوصم الاجتماعي، بحثًا كيفيًا، يروم استكشاف تجربة الوصم في روايات عشرين أسرة شاركت في ورشات تكوين ولقاءات توعوية نظّمتها جمعية "نسمة للتوحد" في مدينة القنيطرة المغربية خلال الفترة حزيران/ يونيو 2018 - نيسان/ أبريل 2019 حول أبنائها المصابين بالتوحد الذين يخضعون لمتابعة طبية وسيكولوجية من مهنيي الصحة. وإذا كان المنظور الاختزالي للوصم الاجتماعي يُسنِد إلى الأشخاص الموصومين وضعية الضحايا المحكوم عليهم بالشعور الأبدي بالذنب، فإن تحليل المعطيات الميدانية يبرز أن البنى الطبية والجمعوية تمنح الأولياء فرصة اكتشاف الخطابات الطبية والسيكولوجية والحقوقية، وهو ما يتيح لهم الإفصاح العلني عن الهوية المختلفة لأبنائهم، وإعادة بناء السلوكات التوحدية على أساس التنوع العصبي الإنساني. هكذا تجتاز الأسر ثلاث مراحل في سياق بلورتها لاستراتيجيات تدبير الوصم الاجتماعي: الإنكار، والمقاومة، والاعتراف.

Abstract

Abstract: This paper, with reference to the social stigma model suggested by Erving Goffman, presents qualitative research exploring the experience of stigmatization in accounts from twenty families who participated in training workshops and awareness meetings organized by the Nasma Autism association. These workshops took place the city of Kenitra during the period June 2018 – April 2019 and centered on autistic children undergoing medical and psychological follow–ups by health professionals. If the reductive perspective of social stigma attributes the status of victims condemned to an eternal sense of guilt to stigmatized persons, the analysis of field data highlights that medical and associative structures give parents an opportunity to discover medical, psychological, and legal discourses. This allows them to publicly disclose the different identity of their children, and to rebuild autistic behaviours based on human neurological diversity. Thus, families pass through three stages in the context of their elaboration of strategies for managing social stigma: denial, resistance, and acknowledgement.

الكلمات المفتاحية:
  • وصم
  • تدخل
  • تكفل
  • تعبئة
  • اختلاف
Keywords:
  • Stigma
  • Intervention
  • Guardianship
  • Mobilisation
  • Difference

ملخص: تعتمد هذه الدراسة، التي تستلهم نموذج إرفنغ غوفمان للوصم الاجتماعي، بحثًا كيفيًا،

يروم استكشاف تجربة الوصم في روايات عشرين أسرة شاركت في ورشات تكوين ولقاءات

توعوية نظّمتها جمعية «نسمة للتوحد» في مدينة القنيطرة المغربية خ لاا الفترة حزيران/ يونيو 2018 – نيسان/ أبريل 2019 حول أبنائها المصابين بالتوحد الذين يخضعون لمتابعة طبية

وسيكولوجية من مهنيي الصحة. وإذا كان المنظور الاختزالي للوصم الاجتماعي يُسن د إلى

الأشخاص الموصومين وضعية الضحايا المحكوم عليهم بالشعور الأبدي بالذنب، فإن تحليل المعطيات الميدانية يبرز أن البنى الطبية والجمعوية تمنح الأولياء فرصة اكتشاف الخطابات الطبية والسيكولوجية والحقوقية، وهو ما يتيح لهم الإفصاح العلني عن الهوية المختلفة لأبنائهم، وإعادة بناء السلوكات التوحدية على أساس التنوع العصبي الإنساني. هكذا تجتاز الأسر ثلاث مراحل في سياق بلورتها لاستراتيجيات تدبير الوصم الاجتماعي: الإنكار، والمقاومة، والاعتراف.

Abstract: This paper, with reference to the social stigma model suggested by Erving Goffman, presents qualitative research exploring the experience of stigmatization in accounts from twenty families who participated in training workshops and awareness meetings organized by the Nasma Autism association. These workshops took place the city of Kenitra during the period June 2018 – April 2019 and centered on autistic children undergoing medical and psychological follow–ups by health professionals. If the reductive perspective of social stigma attributes the status of victims condemned to an eternal sense of guilt to stigmatized persons, the analysis of field data highlights that medical and associative structures give parents an opportunity to discover medical, psychological, and legal discourses. This allows them to publicly disclose the different identity of their children, and to rebuild autistic behaviours based on human neurological diversity. Thus, families pass through three stages in the context of their elaboration of strategies for managing social stigma: denial, resistance, and acknowledgement.

PhD candidate in Sociology, faculty of Letters and Humanities, Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco.

شتاء   Winter 2020

مقدمة

يُعد اكتشاف علامات التوحد لدى الطفل منعطفًا حاسمًا في حياة الأسرة. وبالنظر إلى كون

إعاقة التوحد، على المستوى السوسيوثقافي، وصمًا يُربط غالبًا بالهذيان، فإنها تسائل الأنماط

المعتادة للتنشئة الاجتماعية، وتثير مخاوف لدى الأولياء حول اللايقين الذي يلقي بثقله على مستقبل الطفل. وتزداد مسألة رعاية شخص توحدي تعقيدًا، خاصة في المجال الحضري، حيث تتعرض بنى التضامن التقليدية (ولا سيما الأسر الممتدة) تدريجيًا للتراجع بتأثير التحولات السوسيو – اقتصادية

والسوسيوثقافية العميقة التي تفرز أنواعًا جديدة من دوائر الدعم (جمعيات ومراكز إعادة التأهيل)؛ إذ تعد هذه الأخيرة مواقع بديلة لانبثاق روابط اجتماعية جديدة، تتيح لأولياء الأشخاص التوحديين اقتسام التجارب، والتعبئة الجماعية حول قضية التوحد. تقارب الورقة سيرورة تدبير أسر الأطفال التوحديين للوصم الاجتماعي المقترن بالتوحد، بوصفه اضطرابًا عصبيًا – نمائيًا يصيب طفلً واحدًا من بين 160 في العالم طفلً. تسبب علامات التوحد،

التي تظهر قبل الشهر الثلاثين من عمر الطفل، اختلالات كبيرة في العلاقات الاجتماعية؛ بسبب غياب، أو عدم ملاءمة اللغة المستعملة والاستجابات الغريبة والهوسية للبيئة المحيطة. في ظل هذه الوضعية، تواجه الأسر تحديات، سواء داخل الفضاء المنزلي تتعلق بنمط التنشئة الاجتماعية ونوع الرعاية الملائمة، أو في الفضاءات والمؤسسات العامة بسبب السلوكات الغريبة للطفل التوحدي غير المتلائمة مع المعايير الاجتماعية السائدة، فضل عن نقص في معرفة عامة الناس بالتوحد وأعراضه، ولا سيما في ظل غياب علامة جسدية بارزة، وهو ما يعرّض الأسر في معظم الأحيان

. Stigmatisation sociale للوصم الاجتماعي

إن الوصمة Stigmate علامة يسم بها المجتمعُ الفرد، عندما يخرق الأخير حدود ما يعتبره الضمير

الجمعي حالة سوية. وتزداد المسألة تعقيدًا في حالة إعاقة التوحد التي تحمل علامات غير بارزة؛ فالناس في كل بقاع العالم، كما يقول ريتشارد غرينكر المتخصص بأنثروبولوجيا التوحد، يميلون إلى إصدار أحكام أخلاقية على الإعاقات والأمراض التي ليس لها علامات جسدية واضحة، فيشعر المعاق بأنه، علاوة على كونه سجين إعاقته، يتم تجنبه أو إسكاته أو فضحه. ويترتب على ذلك أن أولياء الأشخاص المصابين بالتوحد كإعاقة غير بارزة يعانون أكثر من أولياء الأشخاص المصابين بإعاقات بدنية بارزة، ولا سيما في المؤسسات والفضاءات الحضرية. أمام هذه المشكلات، تجد الأسر نفسها مجبرة على تبنّي عدة استراتيجيات لمواجهة الإكراهات المرتبطة برعاية طفل توحدي. بناء على ما سبق، نتساءل عن الكيفية التي تدبر بها هذه الأسر وصمة إعاقة التوحد. يتعلق الأمر كذلك بفحص الدور الذي يؤديه المتدخلون، على اختلافهم، ولا سيما مهنيي الصحة والفاعلين الجمعويين، في التكفل بالأشخاص التوحديين، وتغيير التمثلات الاجتماعية للوالدين حول

(((«اضطرابات طيف التوحد»، منظمة الصحة العالمية، 7/11/2019، شوهد في 20/5/2019، في: http://bit.ly/2QbOBNE

(2) Roy Richard Grinker, Unstrange Minds: Remaping the World of Autism (New York: Basic Books, 2008), p. 69.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

التوحد، وتوفير فضاء جديد للاعتراف بالاختلاف العصبي. فكيف تُطوّر الأسر بعض الاستراتيجيات

في تدبير الوصم الاجتماعي، ومواجهة الأحكام النمطية المقترنة بالسلوكات التوحدية؟ وما الدور الذي يؤديه الخطاب الطبي – السيكولوجي، والتأطير الجمعوي، في إعادة بناء الأسرة مفهوم الإعاقة، والمصالحة مع تجربة التوحد؟

أولا: التناول السوسيولوجي لوصم الإعاقة وسيرورة تدبير مفاعيله

1. نموذج غوفمان للوصم الاجتماعي

صاغ إرفنغ غوفمان (1982–1922)، في ستينيات القرن الماضي، مفهوم الوصم الذي أصبح مفهومًا

مركزيًا في أبحاث علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا حول الصحة والمرض والإعاقة، بحيث وظف

رائد مدرسة شيكاغو هذا المفهوم في دراسة الحقول التقليدية للمشكلات الاجتماعية، كالانحراف الاجتماعي، والجريمة، والعلاقات الإثنية؛ بهدف تطوير منظور تحليلي لوضعية الأشخاص الموصومين. لقد سعت الدراسات السوسيولوجية للبحث عن التأثيرات المحتملة للوصم في الأفراد، وطرق تدبير الأسر لردات الفعل السلبية، وقاربت التمثلات الاجتماعية للاختلاف السلبي (الانحراف عن القواعد والمعايير)، واقترانها بردات الفعل الاجتماعية السلبية (الوصم)، الأمر الذي تكون له تداعيات على مستوى بناء المعاني الرمزية لإعاقة. يجسّد الوصم الجانب التطبيقي من سوسيولوجيا نظام التفاعل

لدى غوفمان؛ إذ يفرز التفاعل أشكال من الأعطاب الاجتماعية التي تخلق صعوبات لدى فئات اجتماعية مختلفة (كالمعاق، والأصم، ومدمن الكحول، وعضو أقلية إثنية... إلخ) تجد نفسها عرضة للوصم في وضعيات اجتماعية ومحرومة من القبول الاجتماعي. إن الجماعات، كما يقول هوارد بيكر، تخلق الانحراف من خلال وضع القواعد التي يعدّ خرقها انحرافًا، وتطبيقها على أشخاص معينين، ووسمهم بالخارجين على القانون. وفق هذا المنظور، ليس الانحراف خصيصة لصيقة بفعل يصدر من الشخص، بل نتيجة لتطبيق الآخرين قواعد وعقوبات على الشخص المذنب. ينطبق هذا الأمر على إعاقة التوحد التي لا توجد، على غرار كل الاضطرابات، خارج الثقافة، ما دامت الثقافة هي التي تَعتبر أمرًا ما غير سوي أو خاطئًا، فتسميه وتتخذ منه موقفًا؛ فكل

الثقافات تستجيب للأمراض والإعاقات بطرق مختلفة.

(3) Greg Smith, Erving Goffman , Collection Key Sociologists (London: Routledge, 2006), p. 69. (4) Erving Goffman, Stigmate: Les Usages sociaux des handicaps , Alain Kihm (trad.), Collection Le Sens commun (Paris: Editions de Minuit, 1975), p. 158. (5) Smith, p. 84. (6) Howard S. Becker, Outsiders: Studies in the Sociology of Deviance (New York: The Free Press, 1973), pp. 8–9. (7) Grinker, pp. 11–12.

شتاء   Winter 2020

وبعبارة أوضح، يعدّ الوصم شكل من الانحراف عن نماذج معيارية خاصة، وما دامت هذه المعايير موضوعة من جماعات تحتل مرتبة أعلى وتمتلك سلطة وضع النماذج السلوكية، فإنها تصنف الأفراد المنحرفين (أو الجماعات) غرباء Outsiders، وتعاملهم معاملة منتهكي معايير يحملون أعراضًا لأعطاب في الحياة الاجتماعية، وبذلك يصير الوصم مركز هوية فرد يُنظر إليه على أنه

حامل لصفاتٍ تُقيَّم سلبيًا في مجتمع يثمن الصحة والجمال والاستقلالية. ويزداد الأمر تعقيدًا في

علاقته بالتوحد، بوصفه إعاقة حمالة أوجه واصمة؛ بسبب الطبيعة المزعجة للأعراض التوحدية، مقابل الصورة الجسدية العادية للأطفال التوحديين، وغياب المعرفة الكافية لدى عامة الناس بطبيعة التوحد. لكن، وبينما يُعدّ الوصم نموذجًا ملائمًا لوصف ما يقع على الأفراد المعاقين في أثناء التفاعلات

الاجتماعية، فإن الاهتمام النظري لغوفمان، وفق عالم الاجتماع البريطاني مايك أوليفر، لا يغادر الواقعة الإمبيريقية، ويسلط الضوء على لقاءات سريعة تجمع الموصومين مع الأسوياء في تجمعات غير مركّزة. ويبدو نموذج غوفمان أقل اهتمامًا بجهد المعاقين (أو المرضى) لنزع الوصم في التجمعات

الدائمة، وخاصة في الإطارات الاجتماعية، حيث يعيشون معًا في تفاعلات مستمرة، ويستطيعون تطوير

ثقافة فرعية، ومعايير وأيديولوجيا خاصة بهم.

2. الأسرة وتدبير الوصم الاجتماعي

طوّر بروس لينك وجو فيلان نموذجًا مندمجًا، أتاح فهم السيرورة المعقدة للوصم؛ بحيث تكون

المجموعة الموصومة في وضعية دونية، مقارنة بالمجموعة الواصمة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

ووفق الباحثَين، من اللازم التقاء خمسة عناصر، باعتبارها شرط ا لتحقق وضعية لاتكافؤ السلطة المميزة للوصم. أولها وضعُ الأفراد فوارق Distinctions بينهم، بحسب الاختلافات الموضوعة اجتماعيًا،

وهو ما ينتج «الوصم»؛ بعد ذلك، وبحسب المعتقدات الثقافية للمجموعة المهيمنة، تُسنَد خصيصة

سلبية إلى هذا الوصم، وهو ما ينتج الحكم النمطي (مثل: الطفل التوحدي أقل ذكاء من الآخرين)؛ ثم يُعزَل الأشخاص المعرضون للحكم الجاهز داخل فئات مختلفة عن المجموعة المهيمنة (مثلً:

لسنا متخلفين عقليًا مثلهم)؛ ويتعلق العنصر الرابع بفقدان الأشخاص الموصومين للمكانة الاجتماعية

(مثل: بما أن الأشخاص التوحديين أقل ذكاء، فهم غير قادرين على التمدرس)؛ وأخيرًا، التمييز

Discrimination الناتج من الوصم الذي يولّد وضعية التفاوت الاجتماعي (صعوبة ولوج التوحديين الفضاءات والمؤسسات العمومية). وإذا كان الوصم عبارة عن «وضعية فرد يعرضه شيء ما للتبخيس، ويمنعه من أن يكون مقبول قبولً تامًا

(8) Marco Buljevac, Majdak Marijana & Leutar Zdravka, «The Stigma of Disability: Croatian Experiences,» Disability and Rehabilitation , vol. 34, no. 9 (May 2012), p. 226. (9) Micheal Oliver, The Politics of Disablement (London: Macmillan Education, 1990), p. 66. (10) Bruce G. Link & Jo C. Phelan «Conceptualizing Stigma,» Annual Review of Sociology , vol. 27, no. 1 (2001), p. 367.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

من المجتمع»، فهو نوع من «الإقصاء الاجتماعي» الناتج من سيرورة اجتماعية علائقية، توجد في منعطف ثلاثة أنماط من الهويات المحددة عند غوفمان: • الهُوية الاجتماعية، وهي مجموع الطرق اليومية التي يتم بها تعريف هوية الأفراد وتصنيفها. • الهوية الشخصية، وهي مرتبطة بالبيوغرافيا الشخصية للفرد. • الهوية الذاتية، وهي المعنى الذاتي الذي يضفيه الفرد على ذاته نتيجة تجارب مختلفة. يمكن كل واحدة من هذه الهويات أن تتضرر بالوصم الذي ينتج من وجود تناقضات بين هوية الفرد المفترضة وهويته الحقيقية، بحيث إن عنصرًا من الهوية الشخصية (إعاقة جسدية أو علامات

التوحد... إلخ) يعمل على خلخلة «الهوية الاجتماعية المفترضة» Identité Sociale Virtuelle، أي الدور المنتظر تقمصه من الآخرين، فيبخس الشخص أو أسرته بعد انكشاف هويتهم الاجتماعية الحقيقية؛ أي ما صاروه فعليًا في أعين عموم الناس. تُنتج هذه السيرورة تداعيات مضرة ب «هويتهم

الذاتية»، أي ما يشعرون به إزاء ما هم عليه بعد انكشاف هويتهم الحقيقية. يُوظَّف الوصم الاجتماعي لوصف شعور الأولياء بالعار والإقصاء الاجتماعي، ولا سيما أن الوصم

الاجتماعي، كما يبين ديفيد غراي، هو إحدى الصعوبات التي تختبرها أسر الأشخاص المعاقين في أثناء اللقاءات العمومية، حيث غالبًا ما تكون ردة فعل الجمهور نمطية وسلبية. في الواقع يعاني

الأولياء «وصمة الترابط» Courtoisie de Stigmate التي يُقصد بها أن أعضاء الأسرة يختبرون الوصم

الاجتماعي؛ بسبب انتسابهم إلى الشخص الموصوم، وليس بسبب إحساسهم بوجود خصائص ذاتية. فالأشخاص الذين يتحملون وصمة الترابط، أي أولئك الذين ينظر إليهم الآخرون على أنهم يمتلكون هوية مسلوبة Spoliée Identité؛ لأنهم يقتسمون مع أشخاص موصومين النسب، يوجدون في وضعية غامضة في المجتمع. إنهم «أسوياء»، لكنهم في الوقت نفسه «مختلفون»، ووضعيتهم السوية جلية من خلال إنجازاتهم التي تترجمها الأدوار الاجتماعية المتعارف عليها، لكن اختلافهم يكون بارزًا بروزًا عرضيًا لحظة ارتباطهم بالموصومين، في أثناء لقاءاتهم مع الأسوياء. وبسبب الانتساب الطبيعي إلى وصمة الترابط، يمتلك أولياء الفرد الموصوم مجموعة من الخيارات المتاحة أمامهم للتحكم في المعلومات؛ فالفرد الذي يكون موضوعًا لوصمة الترابط يحمل هوية بيوغرافية مسلوبة، بربطها بالفرد الموصوم فحسب، وهو ما يعني أن عضو الأسرة يمتلك خيار «المرور»

(11) Goffman, p. 7. (12) Ibid., pp. 73–74, 127–128. (13) David Gray, «Perceptions of Stigma: The Parents of Autistic Children,» Sociology of Health and Illness , vol. 15, no. 1 (1993), p. 103. (14) Ibid., p. 104. (15) Arnold Birenbaum, «On Managing a Courtesy Stigma,» Journal of Health and Social Behavior , vol. 11, no. 3 (1970), p. 196.

شتاء   Winter 2020

في بعض السياقات مادامت لم تُعرف حقيقة انتسابه إلى العموم. ويمتلك أفراد الأسرة أيضًا خيارات تتعلق بارتباطهم بمجموعات، كالمدارس ومراكز الدعم الأسري التي تجعل وصمة الترابط أشد بروزًا. وفي هذا السياق يؤكد أرنولد برنبوم أن أولياء الأشخاص الموصومين يمكنهم أن يجتازوا مراحل يصبحون فيها قادرين على تحمل عبء وصمة الترابط في لحظات معينة بدل لحظات أخرى. ووفق هذا المنظور، ينتمي أولياء الأشخاص المعاقين إلى فئة «القابلين لفقدان الصدقية» Discréditables بدل «الفاقدين للصدقية» Discrédités.

3. الفعل الجمعوي والبناء الأسري للتوحد بوصفه اختلافًا

ليست علاقة الأسر بالوصم الاجتماعي ثابتة؛ فسيرورة اكتشاف التوحد، ثم تشخيصه والبحث عن علاج، والمشاركة في ورشات تكوينية، وبناء معرفة طبية، وحضور لقاءات توعوية، يدفع جميعها إلى إجراء تعديلات منتظمة في تمثلات الأسر، ويمنحها القدرة على مقاومة الوصم الاجتماعي من خلال استثمار المعرفة الطبية؛ لشرح سلوك الطفل التوحدي في الفضاءات العامة، أو تجاوز الوصم بالدفاع عن الاختلاف والتنوع العصبي، من خلال تفعيل ما روكم من تكوين في المجال الجمعوي. وفي السياق نفسه، يمكن القول، تبعًا لتحليل فيليب مانين لسيرورة تدبير الوصم، إن أسر الأطفال

التوحديين تتبنى ثلاث استراتيجيات متتالية: الإخفاء، بوصفه حل أوليًا في البيت، ما دام الوصم يهدد

الأطفال التوحديين بالإقصاء الاجتماعي. تعقبه استراتيجية ثانية، وهي التغطية، بما هي وسيلة للمرور داخل جماعة ما، من خلال تفسير تصرفات الطفل وفق ما هو منتظر من الآخرين، أو العمل على تعديل سلوكه وفق المعايير السلوكية السائدة. واستراتيجية ثالثة أخيرة تتمثل في البوح والإفصاح عن إعاقة الطفل من خلال الكشف عن علامات الوصم في وضعيات اجتماعية، تتيح الحديث عن التوحد بوصفه اختلافًا إنسانيًا. وعلى النقيض من التمثل الشائع الذي يعتبر الأشخاص المعاقين يحملون اختلافًا سلبيًا، سعت الأسر

لرفع تحدي نشر منظور جديد لإعاقة التوحد؛ إذ رفضت الادعاءات التي تصف الأشخاص التوحديين بالسلبية والضعف والتبعية، وباشرت مرافعاتها في إطار نشاط سياسي، أتاح الحصول على تنازلات لمطالبها. رأى علماء الاجتماع، عامةً، في مشكلات الإعاقة والوصم نوعًا من الانحراف الشخصي؛ إذ لا تترك

غالبية التصورات المهيمنة للانحراف هامشًا للمنحرف للانخراط الجماعي من أجل ابتكار الهوية. إن هذا الفهم نابع من التركيز الغوفماني على «المؤسسات الكلية»؛ حيث يكون الموصومون ملزمين

(16) Gray, pp. 104–105. (17) Birenbaum, p. 196. (18) Philippe Manning, Erving Goffman and Modern Sociology , Collection Key Contemporary Thinkers (Simi Valley, CA: Polity Press, 1992), pp. 98–99. (19) Joan Susman, «Disability, Stigma and Deviance,» Social Science & Medicine , vol. 38, no. 1 (1994), p. 19.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

بقبول الهويات المفروضة عليهم من تلك المؤسسات، وحيث يوجد هامش ضئيل للتفاوض مع الموظفين؛ لذلك تركز فرضية السلبية على «تقمص دور الضحية»، وعلى التزام أيديولوجي للموصوم إزاء «المضطهد». صحيح أن غوفمان يعتبر أن الأشخاص الموصومين ليسوا ضحايا عاجزين، بل خبراء استراتيجيين، ومخادعين يشاركون في «التحكم في المعلومات» و«تدبير التوتر»، إلا أن استراتيجيات الشخص الموصوم تظل مناورات دفاعية ما دام ينخرط، في نهاية المطاف، في تعريفات «الأسوياء»، ويبقى تحت رحمة اليد الخفية للآخرين. فما يتغافل عنه غوفمان هو أن المعاقين والأسر الناشطة سياسيًا

واعون ومتأثرون بتصورات الآخرين حول هويتهم؛ لذا فهم يقاومون استبطان تعريفات العجز والسلبية في تصورهم للذات المعاقة. وعلى النقيض من ذلك، بيّنت دراسات كثيرة في العلوم الاجتماعية أن المعرفة الطبية ساهمت في

مقاومة أصناف كثيرة من الوصم الاجتماعي، لحقت بأسر الأشخاص التوحديين، ولا سيما نظرية «الأم الثلاجة» المهينة التي ذاع صيتها خلال ستينيات القرن الماضي، وأقرت بأن التوحد يحدث بسبب «الأم الثلاجة» الباردة عاطفيًا، والأب الضعيف الغائب عن منزله، وأفلحت في بناء موقع للذات

التوحدية، بوصفها ذاتًا متميزة ومختلفة أنطولوجيًا. تبين كيلي راسفيري وديبرا سكينر في هذا

السياق أن الخطابات البيوجينية أصبحت الإطار الجديد الذي تُبنى داخله «الحالة السوية» للمختلف؛

إذ انخرطت الأسر انخراطًا فاعلً في الخطابات الجينية؛ من أجل خلق معانٍجديدة للصحة والجسد، وتغيير الهويات، وإعادة بناء مفهومي الأسرة والجماعات. ومن زاوية أخرى، تؤدي جماعات الدعم دورًا مركزيًا في هذا الإطار، فقد دافعت عن السببية البيوجينية

Biogénique Etiologie للتوحد، منافحةً عن الأساس البيولوجي لسلوك الطفل التوحدي، الأمر الذي كانت له آثار إيجابية، منها تخليص الأسر من الذنب والعار. وتبين بريجيت شاماك في هذا الصدد كيف يمكن أن تتحول هذه الجماعات إلى إطارات سياسية فاعلة وناشطة في مجال الترويج للتفسيرات البيوجينية لاضطراب الطيف التوحدي، بوصفه اختلافًا وليس مرضًا، داخل سياقات ما زالت فيها تفسيرات التوحد تعمل في تكريس وصم الأولياء.

(20) Renee R. Anspach, «From Stigma to Identity Politics: Political Activism among the Physically Disabled and Former Mental Patients,» Social Science and Medicine , vol. 13A, no. 6 (1979), p. 767. (21) Ibid., p. 768.

(((2 طارق عامر، الطفل التوحدي (عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2008)، ص.84

(23) David Farrugia, «Exploring Stigma: Medical Knowledge and the Stigmatisation of Parents of Children Diagnosed with Autism Spectrum Disorder,» Sociology of Health and Illness , vol. 31, no. 7 (2009), p. 1013. (24) Kelly A. Raspberry & Debra Skinner, «Experiencing the Genetic Body: Parents’ Encounters with Pediatric Clinical Genetics,»  Medical Anthropology , vol. 26, no. 4 (2007), p. 382. (25) Brigitte Chamak, «Autisme et militantisme: De la maladie à la différence,» Quaderni , vol. 1, no. 68 (2009), pp. 61–70.

شتاء   Winter 2020

إن التوحد الذي كان يُعرف بأنه مرض نادر وغير قابل للعلاج، وارتبط في أغلب الأحيان بالتأخر

العقلي، كما شخصه ليو كانر Kanner Léo في عام 1943، صار متلازمة غامضة موسومة ب «اضطرابات نمائية شاملة» قبل أن يتخذ، في الدليل التشخيصي والإحصائي لاضطرابات الذهنية (الطبعة الخامسة) 5 DSM، أصدرته الجمعية الأميركية للطب النفسي في عام 2013، اسم اضطرابات طيف التوحد. لقد ترتب على هذا التطور الطبي الهائل في معرفة التوحد نتائج مهمة، منها الارتفاع الكبير في معدل انتشار التوحد بسبب انخراط الأسر في سيرورة التشخيص، وتعبئة جمعيات الأولياء التي تمكنت من جعل التوحد قضية صحة عمومية.

ثانيًا: الإطار المنهجي للدراسة

1. مقاربة البحث وأدواته

أنجزت الدراسة في مدينة القنيطرة خلال الفترة حزيران/ يونيو 2018–نيسان/ أبريل 2019، واعتمدت البحث الكيفي خيارًا ميثودولوجيًا، أملته طبيعة الموضوع المتمثلة في محاولة فهم سيرورة تدبير الأسر

للوصم الاجتماعي، ودور الخطاب الطبي – السيكولوجي، والتأطير الجمعوي، في إعادة صياغة تمثلات الأسر المقترنة بالوصم الاجتماعي، وبناء الاعتراف بالتوحد، بوصفه اختلافًا إنسانيًا. وحاولت

مقاربتنا التأويلية – التفهمية ملاحظة التفاعلات البينذاتية المبنية من الأولياء داخل مجالات محددة في مدينة القنيطرة (مقر جمعية نسمة للتوحد، مركز تكوين الممرضين، ساحة البلدية)، ثم إعادة بنائها من خلال تأويل أفعالهم، ودراسة الدلالة الاجتماعية لتمثلاتهم، باعتبارهم فاعلين اجتماعيين ومشاركين في صناعة المعنى الاجتماعي. إن وضعيتي المزدوجة، بوصفي باحثًا سوسيولوجيًا وأبًا لطفل توحدي، فرضت عليّ الدخول في

علاقات تفاعلية مع المستجيبين، والتواصل معهم، والإنصات إليهم، وخلق الألفة والتعاطف معهم؛ بهدف الحصول على معطيات جيدة وغنية، ولا سيما أني أشارك التجربة نفسها مع أسر رأت في حضوري معبرًا لإسماع أصواتهم، ونقل معاناتهم، في سياق اجتماعي يضفي على الإعاقة عمومًا،

والتوحد خصوصًا، معانيَ الخطيئة والعار واللعنة. ينسجم انحيازنا الواضح إلى براديغم الفعل الاجتماعي، مع اختيارنا، من جهة أولى، للمقابلة نصف الموجهة التي تتضمن لائحة من الموضوعات المراد مقاربتها مع المستجيبين. فما يميز دليل المقابلة

الذي يُعِدّ الباحث محاوره وأسئلته قبليًا هو قدرته على التكيف مع إكراهات الميدان، واتسامه بسمة

المرونة التي تترك للمستجيبين حرية الانتقال من محور إلى آخر، من دون مراعاة ترتيب الأسئلة، وتسهيله لاستراتيجيات التحليل المقارن والتراكمي بين كلام المستجيبين.

(26) Fred R. Volkmar (ed.), Encyclopedia of Autism Spectrum Disorders (New York: Springer, 2013), p. 660. (27) Chamak, p. 61. (28) Thomas Gay, L’Indispensable de la sociologie , Collection Principes (Paris: Studyrama, 2006), pp. 87–89.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

ومن جهة ثانية، حتّمت علينا مقاربة إعاقة التوحد، بما هي ظاهرة سوسيوثقافية، التوسل كذلك

بالملاحظة المشاركة، بوصفها تقنية مركزية في البحث الأنثروبولوجي، يكون هدف الباحث فيها «جعل العالم المدروس بارزًا من الداخل»، أي فهم رؤية المستجيبين للعالم وللذات، انطلاقًا من ثقافاتهم. لقد بدا لنا تبنّي دور المشارك الفاعل ملائمًا للبحث؛ لأن الملاحظ يفعل ما يفعله الآخرون، ليس

للحصول على القبول فحسب، وإنما لمعرفة القواعد الاجتماعية للسلوك أيضًا؛ فالمشاركة الفاعلة ليست مشاركة في تفاعلات الأسر، ومشاهدة ما يحدث بينها فحسب، بل تنطوي على انخراط فعلي في نشاطاتهم كذلك. وبعبارة أخرى، يلاحظ المشارك الفاعل الآخرين، وفي الوقت نفسه يلاحظ نفسه باعتباره مشاركًا في النشاطات. وقد اعتمدنا هذه التقنية لأنها تساهم في تحسين جودة جمع المعطيات، والتحليل، وفهم التواصل الشفهي، وتتيح الكشف الصريح عن هويتنا الأكاديمية، فضلً عن هويتنا المكشوفة سلفًا، بوصفنا فاعل جمعويًا، والانخراط التام، بوصفي عضوًا في لجنة التنظيم

وأبًا لطفل توحدي مستفيدًا من التكوينات، في النشاطات التكوينية (عددها خمسة)، واللقاءات

التوعوية التي شاركت فيها الأسر (عددها أربعة.) وعلى الرغم من ذلك، وجدنا أنفسنا في مواجهة امتحان التمسك بالموضوعية، وتفادي السقوط في النزعة الذاتية، وفي الوقت نفسه الانصهار الشخصي في التفاعلات اليومية مع الأسر، وهو رهان صعب يطرح مفارقات يُجملها بول بنيامين في هذه العبارة: «تقتضي المشاركة الانخراط الوجداني،

بينما تستلزم الملاحظة الانفصال. يتعلق الأمر بصعوبة المزج بين التعاطف مع الآخرين، وفي الآن نفسه السعي نحو بلوغ الموضوعية العلمية». لقد كان هدفنا من استعمال هذه التقنية المشاركة في اللقاءات التي كانت تجري بين الأسر، أو بينها وبين مهنيي الصحة والفاعلين الجمعويين. واعتمدنا على مذكرة، سجّلنا فيها كل الملاحظات، في شبكة معدة سلفًا، ومنظمة، حول محاور سعينا لتمييزها

خلال عملية الملاحظة: • موضوع الدراسة: تدبير الأسر للوصم الاجتماعي. • معلومات عامة: المكان، والتاريخ، والساعة، ومدة الملاحظة، والأشخاص الحاضرون. • ما لوحظ: أفعال المستجيبين، وردات الأفعال، وكلام، ومشاعر. ولتعزيز الملاحظة، استعنا بكل الأشياء المتوافرة في ميدان البحث، وكانت مفيدة للموضوع في نظرنا، كالأقمصة الحاملة للشعارات، والملصقات، والمطويات، وأرشيف الجمعية. لقد وجهت ورقتَنا الأسئلةُ الآتية: كيف تختبر الأسر تجربة توحد ابنها؟ وكيف تدبرها؟ وكيف تتأثر حياة الوالدين الاجتماعية بحالة التوحد؟ وكيف تتعرض الأسر وأبناؤها للوصم والتمييز من الآخرين؟

(29) Alain Coulon, L’Ecole de Chicago (Paris: PUF, 2002), p. 103. (30) James P. Spradley, Participant Observation (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1980), pp. 60–61. (31) Kathleen M. Dewalt & Billie R. Dewalt, Participant Observation: A Guide for Fieldworkers (Walnut Creek, CA: AltaMira Press, 2002), p. 28.

شتاء   Winter 2020

وما السبيل إلى فهم روايات الأسر، وما تحمله من عبارات الإقصاء والتمييز من الآخرين؟ وما طبيعة الاستراتيجيات التي تنتهجها الأسر للتعايش مع التوحد، ومقاومة الوصم، وتدبير العلاج السلوكي؟ انتهت بنا هذه الأسئلة إلى الفرضيات الإجرائية الآتية: • تعدّ إعاقة التوحد صدمة للأسر، بالنظر إلى هيمنة نموذج سلوكي معياري يكرس وصم الأشخاص

التوحديين، الأمر الذي يدفعها إلى تبنّي استراتيجية الإخفاء بوصفها حل لتفادي ردات الفعل المعادية في اللقاءات المختلطة. • تُغير المعرفة الطبية، وبرامج التأهيل السلوكي، تمثلات الأسر لإعاقة التوحد، وتعزز مقاومتها للوصم الاجتماعي، من خلال تبنّي استراتيجية تعديل سلوك الأطفال ليتطابق مع نموذج الحالة السوية. • يؤدي التأطير الجمعوي دورًا في مساعدة الأسر في التصالح مع إعاقة التوحد، ومقاربتها بوصفها

اختلافًا إنسانيًا في إطار التنوع العصبي. لقد أطرت هذه الأسئلة كل لقاءاتنا بالأسر؛ إذ أنصتنا إلى بوح الأولياء وهم يدلون بشهاداتهم؛ لأجل استجلاء أسباب الوصم الاجتماعي، في ضوء التمثلات الاجتماعية الجديدة التي أضحت تنبذ الإعاقات العصبية – النمائية، في سياق حضري يشهد اجتياحًا لذهنية رأسمالية جديدة، تُفرض قسرًا

على الأفراد، باعتبارها أيديولوجيا تعمم بشدة معاييرها القائمة على التطوير الفردي الدائم للكفاءة والجودة والخيال الخلاق. وقد اخترنا صيغة منهجية، مؤداها مساءلة المسار الاجتماعي للأسر منذ لحظة انبثاق علامات التوحد، ومحاولة استخلاص خبرات الأولياء، وما أفرزته من استراتيجيات لمواجهة ما يتعرضون له من وصم وتمييز. وانطلاقًا من الإشكالية الرئيسة، وفرضياتها وغاياتها الأساسية، وزعنا دليل المقابلة على الموضوعات الرئيسة الآتية: • تجربة الأسر مع الوصم بعد انبثاق علامات التوحد. • تدبير الوصم بعد التشخيص، والبحث عن الدعم والعلاج السلوكي. • تجاوز الوصم، وبناء التوحد بوصفه اختلافًا، بعد التكوين والتأطير الجمعوي.

2. بناء العينة وتقنية التحليل

بالنظر إلى أن هدف الدراسة هو إضاءة موضوع تدبير الأسر للوصم الاجتماعي، فقد اخترنا المستجيبين لاعتبارات نظرية أكثر منها تقنية؛ لأننا لا نروم صياغة تعميمات، بقدر ما نسعى للوقوف على المعاني التي يضفيها الأفراد على وضعهم الاجتماعي. ففي الدراسة الكيفية يستحيل اعتماد عينة عشوائية

(((3 عادل بلحاج رحومة، «في تشكل الفرد والفردانية في المجتمع التونسي»، عمران، مج 2، العدد 8 (ربيع 2014)، ص.137

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

تشمل تمثيلية مجتمع البحث، إضافة إلى أن إجراءات اختيار العينة تنحو منحى قصديًا، وهذا يعني أن

الهدف النظري للبحث هو الذي يحدد عملية الانتقاء، وليس الإجراءات المنهجية الصارمة. لذا ارتأينا تقسيم العينة إلى فئتين: فئة رئيسة تتشكل من الأسر، ثم فئة ثانوية تتضمن مجموعتين، هما مهنيو الصحة والفاعلون الجمعويون. اخترنا من الفئة الأولى، بطريقة قصدية، عينة صغيرة لا تتعدى عشرين أسرة، تتوافر فيها المعايير الأساسية التي افتُرضت في المستجيب النموذجي، بما ينسجم وأهداف البحث وإشكاليته وفرضياته ومنهجه، مع إقصاء الأسر التي لم تستفد قط من الدورات التكوينية، ولم يخضع أبناؤها كذلك للتعديل السلوكي بإشراف طبيب مختص: • معيار سن الطفل التوحدي: أن يكون سن الطفل التوحدي ما بين أربع واثنتي عشرة سنة، وهي المرحلة التي تكون فيها علامات التوحد بارزة، وتتطلب إجراء تشخيص طبي. هذا إضافة إلى أن هذه المرحلة العمرية توافق مرحلة التمدرس الأولي والابتدائي، وتستلزم الخضوع لبرامج التعديل السلوكي. • معيار التشخيص: أن تكون الأسرة قد أخضعت الطفل التوحدي لتشخيص طبي رسمي، وأدركت بوضوح إصابة ابنها بالتوحد. • معيار المتابعة الطبية والتعديل السلوكي: أن يكون الطفل خاضعًا، إبان إجراء البحث، لعلاج سلوكي،

بإشراف أحد أخصائيي الصحة. • معيار المستوى التعليمي للوالدين: إذ إن دوارات التكوين في برامج التعديل السلوكي تقتضي حصول الوالدين على حد أدنى من المستوى التعليمي، ومعرفة لا بأس بها باللغة الفرنسية. • معيار التكوين والتأطير الجمعوي: أن يكون الوالدان معًا، أو أحدهما، مستفيدين من التأطير

الجمعوي والتكوين الطبي والسيكولوجي في مقر الجمعية. اعتمدنا في اختيار العينة على سجل خاص بمعلومات سبعين أسرة للأطفال التوحديين، أعدته جمعية «نسمة للتوحد»، بعد تلقي عدد من طلبات الاستفادة من التكوين، إلا أن محدودية قدرات الجمعية جعلتها تكتفي باستدعاء نحو ثلاثين أسرة. وسجلنا، بمساعدة عضو الجمعية وأخصائية في تقويم النطق في مستشفى الإدريسي في القنيطرة، لائحةً للأسر التي تنطبق عليها المعايير الأساسية؛ إذ أخبرت هذه الأخصائية المستجيبين، ممن يزورون مقر الجمعية للاستفادة من التكوين، أو لإجراء حصص التعديل السلوكي، أو تقويم نطق أبنائهم، برغبتنا في إجراء بحث معهم، وبعد أخذ موافقتهم نقابلهم. واقتصرنا في إجراء المقابلات على عشرين أسرة (الجدول 1)، بما ينسجم ومبدأ التشبع النظري، بعد أن تكوّن لدينا انطباع بأن إنجاز مزيد من المقابلات لا يؤدي إلى أي معرفة جديدة.

(33) Amir B. Marvasrti, Qualitative Research in Sociology (London/ Thousand Oaks/ New Delhi: Sage Publications, 2004), p. 9.

(((3 سجل معلومات شخصية لنحو 70 أسرة تقطن مدينة القنيطرة، أرشيف جمعية نسمة للتوحد، أنجز خلال الفترة حزيران/ يونيو 2017 – كانون الثاني/ يناير.2018

الجدول (1) معطيات حول جنس أفراد العينة المستجيبة الأسر المستجيبة

الأسر المستجيبةالعدد
األأولياء والأمهات معًا4
اآلأمهات فقط12
األآباء فقط4
مجموع الأسر20

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى معطيات البحث الميداني في عام.2018

أما الفئة الثانية (الجدول 2)، فقد كان لزامًا علينا، بالنسبة إلى المجموعة الأولى، إجراء مقابلات مع سبعة

أفراد من مهنيي الصحة، ممن تطوعوا للتعاون مع جمعية «نسمة للتوحد»؛ لتشخيص الأطفال التوحديين،

وإخضاعهم لبرامج التعديل السلوكي، فضل عن تنظيمهم دورات تكوينية لفائدة الأولياء. أما المجموعة

الثانية، فتتألف من سبعة أعضاء في مكتب جمعية «نسمة للتوحد»، ممن أتصل بهم اتصال منتظمًا خلال

الاجتماعات العادية، أو اللقاءات التوعوية بالأسر، باعتباري عضوًا في مكتبها الإداري. الجدول (2) معلومات حول الفاعلين الجمعويين ومهنيي الصحة الفاعلون الجمعويون

الفاعلون الجمعويونمهنيو الصحة
المهمةالعددالتخصصالقطاعالعدد
رئيسة1طبيبة أطفالعام1
كاتب عام1طبيبة نفسانيةعام1
أمين المال1طبيب نفس أطفالعام1
مستشارون4أخصائي نفسانيعام1
أخصائي تخاطبعام3
المجموع7المجموع7

المصدر: المرجع نفسه.

لقد ارتكزنا في تحليل المقابلات على تقنية التحليل الموضوعاتي، بما هو أداة لمعالجة المحتوى وتحليله؛ إذ قطعنا أفقيًا كل مقابلة على حدة، من خلال ترتيب المقتطفات المستقطعة في ملفات

موضوعاتية، قبل تصنيفها إلى وحدات رئيسة ووحدات ثانوية، واختيار كلمات مفتاحية تلخص

(((3 عبد الرحمان المالكي، الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب (فاس: جامعة سيدي محمد بن عبد الله، منشورات مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية، 2015)، ص 158–130، خصص الأستاذ المالكي في هذا الكتاب

فصلً قدم فيه عرضًا منهجيًا مهمًا يمكن أن يفيد باعتباره دليلً منهجيًا في الدراسات الكيفية.

شتاء   Winter 2020

العدد

مهنيو الصحة

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

الاجتماعي وإنكار التوحد، ومقاومة الوصم، وتجاوز الوصم والاعتراف بالاختلاف.

الأسرة

األأسرةالعدد
نوع الأسرة
ممتدة4
نووية16
الدخل الشهري
ما بين 2500 و7500 درهم8
ما بين 7500 و15000 درهم7
أكثر من 15000 درهم5
ا الانخراط الجمعوي للأسر
األاستفادة من التكوين20
حضور النشاطات والأيام التوعوية20
المجموع20
اأألمستوى الدراسي للوالدين
الأمالأب
ابتدائي/ إعدادي53
ثانوي87
جامعي710
المجموع2020
المهنة
قطاع عام78
قطاع خاص412
عمل منزلي90
المجموع2020

المجموع 20

المصدر: جمعية نسمة للتوحد.)2018(

تلخيصًا جامعًا تلك الوحدات. تبقى الإشارة إلى أننا عرضنا وجهة نظر المستجيبين، مع الاقتصار على اختيار الحالات الدالة والمعبرة عن كل موضوع، فلم نعمد إلى إيراد كل الشهادات والمقابلات، وإنما انتقينا منها ما بدا لنا صالحًا للتعبير عن التمثلات والتصورات والمواقف المشتركة، تجنبًا لتكرار

المواقف نفسها. وقد حددت ثلاثة مواضيع أساسية، تمحورت حولها أسئلة دليل المقابلة، هي: الوصم

الجدول (3) معلومات حول الأسر المستجيبة العدد

الجدول (4) معلومات عن الأطفال التوحديين الطفل التوحدي

الطفل التوحديالعدد
جنس الطفل التوحدي
ذكر15
ا أنثى5
ترتيب ولادة الطفل التوحدي
طفل وحيد10
أااول ولادة3
ثاني ولادة أو آخر ولادة7
لحظة التعرف إلى أعراض التوحد
قبل التشخيص2
أ بعد التشخيص18
زيارة الطبيب أول مرة بعد ظهور الأعراض
طبيب عام10
طبيب أطفال5
طبيب نفساني2
طبيب نفس أطفال3
خضوع للمتابعة الطبية Supervision
أخصائي تخاطب5
طبيب نفس أطفال4
أخصائي نفساني11
طبيب نفساني0
متمدرس
ناعم20
لا0
ا نوع التعليم
تعليم خاص بذوي الاحتياجات الخاصة14
أ تعليم عادي6
مجموع الأطفال20

مجموع الأطفال

المصدر: المرجع نفسه.

شتاء   Winter 2020

العدد

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

ثالثًا: نتائج الدراسة

كشف تحليل المعطيات عن ثلاث مراحل وسمت التجربة المعيشة للأسر، في سياق تدبير الوصم الاجتماعي، وتشخيص التوحد، والبحث عن علاج له.

1. مرحلة إنكار التوحد: سؤال الحالة السوية

تفقد الأسر الصدقية حينما يتعرف الآخرون إلى وصم الأبناء التوحديين. في هذه الحالة، فإن أكثر مواقف الآخرين شيوعًا هي اللامبالاة أو الشفقة أو التقليل من شأن المشكلة، وهو ما يولد توترًا لدى

الأولياء. وفي المقابل، تمتلك الأسر القدرة على إخفاء وصم الأبناء. لكن أسئلة مقلقة تنتصب أمامها: هل يجب إخفاء الوصم، أم الكشف عنه؟ وكيف يمكن تغطيته؟ ومَن المعني بالإخفاء أو التغطية؟ وفي

أي وضعية يمكن الإخفاء أو التغطية؟ تسائل علامات التوحد المعايير الاجتماعية المتعلقة بممارسات تربية الأطفال، والتوقعات المستقبلية لنمو الطفل؛ إذ تفصح التجربة اليومية عن صدمة كبيرة بعد مجابهة حقيقة غير متوقعة: حلول أمر جلل بالطفل. لكن عبارة «الأطفال، ولا سيما الذكور، يتكلمون متأخرين» تستعمل غالبًا للتخفيف من قلق

الوالدين؛ إذ يقارَن أبناؤهم التوحديون بأطفال آخرين تأخروا في النطق. لكنهم بمرور الوقت تحولوا

إلى مهاذير ما إن نبسوا بأول كلمة. تقول أم مروان الذي يبلغ من العمر ست سنوات: «لطالما نصحني الأهل والجيران بطهي سبعة ألسن، تُجمَع خلال عيد الأضحى وتقدَّم وجبةً للطفل؛ لأن من شأن ذلك

أن يساعده في النطق». وتحكي أم سعد، وهو طفل توحدي عمره عشر سنوات، عن طقس علاجي قامت به جدته بعد تأخر نطق ابنها عند بلوغه أربع سنوات: «تناولت الجدة كتكوتًا وأدخلت منقاره في فم الطفل، ثم شرعت في الصراخ إلى أن بدأ الكتكوت في النقنقة.» يذكر الأولياء في رواياتهم صدور سلوكات غريبة من أطفالهم، هي عبارة عن أعراض مفاجئة تدفع الآخرين إلى وضع الأولياء في قفص الاتهام؛ بسبب تدليل الأطفال وإهمال تدريبهم على المهارات الاجتماعية. يحكي محمد، وهو أب لطفل توحدي عمره عشر سنوات، الواقعة الآتية: «كانت زوجتي، كما العادة، برفقة طفلنا التوحدي وعمره خمس سنوات، في أحد منتزهات المدينة، ولأن الطفل لا يبدو على ملامحه الفيسيولوجية أي عرَض لإعاقة، فقد كان يلعب إلى جانب أقرانه، من

دون أن يثير لديهم أدنى شك بوجود مؤشرات سلوكية غريبة. وفجأة، وبينما كان الطفل يدور دورانًا سريعًا حول عمود منتصب وسط الحديقة، اصطدم بفتاة صغيرة، سقطت في إثرها على الأرض،

فما كان من أم الطفلة إلا أن استشاطت غضبًا معبرة عن سخطها: ‘ آش هاد قلة الحيا. هاد شي

جاي من قلة تربية الوالدين ’. في هذه اللحظة تحديدًا، تدخلت زوجتي التي تعودت على مثل هذه السيناريوهات التي تكاد تطبع حياتنا اليومية خارج البيت، وحاولت أن تفسر للمرأة أن حركة الطفل لم تكن متعمدة. فما كان من المرأة إلا أن ردت بنبرة قاسية: ‘ هذا الأمر لا يعنيني، اهتمي بتربية ابنك، فأنت المسؤولة عن شخصيته العدوانية!! ’.

شتاء   Winter 2020

إن هذه الحادثة البسيطة عبارة عن حلقة صغيرة من سلسلة الحوادث التي تبصم بصدماتها الحياة اليومية لأسر الأشخاص التوحديين، إلى درجة أنها تشرط استجاباتها الاجتماعية، وتضبط تفاعلاتها اليومية، وتتحكم في تنظيم زمنها الاجتماعي؛ إذ تطرح الاتصالات المختلطة Mixtes Contactes بين الأسر والآخرين مشكلة تدبير التوتر الناتج من مشكلات التفاعل. فالوصم الذي تتعرض له الأسر طريقة لضمان موثوقية النظام الاجتماعي، من خلال إصدار عقوبات على أطفالهم الذين لا يخضعون للقواعد الاجتماعية؛ إذ يعبر الوصم علائقيًا عن وجود مسافة بين الهوية الاجتماعية المفترضة للطفل

(آداب السلوك، والتواصل اللغوي... إلخ) وهويته الاجتماعية الحقيقية (اضطرابات السلوك)؛ لذا، فهو

يجسد وجود فجوة بين الواقع والمنتظَر، ويولد أيديولوجيا تبرر التمييز. تتجسد هذه الأيديولوجيا في صورة أحكام قيمية، تغدو عبئًا على الأسر، ولا سيما الأمهات العاملات اللواتي يتعرضن لانتقادات لاذعة؛ بسبب رعايتهن الخاطئة. تقول أم حياة، وابنتها طفلة توحدية عمرها ثماني سنوات: «غالبًا ما يُربط سلوك الطفل غير العادي بعملي؛ إذ يدعون أنني غير متفرغة تمام التفرغ

لرعاية طفلي، الأمر الذي يترك فراغًا عاطفيًا في نفسيته، ونقصًا في تربيته. في الواقع كنت أشعر بخيبة

أمل وبإحباط شديد». إن هذا الوصم المقترن بحكم نمطي (الفشل في تربية الأبناء) يلقي بظلاله على معيش الأمهات بالأساس، وتنعكس حدته على واقعهن السوسيو – اقتصادي، فقد بينت المعطيات المتوافرة من العينة المستجيبة أن سبع أمهات من أصل تسع، يمارسن العمل المنزلي (الجدول 3)، فضّلن التخلي عن العمل خارج البيت، والتفرغ لتربية الأبناء التوحديين. ولتشخيص الواقع الاجتماعي لإعاقة التوحد، تبين عالمة الاجتماع الهندية شوبنغي فايديا أن المجتمعات التقليدية كانت تميل ميلً شديدًا إلى التسامح مع الاضطرابات السلوكية للأطفال، في حين تعدّ الفضاءات الحضرية المعاصرة ذات طبيعة لاشخصية، وتفتقر إلى الحرارة الإنسانية، وإلى مواقف التسامح مع الاختلاف السلوكي. فهذه السلوكات غير المتعارف عليها والمزعجة، تضع الأولياء في مواجهة الرقابة ومشاعر الاشمئزاز، وفي بعض الأحيان يُطلب من الوالدين مغادرة المكان. تجسد

ردة الفعل العدوانية إزاء الأطفال التوحديين ما يسميه غوفمان «وصم عيوب الشخصية» الذي يمكن

أن يتخذ أشكالً مبالغًا فيها من الاستفزاز في مجموعة من الفضاءات «الممنوعة »، كالساحات العمومية والمتاجر والمدارس، حيث يُرصد سلوك الأطفال التوحديين ووصمهم ب «مزعجين». وهذا

النوع من الوصم «الإقصائي» يُكرّس عزل الأطفال التوحديين عن الفضاءات والمؤسسات المشتركة.

(36) Smith, p. 86. (37) Daniel Cefaï & Laurent Perreau (dir.), Erving Goffman et l’ordre de l’interaction (Paris: PUF, 2012), p. 379. (38) Shubhangi Vaidya, Autism and the Family in Urban India: Looking Back, Looking Forward (New York: Springer, 2016), p. 50. (39) Goffman, pp. 11–14. (40) Ibid., p. 100. (41) Philippe Vienne, «Au–delà du stigmate: La Stigmatisation comme outil conceptuel critique des interactions et des jugements scolaires,»  Education et Sociétés , vol. 1, no. 13 (January 2004), p. 179.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

وبعبارة أوضح، إذا كانت العلاقات الاجتماعية في المجتمعات التقليدية طافحة بالقيم التضامنية والإنسانية (التضامن الآلي في النظرية الدوركايمية)، فإن الفضاءات الحضرية أضحت، بفعل عوامل أهمها الهجرة، مجالات لنشوء وضعية «عدم التعارف» (أو الهوية المجهولة Anonymat)، أو التجاهل المتبادل، وهو ما يساعد في التكريس الاجتماعي للفرد؛ إذ تتميز القيم والثقافة والعلاقات الاجتماعية الحضرية في المدن الكبرى بالسطحية وسرعة الزوال، وبالغربة والبرود، وبالإبهام والتراخي، وبالتحفظ والأنانية والحيطة وعدم الثقة والنفعية. لقد أصبحت هذه الفضاءات الحضرية الممنوعة تفرض معايير سلوكية جديدة، قوامها الهدوء وعدم إثارة الضجيج، وتفادي النظر أو الحديث مع الآخرين؛ لذا، تحولت إلى مواقع نابذة للاختلافات السلوكية، وعلى رأسها اضطرابات الطيف التوحدي. نستطيع الجزم بأن تغلغل الفردانية في التركيبة الثقافية للأسر الحضرية المغربية فتح الباب على مصراعيه للتركيز على الإنجازات المدرسية، بوصفها مفتاحًا للحراك الاجتماعي، ولتحسين الوضعية

الاجتماعية؛ لذلك، تُحدث كل إعاقة نمائية صدمة كبيرة لهذه الأسر. تقول أم ياسر البالغ من العمر تسع سنوات: «كان حلمي أن أصنع منه إنسانًا ناجحًا في مساره الدراسي والمهني. لكني اليوم

أتمنى، فحسب، أن يحقق استقلاليته التي تمكنه من عدم السقوط في براثن الفقر والبؤس في مجتمع لا يرحم.» ينعكس هذا الوضع على الهوية الذاتية للأسر التي تشعر بوصم أبنائها، وما يترتب على ذلك الشعور من ردات أفعال، فتفضّل في بعض الأحيان فصله عن العالم الخارجي في البيت، بوصفه فضاء «معزول »؛ تفاديًا لكل المشكلات الناجمة عن اللقاءات المختلطة خارج البيت. وإذا كان كل طفل يستحق

الاحترام والاعتبار، بحسب كل مواثيق حقوق الطفل، فإن وصم إعاقة التوحد يبخس هؤلاء الأطفال، ويعرض أسرهم لإهانة التي تنتج العار والحقد واحتقار الذات، وكلها مشاعر تصنع «المسار المعنوي» Moral Itinéraire الذي تجتازه هوية أولياء الأطفال التوحديين. يعد بلوغ الأطفال التوحديين سن التمدرس لحظة فارقة في حياة الأسر، فقد أكد كثير من الأولياء أن عملية تسجيل الأبناء في المدرسة كانت امتحانًا عسيرًا لقدرتهم على إقناع الإدارة بقبول أبنائهم في فصولها. لكن

على الرغم من تبنّيهم أحيانًا لاستراتيجية التغطية على علامات التوحد، فإن تقييم المربيات غالبًا ما يؤدي

إلى رصد اختلاف سلوكات الأطفال التوحديين عن زملائهم داخل القسم. تحكي أم أنس تجربتها مع ابنها البالغ من العمر ست سنوات، والذي يعاني مشكلات في النطق واضطرابًا في التفاعل الاجتماعي:

«أخبرتني المربية بأنه لا يتوقف عن الجري في الساحة، ولا يشعر بحضور الآخرين. إنه يعيش في عالم آخر. حاولت أن أقنعها بأنه طفل صغير لم يبلغ بعد مرحلة النضج الذهني. وبعد بضعة أيام قالت لي إنه يعاني خللً عقليًا، فشعرت بإحراج كبير، ثم سحبته مباشرة من مدرسة التعليم الأولي.»

(((4 المالكي، ص.31 (((4 عبد الرحمان رشيق، «السياسة العمرانية والعلاقات العمرانية في المغرب»، عمران، مج 5، العدد 18 (خريف 2016)، ص.25

(44) Goffman, pp. 18, 45–46.

شتاء   Winter 2020

تفسر حالة هذه الأم ما يسميه غوفمان «مناورة الوصم» Stigmate de Jeu، وهي إحدى أدوات مواجهة عالم «الآخرين الأسوياء»، حيث تنتج الأسر ممارسات تروم ضبط المعلومة عن الإعاقة، والتحكم في التوترات الناتجة من الاتصالات المختلطة مع الأسوياء التي تهدد بتهميش أبنائهم. يعبّر موقف

سحب الابن من المدرسة عن شعور الأم بتوتر ناتج من حرصها على قبول ابنها باعتباره مطابقًا لهوية التلاميذ الأسوياء؛ لذلك، تعمد الأسر إلى حماية الهوية الشخصية للطفل التوحدي عبر التدبير الاستراتيجي للمعلومة، ومن خلال اتخاذ إجراءات كالإخفاء والتغطية، الأمر الذي يحول دون تعرف الآخرين إلى إعاقة الطفل التوحدي، أي محاولة التستر على الوصم في الحياة اليومية، وتفسير سلوك الطفل بأنه طيش أو تصرف طفولي فحسب. ليس هذا الوصم اليومي سوى الوجه التفاعلي لاتساع الفجوة بين الأسر والآخرين، داخل الفضاءات والمؤسسات العمومية، حيث تُحتقر الأسر من خلال سلسلة من العبارات، ويتعرض أبناؤها للمنع من ولوج بعض الفضاءات بسبب السلوكات المزعجة، أو حينما يفصح الأولياء عن هوية الابن التوحدي. ففي المدرسة، يتعرض الأطفال التوحديون للوصم من خلال تعليقات مستفزة، تصدر من الأطر التربوية أو الطاقم الإداري أو التلاميذ. تقول أم سعد البالغ من العمر عشر سنوات: «رافقت ابني إلى المدرسة، وعند وصولنا نادى أحد التلاميذ طفلي باسمه، فاستفسرت منه بلطف: هل تعرف ابني؟ أجابني بسخرية جارحة: إنه يدرس معي. لكنه غير عادي، ولا يعرف شيئًا.» فإذا كانت «الهوية الاجتماعية المفترضة» هي ما ينتظره الآخرون من الطفل باعتباره قادرًا على الالتزام

بقواعد سلوكية متعارف عليها، وامتلاك مهارات ذهنية محددة، فإن سلوكات الطفل التوحدي، في بعض الفضاءات والمؤسسات العامة، تكشف «هويته الاجتماعية الحقيقية» التي تتعارض مع ما ينتظره الآخرون منه؛ لكونه طفل شقيًا بقدرات وتصرفات تحكم عليه بالفشل. ينتهي المطاف بالأسر إلى

التعرض للوصم؛ لأنها في أنظار الآخرين مسؤولة عن سلوكاته غير المرغوب فيها، ولغته غير المعيارية، وحركاته التي تُقيَّم بأنها عدوانية.

2. مرحلة مقاومة الوصم: التشخيص والتدخل العلاجي

يخضع بناء الأسر للمعرفة المتعلقة باضطرابات أبنائها السلوكية لتعديلات مستمرة، بحسب تجارب الأولياء وحاجاتهم إلى تطوير المعلومات. لكن ضبط المعلومات يطرح مشكل أساسيًا في التفاعل

الاجتماعي؛ لارتباطها بطبيعة سياق المواجهة، وجهًا لوجه، ألا وهو الإفصاح أو السكوت عن التوحد،

البوح أو الكتمان، الكذب أو الصدق، فتواجه الأسر تحدي الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بوصم أبنائها، ما دام الكشف عنها قد يسبب ضررًا محتملً لهوية أفرادها الشخصية. لقد زارت الأسر المستجيبة عيادات الطب العام، أو طب الأطفال، قبل أن تحصل على تشخيص

(45) Cefaï & Perreau, p. 379. (46) Smith, pp. 86–87. (47) Ibid., p. 86.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

نهائي من أخصائيين (الجدول 4)، وعادة ما يحاول بعض الأطباء تبديد مخاوف الأسر من خلال عتاب الأولياء على ترك أبنائهم أمام شاشات التلفزة، أو عدم التواصل معهم تواصل كافيًا. يقول أبو إسماعيل

البالغ من العمر تسع سنوات: «عندما كان عمر ابني ثلاث سنوات، زرت الطبيبة التي طرحت علي

الأسئلة الآتية: هل يشاهد الطفل التلفاز؟ هل تتواصلون معه تواصل جيدًا؟ من يتكفل بتربيته حينما تذهب إلى العمل؟ قبل أن تؤكد لي أن الأولياء حاليًا يتحملون مسؤولية السلوكات المضطربة لأبنائهم؛

بسبب الإهمال». يجتاز الأولياء مسارًا طويلً من الشك قبل بناء معرفة دقيقة حول التوحد، ثم البحث عن علاج سلوكي له. تقول أم أيمن، وعمره خمس سنوات: «لقد نصحني الطبيب بزيارة طبيب نفساني؛ لأن ابني، بحسب زعمه، يعاني خلل عقليًا، فقد قال لي: انظري إنه لا يستجيب عندما أناديه باسمه، ولا يكترث لوجود

الآخرين». تخبرنا أم ياسين البالغ من العمر عشر سنوات بأنها كانت في مرات كثيرة تفقد أعصابها وتصرخ في وجه طفلها؛ لأنه لا يستجيب للأوامر، أو يدخل في نوبات غضب، وأنها كانت تتخوف من أن يُختَطف، أو أن يتيه وسط الزحام، أو يصاب في حادث سير. يطرح هذا المعطى سؤال الحالة السوية، بما هو سؤال مركزي في تحليل غوفمان. وتفرض الحالة السوية، بوصفها نظامًا جماعيًا يرتكز على ميكانيزم حمائي، اتباع قواعد التفاعل، للحيلولة دون إثارة

الفوضى، وتوفير الإحساس بالأمان واليقين والألفة، فقد عبرت أم لوناس (وعمره ست سنوات) عن تشاؤمها بعد تشخيص إصابة ابنها بالتوحد مباشرة؛ إذ ظلت تحمل هواجس مثقلة بأسئلة وجودية حول مستقبل ابنها، من قبيل: «هل سينجح في المدرسة؟ هل سيتزوج؟ هل سيعيش حياة عادية؟ هل سيكفي الدخل الشهري لتغطية مصاريف العلاج؟.» يواجه مهنيو الصحة الذين قابلناهم مفارقة صارخة، تتجلى في إلزامية توعية الأسر بوجود إعاقة أو تأخر في نمو أطفالها، وفي الوقت نفسه خطورة المجازفة بتقديم تشخيص حالة الابن للأسر؛ إذ يمكن أن يكسر نفوسها ويصيبها بالإحباط، فتقول مريم، طبيبة نفس الأطفال: «يفرض علينا الواجب المهني إخبار الأولياء بحقيقة التوحد، مباشرة بعد التشخيص. لكننا أمام وضعية إنسانية تقتضي التريث، وصياغة الكلمات الملائمة الكفيلة بامتصاص صدمة الأولياء بعد معرفتهم بإصابة ابنهم بالتوحد.» إن ردة الفعل نحو التشخيص، وهي تراوح بين الإنكار والصدمة والحزن واليأس، تفسَّر بطموحات

الأسر الساعية إلى تأمين مستقبل أبنائها، في ظل تجذر نظام استحقاقي Méritocratie يرتكز على

((4(لسد النقص المهول في الأطر الطبية المؤهلة في مجال ع جاا التوحد، أطلقت وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية أخيرًا البرنامج الوطني لتأهيل مهنيي التكفل بالأشخاص ذوي إعاقة التوحد «رفيق». وسيكوّن 180 إطارًا على مدى ثلاث

سنوات، يتولون بدورهم الإشراف على تأهيل 3600 مستفيدة ومستفيد من الأشخاص العاملين في مجال إعاقة التوحد على مدى ث ث سنوات. ينظر: «إط قاا أول برنامج وطني لتأهيل مهنيي التكفل بالأشخاص ذوي إعاقة التوحد»، وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، شوهد في 21/6/2019، في: http://bit.ly/34LuBXp

(49) Cefaï & Perreau, pp. 378–379.

شتاء   Winter 2020

القدرات والمكاسب الفكرية للفرد، بوصفها شروطًا للترقي الاجتماعي، ويشرعن في النتيجة سحق الاضطرابات النمائية – العصبية. لكن بعد خضوع الأبناء لبرامج التعديل السلوكي، عبّر الأولياء عن رضاهم بعد أن شهد سلوك الأبناء

تحسنًا تدريجيًا على مستوى المهارات اللغوية والتفاعل الاجتماعي والاستحقاق الدراسي. مروى

طفلة توحدية عمرها سبع سنوات، شُخصت حالتها قبل ثلاث سنوات، أخبرتنا أمها بأنها اجتازت تجربة مريرة من الوحدة والاكتئاب والبكاء، والإفراط في الدعاء طلبًا للشفاء. لكن الطفلة شرعت

في التحسن سلوكيًا بعد متابعة حصص التعديل السلوكي، وفق برنامج تحليل السلوك التطبيقي

Applied Behaviour Analysis، من طاقم طبي تشرف عليه مختصة نفسانية. لقد عبّرت الأم عن

شعورها بأن الحياة أصبحت تدب مرة أخرى في البيت بعد تحسن أداء طفلتها الاجتماعي، وتطور تفاعلها مع أخيها. ووفق النموذج الغوفماني تجتاز الأسر مرحلتين تميزان سيرورة إدراك الوصم: خلال المرحلة الأولى تتعرف إلى وجهة نظر «الآخرين الأسوياء» في معايير السلوك الواجب اتباعها، بينما تدرك خلال المرحلة الثانية أن تصرفات أبنائها لا تتماشى وتلك المعايير؛ لذلك، تبذل كل ما في وسعها لتعديل سلوك أبنائها لتتوافق مع انتظارات الآخرين. تقول حسناء، وهي أخصائية نفسانية متخصصة في تحليل السلوك التطبيقي: «أهم عنصر نحرص عليه في توجيهاتنا لأولياء الأطفال التوحديين هو إقحامهم في برامج التعديل السلوكي لأبنائهم، من خلال تدريبهم على تقنيات التواصل والتفاعل والطلب، والإشارات واللغة الإشارية، وكيفية التعامل مع الأزمات السلوكية ونوبات الغضب، فنخبرهم بأن المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتقهم». وبالفعل، لقد مكنتنا المعاينة الميدانية للقاءات الأسر من ملاحظة كيف أن الأولياء كانوا يناقشون برامج التعديل السلوكي المختلفة، ويقارنون بينها، فكان بعضهم يفضّل برنامجًا معينًا، بينما يوجه سهام نقده إلى

برنامج آخر، بحجة أنه لا يوافق سن الابن ولا طبيعة توحده. في حين يلح آخرون على مبدأ المرونة في تطبيق البرامج وتعديلها، بحسب الوضعيات الاجتماعية، وإلا فإنها قد تفاقم حدة الإعاقة. إن هذا التوجه نحو إشراك الأسر في برامج التعديل السلوكي للأبناء التوحديين يعكس تحولً في معايير التنشئة الاجتماعية لدى أسر ذوي التوحد؛ إذ إن الأولياء يجدون أنفسهم مرغمين؛ بسبب حضورهم اليومي إلى جانب أبنائهم، على صياغة معرفة نوعية، أو بالأحرى، «نظريات» تستند إلى الخطابات المهنية التي تمكنوا من استيعابها، مع رفض بعضها وتفضيل أخرى، أو تأويلها بحسب الحالة الخاصة

(((5 يعرف يونغ الاستحقاق بوصفه حصيلة للذكاء والجهد.

Michael Young, The Rise of the Meritocraty (London: Thames and Hudson, 1958), p. 94.

(((5 تحليل السلوك التطبيقي Analysis Bahevior Applied: تطبيق للمبادئ السلوكية التي وضعها سكينر، القائمة على عملية الإشراط في سياقات عملية. يستعمل إكلينيكيًا في صيغة تعديل السلوك أو العلاج السلوكي لعلاج السلوكات غير السوية.

Gary R. VandenBos, APA Dictionary of Psychology , 2 nd ed. (Washington, DC: American Psychological Association, 2015), p. 70. (52) Goffman, p. 99.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

للابن. وهكذا يتحول الأولياء إلى «أخصائيين»، ليس بالمعنى المهني للكلمة، إنما بسبب التزاماتهم الأسرية. تجسد هذه النماذج من التعديل السلوكي إحدى استراتيجيات تدبير الوصم، من خلال اتباع تقنيات مختلفة هدفها استعادة الهوية المفقودة، ومحو الهوية التوحدية للطفل. علمًا بأن هذه البرامج غالبًا

ما تتضمن حصصًا تعليمية وتنفيذية مكثفة، أشبه بنظام تعذيب للمعاق، وإنهاك لقوى الأسر التي

تسابق الزمن، للخروج من حالات الشك والاكتئاب والعدوانية والقلق والضيق؛ لذلك تجتاز الأسر مسارات معنوية مختلفة ناتجة من تعديل تصوراتها عن الذات التوحدية، وتختبر استراتيجيات متعددة في تدبيرها للوصم.

3. مرحلة قلب الوصم والاعتراف بالتوحد: الجمعية باعتبارها نسق ا بديلا من الدعم

بحسب بعض منتقدي نظرية الوصم عند غوفمان، لا تعمل مقاربة الانحراف سوى على ترسيخ فكرة أن المعاقين سلبيون وضحايا بما لا يمكن تفاديه؛ فقد لاحظ غوفمان أن حاملي الوصم غير قادرين، في معظم الأحيان، على تحدي ما يسند إليهم من اختلاف سلبي ومواجهته؛ لأنهم أنفسهم يقبلون القيم المدعمة لهوياتهم الاجتماعية. ثمة نقطة خلاف أخرى حول مقاربة غوفمان لإعاقة، تتمثّل في ما أثاره مورفي الذي اعتبر الوصم مقولة واسعة جدًا، تتضمن في الوقت نفسه الشروط الطوعية وغير الطوعية (مثل القتلة ومرضى الصرع)؛ لذا، من الأفضل التمييز بين الأشخاص الموسومين بالانحراف في الإعاقة وبين أنواع أخرى، وهو ما يفترض أن الأشخاص المعاقين ليسوا بالضرورة مبخسين، أو مقصيين اجتماعيًا من المشاركة في جماعاتهم؛ إذ إن الاستجابات المشتركة ثقافيًا إزاء المعاق تختلف

بحسب الزمن والسياق الاجتماعي. تكشف روايات الأولياء صعوبة التفاعل مع الآخرين؛ لذلك، فقد سعوا للبحث عن «الآخرين المتعاطفين»، أي «أولئك الذين هم على أتم استعداد لأن يضعوا أنفسهم مكانهم، ومشاركتهم الأحاسيس التي تشعرهم بأنهم كائنات إنسانية»، فينتظمون في شبكات ومجموعات مرجعية؛ لتقديم وجهات نظرهم، وللبحث عن دعم معنوي. إن أهم ملاحظة استُقيت من الورشات التكوينية مع الأسر، داخل مقر جمعية «نسمة للتوحد»، هو أن الأولياء الذين استفاد أبناؤهم من برامج التعديل السلوكي، كانوا يتحدثون بأريحية عن أبنائهم خلال

(53) Jean–Sébastien Eideliman, «Spécialistes par obligation. Des parents face au handicap mental: Théories diagnostiques et arrangements pratiques,» Thèse pour obtenir le grade de docteur, Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales, Paris, 2008, p. 219. (54) Goffman, pp. 20–21. (55) Ibid., p. 23. (56) Susman, p. 16. (57) Ibid., p. 17. (58) Goffman, p. 32.

شتاء   Winter 2020

فترات الاستراحة، أو في أثناء حصص التكوين، بإشراف مهنيي الصحة والفاعلين الجمعويين، فقد عبّروا عن حرصهم على مرافقة الأبناء داخل الفضاءات العامة، على الرغم من السلوكات المزعجة،

فضلً عن الإحالة الدائمة على شخصيته، وأذواقه وحركاته وإعاقاته اللغوية والتواصلية، الأمر الذي يولّد الانطباع بأنهم أفلحوا أخيرًا في بناء صورة إيجابية حول التوحد. نشير في هذا الإطار إلى أهمية

دور ما يسميه غوفمان «المطلعين» Initiés، باعتبارهم أشخاصًا أسوياء يحتلون مكانة خاصة، تمكنهم

من التغلغل في حياة الأسر الموصومة وفهمها. يجسد الفاعلون الجمعويون هذا الدور؛ لأنهم يعرفون إعاقة الأبناء عن قرب، ويعاملونهم معاملة الأشخاص العاديين، إضافة إلى أن الأسر لا تشعر أمامهم بالخجل، ولا بالحاجة إلى ضبط سلوكات أبنائها أو إخفائها. لقد سمح لنا توثيق الملاحظات، في أثناء المشاركة في الدورات التكوينية والأيام التوعوية بالتوحد المنظمة من جمعية «نسمة للتوحد»، بتسجيل كيفية تحول مقر الجمعية إلى محج للأسر؛ للانخراط في «جلسات حميمية»، والتحدث عن المشكلات والمخاوف، ومقارنة المعلومات المتعلقة بالنظام الغذائي والأدوية والترفيه، والحديث عن الأزواج والأقارب والجيران، وإنجازات الأطفال. فخلال لقاء توعوي من تنظيم الجمعية وتحالف الجمعيات العاملة في مجال التوحد، في 20 حزيران/ يونيو 2017، في مركز تكوين الممرضين بالقنيطرة، حضره ما يزيد على مئة أسرة، عبّرت أسر كثيرة عن ارتياحها للقاء

أسر أخرى تتقاسم معها المعاناة نفسها، فقد تناولت أم لوناس الكلمة، وهي تجهش بالبكاء، تعبيرًا عن

سعادتها بهذا اللقاء الذي طال انتظاره، قائلةً: «لقد اكتشفت اليوم كما لو أن العالم كله توحدي. لست وحدي من يتحمل وزر طفل توحدي، بل هناك أولياء وأمهات يقتسمون المعاناة معي. لقد أتاحت لنا الجمعية الفرصة للتعبير عن قلقنا ومخاوفنا وآمالنا. لا أخفيكم أني اليوم، وبفضل هذه اللقاءات التوعوية والدورات التكوينية، أصبحت قادرة على فهم التوحد كإعاقة مزمنة، وأن أكشف للعموم عن هوية ابني التوحدي، بعد أن كنت أحس بالعار، وأفضل العزلة في البيت». إن هذا الوعي الجماعي مكّن الأسر من الانخراط في مجموعة «منظمة»، يتقاسم أفرادها الإحساس بالمصير المشترك. فعلى العكس من التفاعلات الاجتماعية في الفضاءات الأخرى التي تعمق وصم الإعاقة الممارس

من المجتمع، لاحظنا، من خلال اللقاءات داخل الفضاء الجمعوي، أن الأولياء – بدل من أن يبعدوا أنفسهم عن بعضهم – يسعون لتطوير الروابط الاجتماعية بينهم، على أساس خبراتهم المشتركة ومواقفهم الاجتماعية المتماثلة. وهذا الشعور الجماعي تخلقه وتعززه الجمعية التي تضع من بين أهدافها تجاوز سياسات الشفقة، وإقناع الأولياء بكونهم راشدين وقادرين على تقرير مصيرهم، وبلورة صورة إيجابية عن توحد الذات، وترويجها لدى عامة الناس. تراهن الأسر الموصومة على دعم المطلعين، أي الفاعلين الجمعويين الذين يخترقون ويفهمون، بفضل وضعيتهم الخاصة، الحياة السرية للأولياء، ومن ثم، يحصلون على نوع من المشاركة الشرفية

(59) Ibid., p. 41. (60) Anspach, p. 766.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

في المجموعة. يقول يوسف، وهو عضو بجمعية «نسمة للتوحد»، ومدير مركز طيور الجنة لرعاية الأطفال المعاقين: «نلح دائمًا على الدور المركزي للأسرة في تجربة التوحد. نركز في الورشات

التكوينية على إعادة تعريف مفهوم التوحد على أسس جديدة، فنبين للأولياء، مثل، أن التوحد ليس مرضًا ما دام أن الطفل يولد توحديًا، ويظل كذلك مدى الحياة. نحاول الاعتماد على ما توفره البيولوجيا

والعلوم العصبية والذهنية لتقديم التوحد كطريقة مختلفة للعيش». فضد التمثل البئيس الذي يُقرن

التوحد بالسلبية، يؤكد هذا التصور الإمكانات التكتيكية للأولياء في تدبير الوصم؛ إذ يقود الوعي الأسر

إلى قلب الوصم وإنتاج «اختلاف خالٍمن كل وصم»، بل المساهمة في تشكيل هوية جديدة. تبين رحمة بورقية أن عوامل، كالاستعمار والهجرة والإعلام والعولمة والحداثة، أفرزت انفراط عقد أوجه التضامن التقليدي، وأجبرت الأفراد على السعي نحو بناء روابط أسرية واجتماعية جديدة. فمن المؤشرات البارزة للتحول في بنية المجتمع الحضري المغربي تنامي ظاهرة الأسرة النووية، مقابل اندحار الأسرة الممتدة، وهذا ما انعكس انعكاسًا ملموسًا على بنية أسر ذوي التوحد التي تعيش في المناطق

الحضرية؛ إذ تبيّن المعطيات المستقاة ميدانيًا أن عدد الأسر النووية المستجيبة بلغ ست عشرة أسرة، من

أصل عشرين وجدت في جمعية «نسمة للتوحد» إطارًا بديل لبناء روابط اجتماعية جديدة، والاستفادة من

الخدمات (الجدول 3). وقد نجم عن تراجع أوجه التضامن التقليدي الذي كانت توفره القبيلة والعائلة الممتدة، حاجة إلى بناء شبكات اجتماعية جديدة للدعم؛ إذ يلاحظ تنامي النموذج الجمعوي بديل من الروابط الدموية، باعتباره تعاقدًا اجتماعيًا جديدًا تمليه المصلحة المشتركة للأعضاء، وهذا ما تجسده

جمعيات الأشخاص المعاقين، والجماعات البيئية، وجمعيات النساء... إلخ، وتقترح خدمات ومشاريع جديدة، كبرامج الإعاقة، وبرامج الصحة الجماعية، وبرامج المساعدة الاجتماعية. وفي ميدان التوحد، تمخض من دينامية الفعل الجمعوي تأسيس تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد، في تموز/ يوليو 2006، بصفته شبكة وطنية تهدف إلى تقديم إجابات عملية واستعجالية عن واقع التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو التوحد، خاصة في مجالي التربية والخدمات الصحية والعلاجية، فضل عن الترافع في سبيل حقوق الأشخاص التوحديين، والتكوين، وتقوية قدرات الأسر، وهذا ما ساهم في تقوية منظورية Visibilité إعاقة التوحد في الفضاءات العمومية، وما صاحب ذلك من تنامي خطاب المواطنة، والاعتراف والإدماج في الإعلام والمدرسة. وفي سياق هذه الدينامية، أُسست جمعية «نسمة للتوحد» في عام 2016، بمبادرة من بعض أولياء الأشخاص ذوي التوحد، وبعض مهنيي الصحة، وكان الهدف المعلن من التأسيس، كما هو موثق في

(61) Goffman, pp. 40–43. (62) Rahma Bourqia, «Valeurs et changement social au Maroc,» Quaderns de la Mediterrània , no. 13 (2010), pp. 105–106. (63) Kevin M. Brown et al., Rhetorics of Welfare: Uncertainty, Choice and Voluntary Associations (London: Palgrave Macmillan, 2000), p. 51.

(((6 ورقة تقنية حول الخلوة المخصصة للتخطيط الاستراتيجي 2022–2018، تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد، المركز الوطني محمد السادس للمعاقين، سلا الجديدة، 30 حزيران/ يونيو – 1 تموز/ يوليو.2018

شتاء   Winter 2020

القانون الأساسي للجمعية، العمل لتيسير ولوج الأولياء إلى خدمات التشخيص والتعديل السلوكي للأطفال، والتدريب والاستشارة والدعم النفسي. في إحدى المطويات الخاصة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتوعية بالتوحد، لفت انتباهنا الشعار الآتي: «جميعًا نستطيع أن نخلق عالمًا أفضل للأشخاص

التوحديين». سألت محمدًا، وهو أبو طفل توحدي عمره عشر سنوات، وأحد المشاركين في النشاط الذي نُظم في 2 نيسان/ أبريل 2019 في ساحة بلدية مدينة القنيطرة، عن شعوره بعد هذا اللقاء في مكان عمومي، فكان جوابه: «منذ تأسيس الجمعية أصبحنا نشعر بفك طوق العزلة عن أبنائنا. إن هذا الاحتفال واللقاء بالأسر وعامة الناس، يجعلك تشعر بأن المجتمع أصبح يستوعب اختلاف أبنائنا.» تسمح هذه الوضعيات الاجتماعية الناتجة من لقاءات بين مجموعة من الأسر، توجد في وضعية حضور مشترك جسدي Physique présence – Co، بصياغة المواقف والتصرفات، بناء على طقوس تفاعل، توجّه اهتمام الأولياء إلى أشياء دالة من التفكير والإحساس، وتعزز التضامن الاجتماعي بين

الأسر، وتقوّي القيم المشتركة. فمن نتائج ملاحظتنا تشكل نوع من الانزياح الهوياتي للأسر من

خلال إنتاج هوية جماعية، استبطنت معايير وقيمًا وممارسات جديدة حول إعاقة التوحد؛ إذ تعبّر

هذه الهوية الجديدة، باعتبارها تجليًا لثقافة فرعية، عن نفسها من خلال مرجعيات وتمثلات للذات

التوحدية؛ لذلك، بدل من تدبير الأسر للوصم بكيفية سلبية، من خلال التطابق مع التعريف الممنوح للتوحد من «الأسوياء»، بعدّه خلل ومرضًا وحمقًا، تفضل الأسر قلب هذه التعريفات السائدة، وتثمين التوحد بوصفه اختلافًا إنسانيًا، فبدل إخفاء وصم أبنائها، حاولت الأسر أن تجعل من إعاقة التوحد

أساسًا للتنظيم، بعد تخليها عن اعتبارها دونية. إن إحدى مهمات تحالف الجمعيات العاملة في

مجال إعاقة التوحد، كما ينص على ذلك ميثاق الشرف، تعزيز برامج إذكاء الوعي، وتنمية قدرات الأسر، والتكوين والترافع وفق المقاربة الحقوقية، وفي إطار اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والدستور والقوانين ذات الصلة. إن من شأن هذه البرامج تصحيح فهم التوحد، بعدّه تراجيديًا،

وتقديمه على أنه اختلاف إنساني يجب قبوله ودعمه. وهذا ما تؤكده رئيسة جمعية «نسمة للتوحد»، وهي مختصة نفسانية بنمو الأطفال، وأم لطفل توحدي عمره إحدى عشرة سنة، بقولها: «أطلب من الأولياء تسجيل الأبناء التوحديين في المدارس العادية. على المجتمع أن يقبل الاختلاف، أو بالأحرى، أن يحتفي به. إن من شأن عزلهم في أقسام خاصة تشييد غيتوهات شبيهة بمراكز الاعتقال، ولن يزيد ذلك إلا في تعميق وصمهم وعزلتهم وغربتهم.» وإجمالً، يبدو أن الأسر بعد أن كانت تتماهى في تحديد هوية أبنائها مع معايير الآخر، من خلال إخفاء هويته الحقيقية، والميل إلى «تقمص دور الضحية»، أصبحت تتبنى سيرورةً قوامها التمايز، أو بناء هوية

(((6 القانون الأساسي لجمعية نسمة للتوحد، القنيطرة، صدّقه أعضاء المكتب المسير في 14 حزيران/ يونيو.2016

(66) Smith, p. 50. (67) Goffman, p. 33.

(((6 وثيقة ميثاق شرف، تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد بالمغرب، مراسلة إلكترونية داخلية موجهة من المكتب التنفيذي للتحالف إلى الجمعيات المنضوية تحت لوائه في 26 حزيران/ يونيو.2018

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

خاصة، يتخذ من خلالها الأولياء مسافة من الآخر، ويحددون اختلاف أبنائهم؛ لذلك، من الضروري تأكيد أن الأسر بلغت مرحلة الشعور بأن عليها تدبير الوصم، من خلال فرض قبول الهوية التوحدية لأبنائها، واحترامها كما هي، وأن ليس هناك داعٍ لإخفائها. إن هذه المرحلة الأخيرة هي مرحلة النضج،

والتكيف التام مع الوضعيات الاجتماعية.

خاتمة

مكنتنا الملاحظة اليومية، واللقاءات المعتادة مع أسر الأطفال التوحديين، من بناء خطاطة أولية، مفادها أن تمثل إعاقة التوحد لا ينفصل عن سيرورة التحولات التي تمس الأسر الحضرية. فهذه الأسر تعيش مخاضًا مؤلمًا، ولا سيما مع ولوج الأمهات سوق الشغل، وأفول نجم الأسر الممتدة التي تعرضت

للتفكك، تحت وطأة الحضور القوي للتحديث، وتنامي النزوع الفرداني. وقد رأينا كيف تتلقى أسر الأطفال التوحديين ردة فعل عدوانية؛ نتيجة «وصم عيوب الشخصية»، بما

هو وصم إقصائي يتخذ أشكالً من الاستفزاز في مجموعة من الفضاءات «الممنوعة»، كالساحات العمومية والمتاجر والمدارس، حيث تُرصد سلوكات الأطفال التوحديين ويوصمون ب «المزعجين.» يجسد هذا الوصم الوجه التفاعلي لاتساع الفجوة بين الأسر والآخرين داخل تلك الفضاءات؛ إذ تُحتقر الأسر من خلال سلسلة من العبارات، ويتعرض أبناؤها للمنع من ولوج بعض الفضاءات؛ بسبب السلوكات المزعجة، أو حينما يُفصَح عن هوية الابن التوحدي. تتبنى الأسر مناورة الوصم التي تنتج ممارسات، تروم ضبط المعلومة حول إعاقة التوحد، وضبط التوترات الناتجة من الاتصالات المختلطة مع الأسوياء، وتهدد بتهميش الأبناء التوحديين؛ إذ يعمد الأولياء إلى حماية الهوية الشخصية لأبنائهم، من خلال التدبير الاستراتيجي للمعلومات الذي يرتكز على إجراءات، أهمها الإخفاء الذي يحول دون تعرف الآخرين إلى إعاقة التوحد، ومحاولة تفسير السلوكات التوحدية بأنها طيش أو تصرف طفولي فحسب، أو الفصل عن العالم الخارجي في البيت،

بوصفه فضاء «معزولً»؛ تفاديًا لكل المشكلات المترتبة على اللقاءات المختلطة. لذلك يطرح ضبط المعلومات مشكلً أساسيًا في التفاعل الاجتماعي؛ لارتباطها بطبيعة سياق المواجهة

وجهًا لوجه، وهو الإفصاح أو عدم الإفصاح عن التوحد، البوح أو الكتمان، الكذب أو الصدق. ويولد

هذا المعطى غموضًا لدى الأسر في الإحساس بالهوية الحقيقية لأبنائها، فتلجأ إلى مهنيي الصحة الذين يقترحون عليها برامج للتعديل السلوكي، بوصفها إحدى استراتيجيات تدبير الوصم، من خلال اتباع تقنيات مختلفة، هدفها استعادة الهوية المفقودة، ومحو الهوية التوحدية للطفل. هكذا تجتاز الأسرة الموصومة مسارات معنوية مختلفة، تختبر خلالها ثلاث استراتيجيات في تدبير الوصم: الإخفاء، ثم التغطية، وأخيرًا البوح والإفصاح عن العلامات التوحدية للطفل. تكشف روايات الأسر الموصومة عن صعوبة وضعية التفاعل مع الآخرين؛ لذلك، تبحث عن ذلك «الآخر المتعاطف» الذي يشاركها الوصم، فتنتظم في شبكات ومجموعات مرجعية؛ لتقديم وجهات

(69) Goffman, p. 123.

شتاء   Winter 2020

نظرها، وللبحث عن دعم معنوي. نشير في هذا الإطار إلى أهمية دور الفاعلين الجمعويين، أي المطلعين، بصفتهم أشخاصًا أسوياء يحتلون مكانة خاصة، تمكنهم من التغلغل في حياة الأسر وفهمها؛

فهؤلاء المطلعون يعرفون إعاقة الأبناء عن قرب، ويعاملونهم معاملة الأشخاص العاديين، إضافة إلى أن الأسر الموصومة لا تشعر أمامهم بالخجل ولا بالحاجة إلى ضبط سلوكات أبنائها أو إخفائها. وختامًا، يتحول فضاء الجمعية، بما هو فضاء راق ولطيف Espace policé، إلى محج للأسر؛ للانخراط

في «جلسات حميمية». وهذا الشعور الجماعي تخلقه وتعززه الجمعية التي تضع من بين أهدافها تجاوز سياسات الشفقة، وإقناع الأولياء بكونهم راشدين، وقادرين على تقرير مصيرهم، وبلورة صورة إيجابية عن الذات التوحدية، وتقوية منظورية التوحد في الفضاءات والمؤسسات العمومية. هكذا يجتاز أولياء الأطفال التوحديين ثلاث مراحل في سياق تدبيرهم للوصم الاجتماعي: مرحلة الإنكار، ثم مرحلة المقاومة، وأخيرًا مرحلة الاعتراف.

References

المراجع

العربية

رحومة، عادل بلحاج. «في تشكل الفرد والفردانية في المجتمع التونسي.» عمران. مج 2، العدد 8 (ربيع.)2014 رشيق، عبد الرحمان. «السياسة العمرانية والعلاقات العمرانية في المغرب.» عمران. مج 5، العدد 18 (خريف.)2016 عامر، طارق. الطفل التوحدي. عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،.2008 المالكي، عبد الرحمان. الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب. فاس: جامعة سيدي محمد بن عبد الله، منشورات مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية،.2015

الأجنبية

Anspach, Renee R. «From Stigma to Identity Politics: Political Activism among the Physically Disabled and Former Mental Patients.» Social Science and Medicine. vol. 13A, no. 6 (1979). Becker, Howard S. Outsiders: Studies in the Sociology of Deviance. New York: The Free Press, 1973. Birenbaum, Arnold. «On Managing a Courtesy Stigma.» Journal of Health and Social Behavior. vol. 11, no. 3 (1970). Bourqia, Rahma. «Valeurs et changement social au Maroc.» Quaderns de la Mediterrània. no. 13 (2010). Brown, Kevin M. et al. Rhetorics of Welfare: Uncertainty, Choice and Voluntary Associations. London: Palgrave Macmillan, 2000.

من اإلنكار إلى الاعت: لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية التدبير الطبي والسأري

Buljevac, Marco, Majdak Marijana & Leutar Zdravka. «The Stigma of Disability: Croatian Experiences.» Disability and Rehabilitation. vol. 34, no. 9 (May 2012). Cefaï, Daniel & Laurent Perreau (dir.), Erving Goffman et l’ordre de l’interaction. Paris: PUF, 2012. Chamak, Brigitte. «Autisme et militantisme: De la maladie à la différence.» Quaderni. vol. 1, no. 68 (2009). Coulon, Alain. L’Ecole de Chicago. Paris: PUF, 2002. Dewalt, Kathleen M. & Billie R. Dewalt. Participant Observation: A Guide for Fieldworkers. Walnut Creek, CA: AltaMira Press, 2002. Eideliman, Jean–Sébastien. «Spécialistes par obligation. Des parents face au handicap mental: Théories diagnostiques et arrangements pratiques.» Thèse pour obtenir le grade de docteur. Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales. Paris. 2008. Farrugia, David. «Exploring Stigma: Medical Knowledge and the Stigmatisation of Parents of Children Diagnosed with Autism Spectrum Disorder.» Sociology of Health and Illness. vol. 31, no. 7 (2009). Gay, Thomas. L’Indispensable de la sociologie. Collection Principes. Paris: Studyrama,

Goffman, Erving. Stigmate: Les Usages sociaux des handicaps. Alain Kihm (trad.). Collection Le Sens commun. Paris: Editions de Minuit, 1975. Gray, David. «Perceptions of Stigma: The Parents of Autistic Children.» Sociology of Health and Illness. vol. 15, no. 1 (1993). Grinker, Roy Richard. Unstrange Minds: Remaping the world of autism. New York: Basic Books, 2008. Link, Bruce G. & Jo C. Phelan. «Conceptualizing Stigma.» Annual Review of Sociology. vol. 27, no. 1 (2001). Manning, Philippe. Erving Goffman and Modern Sociology. Collection Key Contemporary Thinkers. Simi Valley, CA: Polity Press, 1992. Marvasrti, Amir B. Qualitative Research in Sociology. London/ Thousand Oaks/ New Delhi: Sage Publications, 2004. Oliver, Micheal. The Politics of Disablement. London: Macmillan Education, 1990. Raspberry, Kelly A. & Debra Skinner. «Experiencing the Genetic Body: Parents’ Encounters with Pediatric Clinical Genetics.»  Medical Anthropology. vol. 26, no. 4

Smith, Greg. Erving Goffman. Collection Key Sociologists. London: Routledge, 2006. Spradley, James P. Participant Observation. New York: Holt, Rinehart and Winston,

Susman, Joan. «Disability, Stigma and Deviance.» Social Science & Medicine. vol. 38, no. 1 (1994).

Vaidya, Shubhangi. Autism and the Family in Urban India: Looking Back, Looking

VandenBos, Gary R. APA Dictionary of Psychology. 2 nd ed. Washington, DC: American

Vienne, Philippe. «Au–delà du stigmate: La Stigmatisation comme outil conceptuel critique des interactions et des jugements scolaires.» Education et Sociétés. vol. 1,

Volkmar, Fred R. (ed.). Encyclopedia of Autism Spectrum Disorders. New York:

Young, Michael. The Rise of the Meritocraty. London: Thames and Hudson, 1958.

شتاء   Winter 2020

Forward. New York: Springer, 2016.

Psychological Association, 2015.

no. 13 (January 2004).

Springer, 2013.