Return to Article Details Radical Arab Nationalism and Political Islam: Contradictory Products of Modernity

القومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي: إفرازان متناقضان للحداثة

Radical Arab Nationalism and Political Islam: Contradictory Products of Modernity

نوري دري س | Nouri Dris *

الملخّص

عنوان الكتاب بلغته الأصلية : Le Nationalisme arabe radical et l'Islam politique: Produits contradictoires de la modernité . المؤلف : لهواري عدّي. الناشر : دار البرزخ الجزائرية. مكان النشر : الجزائر. تاريخ النشر : 2017. عدد الصفحات : 286 صفحة.

Abstract

Le Nationalisme arabe radical et l’Islam politique: Produits contradictoires de la modernité.

الكلمات المفتاحية:
  • القومية
  • الإسلام السياسي
  • الحداثة
  • الأيديولوجيا
Keywords:
  • Modernity
  • nationalism
  • political Islam
  • Ideology

عنوان الكتاب بلغته الأصلية: المؤلف:

لهواري عدّي. الناشر: مكان النشر:

الجزائر. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

286 صفحة.

دار البرزخ الجزائرية.

Assistant Professor at the Sociology Department, University of Mohamed Lamine Dabaghine, Setif (02), Algeria.

مقدمة

يتناول هذا الكتاب الذي صدر باللغتين، الفرنسية (عن دار البرزخ الجزائرية) والإنكليزية (عن منشورات جامعة جورجتاون الأميركية)، لعالم الاجتماع الجزائري لهواري عدّي، أهم تيارين أيديولوجيين هيمنا على الحقل السياسي في العالم العربي الحديث: القومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي. وتنبع أصالته من مقاربته المتعددة الاختصاصات في دراسة الإسلام السياسي والقومية العربية الراديكالية. بما مك نه من النفاذ إلى الأعماق التاريخية للظاهرتين لفهم نشوئهما وتحليل انعكاساتهما على الحقل السياسي العربي، من دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج الكليشيهات التي أنتجها الاستشراق الغربي في مرحلة أولى، أو العلوم الاجتماعية العربية التي هيمن عليها الطرح الثقافوي طويلً في مرحلة لاحقة، ولا في عملية سَيكلجة Psychologisation للفعل

السياسي تنتهي غالبًا بإدانة أشخاص بعينهم في

ديناميكيات تاريخية طويلة. نعتمد في هذه المراجعة على النسخة الفرنسية التي صدرت في الجزائر، في أيلول/ سبتمبر 2017، عن دار البرزخ بعنوان: Le Nationalisme

Arabe Radical et l’Islam Politique:. Produits contradictoires de la modernité

ويمكن ترجمة هذا العنوان إلى العربية كما يلي: القومية العربية الراديكالية والإسام السياسي:

(1) Lahouari Addi, Le Nationalisme arabe radical et l’Islam politique: Produits contradictoires de la modernité (Alger: Barzakh, 2017). (2) Lahouari Addi, Radical Arab Nationalism and Political Islam , Anthony Roberts (trans.) (Washington, DC: Georgetown University press, 2017).

شتاء   Winter 2020

إفرازان متناقضان للحداثة. هو كتاب من القطع المتوسط، يتكون من 286 صفحة، مقسّمة قسمين

رئيسين؛ الأول يتناول الحركة القومية العربية، والثاني يتناول الإسلام السياسي في العالم العربي مع مقدمة عامة وخاتمة للكتاب. ويتكون كل قسم من ثلاثة فصول فرعية. من خلال عنوان الكتاب، يتّضح منذ البداية تأثر المؤلف بأطروحة عالم الأنثروبولوجيا الأميركي كليفورد غيرتز Geertz Clifford)2006–1926(حول الأيديولوجيا الذي اعتبرها إفرازًا للحداثة، وبذلك، فإن عدّي يعلن ابتعاده عن المقاربة الوضعانية Positivisme التفسيرية التي اعتمدها إيرنست غيلنر (1995–1929) في دراسة القومية في المغرب الكبير، ويتبنى المقاربة التأويلية الفيبرية (نسبة إلى ماكس فيبر) لفهم الحقل السياسي العربي الذي يقول إنه لا يزال قيد التشكل. يحاول القسم الأول من الكتاب أن يدرس السياق التاريخي الذي نشأ فيه الوعي القومي والحركة القومية العربية. ومنذ البداية يرفض المؤلف الطروحات الجوهرانية، ويؤكد دور الظروف التاريخية في إعطاء القومية (القوميات) العربية أشكالها وأيديولوجياتها. إن النظام الوستفالي، مثلما كان دافعًا نحو الحركة الاستعمارية، كان

أيضًا دافعًا للحركات القومية خارج أوروبا لأن

تسعى إلى بناء دولة ذات سيادة، تمتلك سلطة

(((سبق أن نُشر لهواري عدّي كتاب تناول فيه بشكل نقدي

الأعمال الأنثروبولوجية لكليفورد غيرتز وإيرنست غيلنر:

Lahouari Addi, Deux anthropologues au Maghreb: Ernest Gellner & Clifford Geertz

(Paris: Archives Contemporaines, 2013). (4) Ernest Gellner, Nation et nationalisme (Paris: Payot,

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

مركزية تحتكر كل الوظائف السياسية والاجتماعية والعسكرية. وهذا الطموح إلى الاستقلال، تم التّعبير عنه في العالم العربي بأشكال مختلفة، سواء عبر الانخراط في الأفكار الليبرالية الأوروبية أو عبر التمسك بالتقاليد الدينية، وباستثناء بعض الحركات الدينية الميلينارية (الألفية)، لم يكن هنالك أي حركة قومية عربية أرادت إعادة إحياء أشكال التنظيم السياسي التقليدية التي كانت سائدة قبل الاستعمار (الخلافة)؛ بما في ذلك الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية التي حتى إن جندت خطابًا سلفيًا

تقليديًا، فإنها كانت تهدف إلى بناء دولة معترف بها

في النظام الدولي الجديد. إن الاختلاف في توجهات كل تيار قومي يعود إلى أسباب تاريخية مَحضة، يقول عدّي إنها متعلقة

أساسًا بعلاقة كل منطقة بالإمبراطورية العثمانية،

والحماية البريطانية، والاستعمار الفرنسي. في شبه الجزيرة العربية التي يعتبرها لهواري عدّي الشكل البدائي الأول للقومية العربية، انطلقت المغامرة السياسية مع الداعية الديني محمد بن عبد الوهاب (1792–1703) سنة 1745 الذي كان ينادي بتطهير الإسلام من البدع والشرك. وتحالف معه آل سعود للقضاء على السلطات الدينية الصوفية والعائلات الشريفة؛ لتأسيس مملكة سياسية تقوم على عقيدة دينية وهابية احتلت الفراغ الديني الذي تسبب فيه القضاء على الطرقية الصوفية. وبعد صراعات طويلة مع آل الشيخ استطاع آل سعود، بفعل براغماتيتهم السياسية وتحالفاتهم مع الإنكليز، أخذ السلطة وتوحيد المملكة. ومع ذلك بقيت المملكة منقسمة بين سلطة دينية متشددة، على المذهب الحنبلي، بين أيدي آل الشيخ، وسلطة سياسية براغماتية بين أيدي آل سعود.

لم يكن لهذا الشكل البدائي من القومية أي

صدى خارج شبه الجزيرة العربية؛ إذ إنّ التشدّد الديني للوهابية لم يجذب إليها النخب المدينية في الشام (سورية، ولبنان) كما أنّ معاداتها كل من الشيعة والمسيحيين واليهود، وتكفيرها نمط الحياة الحديث، حرمَاها الاستفادة من دعم

الجماعات الاجتماعية التي كانت تطمح إلى إسلام منفتح – أو مسيحية منفتحة – متسامح بعيدًا عن التعصب والتشدّد الديني، وهي الجماعات نفسها التي دعمت الشريف حسين (خصم آل سعود) الذي كان يسعى إلى تأسيس مملكة عربية موحدة. كان الشام أيضًا تحت هيمنة الحكم العثماني لكن خصائصه السوسيولوجية والتاريخية سوف تعطي الميلاد لقومية ثقافية لا دينية، أساسها العروبة لا الإسلام الحنبلي الوهابي. تطورت القومية العربية بالتوازي مع القومية التركية، حيث دفع إلغاء نظام الملل بالقوميين العرب إلى البحث عن صيغة جديدة تحمي وجودهم في المنطقة. وقد وجدوا في دعوة شريف مكّة حسين بن علي)1924–1916(العربَ المسلمين إلى الجهاد

فرصة لتحقيق طموحاتهم في دولة عربية موحدة، وتقبلوا مساندة الإنكليز والفرنسيين للعرب المسلمين على الجهاد ضدّ مسلمين آخرين مثلهم، وكانوا يعتقدون أنه بالإمكان البدء بملكية عربية شمولية تتطور لاحقًا نحو ملكية دستورية. في مصر، بدأ الفكر القومي ليبراليًا مع رفاعة

الطهطاوي (1873–1801)، الذي كان عضوًا في

بعثات محمّد علي باشا إلى أوروبا. كان الطهطاوي

أول من أدخل كلمة الوطن إلى القاموس السياسي العربي بديلً لمفهوم الأمة الإسلامية التي كانت تهيكل الثقافة السياسية العربية الإسلامية. ولكن

تأثير أفكاره لم يتعدَّ بعض النخب الحضرية في القاهرة والإسكندرية؛ إذ إنّ أغلب المجتمع المصري آنذاك كان لا يزال تقليديًا متشبِّعًا بالثقافة

الدينية الإسلامية. ويفسر عدّي عدم نجاح القومية الليبرالية في مصر بثلاثة أسباب رئيسة، هي: 1. تعارض الأفكار الحداثية العلمانية مع الثقافة الجماهيرية السائدة. 2. عدم قدرة هذا الفكر على مقارعة فكر النهضة الذي اقترح طريقًا ثالثة بين الوهابية والعلمانية، من خلال ما سماه نصر حامد أبو زيد (–1943 2010) بالتلفيق بين الحداثة والمعاصرة. 3. عدم وجود قوة اجتماعية قادرة على مساندة أفكارهم، فالمجتمع المصري كان إقطاعيًا،

وكبار الملاك الذين كانوا يهيمنون على البرلمان المصري لم تكن لهم مصلحة في تغيير البنى الاجتماعية الإقطاعية التي يستمدون منها ثروتهم وامتيازاتهم. حارب الوجود البريطاني في مصر بكل الأشكال صعود برجوازية وطنية إنتاجية يمكن أن تقوم بدور تاريخي مع الأفكار الليبرالية عند كل من رفاعة الطهطاوي أو سعد زغلول (1927–1859) أو مصطفى كامل (1908–1874). منح التاريخ الراديكاليين الأفضلية ليتولّوا السلطة بعد ثورة يوليو 1952، رغم ظهور مفكرين ليبراليين كبار في مصر، في الفترة 1930–1880، أمثال طه حسين (1889–1973) ولطفي السيد)1963–1872(وقاسم أمين.)1908–1863(كان لهزيمة 1948، وقيام دولة إسرائيل، أثر كبير في تراجع القومية الليبرالية لصالح قومية راديكالية يسارية شعبوية تغذّت هي الأخرى من التلفيقية النهضوية بين الإسلام والحداثة. استخدم جمال

شتاء   Winter 2020

عبد الناصر خطابًا شعبويًا ينفي الصراعات

والخلافات بين المصريين، ويعدهم بتدارك التأخر عن الغرب، ولكن المغامرة لم تدم طويلً حتى تفسح الراديكالية القومية الطريق لراديكالية إسلاموية عنيفة، وحتى وإن لم تتمكن من أخذ السلطة إلا بعد ستين سنة (2012)، فإنها كانت تحتل مساحة مهمة في الحقل السياسي المصري.

من قومية ليبرالية إلى قومية راديكالية

أدّت الظروف التاريخية اللاحقة إلى صعود قوي للقومية الراديكالية، التي اكتشفت أنه لا سبيل إلى بناء قومية عربية دون مواجهة الاستعمار أو عملائه في المنطقة، وكان إعلان قيام دولة إسرائيل بمنزلة عقد وفاة الأفكار الليبرالية، وعقد ميلاد القومية الراديكالية، التي تجسدت في حزب البعث (السوري والعراقي)، والضّباط الأحرار في مصر، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر. وعلى خلاف الليبراليين العرب، لم يكن للقوميين الراديكاليين أي مشكلة مع التأويل المحافظ لإسلام، بل وجدوا فيه فضائل ثورية تساعدهم على تجسيد مشروعهم. خلال الخمسينيات، وإلى غاية منتصف الستينيات، استطاع جمال عبد الناصر أن يخطف الأضواء ويتحول إلى زعيم قوي، وقد ساند الثورة الجزائرية، وكان ملهمًا لصدّام حسين في العراق

وحافظ الأسد في سورية. وبخطاب شعبوي، يعد باستدراك التأخر عن الغرب، والقضاء على التخلف والبؤس الذي (تسببت فيه الإمبريالية)، وتحرير فلسطين، وتوحيد الشعوب العربية وإطاحة الملكيات المتحالفة مع الغرب، وتغيير قواعد النظام الدولي الجائرة، وغير ذلك، استطاع القوميون العرب أن يحققوا شعبية كاسحة جعلتهم

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

في مواجهة مباشرة مع الملكيات العربية من جهة، والقوى الغربية المساندة لإسرائيل من جهة ثانية. ستكون هزيمة الجيوش العربية ضدّ إسرائيل

سنة 1967 ضربة قاصمة للأنظمة القومية العربية في مصر وسورية والعراق التي بدأت تنكشف تناقضاتها ونقاط عجزها، في حين ستستمر شعبية بومدين في الجزائر إلى ما بعد وفاته. إذا كانت الهزيمة الأولى أمام إسرائيل قد أدّت إلى

التراجع عن التوجهات الليبرالية للقومية العربية، فإنّ الهزيمة الثانية سوف تفسح المجال لصعود حركة سياسية راديكالية، ولكن بأيديولوجية دينية تلقّت الدعم من الملكيات الخليجية (المملكة العربية السعودية تحديدًا) التي تعاظم نفوذها السياسي بداية من حرب 1973 التي صاحبها صعود قوي للبترودولار والإسلام السياسي.

لماذا فشلت القومية العربية الراديكالية؟

تكمن أهمية هذا الكتاب أيضًا في قوة الفرضيات التي يقدمها مؤلفه في ما يخص فشل القومية العربية الراديكالية في مشروعها التحديثي. وفي الحقيقة، هي فرضيات وفية لفكر عدّي الذي بناه على دراسته للتجربة الجزائرية منذ كتابه مأزق الشعبوية. يقول: «إنّ سبب فشل القومية العربية يعود إلى كون الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الأنظمة لم تكن تسمح بوضع قيود مؤسساتية للسلطة التنفيذية. هذه الأخيرة كانت لها كل القدرة على منع ورفض استقلالية الفاعلين الاقتصاديين، السياسيين والاجتماعيين عن الدولة» (ص. 57) ستقود هذه الفرضية إلى استنتاج أن الفشل لم يكن

(5) Lahouari Addi , L’Impasse du populisme: L’Algérie, collectivité et état en construction (Alger: Entreprise nationale du livre, 1990).

بسبب نيات مكيافيلية مسبقة للقوميين العرب، بل لمحدودية الأيديولوجيا التي كانت تهيكل مشروعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهي أيديولوجيا ما قبل دولتية، تختزل الدولة في جهاز بيروقراطي، تقني يسيّره «رجال نزهاء

وطنيون يختارهم قادة الجيش»، حيث لا حاجة إلى توزيع السلطة داخل الجسم الاجتماعي، ولا إلى الاعتراف بالاختلافات والخلافات السياسية بين «أبنائه». إذا كانت الدولة الليبرالية تأسّست لحماية الحريات العامة والملكية

الخاصة، فإن الدولة الوطنية العربية تأسّست

لمحاربة الملكية الخاصة ومحاصرة الحريات العامة والفردية التي يمكن أن تهدد الوحدة الوطنية وتجانس الشعب. انتهت القومية العربية الراديكالية إلى نموذج شعبوي شلَّ الدولة على المستويات كافةً: سياسيًا

واجتماعيًا واقتصاديًا. فسياسيًا، عملت الأنظمة

على (تطهير) الجسم الاجتماعي من أشكال الصراع السياسي كافةً، معتقدة أن ذلك سوف يؤدي إلى تعزيز التجانس الاجتماعي وغلق منافذ اليد الخارجية. وانتهى الأمر بفرض أحادية حزبية،

حرمت المجتمع الحصولَ على وسائل التعبير عن خلافاته وصراعاته الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية بطرق قانونية سلمية. واجتماعيًا، يلخص عدّي ممارسات القومية

العربية في أنها عملت على «منع الشعب من أن يتحول إلى مجتمع»، عبر إخضاع كل التنظيمات التي تتوسط الدولة والمجتمع للسلطة، ورفض إشراك المجتمع في المشروع التنموي حتى لا تضطر إلى تقديم تنازلات وتسويات مع القطاع الاقتصادي الخاص والنقابات العمالية. أما اقتصاديًا، فقد عملت الأنظمة على محاربة

السوق، ووضْع جهاز بيروقراطي مكانه يراقب مراحل الإنتاج والتسويق كلها، ويدير ظهره لقوانين السوق ونظام الأسعار الدولي، والنتيجة هي «سجن» الديناميكية الاقتصادية داخل جهاز بيروقراطي أدى إلى انتشار الفساد وفشل تنموي واقتصادي ذريع. إن الاعتراف بالسوق، بوصفه مهيكل للحقل الاقتصادي، يعني في الأمد البعيد الاعتراف بالحقوق النقابية للقوى العمالية، وحق الفاعلين الاقتصاديين في تنظيم أنفسهم للدفاع عن مصالحهم ضد السلطة الافتراسية؛ أي القبول في آخر المطاف بتوزيع السلطة داخل الجسم الاجتماعي، ووضع مؤسسات سياسية لتسوية النزاعات والخلافات التي يفرزها النشاط الاقتصادي. كل هذه العوامل، جعلت عدّي

يقول إن هذه الأنظمة، لم يكن لها أصل مشروع اقتصادي، بل كان لها مشروع سياسي طوباوي سخي، وُضع للشعب المتخيل وليس للمجتمع

الحقيقي، استعملت فيه الاقتصاد بوصفه إحدى أدوات تنفيذه. ولكن الأنثروبولوجيا البشرية ستنتقم سياسيًا، حيث السلطة غير المقيدة ستؤدي

إلى خصخصة الدولة التي يفترض أن تكون مجالً عامًا، ومنطق السوق سوف ينتقم اقتصاديًا، حيث

ستؤدي دَولنة النشاط الاقتصادي، الذي يفترض

أن يكون نشاطًا خاصًا (أفراد خواص)، إلى فشل

اقتصادي وسقوط الجمهوريات العربية بين أيدي صندوق النقد الدولي. بعد هذا الاستعراض، يعود عدّي إلى مناقشة نظرية لمفهوم القومية والأمّة nationalisme et Nation،

ليُبيِّن أن بناءها يتجاوز إرادة الفاعلين التاريخيين،

ويحتاج إلى موارد تاريخية لم تكن متوافرة في العالم العربي. إن الموارد الأيديولوجية التي تم

شتاء   Winter 2020

تجنيدها من طرف القوميين العرب، والسياق التاريخي الذي جُنِّدت فيه (الاستعمار) تختلف

كليًا عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه

الدولة – الأمة الحديثة التي تحاول القومية العربية استنساخها عن وعي أو عن غير وعي. الأمة الحديثة، التي نشأت منذ معاهدة وستفاليا (1648) إثر حرب الثلاثين عامًا في أوروبا (–1630

1648)، هي أمّة مندمجة سياسيًا عبر الولاء

المطلق لسلطة مركزية، حيث الحقل السياسي يسوده السلم. ومن وجهة النظر هذه، فإن القوميين العرب نجحوا في بناء الدولة، ولكنهم فشلوا في الانتقال بها إلى دولة – أمة مندمجة سياسيًا عبر

علاقة سلمية بين الدولة والمجتمع. إن القومية في سياق الاستعمار، قد تعطي الميلاد للدولة، ولكنها غير كافية لبناء الدولة – الأمة. اللغة أو الدين أو العرق هي عناصر لبناء تضامن آلي ما قبل مجتمعي، وسياق الدولة – الأمة يحتاج إلى تضامن عضوي، حيث تحتل السوق قلب الرابط الاجتماعي والسلطة ممأسسة والسيادة للشعب يمارسها عبر الاقتراع. وهنا تكمن محدودية القومية العربية التي لم تنتبه إلى الدور التاريخي للبرجوازية في تدعيم أواصر الأمة في ألمانيا، ولا إلى دور فكر التنوير (كانط، وماركس، وهيغل) في إحداث تحولات فكرية وثقافية عميقة، حيث القاعدة السياسية مؤسسة على الذات القانونية (الفرد كصاحب حق وموضوع قانون)، وحيث القاعدة السياسو – قانونية juridique – Politico تحل محل القاعدة الدينو – أخلاقية religieuse – Éthico. تحولت القومية العربية الراديكالية، بسخاء مشروعها وطوباويته، ومحدودية أيديولوجيتها الشعبوية، إلى نُظم تسلطية عملت على عسكرة الحقل

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

السياسي، ورفضت انتقال السيادة من الثكنة إلى صناديق الاقتراع.

الإسلام السياسي

يُعرَف عدّي في الأوساط السياسية والأكاديمية

بأنه ذلك الجامعي الذي عارض علنًا وقف المسار الانتخابي في الجزائر، على إثر فوز الجبهة الإسلامية لإنقاذ بأغلبية المقاعد النيابية في أول انتخابات تشريعية تعددية (كانون الأول/ ديسمبر 1991). قبل أيام من تدخل الجيش لوقف المسار الانتخابي، كتب سلسلة من المقالات في الصحافة الوطنية والعالمية، قدّم فيها أطروحته الشهيرة «التراجع الخصب»، حيث دعا الجيش إلى ترك الإسلاميين يمارسون السلطة، لأن الانتخابات هي الأرضية الوحيدة التي يمكن فيها هزيمتهم من جهة، ولأن المشروع اليوتوبي الإسلاموي سينكشف أمام إكراهات الواقع من جهة أخرى. عاد عدّي إلى هذه الأطروحة سنة 2013، حينما قامت الثورة المضادة في مصر بالانقلاب على نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي فاز فيها الإخوان المسلمون. إن الموقف السياسي لعدّي من وقف المسار الانتخابي في الجزائر ومن الانقلاب على مرسي في مصر، هو في الحقيقة نابع من مقاربته النظرية والمنهجية لإسلاموية بشكل عام، وهي مقاربة سوسيولوجية تاريخية تنظر إلى الظاهرة على أنها سياسية تاريخية لها جذور ثقافية واقتصادية، وليست مجرّد ظاهرة دينية.

(6) Lahouari Addi, «Algérie: Le Dérapage,» Le Monde Diplomtique (Février 1992), pp. 1–21, accessed on 21/10/2019, at: https://bit.ly/2oqRccY (7) Lahouari Addi, «Retour sur la ‘régression féconde’,»  Elwatan , 4/8/2013, accessed on 12/10/2019, at: https://bit.ly/2paYmlB

يدعو عدّي في هذا الكتاب، وفي كتابات أخرى له حول الإسلام السياسي، إلى البحث في الإسلاموية في التاريخ المعاصر للمجتمعات المسلمة، وليس في النصوص الدينية للفقهاء وعلماء الحديث. الإسلاموية مثل القومية العربية، إفراز للحداثة، وتعبير عن طموحات حداثية بلغة دينية ضمن الحدود التي تسمح بها التمثلات الثقافية للنخب المسلمة. كتب عدّي: «إذا كان صحيحًا أن الإرهاب هو ظاهرة عالمية

زاد انتشارها مع العولمة، واستفاد من أدواتها في الدعاية والانتشار، وبذلك ستكون دراستها مرتبطة بالتخصص الذي يدرس الصراعية على المستوى العالمي [العلاقات الدولية والعلوم السياسية]، إلا أنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الإسلاموية كأيديولوجيا تبلور آمال وطموحات مجتمعات غير معلمنة أو في طريق العلمنة. الإسلاموية تفلت من العلوم السياسية، المُجهزة مفاهيميًا

ومنهجيًا لدراسة حقول سياسية مستقلة ومتمايزة

عن الدين. السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الأكثر ملاءَمة واستعدادًا لدراسة الإسلاموية من خلال

مفهوم التمثلات (عند دوركايم) والثقافة عند كليفورد غيرتز» (ص. 135) إنّ دراسة الإسلاموية عبر مفهوم التمثلات تفرض

على الباحث «أل يضع تجربة دينية معينة كنموذج تحليلي وتفسيري لتجربة دينية أخرى. فبشكل واعٍ، أو غير واع، سنتجه إلى جعل التجربة الغربية

(((نذكر على سبيل المثال:

Lahouari Addi, «Violence politique et Islam en Algérie,» in: Mondher Kilani, Islam et changement social (Lausanne: Editions Payot, 1998), pp. 295–311; Lahouari Addi , L’Algérie et la démocratie: pouvoir et crise du politique dans L’Algérie contemporaine (Paris: La Découverte, 1994); Lahouari Addi, Algérie: Chroniques d’une expérience postcoloniale de modernisation (Alger: Barzakh, 2012), pp. 131–148.

كحالة معيارية طبيعية كونية. ويمهّد هذا الكسل

المعرفي الطريق لإثنومركزية والاستشراق، حيث يزدهر موضوع المقارنة بين مجتمعات مفتوحة على التقدم (الغرب) وأخرى منغلقة عليه وغير متسامحة: المسلمين» (ص. 136) سمحت هذه المقاربة التاريخية لإسلاموية عبر

مفهوم التمثلات الثقافية، بدل من المقاربات الجوهرانية والثقافوية والمقارناتية، لعدّي أن يكون نقديًا تجاه المعرفة الغربية المنتَجة حول

الإسلام السياسي من جهة، وتجاه الأيديولوجيا الإسلاموية من جهة أخرى، كما جعلته متفائلً بإمكانية تجاوز مرحلة الإسلاموية إلى ما بعدها، معتقدًا أنها تحمل عناصر تجاوزها في داخلها سواء من خلال التناقضات التي بنيت عليها، أو من خلال طابعها اليوتوبي. يرى عدّي أن الإسلاموية تحمل ديناميكية أيديولوجية وسياسية تسمح لها بتجاوز تصلبها وتجذرها من خلال التجربة التاريخية على غرار كل الأيديولوجيات التي أفرزتها الحداثة. ليس الاستعراض التاريخي لنشأة الإسلاموية وتطورها هو الذي يهم أكثر في هذا الكتاب، ولكن المقاربة المنهجية والنظرية للكاتب، والتي سمحت له بأن يعيد صياغة مفهوم الإسلاموية بشكل ديناميكي يحررها من الجوهرانية والثقافوية التي تسجن المجتمعات المسلمة في الدوغما الدينية، وتؤسّس مواقف أكاديمية

من الإسلاموية، تتماهى مع المواقف السياسية للفاعلين التاريخيين. يقول عدّي: «إن نصوص سيد قطب، أو المودودي أو الغنوشي لا تعلمنا شيئًا عن الإسلام، بل تُخبرنا عن تناقضات المجتمعات الإسلامية الممزّقة بين القلق الهوياتي

والطموح نحو التقدم» (ص. 137). ويضيف قائلً:

شتاء   Winter 2020

«الإسلاموية لا هي بتعبير عن عودة الديني، ولا عن الابتعاد عنه، إنها حركة سوسيوثقافية وأيديولوجية وسياسية ظهرت بسبب تهديم المجتمعات المسلمة على إثر انخراطها واحتكاكها بالحداثة التي تتعرض لتأثيراتها ولا تتحكم في ديناميكيتها [...] إنها ردة فعل للمجتمعات المسلمة على محاولة دمجها في الحداثة في ظل ظروف التبعية السياسية والثقافية. ولكونها ظاهرة تاريخية، وليست جوهرًا ثقافيًا خالدًا، فإنها وضعت نفسها

كحامل تاريخي لحركات الاحتجاج والغضب السياسي ضدّ الدولة الباتريمونيالية» (ص –137

تجد الإسلاموية جذورها في الظروف التاريخية والخصائص الثقافية للمجتمعات المسلمة. حينما دخل نابليون بونابرت مصر، كانت الثقافة الشعبية مصطبغة بالدين، بإسلام الأزهر تحديدًا، وهو تراث ديني قروسطي قاوم كل محاولات التجديد والمراجعة، ومن الطبيعي إذ ا، أن يصوغ محمد عبده أفكاره النهضوية ضمن الحدود التي يرسمها له التراث الديني المهيمن رغم محاولته الالتفاف على بعض جوانبه. إن تردّد عبده في

موضوع العلمنة، والطابع التلفيقي لفكره (من خلال قبول الغرب تقنيًا ورفضه فكريًا وسياسيًا)

هو الذي سوف يعطي الميلاد لإسلاموية الراديكالية لاحقًا. تأسست جماعة الإخوان المسلمين كردة فعل على إلغاء الكماليين في تركيا الخلافة، وتجذرت الإسلاموية وتشددت مع سيد قطب ضد ممارسات جمال عبد الناصر وانهزامه في الحرب مع إسرائيل، في حين صاغ أبو الأعلى المودودي (1903–1979) المدونة الإسلاموية الأكثر تشددًا في سياق هيمنة إنكليزية على الهند،

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

حيث المسلمون أقلية. تشكلت الإسلاموية المتشددة العنيفة في سياق تاريخي ميزته الهيمنة الاستعمارية في مرحلة أولى، حيث يُجنَّد الدين

ضدّ الاستعمار الغربي، وضدّ فشل الدولة الوطنية في مرحلة ثانية، حيث ستجند اليوتوبيا الإسلاموية ضد الإدارة والمسؤولين. ويستثمر خطاب الإسلاموية في نضاله من أجل الانتشار وأخذ السلطة في الأرضية الثقافية والسوسيولوجية والاقتصادية نفسها التي استثمر فيها من قبل القوميون العرب. إن أحد مظاهر فشل القومية الراديكالية هو في عدم العمل على تجديد الخطاب الديني بما يتوافق مع مشروعها التحديثي الطموح، بل إنها تماهت مع السلطات الدينية التقليدية وتحالفت معها، وزرعت طموحات حداثية داخل أرضية فكرية تقليدية مهيكلة حول ثيولوجيا قروسطية. هذه المرّة، تجند النخب الإسلاموية هذه التمثلات

الفكرية والسياسية والثقافية، وتستثمر فيها ضد الأنظمة السياسية، متهمة إياها بالفشل في تحقيق ما وعدت به بسبب «ابتعاد المسؤولين عن الدين وأخلاق الإسلام» وتهميش دور الدين في الحياة السياسية والاجتماعية. بهذا المعنى، يقول عدّي عن الجبهة الإسلامية لإنقاذ FIS، إنها ابنة جبهة التحرير الوطني. حولت الأيديولوجيا الإسلاموية الشعبوية القومية الموجهة ضد الاستعمار، إلى شعبوية دينية موجهة ضدّ الأنظمة الحاكمة، تقوم على اليوتوبيا نفسها، تنفي المجتمع وتُؤسطر الشعب، تعد بجعل العالم الدنيوي، الذي أفسده الدهر، متوافقًا مع ما تدعو إليه شريعة الله، ليضمن فيه الإنسان النجاة في الآخرة. تختلف الإسلاموية عن الصوفية في كونها تفسر الفقر واللامساواة وتخلف المسلمين عن الغرب

بفساد المسؤولين وابتعادهم عن تعاليم الإسلام، وتقترح اقتحام الحقل السياسي ليقود الدولة رجال مؤمنون يخافون الله ويحكمون بالعدل وبما أنزل في القرآن. يكفي استبدال رجال السلطة العلمانيين برجال مؤمنين لكي يتحقق العدل والمساواة، ويزول الفقر والحرمان. هذا الخطاب هو الذي يقف وراء شعبية الإسلاميين، وهو نفسه خطاب القومية العربية خلال الاستعمار وبعده، حينما كانت تتهم الغرب الإمبريالي بالتسبب في فقر وتخلف العرب ودول العالم الثالث، ووعدت شعوبها بتدارك هذا من خلال بناء دولة قومية قوية يقودها رجال وطنيون غير متعاونين مع الاستعمار وأذنابه. الفرق فقط في صياغة الخطاب الإسلاموي بلغة ومفردات دينية تتوافق مع تمثلات الجماهير للدولة والسياسة والعدل والمساواة. الدولة عند الإسلاميين، ليست بناء

يتم تشييده للحفاظ على حريات الفرد، بل لمنع الفرد من الوقوع في المعصية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا التصور لا يتخيل إيمانًا دينيًا دون دولة تحميه من النزوات

الشيطانية للفرد. الإسلاموية هي مزيج من الطموحات الحداثية والأوهام الألفية التي صنعتها ظروف تاريخية يسودها الحرمان والتخلف والفقر. إنها ليست حركة دينية، بل حركة سياسية تستعمل الدين موردًا سياسيًا ليس للوصول إلى السلطة فقط،

بل لاستخدام نظامه المعياري والأخلاقي لتسيير الحقل السياسي واستدراك التأخر والفشل. وكونها حركة سياسية تريد الوصول إلى السلطة، فهي مدعوة إلى تجاوز أوهامها اليوتوبية ونزعتها نحو العنف والتشدد. ينضم عدّي إلى أطروحة ما بعد الإساموية

لصاحبها أوليفي روا Roy Olivier وآصف بيات، ويستشهد بأمثلة واقعية عن تجاوز شريحة عريضة من الإسلاميين أوهامهم اليوتوبية ونزعتهم إلى العنف. تركيا بالنسبة إليه مثال ناضج عما بعد

الإسلاموية، وحركة النهضة قطعت شوط ا في ذلك. أما مصر، فتعيش صعوبة في هذا الانتقال لأسباب سوسيولوجية وسياسية، أهمها ضعف الطابع الرأسمالي الإنتاجي للاقتصاد المصري، ونمط الدين المهيكل للثقافة الشعبية، والطبيعة العنيفة والقمعية التي تعامل بها النظام السياسي مع الإسلاميين.

هل ترتبط المشكلة بعدم التوافق بين الإسلام والديمقراطية؟

يتفق عدّي مع عزمي بشارة حول هذه النقطة، حينما يقولان إن موضوع الإسلام والديمقراطية مبتذل، ولا يوجد له أساس تاريخي أو نظري. يرى عدّي في هذا الكتاب أنّ ما يجب البحث فيه هو ما إذا كانت المعارضة الإسلاموية حاملة لمشروع ديمقراطي أم لا. لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلّبربط المعارضة الإسلاموية كشكل من أشكال المطالبة بالمشاركة السياسية بالديمقراطية. ومن وجهة النظر هذه، يمكن أن تساهم الإسلاموية في تقييد السلطة السياسية والمشاركة فيها. كتب عدّي: «صحيح أن تمثلات الإسلاميين للديمقراطية وللسياسي وللدولة هي تمثلات ما قبل حداثية، ومع ذلك، فالديمقراطية ليست صراعًا بين أفكار

(((ينظر: مقدمة عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق

تاريخي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات،.)2013

شتاء   Winter 2020

مجرّدة (أفكار ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية)،

ولا هي نموذج نظري نعارضه أو نتقبله فكريًا،

بل هي صيرورة تاريخية تستعمل فيها المعارضة السياسية جميع الموارد السياسية المتوافرة من أجل الدفاع عن مصالح مادية وتصورات رمزية تبرر شرعية هذه المصالح» (ص. 197) في أوروبا، استخدمت البرجوازية رأس المال لتضغط على الدولة من أجل المشاركة في السلطة، واستخدمت القوى العمالية الإضراب من أجل الضغط على البرجوازية لتحسين ظروف العمل، أما في العالم العربي، حيث البرجوازية ضعيفة، فإن الدين هو المورد الأساسي المتاح، القادر على تعبئة الجماهير ضدّ السلطة من أجل مطالبتها بتحسين ظروف العيش والاعتراف بكرامة الأفراد. لا يهم معرفة ما إذا ما كان القرآن يقبل الديمقراطية أم لا، ولكن الأهم هو معرفة أي سياق تاريخي

يتم فيه استحضار تأويل معادٍ للديمقراطية أو متوافق معها. إن علاقة القرآن بالديمقراطية هي علاقة تاريخية؛ أي هي في الحقيقة علاقة تمثلات اجتماعية وثقافية لجماعة اجتماعية حول الديمقراطية في سياق تاريخي محدد. من الواضح أن لهواري عدّي هنا متأثر بغيرتز الذي

يؤكد أن الاجتماعي والتاريخي هو الذي يقولبِ الديني وليس العكس. صحيح أن الإسلاميين يعتمدون على قراءة قروسطية للقرآن، ويقولون إنهم يريدون أسلمة الحداثة والدولة، ولكن هذا مجرد مشروع يوتوبي سيصطدم بالواقع، ويدفعهم إلى تعديل أيديولوجيتهم والابتعاد عن سيد قطب والمودودي، أو إلى فنائهم وترك مكانهم لحركات أخرى.

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

بتعبير آخر، يريد عدّي أن يقول إن وضع الإسلاميين تجاه الديمقراطية هو وضع تاريخي، وليس وضعًا

جوهرانيًا يمكن دراسته عبر النصوص الدينية.

يجب الابتعاد عن «المهووسين بالنصوص » الذين يتركون الواقع والمجتمع جانبًا، ويدرسون

النصوص المقدسة بمعزل عن تاريخها. مثل هذه المقاربة هي التي صنعت الاستشراق الذي كان يدرس المجتمعات المسلمة بوصفها وحدات مفصولة عن التاريخ، أي عبر نص مقدس جامد. إذا كانت المجتمعات المسلمة تصوّت

للأحزاب الإسلامية، فإن ذلك يعود إلى كونها الأحزاب التي تقدم أكبر عدد من الوعود، و«في المجتمعات التي لم تعرف سابقًا انتخابات حرة، فإنه يجب أن نتوقع أنّ الحزب الذي يقدم وعودًا أكثر هو الذي سيفوز بالانتخابات» (ص. 197) ولكنّ الإسلامويين محكومون بتغيير خطابهم

وأيديولوجيتهم ومواقفهم من خصومهم في الساحة السياسية، بسبب عدم قدرتهم على الوفاء بتلك الوعود، بحكم طابعها اليوتوبي والشعاراتي والخطابي. سيجبرون إما على التحالف مع أحزاب أخرى داخل المجالس المنتخبة، مع ما يتطلب ذلك من تنازلات أيديولوجية وسياسية، أو الخسارة في الانتخابات القادمة.

ثمة جذور فكرية تاريخية للإسلاموية

الإسلاموية بوصفها أيديولوجيا سياسية ظاهرة حديثة، مرتبطة بتوق المجتمعات المسلمة إلى العدالة الاجتماعية التي لم تحققها الحركات القومية العربية بعد الاستقلال. ورغم أنها أيديولوجيا أفرزتها الحداثة، فأرضيتها الفكرية والثقافية واللاهوتية منغرسة في التاريخ الإسلامي.

لإسلاموية تاريخان: تاريخ بعيد يعود إلى هزيمة الفلسفة أمام الغزالي (505–450 ه/ 1111–1058 م)، حيث انتهى الجدال في الفكر الإسلامي بين المعتزلة والمتكلمين والفلاسفة إلى انتصار علم الكلام، وتحريم الفلسفة وإقصائها من البرامج التعليمية في المدارس الإسلامية الكبرى، ومن ذلك أنه لم يبق في الساحة إلا السلفية لابن تيمية (728–661 ه/ 1328–1263 م) والصوفية. وثمة تاريخ قريب يعود إلى عدم قدرة حركة النهضة، وفشل محمد عبده في وضع أساس فلسفي جديد للثقافة الإسلامية التي بقيت أفلاطونية، رغم أن هذه الأخيرة انقطع عنها الغرب منذ كانط وديكارت. حاول محمد عبده التوفيق بين الإسلام والعلم الوضعي، إلا أنه بقي يبرر تخلف المسلمين بابتعادهم عن «إسلام السلف الصحيح»، وهي الحجة التي التقطها الإسلام السياسي الحديث مع سيد قطب وأبي الأعلى المودودي. أعطت الظروف التاريخية لاحقًا (الاستعمار ثم فشل القومية العربية في تحقيق وعودها، وقيام دولة إسرائيل) الأسبقية لقراءة «راديكالية سلفية» لفكر النهضة، وسوف يعاد تجنيد الإسلام السلفي خارج حدود الجزيرة العربية في دول أخرى كانت عصية عليه، مثل الجزائر ومصر، لمواجهة الأنظمة التسلطية من جهة، وإقحام الجماهير في الحقل السياسي من جهة أخرى. من وجهة النظر هذه، يقول عدّي إن الإسلاموية هي إنتاج وإفراز مناقض للحداثة، فمن ناحية تستعمل أيديولوجيا لتجنيد السكان سياسيًا لتحقيق دولة عادلة، ولكنها من

ناحية أخرى، تحمل تصورًا ما قبل حداثي للدولة.

إنها هنا لا تختلف عن القومية العربية الراديكالية التي بدورها أرادت بناء دولة عادلة بأيديولوجيا

شعبوية تأخذ من الدين والماركسية في الآن نفسه دون أن تنتبه إلى التناقض الموجود بينهما.

الجيش والمجتمع والديمقراطية

أدّت الظروف التاريخية التي تشكلت فيها الدولة–

الأمة في العالم العربي، وسياسة التحديث المتناقضة التي انتهجتها الأنظمة القومية الراديكالية، إلى حدوث تصدع داخل الثقافة المحلية، وانقسام

المجتمع كتلتين: غالبية تحمل ثقافة مصط بغة بالدين، وأقلية (علمانية) تعيش وفق النموذج الغربي. ل «سخرية القدر»، يقول عدّي إن النخب العلمانية (التي تتكون غالبًا من جماعات اجتماعية

تنتمي إلى المهن الليبرالية) تتقاطع مصالحها مع مصالح النخب العسكرية التي ترفض ظهور سلطة سياسية مدنية منتخبة، ولهذا ساندت الجيش (الذي يحتل قلب الدولة ويضع نفسه مصدرًا للسلطة

والشرعية) حينما قام بإلغاء المسار الانتخابي في الجزائر (1992)، وانقلب على مرسي في مصر (2013). وللبقاء في السلطة، يستخدم العسكر هذا الشرخ الثقافي والاجتماعي الموجود في المجتمع ليبرِّر الحفاظ على الوضع كما هو عليه. كتب عدّي

في هذا الصدد ما يلي: «حتى إن كانت النخب العلمانية تتهم هذه الأنظمة بالتسلط والاستبداد، فإنها تخشى أكثر من (الشعب) الذي انفصلت عنه بسبب تشدده الديني. استغلت النخب العسكرية هذا الشرخ الأيديولوجي والثقافي لفرض الوضع القائم، مبررة ذلك بالحفاظ على ‘وحدة الأمة’، وهذا ما سمح لها بالاحتفاظ بمكانتها كمصدر للسلطة والشرعية» (ص. 241) صحيح أن الثقافة السياسية التي يرتكز عليها الخطاب الإسلاموي تتعارض مع الديمقراطية

شتاء   Winter 2020

وبناء المؤسسات، ولكن، يقول عدّي إنه لا يمكن بناء حقل سياسي من دون الإسلاميين لأنهم الأقدر على التعبير عن طموحات الغالبية العظمى من المجتمعات العربية وآمالها. لهذا السبب تحديدًا، يرى مؤلف هذا الكتاب، أن الإسلاموية سوف تضطر في نهاية المطاف إلى تطوير خطابها وثقافتها السياسية، لتكون أكثر توافقًا مع حقل سياسي في سياق دولي معولم.

خاتمة

يمثل هذا الكتاب إسهامًا أكاديميًا عربيًا في

مقاربة الأيديولوجيتين اللتين هيمنتا على الحقل السياسي العربي بأدوات نظرية جديدة، ربما تسمح بتجاوز الانسداد الحاصل الذي تسببت فيه المقاربات الجوهرانية والثقافوية التي أفضت إلى سجن مصير هذه المجتمعات إلى الأبد داخل الدين (الإسلامي) والثقافة (العربية.) القومية العربية الراديكالية هي الأيديولوجيا التي استخدمت لتجنيد الشعوب المحلية ضد الاستعمار ولبناء الدولة – الأمة، والإسلامية هي الأيديولوجيا السياسية التي استخدمت لإدماج الشعوب في الحقل السياسي الذي أحكمت عليه الأنظمة القومية قبضتها. عَسْكر القوميون السلطة السياسية، وسيّس

الإسلاميون الدين، وكلاهما فشل في إضفاء السلمية على الحقل السياسي، وتحقيق الوعود التي قطعوها على الشعوب العربية. سوف يكون هذا الفشل حافزًا لتجاوز الإسلاموية، ودفع الشعوب العربية للبحث عن أدوات تعبئة سياسية جديدة ضد الأنظمة الشمولية؛ أدوات من شأنها تجاوز الشرخ الثقافي والأيديولوجي الحاصل الذي طالما استغلته الأنظمة التسلطية التي تقدم

ادحلل ناضقانتم نا إفراز: القومية العربية الراديكالية والإسلاماليساسي

نفسها أمام الشعوب المحلية على أنها حامية للقيم الثقافية الأصيلة ضد العلمانيين، وتقدم نفسها أمام القوى الغربية على أنّها حامية لمصالحها من الإسلاميين الرجعيين. الثورة السلمية التي يعرفها السودان منذ سنة تقريبًا، والحراك السلمي والشامل الذي عرفته

الجزائر منذ 22 شباط/ فبراير 2019 وثبات، المسار الديمقراطي في تونس يعكس صحة المقاربة النظرية التي يتبناها الكتاب، وهي مقاربة

المراجع

العربية

السياسات،.2013

الأجنبية

تسعى إلى فهم الإسلاموية والقومية في سياقهما التاريخي، وتتنبأ بتجاوزهما بسبب محدوديتها والتناقضات التي تقوم عليها، وعدم ملاءمتهما السياق الدولي الحالي. توق المجتمعات العربية للحداثة ودولة القانون يجعلها تتجاوز الأيديولوجيات الألفية التي أنتجتها ظروف بناء الدولة خلال القرن الماضي، لتنتقل إلى أدوات بناء الدولة الأمة، حيث الحقل السياسي تسوده السلمية والتعددية.

References

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

Addi , Lahouari. L’Impasse du populisme: L’Algérie, collectivité et état en construction. Alger: Entreprise nationale du livre, 1990. ________. L’Algérie et la démocratie: Pouvoir et crise du politique dans L’Algérie contemporaine. Paris: La Découverte, 1994. ________. Algérie: Chroniques d’une expérience postcoloniale de démodernisation. Alger: Barzakh, 2012. ________. Deux anthropologues au Maghreb: Ernest Gellner & Clifford Geertz. Paris: Archives Contemporaines, 2013. ________. Le Nationalisme Arabe radical et l’Islam politique: Produits contradictoires de la modernité. Alger: Barzakh, 2017. ________. Radical Arab Nationalism and Political Islam. Washington, DC: Georgetown University press, 2017. Gellner, Ernest. Nation et nationalisme. Paris: Payot, 1989. Kilani, Mondher. Islam et changement social. Lausanne: Editions Payot, 1998.