Return to Article Details Questions posed by Individualism in Arab Societies: the cognitive, social and historical junctures and uncertainty

أسئلة الفردانية في المجتمعات العربية: منعطفات معرفية واجتماعية وتاريخية متشعبة ولايقينية

Questions Posed by Individualism in Arab Societies: the Cognitive, Social and Historical Junctures and Uncertainty

المولدي الأحمر | Mouldi Lahmar *

الملخّص

* أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في معهد الدوحة للدراسات العليا.

Abstract

This paper explores all the questions addressed by the papers presented at the symposium “Individual Freedoms and Social Individuality in Arab Societies”, discussing their proposals and results. The paper focuses on one of Uthe most important aspects of the discussion and the theories and concepts that it relied on; the complex relationship between the individual and the group. It is looked at first as outdated problematic knowledge that needs to be reviewed and secondly as a socio-human rights normative issue, and ultimately an ideology, subject to social conflict and context. The background to this debate is individual rights and freedoms in the context of the “Arab Spring”, specifically that which occurred in Tunisia and which is underway in Algeria and Morocco, while coming to a head in countries that have lived under sectarian rule for decades (Lebanon, Iraq ...). The symposium investigated much broader experiences that will be seen by Arab societies in the years ahead.

الكلمات المفتاحية:
  • الحريات الفردية
  • الفردانية الاجتماعية
  • تونس
  • ندوة عمران
  • الربيع العربي

تعقيب على بحوث الندوة

Comments on an Academic symposium

Professor of Sociology and Anthropology at the Doha Institute for Graduate Studies.

ليس من السهل تقديم تعقيب تحليلي تركيبي يختزل على نحو نقدي كل القضايا المتشعبة التي خاضت فيها أوراق الندوة طوال يومين، وخاصة أن عنوان الندوة يثير وعودًا وإشكاليات وأسئلة كثيرة تحتاج إلى بحث مستمر، وهناك مشكل آخر هو الصعوبة التقليدية في تلخيص الأفكار المختلفة التي خاض فيها المشاركون والمناقشون، واحتمال إهمال بعضها على أهميته. وهنا وجب الاعتذار مسبقًا عن كل تقصير. من خلال قراءتي للأوراق المقدمة، واستماعي إلى محاضرات المتدخلين والنقاش المشحون بالكثير من الحماس والقناعات التي رافقت كل فترات الندوة، خرجت بالملاحظات والقضايا التالية: 1. هناك رفض عام لاعتبار الفردانية الاجتماعية سيرورة حتمية خطية التطور، تتضمن فرضية القطيعة. وبذلك، لم نعد في الوضعية الإدراكية التي كان فيها أوغست كونت، والتي قادته إلى التفكير من منظور مركزي في التاريخ البشري فوفق نموذج تعاقب الحالات الفكرية، أو التي قادت فرديناند تونيز إلى التفكير في تطور المجتمعات من الحالة الجماعوية إلى الحالة الاجتماعية، أو التي قادت إميل دوركايم إلى التفكير في مفاهيم التضامن الآلي والتضامن العضوي، ولا حتى تلك التي قادت كارل ماركس إلى التفكير في أن التاريخ قائم على تعاقب لأنماط وتشكيلات اجتماعية تتقدم على نحو تطوري جدلي خطي، وذلك حتى إن حاول الماركسيون بعده تدبير حل نظري لورطة القطيعة التاريخية والتقدم الغائي للتاريخ. الخلاصة الأولى، إذًا، هي أن الفردانية الاجتماعية لا تنتج بالضرورة قطيعة مع الحياة الجماعوية. 2. تخلق الملاحظة السابقة مشكلة كبيرة مع الخلاصة المنهجية التي نخال أنفسنا خرجنا بها من الملاحظة الأولى، ومفادها، بحسب تقديري، أن البحوث التي عُرضت لم تستطع أن تقدم توصيفًا

متجانسًا مُنتجًا لمعنى سوسيولوجيٍّ واضح بشأن حالة «البين بين» التي انتهت إليها أغلب البحوث.

أقصد: ما التعريفات التي يمكن أن نطلقها على أغلب الحالات الاجتماعية التي عرضتها مختلف الدراسات (عماد المليتي، وعبد اللطيف الهرماسي، وكذلك الأوراق التي أضيفت إلى حصيلة الندوة من خارجها وتناولت القضايا نفسها: روضة القدري، وعبد الحميد العبيدي)؟ حيث لافردانية ولاجماعوية، أو حيث الأسرة الصغيرة، على سبيل المثال مستقلة في السكن والدخل والحقوق والواجبات المدنية، لكنها منخرطة في شبكة من العلاقات، تكاد تفرض عليها، في مناسبة خطوبة مثلً، حضور الجد أو العم الكبير حينما يغيب الأب أو العمة أو الخالة، أو حين يجري الحديث خلال مراسم الخطبة عن العائلة الموسعة، فيعدد المعنيون أمام بعضهم عددًا من الأفراد في العائلة الموسعة؛

كأنْ يكون مديرًا، أو محاميًا، أو أستاذًا جامعيًا، أو ربما وزيرًا، ساكتين عن حقيقة علاقاتهم بهؤلاء

(منها أنهم أحيانًا لا يستفيدون منهم في أي شيء)، وأن يجري في الوقت نفسه غض الطرف عمن في العائلة من عاطل عن العمل، وسارق في السجن، وعاق لوالديه. 3. غالبًا ما انتهى النقاش الذي دار بالاتفاق على أن هناك فردانية اجتماعية وهناك فردنة وربما حتى

تذويت، والكل متساكن مع الجماعوي، من دون تجاوز نظري. فكأنّ الفاعلين الاجتماعين، موضوع

المشاهدة، ينتهون إلى توافق ومواءمة بين الفرداني والجماعوي، مثلما أنّ الباحثين ينتهون إلى النتيجة نفسها. وحينما ناقش بعضُ الحاضرين المحاضرين بحماس، معتبرًا أن كل ما قالوه لا يعدو أن

يكون ترديدًا «أجوف» لما قاله الباحثون التونسيون منذ أربعين سنة، ارتبكت المحاججة والقناعات والتأكيدات وحل التنسيب. 4. هنا يبرز خيط تقاطع مع الفكرة التي حاول ساري حنفي وعزام طعمة عرضها ومناقشتها. والفكرة هي أن الجدل الدائر في تونس اليوم بشأن مشروع قانون الميراث، يُعد رائدًا في العالم العربي من

وجهين؛ الأول أنه يدفع بالنقاش، بشقيه العلماني والديني، ليغادر حلبة التمترس الأيديولوجي المغلقة في اتجاه رحابة الفضاء العام، أما الثاني فمفاده أنّ الطرفين الرئيسَين المتنازعَين على مضمون

المشروع ودلالاته يحاولان الإتيان بحجج تدمج الديني في العلماني والعكس أيضًا. وفي الحقيقة، يميل الباحثان، بشكل براغماتي، إلى فكرة الوفاق بين حجج هؤلاء وهؤلاء، مستخدمين مفهوم العقل العمومي والدين والعلاقة بينهما كما طرحاها بشيء من الاختلاف يورغن هابرماس وميف كوك. لكنّ الباحثين لا يتوقفان عند مدلول مفهوم «العقل العمومي» في التجربة الغربية بوصفه حالة فكرية

تشكلت كسيرورة تاريخية اجتماعية أنتجها الفكر الوضعي بمعناه العام، وبها تحددت ملامح وحدود النقاش في «الغرب»، بحيث لا يمكن للمُعتقد أن يدخل إلى حلبة النقاش هذه – في إطار العقل

العمومي – إلا بعد أن يتأقلم مع فكرة التاريخانية التي تحرره من ذهنية لاتارخية المعتقد، فتتأسس، مثلً، أحزاب ذات خلفية دينية (الديمقراطية المسيحية)، لكنها تقبل بأن تكون مرجعية القانون الوضعي هي الأعلى، وحينما تدافع عن مرجعيات دينية فهي تراها في أفقها الإنساني لا العقائدي المنغلق. فعلى سبيل المثال، حينما احتدم النقاش في إيطاليا، في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، حول السماح بالإجهاض من عدمه، واستُدعي الإيطاليون لاستفتائهم في الأمر سنة 1981، لم يطلب الحزب الديمقراطي المسيحي من ناخبيه أن يصوتوا بحسب عقيدتهم، بل بحسب ضمائرهم، وكانت النتيجة أنْ وافق الإيطاليون على القانون المقترح بنسبة تصل إلى 67 في المئة. وفي الحالة التونسية يبدو أن النزاع قائم حول «هوية» هذا «العقل العمومي» المفترض في حد ذاته؛ ومن ثمّ، قد يكون الصراع الحقيقي ليس بشأن موضوع الميراث، بل بشأن ذلك العقل الذي سيحدد

مستقبل كل فكرة الحريات والحقوق الفردية والمساواة. سوسيولوجيًا، حدثت في الأخير محاولة تحريك لتحرير القضية من الإرث التونيزي والماركسي

والدوركايمي والفيبري في اتجاه الإضافات النظرية الجديدة (البراغماتية والفردانية المنهجية)، فاقتُرح النظر إلى السلوك الإنساني؛ ليس على أنه جماعوي أو فرداني، بل على أنه براغماتي (روضة القدري). وتعني كلمة «براغماتي» هنا أن الفاعل الاجتماعي، إن كان فردًا أو جماعة، يحدد أهدافه، ويغير سلوكه وفق تقديرات متبدلة باستمرار، قد تكون واعية أو غير واعية، من أجل مصالحه وأهدافه، غير عابئ بما إذا كان يستخدم أطرًا أو مفاهيم تُصنف على أنها فردانية أو جماعوية، بمعنى أنها «تقليدية» أو «حديثة»؛

فالسلوك هنا توليفي باستمرار، وما ينتج من هذا السلوك على مستوى ماكروسوسيولوجي كيفي لا يصلح لفهم ما هو ميكروسوسيولوجي، فالأفراد لا يبرمجون نشاطهم كي يستجيب لمبادئ عامة مفترضة.

5. في الحقيقة، يبدو هذا الحل سحريًا، وآلياته تكاد تشتغل بطريقة أوتوماتيكية. ضع كلمة «براغماتية» باعتبارها مفهومًا/ فرضية أمام جميع الأفعال الإنسانية، وحينئذ تذوب كل المتناقضات وتترابط من جديد في عدة اتجاهات، وبتناقضات جديدة أو مختلفة أيضًا، وتتحلل كل أفكار التراكم والقطيعة، وتتضاءل المسافة بين الفردي والجماعوي، لكن «التكلفة» هي أنه يصبح من غير الممكن بناء أي تمثل معرفي ماكروسوسيولوجي لوجود المجموعات الإنسانية، ولاحتمالات تطورها الجماعي المستقبلي، اللهم من منظور فلسفي عام لا يتقيد بالبرهنة الإمبريقية. ببساطة، يعني هذا البديل النظري أن فكرة إمكانية معرفة مصير المجتمعات – وحتى مصير البشرية، ذلك الهدف/ المطلب الذي سكن النظرية العلمية الكلاسيكية – أصبحت ممتنعة أو أنها تحولت إلى خرافة وضعية أيديولوجية ينبغي أن تحل محلها مقولة تساوي السرديات. 6. كما هو معروف، ورغم قدم الفلسفة البراغماتية، فإن هذا البديل قد نشأ بوصفه أحد المعاول النظرية لنقد الحداثة بوصفها فكرة فلسفية – اجتماعية معرفية وضعية، لكنني أعتقد أن هذا الطرح ما زال أمامه الكثير، لأن هناك مجموعة من القضايا التي عليه حلها. فعلى المستوى الميكروسكوبي مثلً، أي في تفاصيل الحياة اليومية كما تشتغل بها بعض التيارات السوسيولوجية اليوم (دراسات المعيش اليومي)، هل يمكن نفي العلاقة بين فعل الأفراد من جهة، والمرجعيات الثقافية التي تنتجها الجماعة، كيفما كانت، بوصفها جماعة من جهة أخرى؟ ربما يحيل هذا الأمر إلى سؤال أنطولوجي أصلي: كيف تصبح الجماعة جماعة؟ هناك مَن وجد حلًّ لهذا المشكل، مثل كليفورد غيرتز، بالقول إن العلاقة بتلك المرجعيات تأويلية، أي إن الأفراد يؤولون بطرق مختلفة ومتعددة المرجعيات العليا للجماعة بحسب ما يرونه مناسبًا لهم. لكن السؤال الذي يبقى، ويحيل على نحو مخفي

إلى دوركايم الوضعي، هو: كيف تستمر بعض تلك المرجعيات رغم عدم وجود اتفاق عام على كيفية تأويلها؟ وعلى سبيل المثال، هل يمكن، من الناحية المنهجية، قراءة الظاهرة «الداعشية» حيث تتضاءل الفردانية الاجتماعية بوسائل النظرية البراغماتية؟ وهل يمكن قراءة الثورات بالمقاربة نفسها من دون التخلي عن أي فكرة كلية؟ 7. تحضر هنا ملاحظة قد تكون أكثر تحفيزًا للتفكير، وهي أن الأطروحات التي قُدمت اهتمت بالتحولات الاجتماعية التي تضمنت مؤشرات دالة على توسع هامش الفردانية الاجتماعية، وبمطالب الحريات والحقوق الفردية (المليتي، والهرماسي)، أكثر مما اهتمت بالسؤال المعرفي الأساسي المتعلق بوجاهة المقاربة الفردانية في حد ذاتها، ومن ثم بالنتائج المحتملة لاستخدامها بوصفها أداة تفكير سوسيولوجية، بقطع النظر عن الانتماءات والهويات والارتباطات كما يقول بيير بورديو، وخاصة تأويلاتنا السياقية لهذه الانتماءات والارتباطات.

(((كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2009

(2) Pierre Bourdieu, Leçon sur La Leçon (Paris: Minuit, 1982).

8. السؤال، إذًا، هو: عندما نفكر في الفردانية والفردنة، هل نفترض، كما تساءل عبد اللطيف الهرماسي، أنه بما أننا دخلنا عصرًا تحرر فيه الأفراد، على نحو مؤثر، من سطوة مقتضيات الحياة الجماعوية، فإنه

أصبح في إمكاننا تفسير الظواهر الاجتماعية، في الاقتصاد والسياسة وفي كثير من مجالات الحياة الاجتماعية وربما الثقافية، على أساس أنها من إنتاج أفراد مستقلين وعقلانيين ونفعيين يسعون إلى تحقيق أهدافهم الخاصة، من دون أن تكون لهم أفكار مسبقة عن النتائج الماكروسوسيولوجية التي يمكن أن تنتج من تلاقي خياراتهم وأفعالهم وتوالفها، استنادًا إلى أنه لا غائية ولا بُنى كبرى تسيّر

الحياة الفردية؟ 9. إذا ذهبنا في هذا الاتجاه، فمعناه أنه لم يعد في إمكاننا تفسير ما يجري في لبنان واليمن وليبيا والعراق وسورية بوحدات تفكير، مثل الطائفة والقبيلة والمذهب والعائلة الموسعة والطبقة، وغيرها من المفاهيم الماكروسوسيولوجية (هذا ما خاض فيه عادل الشرجبي ومنى فياض). لكن، في هذه الحالة، يصبح عندنا سؤال أشدّ إزعاجًا: ما سبب إصرار الكثير من الدراسات على مواصلة استخدام مثل هذه

المفاهيم في دراسة المجتمعات العربية؟ هل حان وقت التخلي عنها، مثلً، أو إعادة تعريفها؟ في الحقيقة كان التقليد المغاربي قد فكك منذ خمسينيات القرن الماضي ميتافيزيقا القبيلة، وفي المشرق اليوم هناك اتجاه نحو إعادة تعريف الطائفة والمذهب بوسيلة مفهوم المتخيلات الاجتماعية. 10. هناك نتائج أخرى أكثر خطورة يمكن أن تنتج من استعمالنا للفردانية بوصفها أداة فهم للظواهر الاجتماعية، تتعلق بإمكانية إعادة تشكيل وعينا التاريخي بذاتنا إذا ما استخدمنا هذه المقاربة بصفة رجعية؛ كأن نقرأ، على سبيل المثال، نشأة الرسالة المحمدية وتاريخ الشيعة والسُّنة، إن كان لهما تاريخ

منفصل، قراءة فردانية، وقريبًا منا الثورة الإيرانية والثورة التونسية، من منطلق ثورة الأفراد (غضبهم؟)

بسبب ما وصل إليه وضعهم الفردي من تردٍّ وعدم تلبية للرغبات الخاصة. 11. هنا يصبح السؤال هو: هل يمكن تناول هذا الأمر منهجيًا؟، ولكن هناك قضايا أخرى خاضت

فيها الندوة، كانت ذات طابع سجالي وسيطرت عليها الانتماءات، وهي تُبيِّن، إلى حدٍّ بعيد، أننا لم

نفكر تفكيرًا معمقًا طوال العشريات الماضية في النتائج الثقافية لعمليات الفردنة الاجتماعية الجارية

في مجتمعاتنا، وخاصة في مجمل التأويلات الاجتماعية التي يفهم بها الأفراد والجماعات اليوم هذه العمليات ودور النخب السياسية والدينية في ذلك (حيدر سعيد). ويمكنني أن ألاحظ هنا أننا ما

(3) R. Boudon, «Individualisme et Holisme dans Sciences Sociales,» in: Pierre Birnbaum & Jean Leca (dir.), Sur L’individualisme: Théories et Méthodes , 2 nd ed. (Paris: Les Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, 1991), pp. 45–59. (4) Jacques Berque, «Qu’est–ce qu’une ‘tribu’ nord–africaine?» in: Fernand Braudel, Éventail de l’histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre, Offert par L’amitié d’Historiens, Llinguistes, Géographes, Economistes, Sociologues, Ethnologues , vol. 2 (Paris: Armand Colin, 1953), pp. 261–271.

(((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018

(6) T.R. Gurr, Why Men Rebell (London/ New York: Routledge, 2016 [2011]).

(((رسالة فيبر إلى صديقه رجل الاقتصاد، ينظر: Boudon.

زلنا في نقاشاتنا العلمية أوفياء لادعاء الموضوعية بمفهومها الدوركايمي وحتى الكومتي (نسبة إلى أوغيست كومت)، لأننا نتفادى التفكير بمفهوم النسبية، وبمقولة سياقية المواقف والأفكار. 12. في السجال الدائر اليوم حول موضوع الفردانية الاجتماعية، يمكننا أن نتبين تأويلات مختلفة للوقائع نفسها، وأقصد هنا ما أنجزه نمط الإنتاج الرأسمالي من استقلالية للأفراد، عندما نزع العملية الإنتاجية من الوحدة العائلية، ونقلها إلى المؤسسة الصناعية و/ أو الخدمية، وجزئيًا إلى المقاولة

الفلاحية، وما نجم عن ذلك من استقلال الأفراد العاملين بمداخيلهم الخاصة، ومن تغيير للعلاقات بين الرجل والمرأة بناءً على مواردهما ومسؤولياتهما الجديدة في العائلة، وعلى علاقاتهما المتشعبة

في مجالَي العمل والفضاء العام. 13. ما نوع المطالب الحقوقية الجديدة التي تولدها هذه التحولات؟ وماذا يحدث عندما تتعارض المواقف المعيارية التأويلية التي تثيرها التحولات الجديدة بشأن الموروث الثقافي بشقيه العرفي والعقائدي؟ وكيف تلتحم الحركات السياسية بهذه التحولات، وبالمطالب المعيارية الجديدة، وتوجه

تأويلاتها الجماعية في اتجاه تأويلات فردانية أو جماعوية؟ بل قد يحدث ألَّ تتوافق التأويلات الحزبية للمضامين المعيارية المتعلقة بهذه التحولات مع من تعتبرهم الأحزاب المعنية من أتباعها (مريم بن سالم، وحيدر سعيد). 14. تقود هذه المسألة إلى طرح مشكل يعود باستمرار في السجالات حول تأويل المبنى القيمي الثقافي لتطور الفردانية الاجتماعية، والمقصود به مشكل علاقة هذا التأويل بقضية الخصوصية الثقافية مقابل الكونية، الحقيقية أو المزعومة، لمبادئ حقوق الإنسان. ينطلق البعض من فكرة أنّ الإنسان (مُعرفًا بالألف واللام) مجردٌ من روابطه وانتماءاته الاجتماعية (أصوله العرقية والعقدية ومكانته

الاجتماعية والجندرية)، مفترضًا كونية الحقوق والحريات الفردية. في حين يرى البعض الآخر أن التجربة التاريخية (وخاصة الاستعمارية) أثبتت أن هذه الحقوق لا مرجعيةَ لها خارج السياق التاريخي الذي يعطيها مفهومها من الخاص منظورًا مركزيًا، لكن محاضرة سلوى الحمروني أظهرت أن التجارب

الإنسانية المختلفة يمكن أن تصل من خلفيات ثقافية مختلفة إلى معايير متشابهة. فعندما سنَّت تونس القانون الذي وضع حدًّا للرِّق (العبودية)، لم تنظر إلى المسألة من منظور خارجي، بل من داخل تيار

تأويلي محلي للعقيدة نفسها. وعندما سنّت ذلك القانون عارضها من المنظومة العقدية ذاتها مؤولون

مختلفون. وبالنسبة إلى الباحثة، يمكن أن نلاحظ هنا الالتقاء؛ انطلاقًا من سياقات مختلفة مع قيمة كونية هي الحرية لكل الناس الذين «ولدتهم أمهاتهم أحرارًا». 15. يجب ألَّ يُعتقد أن الكونية معطى جوهراني ما قبلي، إلا إذا فكرنا في الأمر على نحو ميتافيزيقي؛

إذ إنّ الكونية الفعلية صناعة تاريخية تستند إلى علاقات القوة، وهي غالبًا تنشِئ لها محليًا ما يسندها.

هناك تيار أيديولوجي يقول إن القيم التي كانت تُعتبر غربيةً لا كونية أصبحت، بفعل كونية الرأسمالية وديناميكيات الفردنة المصاحبة لها، آلية داخلية فقدت خارجيتها.

(8) V. Kaiwar, L’Orient Postcolonial: Sur La « Provincialisation de l’Europe » et la Théorie Postcoloniale (Paris: Éditions Syllepse, 2012).

16. من خلال هذا الجدل والسجالات، نخلص إلى فكرة «غير مريحة» مفادها أننا في مفترق طرق اجتماعية وتأويلية ومعرفية، وهي كما يلي: • اجتماعيًا: هناك تحولات هيكلية حقيقية تجري حاليًا على مستوى وعي الفرد بذاته سيكولوجيًا

وجسديًا، وفي العائلة، وفي الاقتصاد، وفي أطر الانتظام والارتباط، وفي الدولة. وهذه التحولات

يمكن قياسها وإثبات حقيقتها الموضوعية، أي المادية. وإذًا، هي تفعل فعلها في العقول والأشياء، ولا يمكن إنكارها. • تأويليًا: نحن في «هرج ومرج» مع مسألة فهم وتأويل ما نُحدِثه في أنفسنا وما يَحدُث فينا. فمثلً،

هل نقرأ مطالبة قسم مهم من الأفراد، المنظمين في جماعات سياسية، بالحرية الفردية، وبالحق في ممارستها، من دون إكراهات (مثلً، هناك من يطالب بالإفطار في رمضان، من دون قيد، ومن دون أن يطبق عليه مبدأ الاستتار)، على أنه زيغ عن العقيدة، أو تفسخ أخلاقي؟ أو على أنه تحول في المعايير والقيم وفي تأويل العقيدة؟ أو على أنه تحرر مشروع للضمير الفردي من الضمير الجمعي؟ وإذا ما ذهبت بعض الجماعات في الاتجاه الذي يدعم الحرية الفردية، فهل من حقها فرض هذا التأويل على

الآخرين؟ وهل مِن حق مَن يعارض الفكرة أن يحدّ من هذه الحريات بحسب قناعاته الخاصة؟ بل

هناك سؤال أخطر: في تونس اليوم، إذا قبلنا بفكرة الدولة المدنية، وبمقولة المجتمع المدني، وبفصل المعتقد عن السياسة كما ورد ذلك في الدستور، فهل يصح تأويل التحولات الجارية من خارج مثل هذه المداخل؟ • هناك مشاكل أخرى تؤكد أننا في مفترق طرق تأويلية متشعبة؛ ذلك أن تأويل هذه التحولات على

أنها تسير إجمالً في اتجاه تكريس مبادئ يجري اعتبارها كونية، يطرح قضية الهيمنة الثقافية والسياسية التي ترزح تحتها مجتمعاتنا ودولنا (وصف الهرماسي محرري تقرير الحريات الفردية والمساواة بالحداثويين الناقلين لمفهوم الحداثة من المركز إلى الهامش من دون تمحيص)، وتُستخدم في إطارها مبادئ الكونية لتكريس تلك الهيمنة وفسخ الخصوصيات الثقافية التي يمكن أن تشكل موارد قوية في مقاومة الهيمنة، لكن هل يمكن لهذا الإشكال أن يصبح مطية لرفض الحريات الفردية ووضعها تحت وصاية قناعات لمجرد أن مصدرها تاريخي محلي؟ • رأيي هنا أن هناك حلًّ، من الممكن أن ينتخبه التاريخ كي يتحول إلى واقع (ربما في السنوات القادمة)، ويتمثل هذا الحل في تشجيع القراءة النقدية العميقة لكل قناعاتنا التي ساعدتنا في السابق، بصفة إجمالية، على جعل الحياة «مفهومة» و«معقولة»، ولم تعد اليوم كذلك أو أصابتنا من شموليتها ريبة معيارية وتأويلية. • معرفيًا: نحن أيضًا في مفترق طرق؛ فالسجال النظري الذي أخذ حيزًا من النقاش اتجه نحو التخلي

عن مقولات الجماعوي والاجتماعي والطبقة والوظيفة والمؤسسة. هناك توجهات عالمية اليوم تريد تخليص الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية من الوضعية، وتريد تخليص العالم من مركزية الحداثة الأوروبية؛ أي نزع التاريخ (بالألف واللام) من الاحتكار الغربي.

17. واضح، إذ ا، من خلال كل ما سبق، وكما شرح ذلك كل من روضة القدري وعبد الحميد العبيدي في بحثيهما، أن الفردانية مسار مادي تفكيكي لكل ما هو جماعوي بقدر ما هو فلسفة اجتماعية سياسية عالجت، وتعالج، العلاقة القيمية والمعيارية التي تربط الفرد بالجماعة في سياق حضاري خاص، كما أن هناك مجتمعات أخرى في العالم (ذكر العبيدي المثال الياباني) حققت تصالحًا مع

شروط العيش في العالم الحديث، من دون أن تربط ذلك معياريًا بالثقافة الفردانية. 18. من وجهة نظر ممكنة، تكمن مزية «الربيع العربي»، بما له وما عليه من فشل مؤقت هنا ونجاح مشروط هناك، في أنه بصدد التأسيس لأرضية جديدة لا تُحتكر فيها «الحقيقة» من أي طرف يقدم أجوبة عن هذه الأسئلة، ولا يحتكر فيها أحد وسيلة، أو شرعية، فَرْض تأويل محدد للقضايا المعيارية

والثقافية التي يسببها معول توسع أنماط الإنتاج والاستهلاك الرأسمالية في ثنايا المجتمع، لكن الإجابات الأصيلة تتطلب وضع استراتيجيات سياسية – تعليمية وبحثية جريئة ومستقلة، مع وجود طموحات «تتعب في مرادها الأجسام».

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 غيرتز، كليفورد. تأويل الثقافات. ترجمة محمد بدوي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009

الأجنبية

Birnbaum, Pierre & Jean Leca (dir.). Sur l’individualisme: Théories et méthodes , 2 nd ed. Paris: Les Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, 1991. Bourdieu, Pierre. Leçon sur La Leçon. Paris: Minuit, 1982. Braudel, Fernand. Éventail de l’histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre, Offert par L’amitié d’Historiens, Llinguistes, Géographes, Economistes, Sociologues, Ethnologues. Paris: Armand Colin, 1953. Corcuff, Philippe, Christian Le Brat & François de Syngly. L’Individu Aujourd’hui. Rennes: Presse Universitaires de Renne, 2010. Gurr, T.R. Why Men Rebell. London/ New York: Routledge, 2016 [2011]. Kaiwar, V. L’Orient Postcolonial: Sur la « Provincialisation de l’Europe » et la Théorie Postcoloniale. Paris: Éditions Syllepse, 2012.

(((ينظر في موضوع الفردانية كمنظومة معيارية فلسفية أيضًا:

Philippe Corcuff, Christian Le Brat & François de Syngly, L’Individu Aujourd’hui (Rennes: Presse Universitaires de Renne, 2010).