Return to Article Details Defining by Abstraction: Solving the Problem of Contested Concepts in Social Sciences (the Concept of “Security” as an Example)

التعريف بالتجريد: حل مشكلة المفاهيم المتنازع عليها في العلوم الاجتماعية (مفهوم الأمن مثالًا)

Defining by Abstraction: Solving the Problem of Contested Concepts in Social Sciences

سيد أحمد قوجيلي | Sid A. Goudjili *

الملخّص

تُعدّ المفاهيم مكوّنًا أساسيًا لعمل العلوم الاجتماعية وتطوّرها، ولطالما كان الغموض المفاهيمي يمثّل صعوبة بالغة في دراسة علم الاجتماع والسياسة. ويُعدّ عمل والتر غالي حول "المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة" من أبرز الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشكلة. وفي هذا البحث، سنفحص الإطار الذي وضعه غالي للمسألة، والحل الذي طوره لمشكلة "المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة"، وذلك من خلال التركيز على المرحلة الحاسمة في عملية البحث؛ مرحلة تعريف المفاهيم، استنادًا إلى استخدام قواعد جيوفاني سارتوري الكلاسيكية لتكوين المفهوم وما يسمّى "سلّم التجريد".

Abstract

Abstract: Concepts are critical to the functioning and evolution of social sciences. Conceptual confusion has long been a source of difficulty in the study of social science and politics. W. B. Gallie’s analysis of «essentially contested concepts» stands as a notable effort to address this problem. This article examines Gallie’s framework and develops a solution to the problem of essentially contested concepts by focusing on the crucial stage in the research process: when the concepts are defined. The paper works mainly with Sartori’s classic rules of concept formation, and with reference to his «ladder of abstraction.»

Keywords:
  • the Ladder of Abstraction
  • Concept Formation
  • Concept Stretching
  • Essentially Contested Concepts
  • Security Studies

(مفهوم الأمن مثالا)

(the Concept of «Security» as an Example)

ملخص: تُعدّ المفاهيم مكوّنًا أساسيًا لعمل العلوم الاجتماعية وتطوّرها، ولطالما كان الغموض

المفاهيمي يمثّل صعوبة بالغة في دراسة علم الاجتماع والسياسة. ويُعدّ عمل والتر غالي حول

«المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة» من أبرز الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشكلة. وفي هذا البحث، سنفحص الإطار الذي وضعه غالي للمسألة، والحل الذي طوره لمشكلة «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة»، وذلك من خال التركيز على المرحلة الحاسمة في عملية البحث؛ مرحلة تعريف المفاهيم، استنادًا إلى استخدام قواعد جيوفاني سارتوري الكاسيكية لتكوين

المفهوم وما يسمّى «سلّم التجريد».

المفاهيمي، الدراسات الأمنية.

Abstract: Concepts are critical to the functioning and evolution of social sciences. Conceptual confusion has long been a source of difficulty in the study of social science and politics. W. B. Gallie’s analysis of «essentially contested concepts» stands as a notable effort to address this problem. This article examines Gallie’s framework and develops a solution to the problem of essentially contested concepts by focusing on the crucial stage in the research process: when the concepts are defined. The paper works mainly with Sartori’s classic rules of concept formation, and with reference to his «ladder of abstraction.»

A Professor of Critical Security Studies in the Doha Institute for Graduate Studies.

«ينبغي لكل مفكر واعٍ أن يكون مدر كًا في كل الأوقات لمستوياتِ التجريد التي يشتغل فيها، وأن يكون، تباعًا، قادرًا على التحكم

فيها. إن القدرة على التنقل بين مستويات التجريد بمنتهى السهولة والوضوح عامةٌ بارزة للمفكر البارع والمنظم».

مقدمة: مشكلة «قابلية التعريف»

لا يخفي كثير من الباحثين في العلوم الاجتماعية ولعهم الشديد بمقولة ماكس فيبر التي صرّح فيها بأن «تقدُّم العلوم الاجتماعية مرهون بالنزاعات على المصطلحات والتعاريف».

وعلى الرغم من أن النزاع على تعريف المفاهيم والمصطلحات هو إحدى الحقائق الثابتة في تاريخ العلوم الاجتماعية، فإن غالبية المشتغلين في هذا المجال تتعامل مع المفاهيم بطرائق تنكر وجود أي خاف بشأن معانيها ودلالاتها. وتظهر صور هذا الإنكار بوضوح في مرحلة تصميم البحث، حيث يبدو الباحث، منذ الخطوات الأولى لوضع الإطار المفاهيمي Framework Conceptual، على استعداد لاشعوري لافتراض (مسبقًا) بوجود تعريف جاهز للمفهوم الذي يتناوله. وبصرف النظر عن صعوبة ذلك المفهوم أو طابعه الإشكالي، تفترض هذه الممارسة أن لديه، بالضرورة، تعريفًا محددًا، وما على الباحث إلا التنقيب عنه في المعاجم المتخصصة، أو في مدونة الدراسات السابقة. والمشكلة في هذه الممارسة أنها تسلّم قبليًا بإجرائية المفاهيم Concepts of Operationalization، وتتحاشى إثارة

المسألة الأساسية التي يجب أن يأخذها الباحث في الحسبان في أثناء وضع الإطار المفاهيمي، وهي ما إذا كان المفهوم «قابلً للتعريف» من الأساس. تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على اعتقاد منهجي خاطئ، تحوّل بفعل الممارسة المستمرة إلى

ما يشبه القاعدة المنهجية المقبولة في البحوث الاجتماعية. ينص هذا الاعتقاد على أن المفاهيم، مهما كان بناؤها أو مجالها أو محتواها، هي إنشاءات لغوية قابلة للتعريف Definable. ويستند هذا الاعتقاد إلى فرضيتين منهجيتين: تقول الأولى إن كل مفهوم أو مصطلح يحتوي «بالضرورة» على تعريف متفرد، وتقول الثانية إن ذلك التعريف قابل للتحديد والقياس والتفعيل الإجرائي. تتميز العلوم الاجتماعية من العلوم الطبيعية بتولد المفاهيم وكثرتها؛ إذ قد تصل التعاريف المقترحة لمفهوم واحد، أحيانًا، إلى دزينتين أو يزيد؛ فعلى سبيل المثال، يحتمل مفهوم الأيديولوجيا وحده ما يناهز 5 3 تعريفًا. وعلى الرغم من أن مشكلة كثرة التعاريف للمفهوم الواحد شائعة جدًا في العلوم الاجتماعية، فإن مناهج البحث وقواعدها لا تأخذها بجدية، سواء أكان ذلك على صعيد الحلول

(1) Charles Wright Mills, The Sociological Imagination (Oxford: Oxford University Press, 1959), p. 34. (2) Max Weber, The Methodology of the Social Sciences , Edward A. Shils & Henry A. Finch (eds. & trans.) (New York: Free Press, 1949), p. 106.

(((يمكن التذكير في هذا الشأن بمقولة دولوز وغتاري المشهورة: إن مهمة الفلسفة وأنساقها هي خلق المفاهيم وإبداعها، يُنظر:

Gilles Deleuze & Félix Guattari, Qu’est–ce que la philosophie? (Paris: Éditions de Minuit, 1991).

(((يُنظر دراسة جون غيرين لمفهوم الأيديولوجيا:

John Gerring, «Ideology: A Definitional Analysis,» Political Research Quarterly , vol. 50, no. 4 (1997), pp. 957–994.

المنهجية المقترحة لها، أم كيفية التعامل معها على المستوى الإجرائي. وثمة استثناءات لهذه القاعدة في بعض الحقول الفرعية؛ فالمشتغلون في فلسفة العلوم الاجتماعية واعون جيدًا بوجود مفاهيم مختلف فيها، وغالبًا ما يشيرون إليها بعبارة: «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة» Essentially Contested

Concepts، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الفيلسوف البريطاني والتر برايس غالي. مبدئيًا، «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة» هي تلك المفاهيم التي لا تحظى بإجماع الباحثين بشأن

معانيها ودلالاتها، والمفاهيم التي هي محل خاف ونزاع لامتناهيين على طرائق تعريفها واستخدامها. ويعيد التمعن في تعريفها قليلً، إلى أذهاننا، الكم الهائل من مفاهيم العلوم الاجتماعية التي تنتمي إلى هذا النوع، سواء أكانت مفاهيم كاسيكية، مثل الحرية والعدالة والسلطة والديمقراطية والثورة والعلمانية، أم مفاهيم معاصرة، مثل الهوية والإرهاب والأمن والإبادة الجماعية والإثنية والجندر، على سبيل المثال لا الحصر. وتحتل هذه المفاهيم منزلة فريدة في معاجم العلوم الاجتماعية، وبعضها مفاهيم تأسيسية في بعض الحقول الدراسية، ومع ذلك لا تعترف مناهج البحث، كما تُدرس في المقررات الدراسية، بصعوبة تعريف هذا النوع من المفاهيم، وتعالج العملية الإجرائية Operationalization Definition باعتبارها مرحلة (غير إشكالية) من مراحل البحث. إن الاعتراف بوجود مفاهيم متنازع عليها يجعل الباحث أكثر وعيًا وحذرًا في التعامل معها، لكنه يثير

في الآن نفسه مشكلتين: الأولى هي ميل الباحثين إلى استخدام أطروحة التنازع المفاهيمي ذريعةً لتبرير الاستسام للمشكات الناجمة عن سوء تحديد المفاهيم، وتكريس النزعة المحافظة المناهضة للتغيير المفاهيمي Change Conceptual؛ وتتمثّل المشكلة الثانية في استخدام الأطروحة لتبرير نشوء النزاعات المفاهيمية واستمرارها بدلً من بذل الجهود لفضّها. ليست هاتان المشكلتان، كما تَبين في الممارسات البحثية، مجرد مشكات عارضة، بل مصدر الجزء الأكبر من الانتقادات التي وُجهت إلى

أطروحة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، وأدى الاشتباك معهما إلى ارتفاع الأصوات التي تدعو، بما فيها هذه الدراسة، إلى إعادة نظر جذرية في المقاربات السائدة لتكوين المفهوم. إن النقاش الراهن بشأن المفاهيم مطروحٌ بين قطبين متعارضين فلسفيًا، لكنهما متشابهان إجرائيًا:

متعارضان في المفهمة Conceptualization، ومتشابهان في التحيز إلى قابلية التعريف Definable Bias. يمثّل القطب الأول الادعاء القائل إن «كل المفاهيم قابلة للتعريف»، ويستند إلى فرضيتين نظريتين (أشرنا إليهما سابقًا) لا تستوفيان معايير الدقة والثبات الإمبريقيين. أما القطب الثاني، فتمثّله أطروحة «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة»، وهي الأخرى أطروحة مؤسسة على أفكار فلسفية مبهمة وغير قابلة للتعميم. تحاول هذه الدراسة تجاوز هذا الاستقطاب باحتالها موقعًا وسطًا بين الموقفين؛ فمن ناحية تقرّ بوجود مفاهيم متنازع عليها ومحل خاف بشأن تعريفها وطرائق استخدامها، لكن

تجادل من ناحية أخرى بإمكان تعريفها على الرغم من طابعها التنازعي.

(5) Walter Bryce Gallie, «Essentially Contested Concepts,» Proceedings of the Aristotelian Society , vol. 56 (1955– 1956), pp. 167–198.

يفرض تبوُّؤ هذا الموقع الوسطي علينا تبنّي نسخة لينة Version Soft من أطروحة المفاهيم المتنازع

عليها، لسببين: الأول، أن الالتزام الصارم بالنسخة الأصلية (الصلبة) من شأنه أن يجعل التحليل المفاهيمي با جدوى، والثاني، أن «المرونة» متطلب ضروري لتجاوز المشكات التعريفية المرتبطة بتكوين المفاهيم (ولا سيما المشكلتين المذكورتين أعاه). ويجب التنويه هنا أيضًا بماحظة بالغة الأهمية: إن تبنّي النسخة اللينة من الأطروحة لا يحل نهائيًا التعارض بين الموقفين؛ فلئن كان هذا

الإجراء يُقر بوجود المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، ويفترض إمكان تعريفها، فإنه لا يقترح كيفية

القيام بذلك، ما من شأنه أن يدفعنا إلى الافتراض بأن حل التعارض المذكور لا بد من أن يستند إلى مرجعية محايدة ومستقلة عن بنية المفهوم ذاته. إن الحل الذي نقدمه في هذه الدراسة مستلهمٌ من الإطار التحليلي الذي صاغه عالم السياسة جيوفاني

سارتوري (017–19242)، تحت اسم «سلّم التجريد» Abstraction of Ladder، الذي سنحاول أن نثبت من خاله أن تعريف المفهوم المتنازع عليه بالضرورة هو أمر ممكن ما دمنا قد استطعنا تجريده من خصائصه وسماته التعريفية (حذف بعض العناصر من بنيته) وجعله شاملً، ما أمكن ذلك. يصنف سلّم التجريد المفاهيمَ تصنيفًا عموديًا من ثاث فئات: المفاهيم المجردة تمامًا، والمفاهيم

متوسطة التجريد، والمفاهيم منخفضة التجريد (الملموسة جدًا). ويفترض سلّم سارتوري أن تجريد المفهوم يتناسب عكسيًا مع حجم العناصر التي يحويها في التعريف؛ حيث يتطلب تعريف المفاهيم

المجردة عددًا قليلً من السمات والخصائص التعريفية، في حين يتطلب تعريف المفاهيم الملموسة عددًا كبيرًا منها. وإذا نظرنا إلى المفاهيم المجردة من منظور أطروحة غالي، فستبدو لنا أقل عرضة

للتنازع عليها، مقارنة بالمفاهيم الملموسة التي تحتوي على عدد كبير من العناصر التعريفية. ولهذا السبب تفترض هذه الدراسة أن سلّم التجريد هو إطار تحليلي مائم لفضّ النزاعات المفاهيمية (والاتفاق على تعاريف موحدة) عبر تسلّق السلّم من المفاهيم الملموسة نحو المفاهيم المجردة. إن الحل الذي نقترحه، باختصار شديد، هو نزع طابع التنازع الضروري بوساطة التجريد. ثمة سببان آخران يجعان سلّم التجريد إطارًا نظريًا مائمًا لحل المشكات المرتبطة بتكوين المفاهيم

وتعريفها: أولهما أنه يساعد على تجنب مشكلة التمدد المفاهيمي Stretching Conceptual؛ وهي مشكلة قديمة وشائعة جدًا في العلوم الاجتماعية، تظهر عندما يُمدد الباحث تعريفَ مفهومٍ معين

(أو صياغته الأصلية) من أجل ماءمة حالات وسياقات جديدة. يحدث التمدد المفاهيمي في معظم الحالات بسبب رغبة الباحثين في إنجاز التعميم أو سعيهم لنسج المقارنات الشاملة، حيث يستخدمون

(((يجادل ديفيد بالدوين بأن تبنّي النسخة الصلبة من أطروحة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، يؤدي إلى رفض التحليل

التصوري ويجعل محاولته با جدوى، في حين يسمح لنا تطبيق النسخة اللينة بتحديد المفهوم الأفضل من بين المفاهيم الموجودة قيد النظر. يُنظر:

David Baldwin, «The Concept of Security,» Review of International Studies , vol. 23, no. 1 (1997), p. 10. (7) Giovanni Sartori, «Concept Misformation in Comparative Politics,» The American Political Science Review , vol. 64, no. 4 (1970), pp. 1033–1053.

تعريفًا محددًا لحالة أو ظاهرة بعينها، ثم يحاولون تطبيقه على حالات وظواهر أخرى جديدة. لكن تمديد المفاهيم من أجل ماءمة سياقات جديدة غالبًا ما يُنتج مفاهيم غامضة، ويزيد من حدة النزاعات

المفاهيمية، ويطيل أمدها. اقترح سارتوري سلّم التجريد وسيلةً لحل مشكلة التمدد المفاهيمي، وذلك

من خال الزيادة في سِعة المفهوم (عدد الحالات التي يغطيها) والتقليل من مضمونه (خصائصه وسماته التعريفية)، وهما إجراءان نعود إليهما بالتفصيل لاحقًا. يرتبط السبب الثاني بمشكلة الامقايسة (أو عدم قابلية القياس Incommensurability)، وهي الطرح الذي ينص على عدم وجود أسس أو مرجعيات عقانية ومحايدة لمقارنة المفاهيم المتنافسة وإثبات صحة بعضها ضد بعض. ويمكن توضيح هذا الطرح بالقول، على سبيل المثال، لا يوجد معيار لقياس، أو مقارنة تعريف «الكتلة» و«المسافة» و«الزمن» في نظرية نيوتن، بتعريفها في نظرية أينشتاين. وينسحب القول ذاته في العلوم الاجتماعية على إمكان المقارنة، مثلً، بين تعريفي «العدالة» في نظرية جون رولز (002–19212) وعند روبرت نوزيك (2002–1938)، أو بين تعريف الحرية في نظرية إيزايا برلين (997–19091) أو نظرية فيليكس أوبنهايم. إن تركيز الامقايسة على الأنساق المفاهيمية «المتنافسة» يجعلها نسخة منقحة من أطروحة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة التي تفترض، هي الأخرى، عدم وجود معايير عقانية للحكم على صحة المفاهيم أو الطريقة المثلى لاستخدامها: «تمنع الامقايسة»، يقول بيتر باركر ومعاوناه، «قيام تواصل مثمر بين مؤيدي مختلف الأنساق المفاهيمية، وتمنع المقارنة العقانية للأنساق الامقايسة المتنافسة». وعلى الرغم من سلبياتها، فإن لامقايسة المفاهيم تختلف عن أطروحة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة في تجنبها تناول المفاهيم بمعزل عن النظريات والبراديغمات التي تتكون و/ أو تتطور فيها، وهي بذلك تمنح دورَ المجتمع العلمي (والسياق البحثي خاصةً) أكبر أهمية في تقرير كيفية تكون المفاهيم وتعريفها.

ولما كانت المفاهيم المستقرة والمتفق عليها شرطًا ضروريًا، على الرغم من أنه ليس كافيًا، لقيام الجماعة

البحثية، فإن التحدي الذي تفرضه الامقايسة على هذه الجماعة هو العثور على معايير مشتركة (عقانية ومحايدة) لبناء توافق على المفاهيم الحقلية الأساسية (المنشِئة الحقلَ ذاته)، وتفادي النقاشات المفاهيمية العقيمة والحلقات التصورية المفرغة التي تعيق التقدم العلمي في الحقول الدراسية. يوفر سلّم التجريد حلً تقنيًا لمشكلة الامقايسة، ويشجع الباحثين من مختلف البراديغمات والمقاربات

النظرية المتنافسة على البحث عن العناصر المشتركة في تعريف المفاهيم الأساسية الخاصة بحقولهم

(8) David Collier & James E. Mahon, «Conceptual ‘Stretching’ Revisited: Adapting Categories in Comparative Analysis,» American Political Science Review , vol. 87, no. 4 (1993), p. 845. (9) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971); Robert Nozick, Anarchy, State, and Utopia (New York: Basic Books, 1974). (10) Isaiah Berlin, Two Concepts of Liberty (Oxford: Oxford University Press, 1958); Felix Oppenheim, Dimensions of Freedom (New York: St. Martin’s Press, 1961). (11) Peter Barker, Xiang Chen & Hanne Andersen, «Kuhn on Concepts and Categorization,» in: Thomas Nickles (ed.), Thomas Kuhn (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003), p. 238.

الدراسية. وعلى الرغم من أن الطريق التي يسلكها سلّم التجريد نحو بناء التوافق لا تضمن، بطبيعة الحال، الوصول إلى النهاية المنشودة (التعريف الجامع المانع)، فإن تركيزه على النقاط المشتركة في التعاريف، والتزام تعاريف الحد الأدنى (التي يمكن أن تؤسس التوافق)، يجعانه مرشحًا لمنزلة المعيار

المشترك (المنشود) الذي من شأنه أن يعالج، نسبيًا وفي آن واحد، مشكات المفاهيم الامقايسة

والمتنازَع عليها. تحتوي كل الحقول الدراسية في العلوم الاجتماعية على مفاهيم «متنازع عليها بالضرورة»، لكن عدد هذه المفاهيم (كمها) يتفاوت نسبيًا من حقل إلى آخر. وعلى الرغم من أن «التنازع الضروري» يرجح

أن يكون سمة مشتركة في مفاهيم كثيرة، فإن حدة التنازع تتفاوت نسبيًا من مفهوم إلى آخر. ومراعاةً

للصرامة المنهجية، ورغبة منا في اختبار الأطروحة ضد الحالات الصعبة Least–likely Cases، ارتأينا أن نستخدم في الشق التطبيقي للدراسة مفهومًا متنازعًا عليه بشدة، هو مفهوم الأمن. وزيادة على

الطابع المتنازَع عليه طبعًا، ثمة سببان آخران يسوغان منهجيًا هذا الاختيار: أولهما أن ظاهرة الأمن،

سواء أكانت ممارسةً أم خطابًا، تمسّ كل سمات الحياة الإنسانية، وهي منتجة عددًا لا حصر له من

النظريات والمواقف والخطابات والسياسات التي تعتبر أساسية لفهم المجتمعات الإنسانية المعاصرة. أما السبب الثاني، فمرتبط بالبنية الحقلية للمفاهيم؛ إذ يُعدّ الأمن المفهوم الأساسي المنشئ لحقل

الدراسات الأمنية، وبالنظر إلى الحداثة النسبية لهذا الحقل الدراسي، فإن التنازع على تعريف الأمن يمثّل دليلً واضحًا على تأثير مشكلة التنازع المفاهيمي (والامقايسة) في تماسك الجماعة البحثية

وآفاق التقدم العلمي في الحقول التي تعاني هذه المشكات. ولفحص هذه القضايا ومتابعتها بالنقد والتحليل، سنتبع مخططَ عرضٍ مكونًا من ثاثة محاور: يتناول الأول التعريف بالمفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، ويعرض أهم الفروض والأفكار التي تستند إليها الأطروحة. في حين يتناول الثاني إطار سلّم التجريد وكيفية استخدامه في ماءمة المفاهيم وتعريفها. أما الثالث، فهو دراسة حالة تعرض تطبيق إطار سلّم التجريد على مفهوم متنازع عليه بالضرورة، وهو مفهوم الأمن، وتبين إمكانات الإطار وحدوده في حل مشكلة المفاهيم المتنازع عليها.

أولا: أطروحة «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة»

ظهر مصطلح «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة» في منتصف خمسينيات القرن العشرين، في عنوان مقال للفيلسوف البريطاني والتر برايس غالي. وعُرض المقال أول مرة في اجتماع الجمعية الأرسطية (آذار/ مارس 956 1)، ثم نُشر في عدد خاص من مجلة محاضر الجمعية الأرسطية. تناول هذا المقال مسألة كيفية فهم التطبيقات والاستخدامات المتعددة للمفاهيم في بعض العلوم الإنسانية من خال «توفير أساس عقاني متماسك لمناقشة المفاهيم المعقدة». ولاقى المقال حين صدوره ردات فعل

(12) Gallie. (13) David Collier, Fernando Daniel Hidalgo & Andra Olivia Maciuceanu, «Essentially Contested Concepts: Debates and Applications,» Journal of Political Ideologies , vol. 11, no. 3 (2006), p. 213.

متفاوتة، راوحت بين الترحيب والتبنّي الصريح لأطروحته، أو التحفظ عليها والاشتباك معها نقديًا، وبلغ

بعض ردات الفعل هذه أحيانًا حد التجاهل والرفض التام. وعلى الرغم من تفاوت الآراء والردود بشأنه، لا يزال المقال يصنف مرجعًا أساسيًا في التحليل المفاهيمي في فلسفة العلوم الاجتماعية. إن أول تحدٍّ واجهه غالي، ويواجهه كل الباحثين في الأطر المفاهيمية عمومًا، هو تفسير أسباب

اندلاع النزاعات المفاهيمية في المقام الأول. واعتقد غالي أن البحث عن تلك الأسباب وجذورها يبدأ من ضرورة الأخذ في الحسبان الفكرة البسيطة الآتية: إن افتقار الباحثين إلى قواعد مشتركة (وموحدة) لتعريف المفهوم، لا يُعدّ سببًا كافيًا للتنازع عليه، إنما، زيادة على ذلك، لا بد من أن

يتوافر الشرطان الضروريان الآتيان: أولً، أن يسود الخاف بين الأطراف المتنازعة في مسألة «ما هو الاستخدام الصحيح للمفهوم؟»؛ وثانيًا، أن يدّعي كل طرف أن استخدامه للمفهوم هو الاستخدام

الصحيح، وأن الحجج التي يستند إليها هي حجج دامغة ومقنعة: «إن فحص الاستخدامات المختلفة للمصطلحات، والحجج التي تسندها، يبين عدم وجود استخدام عام ومحدد، حيث يمكن اعتباره الاستخدام الصحيح أو القياسي [...] كل طرف يواصل الاعتقاد أن الوظائف الخاصة التي ينجزها المصطلح [...] هي الوظيفة الوحيدة الصحيحة، أو السليمة أو الأساسية أو المهمة التي يمكن أن ينجزها المصطلح موضع السؤال. وكل طرف، إضافة إلى ذلك، يواصل الدفاع عن اعتقاده بما يدّعي أنه حجج مقنعة». زيادة على هذين الشرطين، يعرّف غالي النزاعات المفاهيمية بسمتين أساسيتين: الأولى أنها نزاعات

أصيلة تمامًا Genuine Perfectly، والمقصود بهذه العبارة أن الخافات التعريفية لا يمكن تفسيرها

باختاف الأذواق أو تضارب المصالح (أو بعض الاعتبارات النفسية والميتافيزيقية)، إنما المفاهيم المتنازع عليها هي تلك المفاهيم التي تحوي في بنيتها خصائص وسمات تجعلها موضع تنازع دائم وحتمي. أما السمة الثانية التي تميز النزاعات المفاهيمية، فهي عدم إمكان فضها أو التوفيق بين أطرافها لأنها مؤسسة منطقيًا وعقانيًا. ويُقصد بذلك أن هذه النزاعات، وإن كانت عصية على الحل ولا يمكن

فضها أبدًا، فإن الحجج التي يستند إليها المتنازعون (لإثبات أن استخدامهم للمفهوم هو الاستخدام الصحيح) هي حجج دامغة ومقنعة. ويكشف التمعن برهةً في هذا الطرح عن مفارقة مثيرة لاهتمام؛ إذ يفترض عدم وجود أي حجة (مهما كانت دامغة أو منطقية) يمكن الاستناد إليها لفضّ النزاع المفاهيمي أو اعتمادها معيارًا لتقرير ما هو الاستخدام الصحيح للمفهوم. لكن أيّما حجة، على الرغم من ذلك، قد

تكون قوية ومقنعة بما يكفي لجعل هذا النزاع نزاعًا دائمًا. أطلق غالي على المفاهيم التي تنطبق عليها

هاتان السمتان اسم «المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة»، وعرّفها على هذا النحو: «ثمة مفاهيم متنازع

(14) Gallie, p. 168.

(1((يقول غالي في هذا الشأن: «ثمة نزاعات أصيلة تمامًا؛ بمعنى أنه لا يمكن فضّها بوساطة الاستدلال بأي حجة من أي نوع،

لكنها على الرغم من ذلك مدعومة بحجج ودلائل دامغة»، يُنظر:

Ibid., pp. 168–169.

عليها بالضرورة، وهي تلك المفاهيم التي ينطوي استخدامها الصحيح على نزاعات حتمية لامتناهية حول استخداماتها الصحيحة من مستخدميها». يمكن رصد ثاث ماحظات رئيسة في هذا التعريف: الأولى، أن غالي يستخدم عبارة «الاستخدام الصحيح»، بدلً من «التعريف الصحيح» للمفهوم؛ وهي عبارة تساوق الطرح العام الذي ينطلق منه: تعرف المفاهيم بطرائق استخدامها. أما الماحظة الثانية، فهي استخدامه عبارة «بالضرورة» للإشارة إلى الطابع «الحتمي» لهذه النزاعات: هي لا يمكن تجنبها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال. أما الماحظة الثالثة، فهي استخدامه عبارة «المتناهية» لوصف هذه النزاعات، وهي تشير إلى طابعها المستديم والمستعصي على الحل.

1. شروط المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة

لا شك في أن التعريف الوارد سابقًا يحرز نقاطًا إيجابية على صعيد الشح Parsimony. لكن، من ناحية أخرى، لا يحدد بدقة، أو بوضوح، ما الذي يجعل المفهوم متنازعًا عليه بالضرورة. ولهذا السبب، وسعيًا منه لإضفاء المزيد من التحديد، اقترح غالي أربعة شروط يجب توافرها في المفهوم كي يصنف

في فئة «المتنازع عليها بالضرورة»: أولً، يجب أن يكون ذا طابع تقويمي Appraisive، بمعنى أن يدل على إنجاز ثمين وذي قيمة؛ ثانيًا، يجب أن يكون معقدًا داخليًا Complex Internally، وهذا يعني

انتماءه إلى «المفاهيم العنقودية» التي تتكون من عدة عناصر متغيرة ومنظمة وفق طرائق مختلفة؛ ثالثًا، أن يكون المفهوم قابلً للوصف بأساليب كثيرة ومنوعة؛ رابعًا، يجب أن يكون ذا طابع «مفتوح»، أي قابلً للتعديل في ضوء الظروف المتغيرة. وعلى الرغم من أهمية هذه الشروط الأربعة في تحديد المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، فإن غالي أقر بأنها لا تفسر الطابع التنازعي أو موضع الضرورة فيه، لذلك أضاف إليها شرطًا خامسًا: أن يعترف كل طرف

بأن استخدامه الخاص للمفهوم متنازعٌ عليه باستخدامات الأطراف الأخرى، وأن يُكنّ التقدير للمعايير

المختلفة التي يستند إليها الآخرون في تطبيقهم المفهوم: «إن استخدام مفهوم متنازع عليه بالضرورة»، على حد قوله، «يعني استخدامه ضد الاستخدامات الأخرى [...] وبأسلوب عدائي ودفاعي».

(16) Ibid., p. 168.

(1((يشير كريستين سوانتون إلى أن كلمة «بالضرورة» تستدعي توضيح المفاهيم المتنازع عليها. ويقول مايكل فريدن: «إن عبارة ‘متنازع عليها بالضرورة’ لا تقترح الضرورة فحسب، بل الضرورة المتأصلة، والضرورة المنطقية، والضرورة التي تتجاوز الزمان والمكان، والضرورة القصوى الاجتماعية والسياسية أيضًا»، يُنظر:

Christine Swanton, «On the ‘Essential Contestedness’ of Political Concepts,» Ethics , vol. 95, no. 4 (1985), pp. 811–813; Michael Freeden, «Editorial: Essential Contestability and Effective Contestability,» Journal of Political Ideologies , vol. 9, no. 1 (2004), p. 2. (18) Gallie, pp. 171–172. (19) Harvey Boulay, «Essentially Contested Concepts and the Teaching of Political Science,» Teaching Political Science , vol. 4, no. 4 (1977), p. 424. (20) Gallie, p. 172.

تحدد هذه الشروط الخمسة الخصائص الأساسية المطلوبة في تعريف المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة. لكنها، على الرغم من ذلك، غير كافية لتمييز هذا النوع الخاص من المفاهيم من تلك المفاهيم العادية الغامضة التي لا يُنازع عليها بالضرورة. ودفع عدمُ كفاية هذه الشروط غالي إلى البحث عن معايير أخرى أوضح للتمييز بين المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة وتلك التي يسميها المفاهيم «الغامضة جذريًا». وقاده ذلك إلى إضافة شرطين آخرين: السادس أن يكون المفهوم مشتقًا من نموذج أصلي Exemplar Original يعترف به كل المتنازعين على استخدام المفهوم؛ والسابع أن يُساهم التنازع المستمر على استخدام المفهوم في الحفاظ على استمرار النموذج الأصلي و/ أو تطويره على نحو أمثل. ويعتقد غالي أن هذين الشرطين مهمان جدًا في تبرير استخدام المفهوم المتنازع عليه بالضرورة؛ لأنهما يدلان، بجمعهما معًا، على أن استخدام أي مفهوم قائم على اعتراف المتنازعين بأنه مشتق من نموذج واحد مشترك، وأن مواصلة التنازع على استخدامه من شأنها أن تساهم في استدامة النموذج الأصلي وتطويره. ونلخص الشروط السبعة للمفاهيم المتنازع عليها بالضرورة، مرتبة ترتيبًا تسلسليًا:.1 الطابع

التقويمي،.2 التعقيد الداخلي،.3 قابلية الوصف المنوع،.4 الانفتاح، 5. الاعتراف المتبادل بالطابع المتنازع عليه بين الأطراف المعنية،.6 نموذج أصلي يسند المعنى التصوري، 7. تنازع تقدمي يمكن من خاله إنجاز المزيد من التماسك في استخدام المفهوم. كيف تفسر هذه الشروط السبعة مجتمعة حدوث التنازع الضروري على المفاهيم؟ كي نفهم أطروحة غالي في سياقها الصحيح، ينبغي لنا التمييز بين الشروط التأسيسية (الظروف السياقية) لقيام «التنازع الضروري» Contestedness Essential في المقام الأول، والفرضية التفسيرية التي تبرر حدوثه الحتمي واستمراره الامتناهي. ولتوضيح هذه الفكرة، دعونا نُعِد ترتيب حجة غالي باختصار في المراحل الثاث الآتية: ليكون هناك «تنازع ضروري» أولً، لا بد من أن يكون ثمة أطراف عدة يستخدمون المفهوم بطرائق منوعة؛ وثانيًا، أن يعترف كل

طرف في النزاع بأن المفهوم محل تنازع؛ وثالثًا، أن يحترم (ويُقدر) كل طرف الحجج التي يستند إليها الآخرون في استخدامهم المفهوم. تمثّل هذه الشروط الثاثة السياق Context الذي يحدث فيه «التنازع الضروري»، وهو سياق مهم جدًا لفهم طبيعة التنازع وحدوده. إلا أن السياق وحده لا يفسر حدوث التنازع الضروري (أو ظاهرة «الاتفاق على عدم الاتفاق»)؛ إذ على الرغم من التفصيات الثرية التي زودنا بها غالي بشأن الطابع الضروري (الحتمي والامتناهي)

(21) Ibid., p. 180.

(((2 مأخوذة بتصرف من:

Collier, Hidalgo & Maciuceanu, p. 212; Boulay, p. 424. (23) Collier, Hidalgo & Maciuceanu, p. 214.

(((2 على سبيل المثال، يقول هارفي بولاي: «إذا كان في وسعنا فهم هذه المفاهيم [المتنازع عليها بالضرورة] من خال فهم الحجج المطروحة عنها فحسب، فإن فهم هذه الحجج يتطلب معرفة الخلفية أو السياق الذي تحدث فيه». يُنظر:

Boulay, p. 429.

للتنازع المفاهيمي، فإنه، كما لاحظ جون كيكس، «لم يفسر سبب حدوثه في المقام الأول». نستنتج من ذلك أن المراحل الثاث المشكّلة للسياق (المذكورة سابقًا) لا تكفي لتفسير السبب (أو الأسباب) الذي يؤدي إلى نشوب التنازع الضروري، وبناء عليه كان لزامًا على غالي أن يضيف الفرضية التفسيرية

الآتية: على الرغم من أن الحجج التي تدعم أي استخدام معين للمفهوم هي حجج قوية ومقنعة، فإنها غير كافية لإثبات أنه الاستخدام الأفضل أو الأصح، أو على الأقل إثبات تفوقه على الاستخدامات الأخرى المنافسة. يقول غالي: «إنه لمن المستحيل»، «أن نعثر على مبدأ عام نقرر به ما يمثّل، حقًا، ‘أفضل استخدام’ لمفهوم متنازع عليه بالضرورة بين استخدامين متنافسين». يستطيع غالي بفضل هذه الفرضية تفسير السياق الذي ينشأ فيه النزاع المفاهيمي، بما في ذلك غياب أسس أو معايير موضوعية ومحايدة لفضّ هذا النوع من «النزاع الذي لا يعترف بالتسوية العقانية، ولا يخضع لمنطق التوليف الجدلي للتفسيرات المتعارضة».

2. الحدود التفسيرية لأطروحة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة

تعرضت أطروحة غالي لسيل عارم من الانتقادات، انحصر معظمها في المسائل الثاث الآتية: أولً، النزاعات المفاهيمية ليست بالغة الأصالة، كما يدّعي غالي، إذ أثبتت الدراسات حول الموضوع أن مصدر هذه النزاعات هو تضارب المصالح بين المتنازعين على استخدام المفهوم. وعلى سبيل المثال، جادل جون كيكس بأن ظهور المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة يشترط أن يعبّر النزاع المفاهيمي عن

مصلحة المتنازعين ويلبّي حاجاتهم وأهدافهم. وأشار باري كارك في دراسة أخرى إلى ضرورة

التمييز بين المفاهيم «المتنازع عليها» Contested من ناحية، و«القابلة للتنازع عليها» Contestable من ناحية أخرى، لتحديد ما إذا كان مصدر النزاع هو المفهوم في حد ذاته، أم وجود خاف «غير مفاهيمي» بين المتنازعين. وبرر كارك المغزى من هذا التمييز على النحو الآتي: «إذا ادّعينا أن المفهوم هو متنازع عليه فحسب، فهذا معناه أننا نعطي أهمية للنزاع، عوضًا عن المفهوم، في حين أن القول بأن المفهوم قابل للتنازع عليه معناه أننا ننسب جزءًا من النزاع إلى المفهوم: ندعي أن ثمة خاصية أو سمة معينة من

المفهوم تجعله متعدد المعاني، وهو يحتوي على مقدار من الصراع الداخلي للأفكار». ثانيًا، ضرورة التمييز بين المفهوم Concept والتصور Conception، إذ انتقد بعض العلماء تجاهل غالي

الاختاف الموجود بين المفهوم الذي يمثّل الأفكار، والتصور الذي يُعدّ تجسيدًا محددًا لتلك الأفكار.

(25) John Kekes, «Essentially Contested Concepts: A Reconsideration,» Philosophy & Rhetoric , vol. 10, no. 2 (1977), p. 77. (26) Gallie, p. 189. (27) Boulay, pp. 424, 432. (28) Kekes, p. 77. (29) Barry Clarke, «Eccentrically Contested Concepts,» British Journal of Political Science , vol. 9, no. 1 (1979), p. 124.

تجدر الإشارة إلى أن ديفيد كوليير ومعاونَيه قدموا حجة مشابهة عندما جادلوا بأن عبارة «قابل للتنازع عليه» تجعلنا نتوقع دائمًا

حدوث النزاع، على الرغم من أنه من غير المرجح أن يكون موجودًا في أثناء تحليل المفهوم. يُنظر:

Collier, Hidalgo & Maciuceanu, p. 214.

وكما لاحظ أحد هؤلاء النقاد، فإن التمييز بينهما يستلزم ضرورة التفريق بين مادة المفهوم (س) وتصور (س)، الذي يدل على أن ثمة مفهومًا واحدًا هو (س) و«تصورات» عدة عن (س)، أو استخدامات للمفهوم (س) على حد تعبير غالي. ثالثًا، فضّ النزاعات المفاهيمية وتسويتها عقانيًا ليست مهمة مستحيلة كما يدعي غالي، فقد أثبتت

دراسات عدة «إمكان التوصل إلى حل عقاني بشأن الادعاءات المفاهيمية المتعارضة». فعلى سبيل المثال، أثبت جون غيرين، في مجموعة من البحوث حول تكوين المفاهيم وتعريفها، «إمكان التوصل إلى تفسير واحد شامل ومختصر لبناء المفهوم في العلوم الاجتماعية». واستنتج جون غراي من دراسته مفهومي الحرية والليبرالية أن الطابع المتنازع عليه لمفهوم الحرية لا يمثّل عقبة منيعة لصوغ تعريف إجرائي لمفهوم الليبرالية. وانتقد مايكل فريدن تأطير أطروحة غالي من ناحية الاختيار بين القيم وأنماط التقويم، واقترح إعادة صوغ الأطروحة من ناحية «مورفولوجية المفاهيم» Morphology Concepts of، بحيث لا تكون «المفاهيم عرضةً للتنازع بالضرورة لأننا لا نستطيع الاتفاق على كيفية تقويمها، لكن لأننا لا نستطيع الاتفاق على سعتها ونطاقها وهندستها الداخلية». وهناك أيضًا من رأى أن استخدام الأطروحة في تحليل المفاهيم يثير سجالات ميتافيزيقية عقيمة، أو يُستخدم ذريعةً للحفاظ على الوضع الراهن Statu Quo. لا تزال الانتقادات والردود عليها سجالً بين نقّاد الأطروحة ومؤيديها. وعلى الرغم من الاستقطاب الحاد الموجود بينهما، فإن كا الفريقين يقتسم شيئًا واحدًا مشتركًا: كاهما يكتفي بتشخيص المرض من دون اقتراح العاج؛ فالموقفان، ولئن كانا يجادلان بإمكان تجاوز التنازع الضروري للمفاهيم، فإنهما لا يقترحان خطوات إجرائية واضحة للقيام بذلك. وقد أعطى غياب الحلول التقانية الانطباع بأن القول بإمكان تجاوز «الطابع المتنازع عليه» هو مجرد نقطة هروب تحليلية يلجأ إليها بعض الباحثين لتافي الوقوع في فخ النزعة الحتمية Determinism.

(30) Swanton, p. 811.

لإلقاء نظرة على بعض هذه الانتقادات، يُنظر:

Herbert Lionel Adolphus Hart, The Concept of Law (Oxford: Oxford University Press, 1961); Steven Lukes, Power: A Radical View (London: Macmillan, 1974); Ronald Dworkin, «A Special Supplement: The Jurisprudence of Richard Nixon,» The New York Review of Books , vol. 18, no. 8 (1972), pp. 27–35. (31) Kekes, p. 73. (32) John Gerring, «What Makes a Concept Good? A Criterial Framework for Understanding Concept Formation in the Social Sciences,» Polity , vol. 31, no. 3 (1999), p. 367. (33) John Gray, «On Liberty, Liberalism and Essential Contestability,» British Journal of Political Science , vol. 8, no. 4 (1978), p. 385. (34) Freeden, pp. 2–3. (35) Robert Grafstein, «A Realist Foundation for Essentially Contested Political Concepts,» The Western Political Quarterly , vol. 41, no. 1 (1988), p. 25. (36) Michael R. Rhodes, Coercion: A Nonevaluative Approach (Amsterdam: Rodopi, 2000), p. 1.

إذا اقتربنا من المسألة من زاوية إبستيمولوجية، فإن غياب الحلول لمشكلة النزاعات المفاهيمية هو نتيجة الانخراط المبالغ فيه في الاشتقاقات المفاهيمية من دون امتاك نظرية لتكوين المفهوم Theory of Concept Formation. إن امتاك مثل هذه النظرية هو أمر ضروري لإنجاز ثاث وظائف أساسية:.1 تحديد الظاهرة التي سيتم تعريفها (المعرَّف)،.2 تحديد السمات أو الخصائص التعريفية التي

تُعرّفها (المعرِّف)؛.3 سك الوسم الذي يغطي (1) و (2) (المصطلح). هذه الوظائف الثاث متساندة

ومتكاملة، لكن هذا لا يمنعنا من القول إن الوظيفة الثانية أهم من الوظيفتين الأخريين بسبب صلتها الوثيقة بتعريف المفهوم وإعادة تعريفه. وتكمن أهمية سلّم التجريد المستخدم في هذه الدراسة في ارتباطه بهذه الوظيفة تحديدًا؛ إذ يُعتبر إطارًا مائمًا لإنجازها بفضل مرونته التي تسمح بإزالة الخصائص التعريفية أو

إضافتها؛ ما يساهم في حل مشكلة التعاريف المتعددة واستخداماتها المتعارضة. بطبيعة الحال، ثمة نظريات أخرى لتكوين المفهوم اقترحت حلولً متباينة لمشكلة النزاعات المفاهيمية، من أهمها: النمط المثالي، والشَّبه العائلي، وسلّم العمومية. فعلى سبيل المثال، يوفر نموذج النمط المثالي type – Ideal قاعدة لفضّ النزاعات المفاهيمية بإرجاع المفهوم المتنازع عليه إلى نمطه المثالي؛ أي إلى صورته المجردة المعزولة عن خصائصه التعريفية. أما نظرية الشبه العائلي Resemblance Family، فتحيل المفهوم المتنازع عليه إلى عائلة المفاهيم التي ينتمي إليها. وتبدأ هذه المقاربة بتصنيف المفاهيم المتنازع عليها بحسب نسبها وارتباطها العائلي (احتواؤها على قواسم مشتركة عدة)، ثم تعرفها بخصائصها وسماتها التعريفية المتباينة (التي لا تصنفها ضمن الفئة نفسها). الحل الثالث هو إطار سلّم العمومية Generality of Ladder الذي قدمه ديفيد كوليير وجايمس ماهون. يختلف هذا الإطار عن الإطارين السابقين في أنه مستلهمٌ في الأصل من سلّم التجريد، وهو عبارة عن تنقيح وصقل لمقاربته الكاسيكية المستندة إلى التصنيف الهرمي للمفاهيم. وانحصر تنقيح كوليير وماهون في مراجعتين: الأولى، استبدلا كلمة «تجريد» التي استخدمها سارتوري بكلمة «العمومية» التي اعتبراها أوضح وأشمل، مقارنة بسابقتها التي تحيل إلى نقيض «الملموس». وكانت

(37) Gerring, «What Makes a Concept Good?,» pp. 357–358.

(((3 الأنماط المثالية، كما عرّفها فيبر، هي مفاهيم مجردة لا وجود لها في الواقع الإمبريقي، وتحمل صورة عامة ومثالية عن

العناصر الواقعية التي تشكل ذلك الواقع. وتُستخدم عمومًا لتحديد الخصائص والسمات التي يحويها المفهوم ومدى انطباقها و/ أو

عدم انطباقها على الحالة الواقعية. يُنظر:

Max Weber, «The ‘Objectivity’ of Knowledge in Social Science and Social Policy,» in: Henrik Bruun & Sam Whimster (eds.), Max Weber: Collected Methodological Writings (Oxon: Routledge, 2012), pp. 100–138.

(3((نظرية الشَّبه العائلي التي ابتكرها لودفيك فتغنشتاين هي استعارة تشبه المفاهيم بالأفراد الذين ينتمون إلى عائلة واحدة، يقتسمون بموجبها عناصر وراثية مشتركة، لكنهم لا يقتسمون السمات نفسها. يُنظر:

Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations , G.E.M. Anscombe (trans.) (Oxford: Blackwell Publishing, 1953). (40) Collier & Mahon; David Collier & Steven Levitsky, «Democracy with Adjectives: Conceptual Innovation in Comparative Research,» World Politics , vol. 49, no. 3 (1997), pp. 430–451.

(((4 يُنظر الهامش عدد 5 في:

Collier & Mahon, p. 853.

المراجعة الثانية أكثر جذرية، إذ رأيا من خالها أن افتراض سارتوري بأن خصائص المفهوم تقل كلما تسلقنا سلّم التجريد وتزيد كلما انحدرنا إلى قاعه، هو افتراضٌ لا يتناسب مع الكثير من المفاهيم. وبيّنا

في مقابل ذلك أن الخصائص التعريفية لبعض المفاهيم تقل (ولا تزيد) كلما انحدرنا نحو أسفل سلّم العمومية. وبينما يوافق الباحثان على فكرة سارتوري أن تسلّق سلّم التجريد (بإزالة الخصائص) يساهم في تفادي مشكلة التمدد المفاهيمي (يُنظر تفصيلها لاحقًا)، فإن ذلك في اعتقادهما يؤدي إلى خسارة

التفاضل المفاهيمي (إضافة الخصائص) الذي قد ينتج مفاهيم أكثر عمومية. وعلى الرغم من اختاف الحلول التي تطرحها النماذج الثاثة، فإنها تتفق على مسألة واحدة، هي أن المفاهيم قد تحتوي على عناصر تعريفية لا تجمعها قواسم مشتركة. وإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية، فإن هذه النماذج تساهم (كلٌ بطريقته) في تافي مشكلة عدم تطابق الفئة في إطار سلّم التجريد؛ أي إن المفهوم الذي ينتمي إلى فئة معينة لا يشترك في الخصائص التعريفية كلها. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يمكن هذه النماذج أن تكون بديلً من سلّم التجريد لسببين: الأول أنها تفتقر إلى إطار نظري لتكوين المفهوم، ولا تتوفّر على خطوات إجرائية واضحة للقيام بذلك، والثاني أنها تمنح محتوى المفاهيم الإمبريقي أهمية بالغة من دون الإشارة إلى العناصر الملموسة في الفئات (أي مَفهمَة الظواهر بمعزل

عن آثارها الملموسة). يعاني سلّم العمومية على نحو خاص ثاث مشكات: الأولى أنه بالغ التعقيد ويصعب تطبيقه على كل الحالات (بسبب افتقاره إلى خطوات إجرائية واضحة)؛ والثانية تجاهله مشكلة التمدد المفاهيمي بتحويلها إلى مشكلة التفاضل المفاهيمي أو اختزالها فيها؛ والثالثة، والأهم، أنه لا يائم الهدف المسطر لهذه الدراسة. وأشرنا سابقًا إلى أن المؤشر العملي على فضّ النزاع المفاهيمي هو اتفاق الجماعة العلمية على تعريف أساسي للمفهوم المتنازع عليه. ولا يخدم سلّم العمومية هذه الغاية؛ فهو يزيد في اتساع هوة الخاف لسماحه بإضافة المزيد من الخصائص التعريفية إلى المفهوم، وحصر نطاق الحالات التي ينطبق عليها. فعلى سبيل المثال، يرى كوليير وماهون أن مفهوم «الديمقراطية الانتخابية» (وهو ينتمي إلى الفئة الثانوية) أكثر عمومية من مفهوم «الديمقراطية» (الفئة الأساسية)، لأنه يشمل أنظمة الحكم التي تتميز بالانتخابات التنافسية على الرغم من افتقارها إلى المؤسسات الديمقراطية والممارسات المرتبطة بها. غير أنهما يعترفان، في الوقت نفسه، بأن مفهوم «الاستبداد» (الذي ينتمي إلى الفئة الأساسية) أكثر عمومية من مفهوم «الاستبداد البيروقراطي» (الفئة الثانوية). ونستنتج من هذه المقارنة البسيطة أن مفهوم الاستبداد (الناتج من صعود السلّم) هو الأقرب إلى تحقيق الإجماع التعريفي، مقارنة بمفهوم الديمقراطية الانتخابية (الناتج من هبوط السلّم)، على الرغم من التكافؤ الحاصل بينهما في مستوى العمومية.

(((4 التفاضل المفاهيمي Differentiation Conceptual هو نزول سلّم التجريد نحو المفاهيم التي تحتوي على خصائص تعريفية كثيرة وتنطبق على نطاق ضيق من الحالات. يُنظر:

Sartori, p. 1041. (43) Collier & Mahon, pp. 850–851.

ليس معنى هذا الاستنتاج أن السلّمين متعارضان أو متناقضان، بل يوضح أنهما إطاران تحليليان ينجزان أهدافًا مختلفة؛ إذ يائم سلّم العمومية، الذي يسمح بإضافة الخصائص التعريفية إلى الفئات الثانوية، أكثر اشتقاق المفاهيم، أما سلّم التجريد الذي يسمح بإزالة تلك الخصائص، فيائم تعريف المفاهيم. لذلك من الأفضل اعتبار سلّم العمومية إطارًا مكملً لسلّم التجريد، وليس بديلً منه. وينسحب القول

نفسه على نموذجي النمط المثالي والشبه العائلي، فهما يساهمان، كما يقول كوليير وماهون، في تجاوز التطبيق الصارم لفئات سارتوري الكاسيكية، ويمكن احتواؤهما في سلّم العمومية عبر إنجاز التفاضل المفاهيمي (إضافة الخصائص التعريفية إلى الفئات الثانوية).

ثانيًا: التعريف بالتجريد

إن الحل الذي نقترحه لمشكلة النزاعات المفاهيمية هو الآتي: تجريد المفهوم إلى أقصى حد ممكن. والمقصود بهذه العبارة هو أن نحذف من المفهوم بعض الخصائص والسمات الملموسة كي نصل إلى الجذر العام الذي يمكن أن يتفق عليه المتنازعون. ويتحقق ذلك عبر ترك المساعي الطموحة لصوغ تعاريف جامعة ومتفق عليها، والقنوع بمحاولة التوصل إلى الحد الأدنى من الاتفاق: النواة الصلبة للمفهوم، أو جذره العام. وتتطلب هذه العملية أن يحذف المتنازعون الخصائص المثيرة للجدل في تعاريفهم، وهي الخصائص التي لا تُعدّ عنصرًا أصيلً من العناصر التي تكون جذر المفهوم العام،

والتي يمكن الاستغناء عنها من دون أن يفقد المفهوم مضمونه ودلالته. باختصار شديد، ينبغي تجريد المفهوم بإرجاعه إلى جذره العام ما أمكن ذلك. كيف تتم عملية التجريد؟ إجابتنا عن هذا السؤال مستلهمة من الإطار التحليلي الذي قدمه سارتوري باسم «سلّم التجريد». تستعين المقاربة المعتمدة في هذه الدراسة بالنموذج العام لهذا الإطار، من دون أن تلتزمه حرفيًا. وقبل الخوض في محتوى الإطار وتفصياته، دعونا نستبق سؤالً متوقعًا

بخصوص إمكان (وحدود) دمج غالي وسارتوري في نموذج واحد من دون أن يؤثر ذلك سلبيًا في

الماءمة المنهجية. على الرغم من ندرة الدراسات التي استخدمت الإطارين معًا، فإن غالبية الدراسات التي تناولت أحدهما تضمّنت إشارات متفرقة إلى الآخر. ومع ذلك، تحمل الإجابة عن السؤال

السابق شقين: أولً، أن الدمج الكلي ليس ضروريًا لاستفادة الإطارين بعضهما من بعض (أي لحل

التنازع المفاهيمي)، وثانيًا، أن الدمج ليس صعبًا بسبب تقاربهما الأنطولوجي. دعونا نوضح هذه

(((4 إن المفارقة الساخرة هنا هي أن إطار سارتوري كان موجهًا بمشكلة تكوين المفاهيم، بينما ركز إطار كوليير وماهون على

تعريفها.

(45) Collier & Mahon, p. 852.

(((4 تستخدم غالبية الدراسات الإطارين على نحو منفصل. الاستثناء الوحيد الذي وجدناه هو دراسة ستيجن فان كيسل لمفهوم

الشعبوية، ودراسة إيليا بوستريا لمفهوم السيادة. على الرغم من ذلك، فإن طريقة دمجهما الإطارين تختلف اختافًا واضحًا عن

المقاربة المقدمة في هذه الدراسة. يُنظر:

Stijn van Kessel, «The Populist Cat–dog: Applying the Concept of Populism to Contemporary European Party Systems,» Journal of Political Ideologies , vol. 19, no. 1 (2014), pp. 99–118; Elia R. Pusterla, The Credibility of Sovereignty: The Political Fiction of a Concept (Berlin: Springer, 2016), pp. 40–41.

المسائل تباعًا بعرض أهم العناصر في إطار سلّم التجريد، ثم نتطرق بعدها إلى عاقته بالمفاهيم المتنازَع عليها بالضرورة.

1. سلّم التجريد: تكوين المفاهيم وتعريفها

ظهر مصطلح سلّم التجريد أول مرة في بداية سبعينيات القرن العشرين في مقال كاسيكي بعنوان «سوء تكوين المفاهيم في السياسة المقارنة». جادل سارتوري فيه بأن المصطلحات، بصفة عامة، يمكن أن تُستخدم بإحدى طريقتين: إما بمعنى مجرد تمامًا (من دون الإشارة إلى المواد

القابلة للماحظة)، وتسمى حينها مفاهيم نظرية؛ وإما بمعنى ملموس تمامًا، وتسمى في هذه

الحالة مفاهيم إمبريقية. وأشار سارتوري إلى أن التمييز المبالغ فيه بين هذين النوعين من المفاهيم غالبًا ما يشوه نقاط التداخل بينهما؛ فالعلوم الاجتماعية كلها تسعى لصوغ مفاهيم كلية (مجردة

وشاملة) قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، وتكون في الوقت نفسه كليات إمبريقية (قابلة لاختبار الإمبريقي). ويُفهم من ذلك أن التحدي الأساسي للعلوم الاجتماعية، ولمقال سارتوري على وجه

التحديد، هو صوغ مفاهيم مجردة وشاملة قادرة على تغطية نطاق واسع من الحالات، من دون أن تتكبد خسارة كبرى في قابلية التجريب والدقة الإمبريقية. وإنجاز هذا التوازن هو وظيفة سلّم التجريد. يستمد سلّم التجريد خلفيته من الفكرة القائلة إن كل المفاهيم تحتوي في بنيتها على تدرج عمودي من الصفات والخصائص والسمات التعريفية التي يسميها رايت ميلز (962–19161) هرمية الخصوصية Specificity of Hierarchy، أي إنها تتدرج تنازليًا من الأعم إلى الأخص. ويعدّ هذا التدرج شكلً

من أشكال هرمية النوع Hierarchy Kind المرتبطة بالأنواع الفرعية الكاسيكية Subtypes Classical التي تكون فيها المفاهيم التابعة Subordinate (النوع) نوعًا فرعيًا من المفاهيم الفوقية Superordinate

(الجنس). وهذا معناه أن المفاهيم تحتوي على تدرج في النوع ينبغي تحديده بدقة لتوضيح أبعادها الاصطاحية والدلالية. فعلى سبيل المثال، يرى ميلز أن مفهوم الرأسمالية قد يُعرّف بالفكرة العامة

القائلة إن كل وسائل الإنتاج هي ملكية خاصة، لكن يمكن أن نضيف إلى هذا التعريف فكرة السوق الحرة باعتبارها آلية محددة للأسعار والأجور والأرباح، أو نضيف دلالات بشأن النظام السياسي والمؤسسات الاقتصادية. ويضرب سارتوري مثالً أكثر تحديدًا من الإدارة العامة المقارنة، يبين من خاله أن مفهوم الإدارة Administration هو نوع من المفهوم العام لهيئة الموظفين Staff، ويحوي في طياته نوعًا ثانويًا هو مفهوم البيروقراطية Bureaucracy، الذي يحوي بدوره نوعًا ثانويًا آخر هو مفهوم

الخدمة المدنية Service Civil. قصارى القول إن المفاهيم تتكون من ثاث فئات أساسية: المفهوم الجذر Concept Root، والمفهوم الجامع Concept Overarching، والأنواع الفرعية Subtypes،

(47) Sartori, p. 1033. (48) Ibid., pp. 1035, 1041. (49) Mills, pp. 34–35. (50) Sartori, p. 1042.

بحيث يكون المفهوم الجذر هو المستوى الأول والنقطة المرجعية في الهرمية التصورية في أيّ تحليل أو دراسة.

2. سِعة المفهوم ومضمونه: مستويات التجريد

يتطلب فهم سلّم التجريد، ابتداءً، فهم التمييز الموجود بين عناصر المفهوم: السِعة (الماصدق)،

والمضمون (الدلالة). ويعرّف سارتوري هذه المصطلحات باستخدام علم المنطق على النحو الآتي:

سِعة اللفظ Extension وهي «فئة الأشياء التي ينطبق عليها اللفظ»، ومضمون اللفظ Intension وهو «مجموع الخصائص التي تحدّد الأشياء التي ينطبق عليها اللفظ»، أما ماصدق اللفظ Denotation فهو «مجموع الموضوعات التي يُشار إليها بذلك اللفظ»، بينما دلالة اللفظ Connotation هي «مجموع خصائص أي شيء ينبغي وجوده في مدلول ذلك اللفظ». إن فهم العاقة بين سِعة المفهوم ومضمونه بالغ الأهمية لفهم عملية التجريد؛ فدرجة تجريد المفهوم مرتبطة بمدى الحالات التي يغطّيها (أي سِعته). «كلما كان المفهوم أكثر تجريدًا، غطّى نطاقًا أوسع

من الحالات، وكلما كان المفهوم أكثر ملموسية، غطّى نطاقًا ضيّقًا منها». نستنتج من ذلك أن سِعة

المفهوم غالبًا ما تتحقّق على حساب مضمونه، حيث يقرّر نطاق الموضوعات والحالات التي يغطّيها

(الماصدق) حجم الخصائص والسمات التي تعرفه (دلالته)، يقول سارتوري: «نجعل المفهوم أعم أو أكثر تجريدًا عبر تقليل خصائصه أو سماته. وفي المقابل، نحدّد المفهوم عبر زيادة (أو تمديد) صفاته؛ أي بزيادة خصائصه أو سماته». إن عملية تجريد المفاهيم مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمساعي التعميم؛ فالهدف من التجريد، أو حذف

السمات التعريفية، هو التوصّل إلى مفهوم عام يكون قادرًا على تغطية حالات جديدة، وقابلً للتطبيق في سياقات منوعة. لكن السعي لتعميم المفهوم على حالات وسياقات جديدة ومنوعة قد يتسبّب في إثارة المعضلة الآتية: قد يتبيّن أن المفهوم، في صياغته الأصلية، لا يائم هذه الحالات

والسياقات ماءمة دقيقة. هذا ما يدعوه سارتوري التمدد المفاهيمي، ويعني «تمديد المفهوم الأصلي إلى حدود غير معقولة لجعله يتناسب ويتاءم مع نطاق جديد من الحالات». وتنطوي هذه الفكرة على تحذير بالغ الأهمية: بينما يريد الباحث تطبيق نموذجه وفروضه على مزيد من الحالات، سعيًا

(51) David Collier & Steven Levitsky, «Conceptual Hierarchies in Comparative Research: The Case of Democracy,» in: David Collier & John Gerring (eds.), Concepts and Method in the Social Science: The Tradition of Giovanni Sartori (London: Routledge, 2009), pp. 270–271. (52) Sartori, p. 1041. (53) Peter Mair, «Concepts and Concept Formation,» in: Donatella Della Porta & Michael Keating (eds.), Approaches and Methodologies in the Social Sciences: A Pluralist Perspective (Cambridge, NY: Cambridge University Press, 2008), p. 178. (54) Sartori, p. 1041. (55) Mair, p. 178.

لتحصيل معرفة أوسع، عليه أن يُكيّف مفهومه لماءمة السياقات الجديدة. لذلك ينبغي له أن

يكون أكثر وعيًا بنتائج التمدد المفاهيمي، وذلك تفاديًا للمفهمات الغامضة والمبهمَة التي تنتج

عندما «تقابل الزيادةَ في سِعة التغطية خسارةٌ في الدقة الدلالية». ولهذا السبب حذّر سارتوري

من عواقب محاولة الزيادة في سِعة أي مصطلح من دون التقليل من مضمونه، وشدّد على ضرورة أن يتناسب الاثنان معًا. تختلف درجات العمومية والخصوصية على طول سلّم التجريد (يُنظر الشكل.)1 ويحدّد سارتوري

درجات التجريد في ثاثة مستويات (يُنظر الجدول 1). يضم الأول المفاهيم التي تنتمي إلى

فئة المستوى العالي، وهي عبارة عن «مفاهيم كلية » Concepts Universal، يتم الحصول عليها عبر التضحية بالدلالة من أجل استيفاء متطلّبات الماصدق. وتتميّز هذه المفاهيم بأنها تغطي نطاقًا

واسعًا من الموضوعات والحالات باستخدام الحد الأدنى من الخصائص والسمات التعريفية، ومن ثم سعتها الكبرى تجعلها أكثر ماءمة للنظرية الكبرى Theory Global. فالمفاهيم الكلية هي مفاهيم معرّفة بالنفي (التعريف السلبي)، بمعنى أنها تعرّف الشيء بنقيضه adverso Ex، أو

القول بما ليس عليه (كالقول مثلً إن البرتقال ليس تفاحًا، أو إن الدولة الاستبدادية هي الدولة غير

الديمقراطية). أما المفاهيم التي تنتمي إلى المستوى المتوسط، فتُصنّف في فئة «المفاهيم العامة » General Concepts. وعلى عكس المفاهيم الكلية، لا تتطلّب هذه الفئة التضحية بكل المضمون من أجل

استيفاء متطلّبات السِعة، إنما تقيم نوعًا من التوازن بين الماصدق والدلالة. وتغطي هذه المفاهيم نطاقًا متباينًا من القضايا والحالات، لكنه نطاق أضيق مقارنة بمفاهيم المستوى العالي، وتستخدم عددًا متفاوتًا من الخصائص والسمات التعريفية، إلا أنه أقل من العدد المستخدم في المفاهيم الكلّية. تنتمي المفاهيم العامة إلى فئة المفاهيم المعرّفة بالتحليل Analysis by Definition. أما المفاهيم التي تقع في أسفل السلّم فهي مفاهيم من فئة المستوى المنخفض، وهي عبارة عن «مفهمات تكوينية» Conceptualizations Configurative في منتهى التحديد، وتحتوي على الحد الأعلى من مضمون اللفظ، والحد الأدنى من سِعته، ويجري الحصول عليها عبر التضحية بالماصدق من أجل استيفاء دقّة الدلالة. وتعتبر هذه المفاهيم الأكثر ملموسية لأنها تحتوي على الحدّ الأعلى من الخصائص والسمات التعريفية، وبذلك تغطّي نطاقًا ضيّقًا من الموضوعات

والحالات. والمفاهيم التي تنتمي إلى هذه الفئة هي عبارة عن تعاريف سياقية Contextual

. Definition

(56) Collier & Mahon, p. 845. (57) Siobhan Daly, «The Ladder of Abstraction: A Framework for the Systematic Classification of Democratic Regime Types,» Politics , vol. 23, no. 2 (2003), p. 99. (58) Sartori, p. 1041. (59) Ibid., pp. 1041–1042.

الشكل (1) تدرّج المفاهيم بحسب سِعة اللفظ ودلالته

المصدر: من إعداد الباحث.

الجدول (1) سلّم التجريد مستويات التجريد

المجال والغرض الرئيسان

ممستويات التجريدالمجال والغرض الرئيسان
للمقارنة
السمت المنطقية والإمبريقية
أ للمفاهيم
• (م ع): فئات المستوى العالي
مفهمات كلية
• مقارنات عبر المناطق بين
سياقات متباينة (نظرية كبرى)
• الحد الأعلى من س ِ عة اللفظ
• الحد الأدنى من مضمون اللفظ
•ا تعريف بالنفي
• (م م): فئات المستوى المتوسط
مفهمات وتصنيفات عامة
• مقارنات مناطقية بين سياقات
متباينة نسبيًا (نظرية المستوى
المتوسط)
• توازن بين ماصدق اللفظ ودلالته
• تعريف بالتحليل، مثل ً بالجنس
وأالفصل
• (م ن): فئات المستوى
المنخفض
• مفهمات تكوينية
• تحليل عبر الدول (نظرية
صغرى)
• الحد الأعلى من مضمون اللفظ
• الحد الأدنى من س ِ عة اللفظ
• تعريف سياقي

المصدر:

Giovanni Sartori, «Concept Misformation in Comparative Politics,» The American Political Science Review , vol. 64,

يركّز سارتوري جام اهتمامه على ما يجري في الطرف العلوي من السلّم: «المرحلة الحاسمة التي نعبُر

بها الحدود الموجودة بين المفاهيم العامة في المستوى المتوسط، والمفاهيم الكلّية في المستوى العالي». فكيف نعبُر هذه الحدود؟ أو بمعنى أدق: كيف نتسلّق السلّم نحو الأعلى؟ يقترح سارتوري

أن الطريقة المثلى للقيام بذلك هي توسيع مجال تغطية المفهوم عبر حذف بعض الصفات أو الخصائص والسمات التعريفية من بنيته؛ أي الزيادة في سِعته عبر التقليل من دلالته، وهي الطريقة التي

السمت المنطقية والإمبريقية

no. 4 (1970), p. 1044.

(60) Ibid., p. 1042.

يتوقع سارتوري أن نحصل بموجبها على مفهوم أعمّ وأشمل من دون أن يؤثر ذلك في مضامينه الدلالية

أو قابلية اختباره إمبريقيًا. ما معنى كل ذلك؟ معناه بمنتهى البساطة أننا لا نستطيع أن نمدّد مفهومًا ينتمي إلى فئة واحدة من

مستويات التجريد، من دون أن نحذف بعضًا من خصائصه وسماته. وبعبارة أدق، لا يمكننا أن نأخذ مفهومًا قابلً للتطبيق على نطاق معيّن من القضايا والحالات ونطبّقه على قضايا وحالات أخرى، إلا إذا

جرّدناه من بعض صفاته التعريفية. وبتبسيط شديد، لن يكون في مقدورنا تسلّق سلّم التجريد والانتقال

من المستويات الدنيا نحو العليا، إلا إذا قلّلنا من حمولة المفهوم: كلّما كان وزن المفهوم خفيفًا، على حد تعبير سارتوري، سافر بين المستويات (والحالات) بسهولة. «يمكن المفاهيم أن تسافر»، يقول بيتر ماير، «غير أنها مثل المناطيد الهوائية، لا بد من أن تُخفف وزنها لتكون قادرة على التحليق بعيدًا». دعونا نلخّص ما تقدّم في شكل استمرارية خطية بين قطبين (يُنظر الشكل:)2 يقع في طرف أحدهما

المفهوم المجرد، وهو المفهوم الكلّي الذي يستقر في أعلى مستويات سلّم التجريد (أو العمومية)، ويغطي عددًا كبيرًا من الحالات، لأنه يستخدم الحد الأدنى من الخصائص والسمات التعريفية. في

طرف القطب المقابل يوجد المفهوم التكويني، وهو يستقر في أدنى مستويات السلّم، ويغطي الحد الأدنى من الحالات، لأنه يستخدم عددًا كبيرًا من الخصائص والسمات التعريفية. يتوسطهما المفهوم

العام، ويغطي نطاقًا واسعًا من الحالات، لكنه أضيق من نطاق المفهوم المجرد، ويستخدم عددًا كبيرًا

من الخصائص والسمات، لكنها أقل من العدد المستخدَم في المفهوم التكويني. الشكل (2) نموذج خطي لسلم التجريد

المصدر: من إعداد الباحث.

3. سلّم التجريد والمفاهيم المتنازع عليها بالضرورة

أبانت المناقشة السابقة كيفية تجريد المفهوم، لكنها لم توضح إلى الآن طبيعة العاقة الموجودة بين سلّم التجريد والمفاهيم المتنازع عليها بالضرورة. أو بمعنى أدق، ما الذي يجعل المفهوم المجرد هو الحلّ المناسب لمشكلة التنازع الضروري؟ دعونا نستكشف السبب تباعًا.ِ بحسب إطار سارتوري، إذا كان الهدف الذي نسعى له في أثناء تكوين المفهوم هو دقة التعريف، فا بد من أن نعرّف المفهوم بخصائصه وسماته التعريفية كلها. أما إذا كان هدفنا هو عمومية التعريف

(((6 جدير بالتذكير أن الطريقة الثانية لتسلّق السلّم هي تمديد المفهوم من دون التقليل من خصائصه وسماته، أو ما يسمّيه سارتوري

التمدد المفاهيمي.

(62) Mair, p. 192.

وشموليته، فا بد من أن نجرّده من الخصائص والسمات التعريفية كلها (أو تعريفه بالنفي). لدينا إذًا

طريقتان للتعريف، إحداهما تتم بوساطة التحديد، والأخرى بوساطة التجريد. والسؤال الذي يُطرح

حيال الطريقتين: أيهما يرجح أن يؤدي إلى الاتفاق؟ وأيهما يرجح أن يثير الشقاق؟ يكمن استنباط الإجابة عن هذا السؤال من إطار سارتوري نفسه: يكون الشقاق المفاهيمي هو الأرجح عندما تكون دقة التعريف (الدلالة) هي الهدف الذي يسعى له الباحث. ويُعزى ذلك إلى وجود عدد كبير جدًا من

الصفات والخصائص والسمات التعريفية التي يجب أن ينظر فيها الباحث، التي كلما زاد عددها، زاد احتمال أن تصبح محل تنازع مع الباحثين الآخرين. إن المفهوم المعرَّف بعدد كبير من الصفات

والخصائص والسمات هو مفهوم ثري بالتفصيات والمعلومات السياقية، ومن ثم، هو محدّد جدًا وذو معنى واضح ودقيق. إلا أنه، ولهذه الأسباب نفسها، غالبًا ما يكون نطاق الحالات التي يغطيها هذا

المفهوم محدودًا جدًا. في مقابل ذلك، يكون الاتفاق المفاهيمي هو الأرجح عندما تكون عمومية التعريف هي الهدف الذي يسعى له الباحث؛ لأن قلّة الخصائص والعناصر التعريفية (في حدّها الأدنى) تقلّص نطاق الخاف، وتقلّل من احتمال نشوب تضارب أو نزاع مفاهيمي. إن المفهوم المعرَّف بالحدّ الأدنى من الصفات

والخصائص والسمات التعريفية هو مفهوم مجرد وذو معنى عام وشامل. وعلى الرغم من افتقاره إلى الدقّة الدلالية والتفصيات والمعلومات السياقية، فإنه يغطّي نطاقًا أوسع من الحالات، ويرجّح أن

يكون أقل عرضة للتنازع الضروري.

ثالثًا: النزاع على تعريف الأمن

يُعدّ مفهوم الأمن أحد المفاهيم الأكثر غموضًا في العلوم الاجتماعية. يصادف الباحثون في حقل

الدراسات الأمنية Studies Security تعاريف عدة للمصطلح، تحمل معاني كثيرة ودلالات مختلفة ومتناقضة أحيانًا. وعلى الرغم من اختاف علماء الحقل بشأن تعريف المصطلح، فإنهم لا يختلفون على منزلته المتنازَع عليها، أو على دوره في تأجيج الخاف بين مختلف المدارس والتيارات النظرية في الحقل. قبل أن نتطرّق إلى مسألة مدى قابلية مصطلح الأمن للتعريف بالتجريد، دعونا نستكشف أولً

ما إذا كان ينتمي فعلً (أو هو مرشح لانتماء) إلى فئة المفاهيم المتنازَع عليها بالضرورة. تقودنا هذه

(((6 ينتمي مفهوم الأمن إلى فئة المفاهيم التي أطلق عليها ريتشارد دامونت ووليم ويلسون اسم المفاهيم المجردة المعزولة Concepts Abstract Isolated، وهي تلك المفاهيم «التي تتميز من غيرها من المفاهيم بنزوعها الشديد إلى الغموض». يُنظر:

Richard G. Dumont & William J. Wilson, «Aspects of Concept Formation, Explication, and Theory Construction in Sociology,» American Sociological Review , vol. 32, no. 6 (1967), p. 988.

(((6 يُنظر مثلً:

Steve Smith, «The Contested Concept of Security,» in: Ken Booth (ed.), Critical Security Studies and World Politics (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2005), pp. 27–28; Jef Huysmans, «Security! What Do You Mean? From Concept to Thick Signifier,» European Journal of International Relations , vol. 4, no. 2 (1998), pp. 229–258.

المهمة إلى البحث في ما إذا كان المصطلح يستوفي الشروط السبعة التي حدّدها غالي لهذا النوع من المفاهيم. إذا نظرنا إلى الشروط في مداها المطلق، فإن مفهوم الأمن يستوفيها كلها، نظرًا إلى الاعتبارات الآتية:

.1 هو مفهوم تقويمي يدل على (وكذلك يجيز) تحقيق لحظة الأمن Moment Security التي تحدّد ما يُعتبر ظرفًا آمنًا وشروط تحقّقه واستمراره (الشرط الأول)،.2 يكشف تباين التعاريف والتصوّرات

داخل الحقل تعقيد البنية الداخلية للمفهوم وقابلية وصفه بطرائق شتى (الشرطان الثاني والثالث)،.3 تدل حركة «التوسيع والتعميق» المفاهيميَّين (التي حدثت في العقود الثاثة الأخيرة) على أن مفهوم

الأمن مفتوح على التنقيح والمراجعة بحسب تغير الظروف وتبدّلها (الشرط الرابع)، ونتيجةً للتنقيح والمراجعة المستمرّين،.4 أصبح معظم الباحثين الذين ينتمون إلى مختلف المقاربات والمدارس

الفكرية، على اقتناع بأن مفهوم الأمن هو (أو أصبح) محل تنازع بالضرورة، وانبرى جميعهم للدفاع عن تعريفهم بشراسة ضد تعاريف المدارس المنافسة (الشرط الخامس)، 5. يعترف المتنازعون على تعريف الأمن أنهم يتنازعون على مفهوم مشترك ما يلبث أن يتحسن ويتطور (يتوسع ويتعمق) باستمرار بفضل ذلك النزاع (الشرطان السادس والسابع).

1. تجريد مفهوم الأمن

إن اعتبار الأمن مفهومًا متنازعًا عليه بالضرورة ينبغي ألا يكون ذريعة للإبقاء على الوضع المفاهيمي الراهن على حاله؛ ففي وسع المرء، كما جادلت هذه الدراسة منذ البداية، نزع الطابع التنازعي عن المفهوم بتحويله إلى مصطلح مجرد ما أمكن ذلك. والقصد من التجريد هو خفض الخصائص والسمات التعريفية المتنازَع عليها إلى الحد الأدنى الذي يوفر قواسم مشتركة بين المحلّلين الذين ينتمون إلى مدارس أمنية متباينة فكريًا. سنبيّن كيفية القيام بذلك من خال البحث في أهم تعاريف الأمن المتداولة

في الحقل، لنرى ما إذا كانت: أولً، تحتوي على خصائص وسمات تعريفية غير أصيلة (مضافة لزيادة الدقة الدلالية)؛ وثانيًا، هل في الإمكان حذفها والاستغناء عنها من دون أن يؤثر ذلك في المحتوى

الإمبريقي للمفهوم؟ وللقيام بذلك، سنفحص خمسة تعاريف رئيسة للأمن، قدّمها علماء في حقل الدراسات الأمنية، وهم أرنولد والفرز، وباري بيوزان، وأولي ويفر، وكين بوث، وديدييه بيغو. يمثّل الأولّان المدرسة التقليدية (الواقعية)، ويمثّل الثاثة الآخرون مدارس كوبنهاغن وأبريستويث وباريس على التوالي، أو ما يعرف بالدراسات الأمنية النقدية Critical Security Studies. ونورد في ما يلي التعاريف الخمسة مرتبة ترتيبًا كرونولوجيًا:

(6((لاطاع على وجهة نظر مغايرة، يُنظر:

Paul Robinson, Dictionary of International Security (Cambridge, UK: Polity Press, 2008), p. 75; Ken Booth, Theory of World Security (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007), pp. 27, 99; Baldwin, p. 11.

(((6 للمزيد بشأن الدراسات الأمنية النقدية، يُنظر: سيد أحمد قوجيلي، الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف

الأمن (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.)2014

الجدول (2) التعاريف الخمسة للأمن العام

الباحث

العامأ الباحثأ التعريف
1952أأأرنولد والفرز (((6«الأمن بالمعنى الموضوعي هو غياب التهديدات للقيم المكتسبة،
وأبالمعنى الذاتي هو عدم الخوف من تعرّض هذه القيم للهجوم» (((6.
1983بأأاري بيوزان (((6«اأالأمن هو السعي للتحرر من التهديد» ((7 (.
1989أأاولي ويفر (((7«الأمن هو فعل كام، ومن ثم لا يشير إلى شيء ملموس، إنما الكام
هأاو الفعل في حد ذاته» ((7 (.
1991كاين بوث«أالانعتاق هو الأمن» ((7 (.
2000ديدييه بيغو«إن أفضل مقاربة لتحليل الأمن هي اعتباره أداة الحكومة وتقنيتها» ((7 (.

المصدر: من إعداد الباحث.

تكشف هذه التعاريف تباينًا شديدًا في مفهمة الأمن؛ فكل واحد منها يحوي تصورًا مختلفًا عن التعاريف الأخرى بشأن ماهية الأمن وفواعله المرجعية وقطاعاته. ويعكس هذا التباين البونَ الشاسع في كمية الخصائص والسمات التعريفية المستخدمة في التعريف. ويطرح هذا التباين، إذا تحاشينا وصفه بالتنازع مؤقتًا، السؤال الابتدائي لهذه الدراسة على نحو مباشر: هل يمكن التوصل إلى أرضية

(6((ظهر هذا التعريف أول مرة في:

Arnold Wolfers, «‘National Security’ as an Ambiguous Symbol,» Political Science Quarterly , vol. 67, no. 4 (1952),

وأعيد طباعته في كتابه:

Arnold Wolfers, Discord and Collaboration: Essays on International Politics (Baltimore, MD: The Johns Hopkins

(6((ظهر التعريف في الطبعة الأولى من كتابه:

Barry Buzan, People, States, and Fear: The National Security Problem in International Relations (Chapel Hill, NC:

(70) Barry Buzan, People, States, and Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post–Cold War Era , 2 nd

((7(ظهرت أول صياغة لهذا التعريف في عام 9891 في عمل ويفر غير المنشور:

Ole Wæver, «Security, the Speech Act Analysing the Politics of a Word,» Paper presented at the Research Training

(72) Ole Wæver, «Securitization and Desecuritization,» in: Ronnie D. Lipschutz (ed.), On Security (New York: Colombia

(73) Ken Booth, «Security and Emancipation,» Review of International Studies , vol. 17, no. 4 (1991), p. 319. (74) Didier Bigo, «When Two Become One: Internal and External Securitisations in Europe,» in: Morten Kelstrup & Michael Williams, International Relations Theory and the Politics of European Integration: Power, Security and

التعريف

pp. 481–502.

University Press, 1962), ch., 10. (68) Wolfers, Discord and Collaboration , p. 150.

University of North Carolina Press, 1983).

ed. (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1991), p. 18.

Seminar, Copenhagen, June 1989, p. 42.

University Press, 1995), p. 55.

Community (London: Routledge, 2000), p. 176.

مشتركة لتقريب التعاريف؟ أو بمعنى أدق، هل تحوي هذه التعاريف خصائص وسمات تعريفية زائدة على الحاجة، يمكن حذفها للتوصل إلى الجذر الأصلي لمصطلح الأمن؟ دعونا نستكشف الجواب تباعًا.ِ يتشابه تعريف والفرز وتعريف بيوزان في نقطتين أساسيتين: تتعلق الأولى بالموضوع المرجعي للأمن (الدولة)، وبالقيم المهدَّدة (البقاء والاستقال الوطنيان)، وتتعلق الثانية بالتعريف السلبي لمفهوم الأمن (أي تعريفه بالنفي أو النقيض)، حيث يتفقان على أن الأمن هو غياب الاأمن. لكن، بصرف النظر عن هذا التشابه، إذا قسنا التعريفين بمعايير سلّم التجريد، فإن تعريف بيوزان سيبدو أشمل وأكثر تجريدًا من تعريف والفرز؛ إذ إضافةً إلى عدم احتوائه على خصائص وسمات تعريفية كثيرة، يغطي نطاقًا أوسع من الحالات والظواهر. وفي مقابل ذلك، إشارة والفرز إلى التهديدات المتخيّلة تعقّد

التعريف وتقلّل من وضوحه، وخصوصًا أنه يعترف بأن «إمكان الهجوم المستقبلي هي مسألة تكهّن ذاتي، ولا يمكن قياسها على نحو ‘موضوعي»’. يختلف تعريف ويفر (ومدرسة كوبنهاغن عمومًا) اختافًا جذريًا عن تعريفي والفرز وبيوزان، فهو يُعرّف

الأمن باعتباره ممارسةً خطابية أو فعلَكام. يبدو هذا التعريف محدّدًا ودقيقَ الدلالة، مقارنة بالتعريفين

السابقين؛ إذ يحصر المعنى في الممارسة الخطابية المنتِجة للفعل، أي في قدرة الفاعل على استدعاء الطابع الأمني (الأمننة Securitization) بمجرد النطق بمفردات تحمل معانيَ التهديد. لكن ما يكسبه

التعريف في دقة الدلالة، يخسره في السِعة اللفظية الضيّقة جدًا؛ إذ لا يغطي إلّ تلك الحالات التي

يكون فيها إمكان التكلّم ممكنًا ومتاحًا، ولا يغطّي أبدًا الحالات التي تكون فيها قدرة التكلم معوَّقة أو

مقيَّدة. إضافةً إلى ذلك، يتجاهل تعريف ويفر حقيقةَ أن الخطاب لا يَنتُج من الكام فحسب، وأن

الصمت Silere Qua، كما أثبتت دراسات وأبحاث لغوية عدة، يمتلك قوة خطابية أيضًا. وينسجم

((7(يقول والفرز إن «الأمن ما هو إلا غياب شر انعدام الأمن»، ويرى بيوزان أن «كلمة الأمن تدل على ظرف مطلق، إما آمن وإما غير آمن». يُنظر:

Wolfers, Discord and Collaboration , p. 153; Buzan, People, States, and Fear: An Agenda for International Security , p. 18. (76) Wolfers, Discord and Collaboration , p. 151.

((7(على سبيل المثال، أشارت لين هانسن، في دراستها المعروفة عن ظاهرة قتل الشرف في باكستان، إلى وجود حالات لا يستطيع فيها الفاعل الأمني (النساء الضحايا) إصدار فعل كام الأمن في ما وصفته بظاهرة «الأمن بوصفه صمتًا». وتحدُث هذه الظاهرة في

اعتقادها «عندما يتعذّر إمكان تصويت انعدام الأمن، وعندما يكون تعريف شيء ما، كمشكلة أمنية مثا، مستحيلً أو يضاعف التهديد الذي تتعرّض له الضحية». يُنظر:

Lene Hansen, «The Little Mermaid’s Silent Security Dilemma and the Absence of Gender in the Copenhagen School,» Millennium: Journal of International Studies , vol. 29, no. 2 (2000), p. 287;

وللمزيد بشأن تكلم/ صمت الأمن، يُنظر: سيد أحمد قوجيلي، «فهم الأمننة: دراسة نقدية للدراسات الأمنية»، شؤون الأوسط،

العدد 541 (خريف 0162)، ص.82–80

(78) Rae Langton, «Speech Acts and Unspeakable Acts,» Philosophy & Public Affairs , vol. 22, no. 4 (1993), pp. 293– 330; Xavier Guillaume, «The Sound of Silence: Voice, Security and the Mundane,» DPIR Seminar, University of Sussex, October 2013, p. 14.

هذا الطرح مع الانتقادات الصادرة من داخل الحقل، التي توضح أن الأمننة يمكن أن تكون خطابية (مبنيّة على أفعال الكام) وغير خطابية (مبنيّة على ممارسات اجتماعية). يسلك التعريفان الباقيان طريقًا مغايرةً تمامًا للتعاريف الثاثة السابقة. يشدّد تعريف بوث على البعد

«المعياري» للمفهوم؛ حيث يدعو الباحثين إلى الابتعاد عن تحليل الأمن كما هو في الواقع والتركيز، بدلً من ذلك، على ما يجب أن يكون عليه في الظروف المثلى. تفترض هذه المهمة الاستغناء عن الرابطة التقليدية «الأمن – القوة» واستبدالها برابطة جديدة هي «الأمن – الانعتاق»، والانعتاق هو «تحرير الناس (أفرادًا وجماعات) من القيود المادية والإنسانية، مثل الفقر وسوء التعليم والقمع السياسي، وهلمّ جرّا». وفي المقابل، اتّجه بيغو وزماؤه في مدرسة باريس نحو الممارسة لإعادة

تعريف الأمن؛ حيث ركّز على تحليل الحقل الأمني Field Security وممارسات الشرطية Policing وشبكات مهنيي الأمن Professionals Security التي جعلته يتصوّر الأمن باعتباره «تقنية الحكومة»

بالمعنى الفوكوي. Gouvernementalité » كامة أو «نمطًا للحِTechnique of Government

إذا كان بوث وبيغو يختلفان في مقاربتهما التصورية، فإنهما يتّفقان في مسألة أن التحليل المفاهيمي

وحده غيرُ كافٍ لمفهمة الأمن وإعادة تعريفه، إنما تتطلّب هاتان المهمتان فحص مصفوفة شاملة

ومنوعة من الممارسات والخطابات الأمنية التي تساهم في الكشف عن المعاني المهملة أو المخفية للمفهوم. وهذا معناه ضرورة تصوّر الأمن في سياقات محدّدة وملموسة جدًا، ما يجعلهما ينحدران

بنا نحو المستويات الأدنى من سلّم التجريد. إن تعريفي بوث وبيغو ثريان بالتفصيات التوضيحية والصفات التعريفية؛ حيث إن فهم الأمن في سياق الانعتاق أو التقنيات الحكمانية متوقف على الوصف الدقيق والمفصّل للسياقات والخطابات المنشئة للقيود التعسفية والممارسات الشرطية. وبناء

عليه، مفاهيم بوث وبيغو، بمعايير سلّم سارتوري، تعاريف محدّدة وسياقية؛ مدلولاتها دقيقة ومركّزة، وتتميز بدرجة كبرى من الخصوصية، وهي بذلك تنتمي إلى فئة المفاهيم التكوينية التي تقبع في أدنى مستويات سلّم التجريد.

2. التجريد الناقص: هل الأمن مفهوم كلي؟

تكشف التعاريف الخمسة عن وجود تصورات واستخدامات متباينة عدة لمفهوم الأمن، وباستثناء التعريفين الأولين نسبيًا، لا توجد أي قواسم مشتركة بينها. تحوي هذه التعاريف الخمسة مفاهيم متباينة

من حيث مستويات التجريد، حيث يبدو مفهومَا والفرز وبيوزان الأكثر تجريدًا، مقارنة بمفاهيم ويفر

وبوث وبيغو، فهما لا يحتويان على الكثير من التفصيات السياقية والملموسة، ويغطيان مجالً واسعًا من الحالات والظواهر. وعلى الرغم من ذلك، فإنهما ينتميان إلى فئة المفاهيم العامة، وليس الكلّية.

(79) Thierry Balzacq, «A Theory of Securitization: Origins, Core Assumptions, and Variants,» in: Thierry Balzacq (ed.), Securitization Theory: How Security Problems Emerge and Dissolve (London/ New York: Routledge, 2011), p. 3. (80) C.A.S.E. Collective, «Critical Approaches to Security in Europe: A Networked Manifesto,» Security Dialogue , vol. 37, no. 4 (2006), p. 456. (81) Booth, «Security and Emancipation,» p. 319.

يقع في الفئة نفسها، لكن بدرجة أدنى، مفهوم ويفر الذي يعرّف الأمن باعتباره فعلَ كام. يحتوي

هذا المفهوم على الكثير من الخصائص والسمات الوصفية في التعريف، وعلى الرغم من ثرائه بالتفصيات، فإنه يحتفظ بقدرة نسبية على تغطية نطاق واسع من الحالات، وإن كان نطاقًا أصغر حجمًا

من النطاق الذي يغطّيه مفهومَا والفرز وبيوزان، كما ينطبق حصرًا، كما رأينا سابقًا، على الحالات التي

يكون فيها الكام مباحًا. تعريفا بوث وبيغو هما الأكثر تحديدًا ودقّة بمعيار سلّم التجريد، ولديهما قدرة وصفية كبرى ويطابقان المعنى المراد منهما على نحو دقيق. وعلى الرغم من ذلك، فإنهما تعريفان صالحان لسياقات واستخدامات محددة جدًا، ولا يمكن تمديدهما لتغطية حالات إضافية أو استخدامهما خارج نظرياتها الأصلية. نستنتج من المقارنة أعاه: إذا صنّفنا التعاريف الخمسة من حيث خصائصها وسماتها التعريفية، فسيكون ترتيبها من حيث مستوى التجريد كالآتي: تعريف بيوزان هو الأول، يليه تعريف والفرز، ثم ويفر، ثم بوث وبيغو على التوالي. تبرز هنا المسألة الآتية: هل يمكن حذف الخصائص والسمات التعريفية الزائدة على التعاريف الخمسة؟ أو بعبارة أخرى، هل في الإمكان تجريدها؟ الإجابة نعم، ذلك ممكن للتعاريف كلها با استثناء. في البداية يجب تجريد تعريف بيوزان من مرجعية الدولة ذات السيادة، ليصبح الأمن هو السعي للتحرر من التهديد بشتى أنواعه ومصادره (الداخلية والخارجية) وفاعليه (الأفراد والجماعات والدول) وقطاعاته (العسكرية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية والبيئية). بعد ذلك يمكن تجريد تعريف والفرز من العناصر المتخيّلة (الذاتية) ومرجعية الدولة ليصبح مطابقًا

لتعريف بيوزان. ويمكن تطبيق الخطوة نفسها على تعريف ويفر بتجريده من ثنائية المجتمع – الدولة والعناصر الخطابية التذاتانية Intersubjective. ينسحب الأمر كذلك على تعريفي بوث وبيغو، وذلك بحذف مرجعية الأفراد من كليهما، وإزالة العناصر المعيارية (وغير المادية) والاستثنائية منهما على التوالي. ما نتوصل إليه في النهاية هو مفهوم عام للأمن يحتوي على القليل من الخصائص التعريفية. وعلى الرغم من ذلك، فإن المفهوم الذي نحصل عليه ليس مفهومًا كلّيًا، ولا يحوي الحد الأدنى

الممكن من الخصائص التعريفية. قد يتفق العلماء على أن الأمن هو السعي للتحرر من التهديد، لكنهم سيختلفون حتمًا في تحديد طبيعة ذلك التهديد. هذا الاختاف هو ما يفصلنا عن تكوين المفهوم

الكلي، وما يفسر أيضًا ندرة هذا النوع من المفاهيم (وصعوبة تكوينها) في العلوم الاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك، لدى المفاهيم العامة التي تملك درجة معتدلة من التجريد، مثل مفهوم بيوزان المعدل، فائدة كبرى حينما تُستخدم أطرًا تحليلية؛ فهذه الفئة العامة يَصلُح استخدامها مفاهيمَ حقلية قادرة

على حيازة اتفاق المشتغلين وإجماعهم في أي حقل دراسي. وبما أنها مجرّدة، فمن المتوقع ألّ تثير

النزاعات التصورية التي يمكن أن تنجم عن استخدام الكثير من الصفات والتفصيات التعريفية. وفوق ذلك كله هي قابلة للتطبيق، بفضل طابعها المجرد، على حالات كثيرة من دون أن تفقد دقة الدلالة، كما يسهل استخدامها خارج نظرياتها الأصلية من دون أن تثير تناقضات تصوّرية.

خاتمة

تناولت هذه الدراسة بعض المسائل الإشكالية المتعلقة بتكوين المفاهيم وتعريفها في العلوم الاجتماعية. ومثّلت نقدًا مباشرًا للطرح المنهجي السائد الذي يفترض أن كل المفاهيم قابلة للتعريف،

أو أنها طيّعة للقياس الإجرائي. وانتقدت على وجه التحديد عدم الأخذ في الحسبان تلك المفاهيم

التي لا يمكن التوصل إلى إجماع أو اتفاق عام بشأن معانيها ومدلولاتها، أو ما يسميها غالي المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة. على الرغم من أن العلوم الإنسانية تعجّ بهذا النوع من المفاهيم، فإن قواعد المنهج السائدة في العلوم

الاجتماعية تتجاهل وجودها أو تعالجها باعتبارها مفاهيم غير قابلة للتعريف. وعلى العكس من ذلك، جادلنا في ثنايا هذه الدراسة بأن التغلّب على الطابع التنازعي لهذه المفاهيم أمر ممكن إذا استخدمنا استراتيجية التعريف بالتجريد. واستلهمنا هذا الحل من إطار سارتوري المسمّى سلّم التجريد، الذي

يقوم على الفكرة القائلة بأن المفهوم المجرّد يحتوي على عدد صغير من الخصائص التعريفية التي

تقلّل من نقاط الخاف بشأنه، ويغطي نطاقًا واسعًا من الحالات التي توسّع بدورها دائرة الإجماع عليه. حاولنا اختبار الإطارين معًا على مفهوم الأمن؛ حيث فحصنا خمسة مفاهيم للأمن متنازعٍ عليها بالضرورة، ووجدنا أن المفهوم الذي يصلح استخدامه قاعدةً للإجماع الحقلي هو المفهوم الأكثر تجريدًا من بينها. وفي المقابل، وجدنا أن مفاهيم الأمن الأكثر عرضة للتنازع عليها هي تلك التي تحوي تعاريف ملموسة ومحدّدة وسياقية. وخلصنا إلى استنتاج مفاده أن العموميات توحّد والتفصيات تفرّق، وأن التعريف

بالتجريد هو أفضل حل لمشكلة المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة؛ لأن الوزن الخفيف للمفاهيم المجرّدة

يمكّنها من السفر مسافات بعيدة. وعلى الرغم من أن التعريف بالتجريد لا يلغي الطابع التنازعي للمفاهيم، كما لا يضمن بناء مفاهيم كلّية، فإنه يحصد أكبر قدر ممكن من الإجماع، مقارنة بالتعريف السياقي. وهذا بالتحديد، في اعتقادنا، ما تحتاج إليه الحقول المعرفية الفتية كي تنمو وتتطوّر.

References

المراجع

العربية

قوجيلي، سيد أحمد. الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2014 ________. «فهم الأمننة: دراسة نقدية للدراسات الأمنية». شؤون الأوسط. العدد 541 (خريف

الأجنبية

Baldwin, David. «The Concept of Security.» Review of International Studies. vol. 23, no. 1 (1997).

Balzacq, Thierry (ed.). Securitization Theory: How Security Problems Emerge and Dissolve. London/ New York: Routledge, 2011. Berlin, Isaiah. Two Concepts of Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1958. Booth, Ken. «Security and Emancipation.» Review of International Studies. vol. 17, no. 4 (1991). ________ (ed.). Critical Security Studies and World Politics. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2005. ________. Theory of World Security. Cambridge, UK: Cambridge University Press,

Boulay, Harvey. «Essentially Contested Concepts and the Teaching of Political Science.» Teaching Political Science. vol. 4, no. 4 (1977). Bruun, Henrik & Sam Whimster (eds.). Max Weber: Collected Methodological Writings. Oxon: Routledge, 2012. Buzan, Barry. People, States, and Fear: The National Security Problem in International Relations. Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 1983. ________. People, States, and Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post–Cold War Era. 2 nd ed. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1991. C.A.S.E. Collective. «Critical Approaches to Security in Europe: A Networked Manifesto.» Security Dialogue. vol. 37, no. 4 (December 2006). Clarke, Barry. «Eccentrically Contested Concepts.» British Journal of Political Science. vol. 9, no. 1 (1979). Collier, David & James E. Mahon. «Conceptual ‘Stretching’ Revisited: Adapting Categories in Comparative Analysis.» American Political Science Review. vol. 87, no. 4 (1993). Collier, David, Fernando Daniel Hidalgo & Andra Olivia Maciuceanu. «Essentially Contested Concepts: Debates and Applications.» Journal of Political Ideologies. vol. 11, no. 3 (2006). Collier, David & John Gerring (eds.). Concepts and Method in the Social Science: The Tradition of Giovanni Sartori. London: Routledge, 2009. Collier, David & Steven Levitsky. «Democracy with Adjectives: Conceptual Innovation in Comparative Research.» World Politics. vol. 49, no. 3 (1997). Daly, Siobhan. «The Ladder of Abstraction: A Framework for the Systematic Classification of Democratic Regime Types.» Politics. vol. 23, no. 2 (2003). Della Porta, Donatella & Michael Keating (eds.). Approaches and Methodologies in the Social Sciences: A Pluralist Perspective. Cambridge, NY: Cambridge University Press, 2008. Deleuze, Gilles & Félix Guattari. Qu’est–ce que la philosophie? Paris: Éditions de Minuit, 1991.

Dumont, Richard G. & William J. Wilson. «Aspects of Concept Formation, Explication, and Theory Construction in Sociology.» American Sociological Review. vol. 32, no. 6

Dworkin, Ronald. «A Special Supplement: The Jurisprudence of Richard Nixon.» The New York Review of Books. vol. 18, no. 8 (1972). Freeden, Michael. «Editorial: Essential Contestability and Effective Contestability.» Journal of Political Ideologies. vol. 9, no. 1 (2004). Gallie, Walter Bryce. «Essentially Contested Concepts.» Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 56 (1955–1956). Gerring, John. «Ideology: A Definitional Analysis.» Political Research Quarterly. vol. 50, no. 4 (1997). ________. «What Makes a Concept Good? A Criterial Framework for Understanding Concept Formation in the Social Sciences.» Polity. vol. 31, no. 3 (1999). Grafstein, Robert. «A Realist Foundation for Essentially Contested Political Concepts.» The Western Political Quarterly. vol. 41, no. 1 (1988). Gray, John. «On Liberty, Liberalism and Essential Contestability.» British Journal of Political Science. vol. 8, no. 4 (1978). Guillaume, Xavier. «The Sound of Silence: Voice, Security and the Mundane.» DPIR Seminar. University of Sussex, October 2013. Hansen, Lene. «The Little Mermaid’s Silent Security Dilemma and the Absence of Gender in the Copenhagen School.» Millennium: Journal of International Studies. vol. 29, no. 2 (2000). Hart, Herbert Lionel Adolphus. The Concept of Law. Oxford University Press, 1961. Huysmans, Jef. «Security! What Do You Mean? From Concept to Thick Signifier.» European Journal of International Relations. vol. 4, no. 2 (1998). Kekes, John. «Essentially Contested Concepts: A Reconsideration.» Philosophy & Rhetoric. vol. 10, no. 2 (1977). Kelstrup, Morten & Michael Williams. International Relations Theory and the Politics of European Integration: Power, Security and Community. London: Routledge, 2000. Langton, Rae. «Speech Acts and Unspeakable Acts.» Philosophy & Public Affairs. vol. 22, no. 4 (1993). Lipschutz, Ronnie D. (ed.). On Security. New York: Colombia University Press, 1995. Lukes, Steven. Power: A Radical View. London: Macmillan, 1974. Mills, C. Wright. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press,

Nickles, Thomas (ed.). Thomas Kuhn. Cambridge, UK: Cambridge University Press,

Nozick, Robert. Anarchy, State, and Utopia. New York: Basic Books, 1974. Oppenheim, Felix. Dimensions of Freedom. New York: St. Martin’s Press, 1961. Pusterla, Elia R. The Credibility of Sovereignty: The Political Fiction of a Concept. Berlin: Springer, 2016. Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971. Rhodes, Michael R. Coercion: A Nonevaluative Approach. Amsterdam: Rodopi, 2000. Robinson, Paul. Dictionary of International Security. Cambridge, UK: Polity Press,

Sartori, Giovanni. «Concept Misformation in Comparative Politics.» The American Political Science Review. vol. 64, no. 4 (1970). Swanton, Christine. «On the ‘Essential Contestedness’ of Political Concepts.» Ethics. vol. 95, no. 4 (1985). Van Kessel, Stijn. «The Populist Cat–dog: Applying the Concept of Populism to Contemporary European Party Systems.» Journal of Political Ideologies. vol. 19, no. 1

Wæver, Ole. «Security, the Speech Act Analysing the Politics of a Word.» Paper presented at the Research Training Seminar. Copenhagen, June 1989. Weber, Max. The Methodology of the Social Sciences. Edward A. Shils & Henry A. Finch (eds. & trans.). New York: Free Press, 1949. Wittgenstein, Ludwig. Philosophical Investigations. G.E.M. Anscombe (trans.). Oxford: Blackwell Publishing, 1953. Wolfers, Arnold. «‘National Security’ as an Ambiguous Symbol.» Political Science Quarterly. vol. 67, no. 4 (1952). ________. Discord and Collaboration: Essays on International Politics. Baltimore, MD: The Johns Hopkins University Press, 1962.