Return to Article Details The Impact of Social and Solidarity Economy Initiatives on Rebuilding the Economic Culture of Socially Vulnerable Groups: A Case Study in Tunisia

أثر مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في إعادة بناء الثقافة الاقتصادية لدى الفئات الهشّة اجتماعيا: دراسة حالات في تونس

The Impact of Social and Solidarity Economy Initiatives on Rebuilding the Economic Culture of Socially Vulnerable Groups: A Case Study in Tunisia

* Safouane Trabelsi | صفوان الطرابلسي

الملخّص

* باحث في مخبر «بحوث في التنوير والحداثة والتنوع الثقافي» بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية في جامعة تونس المنار.

** أُنجز هذا البحث في نطاق أعمال وحدة «أسس المعارف الحديثة وتقنياتها» العاملة ضمن مخبر «بحوث في التنوير والحداثة والتنوع الثقافي» بشأن إشكالية «المعارف والثقافات والتغير الاجتماعي».

Abstract

Based on the analysis of qualitative data collected in a set of semi-guided questionnaires targeting founding members of different Tunisian social and solidarity economy initiatives that emerged after January 2011, this article discusses the impact of social and solidarity economy initiatives on rebuilding the economic culture of socially vulnerable groups. This analysis demonstrates to what extent these initiatives succeeded in grouping the target groups around a new cultural ground that confronts the cultural ground imposed by the capitalist market.

Keywords:
  • Solidarity Economy
  • Social Links
  • Vulnerable Groups
  • Economic Alternatives
  • Capitalist Market

ملخص: تناقش هذه الدراسة إشكالية أثر مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في إعادة

بناء الثقافة الاقتصادية لدى الفئات الهشّة اجتماعيًا، وذلك انطاقًا من تحليل المعطيات الميدانية

الكيفية، التي جُمعت عبر تمرير مجموعة من الاستبيانات نصف الموجهة، مستهدفة أعضاء

مؤسسين في مبادرات اقتصاد اجتماعي وتضامني تونسية مختلفة تأسست بعد كانون الثاني/ يناير

011.2 وانطاقًا من تحليل هذه المعطيات، حاولنا أن نُبيّن قدرة مبادرات الاقتصاد الاجتماعي

والتضامني على إعادة بناء الثقافة الاقتصادية للفئات الهشّة اجتماعيًا، وذلك بفضل نجاحها في

تجميع الفئات المستهدفة حول أرضيّة ثقافية جديدة تتعارض مع الأرضيّة الثقافية التي تفرضها

السوق الرأسمالية.

Abstract: Based on the analysis of qualitative data collected in a set of semi– guided questionnaires targeting founding members of different Tunisian social and solidarity economy initiatives that emerged after January 2011, this article discusses the impact of social and solidarity economy initiatives on rebuilding the economic culture of socially vulnerable groups. This analysis demonstrates to what extent these initiatives succeeded in grouping the target groups around a new cultural ground that confronts the cultural ground imposed by the capitalist market.

Sociologist at Laboratory of researches in Enlightenment, Modernity and Cultural Diversity, Higher Institute of Human Sciences, Tunis El Manar University.

مقدمة

راهن التونسيّون بعد ثورة /2010 0112 على تحقيق انتقال اقتصادي يُعاضد مجهودات

الانتقال السياسي الذي شهدته الباد. لكن اليوم، بعد مرور أكثر من ثمانية أعوام، «نرى أن الانتقال الديمقراطي المرجوّ، لم يُعطِ أكله على المستوى الاقتصادي، ولم ينجح في تقليص هوّة

التفاوت بين مختلف الفئات الاجتماعية. فأكثر من 51 في المئة من أفراد المجتمع التونسي يعانون الفقر، ويتمتع 02 في المئة الأشد فقرًا بأقل من 01 في المئة من الثروة، في حين يسيطر 01 في المئة

الأشد غنى على أكثر من 0 3 في المئة من الثروة». ومن ناحية أخرى، يشير تقرير البنك الدولي لعام 0142 إلى أن الجزء الأكبر من السكان الناشطين اقتصاديًا في تونس، يعملون في نشاطات هشّة غير

منتجة، وذات مردودية اقتصادية ضعيفة. يمكن القول إن هذا الوضع ناتج من سيرورة تاريخية مديدة عاشتها تونس، لكن من الممكن إدراجها أيضًا ضمن سياق عالمي فرضته خيارات سياسية اقتصادية نيوليبرالية، سطّرتها منظومة المؤسسات الاقتصادية – المالية الدوليّة (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، وغيرهما)، وأجبرت من خالها

الدول الطرفيّة أو دول العالم النامي التي نفّذت توصياتها على الاندراج في الاقتصاد المعولم المفتوح،

واستبعاد بدائل تنموية وطنية ومحلية متعدّدة متاحة. ومن بين الإجابات الاقتصادية – الاجتماعية البديلة من السياسات النيوليبرالية، برزت إجابات الحركات الاجتماعية الجديدة التي تحفّز التفكير النظري في الاقتصاد السياسي البدائلي من داخل الأكاديميا وخارجها. وبالفعل، وخارج دائرة إعادة إنتاج النظريات الاقتصادية – السياسية الكاسيكية، وبالأخص منها الكينزية والماركسية، يُعتبر تيار «الاقتصاد الاجتماعي والتضامني» واحدًا من أهم

تيارات التفكير النظري والإنجاز العملي البدائلي من الاقتصاد النيوليبرالي المعولم. عرفت مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني خال العقود الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا وثراءً على مستوى

تنوّع أشكال التنظيم وقطاعات النشاط، إضافة إلى انتشار جغرافي واسع، شمل القارات كلها؛ إذْ نجد

من بين المبادرات تجارب بلدان أميركا الاتينية، ونذكر من أهمها التجربة البرازيلية التي عرفت ازدهارًا،

خصوصًا خال الفترة الأولى من حكم حزب العمال (013–20032) ذي التوجهات اليسارية. إضافة إلى

تجربة استرجاع المؤسسات في الأرجنتين التي مثّلت تجربة مهمة في إعادة الإدماج الذاتي للعمال الذين فقدوا مورد رزقهم نتيجة إفاس المؤسسات الخاصة التي كانوا يعملون فيها وفشل الدولة في إيجاد حلول لهذه الأزمة. هذه التجربة التي نراها شبيهة إلى حدٍ بعيد بتجربة أهالي جمنة ومسار استرجاعهم ما

(1) Fathi Elachhab, «L’économie sociale et solidaire en Tunisie, un potentiel troisième secteur?» Revue internationale de l’économie sociale (RECMA) , vol. 3, no. 349 (March 2018), pp. 71–86. (2) «La Révolution inachevée, créer des opportunités, des emplois de qualité et de la richesse pour tous les Tunisiens,» La Banque Mondiale, Revue des politiques de développement , no. 86179 (2014), accessed on 27/10/2019, at: https://bit.ly/2UZfWq5 (3) Gustavo Taniguti, «The Solidarity Economy: An Interview with Paul Singer,» Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016). (4) Julián Rebón, «Recuperated Enterprises in Argentina,» Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016).

يُعرَف بواحة «ستيل» STIL وتأسيس ما يعرف اليوم ب «جمعية حماية واحات جمنة». وهي مبادرة اقتصادية

تعاونية أسّست رسميًا في عامُ 0122، لكن بروز الفكرة الأساسي كان في عام 0112 خال أحداث الثورة،

وتحديدًا في 12 كانون الثاني/ يناير 0112، خال تحرّك احتجاجي تمكّن خاله أهالي الجهة من استرجاع

«أرضهم وأرض أجدادهم»، بحسب تعبيرهم. وأشرف على تسيير الواحة في ما بعد ما عرف في تلك الفترة ب «لجنة حماية الثورة»، إلى أن أسّست الجمعية رسميًا. تنشط المبادرة في ولاية قبلي، ومقرّها الرسمي في

معتمدية جمنة، لكن أثرها الاجتماعي يمتد إلى ما يتجاوز محيطها المباشر، وحتى الوطني. عاشت هذه المبادرة مجموعةً من الأزمات، طبعت عاقتها بالدولة، خصوصًا في ما يتعلق بحق الجمعية ومن ورائها

الأهالي، في البقاء على الأرض واستغالها وبيع منتوجها والتصرّف في عائداته. وعرفت هذه الأزمات

ذروتها في عام 0162 خال مناقصة بيع المحصول، نجم عنها عدد من التحركات المساندة، سواء على المستوى المحلّي أم الوطني. وعكست هذه الحركة رفض السكان المحلّيين أسلوب الدولة في إدارة وسائل الإنتاج، وعجزها عن إيجاد حلول لمسألة الأراضي الدولية والأراضي الاشتراكية وتطوير سياسات فاحية قادرة على إدماج الساكنة الهشّة المحيطة بها. أما على الصعيد الآسيوي، فنُسجّل أيضًا مجموعة من أبرز تجارب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؛

ربما من أشهرها تجربة مؤسسات القروض الصغرى الموجّهة لدعم نشاط ذوي الدخل المحدود، التي

انطلقت في بنغاديش في إثر تأسيس محمد يونس بنك غرامين Bank Grameen في عام 983.1 لكن تاريخ هذا النوع من الاقتصاد في آسيا، يعود إلى تجارب تاريخية سابقة، من أهمها تجربة تعاضديّة

أورالونغال Uralungal في الهند، التي تعتبر واحدةً من أقدم التعاضديات الناشطة على المستوى العالمي. لكن، على الرغم من اعتباره اقتصادًا موجّهًا لحماية الفئات الأضعف، فإن تجارب الاقتصاد

الاجتماعي والتضامني لم تقتصر على الدول الطرفية؛ إذ شهد المركز الأوروبي أيضًا نشوء تجارب مهمة عدة، من أبرزها تجربة شبكة كوكاني Cocagne Réseau في فرنسا، وتعاونية موندراغون Mondragon في إسبانيا والأسواق التعاونية الهادفة إلى كسر احتكارات الوسطاء للسلع في اليونان. أما في تونس، فتزايد الاهتمام بتجارب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني خال الأعوام الماضية، خصوصًا مع ما فرضته تجربة واحات جمنة (017–20112) من نقاش عمومي بشأن المسألة، شاركت

فيه الصحافة اليومية ووسائل التواصل الاجتماعي والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية الجديدة. وزادت في توسيع النقاش إشارات الحكومة في مناسبات عدة، خصوصًا بعد تولّي يوسف الشاهد رئاسة الوزراء (آب/ أغسطس 0162)، إلى عمل الحكومة على

(5) Aziz Krichen, «L’affaire de Jemna: Question paysanne et révolution démocratique,» Nawaat , 7/12/2016, accessed on 27/3/2020, at: https://bit.ly/3eixOnB (6) Michelle Williams, «Uralungal, India’s Oldest Worker Cooperative,» Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016). (7) Jean–Guy Henckel, Dans un pays de Cocagne: Entretien avec Jean–Guy Henckel (Paris: Editions Rue de l’échiquier,

(8) Sharryn Kasmir, «The Mondragon Cooperatives: Successes and Challenges,» Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016). (9) Theodoros Rakopoulos, «The Anti–Middleman Movement in Greece,» Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016).

سنّ قانون أساسي لاقتصاد الاجتماعي والتضامني، قدّمته رسميًا وزارة التشغيل في 1 حزيران/ يونيو

0182 إلى البرلمان، بعد أن صيغ بالشراكة مع الاتحاد العام التونسي للشغل ومجموعة من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع. ومن ناحية أخرى، كرّرت حكومة الشاهد الإشارة إلى أنه جرى

أخذ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الحسبان عند بناء المخطط الخماسي (020–20162)؛ هذا المسار الذي دام أكثر من سنتين وتُوّج بتصديق مجلس النواب مشروعَ قانون الاقتصاد الاجتماعي

والتضامني في 71 حزيران/ يونيو.2020 بهذا، وبعد أن كان من اهتمامات المنظمات غير الحكومية (الاتحاد العام التونسي للشغل)، والحركات الاجتماعية (المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)، والمنظمات الدولية (منظمة العمل الدولية)، أدرج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ضمن السياسات العمومية للدولة التونسية باعتباره جزءًا من أجندتها. ولئن كان من بين المهتمين بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني الفاعلون الأكاديميّون،

فإن البحوث العربية الجامعية والأكاديمية المنشورة في هذا السياق تبقى قليلةً، مقارنة بالدراسات التي درست المبادرات الأوروبية والإسكندنافية ومبادرات بلدان أميركا الاتينية. تُدرج هذه الدراسة ضمن مشروع بحثي أوسع، نتطرق فيه إلى قضايا الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس، انطاقًا من مدخل سوسيولوجي هو دراسة الصات الاجتماعية. وبدقة في التعبير أكبر، يدرس المشروع البحثي هندسة الصات الاجتماعية وإعادة هندستها من خال مبادرات اقتصاد اجتماعي وتضامني تونسيّة قائمة، وبالتركيز على الصات التي تربط بين فاعلين اجتماعيين مختلفين

من داخل المبادرات والتجارب المدروسة، من جهة، وبينهم وبين باقي الفاعلين داخل المنظومة الاقتصادية والسياسية التي تُدرج ضمنها، من جهة أخرى. أما الدراسة الحالية، فتتطرق تحديدًا إلى واحد من التوجّهات البحثية الثاثة التي سار فيها المشروع البحثي، وهو التوجّه الذي يدرس مدى

قدرة مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني القائمة في تونس الراهنة على تجميع الفئات المستهدفة حول أرضية ثقافية تتعارض في تصوّرها المشروع الاقتصادي، مع ما تؤسس عليه الأرضية التي تفرضها

السوق الرأسمالية، وبالأخص في صيغتها النيوليبرالية المعولمة.

أولا: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مفهوم إشكالي

1. السياق الاجتماعي لتفعيل مفهوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

ليس البناء المفهومي لاقتصاد الاجتماعي والتضامني معزولً عن التحولّات الاقتصادية السياسية

التي شهدتها اقتصادات دول مختلفة، خصوصًا خال الثلث الأخير من القرن العشرين. ويرتبط

التركيز على الجماعية (الديمقراطية، التشاركية) والأخاقية والعدالة الاجتماعية وغيرها من العناصر الواردة في التعريف، بتراجع أدوار الدولة الاجتماعية في الكثير من مناطق العالم، وتناقص فاعلية دُوَل الرعاية الاجتماعية. وجعل تراجعُ الدولة عن أدوارها الاجتماعية الأفرادَ «يبحثون» عن مؤسسات

اجتماعية تُسندُهم، بحثٌ يشمل العمل على «استعادة المؤسسات الاجتماعية الأولية» أو إنشاء ما يُماثلها أو يعوّضها أو يستعيد دورها.

في تونس، تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن مياد «الدولة الوطنية» وانخراط النخب السياسية، الحاكمة وغير الحاكمة، في «سيرورة تحديث المجتمع» مع بداية الفترة ما بعد الاستعمارية، جعا دور العائلة ينحصر في التنشئة الاجتماعية الأولية، في حين اقتسمت باقي الوظائف الدّولةُ والسوقُ الرأسمالية. ودفع هذا «الاحتكار التحديثي المُدَوْلَن» قدُمًا بسيرورة «فَرْدَنة» المجتمع التونسي؛

إذ أصبح الفرد فيه أكثر استقالية عن المؤسسات الاجتماعية الرعوية الأوليّة، وأكثر تبعية لأجهزة

الدولة الاجتماعية ولمؤسسات السوق الرأسمالية. وأدّى هذا الانتقال إلى تحلّل جزئي للصات ذات الطابع غير الرسمي بين الأفراد وذات الطابع غير التعاقدي (بالمعنى القانوني) بين الأفراد والمؤسسات، في حين رفع من كثافة الصات الرسمية والتعاقدية التي تربط الفرد بالفرد والفرد بالدولة والسوق والفضاء العمومي. لكن، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، بدأت تظهر على السياسات الحكومية التونسية دلائل تخلّي الدولة عن الاضطاع بدور السند الاجتماعي للفئات الهشّة، ما أوجد أرضية خصبة لإعادة إحياء صات التضامن التقليديّة. وفي هذا السياق،

برزت مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتقدّم إجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن لفرد أو

مجموعة من الأفراد لا يملكون رأسَ مالٍ ماديًا (ماليًا أو عينيًا) ولا وسائل إنتاج، إيجاد منظومة إنتاج

بديلة تُمكّنهم من التفاوض مع الفاعلين الآخرين على كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها، وتُكسبهم مكانة داخل المجتمع تُخرجهم من دائرة «البطالة»؟

2. جدل التعريفات

تتمثل أولى صعوبات معالجة مفهوم «الاقتصاد الاجتماعي والتضامني» في صعوبة رسم حدوده. فعندما نَلِجُ عالم هذا النوع من الاقتصاد، تفاجئنا غزارة تعريفاته. وفي ظل غياب بناء نظري كوني يشمل

مختلف المبادرات ويغطّيها، تبقى لكل تجربة سِماتها الخاصة، متأثرة بالظروف المحلية وعواملها التاريخية وخصوصياتها الثقافية من جهة، ومن جهة أخرى بالسياقات السياسية الواقعية التي تحدّد ميزات الفئات المستهدفة أو المبادرين. يُعرّف المركز الفرنسي للتوثيق في الاقتصاد والمالية Économie documentation de Centre Le

CEDEF , Finances الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، باعتباره القطاع المتكوّن من مجموعة

المؤسسات الناشطة تحت الشكل القانوني للتعاضديات والتعاونيات والجمعيات والمؤسسات المانحة. وتتميز هذه المؤسسات بتركّز نظامها الداخلي ومجمل نشاطاتها على مبدأي التضامن والفاعلية الاجتماعية. وفي هذا التعريف، نحن أقرب إلى المقاربة القانونية المؤسساتيّة التي تركز

(10) Mohamed Ridha Ben Amor, Les formes élémentaires du lien social en Tunisie: De l’entraide à la reconnaissance (Paris: Le Harmattan, 2011). (11) Ibid. (12) Laurent Fraisse, Isabelle Guérin & Jean–Louis Laville, «Économie solidaire: Des initiatives locales à l’action publique. Introduction,» Revue du Tiers Monde , vol. 2, no. 190 (February 2007), pp. 245–253. (13) «Qu’est–ce que l’économie sociale et solidaire?» economie.gouv.fr , accessed on 27/10/2019, at: https://bit.ly/39XjCN5

على الشكل القانوني للمبادرة، كونها تخضع لترتيبات وقواعدَ شكلية قانونية مؤسساتية محدّدة. وتتميز القواعد القانونية التعاقدية التي تُميّز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من غيره من النشاطات

الاقتصادية الأخرى في أنها تحدّد هدفه الأساسي، ليس في تحقيق أعلى هامش من الربح، بل في حماية المنخرطين في المؤسسة من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي قد تودي بهم نحو البطالة والهشاشة. ومن منظور آخر، تحدّث ليون وورلاس (910–18341) عن التجمّعات أو الجمعيات الشعبية التي تمثل

جمعيات استهاك وإنتاج وإقراض، ما يُدرِجُها ضمن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، متناسبة مع

التعريف الذي يرتكز على واحدة من أبرز التجارب التضامنية البرازيلية. وفي هذه التجربة وشبيهاتها، يُقدّم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره مجموعة من النشاطات الاقتصادية والممارسات

الاجتماعية التي تطوّرها مجموعات شعبية لضمان تلبية حاجاتها عبر استغال المقدّرات أو الموارد

المتوافرة. وفي هذين التعريفين الأخيرين، نكون أقرب إلى المقاربة التشغيلية الإدماجيّة التي تركز

في الأساس على دراسة الآليات الرسمية وغير الرسمية للتنظيم الاقتصادي، تلك التي تلجأ إليها الفئات الهشّة اقتصاديًا من أجل تحسين أوضاعها الاجتماعية. وفي المقابل، عرّف شارل غيد (932–18471) الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خال التركيز على

الروابط والصات التطوّعية والتعاقدية التي يبنيها ضمنه الأفرادُ المنخرطون فيه من أجل تحقيق حياة

أفضل؛ لذا، اعتبره فضاءً لتجميع المؤسسات التي توفّر شروطًا أفضل للإنتاج وتبحث في الوقت

نفسه عن رفاه المنضوين تحتها، حيث تؤمّنهم ضدّ المخاطر الاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا

التعريف، نكون أقرب إلى تأكيد اجتماعية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خال التركيز على الصات التي تقوم بين الأفراد المنضوين فيه وكيفية هندستها وإعادة هندستها، بهدف إيجاد بيئة اقتصادية جديدة تمكّن من إدماج أكبر عدد ممكن من الفئات الهشّة. أما جون لوي لافيل (954–1)، فيعرّف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره نشاطات الإنتاج

والتبادل والادّخار والاستهاك التي تُدرج ضمن سيرورة «دمَقْرطَة» الاقتصاد من خال الالتزام

المواطني. وينحو هذا التعريف منحى سياسيًا معياريًا، يركّز على الهدف الاجتماعي من المبادرة

ومدى تناغمه مع مبدأ العدالة الاجتماعية. كما لا يخلو هذا التعريف من إحالات سياسية، تُحيل على ضرورة انخراط مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ضمن التيار المناهض للعولمة والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، بوصفه بديلً سياسيًا واقتصاديًا يقطع مع الاقتصاد الرأسمالي، على أساس

(14) Leon Walras, Études d’économie sociale: Théorie de la répartition de la richesse sociale (Lausanne: F. ROUGE,

(15) Fraisse, Guérin & Laville, pp. 245–253. (16) Charles Gide, Économie sociale: Les institutions de progrès social (Paris: Sirey, 1905). (17) Éric Bidet, «Économie sociale, nouvelle économie sociale et sociologie économique,» Sociologie du Travail , vol. 42, no. 4 (Octobre–Décembre 2000), pp. 587–599. (18) Fraisse, Guérin & Laville, pp. 245–253.

القاعدة المعيارية القائلة إن المرور إلى اقتصاد أخاقي يحترم الذات البشرية، لا يكون إلّ عبر مناهضة السياسات الرأسمالية. على الرغم من تباينها، فإنه يمكن تلخيص هذه التعريفات وتكثيفها باعتبار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني سيرورة فعل جماعي تشاركي، يهدف إلى «أخلقة» الاقتصاد على أساسين: معياري وسياسي، يعمان معًا على إدماج الشروط الاجتماعية في تقدير مردودية العمل الإنتاجي واعتبار العدالة الاجتماعية الغاية الأساسية للمبادرات الاقتصاديّة، على قاعدة احترام ديمقراطية التسيير

وتشاركيته. يقترب هذا التعريف المكثّف إلى حدٍّ بعيد من التصوّر الذي قدّمه الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل

موس Mauss Marcel (950–18721) عن مفهوم التعاونيّة coopératisme Le، حيث يرتكز كا

المفهومين على رفض عزل النشاط الاقتصادي عن سياقه العام الذي يضم بالضرورة مجموعة من العوامل غير الاقتصادية (اجتماعية، وسياسية، وتاريخية، وأخاقية، وثقافية... إلخ)، التي تؤثر على نحو مباشر في سيرورة الفعل الاقتصادي. وبناء عليه، يكون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خال قدرته على دمج هذه العوامل المختلفة والمتعدّدة، وسيلةً تمكّننا من الانتقال نحو اقتصاد أكثر أخاقيّة. هذا ما نجده أيضًا في تصور موس

الذي اعتبر تعاونيّات المستهلكين وسيلةً تمكّن من نشر «روح الاشتراكيّة» داخل المجتمع على نحو

عفوي وسلس، من دون اللجوء إلى «المنهجية البلشفيّة» القائمة على فرض النظام الاشتراكي من خال

سلطة الدولة وهيمنتها. وفي هذا السياق، ناحظ أن رؤية موس لمفهوم التعاونية تستبطن بدورها فكرة الفعل التشاركي العفوي الهادف إلى مجابهة انعكاسات الاقتصاد الرأسمالي على مستوى عيش الفئات الهشّة. لكنّه، خافًا لمفهوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يدفع مباشرة نحو تموقع والتزام سياسي واضح ضمن المعسكر الاشتراكي، وهو ما نُاحظ خفوت حدّته في ما يتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي يُركّز أكثر على فكرة البديل والطريق الثالثة والتعايش ضمن سياق يفرض التواصل

مع المؤسسات العمومية والمبادرات الخاصة الناشطة في السوق الرأسمالية، على الرغم من تبنّي هذا التيار التنظيري فكرة مناهضة العولمة والنضال ضد التوجهات الاقتصادية النيوليبرالية والمؤسسات الدولية الراعية لها.

3. في المفهوم الإجرائي: المثال الأدنى للاقتصاد الاجتماعي والتضامني

تورد أدبيات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مجموعةً من الشروط والمميزات التي تعتبرها ضرورية لتصنيف المبادرات الاقتصادية ضمن دائرة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن تحقيق هذه الشروط كلها، خصوصًا بالنسبة إلى مبادرات ناشئة في أعوامها الأولى، يكون أمرًا صعبًا؛ إذ هي لا تكتسب

(19) Cyrille Ferraton, «Mauss et l’économie solidaire,» Revue du MAUSS , vol. 1, no. 27 (January 2006), p. 355. (20) Ibid.

هذه الخاصيات منذ نشأتها دفعة واحدة، بل نتيجة سيرورة بناء متواصل، يسير بها ضمن شروط تاريخية واجتماعية محددة. ومما يؤكد ذلك، أننا لم ناحظ في التجارب التي اطّلعنا عليها في قراءاتنا، وجود حالة جمعت هذه الميزات كلها على نحو منسجم. والسبب في ذلك هو أن مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تأتي في أغلب الأحيان، وفي بداياتها على الأقل، بوصفها ردًّا عفويًا على

الحاجة إلى تحسين وضعية ساكنة مهدّدة، وذلك من خال تجميع الموارد وتوجيهها نحو نشاط اقتصادي يكون أساسَ الانطاق فيه شكلٌ ما من أشكال التضامن الجماعي المنظّم إلى هذا الحدّ أو

ذاك. من خال معاينة الممارسات العملية لمبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، نتبيّن أن جملة المبادئ

القيمية والأسس المعيارية التي تقوم عليها هي في الحقيقة، وعلى الأخص إذا ما اجتمعت كلها، أقرب إلى مثال نظري لا وجود له على أرض الواقع. لهذا عمدنا إلى اختزال الشروط الواردة في أداة مفهومية

إجرائية مَرِنَةِ، سمّيناها «المثال الأدنى لاقتصاد الاجتماعي والتضامني». وبنينا هذا المثال، على طريقة

النموذج المثال لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، من خال اختزال أبرز الشروط الضرورية لتصنيف المبادرة ضمن مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ويرتكز المثال الأدنى لاقتصاد الاجتماعي والتضامني على ستة شروط أساسية: • المِلْكِيّة الجماعية غير القابلة للتقسيم: يفرض هذا المبدأ أن تكون ملكية المبادرة مشتركة بين

مختلف المبادرين من دون تمييز، ومن دون تراتب تضبطه المساهمة في رأس المال؛ إذ تسعى مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتثمين مساهمات جلّ المبادرين والمساهمين فيها، سواء أكانت رساميل نقدية أم عينية أم اجتماعية أم معرفية أم خبريّة. ويتمتع المساهم في ظل هذا النظام

بحقوق باقي المساهمين نفسها، وعليه الواجبات نفسها أيضًا، مهما كانت طبيعة مساهمته في رأس المال وحجمها وأهميتها. كما لا يمكن التفويت في المبادرة، ولا تقسيم عوائد البيع بين المبادرين. • الديمقراطية القاعدية (شخص واحد/ صوت واحد): يفرض هذا المبدأ أن تكون لجميع المبادرين الحقوق والواجبات نفسها. كما يساهم جميع المبادرين في سيرورة اتخاذ القرار، من خال الآليات التي يضبطها القانون الداخلي للمبادرة الذي عليه احترام مبدأ الديمقراطية القاعديّة، أي أن يكون لكل

مبادر صوتٌ واحدٌ مهما كانت وظيفته، ومهما كان مقدار مساهمته. • الاستثمار الاجتماعي لجزء من فائض الإنتاج: يفرض هذا المبدأ تقسيم عوائد المبادرة ثاثة مسارات: أولً مصاريف التسيير، ثانيًا مصاريف التطوير، ثالثًا الاستثمار الاجتماعي. يجب أن تساهم المبادرة

بالجزء الأهم من «مرابيحها»، وبعد تحقيق اكتفائها الذاتي، في تطوير نشاطها والارتقاء بمحيطها ومحاولة إدماج فئات هشّة مختلفة. • أولوية العمل على رأس المال: في حال الأزمات المالية، لا تلجأ مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى التضحية بمواطن الشغل من أجل إنقاذ الموازنات المالية للمبادرة؛ إذ يبقى إدماج الفئات الهشة المستهدفة، الهدفَ الأول والرئيس للمبادرة حتى في حالة الأزمة.

• الانتماء الحرّ والمغادرة الحرّة: من حق أي مواطن الانتماء إلى مبادرة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ما دامت له الرغبة، ومن حقه مغادرتها متى شاء ومن دون شروط. • تحقيق الرفاه الاجتماعي: يختزل هذا المبدأ الغاية الأخاقية من الشروط السابقة له، حيث تسعى مبادرات الاقتصاد الاجتماعي لفك العُزلة عن الفئات الهشّة اقتصاديًا واجتماعيًا، بهدف الخروج بها من حالة الهشاشة نحو حالة أكثر أمنًا واستقرارًا ورفاهية. يعكس هذا النموذج المثالي، إلى حدٍ بعيد، أسس الثقافة الاقتصادية البديلة التي يقوم عليها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والتي تتعارض في جوهرها مع الثقافة الاقتصادية النيوليبرالية المهيمنة، وذلك من خال مراعاتها المصلحة الجماعية، بدلً من المصلحة الفردية، وتثمينها مبدأ التضامن عوض مبدأ المنافسة الحرّة، إضافة إلى أنها تُعطي الأولوية للعمل على حساب رأس المال، هذا مع مراعاتها مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وتقسيم العائدات واتخاذ القرارات في تعارض واضح مع التسلسل الهرمي الذي تفرضه المبادرات الخاصة الناشطة في السوق الرأسمالية، والذي تضبطه أساسًا أحجام مساهمات المستثمرين.

ثانيًا: منهج الدراسة

1. النظريات المستنبتة إطارًا منهجيًا للبحث

منهجيًا يمكن تصنيف هذه الدراسة في إطار الدراسات الميدانية الكيفية. ووفقًا لطبيعة البحث هذه، تكون للميدان أهميةٌ قصوى، خصوصًا في ظل قلّة المعلومات المباشرة بشأن الموضوع. ويعود تركيزنا على المنهج الكيفي إلى سببين رئيسين: • غياب جرد واضح وجامع لمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس وللناشطين في هذا القطاع، إضافة إلى غياب منظومة إحصائيّة جامعة توثّق الأرقام الصادرة عن تطوّره، ما يُضعف القدرة على تكوين عيّنة كمّية ممثلة، خصوصًا في ظل تنوّع المبادرات والمؤسسات والمشروعات ذات الصلة. وتعذّرت علينا في الوقت الحالي إمكانية بناء قاعدة بيانات كمية خاصة بالموضوع، وذلك لأسباب تمويلية. • استهداف بحثنا فهم عملية هندسة الصِات الاجتماعية وإعادة هندستها داخل مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وحولها، في اتجاه التعمّق في دراسة التصوّرات التي يحملها المبادرون عن

نشاطهم وفهمهم كيفية نسج الصِات التي تربطهم بمختلف الفاعلين الآخرين داخل بيئة النشاط.

(21) «Etude stratégique sur l’économie sociale et solidaire,» Ministère du Développement de l’Investissement et de la Coopération Internationale (2017), accessed on 27/3/2020, at: https://bit.ly/3c7neOc

تفرض الأدوات المنهجية التفهّمية نفسَها ما دمنا نجهل الشروط التي يستند إليها نسق ترابط المعلومات التي تعكس معنى الفعل الاجتماعي لدى الفاعلين. وفي بحثنا، ندرس تمثّات الفاعلين وآراءهم في ما يتعلق بتجاربهم العائقية داخل المبادرات التي ينخرطون فيها، ويكون انطاقنا من الخطاب الذي يكوّنونه، أو الخطابات التي يكونونها، عن نشاطاتهم وأفعالهم ومسلكياتهم وكيفيات نسجهم

صِاتٍ بالفاعلين الآخرين. وبذلك نكون أقرب إلى المنهجية التفهّمية بالمعنى الفيبري للكلمة الذي يعتبر أن الفعل الاجتماعي هو في الأساس «سلوك تفاعلي» يُبنى على فهم المعنى الذي يُضفيه عليه الفاعلون، سواء أكان هذا المعنى موضوعيًا أم ذاتيًا. وعلى هذا الأساس، سوف يكون السؤال الذي

نسأله لكل شريكِبحثٍ، عمّا يعرفه وما يفعله، وليس عمّا يعتقده؛ الأمر الذي «سيجرّه» إلى سرد

التفصيات اليومية لحياته، حيث يصف لنا صِاته بالآخرين جميعهم الذين ينضوون في كل مبادرة اقتصاد اجتماعي وتضامني، يكون منخرطًا هو فيها وندرسها، فيُحدّد طبيعة تلك الصات، وربما روى

لنا تاريخ تطوّراتها في نطاق تغير السياقات التي مرّ بها نشاطه فيها. تضعنا هذه الحال في وضع أقرب إلى البحث الاستكشافي منه إلى أي بحث آخر. وتتوافق هذه الحال مع ما يدعوه أنسلم شتراوس Strauss. L Anselm (996–19161) «النظرية المتجذّرة» Theory Grounded. إن المقصود هو تلك «النظريات الميدانية» التي بُنيت خال التحليل، انطاقًا من المعطيات المستخرجة مباشرة من الميدان. ولذلك عمدنا، على المستوى المفهومي، إلى بناء ما سمّيناه مثالً أدنى، وهو الجهد الذي نواصله في مستويات البحث المنهجية الأخرى.

2. تقنيات البحث

حتّم علينا المنهجُ الذي اخترناه، العملَ على الحصول على المعلومات والمعطيات التي تخصّ نشاط

مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس على أساس ثقةٍ نبنيها بيننا وبين شركاء البحث. وما دام هدفنا هو فهم المعنى الذي يُعطيه الفاعل لممارساته والصِات التي تربطه بباقي الفاعلين داخل البيئة التي ينشط فيها، فلن نبلغ غايتنا إلّ إذا ربطنا الأفكار التي يتبنّاها شريك البحث بأنماط سلوكه وتجاربه التي يعيشها، ومنها معايشته الآخرين. وعلى هذا الأساس، مثّلت المقابات التفهّمية نصف الموجّهة الأداة الأبرز لتجميع المعلومات في بحثنا. ولتحقيق أهداف الدراسة، بنينا دليل المقابلة على نحوٍ يحتوي على مجموع الموضوعات التي نسعى لاستكشافها، إضافة إلى تحديد الأساليب الحوارية المائمة لها، وحُسّن الدليل التوجيهي للمقابلة

(22) Alain Blanchet & Anne Gotman, L’enquête et ses méthodes (Paris: Nathan, 1992), pp. 40–41. (23) Max Weber, Essais sur la théorie de la science (Paris: Librairie Plon, 1965). (24) Daniel Bertaux, «L’approche biographique: Sa validité méthodologique, ses potentialités,» Cahiers Internationaux De Sociologie , vol. 69 (Juillet–Décembre 1980), pp. 197–225. (25) Jean–Claude Kaufmann & François de Singly, L’entretien compréhensif (Paris: Armand Colin, 2004), p. 9. (26) Ibid.

تدريجيًا من مقابلة إلى أخرى، ليتبلور مع نهاية العمل الميداني في شكله الحالي الذي يتكوّن من

خمسة محاور أساسية: • المحور الأول: يهتم بتجميع المعلومات الأولية بشأن المبادرة وشريك البحث. وتتمثل هذه المعلومات في: اسم شريك البحث ولقبه، ووظيفته وموقعه في المبادرة، واسم المبادرة، ومركز نهوضها، وعنوانها، وعدد مقارّها، وتاريخ تأسيسها، ونشاطها، وتمويلها، وعدد المبادرين فيها،

ومجالات أعمارهم ومستواهم التعليمي ونوعهم الاجتماعي. • المحور الثاني: يتطرّق إلى تعريف المبادرة وسياقات تكوينها ونشاطها، من خال تحفيز شريك

البحث على سرد حكاية انطاق المبادرة، مع التركيز على تفصيات النشاط اليومي. • المحور الثالث: يتطرق إلى الصِات التي تربط المبادرين داخل المبادرة، إضافة إلى أسلوب العمل وتقسيم الربح واتخاذ القرار وتقسيم الأدوار. • المحور الرابع: يتطرق إلى الصِات التي تربط المبادرة والمبادرين بالفاعلين من خارج المبادرة، وهم في الأساس السلطة والإدارات المحلّية ومؤسسات القطاع الخاص والمموّلون ومبادرات الاقتصاد

الاجتماعي والتضامني الأخرى والمحيط الاجتماعي المتمثل في العائلة والأصدقاء والمعارف والجيران. • المحور الخامس: يتطرّق إلى المهارات التي اكتسبها المبادرون والعوامل الإيجابية التي ساهمت في

تحفيزهم وتثبيت المبادرة، إضافة إلى العوائق التي واجهتهم والاستراتيجيات التي يوظّفونها من أجل تجاوز الأزمات التي مرّوا، ويمرّون، بها. في ضوء هذه التوجيهات، أجريت المقابات مع المشرفين على المبادرات المشمولة في العيّنة،

لأنهم، في الغالب، مؤسسوها الحصريّون، وهو ما يجعلهم يلمّون بأدق تفصياتها. وجرى الذهاب

إلى عين المكان لإجراء أغلب المقابات التي جرى أكثرها في المقارّ الرسمية للمبادرات المشمولة

في العينة، ما مثّل فرصة لمعاينة السير الطبيعي للنشاط، وكانت مُدَد المقابات بمعدل 04 دقيقة لكل

واحدة منها. امتد ميدان البحث على التراب التونسي كله، حيث استهدفنا في الأساس مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي أسّست بعد 14 كانون الثاني/ ينايرُ 0112 الناشطة في مختلف القطاعات

والفضاءات، وفي الجهات التونسية المختلفة. وبالاعتماد على المبادرات التي تعرّفنا إليها خال

المرحلة الاستكشافية للبحث، بنينا عيّنةً من عشر مبادرات، راعينا في بنائها التوزّع الجغرافي

والعمراني والقطاعي، والتوزّع من حيث الشكل التنظيمي وتنوّع الفئات المستهدفة. وهو ما نعرضه

في الجدول.

(27) Blanchet & Gotman, pp. 61–62.

جدول التوزّع التنظيمي والفئوي لعيّنة البحث

شكل الفئة المستهدفة قطاع النشاط الفضاء

شكل
التنظيم
الفئة المستهدفةقطاع النشاطالفضاءمركز
المبادرة
الجهةاسم المؤسسةاسم
المبادرة
شركةالنساء الحرفيات
الريفيّات
الحرفحضري
مركزي
طبرقةالشمال
الغربي
كلنا حرفةكلّنا
حرفة
جمعيةالنساء ذوات
الدخل المحدود
العولةحضري
طرفي
غار الدماءالشمال
الغربي
جمعية أبواب
الخير
مشروع
العولة
جمعيّةالنساء الحرفيات
األريفيّات
الحرفريفيعين
دراهم
الشمال
الغربي
جمعية مساندة
حأرفيات خمير
تزويق
المحامل
جمعيةالنّساء بالأريافالفاحةريفيعين
دراهم
الشمال
الغربي
جمعية الأرض
الحية
مبادرة
الأرض
الحية
تعاضديةمستهلكو
المنتوجات
الفاحية
الخدماتحضرياالبلفيديرتونستونس كوبتونس
كوب
Tunisie
Coop
شركة
وجمعية
الشباب الناشط
في القطاعات
الفنية والثقافية
الثقافةحضريلافاياتتونسالمقهى الثقافي
ليبرتي والجمعية
الثقافية للإبداع
والتفكير الإيجابي
برمجة
المقهى
الثقافي
ليبرتي
جمعيةالفئات الهشة
اقتصاديًا
المقاولة
الاجتماعية
والتكنولوجيا
حضريباب
الجزيرة
تونسألسبايسألسبايس
EL
Space
جمعيةالشباب
العاطلون عن
العمل والراغبون
في بعث مشروع
المقاولة
الاجتماعيّة
حضريسيدي
بوزيد
الوسط
الغربي
المركز التونسي
للمبادرة
الاجتماعية
لنغار
Langar
جمعيةالشباب
العاطلون عن
العمل والراغبون
في النشاط
الفاحي
الفاحةريفيمدنينالجنوب
الشرقي
جمعية التنمية
العادلة
تعلّم،
اعمل
وأنتج
جمعيةأهالي منطقة
جمنة وولاية
قبلي
الفاحةريفيجمنةالجنوب
الغربي
جمعية حماية
واحات جمنة
جمعية
حماية
واحات
جمنة

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى المعلومات الواردة في المقابات مع المشرفين على المبادرات.

مركز الجهة

اسم المؤسسة

اسم

ثالثًا: عرض نتائج البحث

1. فئات مستهدفة مركّبة

من بين ما استفدنا من مراجعاتنا النظرية والمفهومية، أن تجارب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تحمل في طياتها طابعًا مزدوجًا، حيث تسعى لإيجاد توازن بين أهداف المبادرين وحاجات المنتفعين.

لكن من خال إمعان النظر في المبادرات التي اشتملت عليها عيّنة البحث ناحظ أن لها نوعين من

الفئات المستهدفة:

أ. المبادرون في حدّ ذاتهم

وتتمثل أهدافهم في إدماج الفئات الهشّة داخل دورة اقتصادية مُنتِجة لا تتطلّب رأسَ مالٍ ماديًا كبيرًا

عند الانطاق، لأنها قائمة في الأساس على رأس المال المهَارِي لدى الفئات، أو ما يمكن تسميته

«الصَّنْعَة» (كلمة عامّية تونسيّة تعني الحرفة المهنية والتمكن منها)، إضافة إلى استغال الحدّ الأدنى

من رأس المال العائقي. ومن أبرز الأمثلة التي تعرّضنا لها في عملنا الميداني، مشروع «العُولَة» (كلمة عامية تونسية تعني

المخزون، السنوي غالبًا، الذي يتوافر لدى العائات لمجابهة الحاجات الغذائية، ويُعادله في باد

الشام مفهوم «المونة») الذي تشرف على تنفيذه «جمعية أبواب الخير» في غار الدماء (قرية على الحدود الجزائرية). والفئة الرئيسة المستهدفة من هذا المشروع هي في الأساس فئة النساء الريفيات من ذوات الدخل المحدود، أو اللّتي ينتمين إلى ما يُتعارف على تسميته إداريًا وسياسيًا وإعاميًا

«العائات المُعْوِزَة»، واللّتي يلتجئن في الكثير من الأحيان إلى المرافق الاجتماعية للدولة (المعتمديّة،

و«المرشدة الاجتماعية»... إلخ) أو الجمعيات الخيريّة طلبًا للمعونة. ويتجلّى الهدف الاجتماعي من

المبادرة في ما اعتبرته رئيسة الجمعيّة «الحد من الاتكالية»، وذلك من خال إدماج الفئات الهشّة

في إطار الدورة الاقتصادية عن طريق استثمار المهارات الحِرَفيّة التي يتقنونها، والتي لا تتوفّر عليها

السوق الرأسماليّة. ويتمثّل هذا النشاط الحرفي أساسًا في صنع تشكيلة من المواد الغذائية التقليدية

والبيولوجية (كسكسي، وبسيسة... إلخ) وتسويقها. ومن خصائص هذه الدورة الاقتصادية أنها توجِد الثروة وتُثمّن نشاط المشتركين وتحسّن وضعيّاتهم

الاجتماعية بأن تخرج بهم عن دائرة العطالة، فتُطوّر قدراتهم وتُثمّنها وتؤمّنهم من المخاطر الاقتصادية

والاجتماعية. ويتم ذلك من خال تطوير مشروعات غير ربحية، أو ذات ربحية محدودة. وفي الحالات كلها لا تخرج عن إطار ما سميناه سابقًا «الاقتصاد الأخاقي» الذي نلمسه في تشديد رئيسة الجمعيّة

على عبارة «هذا مشروع يحفظ الكرامة» التي تكرّرت في لقاءاتنا مع مبادرين آخرين. التوجّه نفسه نجد له تواترًا في المبادرات الأخرى التي شملتها العيّنة، في مجالات نشاط أخرى، من

بينها النشاطات الثقافيّة، كما هي حال مبادرة «الجمعيّة الثقافية للإبداع والتفكير الإيجابي» الناشطة

في فضاء «المقهى الثقافي ليبرتي» (منطقة لافايات، تونس العاصمة) التي نجحت في تجميع طاقات

مثقفين شبان وفنانين هُواة يبحثون عن فضاء مجّاني للعرض وتطوير نشاط ثقافي منفتح على النشاط

الاقتصادي المتمثل في تقديم المقهى خدمات استهاكية معتادة.

ب. المنتفعون من الخدمات المقدّمة

وهم فاعلون من خارج المبادرة، تتمثل حاجاتهم في تلقّي خدمات ذات جودة محترمة، بمقابل قليل، وهو ما تعجز عنه في الكثير من الأحيان مؤسسات السوق الرأسمالية والمؤسسات الحكومية، خصوصًا

في المناطق الطرَفية التي تضعف فيها تدخّات الدولة. الكثير من المبادرات المدروسة تبني استراتيجية

عملها على ضمان التوازن بين حاجات الفئتين. وهذا ما نرصده في مقولات رئيسة «جمعيّة أبواب

الخير» والمشرفة على مبادرة «العولة» التي حاولت المزج بين حاجة الفئة المستهدفة الأولى المحتاجة إلى مورد رزق تُعيل به العائلة، والفئة المستهدفة الثانية المحتاجة إلى مجموعة من المنتوجات التقليدية البيولوجية التي تتطلّب حرفة يدوية لا تملكها، إضافة إلى أنّ هذا المنتوج، بمواصفاته التقليدية، يغيب في السوق الرأسمالية الواقعة تحت هيمنة القدرات التصنيعية الضخمة. التوجّه نفسه أيضًا نجد له صدى في تجربة «المقهى الثقافي ليبرتي»، حيث يُحاول المشروع أن يزاوج

بين حاجة الفئة الأولى، وهم الفنانون الهواة، إلى فضاء للعرض، يفتح أبوابه أمام إنتاجهم ومواهبهم وتعبيراتهم، حيث يمثّل جسرًا يربطهم بالجمهور، ومن يُصنّفه القائمون على المشروع شبابًا متعطشًا

للنشاطات الفنية والثقافية البديلة، لا توفّرها السوق الرأسمالية (المهرجانات الخاصة وقاعات السينما والقنوات التلفازية... إلخ) أو المؤسسات الثقافية العمومية (دور الشباب والثقافة في الأساس). ومن ناحية أخرى، ناحظ أن اشتغال هذه الدينامية يشهد نوعًا من التوتّر في مبادرات أخرى، كما هي

الحال مع مبادرة «كُلّنا حِرفة»، وهو ما رصدناه في مقولات الوكيل الشريك في المؤسسة. ويعود هذا التوتر في الأساس إلى أن الفئة المستهدفة الثانية (الزبائن أو المستهلكون)، لم يستبطن فاعلوها بعد خصوصية

المؤسسة المنتجة، وخصوصية المنتوج، ومن ثم خصوصية عمل الفئة المستهدفة الأولى (المُنتِجات)،

ما يجعلهم خارج سيرورة إيجاد الاقتصاد. وبالفعل، نرى من خال مقولات الوكيل أن للمبادرين تمثّلً مختلفًا للمنتوج الذي يقدّمونه، حيث يعتبرون أنهم لا يقدّمون إلى الحريف مجرّد منتوج لاستهاك أو

العرض أو الزينة، بل هم يهَبُونه تجربة فريدة تعكس تاريخ معرفةٍ مهاريّة تقليديّة وجذورها الضاربة في

خصوصية قطاع جغرافي له أعماق حضاريّة متفردة (الشمال الغربي التونسي)، وهذا ما يتجلّى واضحًا في

جملة وردت على لسان مبادِرةٍ: «نحن لا نبيع المنتوج، نحن نبيع تاريخ وجذور المنتوج». وعلى خاف ذلك، يتصرف الحرفي على أساس تحقيق مبدأ السعر الأدنى في إطار ما يراه هو جدليّةَ عرضٍ وطلب

وتنافس حرّ استبطنه من خال «خبرته» اليومية في السوق الرأسمالية. وبهذا، لا يمكن، بحسب شريكة

البحث، أن يصمد المنتوج التقليدي أمام منتوجات شبيهة مصنعة ومستوردة ومنخفضة التكلفة.

2. الأرضية الثقافية لإعادة هندسة الصِلات الاجتماعية

يشير المثال الأخير في العنصر السابق إلى أهمّية استبطان ثقافة اقتصادية جديدة تكسر مبدأ العرض

والطلب، وتضمن التوازن بين الفئات المُنتِجة المستهدَفة على نحو مباشر والمستهلكين، حيث يوفّر

الأوّلون للثانين خدمات محترمة بسعر معقول، ويُساهم الثانون في إعادة إدماج الأوّلين في دورة

اقتصادية بديلة تخرج بهم من العطالة وتثمّن نشاطهم وتهبهم موقعًا للتفاوض، مثل غيرهم من الفاعلين. ناحظ هنا تدخلً في هندسة الصِات الاجتماعية بين الفئات، حيث يعمل الفاعلون الاقتصاديون في المبادرات التي ذكرناها، على صوغ التفاعل بينهم، حيث لا يقوم على مبدأ العرض والطلب والمنافسة الحرّة الذي يفرض الضغط الدائم على تكلفة الإنتاج، كما هي في حالة السوق الرأسمالية، إنّما على

مبدأ التضامن المتبادل والمصلحة المشتركة. وهذا ما ناحظه مثلً في مبادرة «تعاضديّة تونس

كوب» التي نجحت في كسر الوساطة لتُهندس صلة بين الزبون والفاح، هي صلة مباشرة. وأهمّ

مشروعات هذه التعاضديّة (التعاونية) الاستهاكية، يتمثل في إيجاد سوق تضامنية تمتد طوال أيام عدة،

تتميز بربط صلة مباشرة بين الفاح المنتِج والزبون، متجاوزيْن دور الوسيط. يكسر هذا التواصل قاعدة

العرض والطلب لفائدة قاعدة التضامن، حيث المبادر، وهو هنا المستهلك، يسعى لاقتناء منتوجات صحية ومعروفة المصدر وذات سعر معقول، في حين يسعى الفاح لتحقيق هامش ربح أكبر مما كان، لو أدرج بضاعته في مسلك التوزيع المعتاد، حيث يتمكّن من تجاوز صعوبات الإنتاج التي يواجهها في ظل الأزمة التي يعيشها المنتجُ الفاحي. ها هنا نرى كيف لا تتوقف الصلة عند إعادة هندسة العاقة، بل تمتد لتمثل بنية ثقافية جديدة، عناصرها المستهلك المنخرط في التعاضدية أو الذي يتعامل معها، والفاح المنتِج لمنتوجات فاحية بيولوجية. يصرّ المستهلك في مثالنا هذا على معرفة أصل المنتوج ومسارات إنتاجه وما إن كان يراعي المواصفات

الصحية من ناحية، ويُبعد شبهة الاستغال من ناحية أخرى، حيث لا يكون الضغط على السعر على

حساب جودة المنتوج ولا مصلحة المنتِج. وبهذا يساهم المستهلك من ناحيته في إعادة دمج الفاح الصغير، خصوصًا، داخل دورة اقتصادية بديلة، تُثمّن منتوجه البيولوجي وتُمكّنه من تسويقه بأسعار

معقولة، ويغيب عنها الوسيط الذي يجني ربحه من خال المضاربة أو احتكار السلع، أو في أفضل الأحيان من خال الضغط على سعر الشراء من الأصل. ناحظ حالة أخرى في العمل على كسر ثقافة العرض والطلب في انفتاح مبادرة «الأرض الحية» على الفضاء المحيط بها، حيث طوّرت في إطار مشروع زراعة المشاتل، حدائق بيداغوجية بالشراكة مع مدارس

في الجهة. وتمثّل هذه الحدائق فضاءً تعليميًا من ناحية، لكنها من ناحية أخرى، فضاءٌ إنتاجيٌ توجَّه عائداته

لفائدة المدرسة. ثقافة هذه المبادرة ليست ثقافة الربح والتنافس، وليس مبدؤها مبدأ العرض والطلب، بل هو مبدأ التضامن المتبادل، حيث يستفيد التاميذ والإطار التربوي من الفضاء في الأغراض التعليمية البيداغوجية، لكنهم في الوقت نفسه يوفّرون منتوجًا ذا جودة وسعر معتبرين، تُوجَّه عائداته إلى تنمية

الفضاء المدرسي والأداء البيداغوجي عمومًا. وضمن هذه الصلة الاجتماعية، وفي ظل هذه البنية العائقية

التضامنية، يكون المستهلك فاعلً في بحثه عما يُرضيه استهاكيًا، لكنه في الآن ذاته متضامن؛ إذْ يساهم

من خال توجّهه إلى هذا المنتوج تحديدًا في استدامة هذا الفضاء البيداغوجي وتطوير المدرسة العموميّة.

(28) Bidet, pp. 587–599.

الصلة الاجتماعية في الأمثلة التي ذكرناها هي في الأساس صلة تضامنية، تراعي مصلحة الطرفين الاقتصاديّة، وعلى هذا الأساس تُعيد بناء عاقتهما الاجتماعية على أرضية أخاقية – ثقافية جديدة.

وفي هذا السياق، وفي ظل بروز مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تشهد حتى الصِات التضامنية الكاسيكية القائمة على العطاء والصدقة، إعادة تشكل، حيث ما عاد الخروج بالفئات الهشّة عن دائرة العطالة مرتبطًا بالعمل الخيري، بل بالتحوّل نحو نسق اقتصادي مهيكل أو شبه مهيكل، له

منهجيّته واستراتيجياته وقيمه الأخاقية. ورصدنا هذا المنطق أيضًا في مقولات رئيسة «جمعية أبواب

الخير» المشرفة على مشروع «العولة» في غار الدماء في ما يتعلق باستراتيجية الجمعية في اختيار إدماج النساء المنحدرات من عائات معوزة ضمن مشروعات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، عِوَض تقديم

صدقات أو عطاءات أو مساعدات في إطار العمل الخيري.

3. من الممارسة إلى خطاب الوعي

يتطلّب بناء مثل هذه الثقافة الجديدة، الانخراط في خطاب رافض للثقافة الليبرالية السائدة في السوق الرأسمالية التي عجزت عن دمج هذه الفئات؛ وهو الخطاب الذي يعي ضرورة تطوير هذا النمط الاقتصادي الجديد الموسوم أساسًا بأخاقيته. لكن فشل السوق الرأسمالية في دمج ساكنة معيّنة،

أو فئة معيّنة، أو فشل مؤسسات الدولة في حمايتها، لا يؤدّيان بالضرورة إلى بروز مبادرات اقتصاد

اجتماعي وتضامني. هناك عوامل أخرى مهمة، من بينها إعادة التفكير في مسألة السياسة النيوليبرالية بوصفها إطارًا أيديولوجيًا للنشاط الاقتصادي. وهي إعادة تفكير تنطلق في الغالب من المجتمع

المدني، لتُفْرَض في ما بعد على الحكومات والمجموعات صانعة القرار. لكننا وقفنا على أن هذا

البعد ضعيف في المبادرات التي درسناها؛ إذْ لاحظنا ضمور البُعد «الأيديولوجي» لدى المشرفين

على المبادرات، خصوصًا في ما يتعلق بمسألة مناهضة العولمة والسياسات النيوليبرالية. ولم نُسجّل

إشارات مباشرة لمسألة مناهضة العولمة في خطاب المشرفين على المبادرات، وعلى ذلك يبدو لنا أن الهدف الأساسي للمبادرين ليس نضاليًا بالمعنى التقليدي السياسوي للكلمة، بل بالمعنى الاجتماعي

الإنساني، متمثّلً في العمل على الخروج بالفئة المستهدفة من حالة الهشاشة التي تعيشها. لذلك، لا يعني هذا الضعف الغياب التام لرؤية سياسية في خطاب المستجيبين، خصوصًا لدى

المبادرات الأكثر استقرارًا على المستوى المادي. وفي مثال أول على هذا نجد «جمعية حماية واحات

جمنة»؛ إذْ تمكّن الفاعلون من تطوير نموذج اقتصادي متوازن وتحقيق مداخيل كافية لتمويل نشاطات المبادرة وتطويرها وتحقيق الاكتفاء لناشطيها، وضمان استقاليتها من خال العملية الإنتاجية في حد ذاتها وحسن ربطها بالعملية التسويقية. أما في مثال ثانٍ، وهو مثال «المقهى الثقافي ليبرتي»، فناحظ أن أساس الممارسة يقوم على تهجين مصادر المداخيل بالاعتماد على ممارسة الإنتاج الفني وترويجه من جهة، واستقطاب التمويات من جهة ثانية، وتخصيص جزء من مداخيل المقهى لفائدة المبادرة من جهة ثالثة. في الحالتين، وضمن خطابات شركاء بحثنا، لاحظنا وجود معانٍ احتجاجية مناهضة

(29) Fraisse, Guérin & Laville, pp. 245–253.

للسائد في السوق الرأسمالية، كما لاحظنا مستوى تكوين سياسي ونظري أعلى مما هو موجود لدى باقي المبادرات. وفي تركيز المشرف على «المقهى الثقافي ليبرتي» على فكرة «الثقافة البديلة» مثلً، التي يعني بها الثقافة الموجَّهة إلى الشباب والخارجة عن العرض الذي تقدّمه المؤسسات الترفيهية الأخرى،

خصوصًا منها المقاهي أو حتى ما يُعرض في وسائل الإعام المختلفة، إشارة إلى الدور الذي تضطلع

به النشاطات المقدّمة في المقهى في تعزيز دور الشباب وزيادة وعيهم ودمجهم في صراع تموقع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، خصوصًا بعد الثورة التونسية والدور المحوري الذي قامت به هذه

الفئة في الحركة. ناحظ أيضًا هذا التوجه في الخطاب ذي البعد الحقوقي النضالي الذي انتهجه المشرف على مبادرة «جمعية حماية واحات جمنة». يتطرق شريك البحث في حديثه على نحو مكثف إلى مسألة الديمقراطية القاعديّة المحلّية، و«يُنَظّر» لكيفية مساهمة المبادرين والمبادِرات في ترسيخ هذا الأسلوب في إدارة

الشأن المحلّي، مُعرّجًا على عدد التجارب السياسية على المستوى المحلي التي يخوضونها منذ الثورة،

وكان أبرزها انتخاب معتمد الجهة وانتخاب أعضاء مكتب الجماعة المحلية (مكتب البلديّة حاليًا).

وناحظ هذا البعد الاحتجاجي أيضًا على نحو آخر في خطاب المشرف على مبادرة تعاضدية «تونس كوب»، انطاقًا من تعرّضه لمسألة المضار الصحّية التي تتسبب فيها الفاحة المُصنّعة من خال

الاستخدام المفرط للمبيدات والأدوية. ليس الأمر صحّيًا إيكولوجيًا فحسب، بل هو كذلك بمعنى ما

سياسي. وفي هذا ثمة تركيز على مبدأ التنمية التشاركية في بناء الاستراتيجيات الاقتصادية، حيث يكون الفاح والمستهلك فاعلين في تحديد القواعد وبناء السياسات التي تحكم اشتغال هذه السوق البديلة. وفي المقابل، نُعاين خطابًا أكثر براغماتية وأقل تسيّسًا في أقوال المشرفة على «جمعية مساندة حرفيات

خمير»، حيث تُركّز في الأساس على الهدف الرئيس وراء المشروع والمتمثل في خروج الحرفيات من وضع الهشاشة، مُسلّطة الضوء على التفصيات اليومية لسير المبادرة من دون الإحالة على أيّ مُعجم

سياسي أو أيديولوجي أو نظري. «الخطاب المحايد» نفسه يظهر في مقولة المشرف على مبادرة الزراعة من دون تربة، التي يرعاها فرع «جمعية التنمية العادلة» في مدنين، الذي تطرّق إلى عاقة مبادرته

بالسياسة والأحزاب السياسية بالأخص، التي اعتبر تدخّلها مريبًا وسلبيًا، هدفه الوحيد هو الركوب على

إنجازات الجمعية في الجهة. لكن، ومرة أخرى، لا يعني هذا «الحياد» عدم قدرة الفاعلين على التأطير النظري والسياسي للمبادرات، بل إن التأطير الحاضر يعود في الأساس إلى الخبرات والمعارف التي اكتسبها كل فاعل، انطاقًا من نشاطاته السابقة في سياقات أخرى مختلفة عن سياق المبادرة الاجتماعية التضامنية. وعلى العموم، رصدنا «ترسّبات» الخطابات النقابية والحقوقية والسياسية في حالة مبادرة جمعية «حماية واحات

(30) Tahar Etahri, «La Commune de Jemna (Tunisie),» Entre les lignes entre les mots , 28/12/2016, accessed on 27/3/2020, at: https://bit.ly/3a1VBoh

جمنة»، والخطابات المدنية الجمعياتية الثقافية في حالة مبادرة «ليبرتي». وعلى الرغم من غياب مثل هذه الترسبات في الخطابات الأخرى، فإننا لمسنا منظورًا متكاملً و«فلسفة» متناسقة هي نوع من

التنظير لخبرة المشرف على مبادرة «تونس كوب»، وهي الخبرة التي اكتسبها في نطاق نشاطه المهني ضمن الوظيفة العمومية (في وزارة الفاحة تحديدًا) بما اشتملت عليه من دورات تدريب خضع لها في بلدان مختلفة، مثل المغرب واليابان وغيرهما.

4. من إعادة هندسة الصلات إلى إعادة هندسة الأرضيّات الثقافية المشتركة

في محيط جميع هؤلاء المبادرين، كما في محيط من يقيم معهم الص ات الاجتماعية التي تخوّلها

المبادرات التي درسناها، لاحظنا دينامية ثقافية جماعية تُغلّف الاستراتيجيات الفردية، دافعة نحو تقوية اللّحمة بين أفراد المجموعة المبادرة. أساس هذه الدينامية هو هوية مشتركة تُبنى انطاقًا من إحساس بالانتماء المشترك إلى مجال ممارسة موحدة تقوم بها فئة مهنية أو اجتماعية متجانسة في الحدّ الأدنى (نساء، وحرفيّون، وعائات معوزة، وعاطلون عن العمل... إلخ). ها هنا قد نكون في وضع يسمح باستثمار مفهوم «رأس المال الاجتماعي» بما هو شبكة العاقات التي يكتسبها الفرد. وبالفعل، تمثل مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مجالً لتوسيع دائرة العاقات الاجتماعية مع مبادرين من النوع نفسه ومستهلكين وحرفيين ومتدخّلين آخرين من أنواع مختلفة. وفي كل عملية توسيع لدائرة العاقات، يتوسّع ما يحُوزه الأفراد من «رأس مال اجتماعي أوّلي» قابل

لاستثمار والتوظيف والتحويل، حيث يُحقق عائدًا بعد إتمام «دورته الاقتصادية»: تكثيف الصِات،

واستثمارها، وإعادة استثمارها، وتحويلها، وتوسيع دائرة شركاء النشاط الاقتصادي، وتشبيك العاقات، وفتح آفاق الاندماج الاجتماعي، وتضييق مساحات التهميش، وتشبيك بين الأفراد والمجموعات والمؤسسات، وتثقيف سياسي، وتثقيف إيكولوجي، وإيجاد الممارسات الانتخابية والتمثيلية... إلخ. وفي تجربة «جمعية مساندة حرفيات خمير»، انخرطت المُبادِرات، بداية، في تعليم الرسم على محامل

غير تقليدية. كان ذلك عبارة عن ورشة تدريب، تكوّنت فيها مفردات إحساس بالانتماء المشترك إلى

تجربة تُوّجت بتأسيس المبادرة. وليس هذا المثال فريدًا؛ ففي السياق نفسه، وخال عملنا الميداني،

تعرضنا لأمثلة عدة أخرى تعكس وجود مثل هذه الأرضية الثقافية المشتركة التي مثّلت إطارًا لإعادة

هندسة صِات اجتماعية بين الأفراد، والأفراد والجمعيات، والجمعيات ومن يتعاملون معها، ومن ثم تشكلت أطر بناء مبادرات اقتصاد اجتماعي وتضامني. وتتميز هذه الأرضيات الثقافية بتنوّعها. ومن أمثلتها مبادرة «كلنا حرفة»، حيث كان الانتماء إلى اختصاص حرفي واحد، ومجال جغرافي موحّد: عين دراهم (دائرة انتماء محلية)، أو جندوبة (دائرة انتماء جهوية أوسع)، أو الشمال الغربي

(دائرة انتماء إقليمية أكثر اتساعًا)، دافعًا نحو نسج مامح هوية مشتركة. ففي خطاب المُشرفة على

مبادرة «كلنا حرفة»، وحينما كانت تعرّف بذاتها، قدمت نفسها أولً بصفتها شابة من الشمال الغربي،

وتحديدًا من معتمدية (تسمية تقسيم إداري تونسية) عين دراهم، تسعى لارتقاء بحال المرأة الريفية الحرفية في منطقتها. عناصر الأرضية الثقافية الجامعة بين هؤلاء النسوة، هي أنهن نساء يُنتجن

المنتوجات التقليدية، وينتمين إلى مجال جغرافي موحّد. وفي سياق بناء مثل هذه المبادرات، يمكن

مثل هذا الانتماء المِهني – الترابي أن يتحوّل في الخطاب التسييسي إلى أساسٍ لانتماء هوياتي ذي

بعد تاريخي. ويمكن أن نرصد مثالً على ذلك، وعلى نحو جلي، قول شريك البحث المشرف على «جمعية حماية واحات جمنة» الذي شدد خال سرده ما يعتبره «ملحمة استرجاع واحات جمنة» على الانتماء المشترك لجميع أهالي المنطقة الذين يعتبرون الواحة أرض أجدادهم ويعتبرون نشاطهم على هذه الأرض حقًا سلبه منهم المستعمر، ومن بعده الدولة ما بعد الاستعماريّة. ويمكن أيضًا، كما ذكرنا سابقًا، الانتماء إلى فئة اجتماعية واحدة (العائات المعوزة) أن يوجِد هذه

الأرضية الثقافية المشتركة التي تقوّي المبادرة والعمل المشترك وتُكثّف الصِلة من خال إيجاد لُحمة

بين المبادرين. ويمكن أيضًا أن يكون فضاء العيش المشترك عنصر لحمة ثقافية. ومثالنا هنا هو مثال

«المقهى الثقافي ليبرتي» الذي تمكّن من إعادة هندسة الصِات بين مرتادي المقهى من خال النشاطات

الثقافية المختلفة، وهو ما ساهم في إيجاد ما يمكن تسميته «جماعة ذَوْقٍ جمَاليٍّ»ِ. وعرفت طبيعة

الصلة التي تربط بين هؤلاء الشباب إعادة تشكيل تحوّلت بموجبها من تجاورٍ عرضيٍّ في مقهى، أو

معرفة سطحية مبنية على التردّد على المقهى نفسه، أو حتى صلة زمالة في الدراسة أو جيرة عابرة تمتد

إلى المُجَالسَة في المقهى، إلى صِلَة ذوقية جمالية منتِجة معنى ثقافيًا. إذًا، للفضاء قدرةٌ على إعادة

تشكيل الصات من خال فرضه حدودًا جديدةً تساهم في إعادة هندسة أشكال الاجتماع الإنساني. تأثير الفضاء نفسه نُاحظه في قول المشرفة على مبادرة «ألسبايس» الموجهة في الأساس إلى المقاولين الاجتماعيين الذين يعملون على تأسيس مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أو الشباب الناشطين على نحو مستقل freelancers Les أو المقاولين الذين يعملون على تأسيس شركات ناشئة Start up، والذين يتجنبون قواعد التصرف الصارمة التي تفرضها السوق الرأسمالية الكاسيكية، أو السوق الحكومية من التزام بمواقيت العمل والميزانيات والاختصاصات ونظام داخلي صارم يُنظّم الصات

داخل المؤسسات ويحدّد التراتبية. وعبر تجميعها ناشطين من مجالات مهنيّة مختلفة ذوي خبرات

مختلفة، يعملون على مشروعات مختلفة في فضاء واحد مفتوح، تساهم فضاءات العمل المشترك في إيجاد شبكة تضامنية، تُتَوّج، في الكثير من الأحيان، بمشروعات جديدة إبداعية ودامجة للكثير من

الاختصاصات، وهذا ما يتطلّبه واقع سوق الشغل. وفي مثالنا، ناحظ إيجادًا لشكل تنظيم جديد يدعم التَّذَاوُت (التفاعل بين ذوات) من خال تداخل الخبرات والاختصاصات، ويعطي الفاعلين

هامشًا أكبر من حرّية الحركة. خاصة القول، إن مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كلها التي درسناها تُعيد هندسة الصِات بين الفاعلين، ونتحدث هنا عن المبادرين أساسًا، من خال إيجاد روابط انتمائية مخصوصة بينهم،

تجمّعهم، فتتحول إلى أرضية ثقافية ترتكز عليها مبادرات اقتصادية توجِد انسجامًا بين خصوصياتهم،

(31) Viviana Fridman & Michèle Ollivier, «Goûts, pratiques culturelles et inégalités sociales: Branchés et exclus,» Sociologie et sociétés , vol. 36, no. 1 (January 2004), pp. 3–11. (32) Alessandro Gandini, «Le travail freelance en Italie,» Global Dialogue , vol. 4, no. 4 (2014), pp. 24–26.

بل تذهب إلى حد دمجهم في دورة اقتصادية بديلة، أساسها اجتماعي بما أنه يوجِد رؤوس أموال اجتماعية ويُعزّز التشابك العائقي ويُوسّع دائرة الخارجين من الإقصاء إلى الاندماج.

خاتمة

في ضوء النتائج التي عرضنا لها وتحليلها، يمكننا التأكيد أن مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نجحت نسبيًا في إعادة بناء الثقافة الاقتصادية للفئات الهشّة اجتماعيًا، من خال نجاحها النسبي في

تجميع الفئات المستهدفة حول أرضيّة ثقافية تتعارض في النهاية مع الأرضيّة الثقافية التي تفرضها

السوق الرأسمالية. وتعود هذه القدرة التي تتمتع بها المبادرات إلى تمكّنها من إعادة هندسة الصات

الاجتماعية في ما بين أفراد الفئة المستهدفة للمبادرة، مُفرّعة إيّاها إلى فئتين رئيستين: أولاهما، الفئة

المبادِرة (المنتجة)؛ وثانيتُهما الفئة المستفيدة من الخدمات المقدّمة. وتقوم هذه الصلة الجديدة التي تجمع الطرفين على أسس عدة، أوّلها كسر مبدأ العرض والطلب لفائدة مبدأ التبادل التضامني. فضمن

المبادرات التي درسناها، لاحظنا أن الصلة الاجتماعية في معناها الاقتصادي مثلً، ما عادت قائمة على البحث عن الربح الأقصى، كما هي الحال بالنسبة إلى السوق الرأسمالية، ولا قائمة على مبدأ الإعانة والصدقة، كما هي حال الجمعيات الخيريّة، بل صارت قائمة على مبدأ التبادل التضامني الذي يراعي

المصلحة المشتركة، وذلك من خال إيجاد التوازن بين أهداف المبادرين وحاجات المستفيدين. تستثمر المبادرات أيضًا شبكة الصِات المنسوجة بين أفراد الفئة المستهدفة التي تؤسَّس على مرتكزات

ناتجة من الانتماء إلى القطاع نفسه، أو إلى الفضاء الجغرافي نفسه، أو إلى الموروث التاريخي والهوياتي نفسه، أو تقوم على الوجود المتجاور في فضاء نشاط مشترك. ولاحظنا أن مياد مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يُعيد هندسة هذه الصات، ويجعل منها صات ذات مردودية اجتماعية رئيسة،

أي مجموعة من الصات منتجة لرأس المال الاجتماعي الذي يمكن استثماره من الفئات المستهدفة ومجمل الأفراد المشتركين في المبادرات ومن يتعامل معهم، في الخروج من دوائر العزلة والهشاشة والعطالة الاجتماعية والإقصاء والتهميش. ونتيجة ذلك هي إعادة هندسة صلتهم بالإنتاج من خال الانخراط في دورة إنتاجية بديلة من السوق الرأسمالية والسوق الحكومية في المعنى الاقتصادي، أو متحررة نسبيًا منهما، ومثمّنة للتواصل الاجتماعي في المعنى الاجتماعي، من خال الفعل الإدماجي. تجري سيرورات هندسة الصات الاجتماعية وإعادة هندستها على الرغم من خلوّ تلك السيرورات،

وإلى حد بعيد، من المكوّن السياسي – الأيديولوجيّ الصريح أو المعلن على الأقل. فعلى عكس ما

يشير إليه عدد من المراجع النظرية، لا تظهر فكرة مناهضة العولمة والسعي نحو إيجاد بديل اقتصادي من النمط الرأسمالي الليبرالي على نحو جليّ في خطاب الفاعلين، وفي تأويلهم لأفعالهم. البعد النضالي

ضعيف في خطاب المبادرين، لكن ضعفه لا يعني الغياب التام لمثل هذا الخطاب، حيث نُعاينه على نحو غير مباشر في الأقوال الاحتجاجية للمبادرين، وإشارتهم المتواترة إلى ضرورة مقاومة الآثار المنحرفة للنمط الاقتصادي الرأسمالي. وقد تبنّى مثلَ هذه القيم النضالية المشرفون على المبادرات الأكثر استقرارًا واستق للا ممن كانت لهم تجارب سابقة جمعياتيّة وسياسية وحقوقيّة، أو تجارب في

إطار الخبرة المكتسبة والمهارات المتعلمة. كما أن انعدام البعد الأيديولوجي أو المكوّن السياسي

الصريحين، لا يعني أن تلك المبادرات وما ينبني عليها من إعادة هندسة للصِات الاجتماعية، ليس سياسيًا في جوهره. إن السياسي هو ما يكون بين الناس بوصفهم شركاء في الاجتماع الإنساني، وهنا

نحن بذلك في قلب إعادة تشكيل قواعد العيش المشترك والاجتماع الإنساني.

References

المراجع

Ben Amor, Mohamed Ridha. Les formes élémentaires du lien social en Tunisie: De l’entraide à la reconnaissance. Paris: Le Harmattan, 2011. Bertaux, Daniel. «L’approche biographique: Sa validité méthodologique, ses potentialités.» Cahiers Internationaux De Sociologie. vol. 69 (Juillet–Décembre 1980). Bidet, Éric. «Économie sociale, nouvelle économie sociale et sociologie économique.» Sociologie du Travail. vol. 42, no. 4 (Octobre–Décembre 2000). Blanchet, Alain & Anne Gotman. L’enquête et ses méthodes. Paris: Nathan, 1992. Elachhab, Fathi. «L’économie sociale et solidaire en Tunisie, un potentiel troisième secteur?» Revue internationale de l’économie sociale (RECMA). vol. 3, no. 349 (March

«Etude stratégique sur l’économie sociale et solidaire.» Ministère du Développement de l’Investissement et de la Coopération Internationale (2017). at: https://bit.ly/3c7neOc Ferraton, Cyrille. «Mauss et l’économie solidaire.» Revue du MAUSS. vol. 1, no. 27 (January 2006). Fraisse, Laurent, Isabelle Guérin & Jean–Louis Laville. «Économie solidaire: Des initiatives locales à l’action publique. Introduction.» Revue du Tiers Monde. vol. 2, no. 190 (February 2007). Fridman, Viviana & Michèle Ollivier. «Goûts, pratiques culturelles et inégalités sociales: Branchés et exclus.» Sociologie et sociétés. vol. 36, no. 1 (January 2004). Gandini, Alessandro. «Le travail freelance en Italie.» Global Dialogue. vol. 4, no. 4

Gide, Charles. Économie sociale: Les institutions de progrès social. Paris: Sirey, 1905. Henckel, Jean–Guy. Dans un pays de Cocagne: Entretien avec Jean–Guy Henckel. Paris: Editions Rue de l’échiquier, 2009. Kasmir, Sharryn. «The Mondragon Cooperatives: Successes and Challenges.» Global Dialogue. vol. 6, no. 1 (2016). Kaufmann, Jean–Claude & François de Singly. L’entretien compréhensif. Paris: Armand Colin, 2004. Krichen, Aziz. «L’affaire de Jemna: Question paysanne et révolution démocratique.» Nawaat. 7/12/2016. at: https://bit.ly/3eixOnB

«La Révolution Inachevée, Créer des opportunités, des emplois de qualité et de la richesse pour tous les Tunisiens.» La Banque Mondiale. Revue des politiques de développement.

Rebón, Julián. «Recuperated Enterprises in Argentina.» Global Dialogue. vol. 6, no. 1

Skair, Leslie. «The End of the World or the End of Capitalism?.» Global Dialogue.

Taniguti, Gustavo. «The Solidarity Economy: An Interview with Paul Singer.» Global

Theodoros, Rakopoulos. «The Anti–Middleman Movement in Greece.» Global

Walras, Leon. Études d’économie sociale: Théorie de la répartition de la richesse

Williams, Michelle. «Uralungal, India’s Oldest Worker Cooperative.» Global Dialogue.

no. 86179 (2014). at: https://bit.ly/2UZfWq5

vol. 6, no. 1 (2016).

Dialogue. vol. 6, no. 1 (2016).

Dialogue. vol. 6, no. 1 (2016).

sociale. Lausanne: F. ROUGE, 1896. Weber, Max. Essais sur la théorie de la science. Paris: Librairie Plon, 1965.

vol. 6, no. 1 (2016).