النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت
The Nakba and The Emergence of the Palestinian Diaspora in Kuwait
الملخّص
عنوان الكتاب: النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت . المؤلف: شفيق الغبرا . الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تاريخ النشر: 2018. عدد الصفحات: 342 صفحة.
Abstract
Researcher in Political Science specialising in Democratic Transition. He received a Master’s degree in Political Science and International Relations from the Doha Institute for Graduate Studies.
- Palestinian Nakba
- Palestinian Diaspora
- Arab Gulf States
- Kuwait
عنوان الكتاب: المؤلف: شفيق الغبرا. الناشر: مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 342 صفحة.
النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مقدمة
يندرج كتاب النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت في فضاء الدراسات الأكاديمية حول الاجئين الفلسطينيين والشتات الفلسطيني التي اختلفت في مقارباتها؛ فمنها ما ركز على المعاناة وعملية التطهير، ومنها ما درس مرحلة النكبة، في حين اهتمت مجموعة أخرى بالمخيمات وحركات المقاومة داخلها، وبحثت أخرى في الأوضاع القانونية لاجئين الفلسطينيين في ضوء القانون الدولي والمنظمات الدولية، بينما تناولت دراسات أخرى خصوصية اللجوء الفلسطيني، وقضايا الهوية والاندماج، إضافة إلى غيرها من الحالات المحددة. وفي هاتين المجموعتين الأخيرتين، وانخراطًا في النقاش العلمي حول مجتمعات الشتات عامةً، والشتات الفلسطيني خاصةً، تندرج مساهمة أستاذ العلوم السياسية شفيق الغبرا، لتسلط الضوء على موضوع ما يزال مفتوحًا للبحث، ألا وهو تجربة الشتات الفلسطيني في الكويت، من خال بحث نشأتها وارتباطها المباشر بالنكبة الفلسطينية عام 9481، متوسلةً تقنية التاريخ الشفوي. وجدير بالذكر أنّ الفلسطينيين قد ذهبوا للعمل في دول الخليج العربية منذ ثاثينيات القرن العشرين، وأنّ موجات الهجرة ازدادت بعد نكبة 9481، ومن ثم بعد نكسة عام 9671، وخصوصًا في ظل عدم توافر فرص العمل في دول طوق فلسطين. وفي هذا الشأن، يشار إلى عام 9361 بوصفه معلمًا زمنيًا لأول حضور فلسطيني في الخليج، وهو تاريخ وصول أول بعثة تضم خمسة مدرسين فلسطينيين إلى الكويت، وذلك بطلب من الشيخ عبد الله جابر الصباح إلى مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني. ويمتاز وضع الفلسطينيين في هذه البلدان بخصوصية تختلف عن باقي البلدان العربية؛ إذ لم تتعامل دول الخليج العربية مع الفلسطينيين بصفتهم لاجئين. يُضاف إلى ذلك أنّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى «الأونروا»، لا تعمل في أيٍّ دولة من هذه الدول التي لم يُصدر أيٌّ منها تشريعًا يعطي الفلسطينيين حماية أو أفضلية في مسألة الإقامة أو العمل، بل إنهم عوملوا كأي موظف أجنبي. وفي ذلك، يبحث المؤلف في كتابه تجربة الجماعة الفلسطينية، وآليات الصمود وتشكّلها الاجتماعي – الاقتصادي في الشتات، من خال دراسة حالة الفلسطينيين الوافدين إلى الكويت بعد نكبة 9481، بوصفها نموذجًا يُفهم بواسطته سلوك باقي الجماعة الفلسطينية في مختلف أماكن وجودها. وفي ذلك، أيضًا، يدرس الاستراتيجيات المتبعة في البقاء وإعادة تكوين النسيج الاجتماعي الفلسطيني وشبكاته، بعد أن دُمّر ماديًا باقتاعه من جغرافيته وتشتيت جماعته، بالتركيز على العائلة والشبكات العائلية العابرة للأوطان؛ أي العاقات والروابط غير الرسمية من حيث هي وحدة رئيسة للبقاء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وإعادة التنظيم، وهو ما يمكن اعتباره الإسهام العلمي
للدراسة؛ أي تقديم مقاربة نظرية لفهم مجتمعات وشعوب الادولة، من خال ديناميات روابط التضامن الاجتماعي. وأثناء ذلك، نهتمّ بالإجابة عن سؤالين رئيسين، هما: كيف عملت الروابط العائلية، وعاقات القرية/ البلدة، في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني وإعادة بنائه في دول جديدة؟ ولماذا لم يندمج الفلسطينيون مع شعوب البلدان العربية المضيفة، ومن ثم ربما ينسيهم اندماجهم النكبة المتحكمة في وجودهم المادي – المعنوي؟ (ص. 14)، كما نهتمّ بسؤالين فرعيين، هما: ما أثر الغزو العراقي للكويت في طبيعة العاقة بين الفلسطينيين والكويتيين؟ وكيف أصبحت الجالية الفلسطينية با تأثيرٍ في الكويت؟ (ص. 21) اعتمدت الدراسة في مصدر معلوماتها على مقابات شخصية مع أشخاص رووا ما عايشوه (يصل عددها إلى 011 من المقابات)، بحث من خالها المؤلف دور الشبكات العائلية في التأقلم والبقاء، وتوثيق التجربة الجماعية لفلسطينيي الكويت، بما ينطوي عليه ذلك من أسباب الوصول، وطرائق العبور/ التهريب نحو الكويت، ومنها ما يشبه ما أورده غسان كنفاني في روايته رجال في الشمس، وبدأت المقابات مع أوائل الفاحين الواصلين إلى الكويت في خمسينيات القرن الماضي، وقادت كل مقابلة إلى أخرى لتفتح سيورًا جديدة للبحث، وتكشف آليات تواصل العائلة الفلسطينية العابرة للأوطان، وكيفية قيام الشبكة العائلية بإعادة النسيج الاجتماعي والبقاء (ص 9–16.)1 ويشار هنا إلى المنهجية المستندة إلى التاريخ الشفوي الذي يوفر، على الرغم من إشكالياته في المناهج التاريخية، تفاعلً مباشرًا بين الراوي والباحث، ويستفيد من الذاكرة التي قد تعتبر مصدرًا يثري المصادر المكتوبة ويكملها، وهو الأمر الذي لا مناص منه لفهم تجربة الشتات الفلسطيني التي تفتقد إلى أرشيفها الخاص لأسباب مفهومة. يقع الكتاب في عشرة فصول. في الفصل الأول، يحدد المؤلف الإطار النظري للدراسة، مراجعًا أدبيات الهجرة، ومحددًا المفاهيم الرئيسة للدراسة. وفي الفصل الثاني، يقدم مدخلً تاريخيًا يروي فيه حكاية النكبة الفلسطينية. أما في الفصل الثالث، فيدرس بداية هجرة النخبة الفلسطينية إلى الكويت، والعوامل التي بَنْيَنت الشتات الفلسطيني في الكويت. وفي الفصل الرابع، يسلط الضوء على دور التماسك العائلي والشبكات الاجتماعية في تكون هجرة متسلسلة. وينتقل في الفصل الخامس إلى خصوصية هجرة الفاحين الفلسطينيين، بما في ذلك طرائق التهريب. أما في الفصل السادس، فيتطرق إلى العائلة الفلسطينية بوصفها منظومة عابرة للأوطان، من خال تتبع سِير ثاث عائات فلسطينية كحالة دراسية. وفي الفصل السابع، يحلل الوظائف والأنماط السلوكية للشبكات العائلية الفلسطينية، بما في ذلك الأمن العائلي الجماعي، وأنماط السكن، وأحوال الزواج. أما في الفصل الثامن، فيشير إلى أشكال التكافل الفلسطيني في الشتات عن طريق ظهور صناديق القرى والبلدات والمراكز العائلية. وفي الفصل التاسع، يعالج أثر غزو العراق للكويت في العاقة بين الفلسطينيين والكويتيين. وأخيرًا، يقرأ المؤلف في الفصل العاشر مستقبل الشتات الفلسطيني في الكويت، وحاله بعد غزو العراق للكويت.
أولا: العائلة والشبكة الفلسطينية في سياق اللادولة
مع بداية نيسان/ أبريل 9481 – قبل الإعان الرسمي عن دولة إسرائيل – استولت المنظمات الصهيونية، من خال هجماتها التي تُعرف ب «خطة داليت» (01 آذار/ مارس 9481)، على معظم المناطق الساحلية، بما فيها مناطق غير ممنوحة لليهود بموجب قرار التقسيم 9471، وقد هُجّر على إثرها نحو ثاثمئة ألف فلسطيني. وكان الفلسطينيون حينها با أسلحة ولا قدرات دفاعية، آملين أن يحصلوا على الدعم من البلدان العربية التي ما فتئت تطمئنهم، إلى أنْ وقعت مجزرة «دير ياسين» (9 نيسان/ أبريل 9481) التي قطعت هذه الآمال، ونشرت الذعر في مختلف أنحاء البلدات الفلسطينية؛ ما أدى إلى هروب الكثير من الفلسطينيين إلى أماكن آمنة، مثل غزة، ومصر، ولبنان، وسورية، والأردن. وتكررت المجازر ذاتها، في مناطق أخرى، على غرار هجوم قوة من الإرغون ومنظمة الهاغاناه على حي المنشية في يافا (24 نيسان/ أبريل 948.)1 وعلى خاف الغالبية الفلسطينية، أدرك القليل فقط أن مرحلة مستمرة من الشتات قد بدأت، وأن العودة لن تكون خال أيام (ص 5861–). وبعد مرور أقل من شهر على دخول الجيوش العربية في 51 أيار/ مايو 9481، وعدد قواتها لا يتجاوز 28 ألف جندي، وقعت الهدنة الأولى. وكان غالبية الفلسطينيين لم يغادروا قراهم بعد، إلى أن نفذت مجازر في حقهم وطردهم الإسرائيليون، ومثال ذلك ما حدث في اللد والرملة (12 و 13 تموز/ يوليو 9481) بعد انسحاب الجيش العربي المفاجئ. وبذلك، بعد حياة مزدهرة في فلسطين، بدأ الفلسطينيون رحلة اللجوء، وتفرقت العائات في بلدان الشتات، وأصبحوا يعيشون على الهامش سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا (ص –62.)63 وفي هذا الصدد، يَعتبر المؤلف مفهوم الادولة متحكمًا في الوضع الفلسطيني، ويذكر أن لجوء الفلسطينيين إلى الكويت لم يكن لجوءًا تقليديًا؛ حيث إنه ليس من مكان أقل تقدمًا إلى آخر متطور، بل هو خيار عمل في بلد عربي في طور النمو (ص –14.)16 ويعرّف المؤلف الادولة Statelessness بأنها «أي خسارة للجنسية والحقوق المتصلة بها، بواسطة إسقاط وسحب الجنسية من جهة ما، أو إسقاطها نتيجة التطهير العرقي والتهجير الجماعي مع عدم السماح بالعودة، كما حصل مع الفلسطينيين في عام 948»1 (ص. 22) ويبقى من لا دولة له ضحية على الدوام للمشكات السياسية والأحداث الدولية، كما أنّه يفتقد الأمان حتى في حال حصوله على جنسية أخرى. وهناك ممن لا دولة له مَن يرفضون محاولات الاستيعاب وإنشاء وطن بديل، وذلك لعدم التنازل عن الحق التاريخي في الوطن الأصلي. ومن ثم، تصبح الادولة حالة مستمرة تعيشها شعوب الشتات، وتتولد منها ممارسات و/ أو مؤسسات، تعمل على البقاء (ص. 25)–23 قبل عام 9481، برزت العائلة الفلسطينية بوصفها وحدة أساسية، على مستوى التنظيم الاقتصادي والحرفي، حيث يتشارك أفراد العائلة الواحدة في المصلحة وتتوارث الحرفة، وعلى مستوى النمط الإسكاني القائم على توسع رقعة البيت لتتحول إلى حي/ قرية بالتوازي مع توسع العائلة، وكذلك
على مستوى العمل السياسي والأحزاب التي تكون فيها القيادة عائلية، مثل آل الحسيني وآل النشاشيبي (ص 7–25.)2 أما بعد عام 9481، فتمزقت الوحدة المادية للعائلة الفلسطينية، واختلفت أنماط اندماج الفلسطيني في الشبكة الاجتماعية. وفي ذلك، يدرس المؤلف الشبكة التي ينخرط فيها النازح، من خال مستويين؛ مفهوم الشبكة الموسعة – بحسب تعريف أرنولد ل. إبستين Arnold L. Epstein – التي ورد فيها قوله: «مجموعة واسعة من العاقات بين الأقرباء وأبناء الحي الواحد والقرية الواحدة سابقًا، وهو يشمل روابط الصداقة. هذه المجموعة ليست بالضرورة شديدة الترابط في مجملها»، ومفهوم الشبكة الفعلية، وهي «مجموعة من العاقات الكثيفة وشديدة الانتظام، التي يمكن أن تكون قائمة بين أفراد تجمعهم روابط العائلة والقرابة والصداقة والجوار». وينتقل الأعضاء بين هاتين الشبكتين، نظرًا إلى عوامل و/ أو أزمات مختلفة (ص 9–38.)3 وينظر إلى أهمية دور الشبكة، كون أعضائها هم من يدعمون بعضهم بعضًا، ويوفرون سبل الاستقرار والبقاء والرعاية الاجتماعية، وهم من يؤثرون في دورة الحياة الطبيعية للأسرة، والذين يتقاربون في السكن، وغالبًا تكون بينهم صلة قرابة، أو هم أنفسهم أبناء البلدة القديمة (ص. 43) ومن خال مراجعة الأدبيات النظرية حول الشبكة والادولة والعائلة، وحول الشتات الفلسطيني، يضع المؤلف مجموعة من الاقتراحات/ الفرضيات للدراسة: (1) نشأ الشتات الفلسطيني الأول في الكويت بسبب توافر الظروف الاجتماعية والاقتصادية. (2) نشأ الشتات الفلسطيني في الكويت بسبب إرادة الكويتيين استيعاب الفلسطينيين. (3) رأت النخبة الكويتية أن العنصر الفلسطيني مفيد للتطوير والتنمية لاستقال عن بريطانيا. (4) استخدم الفلسطينيون العائلة وسيلةً رئيسة للبقاء الإنساني والاجتماعي. (5) المجتمع الفلسطيني كان سيتفكك وينصهر في البيئة العربية لولا دور العائلة في البقاء. (6) تعاملت العائلة الفلسطينية مع الأزمة بمرونة، واستوعبت التغييرات وتأقلمت معها. (7) التفاقم في مستوى الأزمة يحوّل الشبكة الموسعة إلى شبكة فعلية. (8) نشطت العائلة الفلسطينية من خال شبكاتها في صياغة وجودها وعاقاتها الاجتماعية. (9) العائلة عامل مستقل يستوعب التغييرات ويؤثر فيها (ص. 54)–52 يقدم المؤلف في الفصل السابع مادةً تحليلية أنثروبولوجية غنية بالوظائف والأنماط السلوكية للشبكات العائلية الفلسطينية، والعاقة بينها والقرى والمدن التي انبثقت منها، وذلك من خال نموذج الكويت. فالشبكة العائلية تشدّ أواصر العاقات من خال الالتزامات والواجبات التقليدية، ومن خال التنشئة الاجتماعية تبقي العاقة قائمةً مع الوطن الأصلي (ص 161– 162). وللحصول على الأمن العائلي الجماعي، كان أعضاء الأسرة في الكويت والواصلون الجدد يبحثون عن بعضهم للعيش متجاورين، وتفعيل الشبكة العائلية الفعلية معيدين بذلك أجواء القرية الفلسطينية التقليدية، ومن ذلك يتبين دور النمط السكني في تعزيز الشبكات واستمرارها (ص. 165)–163 قبل عام 9671، كان مجتمع الفلسطينيين في الكويت أغلبه من غير المتزوجين. لكن بعد عام 9671، ومع زيادة موجات الاجئين، وتأسيس عائات النواة في الكويت أيضًا، ازدهرت عاقات التزاوج في مجتمع الشتات، وهو أمر
أدى إلى مأسسته. وباتت احتفالات الزواج، إضافةً إلى المناسبات الاجتماعية المختلفة، من أهم الأحداث التي تجمع الفروع العائلية من شتى أماكن وجودها (ص 70–1651)، لتعكس هذه الروابط الاجتماعية القوية بين أبناء القرية الواحدة آليات التضامن والالتزام الوطني تجاه فلسطين، وعدم ضياعها من ذاكرتهم (ص 7–18618)، وخصوصًا أن ذاكرة جيل ما بعد فلسطين هي «متخيلة»، فارتباطهم الحي بهذا الماضي المتخيل يتم من خال الجيل الذي عايش النكبة. وعليه، فإن تفعيل الشبكة الاجتماعية العائلية يكون بمنزلة إعادة إنتاج للهوية؛ وذلك كون الهوية ليست معطى تاريخيًا، بل يعاد تشكيلها باستمرار بوصفها بنية تتعدل وفق المصلحة الجماعية. ومع الضغوط الاقتصاديةالمتراكمة في منتصف السبعينيات، وفي ظل وجود الشبكات العائلية الفعلية والموسعة، ظهرت صناديق القرى والبلدات في الشتات الكويتي – مثل الصناديق الموجودة في القرى السابقة – وتبين هذه الصناديق توسع دور العائلة في الشتات، حيث إن جهد الدعم الاقتصادي صار عائليًا وممأسسًا؛ إذ يدفع كل فرد في العائلة مبلغًا ماليًا شهريًا، وتذهب
(6) Anaheed Al–Hardan, Palestinians in Syria: Nakba Memories of Shattered Communities (New York: Columbia University Press, 2016), pp. 114, 130–131, 156.
Sari Hanafi, «Rethinking the Palestinians Abroad as a Diaspora: The Relationships between the Diaspora and the Palestinian Territories,» in: André Levy & Alex Weingrod (eds.), Homelands and Diasporas: Holy Lands and Other Places (California: Stanford University Press, 2005), pp. 97–122.
هذه الأموال إلى مَن يحتاج إليها مِن العائلة، ليس فقط لمن هم داخل الكويت، بل في مناطق الشتات الأخرى، وداخل فلسطين أيضًا، بحيث يصبح الصندوق عابرًا للأوطان (ص 05–204.)2 وكذلك، ظهرت المراكز العائلية – أو ما يسمى ديوان العائلة – التي تؤدي إلى تفعيل الشبكة العائلية الفعلية والموسعة (ص. 208)–206
ثانيًا: هجرة النخبة الفلسطينية
يشير المؤلف إلى أن الوافدين الأوائل إلى الكويت لم يكونوا من النخبة الفلسطينية التقليدية؛ كون النخبة التقليدية من العائات فقدت مصادر نفوذها السياسية والاقتصادية بعد عام 9481، وعاشت على انتظار العودة. وهذا الأمر قلص استثماراتها وزاد من مسؤولياتها، واضطرها إلى البحث عن العمل مثل غيرها (ص 112– 113). ويرصد المؤلف ست استجابات، عملت على بنينة الشتات الفلسطيني في الكويت؛ أي حولته من لجوء ونفيٍ مؤقتين إلى شتات مستمر: أولً، بعد دمار النكبة ومحاولة التأقلم مع ظروف اللجوء، أخذ الفلسطينيون يبحثون عن العمل، وكان الخيار هو البلدان العربية. ولتحقيق ذلك، كان عليهم ملء الفراغ الذي تحتاج إليه هذه البلدان فاتجهوا إلى دول الخليج ومنها الكويت، التي اتجه إليها مئات الفلسطينيين المتعلمين بين 9481 ومطلع الخمسينيات، وذلك كونها «الأكثر انفتاحًا في منطقة الخليج في ذلك الزمن، والأكثر قومية وعروبة واستعدادًا للتقدم والنهوض منذ عقود ما قبل النفط»، كما أن النخبة الكويتية رأت في قدوم الفلسطينيين العرب عاملً للحفاظ على عروبة الكويت، في خضم استقالها عن بريطانيا. ثانيًا، بعد الوصول إلى الكويت، بدأت هذه النخبة
المثقفة ببناء روابط أسست لمجتمعهم الجديد. ثالثًا، بعد الحصول على وظائف في الكويت، صاحبهم هاجس المهنية العالية لكسب ثقة أرباب العمل، وتعزيز الثقة بالاعتماد على كفاءاتهم وتمكنوا من ذلك، فحصلوا على وظائف ثابتة. رابعًا، بناءً على الهاجس السابق، تولد قلق تحسين المستوى التعليمي بصفته متطلبًا للبقاء. خامسًا، ثمة استجابة – وهي استجابة محورية – تمثلت في المسؤوليات العائلية، بإنقاذ أفراد العائلة ولمّ الشمل. سادسًا، استعادة النخبة الفلسطينية لهويتها والتعبير عنها (ص. 72)–69 ويذكر المؤلف، من خال عدة تجارب قابلها، أن الشبكات الاجتماعية، بما فيها من عاقات شخصية وعائلية ومعارف، أدت دورًا مهمًا في العثور على الوظائف؛ ما ساهم في هجرة الكثير من الفلسطينيين إلى الكويت، وكان أغلبهم في أوائل وأواسط العشرينيات (ص 0–74.)8 وقد ساهم الفلسطينيون، وتركوا أثرًا تنمويًا في الكويت، سواء كان اقتصاديًا أو إداريًا أو عسكريًا أو تربويًا، وشكلوا وزنًا مهمًا في القوة العاملة. فمثلً، شكّل الفلسطينيون، في عام 9651، 48 في المئة من الموظفين في القطاع العام، و 41.4 في المئة في القطاع الخاص. ومع سياسة الحكومة الطويلة الأمد المتمثلة ب «تكويت» القطاع العام، استقال العديد من الفلسطينيين من وظائفهم الحكومية العليا، واتجهوا نحو القطاع الخاص (ص –84.)88 ويرى المؤلف، أنه لولا التماسك العائلي، لما بقي الوجود الجماعي الفلسطيني أو استمر. فما جاء بالوافدين الأوائل إلى الكويت هو سعيهم لإنقاذ عائاتهم وتحسين ظروفهم المعيشية، وكذلك دعم إخوتهم في المسار التعليمي. وفي ذلك – ولا سيما بسبب الوضع المادي السيئ – خطت نساءٌ فلسطينياتُ المنحى ذاتَه في إعالة الأسرة والاغتراب والابتعاد عن العائلة أول مرة، ومنهن مَن ذهبن إلى الكويت. وبذلك، تغيرت النظرة التقليدية إلى المرأة بعد عام 9481، الأمر الذي مثل النزعة العائلية الأولى. ومن جهة أخرى، فإنّ الفلسطينيين الذين يصلون أولً إلى الكويت يكونون بمنزلة «جسر العبور» إلى الشبكة الاجتماعية في تأمين الوظائف، وبذلك تكونت «الهجرة المتسلسلة» (ص 07–103.)1 ورغم تكيف الوافدين الأوائل مع الوضع المادي بعد حدث النكبة، فإنهم لم يتكيفوا نفسيًا؛ إذ إنّ العاقة بفلسطين وحلم العودة إليها هو ما شكّل الوجود الجماعي للفلسطينيين في الكويت، وحافظ على هويتهم التي ترتكز على مقاومة المشروع الصهيوني، وخلق روابط ضرورية لتغيير واقع النكبة. وتفعلت هذه الهوية السياسية مع ازدياد التهميش العربي للجماعة الفلسطينية، والحاجة إلى إثبات الوجود سياسيًا؛ ما أدى إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (9641)، وانطاق الثورة الفلسطينية المعاصرة 1) 965((ص. 109)–107 وعلى الرغم من أهمية التحليل الأنثربولوجي الذي يتناول الدور السياسي للبنى الاجتماعية والعاقات الوشائجية أو التضامنية في الكويت التي حاولت تعويض حالة الادولة، فإنه يؤخذ على تحليل المؤلف مغالاته في تقدير دور العائلة والشبكة الاجتماعية بشأن صنع الهوية والحفاظ عليها؛ إذ إنّ العائلة وحدها لا تصنع الهوية الوطنية الجماعية، ولا بد لفهم نجاح المجتمع الفلسطيني في الحفاظ على وحدته وتماسكه، في مختلف مناطق وجوده، من عدم إغفال الدور الذي تؤديه المؤسسات السياسية، وأهمها وأبرزها
منظمة التحرير الفلسطينية. وفي حالة الكويت، لا يمكن كذلك إغفال دور السياسات الكويتية، التي خافًا للعديد من الحالات الأخرى، دعمت تشكيل أطر سياسية ومؤسساتية فلسطينية على أرضها قبل احتال فلسطين.
ثالثًا: هجرة الفلاحين الفلسطينيين
كان وضع الفاحين الفلسطينيين أصعب من وضع باقي الشرائح الاجتماعية المتعلمة؛ وذلك لأن أغلبهم لا يحترف إلا الزراعة، ومن ثم فإنّ الخيارات أمامهم محدودة من الناحية الاقتصادية. أما على المستوى الاجتماعي، فقد اعتادوا العيش قبل عام 9481 وفق نموذج العائلة الموسعة؛ حيث يسكن الآباء والأبناء المتزوجون في البيت نفسه، وحيث تتكون القرية من مجموع عدد من العائات. وقد واجهت هذه الفئة صعوبة في التأقلم، لما وصل أفرادها إلى الكويت في مطلع الخمسينيات، وذلك بسبب تحولهم إلى مهن أخرى، ولعدم إمكانية استصدار تأشيرات السفر لهم من جانب البريطانيين أيضًا، فكانت طريقهم إلى الكويت غير شرعية؛ أي عبر التهريب. وما ساعدهم في البقاء والحصول على وظائف، هو لجوؤهم إلى الشبكة الاجتماعية، وقد مثل الفاحون وعائاتهم في الستينيات والسبعينيات 06 في المئة من الجالية الفلسطينية في الكويت (ص. 121)–119 إنّ ما ساهم في توظيف هؤلاء الفاحين هو جهد المسؤولين الكويتيين وتعاطفهم معهم، وجهد الرواد الأوائل من المتعلمين الفلسطينيين؛ فمن كان من الفاحين – وأغلبهم كان في بداية العشرينيات أو أصغر – لم يكن يملك خبرة عملية غير الزراعة، وكان يُعيَّن مساعدًا، وهكذا تكون الوظيفة تدريبية في الوقت نفسه. لكنّ الفلسطينيين، في المقابل، عملوا للحصول على شهادة ثانوية أو جامعية، كما مولوا تعليم أشقائهم الأصغر سنًّا، ومن ثم ساعدوا في استقدامهم إلى الكويت، وذلك بعد أن رأوا أن الفرص تكون متاحة أكثر بالنسبة إلى من يملك تعليمًا أفضل. ومع مرور الوقت، صار الفلسطينيون فئة نوعية؛ متعلمة وحرفية (ص 5–13141).
رابعًا: الفلسطينيون بين نارين: غزو العراق للكويت
يرى المؤلف أنه رغم العاقات الوثيقة بين الفلسطينيين والكويتيين، فإن عدة مخاوف عكرت هذه العاقات، وأنّ خوف الكويتيين تبلور بعد حرب 9731 من أن يقود الحل السياسي الإقليمي إلى بقاء الفلسطينيين في الكويت، وقد كانوا يشكلون في ذلك الوقت أكثر من نصف المواطنين. ومنذ السبعينيات، بدأت السلطات الكويتية في فرض قيود على التأشيرات وتصاريح العمل والتعليم لغير الكويتيين، وبدأت كذلك في تنفيذ سياسة «التكويت» في القطاع الحكومي الذي كان الوجود المدني الفلسطيني يشكل منافسًا له. وإلى حين الغزو العراقي للكويت (2 آب/ أغسطس 990 1)، كان الفلسطينيون أكثر الوافدين إلى الكويت نفوذًا، كما كانت الكويت أكثر البلدان العربية إيجابيةً في التعامل مع الفلسطينيين، وأكثر الدول دعمًا لانتفاضة الفلسطينية (9871) (ص 9–23243). ولما انفجرت الأزمة في آب/ أغسطس 9901، انقسم المجتمع الفلسطيني في الكويت؛ نظرًا إلى الصراع بين القيم القومية والمصالح المعيشية –
وفقًا لخبرات كلٍّ من هذه المجموعات في الكويت – إلى ما يلي: أولً، «فلسطينيون متعاطفون مع العراق بنسب مختلفة»، كون هذا الحدث يمكن أن يفيد العرب والقضية الفلسطينية، وكان أغلب أفراد هذه الفئة من ذوي أوضاع اقتصادية متدنية، وارتفعت حدة موقفهم مع ربط الانسحاب من الكويت بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة. ثانيًا، «فلسطينيون معارضون للغزو، متعاطفون مع الكويت ومتيقنون من رعونة الخطوة العراقية»، وكانت نسبتهم داخل الكويت في بداية الغزو لا تقل عن 03 في المئة؛ ومن ثم أخذت في الارتفاع، وخصوصًا مع ما تعرض له الكثير من الفلسطينيين من الجيش العراقي، ووضوح نية العراق من هذا الغزو. ثالثًا، «آخرون اتخذوا سبيل الحياد متيقنين أن العراق سيخرج من الكويت خال أيام»، وهذا الموقف بُني على الرغبة في عدم التدخل، وهذه الفئة لم تشارك في النشاطات السياسية الفلسطينية حتى قبل الغزو، وكانت نسبتها 03 في المئة، لكنها تحولت إلى رفض الغزو، بعد رؤية الممارسات العراقية في الكويت (ص 24448–.)2 ورغم إمكانية هذا التأطير لمواقف الفلسطينيين من الغزو العراقي للكويت إلى ثاثة اتجاهاتٍ رئيسة، فإن ثمة إشكالية منهجية تتبين هنا؛ فكيف يمكن قياس الرأي العام الفلسطيني والخروج بتعميمات ونسب مئوية، بناءً على مقابات شخصية وحوارات مع فلسطينيين لا تتجاوز 011 من المقابات؟ وينسحب الأمر نفسه على الماحظات الإحصائية التي أوردها الكتاب في تصنيفه للفلسطينيين البالغ عددهم مئتي ألف والذين غادروا الكويت في فترة الغزو، والذين وصفهم المؤلف بأنهم معارضون لاحتال (ص 0–259 62). لا تسمح منهجية التاريخ الشفوي بالخروج باستنتاجات إحصائية، وهي تساعدنا بصعوبة بالغة على ملء فجوات بحثية لا يمكن دراستها من خال منهجيات العلوم الاجتماعية بسبب غياب الأرشيف؛ لهذا السبب تتسم الأبحاث المعتمدة أساسًا على التاريخ الشفوي بالتحفظ المنهجي وتجنب القطعيات. مع بدايات عام 9921، تقلص عدد الفلسطينيين من 501 ألف إلى 03 ألف شخص، وكان نجاح هؤلاء في البقاء – سواء من أصحاب الجنسية الأردنية أو الذين لديهم وثيقة سفر – يعود إلى كفائهم الكويتيين، غير مئات المقيمين غير الشرعيين من حملة الوثيقة المصرية من قطاع غزة، وذلك لأنه لا مكان يستطيعون الذهاب إليه، ولم يشمل هذا العدد الفلسطينيين من حملة الجنسيات الأخرى؛ كالجنسية الكويتية أو الأميركية مثلً. وقد بقي القيد الأمني (شبهة التعامل مع النظام العراقي أيام الغزو) عائقًا أمام توظيف العديد من الفلسطينيين، وخصوصًا أصحاب الوثائق المصرية (ص –292 95.)2 وبعد عام 9911، صارت الكويت تتعامل مع الفلسطينيين من أصحاب الجواز الأردني بصفتهم أردنيين، وعادت العاقات الرسمية بين الفلسطينيين والكويت عام 0012، وافتتحت عام 0132 سفارة فلسطين في الكويت (ص –296
خاتمة
يقدم المؤلف في كتابه صورة بانورامية قائمة على بحث ميداني ومقابات مسجلة عن جانب غير موثق من حياة الجالية الفلسطينية في الكويت، مسلطًا الضوء على دور العائلة الفلسطينية المركزي والشبكات الاجتماعية العابرة للأوطان، التي عملت على البقاء الاجتماعي – الاقتصادي، وساهمت
في الحفاظ على الهوية وإعادة إنتاجها. ومن خال دراسته لحالة الكويت التي لها خصوصية، مقارنةً بأماكن وجود الفلسطينيين الأخرى، يقدم الكتاب أطروحةً يمكن استخدامها إطارًا نظريًا لدراسة تجربة الفلسطينيين في أماكن شتات أخرى، ببحث جوانب التضامن الاجتماعي وديناميات عمل الشبكات الاجتماعية. كما أن الكتاب يتطرق إلى
المراجع
العربية
البرغوثي، سمير. «الفلسطينيون في الخليج». مجلة تسامح. العدد 2).007(19
بشارة، عزمي. طروحات عن النهضة المعاقة. بيروت/ لندن: رياض الريس للكتب والنشر،.2003
بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية: التحديات الاجتماعية والاقتصادية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات،.2016
كنفاني، غسان. رجال في الشمس. الآثار الكاملة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1972
كنودسن، آري، وساري حنفي. اللاجئون الفلسطينيون في المشرق العربي: الهوية والفضاء والمكان. ترجمة ديما الشريف. مراجعة وتقديم جابر سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
الأجنبية
ملفات غير مبحوثة في الشتات الفلسطيني، منها هجرة الفاحين إلى الكويت وطرق التهريب، إضافة إلى بحثه في العاقة بين الفلسطينيين والكويتيين، إبان الغزو العراقي للكويت، الذي حاول فيه كسر المغالطات حول موقف الشعب الفلسطيني من الغزو، فضلً عن تبيينه وجه التضامن بين الشعبين أثناء الغزو وبعده.