نساء لبنان في سلك القضاء: إضافة أم مزيد من الشيء نفسه؟
Women in Lebanese Judiciary Added Value or More of the Same?
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لفهم القيمة المضافة التي يمثلها أداء النساء القاضيات في القضاء اللبناني، مقارنة بالرجال، في ضوء نتائج تقرير أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 حول التطور في الوظيفة القضائية في الكثير من المجتمعات، من بينها المجتمع اللبناني. وجرى ذلك من خلال النظر في عيّنة عشوائية من الأحكام/ وثائق المحاكمات القضائية لقضاة منفردين من الجنسَين في قضاء بعبدا – جبل لبنان، بين عامي 2011 و 2018 . تكشف نتائج دراستنا أن القاضيات اللبنانيات أكثر التزامًا بتطبيق القواعد القانونية والقواعد السلوكية للوظيفة القضائية من القُضاة الرجال، وما ينطوي على ذلك من التزامهن بالمسؤولية الاجتماعية. لكن بالنسبة إلى اللجوء إلى الهوامش التي أوجدها المشرِّع اللبناني، والتي كان في الإمكان تفعيل استخدامها لأجل تحقيق اختراقات، فإن أداء القاضيات لا يختلف عن أداء القضاة.
Abstract
Abstract: This article seeks to understand the added value represented by the performance of female judges in the Lebanese judiciary, as compared to males, in light of the results of the United Nations 2030 Agenda for Sustainable Development report on the development of the judicial function in various societies, including the Lebanese. This was done by examining a random sample of judgments/ court trial documents of single judges of both genders in the Baabda – Mount Lebanon jurisdiction, 2011–2018. The results obtained in statistical analysis suggest that female judges have greater commitment to
- الجندر
- القضاء اللبناني
- القاضي المنفرد الجزائي
- الممارسة القضائية
- أداء القاضي(ة)
- هوامش القانون
- Gender
- The Lebanese Judiciary
- The Single Criminal Judge
- Judicial Practice
- Performance of Judges
- Margins of the Law
عزّه الحاج سليمان * وعزّه شرارة بيضون **
ملخص: تسعى هذه الدراسة لفهم القيمة المضافة التي يمثلها أداء النساء القاضيات في القضاء اللبناني، مقارنة بالرجال، في ضوء نتائج تقرير أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 حول التطور في الوظيفة القضائية في الكثير من المجتمعات، من بينها المجتمع اللبناني. وجرى ذلك من خلال النظر في عيّنة عشوائية من الأحكام/ وثائق المحاكمات القضائية لقضاة منفردين
من الجنسَين في قضاء بعبدا – جبل لبنان، بين عامي 2011 و 2018. تكشف نتائج دراستنا أن
القاضيات اللبنانيات أكثر التزامًا بتطبيق القواعد القانونية والقواعد السلوكية للوظيفة القضائية
من القُضاة الرجال، وما ينطوي على ذلك من التزامهن بالمسؤولية الاجتماعية. لكن بالنسبة إلى اللجوء إلى الهوامش التي أوجدها المشرِّع اللبناني، والتي كان في الإمكان تفعيل استخدامها
لأجل تحقيق اختراقات، فإن أداء القاضيات لا يختلف عن أداء القضاة.
Invited professor at the school of law at the UGA (university Grenoble Alpes – France) during 2019 and 2020.
Researcher on Women and Gender Issues and Former Professor of Social Psychology at the Faculty of Letters and Human Sciences, Lebanese University.
تعزيز السائد وتعليق الهوامش (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
applying legal principles and behavioural rules in their occupation than their male counterparts, and by implication may tend to be more committed to social responsibility. However, the two genders’ judging lingered on familiar grounds, and neither ventured beyond those. Margins granted to judges by legislators offering leeway within Lebanese Statuary Law allowing them to assume new proposed roles were not resorted to by either male or female judges.
مقدمة
بعَث تزايد عدد النساء في سلك القضاء، في الكثير من البلدان العربية، فضولً لاستقصاء مدلولاته وإبراز تضميناته. فالقضاء في بلادنا، كما هو في بلدان العالم قاطبة، بقي محافظًا على ذكورةٍ غامرة تُعدُّ من بعض مسوّغ علوّ سلطته الاجتماعية وسموّ العدالة المطلقة التي تظلّل
أحكامه. ففي المخيال الجماعي في ثقافاتنا الاجتماعية، مثلً، تُنسب إلى النساء س مات واتجاهات
وأنماط من السلوك لا تسمح بائتمانهن على تطبيق العدالة، فمُنعن، وحتى أمد ليس ببعيد، عن سلك
القضاء. لذا، استُقبل التزايد المذكور بحذر، بل بخِشية وخوف أحيانًا؛ الأمر الذي شكّل لدُعاة
المساواة الجندرية، مؤسسات وأفرادًا، دافعية للبحث عن الممارسات القضائية للنساء في السلك
القضائي لأجل دحض أسباب الحذر والخِشية المذكورَين، بل لإبراز إضافة طيّبة إلى القضاء نتيجة
تكاثرهنّ فيه. تنضمّ دراستنا هذه إلى مثيلات لها من دراسات وأبحاث في «القانون والجندر» Gender and Law. وتتناول، تحديدًا، وجوهًا من الممارسات القضائية في سلك القضاء المنفرد، لدى النساء–القاضيات والرجال–القضاة. من أجل البحث عن فروق في الممارسة المذكورة، تُعيننا في رصد إضافات نسائية، إن وُجِدَت، إلى تلك الممارسة، جاعلين معيارنا للحكم على طبيعة هذه الإضافات التوجّهات الراهنة
للقضاء.
1. ما هذه التوجّهات؟
عُبّر عن الوجهة التصحيحية للتحولّات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي عصفت
بالمجتمعات المعاصرة كلها، في معايير التنمية المستدامة وانعكست، في ما يهمّنا، في معاني
العدالة وطبيعة ارتباطها بمهمّة تحقيق السلم والأمن الاجتماعيَين. وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة
وأركانها المؤسّساتية، خُوِّل القضاء مهمّة تطبيق شرعيّتها، وأ عطيت له سلطة المحافظة على أمنها
وسلامها الاجتماعيَين، الأمر الذي ينطوي على وجوب أن يُتخذ في الحسبان أبعاد مستجدّة من
(((عزة شرارة بيضون، «الخِشية من تأنيث القضاء»، في: (بيروت: دار الساقي مواطنة لا أنثى، 2015)، ص 25–19؛ سامر غمرون، «من
يخاف من أكثرية نسائية في القضاء اللبناني؟»، المفكرة القانونية، 2015/3/21، شوهد في 2020/8/11، في: https://bit.ly/3cI3Bh9 (((خطة التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، شوهد في 2020/9/27، في: https://bit.ly/336JnL1
نشاطات المجتمعات أبرزتها التحولّات المذكورة. ومن ذلك، أيضًا، وجوب شمله في ممارساته،
وفي القواعد التي تحكم هذه الممارسات، مصالح قوى مجتمعية جديدة، لعلّ النساء أهمّها. أي، أصبح منوطًا بالقضاء «انخراطٌ» أوسع في الصيرورات المجتمعية، ما يجعل ال «حيادية» وال «تحفّظ» – وتهميش الذات عن حركة المجتمع وناسه – أي ما كان من بعض سماته وقواعد سلوك ناسه محتاجة إلى المراجعة. وينعكس ذلك كلّه في أدوار القاضي، بصفته المخوَّل تحقيق العدالة في
إطار التحولّات المذكورة، وما تنطوي عليه من «مسؤولية اجتماعية» أصبحت مبدأ صريحًا من
أخلاقيات السلك. نشير إلى أنّ لبنان لم يكن بمنأى عن بعض هذه التحولّات؛ ولمّا كان تغيّر أحوال النساء في بلادنا، أ سوة
بأصقاع العالم كلها، من بعض هذه التحولّات، فإننا نبحث عن آثار محتملة لذلك التغيّر في القضاء،
عمومًا، وفي أوجه تعبيراته في الممارسات القضائية، خصوصًا. في المجتمعات التي يتظلّل فيها القضاء ب «القانون العرفي»، لا يعدو الانخراط المذكور أن يكون تعزيزًا لمنحى سائد من الاجتهاد والمبادرة إلى صوغ أحكام على منوال اجتهادات صيغت في أحكام سابقة، يسعى القضاة لأن يستوحوا بعضًا من عناصرها للحكم في قضية راهنة. لكن في المجتمعات التي يهتدي قضاؤها ب «القانون المكتوب» – كما هي حال لبنان، مثلً – تضيق دائرة الاجتهاد في الممارسات القضائية، وتبقى محصورة في هوامش موصوفة مجالاتها سلفًا، وتخضع لمعايير تعيّن
حدودها القصوى والدنيا. لذلك، فإن «الانخراط» المذكور يغدو ذا أثر منظور في هذه الممارسات إذا بادر القضاة إلى التفاوض بشأن توسيع دائرة الهوامش المذكورة، لأجل تضمين مترتّبات التحولّات
المجتمعية في ممارساتهم. في دراستنا هذه، نتساءل ما إذا قام القضاة والقاضيات بذلك في تفعيلهم الإمكانات الكامنة Potential في هذه الهوامش؛ لافتراضنا أن ذلك بمنزلة تعبير عن استجابة للتحولّات في مجتمعنا اللبناني، وتغيّر
أحوال النساء فيه.
2. النساء اللبنانيات والقضاء
في لبنان، بدأ الوجود النسائي في سلك القضاء خجولً في ستينيات القرن الماضي، ثمّ ما لبث أن تكرّس حقًا، لا رجوع عنه، في أثر وقوف ناشطات نسويات في وجه محاولة إقصاء النساء عن معهد
(3) Francois Ost, Juge pacificateur, juge arbitre, juge entraineur, trois modèles de justice (Bruxelles: Presse de l’Université Saint–Louis, 1983), accessed on 11/8/2020, at: https://bit.ly/344NQNf (4) Antoine Bullier, La common law , 3 ème éd. (Paris: Dalloz, 2012). (5) François Terré, Introduction générale au droit , 9 ème éd. (Paris: Dalloz , 2012), p. 49,283 et suiv.
(((في تقرير بعنوان: المرأة في القضاء في الدول العربية: إزالة العقبات وزيادة المشاركة (بيروت: الإسكوا، 2019)، جاء أن تاريخ تعيين النساء العربيات قاضيات بدأ منذ عام 1959، حين عيّنت زكية حقي من العراق أول قاضية في المنطقة، تلاه المغرب، ومن ثم
لبنان في عام.1966
القضاء في دورة عام 1993، ليصبح نجاح النساء المطّرد في مباريات الدخول إلى المعهد المذكور، وتخرّجهن فيه، واقعًا من ظاهرة عامة، وسببًا ل «تفاخر» المعنيين. وازداد، بنتيجة ذلك، حضور المرأة في
السلك القضائي؛ ففي التشكيلات القضائية في عام 2017، مثلً، أصبح 47 في المئة من قضاة لبنان من النساء (وهي الأعلى في العالم العربي)، حيث تبوّأن مراكزَ في المحاكم على تنوّع اختصاصاتها
ودرجاتها، من مدنية وجزائية وإدارية ومالية، ووصلن إلى مراكز إدارية عُليا في المرفق القضائي، لتتأكد، بذلك، قدرة المرأة اللبنانية على صعودها، بثبات، سلّم السلطة الاجتماعية عندما تتوافر لها فرصٌ خالية من تمييز صريح ضدّها، بصفتها امرأة. على صعيدٍ آخر، نشير إلى أنّ نشاطات الحركة النسوية اللبنانية ومنظّماتها لم تتوقّف عن المطالبة بإقرار الكوتا النسائية في التمثيل السياسي وفي مواقع اتخاذ القرار، منذ أنْ توقّفت الأعمال العسكرية في حروبنا الأهلية (1990–1975) وانطلاق مشاريع إعادة الإعمار في أوائل التسعينيات. وترى الفذلكة المنطقية الحاملة المطالبة بالكوتا، أنّ ازدياد عدد النساء في مواقع اتخاذ القرار، متى جاوز الكتلة الحرجة mass Critical، يجعل تلك المواقع أكثر تعبيرًا عن حساسية نسائية لتناول قضايا المجتمع.
فهل سيعمل القضاء، حيث تحقّقت الكوتا النسائية تلقائيًا ومن دون مطالبة الحركة النسوية أو تدخّل
المشرّع، على تفعيل هذه الحساسية؟
3. لماذا القضاء؟
إنّ بطء مسار التشريع في لبنان وارتهان المشرّع لقوى طائفية ودينية، جعلا المجتمع المدني
والمنظّمات النسوية، ضمنًا، توجّه بعض نشاطها النضالي صوب القضاء؛ لا لأنّ القضاء سلطة مستقلة
عليا وفق ما يمليه الدستور اللبناني فحسب، إنما لحسبانهم أنّ الاجتهاد المستجيب إلى حاجات الأفراد والجماعات ذات الصلة بالتحولّات المستجدة، في تطبيق القانون، قد يفوق أهمية ما ينص
عليه القانون. وإنّ متابعة مواضيع انشغال منظّمة غير حكومية، مثل «المفكرة القانونية»، وأكثر المنظّمات النسوية غير الحكومية، من الدلائل على ذلك. لا يفوتنا أنّ الحركة النسوية عندنا، مثلً، حقّقت مكاسب على صعيد التشريع، كان أهمّها نجاحها في تتويج الحملة التي أطلقتها لتشريع حماية
النساء من العنف الأسري، عبر إصدار القانون /293 2014، المعروف ب «قانون حماية النساء وسائر أفراد
(((غمرون. (((كرامة لمى ونزار صاغية، «تأنيث القضاء: أي مناصب؟ أي وظائف؟ أي مناطق؟ المفكرة القانونية، 2011/10/18، شوهد في
2020/8/11، في: https://bit.ly/3mYcPe0
(((المرجع نفسه؛ المرأة في السلك القضائي: نقطة انطلاق نحو تحقيق العدالة بين الجنسين (بيروت: الإسكوا – الأمم المتحدة،
2018، في: https://bit.ly/36hhbHj
((1(لهن في ذلك مثلً، محاولة القاضي جون قزّي (على الرغم من فشلها) الذي قضى بإعطاء الجنسية اللبنانية لأولاد اللبنانية
المتزوجة بغير لبناني، على الرغم من صراحة القانون الذي يمنع عنهم ذلك الحق. ينُظر مث: «الحكم بقضية سويدان يفضّل
الأجنبية المتجنّسة لبنانيًا على المواطنة»!، صيدا أون لاين، في: https://bit.ly/34ixf99 https://www.legal–agenda.com ((1(ينظر موقعها الإلكتروني في:
((1(يُنظر مثلً مواقع المنظمات النسوية التالية: https://www.kafa.org.lb/ar؛ www.rdflwomen.org؛ https://www.abaadmena.org
الأسرة من العنف الأسري». لكن، بدا تطبيق هذا القانون، وغيره من القوانين، رهنَ القضاء، وبدا أيضًا أنّ متابعة أعمال هذا الأخير والضغط من أجل تسريع وتيرة إصدار أحكامه ومراقبة عدالة هذه الأحكام، أمرٌ ضروري، يمليه رسوخ المنظومة الجندرية في «النفوس»، لما لها من أثر في تأويل «النصوص»؛
وأنّ «نفوس» القضاة من الجنسَين ليست في منأى عن إملاءات هذه المنظومة. إن تجاوز تأثير هذه
الإملاءات في القضاة من الجنسَين محتاج إلى إسماع أصوات النساء لكونهن مواضيع التمييز القائم
على الجندر وضحاياه المباشرين. ما نقوله ينطبق، على الأرجح، على الفئات المهمّشة كلها، أو تلك غير المنضوية في تيّار السلطات
الأعم Mainstream. إن إصدار قانون /105 2018، المعروف ب «قانون المفقودين والمخفيين قسرًا»،
مثلٌ ثانٍ على أهمية القضاء الحرِجة في إحقاق العدالة. صحيح أنّ الشرط الضروري لتحقيق العدالة كان إصدار القانون المذكور الذي جاء تتويجًا لنضال طويل خاضته «لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين
قسرًا» – وأغلبية أعضائها نساء – لكن، يبقى تفعيل القانون في الممارسات القضائية المعيارَ الأصدق
والملموس لتحقيقها.
4. هذه الدراسة
تتناول هذه الدراسة، أساسًا، أداء القضاة والقاضيات في أجواء من التحولّات التي ذكرناها، والتي جعلت
النساء – أُسوة بالفئات كلها التي هُمِّشت سابقًا في نشاط المجتمعات وانشغالاتها – في طليعة القوى
المدعوّة إلى المشاركة في تحقيق التنمية المستدامة وتضميناتها القانونية. فهل ستُظهر الممارسات
القضائية لهؤلاء النساء، المتكاثر عددهن في سلك القضاء، لتتجاوز الكوتا المأمولة بحسب الحركة النسوية عندنا، حساسيةً أكبر عند القضاة (الرجال) تجاه هذه التحولّات؟ وهل ستنعكس مساهمات
النساء في هذا السلك مسؤولية اجتماعية أعلى في أحكامه؟ حاولنا في دراستنا هذه التي نقدّم في بعض من نتائجها، الإجابة عن هذا السؤال؛ وذلك بعد تفكيكه إلى أسئلة فرعية: كيف اختلفت ممارسات القاضيات عن ممارسات القضاة الرجال في سلك القضاء المنفرد عندنا؟
(((1 إحالة إلى السجال حول أيٍّ من التغييرَين يسبق الآخر في تطوّر الاتجاهات الاجتماعية من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين:
«تغيير النفوس» (التربية الأسرية والنظامية على المساواة الجندرية، مث)، أم «تغيير النصوص» (التشريع لقوانين تعزز المساواة
الجندرية وتنزّهها من البنود التمييزية ضد النساء، مثلً)؟ (((1 عزة الحاج سليمان ولور أبي خليل، «أزمة مفقودي الحرب الأهلية في لبنان وإرساء معايير العدالة الانتقالية، المعتقلين في السجون الإسرائيلية»، ورقة قدمت في المؤتمر السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، «العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة والتاريخ والذاكرة، المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، تونس 23–21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. والورقة، قيد النشر في دورية سياسات عربية وفي الكتاب الذي سيصدر عن المؤتمر. (((1 أجبنا، جزئيًا في كتابنا نساء لبنان في سلك القضاء (قيد النشر)، عن أن القضاء مرفق داعم لحقوق النساء وقضاياهن. القضاء
اللبناني، بما هو سلطة عليا توازي سلطة البرلمان، وتبعًا لتكاثر النساء في سلكه، بدرجة تجاوزت قيمة الكوتا المُطالب بها من الحركة
النسوية.
وهل كرّست الأحكام الصادرة عن القاضيات النساء مبادئ دولة المؤسسات والقانون؟ وهل قدّمت
القاضيات مقاربة جديدة/ معنى مختلفًا لمفهوم العدالة؟ وهل هناك فروق في القرارات/ الأحكام الصادرة عن القضاء المنفرد؟ ولناحية الإجراءات والمضمون: هل هناك فروق بينها وبين القاضي الرجل في التخفيف من أعباء الإجراءات والمهل على المتقاضيات والمتقاضين، مثلً؟ وكيف انعكس وجود المرأة القاضية في مسارات المحاكمات أو في حيثيات القرارات الصادرة في ملفات المحاكمات، وفي وثائقها/ القرارات الصادرة؟ وهل سعت القاضيات عندنا لتطبيق النصوص الدولية لحقوق الإنسان عند تعارضها مع النصوص المحلية لها؟ في سعينا للإجابة عن أسئلتنا، نثبت، في ما يلي، عرضًا سريعًا لدراسات سابقة، لأجل وضع دراستنا هذه في سياقها البحثي، ولأجل تعيين مكامن جدّتها.
أولا: الدراسات السابقة
انطلقت الدراسات والأبحاث التي تناولت النساء في سلك القضاء مع انطلاق حركة المرأة في موجتها الثانية في بلدان العالم الأوّل في ستينيات القرن الماضي؛ وانشغلت، بدايةً، بمسائل تمحورت حول
العوامل التي أدّت إلى استبعاد النساء عن المؤسسات القضائية والعوائق التي تواجه الراغبات منهن في الانتساب إليها. وكانت الغاية من إجرائها إبراز موجبات اشتمال النساء في القضاء، لتغدو دعوتهن إلى النساء للانخراط في سلكه (أي إلى معاهد القضاء حيث وُجدت)، أو مطالبة من بيده قرار تعيينهن فيه
(في الأنظمة القضائية التي يعيّن الحاكم القضاة فيها)، قائمة على قاعدة معرفية، لا على رغبة نسوية
مجرّدة. وكان لتمدّد الحركات النسوية في العالم كلّه، الأثر الكبير في تفعيل الدراسات النسائية، عمومًا،
وفي إحداث مجالات فرعية في ميادين معرفية مختلفة، تخصّصت في تناول مواضيعه من منظور
جندري: وشمل هذا التفعيل ميدان القانون المجتمعي Socio–Legal أيضًا. ومع تزايد عدد القاضيات في السلك القضائي، تطوّرت مواضيع الأبحاث المتناولة في هذا الميدان وتعدّدت تساؤلاتها وتوسّعت
مجتمعاتها، الأمر الذي سمح للباحثين بتنويع وسائلهم البحثية وتحديثها. في بلداننا العربية، برز في العقود الثلاثة الماضية اهتمام منظور ب «المسألة النسائية»، تزامن مع تبنّي دولنا طروحات الأمم المتحدة في مجالات نشاطات المجتمع الرئيسة، التي تمثّلت أساسًا، في توقيع
اتفاقات دولية، كانت «اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة» (سيداو) أهمّها. كان من بعض
تعبيرات هذا الاهتمام، تنفيذ أبحاث ودراسات وتقارير في مجالات هي من بعض شواغل الاتفاقية المذكورة. ونال التشريع والقضاء بعضًا من ذلك الاهتمام، وانصبّ أساسًا على تطوّر وجود النساء في
القضاء: تاريخ انتسابهن إليه، وعددهن حاليًا ومجالات وجودهن والعوائق المانعة تقدّمهن فيه. نتناول، في ما يلي، بعض هذه الدراسات لأجل جلاء السياق البحثي الذي يكتنف دراستنا.
(((1 ينظر: الحاج سليمان وبيضون، الفصل الثاني من الباب الأول.
1. النساء في سلك القضاء اللبناني
في دراسة منشورة في «المفكرة القانونية»، تفحّص الباحثان الحقوقيان لمى كرامة ونزار صاغية مرسومَين
صادرَين في عامي 2004 و 2011، على التوالي، في محاولة لتتبّع، ليس تزايد عدد القاضيات في
مختلف وظائفه فحسب، إنما أيضًا نوعية توزّعهن على المناصب والمواقع والجغرافيا؛ وحاولا (كرامة وصاغية) النظر إلى ذلك التوزّع بعدسة جندرية، تأخذ في الحسبان المعنى والقيمة المسبغَين على الرجال والنساء في ثقافتنا الاجتماعية. لم تكن دراسة كرامة وصاغية المرّة الوحيدة التي تطرح «المفكرة القانونية» موضوعَ تزايد النساء في سلك
القضاء (وإطلاق صفة التأنيث عليه) في لبنان. وكان الباحث سامر غمرون قد طرح الموضوع نفسه قبل ذلك بسنوات عدة في مقالة له بعنوان «من يخاف من أكثرية نسائية في القضاء اللبناني؟»، خشية (بل «رهابًا»)، رصدها الباحث في تصريحات قضاة قدامى، وسياسيين وإعلاميين، تعليقًا على تزايد
عدد القاضيات اللبنانيات. وتمحورت هذه التصريحات حول الآثار السلبية التي ستُحدثها القاضيات في القضاء، في تسيير أعماله التي سوف تشهد تباطؤًا متناسبًا مع انشغال النساء بأدوارهن الإنجابية
والأسرية، وتبعًا للأولوية التي سيولينها لهذه الأدوار على مهمات المهنة. لكن ما كان أدهى، أنّ تزايد عدد النساء رافقه تراجع في انتساب الرجال إلى السلك، الأمر الذي سينعكس في تصوّر القضاء في
المخيال الجماعي. وهكذا، سوف يشهد سموّ القضاء وعلوّ قيمته المجتمعية تراجعًا متناسبًا مع تراجع
«قيمة» المرأة، مقارنة ب «قيمة» الرجل في ذلك المخيال. وهو إذ شهد على التمييز ضدّ النساء في كلام أهل القضاء عندنا، يُعبّر عن استغرابه لأنهم متأكّدون من «صواب» تحليلاتهم «ودقّة» أحكامهم
المحمولة على معتقدات شائعة، لا على أبحاث علمية موثوقة النتائج، كما ينبغي لها أن تكون حين يتفوّه بها قضاة. تكمن أهمية هذه المقالات والدراسات في أنها جعلت موضوع «المرأة في القضاء» في التداول العام، بدلً من أن يبقى في الهمس والتذمّر غير المعلن، رافعة إياه، والأسئلة التي ينطوي عليها، من مستنقع
الآراء الشائعة إلى مستوى التساؤل النقدي العقلاني. في المقالات الثلاثة وصف مقتص د في الأحكام على واقع الحال. والاقتصاد مستمدّ من ندرة المعطيات ومحدودية المعلومات المتاحة. لكن، إذ تُبدي هذه الدراسات حذرًا في التأويل، فإن الرغبة في معرفة أوسع وأشمل بدت صريحة، أو مضمرة فيها:
(((1 كرامة وصاغية. (((1 يجد الكلام عن تأنيث القضاء مسوّغه في أن القضاء كان، وحتى أمد قريب، ذكريًا بدرجة كبيرة؛ بدليل أنّ القاضية لا تزال في
بعض بلداننا العربية تسمّى «قاضيًا» أو «رئيسًا» أو «مدّعيًا عامًّا»، وتتساوى بذلك النائبة البرلمانية التي تدعى «نائب» وكاتبة العدل
التي ترفع على مكتبها صفتها ب «كاتب العدل»... وغير ذلك. (((1 يثبت غمرون في مقالته تصريحات أطلقها أفراد من «أهل القضاء» – قضاة ومستشارون ومحامون وكتبة – تُعبّر عن تصوّرات
نمطية وعن عدائية ضد النساء، منها: «العدلية صارت كلها نسوان»، و«بكرا بتحبل وبتقعد بالبيت»، «بتعرفي شو لازمك؟ عريس» (قول أحد القضاة متوجّهًا بكلامه إلى قاضية). ينظر: غمرون. (((2 المرجع نفسه. (((2 المرجع نفسه.
يصف الباحثان الحقوقيان في «المفكرة القانونية»، كرامة وصاغية، مثلً، دراستهما «تأنيث القضاء: أي مناصب؟ أي وظائف؟ أي مناطق؟» ب «المحدودة بما توفّره من معلومات أو تطرحه من إشكاليات»؛ إذ تتجاوز همومهما البحثية ما تقدّمه هذه الدراسة؛ وعبّرا عن أن البحث في «تأنيث القضاء» يتضمّن
البحث في مسائل عدّة، منها أمثلة لم تتناولها دراستهما، وهي «الخصائص الاجتماعية للقاضيات»، و«رغبة القضاة نساء ورجالً في المناصب والوظائف التي يرغبون في إشغالها والمناطق التي يودّون العمل فيها»، كما أنّ إحدى المسائل المهمّة التي لم تتطرّق الدراسة إليها هي، وفق ما كتبا، تأثيرات
تزايد عدد القاضيات في «طبيعة الوظيفة القضائية، وعلى قضايا النساء والأطفال، وحقوق الإنسان»، والمسألة الأخيرة هي صياغة أخرى لانشغال دراستنا هذه. كان غمرون قد أنهى دراسته المذكورة سابقًا بفقرة عدّد فيها مسائل الجندر في القضاء، وطرح فيها أسئلة تناولت عناوين شغلت الباحثات والباحثين في ميدان الدراسات الجندرية في القضاء؛ إذ يؤكّد أنّ «قضاء الغد الذي (سيكون) ذا الأكثرية النسائية لن يشبه قضاء الأمس»، مستشرفًا تحوّلً، مهما كانت
طبيعته، أكثر حساسية إزاء الفئات المهمّشة التي رماها النظام الرأسمالي على هامش أولويّاته، كما سبق
وفعل بالنساء عقودًا من الزمن. والسؤال الرئيس الذي طرحه كان: «ما الذي تغيّر في القضاء اللبناني
لدى تحقيق المساواة الجندرية بين ناسه؟»، متبوعًا بعددٍ من الأسئلة الفرعية تشكّل مجتمعة سلّة مشاريع بحثية للباحثين المهتمّين بالإجابة عن السؤال المذكور. وتناولت هذه الأسئلة، مثلً، التغيّر في
صورة القضاء في أذهان الناس في ظل ازدياد عدد القاضيات، وتعيين أشكال السقف الزجاجي الذي تصطدم به القاضيات، مانعًا عنهن الوصول إلى مناصب أو مراكز معيّنة في القضاء، واختلاف الأحكام
التي تُصدرها القاضيات عن أحكام القضاة، وموقع القاضيات من الحركة النسائية، وإدماج الجندر في المنهاج الدراسي في معهد القضاء، والتأثير الذي يُحدثه ازدياد عدد القاضيات في المهن الحقوقية،
وغير ذلك من أسئلة ستكون الإجابة عنها من بعض المهتمين بالقضاء والحركة النسوية في لبنان. نشير هنا إلى دراسة كانت الغاية من إجرائها بناء قاعدة بيانات تتضمّن أحكامًا مضيئة داعمة حقوق
المرأة في الدول العربية، أعدّتها ونسّقت بين الخبراء العرب الذين اشتركوا في تنفيذ الشقّ الميداني
منها، الباحثة اللبنانية ليلى عازوري جمهوري. وجمّع هؤلاء 411 حكمًا قضائيًا، توزّع على إحدى
عشرة دولة عربية (من بينها 73 حكمًا قضائيًا من لبنان) في الفترة 2010–1990، ثم جرى تحليل
الأحكام والقرارات القضائية والنتائج المستخلصة منها، في المجالات كلها المحدّدة للدراسة: الأحوال الشخصية، الحقوق السياسية والمدنية، الحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية؛ من أجل تعيين تلك التي تميّزت باعتبارها أحكامًا مضيئة، وشكّلت علامات فارقة في مسار الاجتهاد، أو أرست
مبادئ قانونية تصون حقوق المرأة وتحميها، أو ترتّب عنها إلغاء نصوص مجحفة قانونية أو تنظيمية أو ذات صلة بالتدابير القضائية. وذلك بغية «مساندة الأحكام النوعية الحامية والضامنة لحقوق المرأة الإنسانية... وتحفيز القضاء العربي على ممارسات قضائية جديرة بالتعميم والاقتداء... وإبراز كيفية
(((2 كرامة وصاغية. (((2 غمرون.
تطوير القواعد القانونية وردم الهوّة بين النصّ المنصف وبين تطبيقه». أحالت هذه الدراسة المهمّة
الأحكام إلى المحاكم القضائية التي صدرت عنها، من دون ذكر اسم القاضي المعنيّ بإصدار الأحكام،
ومن دون ذكر جنسه، فلا نعرف إذا كان المسؤول عن إصدار هذه الأحكام الودودة للمرأة، رجلً أم امرأة. وكادت هذه الدراسة تكون مرجعًا مثيرًا للاهتمام في دراستنا؛ فإذا كانت الأحكام المذكورة كلّها
ودودة للمرأة، فإن نسبة عدد الرجال للنساء من القضاة الذين أصدروها، ستكون بمنزلة إضاءة مهمّة
على المسألة التي نحن بصدد دراستها – وكيفما كانت النتيجة – داعمة فرضيتنا أم داحضة لها. هذه الدراسة لا تفعل ذلك، وتثبيتها هو هنا للتعبير عن الأسف لعدم تصنيف المعطيات كلها التي يجمعها الباحث بحسب الجنس، جنس القاضي، في هذه الحالة.
2. أيّ فرق تُحدثه المرأة؟
لعلّ الدراستَين اللتيَن نفّذتهما الإسكوا في السنتيَن الماضيتَين أوّل دراستين تناولتا، ميدانيًا، المسألة التي
تشغل اهتمام باحثين لبنانيين في «الجندر والقضاء»، وسبقت الإحالة إليهما في الصفحات السابقة. وتجيب إحداهما عن سؤال: «أي فرق تُحدثه المرأة؟»، بثبْت حجج قائمة على نتائج دراسات
غربية، أساسًا، وتتكلّم على أهمية وجود المرأة في السلك القضائي من أجل تحقيق المساواة الجندرية
المرجوّة في منطقتنا العربية. وتُحيل هذه الحجج إلى دراسات أثبتت أهمية التنوّع الإنساني في سلك
القضاء من أجل تحقيق العدالة. من ذلك وجود نساء، إضافة إلى وجود أفراد من إثنيات وطوائف دينية وتوجّهات جنسية مغايرة Orientation Sexual وفئات وُضعت على هامش المجتمع (ذوو وذوات
احتياجات خاصة، مهاجرون ومهاجرات، وغيرهم)؛ كل ذلك ضروري من أجل تحقيق ذلك التنوّع؛
وإذ تعرض هذه الدراسة نتائج الدراسات التي تناولت موضوع المرأة في القضاء، فقد أبدت ميلً إلى القبول بتلك الدراسات التي توصّلت إلى استنتاجات تؤكّد وجود إضافات نسائية إليه. ومن ذلك،
مثلً، القول «إن من المسلّم به (التشديد لنا) أنّ مشاركة المرأة في السلك القضائي تُحدث فرقًا يتمثّل بالاستفادة من تجارب المرأة الحياتية في إقامة العدالة» (إذا كان الأمر مُسلّمًا به، فلماذا نبحث؟.)
وتؤكّد الدراسة نفسها أنّ البحث يبيّن، على الصعيد العالمي، «أن زيادة مشاركة المرأة في السلطة
القضائية تُحسِّن عملية اتخاذ القرارات القضائية بشكل عام، وفي ما يتعلق بالحالات التي تؤثِّر في
(((2 ليلى عازوري جمهوري، الدراسة الإقليمية التحليلية لمشروع حقوق المرأة الإنسانية: علامات مضيئة في أحكام القضاء العربي (القاهرة: منظمّة المرأة العربية، 2013)، ص.17 (((2 شملت مقرّرات المؤتمر العالمي الرابع للمرأة المعروف بمؤتمر بيجين، 1995، في كل واحد من شواغلها، بندًا يتمنّى على
الدول المشاركة تفعيل الأبحاث ذات الصلة، على أن تعتمد عرض المعطيات مصنّفة بحسب الجنس. وتكرّرت في تحييناته اللاحقة.
يُنظر:
"Beijing Declaration and Platform for Action The Fourth World Conference on Women, " Beijing, 4–15 September 1995, at: https://bit.ly/3i5FIkF
(((2 ينظر: عازوري جمهوري. ((2(المرأة في السلك القضائي: نقطة انطلاق نحو تحقيق العدالة بين الجنسين، ص.10 (((2 المرجع نفسه، ص.11
المرأة، بشكل خاص. وربما تشعر المرأة التي تلجأ إلى المحاكم أنّ القضاء أقرب إليها إذا كان يتألف من قضاة يتمتعون بصفات العدالة والنزاهة ويمثّلون فئات المجتمع المتنوّعة» (والنساء ضمنًا.)
وتتبنّى الدراسة المذكورة مقولة إن مساهمة القاضيات في المحاكم تعزّز «إمكان لجوء المرأة إلى القضاء»، وإنّ «التجارب التي تخوضها القاضيات في حياتهن تحفّز وعيهن ببعض المسائل، مثل التصوّرات النمطية والممارسات التمييزية ذات الصلة بالإجراءات وتقديم الأدلّة». أما على الصعيد
المؤسّسي، فتشير الدراسة إلى أن المرأة في النظام القانوني تشكّل عاملً للتغيير نحو تطوير جهاز
قضائي أكثر فاعلية. كما أنه بمقدورها تحديد التصوّرات النمطية ورصد المواقف المعزّزة للتمييز بين
الجنسين والسلوكيات القضائية غير المنصفة بنتيجة هذه التصوّرات وتلك المواقف، والتصدّي لها؛
وهو ما يجعلها أكثر كفاءة للدفع في اتجاه إصلاح السياسات والممارسات المؤسّسية السلبية ذات
الصلة بالجندر. تناول تقرير الإسكوا الذي صدر في عام 2019، بعنوان المرأة في القضاء في الدول العربية، القضاء في الدول العربية، حيث للمرأة تمثيل جيّد نسبيًا، ولبنان من بينها، وتوسّلت هذه الدراسة المقابلات
الفردية مع قاضيات وأخرى جماعية (المجموعات المركّزة) مع «رجال ونساء هم من الجهات الفاعلة في المنظومة القانونية (قضاة، ومحامون، وموظفو محاكم»)، كما أثبتت دراسات الحالات لرصد الممارسات الجيدة التي يمكن محاكاتها في بلدان عربية أخرى؛ وذلك، في محاولة منها لرسم لوحة إجمالية عن وضع المرأة في القضاء في هذه البلدان. بيّنت دراسات الحالات «أنّ الجهات الفاعلة في المنظومة القانونية في المنطقة العربية تعتبر أن لازدياد
مشاركة المرأة في المؤسسات القضائية آثارًا إيجابية كبيرة». كما بيّنت المقابلات أن المرأة في القضاء
تُحدث فرقًا في تلك المؤسّسات؛ ف «وجود المرأة في بعض الحالات أدّى إلى جوّ ودّي داخل قاعة
المحكمة، وإلى معالجة القضايا بشكل يراعي أكثر اعتبارات الجنسَين... الأمر الذي يشجّع النساء
على الإدلاء بشهادتهن». فعلى سبيل المثال، رأى المستجيبون أنّ القاضيات أكثر وعيًا لدور القضاء
في حماية النساء من العنف، وأشار بعضهم إلى أنّ وجود قاضيات في المجتمعات المحافظة يشجّع
المرأة على الاستفادة من الآليات القضائية عند انتهاك حقوقها. وأفاد عدد من المستجيبين، استنادًا إلى تجاربهم الشخصية، أنّ القاضيات أقلّ عرضة للفساد، وأقلّ خضوعًا للضغط السياسي، ما من شأنه الإسهام في زيادة استقلال القضاء وتحسين الأحكام القضائية ونوعيتها.
(((2 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه. ((3(المرأة في القضاء في الدول العربية، ص.4 (((3 المرجع نفسه، ص.7 (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه.
تباينت النتائج التي توصّلت إليها هذه الدراسات بحسب المجتمعات التي دُرست، وبحسب
المناهج المتبعة في رصد طبيعة وجود النساء في القضاء أحيانًا. ففي لبنان، كما بيّن بعض الكتابات
التي أوجزناها، طُرحت أسئلة شبيهة بأسئلة هذه الدراسة، وتولت الإجابة عنها القاضيات في مقابلات فردية أو جماعية. في دراستنا المذكورة مرارًا، محاولة الإجابة عن الأسئلة نفسها من خلال تناول مجتمع
بحثي Population Research غير مطروق، مع أنه، وفق ما نفترضه، كشّافٌ عمّا سعى الباحثون لرصده؛
نتكلّم هنا عن «وثائق المحاكمات التي رئِسَها القضاة والقاضيات» للقضايا نفسها أو للقضايا الشبيهة.
فإن كان هناك اختلافٌ جندري في الممارسة القضائية، أكان ذلك الاختلاف في إصدار الأحكام للقضايا نفسها، أم في مسار المحاكمات وحيثيات إصدار الأحكام، فإن ذلك الاختلاف سيبرز، من حيث المبدأ، في سردية هذه الوثائق. هذا هو مجتمع دراستنا البحثي الذي لم يجرِ توسّله سابقًا في أيٍّ من الدراسات اللبنانية لأجل الإجابة
عن أسئلة شبيهة بأسئلتنا.
ثانيًا: الدراسة الأرشيفية/ الميدانية
عمدنا في دراستنا المذكورة إلى الإجابة عن أسئلتنا باللجوء إلى الطريقة الكمّية؛ وفيها سعينا لرصد
فروق في الممارسة القضائية بين قضاة (رجال) وقاضيات منفردين، وتجليات هذه الفروق في الأحكام الصادرة عن الفئتيَن.
1. عقبات البحث الميداني
في ظل غياب موقع إلكتروني جامع الأحكام كلها، ويشكّل مجتمعًا موثوقًا لاشتماله على مجمل
الأحكام، عمدنا إلى تشكيل مجتمع دراستنا بعد تعريفه بأنه مجمل الأحكام الصادرة في بعض دوائر القضاة المنفردين الجزائيين ضمن محاكم الدرجة الأولى في واحدة من محافظات لبنان الثماني. فكان أن رصدنا 625 حكمًا، خلال مدة زمنية امتدت بين عامي 2011 و 2019، موزّعة على ثمانية أقلام،
لثمانية قضاة منفردين جزائيين في قضاء بعبدا – محافظة جبل لبنان، أربع منهم نساء وأربعة رجال، في مواضيع مختارة، تنوّعت بين جرائم الاعتداء على سلامة الأشخاص الجسدية وعلى كرامتهم وعلى
الأموال. وسُحبت من العدد المذكور عيّنة عشوائية من 209 محاكمات.
(((3 لا نقصد أنّ هذه الدراسة هي الأولى في لبنان التي لجأت إلى وثائق المحاكمات بالمطلق، إنّما هي الأولى التي توسّلت هذه الوثائق
لدراسة أداء القضاة في المحاكم اللبنانية. وهناك دراسات عدة في الحق البحثي «الجندر والقانون»، توسّلت وثائق المحاكمات لأغراض
بحثية أخرى، نذكر منها مثل،: لمى كرامة توجّهات المحاكم في قضايا الاغتصاب في بيروت وجبل لبنان (بيروت: المفكرة القانونية،
2020)؛ ماري روز زلزل، قانون /293 2014: لحماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري أمام القضاء الجزائي: من 2014/4/8،
2015/10/30 (بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال، 2016)؛ عبده جميل غصوب، قانون /293 2014: لحماية النساء
وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري: جردة حساب بعد مرور سنتين على تطبيقه (بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال،
2016)؛ جمهوري؛ عزّه شرارة بيضون، جرائم قتل النساء أمام القضاء اللبناني (بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال، 2008)؛
دانيال الحويّك وأخريات، جرائم الشرف بين الواقع والقانون (بيروت: الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة،.)2007 (((3 اخترنا هذه الأعوام لأنها شهدت تغيّرات في التشريع، تمخّضت عنها تعديلات في القوانين، خصوصًا تلك ذات الصلة بالنساء
وبأحوالهن الأسرية والشخصية، وأهمّها إصدار القانون /293 2014، المعروف ب «قانون حماية النساء وكافة أفراد الأسرة من العنف
الأسري»، وإلغاء المادة 562 و 522 من قانون العقوبات والعمل على تعديل قانون الجنسية، إلى ما هنالك.
عمل على سحب العيّنة العشوائية من المجتمع الموصوف سابقًا الإحصائي المتخصص
بطريقة العيّنة العنقودية Approach Sampling Cluster؛ إذ استندت منهجية سحب العينات إلى
أسلوب «العنقود المتعدد المراحل». في هذه الدراسة، جرى تعريف الوحدة الإحصائية باعتبارها «حكمًا»/ قرارًا قضائيًا. وعُرّفت المجموعة العنقودية على أنها «المحكمة». وجرى اختيار طريقة
سحب العينات لمجموعة واحدة (محكمة جبل لبنان–بعبدا). وضمن هذه المجموعة (العنقودية)، جرى اختيار عدد من القضاة. بعد ذلك، جرى اختيار الأحكام المتاحة كلها التي أصدرها كل واحد من هؤلاء القضاة بين عامي 2011 و 2018 لتكون جزءًا من العينة، وتجاوزت هذه الأحكام المختارة الستمئة
حكم، سندًا إلى سجلات المحاكم. أي، وُضعت منهجية سحب العينات باستخدام منهج التجميع على مرحلتين: اختيار المحكمة، أولً، ثمّ اختيار القضاة العاملين داخل هذه المحكمة، ثانيًا. وهكذا، تجمّعت لدينا معلومات أوّلية عن محاكمات 209 أحكام في قضاء بعبدا – جبل لبنان، لتسعة
قضاة وقاضيات منفردين، على مدى الأعوام بين 2011 و.2019 توزّع القضاة بين فئتي النساء والرجال، وبحسب نوع الجرم على النحو المبيّن في الجدول. جدول يوضح توزّع نوع الجرم، وفق ما جاء في وثيقة المحاكمة، بحسب جنس القاضي المنفرد نوع الجرم
| قضاة | قاضيات | نوع الجرم الجندر |
|---|---|---|
| 82 | 69 | اعتداء على الجسد 151 |
| 23 | 59 | اعتداء على الكرامة 82 |
| 5 | 9 | اعتداء على الممتلكات 14 |
| 4 | 8 | آداب عامة/ دعارة/ اغتصاب 12 |
المصدر: وفقًا للعينة البحثية المختارة في كتابنا الذي سيصدر قريبًا: عزّة الحاج سليمان وعزّه شرارة بيضون، نساء لبنان في سلك
القضاء: تعزيز السائد وتعليق الهوامش (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
علمًا أنّ بعضًا من الأحكام يتناول مواضيع عدة، فجرى احتسابها ضمن معايير عدة. لكن عوائق
الحصول على نسخ مصوّرة من وثائق المحاكمات المختارة، قلّصت العدد إلى 169 حكمًا شكّلت
عيّنة هذه الدراسة. في موازاة ذلك، وبعد تحديد القضاة الذين استخرجنا أحكامهم، حصلنا على بيانات بأوصافهم
(((3 الإحصائي المتخصص المستشار هو رضى حمدان من مؤسسة البحوث والاستشارات في لبنان. (((3 لن نُثقل على القارئ بذكر العوائق اللوجستية الكبيرة لهذه الدراسة، خصوصًا المتعلقة بندرة التوثيق في الدولة اللبنانية وعدم
إتاحة موجوداته، بسهولة، للباحثين. لكنّنا وثّقناها، بالتفصيل، في كتابنا: الحاج سليمان وبيضون، في الفصل الأول من الباب الثاني
والذي تناولنا فيه وصف المجتمع والعيّنة وأداة البحث.
الشخصية، وتاريخ تعيينهم في القضاء، والمناصب التي تولّوها خلال مسيرتهم المهنية، وتاريخ تعيينهم
في مركز قاضٍ منفرد جزائي في بعبدا.
2. البيانات والحصول عليها
لمّا كنّا بصدد مقارنة أداء القاضيات والقضاة، اعتمدنا في ذلك على مؤشّرات عملانية، كوّنت
مفردات أسئلتنا المطروحة في هذه الدراسة؛ ومنها صيغت بنود الاستمارة – الأداة الرئيسة لبحثنا الميداني. واهتدينا بهذه البنود من أجل استخراج المعطيات الكاشفة عن الأداء المذكور من الأحكام/ وثائق المحاكمات. أي، استُخرجت المعطيات من مضمون الحكم، حرفيًا، أو استنتاجًا
عند فقدانها في الصياغة المباشرة، لتصف المؤشّرات العملانية على الممارسة القضائية للنساء والرجال في عيّنتنا. كما استعنّا بمعجم الباحث الحقوقي حسين الزين، لتعيين أوصاف القضاة
والقاضيات الديموغرافية. في ما يلي، المؤشّرات العملانية للممارسات القضائية والظروف المحيطة بهذه الممارسات، إضافة إلى أوصاف ناسها: 1. الأوصاف الديموغرافية للقاضي: الجنس، العمر، سنة التعيين، الانتماء الجهوي (المحافظة بحسب القيد الرسمي)، الطائفة (بحسب الولادة.) 2. المدّة الزمنية التي يستغرقها إصدار الحكم. 3. توضيح ظروف الدعوى: أوصاف المدّعي والمدّعى عليه، موضوع الدعوى...إلخ. 4. سلوك القاضي في صياغة الوثيقة لناحية عرضه الوقائع بدقّة ووسائل الإثبات المستخدمة وتعليله للحكم. 5. طبيعة الحكم ومضمونه، ومضمون العقوبة وطبيعتها وتفصيلاتها. 6. البحث في خصوصية كل حكم لناحية البحث عن أسباب التخفيف، الاعتماد على اتفاقية دولية، أو على اجتهاد سابق، تأويل خاص للقاضي، تقديم الوصف القانوني للوقائع، استخدام تعابير إنشائية أو انفعالية، استخدام نموذج مسبق وغير ذلك. عمدنا، من خلال الاستعانة بالمؤشّرات التي اعتمدناها في الاستمارة – أداة البحث الموصوفة، إلى استخراج البيانات من الأحكام التي تسمح لنا بمعرفة خصائص الحكم، كما يجري عادة في التوثيق القانوني للأحكام والقرارات القضائية. كما أضفنا المؤشّرات التي تحدّد الصفات الديموغرافية لكل
(((4 حسين الزين، المعجم القضائي اللبناني، 2019–1919 (بيروت: [د. ن]،.)2019 (((4 يمكن مراجعة نص الاستمارة في الملحق (2)، في: الحاج سليمان وبيضون. (((4 ساهمت معنا هادية الشامي، وهي دكتورة في القانون وباحثة خبيرة بتوثيق الأحكام القضائية في هذه المرحلة، في استخراج المؤشّرات المذكورة، في تحديد المؤشّرات وصياغتها، بما يضمن البعد القانوني المجرّد وتحديد معايير علمية، تسمح
بتفنيد المعلومة الموثّقة وتحويلها إلى مؤشّرات يمكننا استخدامها في تحليل النتائج إحصائيًا.
من القاضي وأطراف الدعوى، والظروف التي تحيط بكلّ قضيّة، بما يسمح بقراءة البعد الاجتماعي
لأداء القاضي. وحاولنا استنتاج سلوك القاضي من خلال البحث عن استخدامه بعض الهوامش التي تركها المشرّع لتقدير القاضي. وبنينا أساسًا على البيانات المذكورة في المادة 537 من قانون أصول
المحاكمات المدنية اللبناني وبشكل خاص: «أسماء القضاة الذين اشتركوا في إصداره وتاريخ إصداره، وأسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم، وحضور الخصوم وغيابهم، وخلاصة ما قدّموه من طلبات وأسباب لها، ومن أسباب دفاع ودفوع، وخلاصة ما استند إليه الخصوم من الأدلّة والحجج القانونية، وأسباب الحكم وفقرته الحكمية». وعرضنا مختلف الخيارات التي يمكن أن تظهر في الدعاوى المختلفة. لناحية توثيق القرار، نذكر «رقم الأساس» و«رقم القرار» اللذين يُظهِران تاريخ «تقديم الدعوى» وتاريخ
«صدور الحكم»، وبهما نحدّد أمد المحاكمة. وأثبتنا، إلى ذلك، الذكر الصريح لاسم القاضي، وأشرنا إلى مدى وضوح التصريح عنه. ونشير هنا إلى أنّ الكثير من القرارات لم توضح اسم القاضي، فكان علينا استنتاجه من توقيعه في نهاية الحكم. ثم سعينا إلى استخراج بيانات عن المواصفات الشخصية للقاضي، مثل مكان ولادته وسنّه وطائفته، وتاريخ تعيينه في القضاء، وتاريخ تولّيه مركز القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا، ومدّة بقائه في المركز، وفي ما إذا كانت الدعوى قُدّمت أمامه، أم قبل تعيينه في المركز. وانتقلنا، بعدها إلى تحديد مواصفات المدّعي والمدّعى عليه، فحدّدنا البيانات المتعلّقة بجنسهما وسنّهما وجنسيتهما والعلاقة التي تربطهما. أما لناحية الحكم ومضمونه، فاستخرجنا من وثيقة الحكم، وتِبعًا للمؤشِّرات الواردة في بنود الاستمارة، البيانات التالية: مدى التزام القاضي بالوضوح في صياغة موضوع الشكوى وطلبات المدّعي ورد المدّعى عليه والأساس القانوني للادّعاء؛ كما حاولنا رصد موضوعية الصياغة لدى تحديد طبيعة الجرم. وفي حيثيات القرار، حدّدنا طبيعة أداء القاضي المتمثّلة بما يلي: درجة وضوح التعليل وعرض وقائع القضية وتحديد وسائل الإثبات المعروضة من الأطراف خلال مسار الدعوى وتحديد السند القانوني الذي بنى عليه القاضي حكمه؛ يضاف إلى ذلك كلّه، تحديد مضمون الحكم وطبيعة العقوبة ومضمونها وقيمتها. في التدقيق في سلوك القاضي، حاولنا البحث عمّا إذا كان القاضي قد استقصى أسبابًا للتخفيف، أو
(((4 معدلة وفقًا للمرسوم الاشتراعي 20 تاريخ 1985/3/23، «يجب أن يتضمن الحكم البيانات التالية: 1– صدوره باسم الشعب اللبناني، على أن يذكر ذلك صراحة فيه. 2– اسم المحكمة التي أصدرته. 3– أسماء القضاة الذين اشتركوا في إصداره. 4– اسم ممثل النيابة العامة الذي يكون قد أبدى رأيه في القضية. 5– مكان وتاريخ إصداره. 6– أسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم. 7– أسماء وكلاء الخصوم. 8– حضور الخصوم وغيابهم. 9– خلاصة ما قدموه من طلبات وأسباب لها ومن أسباب دفاع ودفوع. 10– خلاصة ما استند إليه الخصوم من الأدلة والحجج القانونية. 11– رأي النيابة العامة في حال وجوده. 12– أسباب الحكم وفقرته الحكمية. تعد
البيانات الواردة في الأرقام 2 و 6 و 9 و 12 المدرجة سابقًا إلزامية تحت طائلة بطلان الحكم. ويجب أن يتضمن الحكم أيضًا، تحت
طائلة البطلان، حل لجميع المسائل المطروحة من الخصوم وأن يبين الأسباب الملائمة لذلك. لا يترتب على إغفال أو عدم صحة أحد البيانات الإلزامية بطلان الحكم فيما إذا ثبت بأوراق بمحضر المحاكمة أو بأي طريقة أخرى أن أحكام القانون قد روعيت في الواقع.»
اعتمد على اجتهاد سابق، أو توسّل اتفاقية دولية، أو قدّم تأويلً خاصًا للواقعة أو أوضح الدليل الذي
شكل قناعته؛ وذلك بهدف رصد لجوء القاضي إلى استخدام الهامش المسموح به قانونًا لدى إصداره الحكم. ولا يفوت الناظر إلى هذه الأحكام أنّ شكل الحكم ومضمونه منمّطان بدرجة عالية؛ إذ نحن
لم نجد أي تدخّل للقاضي خارج الإطار الصارم، بل جاء عرض مسار المحاكمة تكرارًا للنموذج نفسه
في أكثر الأحكام. كان لافتًا استخدام بعض القضاة نموذجًا محضّرًا سلفًا للحكم، يقومون بملء بنوده المخصّصة لأسماء
الخصوم وتاريخ الدعوى، وغير ذلك، وتأتي الأحكام متطابقة، لتبدو الدعاوى، على اختلافها، متشابهة حتى في تفصيلاتها؛ ما دفعنا إلى إضافة بندٍ أخير على الاستمارة، هو «استخدام نموذج مسبق.» ولاحظنا أن القضاة الرجال هم حصرًا من يستخدم هذا النموذج المذكور.
ثالثًا: نتائج الدراسة: دوائر الالتقاء ومساحات الافتراق
سنعمد إلى قراءة نتائج الدراسة الميدانية من خلال مقارنة ممارسة القاضيات والقضاة، وفقًا لمعيار احترام القواعد الواردة في النصوص القانونية، وبشكل خاص قانون أصول المحاكمات المدنية التي حدّدت واجبات القاضي ومضمون الحكم. ومن ثمّ سنبحث في العناصر التي تساهم في تحديد
الدور الاجتماعي للقاضي والأبعاد الاجتماعية للحكم. ويُعتبر نوع العقوبة وشدّتها، وبعض الصفات
الشخصية للمتقاضين وظروف الجرم أيضًا، من الهوامش المتروكة للقاضي والمرتبطة بصلاحياته في
(((4 نقدّم، في ما يلي، وصفًا لوثيقة المحاكمة: بعد الإعلان عن أن المحاكمة تجري «باسم الشعب اللبناني»، يتكرر في كلّ وثيقة
ثبت بمعطيات تطول إلى الظروف المتعلّقة بشكوى المدّعي وهوية المتّهم الشخصية، ومسار الدعوى في المواقع الأمنية أو
القانونية، كون المحاكمة جرت غيابيًا أو وجاهيًا... إلى غير ذلك. يلي ذلك قسم أوّل بعنوان «في الوقائع»؛ فيه سرد بشكوى المدّعية
أمام المحكمة المحلية. ومضمون التحقيق الذي يكون قد أجري فور وقوع الاعتداء – موضوع الشكوى – في مركز الأمن (المخفر)، وردّ المتّهم على الشكوى، حيث يقدّم، في العادة، روايته الخاصة لدحض الشكوى، ويلي ذلك موقف المدّعي من الدعوى، المضي
بها أو إسقاطها. القسم الثاني، بعنوان «في الأدل ة» التي تأيّدت بالوقائع، وهذه بمنزلة عناوين شديدة التلخيص، تتكرر في كلّ محاكمة
تقريبًا، لعلّ أهمّها «التحقيقات الأوّلية والابتدائية» وغيرها من الأدلّة التي تشكّل قاعدة للحكم. القسم الثالث، بعنوان «في القانون »،
يتمثّل بإعادة صوغ المعطيات المثبتة في الوقائع والتحقيقات والأدلّة للوصول إلى حجّة متماسكة تشكّل قاعدة تبرّر «قناعة »
القاضي، أو ما يمليه عليه «وجدانه»، بأن ما تجمّع لديه من المعطيات يتواءم مع مادّة، أو أكثر، من قانون العقوبات، وتستحق بذلك
العقوبة المتضمّنة في المادّة، أو الموادّ ذات الصلة. في نهاية الوثيقة، إعلان الاستنتاج المنطقي للأجزاء التي سبقته من أجل إصدار
الحكم بالبراءة أو التجريم على شكل نقاط، بدءًا بثبت العقوبة القصوى، ومن ثمّ التخفيف أو التشديد، ثم الإدغام، يليه عقوبات
ذات صلة بحقوق المحكوم المدنية، ويأتي ثانيًا حكمٌ بتكبيد أحد طرفَي الادّعاء نفقات الدعوى. ويذيَّل، أخيرًا، بتوقيع الرئيس
والمستشارَين، وكاتب محضر المحاكمة. في محكمة التمييز، هناك فقرة إضافية في بداية وثيقة الحكم تلخّص ما جاء في حكم
محكمة الجنايات، وتقدّم علّة مراجعة الحكم الصادر عنها «في الشكل والأساس» ونقض القرار المطعون فيه لأجل تبرير ضرورة
إجراء المحاكمة مجددًا «وفقًا للأصول.» ((4(ينظر: الحاج سليمان وبيضون، الفصل الثاني من الباب الثاني، حيث شكّلت النتائج الموسعة محوره. (((4 وهو القانون المعدل بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 90 الصادر في 1983/9/16، والذي سنعبر عنه في متن نصنا بالأحرف التالية أ. م. م. (((4 المادة 4 أصول محاكمات مدنية: «لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفًا عن إحقاق الحق:... أن يتأخر بغير سبب عن إصدار الحكم.» (((4 المادة 537 من قانون أصول المحاكمات المدنية المذكورة سابقًا.
التقصّي عنها وتشكيل قناعاته الشخصية. لكن قبل الغوص في المقارنة بين أداء كلّ من الجنسين، لفتنا أن تغيير مركز القاضي أو ما يُعرف بالتشكيلات القضائية أو المناقلات القضائية، يُظهر أيضًا فروقًا جندرية في تعامل السلطة المعنية وخياراتها. بيّنت نتائج الدراسة فروقًا في اختيار القضاة ونقلهم من مراكزهم، خصوصًا في مرحلتي التشكيلات
الأخيرتين، حيث تنحو السلطات إلى إبقاء القضاة الرجال في مراكزهم أكثر من القاضيات النساء. وأظهرت نتائج دراستنا أنّه لم يكن من شأن بقاء القضاة الرجال في مركزهم أكثر من خمس سنوات، الإسراع مثلً في إنجاز الملفات العالقة في المحكمة. دفعتنا هذه النتيجة إلى التساؤل عن استقلالية محتملة لدى النساء القاضيات عن السلطة السياسية أكثر من الرجال، خصوصًا أنّ مركز بعبدا هو من المراكز المرغوب فيها، سواء لناحية المكان الجغرافي القريب من العاصمة أو لناحية صلاحيات القاضي المكانية التي تشمل منطقة ضاحية بيروت الجنوبية وجزءًا من محافظة جبل لبنان.
1. في ما يتعلق بأمد المحاكمة
ننطلق من معيار العدالة المرتبط بأمد المحاكمة، من مبدأ أنّ العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة، تخالف مبادئ المحاكمات العادلة التي تناولتها مختلف إعلانات حقوق الإنسان. وفرض المشرّع
اللبناني على القاضي عدم التأخّر في إصدار الحكم، ويؤخذ في سبيل تحديد أمد المحاكمات معيار «المهل المعقولة» raisonnable Délai، ما يترك مجالً لتقدير مرتبط بخصوصية الدعوى وتفصيلاتها وعدد المتقاضين. أظهرت نتائج عيّنة الدراسة أنّ القاضيات المنفردات في قضاء بعبدا يَمِلْن إلى إصدار الحكم، في
القضية الموكل إليهن الحكم بشأنها، أسرع من زملائهن القضاة المنفردين في القضاء نفسه، مع ملاحظة أنّ المحاكمات التي طالت مدة تفوق العشر سنوات، صدرت بأغلبيتها عن قضاة رجال، بينما صدرت أحكام أغلبية المحاكمات التي لم تتجاوز السنة والنصف السنة، عن قاضيات نساء.
((4(ترتبط المناق ت القضائية بالسلطة القضائية والسياسية على حدّ سواء؛ إذ يقدّم مشروع التشكيلات القضائية من مجلس
القضاء الأعلى إلى وزير العدل الذي يحيله إلى الحكومة، سندًا للمادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي. وشك ل هذا التداخل في
الصلاحيات أهمّ سبب للمناداة بإقرار قانون يتعلق باستقلال السلطة القضائية من خلال المعايير العالمية الحديثة، لأن الممارسة في
لبنان أدّت إلى تداخل سياسي طائفي حاد في مشاريع التشكيلات القضائية المختلفة كلها. (((5 التي بحثنا عنها في الاستمارة من خلال البحث عن مدة بقاء القاضي في مركزه. (((5 هي المهلة التي تدخل ضمن الفترة الزمنية لبحثنا. هذه التشكيلات تمّت في 2014/5/29 و.2017/10/10 (((5 هذا في وقت تطالب هيئات المجتمع المدني باعتماد مبدأ عدم نقل القاضي من دون رغبته وشيوع ممارسات تفيد أن التشكيلات القضائية في لبنان غير مرتبطة بمعايير موضوعية وعملية، أو بمدى فاعلية العمل في الدائرة القضائية المحددة. (((5 المادة 4 أ. م. م. (((5 في كلّ مرّة تجري مقارنة أداء القضاة والقاضيات، تكون النتيجة ذات دلالة إحصائية، أو لا تكون (عتبة الدلالة هي.)0.001
كما أشارت نتائجنا إلى أنّ القاضيات النساء يسعين لإنهاء المحاكمات التي قُدّمت أمامهن، في حال بق ين في المركز نفسه. أما الرجال فلا يظهر فارق في اهتمامهم في إنجاز الملفات المقدمة أمامهم حتى وإن طالت مدة استلامهم المركز نفسه. علمًا أن القضاة الرجال بقَوْا في مراكزهم فترة أطول من القضاة النساء. أما لناحية سنّ القاضي وخبرته المهنية، فأظهرت نتائج دراستنا فروقًا بين أداء كلّ من النساء والرجال في هذا السلك؛ إذ تصدر النساء الأكبر سنًا أحكامهن بسرعة أكبر من النساء الأصغر، بينما لم تظهر النتائج الصادرة عن عينتنا فرقًا بين الرجال الأكبر سنًا من الرجال الأصغر، بالنسبة إلى المدة الزمنية التي يستغرقها الحكم. كما أظهرت النتائج أنّ النساء اللواتي جرى تعيينهن قبل عام 2011 يُصدرن أحكامهن في فترة زمنية
أقصر من اللواتي عُينّ في مناصبهن بعد عام 2011، حيث لم يظهر فرق بين القضاة الأقدم والأحدث
تعيينًا، بالنسبة إلى المدة التي يستغرقها إصدار الحكم. تفيد هذه البيانات بأنّ المرأة التي تتمرّس في عملها، تصبح أكثر ثقة بأحكامها، ويكون لعامل العمر
والخبرة الأثرُ نفسه في الإسراع في إنجاز المحاكمات. هذه النتيجة هي من بعض ما توصّلت إليه
الدراسات التي أجريت في الدول الغربية.
2. في ما يتعلق بمضمون الحكم ووضوحه
كان لافتًا في أثناء استخراج بيانات الاستمارة من الأحكام، وجود نماذج متشابهة مطبوعة سلفًا من الأحكام وفقًا لطبيعة الجرم، يقوم القاضي/ القاضية بملء الفراغ المتعلق بأسماء الخصوم وتواريخ الادّعاء. ما جعل الكثير من الأحكام متشابهةً في الشكل والمضمون، وكأنّ أطراف الدعوى لا خصوصية لهم كي ينظر القاضي من خلالها، أو يعمل، عبر التعليل، على توضيح غيابها. فجاءت هذه الأحكام خالية من الكثير من البيانات، الأمر الذي أفقد الحكم أبعاده الواقعية. هذه الأبعاد هي التي تساهم في تقريب القاعدة المجرّدة من خصوصية الحياة البشرية، أو ما يُعرف بأنسنة القاعدة. عمدنا إلى البحث عن الفروق الجندرية في أداء القضاة، وكانت النتائج متشابهةً في بعض المتغيّرات،
ومتمايزةً في متغيّرات أخرى وفق الآتي: يميل القضاة (الرجال) إلى اعتماد نموذج محضّر سلفًا بدرجة أكبر بكثير من القاضيات؛ إذ لم تتضمّن
عيّنتنا أيّ حكم صادر عن قاضية وفقًا لنموذج مسبق التحضير، حيث تميل القاضيات إلى صياغة
شخصية، غير منمّطة، ما يشكّل دليلً على احترام موجب الرعاية والعناية الملقى على عاتق القضاة في
أخلاقياتهم المهنية من خلال متابعة متنبّهة لخصوصية كلّ قضية لديهن، وربما يكون البعد الشخصي
مرتبطًا بالرغبة في «إثبات الذات» الأنثوية مهنيًا في سلكٍ بقي، وحتى أمدٍ قريب، ذكوريًا حصرًا.
(((5 مراجعة الأدبيات في الفصل الثاني من الباب الأول، في: الحاج سليمان وبيضون. (((5 على ما أظهرنا في الفصل الأوّل من الباب الأول، في: المرجع نفسه.
في تحديد عناصر الحكم المختلفة، وفقًا لبنود المادة 537 أ. م. م، تبيّن في نتائج العينة أن القاضيات
النساء يمِلْن إلى عرض الوقائع في حيثيات القرار القضائي، أكثر من القضاة الرجال. كما يَنْحون إلى
تقديم الوصف القانوني للوقائع في حيثيات قراراتهن بدرجة أكبر من القضاة الرجال. في ما يتعلّق بوسائل الإثبات المقدّمة من فريقي الادعاء والمدّعى عليه، وتلك التي شكّلت قناعة
القاضي ومدى وضوحها في الحكم، جاءت النتيجة لتبيّن أنّ القاضيات يم لن إلى تعداد وسائل الإثبات
في مرحلة الأدلّة، أكثر من القضاة، ويميل القضاة (الرجال)، أكثر من القاضيات، إلى الاستناد إلى قاعدة في أصول المحاكمات الجزائية في الفقرة الحكمية، من دون تحديد أي وسيلة إثبات شكّلت قناعته، ومن دون أن يذكروا الأدلّة المعتمدة في أثناء النزاع. وشكّل مبدآ «حرية الإثبات» أو «الشكّ لمصلحة المدّعى عليه»، أو ما يُعرف بقرينة البراءة، أساسَين واضحَين في الفقرات الحُكمية في الأحكام الصادرة
عن قضاةٍ رجال. يعتبر عرض الوقائع والأدلّة المدخلَ الذي يساعد القاضي في تعليله الحكم الصادر عنه وكيفية تطبيق النصّ المجرد. لذا يفترض أن يتضمّن كلّ حكم تعليلً واضحًا ووافيًا؛ وعلى غرار الدراسات الصادرة
عن الدول الغربية حول الفرق في الأداء بين القضاة الرجال والنساء، أكّدت نتائجنا أن القاضيات النساء ينحون إلى التعليل بالتفصيل، أكثر مما يفعل القضاة الرجال. آثرنا البحث عن اختلاف بين القضاة الرجال والقاضيات النساء في توضيح ما إذا كانت المحاكمة جرت بحضور الخصوم أو غيابهم، ما يشكل سببًا لطبيعة الحكم، وما ينعكس لاحقًا على حقوق
المتقاضين. وركّزنا على ذلك انطلاقًا من المادّة 537 أ. م. م التي تعتبر، صراحة، هذه المعلومة
من البيانات المهمة التي يجب ذكرها في متن الحكم الصادر، وإن لم تكن سببًا مُبط لً للحكم. ولفتنا
خلال مرحلة استخراج البيانات إغفال القضاة والقاضيات ذكر طبيعة الحكم. في مقارنة النتائج التي خلصت إليها المحاكمات، تبيّن لنا أنّ القاضيات يم لْن أكثر من القضاة إلى
الإدانة، بينما يميل القضاة إلى الحكم بالبراءة أكثر من القاضيات، وذلك مرتبط بالدليل المستقى على ارتكاب الجرم. لكن، تميل الفئتان إلى إبطال التعقّبات بالدرجة نفسها، وذلك في الحالات التي لا يتحقّق فيها الجرم. ففي بحثهم المتعلّق بموضوع الدعوى، حول تحقّق الجرم وتوافر عناصره، يتشابه عمل القضاة، نساءً ورجالً. أظهرت نتائج عيّنة الدراسة أيضًا فروقًا جندرية على صعيد اختيار نوع العقوبة، حيث تحكم القاضيات
بغرامة مالية، أكثر مما يحكمن بحجز الحرية، في حين يحكم القضاة بالحبس أكثر مما يحكمون بغرامة مالية. وعند تعمّقنا بشدّة العقوبة وحجمها، تنحو القاضيات النساء إلى تكبيد المدّعى عليهم غرامة
مالية أكبر قيمة من زملائهن القضاة الرجال، خصوصًا أنهنّ ينتهجن اختيار الغرامة عقوبة أساسية. أمّا
عند اختيار السجن عقوبة مناسبة للجرم المرتكب، فيظهر أنّ النساء لسن أقلّ تشددًا من الرجال في
(((5 في البند 8 من الفقرة الأولى.
معاقبة المذنب على جريمته حبسًا. كما تأخذ القاضيات في الحسبان الأضرار الواقعة على الأشخاص،
فيَمِلن، أكثر من القضاة، إلى الحكم بالتعويض المالي على المدّعي، تبعًا لمبدأ وجوب تحصيل الحقوق الشخصية، كما الحق العام.
3. في الهوامش الاجتماعية لحكم القاضي
آلينا البحث عن الهوامش التي يمكن أن يتدخّل القاضي من خلالها بما يسمح بتفعيل دوره الاجتماعي والأبعاد الاجتماعية للقرار. فكان واضحًا غياب أي دور لدى كل من القضاة الرجال والقاضيات النساء؛ ولم يظهر أي فرق ذي دلالة بين القاضيات والقضاة إزاء الميل إلى التخفيف. واخترنا البحث عن أسباب التخفيف نظرًا إلى كونها متعلقة باستنسابية القاضي، أكثر من أسباب التشديد. كما لم يأخذ القضاة، ولا القاضيات، في الحسبان علاقة القربى بين المدّعي والمدّعى عليه، لا في تعيين مدّة السجن، ولا في تحديد قيمة الغرامة مهما كان نوع الجرم؛ إذ تطلق الفئتان أحكامهما بالسجن أو الغرامة، بالشدّة ذاتها، سواء كان المتقاضون أقرباء أم لا. علمًا أن كلا الجنسين من القضاة لم يُظهر في الحكم مواصفات خاصة للمدّعى عليهم، ما كان سيسمح لنا بالبحث عن أثر الظروف الشخصية في الجرم، ومن ثم في العقوبة، وذلك على الرغم من أنّ صفات المدّعى عليه تشكّل عنصرًا أساسيًا، سندًا لما اشتَرطت ذكره المادة 537 أ. م. م. في متن الحكم. واكتفى القضاة، كما القاضيات، بذكر أسماء الخصوم وألقابهم من دون تحديد صفات إضافية. ولم يسعَ القضاة، أسوة بالقاضيات، لتحديد جنسية المتقاضين أو سنّهم أو غيرها من الصفات، مثل الوضع الاجتماعي أو ظروفهم المعيشية. ولم ينعكس غياب توضيح المشرّع معنى هذه الصفات، مرونةً لدى القضاة في البحث عن صفات خاصة بكلّ دعوى، إنما ظهر التغاضي عن مضمونها وخصوصيتها لدى القاضيات النساء على غرار القضاة الرجال. كما أثبتت نتائج العيّنة أنّ القاضية لا تنحو إلى التعاطف مع المرأة المدّعى عليها، أكثر من الرجل المدّعى عليه، ولا يتعاطف القاضي الرجل مع أبناء جنسه المدعى عليهم من خلال البحث عن أسباب تخفيف، أو الحكم بعقوبة بحدّها الأدنى. وفي ذلك نقض للأفكار الشائعة حول عدم حيادية المرأة في ممارستها القضائية. أظهرت لنا الإجابات عن الأسئلة التي طرحناها، بناءً على العناصر المستخرجة في الاستمارة، أداء مؤسساتيًا مختلفًا بين القضاة والقاضيات، إلّ أنها أظهرت تطابقًا في أداء كلٍّ من الفئتَين، لناحية تطبيق القاعدة القانونية وغياب استخدام الهوامش التي تركها القانون للقاضي.
(((5 تناول البند 6 من الفقرة الأولى من المادة 537 أ. م. م. معطوفًا على الفقرة الثانية من المادة نفسها، وجوب أن يتضمن الحكم، تحت طائلة البطلان... «أسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم.»
خاتمة
ما عادت قضية مشاركة المرأة في القضاء، على غرار مشاركتها في مراكز القرار كلها، مجرّد حق تُطالب
به النساء وهيئات المجتمع المدني لفئة مهمشة في المجتمعات، بل هي مرتبطة بطريقة مباشرة وغير مباشرة بالديمقراطية وآلياتها الحديثة، لما تتضمّنه من صحة التمثيل والإشراك في القرار، ولما تؤول إليه
من نتائج ذات بعد اجتماعي. تناولت أهداف خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، العوامل المختلفة المرتبطة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في أثر التحولات التي واكبت المجتمعات مع دخولها في النظام النيوليبرالي. وجعلت هذه الأهداف من القضاء، باعتباره سلطةً مستقلةً في الدول، محطَّ أنظار ومحور دراسات، لما له من دور كسلطة قرار من ناحية، ولما له من أثر في المجتمعات لجهة تحقيق العدالة، من ناحية أخرى. وعلى غرار المجتمعات التي تأثّرت بالتحولّات الاقتصادية والاجتماعية كلها، شملت هذه
الأخيرة القضاء في تكوينه وآثار أدائه الاجتماعية. وإن اختلفت نظرة المنظمات الدولية في مقاربتها هذا الدور بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أثر الحرب العالمية الثانية، وبداية الألفية الثالثة مع خطة التنمية المستدامة، بقيت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ذات قيمة قانونية معنوية وأخلاقية أعلى على مستوى القانون الوضعي. إلّ أنّ النظام النيوليبرالي طرح بُعدًا جديدًا للقاعدة القانونية، مُدخ لً في تفعيلها القاعدة الأخلاقية
ضمن ما عرف ب «المسؤولية الاجتماعية»، وما عاد ممكنًا التغاضي عن دور السلطة القضائية المعنية بتنفيذ هذه القوانين وابتكارها وتفعيلها على المستوى الاجتماعي والتفاعل مع هذا المجتمع من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية على قاعدة المساواة واحترام حقوق الإنسان. وكما تركت العولمة آثارًا في تقارب المجتمعات وتفاعلاتها وتوحيد القوانين في مجالات مختلفة،
فإن لها أثرًا في تقارب الأنظمة القانونية المكتوبة والعرفية، ومن ثم، الأنظمة القضائية المعتمدة في
كلٍّ منها. وأصبح المبدأ المعروف ب «حكم القانون» مبدأ جًامعًا عالميًا على حساب القاعدة القانونية
المرتبطة بسيادة دولة محددة. ويقوم هذا المبدأ المبني على المساواة في تطبيق القاعدة والبحث عن العدالة من خلال سلطة قضائية مستقلة وحيادية، أيضًا على احترام المبادئ التي طُرحت في القواعد العالمية لحقوق الإنسان Homme ’ l de Droits في جيلها الثالث، التي تتّصف بدورها بالعالمية، والتي أصبحت تعرف بالحقوق الإنسانية humains Droits. ضمن هذا السياق الحديث، طُرح مفهوم المسؤولية الاجتماعية على شكل التزام أخلاقي بغية دعم
(((5 طرحت هذه المقاربة بدايةً في مشروع ال compact Global في عام 2000، التي أدخلت، إضافة إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان المتمثلة بالإعلان العالمي لعام 1948 والعهدَين الدوليَين لعام 1966 كمبادئ أخلاقية عُليا، مبادئ حماية البيئة ومكافحة
الفساد. وتبلور هذا من خ لاا خطة التنمية المستدامة ل مأأم المتحدة لعام 2030 التي أعلن عنها في عام 2015. يراجع: عزة
الحاج سليمان، «قياس الزمن في القانون»، في: جين سعيد المقدسي وآخرون (تحرير)، الزمن: مقاربات وشهادات، كتاب باحثات 17 (بيروت: تجمّع الباحثات اللبنانيات، 2017)، ص.285
الالتزام القانوني الذي فشل في تحقيق التوازن الاجتماعي. وتقوم هذه المسؤولية، كتوجّه غير ملزم،
أساسًا، على احترام القاعدة القانونية الملزمة، احترامًا لحكم القانون، حيث لا تتحقّق المسؤولية
الاجتماعية إن لم يكن الأطراف قد احترموا التزاماتهم القانونية. يتطلّب هذا التوجّه، وإن كان يطرح وجودًا للقاضي الاجتماعي، قبل كل ذلك، أن يكون للقاضي
التقليدي دورٌ اجتماعي ينعكس من خلال دوره التقني المتعلق بتطبيق القاعدة المكتوبة. ولعل الأثر
الاجتماعي لدور القاضي كان، وسيبقى، مرتبطًا بالعدالة المنشودة و«أنسنة» القاعدة القانونية العامة والمجردة، من خلال تطويعها وفقًا لوقائع القضايا المطروحة، لتصبح لصيقة بحياة الأفراد وواقعهم بما يضمن الاستقرار الاجتماعي؛ إذ ما فتئ هذا الدور التقني أن تطوّر ليشمل المسؤولية الاجتماعية
للقاضي عندما يسعى للبحث، وفقًا للهوامش المتعلّقة بدوره، عن أبعاد جديدة للقاعدة القانونية من خلال مواكبة الواقع الاجتماعي والتزامًا بالتوصيات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان. فتدخل من
خلال هذا الأداء مسؤوليته الاجتماعية. أظهرت دراستنا تقاربًا في الأداء بين القاضيات النساء والقضاة الرجال على صعيد التطبيق التقني للقاعدة
القانونية المتعلقة بموضوع الدعوى؛ لكنّها بيّنت تميُّزًا لدى القاضيات في تفعيل النصوص القانونية
الصلبة التي لم يلحظ المشرِّع إلزامية تطبيقها، مثل احترام المُهل المعقولة لإنهاء المحاكمة واحترام
بيانات الحكم/ وثيقة المحاكمة التي لحظها المشرع، وفي تفعيل بعض القواعد الأخلاقية والسلوكية لدور القاضي، مثل احترام الأسس العلمية لإصدار الحكم وتوضيح الأدلة المستخدمة في الدعوى وتقديم وثيقة مقنعة. هذه القواعد التي كُرِّست ضمن المدوّنات السلوكية، وتمثّل جزءًا ممّا يعرف
بالقوانين الليِّنة. في المقابل، يظهر القضاة الرجال أكثر تلكّؤًا في اعتماد الكثير من القواعد القانونية
المحدّدة نصًّا، وإن كانت هذه القواعد تُعدّ شكلية، ولا تؤثّر دائمًا في صحّة الحكم، عند إصداره. لم تظهر الضوابط القانونية التي وُضعت على سبيل حثّ القاضي على تنظيم عمله وتسريع المحاكمات،
في نتائج دراستنا بما يحقّق الغاية المرجوّة منها. كما بقيت الهوامش التي أفردها المشرّع للقاضي
معلقة لدى القضاة والقاضيات، فأغفل كل منهما المواصفات الشخصية للخصوم، واستخدام اتفاقات دولية ومبادئ مرتبطة بحقوق الإنسان أو اجتهادات سابقة تسمح للقاضي بالبحث عن تفسير محدّث للقواعد القانونية التي ناهز عمرها الثمانين عامًا. بذلك، فإن الدافع لوجود النساء في سلك القضاء هو لتمثيل فئات اجتماعية كانت مغيَّبة عنه سابقًا،
وإن بيّن تفعيلً لأداء عمل مؤسساتي نمطي، إلّ أنه لم يساهم في تحوّلٍ حقيقي في أداء هذا السلك بما
يخدم البعد الديمقراطي المنشود، بالعودة إلى سؤالنا الرئيس: هل أضافت النساء إلى سلك القضاء؟ بينت نتائج دراستنا الميدانية أن النساء القاضيات أضفن تعزيزًا لعمل القضاء التنظيمي المؤسساتي، لكنّ إسهامهن في الاستجابة لأدوار القضاء الجديدة المفترضة، بقي ضامرًا، فلم نلمس في ممارساتهن
(((6 صدر قانون العقوبات اللبناني في.1943/3/1
القضائية تفعيلً لهذه الأدوار ولا تطويرًا جدّيًا لها؛ وهن بذلك متساويات مع زملائهن الرجال في أداءٍ
مهني تكراري يُراكِم «مزيدًا من الشيء نفسه.»
References
المراجع
العربية
بيضون، عزّه شرارة. جرائم قتل النساء أمام القضاء اللبناني. بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال،.2008.________ مواطنة لا أنثى. بيروت: دار الساقي،.2015 جمهوري، ليلى عازوري. الدراسة الإقليمية التحليلية لمشروع حقوق المرأة الإنسانية: علامات مضيئة في أحكام القضاء العربيالقاهرة: منظمة المرأة العربية،.2013 المقدسي، جين سعيد وآخرون (تحرير.) الزمن: مقاربات وشهادات. كتاب باحثات 17. بيروت: تجمّع
الباحثات اللبنانيات،.2017 الحاج سليمان، عزة وعزّه شرارة بيضون. نساء لبنان في سلك القضاء: تعزيز السائد وتعليق الهوامش. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 الحاج سليمان، عزة ولور أبي خليل. «أزمة مفقودي الحرب الأهلية في لبنان وإرساء معايير العدالة الانتقالية، المعتقلين في السجون الاسرائيلية». ورقة قدمت في المؤتمر السنوي الثامن للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول قضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، « العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة، والتاريخ، والذاكرة». تونس 23–21 تشرين الثاني/ نوفمبر.2019 الحويّك، دانيال ورفيف رضا صيداوي وأميرة أبو مراد. جرائم الشرف بين الواقع والقانون. بيروت:
الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة،.2007 «خطة التنمية المستدامة 2030 الصادرة عن الأمم المتحدة في عام 2015:». في https://bit.ly/3358Fca زلزل، ماري روز. قانون /293 2014: لحماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري أمام القضاء الجزائي، من 2014/4/8، 2015/10/30. بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال،.2016 الزين، حسين. المعجم القضائي اللبناني: 2019–1919، بيروت: [د. ن]،.2019 غصوب، عبده جميل. قانون /293 2014: لحماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري: جردة حساب بعد مرور سنتين على تطبيقه. بيروت: منظمة كفى عنفًا واستغلالً للنساء والأطفال،.2016
غمرون، سامر. «من يخاف من أكثرية نسائية في القضاء اللبناني؟». المفكرة القانونية.2015/3/21.
في: https://bit.ly/3cI3Bh9
كرامة، لمى. «توجّهات المحاكم في قضايا الاغتصاب في بيروت وجبل لبنان.» المفكرة القانونية.
كرامة، لمى ونزار صاغية. «تأنيث القضاء: أي مناصب؟ أي وظائف؟ أي مناطق؟.» المفكرة القانونية.
2011/10/18:. في https://bit.ly/3mYcPe0
المرأة في السلك القضائي: نقطة انطلاق نحو تحقيق العدالة بين الجنسين. بيروت: الإسكوا – الأمم
المتحدة، 2018:. في https://bit.ly/2G3wZCE
المرأة في القضاء في الدول العربية: إزالة العقبات وزيادة المشاركة. بيروت: الإسكوا –الأمم المتحدة،
2019:. في https://bit.ly/36g5ikH
الأجنبية
Bullier Antoine. La common law. 3 ème éd. Paris: Dalloz, 2012. Ost Francois. Juge pacificateur, juge arbitre, juge entraineur, trois modèles de justice. Bruxelles: Presse de l’Université Saint–Louis, 1983. at: https://bit.ly/344NQNf Terré François. Introduction générale au droit. 9 ème éd. Paris: Dalloz, 2012.