Return to Article Details Participant Objectivation

المَوْضَعَة المشارِكة.. أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة

Participant Objectivation

بيار بورديو | Pierre Bourdieu *

ترجمة الحبيب الدروي ش | Habib Derouich **

الملخّص

* سوسيولوجي فرنسي.)2002–1930(** أستاذ محاضر في علم الاجتماع، جامعة صفاقس (تونس) وجامعة الملك فيصل (المملكة العربية السعودية.) *** نُشرت هذه الدراسة في الأصل في: العبارة المكمِّلة للعنوان «أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة» غير واردة في النصّ الأصلي، وهي من اقتراح مُراجع الترجمة المولدي الأحمر، الذي نشكره بالمناسبة على الجهد الذي بذله في المتابعة الدقيقة لهذا العمل (المترجم.)

Abstract

On December 6, 2000, the Royal Institute of Anthropology in London celebrated the great French sociologist Pierre Bourdieu and awarded him the famous Huxley Medal. On this occasion Bourdieu gave what was perhaps one of the most profound lectures of his life, concerning the delicate matter of the deep– rooted and inherent, ambiguous, and cognitively influential relationship that arises between the knowing subject and its object, or in other words answering the question: What is reflexive sociology? The lecture was first published posthumously (in 2002) – translated from French into English – in Volume 9 of the Journal of the Royal Institute of Anthropology (2003), and later the same year in its original form in the journal that had been supervised by Bourdieu himself – Actes de la recherche en sciences sociales (ARSS), volume 150. In this lecture, Bourdieu explains in depth the difference between deconstructing the narcissistic dimension in the relationship of the knowing subject with the subject, and the deconstruction of social conditions that produce and position the knowing self itself, as a positioned subject. In so addressing this topic, Bourdieu takes on his many and diverse opponents, from Roland Barthes to Geertz, Fischer, R. Rosaldo and the so–called "post–modernists" – and many others besides them. Because of the epistemological import of this lecture, and to enable it to make a broad theoretical contribution to Arab sociological production at its core, Omran is publishing a precise Arabic translation of the text – based on its original French version – in the hope that we can provide a valuable service to Arabic readers in the field and to critical studies in Arabic.

الكلمات المفتاحية:
  • المَوْضَعَة المشارِكة
  • بيار بورديو
Keywords:
  • Participant Objectivation
  • Pierre Bourdieu

المَوْضعَة المشارِكة أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة ***

ملخص: في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2000، احتفى المعهد الملكي للأنثروبولوجيا بلندن بعالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيار بورديو، بأن أسند إليه ميدالية هوكسلي Huxley الشهيرة. وفي هذه المناسبة، قدم بورديو محاضرة، ربما هي أعمق المحاضرات التي قدمها في حياته، في مسألة دقيقة شرح فيها كيفية معالجة العلاقة المتأصلة والغامضة، والمؤثرة معرفيًا، التي تنشأ بين الذات العارفة

وموضوعها، أو بتعبير آخر أجاب فيها عن سؤال: ما السوسيولوجيا الانعكاسية؟ نُشرت المحاضرة

أولً بعد وفاة صاحبها (سنة 2002) – مترجمة من الفرنسية إلى الإنكليزية – في «مجلة المعهد الملكي للأنثروبولوجيا» J. Roy. anthrop. Inst. المجلد 9 سنة 2003، ثم نشرتها في صيغتها الأصلية، وفي السنة ذاتها، مجلة «أعمال البحث في العلوم الاجتماعية» Actes de la recherche en sciences sociales التي كان يشرف عليها بورديو، المجلد 150. في هذه المحاضرة، يوضح بورديو بعمق الفرق بين تفكيك البعد النرجسي في ع قااة الذات العارفة بالموضوع، وتفكيك الشروط الاجتماعية المنتجة للذات المموضعة في حد ذاتها. وخ لاا ذلك، يحاجّ بورديو في

هذا الموضوع خصومه الكُثر والمتنوعين، من رولان بارت إلى غيرتز إلى فيشر إلى روزالدو إلى من يُسمون الما بعد حداثيين، إلى كثيرين غيرهم. وللأهمية الإبستيمولوجية التي تكتسيها هذه

المحاضرة، ولأجل أن يكون لهذا الإسهام النظري الكبير حضور في صلب الإنتاج السوسيولوجي العربي على أوسع نطاق، استفادةً ونقدًا، تنشر دورية عمران ترجمة عربية دقيقة للنص – اعتمادًا

على النسخة الفرنسية الأصلية – آملةً أن تكون قد أسدت إلى قرائها خدمة ثمينة في المجال.

* سوسيولوجي فرنسي.)2002–1930(

French Sociologist (1930–2002).

** أستاذ محاضر في علم الاجتماع، جامعة صفاقس (تونس) وجامعة الملك فيصل (المملكة العربية السعودية.)

Associate Professor in Sociology, University of Sfax (Tunisia) and King Faisal University (Saudi Arabia).

*** نُشرت هذه الدراسة في الأصل في:

Actes de la Recherche en Sciences Sociales , vol. 150 (2003), pp. 43–58.

العبارة المكمِّلة للعنوان «أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة» غير واردة في النصّ الأصلي، وهي من اقتراح مُراجع

الترجمة المولدي الأحمر، الذي نشكره بالمناسبة على الجهد الذي بذله في المتابعة الدقيقة لهذا العمل (المترجم.)

Abstract: On December 6, 2000, the Royal Institute of Anthropology in London celebrated the great French sociologist Pierre Bourdieu and awarded him the famous Huxley Medal. On this occasion Bourdieu gave what was perhaps one of the most profound lectures of his life, concerning the delicate matter of the deep– rooted and inherent, ambiguous, and cognitively influential relationship that arises between the knowing subject and its object, or in other words answering the question: What is reflexive sociology? The lecture was first published posthumously (in 2002) – translated from French into English – in Volume 9 of the Journal of the Royal Institute of Anthropology (2003), and later the same year in its original form in the journal that had been supervised by Bourdieu himself – Actes de la recherche en sciences sociales (ARSS), volume 150. In this lecture, Bourdieu explains in depth the difference between deconstructing the narcissistic dimension in the relationship of the knowing subject with the subject, and the deconstruction of social conditions that produce and position the knowing self itself, as a positioned subject. In so addressing this topic, Bourdieu takes on his many and diverse opponents, from Roland Barthes to Geertz, Fischer, R. Rosaldo and the so–called "post–modernists" – and many others besides them. Because of the epistemological import of this lecture, and to enable it to make a broad theoretical contribution to Arab sociological production at its core, Omran is publishing a precise Arabic translation of the text – based on its original French version – in the hope that we can provide a valuable service to Arabic readers in the field and to critical studies in Arabic.

لا أحتاج إلى أن أخبركم عن مدى سعادتي وفخري وتشرّفي بأن أحصل على مثل هذا التقدير

المرموق مثل ميدالية «هكسلي»، وأن أدخل في قائمة المنتسبين السابقين إلى هذا الصرح، أو إلى ما يُشبه معبد الأنثروبولوجيا. وأودّ أن أسمح لنفسي، اعتمادًا على التفويض الذي منحتموني إيّاه،

وعلى طريقةِ ساحرٍ عجوزٍ أيضًا ينقل أسراره إلى الآخرين، بمحاولة تقديم تقنية أو طريقة، أو بتعبير أكثر تواضعًا، «عمليّة» خدمتني جيدًا طوال تجربتي البحثية، وهي ما أسمّيه «الموضعة المشارِكة»

participante objectivation (أو بالأحرى موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة). أؤكّد مصطلح «مَوْضعة»، وليس مصطلح «الملاحظة بالمشاركة»، كما اعتدنا قوله. يبدو لي أنّ عبارة «الملاحظة

بالمشاركة»، تشير إلى سلوك الباحث الأنثروبولوجي الذي ينغمس في عالم اجتماعي غريب عنه، ليشاهد نشاطًا أو طقسًا أو احتفالً، أو في أفضل الأحوال المشاركة فيه. نحن نؤكّد دائمًا صعوبة مثل

هذا الموقف الذي يفترض نوعًا من ازدواجية الوعي التي يصعب الإيفاء بها. كيف يكون المرء ذاتًا

باحثةً وموضوعَ بحثٍ في الوقت نفسه؟ وكيف يكون ذاتًا تُمارِس الفعلَ وتقوم، بطريقة ما، بمشاهدة نفسها وهي تفعل؟ من المؤكّد أنّنا على حقّ حين نشكّ في إمكان المشاركة الفعلية في الممارسات غير المألوفة المُدرَجة ضمن تقاليد مجتمعٍ آخر، التي تفترض من هذا المنطلق تعلُّمًا آخر مختلفًا عن

التعلُّم الذي كان الباحثُ واستعداداتُه نتاجًا له، هي إذًا طريقة مغايرة للوجود ومعايشة التجارب التي

ينوي الباحث المشاركة فيها.

ما أعنيه ب «المَوْضَعة المشارِكة» هو مَوْضَعةُ الذات المُمَوْضِعَة، والذات المحلِّلة، أي باختصار، مَوْضعَة

الباحثِ نفسه. وهذا قد يقود إلى الاعتقاد أنّني أستلهم هذا التمشّي من الممارسة التي سنّها، منذ بضع سنوات، بعضُ علماء الأنثروبولوجيا، وخاصّة المُنْتَمين منهم إلى بلدان ما وراء الأطلسي، هذه

الممارسة المتمثّلة في مراقبة الذات التي تلاحِظ، ومراقبة الملاحِظ في أثناء قيامه بعمليّة الملاحظة،

أو في أثناء تسجيل ملاحظاته خلال التجربة الميدانية، وكذلك بالعودة إلى هذه التجربة، وإلى العلاقة بتقارير المخبرين، وأخيرًا وليس آخرًا، بالعودة إلى قصّة جميع التجارب التي تقود، في الكثير من

الأحيان، إلى استنتاج مُحبِط، مفاده أنّ كلّ هذا ليس في نهاية المطاف سوى خطابٍ أو نصٍّ، أو ما هو

أسوأ من ذلك، أي ذريعة للنصّ. يمكن أن نرى أنّني لا أتعاطف كثيرًا مع ما سمّاه كليفورد غيرتز، بعد رولان بارت، «مرض كنّش

المذكرات» Diary Disease. إنّه انفجارُ نرجسيةٍ تقترب أحيانًا من الاستثارة التي تبِعَتْ سنواتٍ

طويلةً من الكبت الوضعي. فالانعكاسية، كما أفهمها، ليس لديها الكثير من القواسم المشتركة مع «الانعكاسية النصّية»، ولا مع جميع الاعتبارات المعقّدة بشكل مصطنع حول «العملية التأويلية

للتفسير الثقافي»، وبناء الواقع من خلال التسجيل الإثنوغرافي، بل إنّها تتعارض مع كلّ نقطة من نقاط

الملاحظة الساذجة للملاحِظ الذي يميل، كما هي الحال مع ماركيز وفيشر أو روزالدو أو حتى غيرتز، إلى استبدال المواجهة مع الحقائق الصعبة للميدان بالانغماس السهل في لذة اكتشاف الذات. وتؤدي هذه الإدانة الراديكالية الزائفة للكتابة الإثنوغرافية على أنها «شعرية وسياسية»، وفقَ تسمية غيرتز وماركيز، حتمًا إلى «الشك التأويلي» الذي يتحدث عنه وولغار، إنْ لم يكن إلى توقف حاد

للمشروع الأنثروبولوجي الذي أثاره غوبتا وفيرغسون. لكن، لا يكفي البتّة الكشف عن «التجربة المعيشة» للذات العارفة، مثلما أراد ألفين غولدنر،

وذلك بالتعريف بخصوصية السيرة الذاتية للباحث أو بروح العصر التي تُلهِم عمله (مثلما تحدّث غولدنر نفسه عن تالكوت بارسونز في كتاب الأزمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي)، وكما تريده أيضًا الإثنوميثودولوجيا، وهو الكشف عن النظريات الشعبية التي يستثمرها الأعوان في ممارساتهم. في الواقع، وإضافة إلى حقيقة أنّه لا يمكن اختزال العلم في تسجيل «المفاهيم المسبقة» وتحليلها

(1) Clifford Geertz, Works and Lives: The Anthropologist as Author (California: Stanford University Press, 1988). (2) George E. Marcus & Michael M. Fischer, Anthropology as Cultural Critique: An Experimental Moment in the Human Sciences (Chicago: Chicago University Press, 1986). (3) Renato Rosaldo, Culture and Truth: The Remaking of Social Analysis (Boston: Beacon Press, 1989). (4) James Clifford & George E. Marcus (eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography (Berkeley: University of California Press, 1986). (5) Steve Woolgar, "Reflexivity is the Ethnographer of the Text," in: Steve Woolgar (ed.), Knowledge and Reflexivity: New Frontiers in the Sociology of Knowledge (London: Sage, 1988), pp. 14–34. (6) Akhil Gupta & James Ferguson (eds.), Anthropological Locations: Boundaries and Grounds of a Field Science (Berkeley: University of California Press, 1997). (7) Alvin Gouldner, The Coming Crisis of Western Sociology (London: Heinemann, 1971).

(بالمعنى الذي قصده إميل دوركهايم) التي ينخرط فيها الأعوان الاجتماعيون في أثناء بناء الواقع الاجتماعي، يجب على العلم ألّ يتجاهلَ الشروط الاجتماعية لإنتاج هذه الأبْنية المسبقة وهؤلاء

الأعوان الاجتماعيين الذين ينتجونها. باختصار، ليس لدينا الاختيار بين الملاحظة بالمشاركة والانغماس الوهمي بالضرورة في بيئة غريبة،

وموضوعانيّة «النظرة البعيدة» للملاحِظ الذي يبقى بدوره بعيدًا عن نفسه، كما هو عن موضوع بحثه. ليس من شأن عملية موضعَة الشروط الاجتماعية أن تتّخذ من «التجربة المعيشة» للذات العارفة موضوعًا للكشف والتحقيق، إنّما الشروط الاجتماعية لإمكان هذه التجربة (من حيث الآثار والحدود)،

وعلى نحو أدقّ، لإمكان فعلِ المَوْضعة. إنّها تَنشُد مَوضعةَ العلاقة الذاتية بالموضوع – من دون أن

يؤدي ذلك إلى ذاتويّة نسبيّة منافية، إلى حدّ ما، للعلم – ويُعدّ هذا أحد شروط الموضوعية العلمية. إنّ المقصودَ فعليًّا موضعته ليس باحثَ الأنثروبولوجيا الذي يقوم بالتحليل الأنثروبولوجي لمجتمع

غريب، بل العالَم الاجتماعي الذي أنتج الباحث الأنثروبولوجي والأنثروبولوجيا الواعية وغير الواعية التي يعتمدها الباحث في أثناء ممارسته الأنثروبولوجية؛ وليس فقط مَوضعة بيئته الأصلية وموقعه

ومساره في الفضاء الاجتماعي وانتمائه وقناعاته الاجتماعية والدينية وعمره وجنسه وجنسيته وما إلى ذلك، لكن أيضًا، وتحديدًا، الموقع الذي يحتلّه في عالَم الأنثروبولوجيين المصغّر؛ إذْ إنّه تأكّد في الواقع، أنّ اختياراته العلمية الأكثر حسمًا (الموضوع، المنهجية، النظرية، وما إلى ذلك) مرتبطة

ارتباطًا وثيقًا بالموقع الذي يحتلّه في عالمه المهني، أو في ما أ سمّيه الحقل الأنثروبولوجي، بتقاليده

وخصوصياته الوطنية وعاداته في التفكير وقضاياه المفروضة ومعتقداته وبديهياته المشتركة وطقوسه وقيمه وتكريساته وإكراهاته في ما يخصّ نشر النتائج والرقابة الخاصة، وفي الوقت نفسه، الخلل

الموجود في الهيكل التنظيمي للتخصّص، أي في التاريخ الجماعي للتخصّص، وجميع الماقبليات

اللاشعورية المتأصّلة في مقولات الإدراك المعرفي للعالم (القومية.) ليس للخصائص التي يكشف عنها هذا التحليل الانعكاسي، وهي متعارضة تمامًا مع ما تكشف عنه

العودة الحميمة والودّية لشخصية الباحث الأنثروبولوجي من فرادة وخصوصية، إطلاقًا، أيُّ فرادة

مميّزة أو استثنائية. وبما أن هذه الخصائص شائعة إلى حدّ بعيد لدى فئات كاملة من الباحثين (مثل

الخروج من مدرسة معيّنة أو ترك جامعة معيّنة)، فهي لا تثير إلّ قليلً من الفضول الساذج (يمكننا أن

نتكلّم هنا مثل فتغنشتاين: «ما نقدّمه، على نحو دقيق، هو ملاحظات تتعلق بالتاريخ الطبيعي للإنسان، وهي ليست مساهمات تقف عند حدود الفضول، بل تتعلق بما لا تُخامر الناس حيالها أي ريبة، وهي لا تفلت من الوعي إلّ لأنها نصب أعيننا باستمرار». زِدْ على ذلك أنّ اكتشافها وعرضها غالبًا ما

(8) Pierre Bourdieu, Science de la science et réflexivité (Paris: Raisons Agir, 2001).

(((يعني بيار بورديو ب «التكريسات» consécrations تلك الاعتبارات والاعترافات التي تقدَّم لأصحاب الحقل بوصفهم في أعلى

هرم الحقل أو أسفله، خصوصًا أنه يتحدث هنا في مؤسسة كرّسته عالمًا في معبد علماء الأنثروبولوجيا. (المترجمِ)

(10) Ludwig Wittgenstein, Investigations Philosophiques (Paris: Gallimard, 1986).

يبدوان كأنهما عملية تدنيس، تشكّك في التمثّل الجذّاب الذي يحمله المنتجون الثقافيون غالبًا عن

أنفسهم، وميلهم إلى اعتبار أنفسهم متحرّرين من أيّ حتميّة اجتماعية. وهكذا، يكون كتابي الإنسان الأكاديمي بلا شكّ، من أكثر الكتب الحارقة، وأكثرها إثارةً للجدل،

على الرغم من حرصه الشديد على الموضوعية: فهو يُمَوض ع أولئك الذين هم عادةً يُمَوْضِعون؛ فمِن

خلال عمليّة انتهاكٍ تشبه الخيانة، يكشف ويَعرِض الكتاب البُنَى الموضوعيةَ لعالَمٍ اجتماعي مصغّر،

الباحثُ نفسُه جزءٌ منه، أي بُنَى فضاء المواقعِ التي تحدّد عمليّات اتّخاذ أساتذة باريس المواقف

الجامعيّة والسياسية: على سبيل المثال تلك المواقع التي أحدثت خلال فترة إجراء البحث مواجهة

عبر شخصي رولان بارت Barthes Roland وريمون بيكارد Picard Raymond، بين «سيميائية أدبية» باعتبارها طليعيّة، وأخرى تاريخية أدبيّة تقليدية على طريقة لانسون Lanson. ويمكننا أيضًا أن ندفع

إلى مدى أبعدَ عنف الموضعة المشارِكة مع أحد طلّبي، وهو تشارلز سوليي Soulié Charles، الذي بيّن، على سبيل المثال، أنّ موضوعات البحث (المذكّرات، أطروحات الدكتوراه، وما إلى ذلك)

في الفلسفة وعلم الاجتماع (وبلا شكّ أيضًا في الأنثروبولوجيا) مرتبطة إحصائيًا بالمنشأ والمسار

الاجتماعي والنوع، وخاصّة المسار التعليمي؛ ما يعني أنّ خياراتنا التي تبدو أكثر شخصية وحميمية،

ومن ثم الأكثر أهمية بالنسبة إلينا، مثل تخصّصنا وموضوعاتنا البحثيّة المفضّلة (على سبيل المثال

الأنثروبولوجيا الاقتصادية أو دراسة القرابة، أفريقيا أو أوروبا الشرقية)، وتوجّهاتنا النظرية والمنهجية

كلّها تجد مبدَأها في الأحكام المكوّنة اجتماعيًا، حيث هناك خصائص لا تزال تُعبِّر عن نفسها بطريقة

متبدِّلة، إلى حدٍّ ما، وهي اجتماعيّةٌ بالبداهة، وللأسف لاشخصيّة. يمكن ملاحظة أنّني انتقلت عن غير قصد، خلال حديثي عن مَوْضعة الشروط الاجتماعية للموضعة،

من الأنثروبولوجيا إلى علم الاجتماع، وعلى نحو أدقّ، إلى علم اجتماع المؤسسة الأكاديمية، كما باشرتُه في كتاب الإنسان الأكاديمي. هل يتعيّنُ عليَّ أن أؤكّد أنّ الدراسة المعمّقة لحالة الجامعة

الفرنسية يجب ألّ تقتصر على ما هو ظاهر من الموضوع فحسب، وأنّ ما ينبغي البحث فيه حقًا هو

بالتحديد الذات المُمَوْضِعة – أنا نفسي تصدق عليّ هذه الحالة – بوصفها تحتلّ موقعًا مُحدّدًا في هذا

الفضاء الاجتماعي المستقلّ نسبيًا، وهو العالَمُ الأكاديمي، بقوانينه الخاصّة التي لا يمكن اختزالها في

تلك القوانين الخاصّة بالعالَم المحيط أو في وجهة نظره المتفرّدة؟ لكنّنا غالبًا ما ننسى أو نتجاهل أنّ أيّ وجهةِ نظرٍ لا تشكّل سوى نظرةٍ مأخوذة من نقطةٍ محدّدة،

لا يمكن الكشف عن الحجُب التي تلفّها وإبراز حقيقتها بوصفها وجهةَ نظرٍ فريدة من نوعها، وغير

قابلة للاختزال في أيّ وجهة نظرٍ أخرى، إلّ إذا كنّا قادرين، على نحوٍ لا يخلو من المفارقة، على

إعادة بناء الفضاء الذي أُدرِجت فيه هذه النقطة، هذا الفضاء الذي يُفهَم باعتباره مجموعةً من النقاط

المتعايشة (كما كان يقول ستراوسون Strawson تقريبًا.)

(11) Pierre Bourdieu, Homo Academicus (Paris: Minuit, 1984). (12) Charles Soulié, "L’anatomie du goût Philosophique," Actes de la Recherche en Sciences Sociales , no. 109 (Octobre 1995), pp. 3–21.

حتى نشيع الإحساس بغرابة الموقف – على الرغم مما يبدو عليه من بساطة – الناتج من عملية

الانقلابِ الذهنيّةِ التي يُحدِ ثها اتّخاذُ المرءِ موقفًا من وجهةِ نظرهِ نفسِها، ومن ثم من جملة وجهاتِ

النظرِ التي بمقتضاها تتحدّد وجهة نظره بوصفها وجهةَ نظرٍ، أودّ هنا أن أذكّر، ببساطة، بقصّة دافيد

غارنيت، «رجل في حديقة الحيوان»، التي كثيرًا ما فكّرتُ فيها لجهة التمشّي الذي اتّبعتُه في كتاب

الإنسان الأكاديمي: إنّها تحكي، كما تعلمون، قصّة شابّ تشاجر مع صديقته في أثناء زيارةٍ إلى

حديقة الحيوان، فكتب في إثر ذلك، في يأس، إلى مدير الحديقة، مقترحًا عليه ضمّ إحدى الثدييات

التي تفتقر إليها مجموعتُه؛ أي الإنسان، الذي لم يكن إلّ الشاب نفسه. وكما تقول القصّة، وُض ع

الشابُّ في قفص إلى جانب الشمبانزي مع لافتة كُتِبَ عليها: «إنسانٌ عاقلٌSapiens Homo. رجلٌ.

هذه الفصيلةُ إسكتلنديةُ المولدِ، تبرّع بها جون كرومانتي إسكواير. ويُرجى من الزوار ألّ يُزعِجوا

الرجلَ بملاحظاتٍ شخصيةٍ ». كان يجب أن أضع مثل هذا التحذير في كتاب الإنسان الأكاديمي لأتفادى على الأقل بعض «الملاحظات الشخصية» التي تسبّب لي بها الكتاب، وهي لم تكن دائمًا

لطيفة. ليست الانعكاسية التي تُفضي إليها مَوْضَعةُ الشروط الاجتماعية للمَوْضعةِ، على الإطلاق، كما نرى،

تلك التي يقوم بها، عادةً، علماءُ الأنثروبولوجيا «ما بعد الحداثيين»، أو حتى الفلسفة وبعض أشكال

الظاهرتية. وعندما تُطبّق الانعكاسية على الذات العارفة أعنف أدوات المَوْضعة الموضوعانية التي

تُتيحها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، وخاصّة التحليل الإحصائي (المستبعَد ضمنيًا من مجموعة

العُدّة الأنثروبولوجية)، فإنّها تهدف، كما سبق أن ذكرتُ، إلى الإحاطة علمًا بكلّ ما يدين به فكرُ عال م

الأنثروبولوجيا (أو عال م الاجتماع) لحقيقة أنّه مُدمَجٌ ضمن حقل علمي قومي، بتقاليده وعاداته في

التفكير وإشكالياته وبديهياته المشتركَة، ولحقيقة أنّه يحتلّ موقعًا خصوصيًّا في هذا الحقل (موقف

الوافد الجديد الذي يجب أن يثبت نفسه، أو موقف السيد الشرعي... إلخ)، بمصالح من نوع خاص

يمكن أن توجّه بلا وعي خياراته العلميّة مثل (التخصّص، المنهج، الموضوع... إلخ.) باختصار، لا تكتمل المَوْضعة العلميّة إلّ إذا تضمّنت وجهة نظر الذات التي تقوم بعملية الموضعة،

والفوائد التي يمكن أن تُحقِّقها من ذلك (خاصة عندما تُمَوْضِع عالمَها الخاصّ)، لكن أيضًا إذا تضمّنتْ

اللاوعي التاريخي الذي يُدرِجُه حتمًا في بحثه. إنّ المقصود باللاوعي (أو بالشروط الذهنية الماقبلية)

التاريخي، أو بدقّة أكثر اللاوعي الأكاديمي، هو مجموعة البُنى الذهنية التي تُعزى إلى التجارب

المدرسية البحتة، وتكون، من ثم، مشتركة في جانب كبير منها مع منتجاتِ النسق المدرسي – الوطني – نفسه كلها، أو هي مشتركة، وفق نموذج خاصّ، بين كلّ الأعضاء المنتمين إلى التخصّص نفسه في زمن

محدّد. فهو من خلال التباينات المرتبطة، تحديدًا، بالتخصّصات، وعلى الرغم من المنافسات، يجعل

من جميع منتجاتِ النظامِ المدرسي القومي نفسِه مجموعةً من الاستعدادات الذهنية المشتركة التي

تُعزى غالبًا إلى نظام تعليمي ذي «طابع قومي»، ما يجعل المنتمين إليه، يفهم بعضُهم بعضًا، بِبنْتِ

شفة، وكثير من الأشياء تكون بديهية عندهم، على الرغم من أنّها ليست الأقلّ أهمية: على سبيل المثال

(13) David Garnett, Lady into Fox: A Man in the Zoo (London: Chatto & Windus, I960), p. 111.

أن تكون فكرة، في لحظة ما، جديرة أو غير جديرة بالنقاش، أو أن تكون مهمّة ومثيرة، فتشكّل «موضوع

بحث جميل»، أو على العكس فكرة «عادية» أو «تافهة.» أن نأخذ على عاتقنا مشروعَ استكشافِ هذا اللاوعي الأكاديمي (أو هذه الشروط الذهنية الماقبلية)،

فهذا ليس سوى توجيهِالأنثروبولوجيا ضدّ نفسها بطريقةٍ ما وإدراج الاكتشافات النظرية وأبرز مناهج الأنثروبولوجيا ضمن نتائج التحليل الانعكاسي الذي يقوم به علماء الأنثروبولوجيا بأنفسهم؛ إذ طالما تأسّفتُ على أنّ المسؤولين عن أكثر التطورات استثنائية في الأنثروبولوجيا المعرفية – أستحضر

هنا دوركهايم وموس بتحليلهما «الأشكال البدائية للتصنيف»، أو ليفي ستروس الذي فكّك آليات «التفكير المتوحّش» – لم يُطبّقوا أبدًا أو تقريبًا على عالمهم بعض الإنجازات العلمية التي حقّقوها

من خلال دراسة مجتمعات بعيدة في المكان والزمان، نستثني ما ورد في كتاب التطوّر البيداغوجي في فرنسا أو بعض الملاحظات البرامجية التي كتبها موريس هالفاكس. وبما أنّي ذكرتُ دوركهايم وموس، أغتنم هذه الفرصة لأذكّر أنّهما كانا يهدفان صراحة في بحثهما إلى تطبيق البرنامج الكانطي

لمعرفةِ المعرفةِ الذي أثرتُه أنا نفسي عند الحديث عن «المتعالي الأكاديمي»، ويبدو لي هذا التذكير أكثر فائدةً أو ضرورةً، من بين العديد من عوائق الفهم الكثيرة بين علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع «الأوروبيين» وزملائهم الأنكلوسكسونيين. كما يبدو لي أنّ إحدى أكبر العقبات، حول هذه النقطة الدقيقة، هي تلك الفجوة بين «برامج» البحث التي يدين بها الجميع إلى انغماسهم في تقاليد أكاديمية وفلسفية شديدة الاختلاف، وإلى ما سمّيناه اللاوعي – أو المتعالي – الأكاديمي الذي اكتسبوه أيضًا. إنّ ما سعَيْتُ لإنجازه هو برنامجٌ من هذا النوع، برنامج من الأنثروبولوجيا المعرفية الانعكاسية. وحاولت

من خلاله، على سبيل المثال، مَوْضَعةَ «مقولات الفهم الأستاذي» entendement ’ l de catégories

professoral (الفرنسية المعاصرة)، انطلاقًا من مجموعة مؤلّفة من صحائف سجَّلَ عليها أستاذٌ فرنسي

في مدرسة ثانوية كبيرة الدرجاتِ والتقديرات التي منحها على مدار عامٍ دراسي لجميع تلامذته الذين يتميَّز بعضُهم من بعض من خلال العمر والجنس ومهنة الوالدين. وتمكّنتُ، بفضل تقنية مقتبَسةٍ من

سيميولوجيا الرسوم، من تسليط الضوء على الترسيمات المُصنِّفة classificatoires schèmes Les

أو مبادئ الرؤية والتقسيم اللاواعي التي يقوم بها مدرّسو اللغة الفرنسية (وبلا شكّ أيضًا الأساتذة

الإنكليز أو من أيّ دولة أخرى متقدّمة) الذين لا يتصرّفون على نحو مختلف عن المحلّيين الأفارقة

أو الأوقيانوسيين عندما يصنّفون النباتات أو الأمراض، ويقومون، من دون وعي، بعمليات التصنيف والتقويم الخاصّة بهم. المنطلَق في هذا تلك الفرضية القائلة إن الترسيمات المُصنِّفة المماثلة لأشكال

التصنيف أو البُنى المعرفية التي كشف عنها دوركهايم أو موس أو ليفي ستروس، التي تقوم بهيكلة

التفكير «البدائي» أو «المتوحش»، ما زالت حاضرةً أيضًا، وبالحالة اللاواعية أيضًا، في الفكر العال م؛

(14) Emile Durkheim & Marcel Mauss, "De Quelques Formes Primitives de Classification Contribution à étude des Représentations Collectives," Année Sociologique , no. 6 (1903), pp. 1–72. (15) Claude Lévi–Strauss, La Pensée Sauvage (Paris: Pion, 1962). (16) Emile Durkheim, L’Evolution pédagogique en France , Maurice Halbwachs (intro.) (Paris: PUF, 1990).

وأنّه، ما لم يتمّ توخّي حذرٍ خاصٍّ من ق بَل علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع أنفسِهم في العديد

من أحكامهم اليومية، خاصّة في ما يتعلّق بمسائل الجماليات، حيث، كما لاحظ فتغنشتاين، غالبًا ما

يتم اختزال الأحكام إلى صفاتٍ، أو في ما يتعلّق بفنّ الطهو، أو حتّى بأعمال زملائهم، أو بهؤلاء الزملاء

أنفسهم – أفكّر على نحو خاصّ في متعارضات مثل: طلق المحيّا – مُقطّب الجبين، سطحي – عميق،

ثقيل – خفيف... إلخ. ومن المحتمل أنّكم أنتم أنفسكم تلجؤون إلى ثنائيات تصنيفية مماثلة لإدراك ما أقوله لكم حاليًا، والحكم عليه إيجابيًّا أو سلبيًّا. بدأنا نرى، أو على الأقل آمل ذلك، أن مَوْضعة الذات المُموض عة ليست مجرّد ترفيهٍنرجسي، ولا حتى

مجرّد تسجيل مجاني لموقف شرف إبستيمولوجي، إنّما لها تأثيرات ع لميّة حقيقيّة. هذه التأثيرات

لا تتّصل فقط بما يمكن أن يتمّ كشفه من كلّ أنواع «الانحرافات» المرتبطة بموقع الباحث في الفضاء

العلمي، مثل هذه المحاولات الزائفة والصاخبة إلى حد ما في إحداث القطيعة النظرية التي يضحّي

اليومَ من أجلها أحيانًا بعضُ الإثنولوجيين الشباب المتلهّفين إلى صنع أسماء لأنفسهم (خاصّة، تحت

تأثير ما كان يسمّيه صديقي أ.ب. تومسون بسخريةٍ «الفيروس الفرنسي » flu French)، أو مثل هذا

النوع من تحجّر البحث وحتى الفكر الذي يمكن أن يكون نتاج البقاءِ رهْنَ تقليدٍ أكاديمي يؤبِّده منطقُ

إعادة الإنتاج الجامعي. إن مَوْضعةَ الذات المُموض عة تتيح، على نحو أكثر عمقًا، إمكان التحلّي بيقظة

نقدية في جميع الأوقات، بداية من «الحركات الأولى» للفكر (كما كان يقول الرواقيون)، حيث

يتسلل اللّمفكر فيه خِفيَةً، مرتبطًا بعصرٍ، أو بمجتمعٍ، أو بحالةِ حقلٍ أنثروبولوجيٍ (قومي) إلى عمليّة

التفكير، ولا تكفي التحذيرات ضدّ المركزية الإثنية للتوقّي منه. أفكّر على نحو خاصّ في ما يُمكن المرء أن يُطلق عليه خطأ ليفي–بريل Bruhl – Lévy، الذي يتمثّل في

خلق مسافةٍ لا يمكن تجاوزُها بين عالم الأنثروبولوجيا وذلك الإنسان الذي يتّخذ منه موضوعًا للمعرفة،

بين فكره و«الفكر البدائي»، وهو موقف يعود إلى عدم القدرة على مَوْضعة فكر عالم الأنثروبولوجيا

ذاته وممارسته المحلّية. يرسم الإثنولوجي الذي لا يعرف نفسه، والذي لا يملك معرفة صحيحة عن تجربته الأولى في العالم، مسافةً من البدائي، لأنّه لا يتعرّف إلى البدائي في ذاته، ولا إلى الفكر السابق عن المنطق الذي فيه.

ولمّا كانت لدى الإثنولوجي رؤيةٌ مدرسيةٌ لممارسته الخاصة، وهي في النتيجة ذات طابع فكري، فهو

لا يستطيع التعرّف إلى المنطق الكوْني للممارسة في أنماط التفكير والفعل (السحريّة، على سبيل

المثال) التي يصفها بأنّها سابقة للمنطق أو بدائية. ويمكنني أن أستحضر هنا، إضافة إلى ذلك، جميع الأمثلة عن سوء الفهم حول منطق الممارسات، التي قمتُ بتحليلها في كتاب ملامح أولية لنظرية

الممارسة، وملاحظات فتغنشتاين الذي يشير، بخصوص كتاب الغصن الذهبيللأنثروبولوجي جيمس فريزر، أنّه بسبب عدم معرفته نفسه، لم يستطع فريزر، ببساطة، أن يدرك في مثل ما يُسمّى

(((1 الرواقيون نسبة إلى الرواقية، وهي مدرسة للفلسفة الإغريقية. (المترجم)

(18) Pierre Bourdieu, Esquisse d’une théorie de la pratique, précédé de trois études d’ethnologie kabyle (Paris: Seuil,

السلوك البدائي ما يعادل قيامنا بسلوكَات طقوسية في ظروف مماثلة. ويواصل فتغنشتاين القول: «عندما أكون غاضبًا من شيء ما، أضرب أحيانًا بعصايَ على الأرض أو على شجرة... إلخ. لكن،

مع ذلك، لا أعتقد أنّ الأرض هي المسؤولة، أو أنّ الضرب يمكن أن يقدّم شيئًا ما، «أنا أطلق العنان

لغضبي». ومن هذا المنوال تتأتّى كلّ الطقوس. يمكننا أن نسمّي مثل هذه الأفعال أفعالً غريزية،

وبالنسبة إلى تفسيرٍ تاريخيّ، سيقول المرء على سبيل المثال إنّني اعتقدتُ ذات مرة، أو أنّ أسلافي

كانوا يعتقدون، أنّ ضرب الأرض يحقّق شيئًا ما. لكن ذلك ليس إلّ إيهامات، إنّها فرضيات لا لزوم

لها ولا تفسّر شيئًا؛ ذلك أنّ المهمّ هو تشابه هذا الفعل العقابي، لكن ليس هناك ما يلُاحظ أكثر من

هذا التشابه. وبمجرّد أن ترتبط ظاهرةٌ من هذا النوع بغريزة لدَيّ أنا بالذات، فهذا هو بالضبط ما يشكّل

التفسير المرغوب فيه، أي التفسير الذي يحلّ هذه الصعوبة التفسيرية الدقيقة التي تحيل إلى علاقتي

الخاصة بمثل هذا الفعل. وهنا تسلك دراسةٌ أعمق لقصّةِ غريزتي مساراتٍ أخرى. وربّما يكون فتغنشتاين أقرب إلى الحقيقة عندما أشار مرّة أخرى، لكن ضمنيًا هذه المرّة، إلى تجربته

الشخصية، التي يَفترض أنّه يتشارك فيها مع قارئه. إنّه يستحضر ما يُسمّى التصرّفات البدائية، شأنها

شأن سلوكاتنا في ظروف مماثلة، التي لا يمكن أن تكون لها غايةٌ أخرى غير نفسها أو «الرضا» عن

التمكّن من تحقيقها، وما يمكن أن تقدّمه لمَنْ يُحقّقها. يقول فتغنشتاين: «إنّ حرق مجسّمٍ لشخصٍ

ما أو تقبيل صورةِ محبوبٍ لا يقوم، بالطبع، على الاعتقاد بوجود تأثير معيّن في الكائن الذي تمثّله

الصورة، بل هذا يهدف إلى تحقيق الرضا وهو ما يحدث فعلً. أو بالأحرى، لا يعني ذلك شيئًا؛ فنحن

نفعل ذلك، ونُظهر، إذًا، شعورًا بالرضا». يكفي أن يكون المرء قد انتهى، ذات مرّة، من القيام بهذه

الأفعال الضرورية نفسيًا والميؤوس منها تمامًا، كالتي تُنفَّذُ على قبر شخص محبوب، ليَعرِف أن

فتغنشتاين محقٌّ في رفض مسألة الوظيفة، وحتى المعنى والقصد من بعض الطقوس أو الممارسات

التعبّدية. إنّه مُح قٌّ أيضًا في القول إنّ «فريزر أكثر وحشية من مُعظم المتوحشين»، لأنّه، بسبب افتقاره

إلى «المعرفة الحميمة» بتجربته الروحية الخاصّة، لا يفهم أنّه لا يفهم أي شيْء عن التجارب الروحية

التي يحاول شرحها بعناد. وكيْ أ نهِي، سأذكّر بملاحظة من بين آلافٍ أخرى ممكنة، وهي تلك التي

ساقها فتغنشتاين بشأن عادة «الحلق التامّ لكامل شعر أجسام الأشخاص المتّهمين بممارسة السحر»،

فهو يقول: «لا شكّ في أنّ كل عملية تشويه لأجسادنا تجعلنا نظهر أمام أنفسنا مَعيبينَ وبلا كرامة، كما

تُجرِّدنا من أيّ إرادة للدفاع عن أنفسنا، وما أشد ذلك الإحساس بالإحراج الذي نشعر به – أو على

الأقل يشعر به الكثير من الرجال (أنا) – بسبب ضعفنا الجسدي أو الجمالي». هذه الإحالة، القريبة

من الاعتراف، إلى الأنا الفردي الخاصّ للمحلِّل، هي في نقيض لبعضِ الاعترافات النرجسية لرسُل

انعكاسيّةِ ما بعد الحداثة، وهي، ببساطة بالغة، تتمتّع بميزةٍ مرموقةٍ تتمثّل في فسخ شاشة التفسيرات

الخاطئة التي يخطّها عالم الأنثروبولوجيا الجاهل بنفسه، وفي الاقتراب من التجارب الأجنبية من

خلال التمكّن من فهم ما تختزنه من معرفةٍ وعمق.

(19) Ludwig Wittgenstein, Remarques sur le rameau d’or de Frazer (Paris: L’Âge d’Homme, 1982). (20) Ibid. (21) Ibid.

هذا يعني، على مستوى أوّل، أنّه إذا كان نقد المركزية الإثنية (أو الإسقاط التاريخي) شرعيًّا، على سبيل

التحوُّط ضدّ الإسقاط غير المبرَّر للذات العارفة على الموضوع المَعلوم، فإنّ في مستطاعه، في مستوى

آخر، منعَ الأنثروبولوجي (وعالم الاجتماع أو المؤرّخ أيضًا) من استعمال تجربته المحلّية على نحو

عقلاني، هذه التجربة التي تمّتْ مَوْضعتُها وتحليلُها مُسبَقًا، من أجل فهم التجارب الأجنبية وتحليلها.

وفي رأيي، ليس هناك ما هو أكثر خطأ من القول المأثور المقبول عالميًا في العلوم الاجتماعية، الذي

مفاده أنّه يجب على الباحث ألّ يضع أيّ شيء من نفسه في بحثه. وعلى العكس من ذلك، يجب

أن يُحيل باستمرار على تجربته الخاصّة، لكن ليس على نحوٍ مخجلٍ أو غيرِ واعٍ أو غيرِ خاضع

للرقابة، كما هي الحال في الكثير من الأحيان، حتى بين أفضل الباحثين. وسواء كنتُ مهتمًّا بامرأة

قبايلية Kabile، بفلّحٍ من بيارن Béarn، بمهاجرٍ جزائري، بموظف، بمدرّسٍ أو بأحد أعراف العمل

الفرنسيين، بكاتبٍ مثل فلوبار، برسّامٍ مثل مانيه أو بفيلسوف مثل هايدغر، فإنّ الأصعب، وهذا من قبيل

المفارقة، هو ألّ أنسى أبدًا أنّهم جميعًا أشخاصٌ مثلي، أو على الأقل أنّهم عندما يقومون بفعلهم –

أداء طقسِ حفلِ افتتاحٍ، المشي وراء موكبٍ جنائزي، التفاوض حول عَقْد، رسم لوحةٍ، المشاركة في طقس أكاديمي، عقد مؤتمر عام، حضور حفلة عيد ميلاد – ليسوا بصدد القيام بعملية مشاهدة، ويمكن القول، على وجه الدقّة، إنّهم لا يعرفون ماذا هم بصدد فعله (على الأقل بالمعنى الذي يشير إلى أنّني أحاول المعرفة باعتباري مُشاهدًا ومُحلِّلً)، وأنّهم لا يملكون في أذهانهم الحقيقةَ العلميةَ لممارستهم،

هذه الحقيقة التي أحاول أنا استخلاصها من خلال مشاهدة ممارساتهم. بل أكثر من ذلك، هؤلاء الأشخاص لا يطرحون على أنفسهم، ما عدا بعض الاستثناءات، الأسئلةَ التي لن أتردّد في طرحها على نفسي إذا تصرّفتُ تجاههم بوصفي عالم أنثروبولوجيا: لماذا مثل هذا الاحتفال؟ لماذا هذه الشموع؟

لماذا هذه الكعكة؟ لماذا هذه الهدايا؟ لماذا هذه الدعوات وهؤلاء الضيوف؟... إلخ. إنّ الأمر الأصعب، إذًا، ليس فهم هذه الممارسات (وهذا أصلً ليس بالشيء الهيّن)، بقدر ما هو

تجنّب نسيان ما أعرفه على نحو كامل، لكن في مجال الممارسة فقط، أي حقيقة أنّه ليس لدى هؤلاء

الأشخاص نيّةٌ في فهم وتفسير ما يشغلني بوصفي باحثًا؛ ومن ثم، أتَجنّب أن أضعَ في أذهانهم، بطريقةٍ

ما، الإشكالية التي أبنيها حولهم، والنظرية التي أ نشِئها لحل تلك الإشكالية. وهكذا تمامًا، وعلى طريقة

فريزر، يخلق عالم الإثنولوجيا، الذي يفتقر إلى امتلاك معرفة حقيقية بتجربته العادية في أثناء ممارساته العادية أو غير العادية، مسافة بينه وبين ذاته، مسافة بين تجربته وتلك التي لموضوعه لا يمكن جسرها. ومثله عالم الاجتماع وعالم الاقتصاد اللذان لا يملكان القدرة على القطع مع الماقبليات غير المفكَّر فيها من الفكْر المفكِّر، أي القطع مع الخلل المدرسي الكلاسيكي bias scholastic، فهما يكونان غير قادريْن

على تملّك تجربتهما ما قبل الانعكاسية للعالم، ويضعان الفكر العلمي وأسطورة «الإنسان الاقتصادي» l’homo oeconomicus و«نظرية الفعل العقلاني»، في سلوكات الأعوان الاقتصاديين العاديين. نحن نَضعُ بوضوحٍ في اعتبارنا الخصوصيةَ غيرَ القابلةِ للاختزال لمنطق الممارسة، ينبغي لنا أن

نتجنّب حرمان أنفسنا من هذا المورد العلمي الذي لا يمكن تعويضه البتَّة، ألا وهو التجربة الاجتماعية

(22) Pierre Bourdieu, "The Scholastic Point of View," Cultural Anthropology , vol. 5, no. 4 (1990), pp. 380–391.

الخاضعة مُسْبقًا للنقد السوسيولوجي. أدركتُ في وقت مبكّر جدًا خلال عملي الميداني في منطقة

القبايل [الجزائر]، أنّني كنت أستحضر تجربتي في مجتمع البيارن، وهو مجتمع طفولتي، كي أفهم

الممارسات التي كنت أُلاحظها، وكي أُدافعَ عن نفسي ضدّ التأويلات التي كنتُ أقوم بها تلقائيًا، أو

تلك التي كان يقدّمها لي المخبرون. وهكذا حينما أسألُ مخبرًا عن التقسيمات في مجموعته، يُعدّد لي

مصطلحات عدة تعني وحدات ممتدّة مختلفة الأحجام، أتساءل عمّا إذا كانت هذه الوحدة الاجتماعية

أو تلك من الوحدات التي ذكرها لي، مثل («أدروم» adhrum و«تاكارّوبت» thakharrubth، وما

إلى ذلك) لها «واقعيّة» أكثر من الوحدة المسمّاة «لو بيسيات» besiat lou، أي مجموعة الجيران التي

يتمسّك بها أحيانًا سكّان بيارن، ومنحها بعض الإثنولوجيين الفرنسيين مكانةً معترفًا بها علميًا. كان

لديَّ بالفعل حدس أكّدَتْه ألفَ مرّةٍ أبحاثي اللاحقة، أنّ وحدة «بيسيات» لم تكن سوى تجمّع ظرْفي

و«افتراضي» بطريقة ما، لا أكثر ولا أقلّ، حيث لا يصبح هذا التجمّع «فعّالً» وموجودًا ونشِطًا، إلّ

في بعض الظروف المحدّدة بدقّة، مثلَ حدَث تشييعِ فقيدٍ، وذلك لتحديد المشاركين في هذا الحدث

الظرفي وترتيب صفوفهم. لكنّ هذه الحالة ليست سوى واحدة من بين العديد من الحالات التي استنَدتُ فيها إلى معرفتي المحلّية

للدفاع عن نفسي ضد «النظريات الفولكلورية» لمُخبرِيَّ، أو ضدّ التقليد الإثنولوجي. ومن أجل أن أُخضِعَ

للنقد تلك الأدواتِ العفوية للنقد التي بدأتُ بها في سنوات 1960، شرعتُ في اللحظة نفسها التي كنت أجري فيها استطلاعاتي في القبايل في الدراسة المباشرة للمجتمع البيارني béarnaise Société، وكان لديّ حدسٌ بأنّه على الرغم من الفروق الواضحة، فإنه يمثّل تشابهًا كبيرًا مع المجتمع الزراعي

القبايلي. في هذه الحالة، كما هو الشأن في دراستي لحالة أساتذة جامعة باريس، كان الموضوعُ الحقيقي

الكامن وراء الموضوع المُعلَنِ والظاهري هو الذات المُمَوضِعة objectivation ’ l de sujet le، أو على

نحو أكثر دقة، التأثير المعرفي لموقف الموضعة objectivante posture la، أي بمعنى التحوّل الذي

يطرأ على تجربتنا في عالم الحياة الاجتماعية (في الحالة الخاصّة، العالم الذي يكون فيه كلّ الناس

مألوفين بالنسبة إليّ، فأنا أعرف كلَّ تاريخهم الشخصي والجماعي من دون الحاجة إلى استجوابهم)،

عندما نتوقّف عن عَيْشه ببساطة لنحوّله إلى موضوع معرفة. بلا شكّ كان هذا التمرين الأول، المنهجي

والمصمّم قصدًا لممارسة الانعكاسية، نقطة الانطلاق للمراوحة المستمرّة بين لحظة التفكير الانعكاسي

réflexif moment le لمَوضَعة التجربة الأولى، واللحظة النش طة التي تستثمر تلك التجربة، في حالتها

المموضَعة والنقدية، لإنجاز أعمالِ مَوْضَعة هي دائمًا أكثرُ بُعدًا من هذه التجربة. وممّا لا شك فيه أنّه ضمن

هذه الحركة المزدوجة يتمّ تدريجيًا بناء موضوع علميٍّ هو في الوقت ذاته «عينٌ أنثروبولوجية» قادرة على

فهم العلاقات غير المرئية، وتحكّمٌ (عملي) في الذات قائمٌ، على سبيل المثال، على الاكتشاف التدريجي

للخلل المنهجي المدرسي bias scholastic الذي تحدّث عنه أوستن على نحو عابر، ولآثارِه.

(((2 «أدروم» و«تاكارّوبت»: كلمتان أمازيغيتان تشيران إلى نمط من التنظيم الاجتماعي داخل المجتمع القبايلي التقليدي:

«تاكارّوبت» تعني عائلات مجمّعة ينحدر أعضاؤها من جدّ واحد. «أدروم»: تعني عددًا معيّنًا من مجموعات «تاكارّوبت». وعدّة

وحدات من «أدروم» تكوّن بدورها قرية. (المترجم)

(24) John L. Austin, Sense and Sensibilia (Oxford: Oxford University Press, 1962), p. 34.

أنا أدرك أنّ ما ذكرتُه قد يبدو في الوقت ذاته مفرطَ التجريد وفيه صلف كثير (أليس هناك شيءٌ من

الهذيانٍ اللذيذ في أن نعيش التقدّم الذي تمكّنا من تحقيقه، طوال حياة من البحث، في ما يشبه مسارًا

تدريبيًّا بطيئًا، ونحن مقتنعون بأنّنا نعرف العالَم على نحو أفضل فأفضل على قدر ما نتعرّف إلى بعضنا

جيّدًا، ومقتنعون أيضًا أنّ المعرفةَ العلميةَ والمعرفةَ بالذات، بلا وعيها الاجتماعي الخاصّ، يسيران قدُمًا

على الخطى نفسها، وأنّ التجربة الأولى المتحوِّلة بالممارسة العلمية تُحوِّل بدورها الممارسةَ العلمية

والعكس بالعكس؟). لكنّني أ حيل هنا، في الواقع، إلى تجارب بسيطة تمامًا وملموسة، وسأقدّم منها

فقط بعض الأمثلة. كنت أشتغل ببحث حول مسألة العزوبة في بيارن، منطلَقُها محادثةٌ مع أحد أصدقاء الطفولة حول صورة صَفٍّ دراسي وجدتُني فيها، وكنت أحاول بناء نموذج شكلي للتبادلات الزوجيّة

في المنطقة (كنّا حينئذ في ذروة بنيويّة ليفي ستروس). وذات يوم كنت أتحدّث مع شخص هو من

أكثر مُخبِريَّ ثباتًا وفطنةً (وصادف أن يكون ذاك الشخص أمّي). لم أكن خلال حديثي معها أفكّر إطلاقًا

في بحثي – لكن، كنت مشغولً على نحو مشوش بهذا الأمر – عندما حدّثتني حديثًا عابرًا عن عائلة في

القرية: «أوه، أتعرف [...] لقد أصبح أفراد تلك العائلة ‘قريبين جدًا’ من العائلة الفلانية (المقصود أفراد من عائلة أخرى في القرية) منذ أن صار في الأسرة أحد المتخرجين في مدرسة البوليتكنيك». كانت هذه الملاحظة بمنزلة منطلَق التفكير الذي قادَني إلى النظر في الزواج ليس في إطار منطق القاعدة (الذي كنتُ قد أدركتُ محدوديتها في حالة القبايل)، لكن، على عكس الأرثوذكسية البنيوية، نظرتُ إلى الزواج باعتباره استراتيجيةً موجّهة بمصالح خاصّة، مثل السعي للحفاظ على رأس المال الاقتصادي

أو الاستزادة منه عَبْر تلك العلاقة القائمة بين تراث العائلات المتّحِدة ورأس المال الاجتماعي ورأس

المال الرمزي، ومن خلال اتّساع «العلاقات» المتحقِّقة من الاتّحاد ونوعيّتها أيضًا. لكنّ الذي حصل أنّ طريقتي في إدراك وجود المجموعات والعشائر والقبائل والمناطق والطبقات أو

الأُمَم هي التي تغيّرت تدريجيًّا بالكامل: فبدلً من النظر إليها بوصفها كيانات «حقيقية»، مجزَّأة

بوضوح في الواقع والوصف الإثنولوجي، أو مجموعات أنسابٍ، أي محدّدة على الورق وفقًا لمقياس

الأنساب الصارم، بدتْ لي بمنزلة بناءات اجتماعية، أو هي، إلى حدٍّ ما، ق طعٌ اصطناعية تتمّ المحافظة

عليها بصورة مصطنَعة من خلال التبادل المستمرّ، ومن خلال كلّ الأعمال التي غالبًا ما تُعهَد إلى

النساء (ومثالً على هذه المراوحة التي كنتُ قد أشرت إليها منذ حين، أتذكّر هنا هذا العمل الذي أنجزتْه عالمة اجتماعٍ أميركيّة، وفيه أبرزتْ أنّ النساء، اليومَ، في الولايات المتحدة، يستخدمن الهاتف

بكثافة – ما أكسبهنّ سمعةً بكونهنّ الأكثر ثرثرةً – لأنهنّ يتحمّلن مسؤولية الحفاظ على علاقات القرابة

مع أسرهنّ، ومع عائلات أزواجهنّ أيضًا). ويمكنني أن أبيّن، بالطريقة نفسها، كيف سمح لي تحليلي

لِ«البيت» البيارني "maison" béarnaise باعتباره تراثًا ومنزلً، ول جميع الاستراتيجيات التي يتأكّد من

(25) Pierre Bourdieu, "Célibat et Condition Paysanne," Études Rurales , no. 5–6 (Avril–Septembre 1962), pp. 32–136. (26) Pierre Bourdieu, "De la règle aux stratégies: Entretien avec Pierre Lamaison," Terrains: Anthropologie & sciences humaines , no. 4 (Mars 1985), pp. 93–100. (27) Pierre Bourdieu, "Espace social et genèse des ‘classes’," Actes de la recherche en Sciences Sociales , no. 52–53 (Juin 1984), pp. 3–12.

خلالها الدفاع عن النفس في ما يتعلّق ب «البيوت» المناف سة أن أفهم، على ما يبدو، بطريقة متجدّدة تمامًا، ما كان يسمّى «بيت الملك»، وكيف أنّه، قبْل الاختراع التدريجي للمنطق الخاصّ المسمّى

«مبرّر الدولة» État ’ d raison، كان يمكن «للبيوت» الملَكيّة أن تَستخدِ م، للحفاظ على تراثها أو زيادته،

استراتيجيات إعادةِ إنتاجٍ مساويةً تمامًا، من حيث المبدأ والمنطق، لِمَا كانت تمارسه «البيوت» البيارنية

و«أرباب الأُسَر». إنّها، بالطبع، استراتيجياتٌ عائليةٌ، تُتيح زيادة الموروث أو المحافظة عليه، وهي

تحدّياتُ شرفٍ تهدف إلى زيادة رأس المال الرمزي للنسب، أو هي حروب التوارث. تحدثتُ عن الشرف، وكان يجب عليّ التذكير أمامكم بعمل الملاحظة الطويل والتحليل الإمبريقي،

والتفكير الذي قادني من مفهوم الشرف، وهو الموضوعُ الذي اشتغلتُ به في كل أبحاثي الإثنولوجية الأولى التي عرضتُها على أولئك الذين رافقوا وحمَوْا دخولي المهنةَ، مثل جوليان بيت ريفر Julian

Pitt–Rivers، وجوليو كارو باروجا Julio Саго Baroja، وجون بريستياني John G Peristiany،

إلى مفهوم رأس المال الرمزي؛ هذا المفهوم المفيد جدًا، في رأيي، لتحليل بعض الظواهر الأكثر نموذجية لاقتصاد السلع الرمزية الموجود على نحو دائم في أحدث الاقتصادات. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، نُشير إلى سياسة الاستثمار الرمزي الشديدة الخصوصيّة للمؤسسات الكبيرة، أو

لأشكال معيّنة من رعاية الأعمال الخيريّة. لكن أودّ أن أقدّم لكم سريعًا مثالً آخرَ عن هذه المراوَحة

المثمرة جدًا: بعد أن اكتشفتُ في روايةِ إلى المنارة To the Lighthouse لصاحبتها فرجينيا وولف Woolf Virginia البُنى الأسطورية التي ما كنتُ لأكتشفَها لو لم تكن لي تلك العينُ الثاقبةُ التي

امتلكتُها بفضل الألفة التي عشتُها مع الرؤية القبايلية، وعلى نحو أعمّ، مع الرؤية المتوسّطية لمسألة

تقسيم العمل بين الجنسين، تمكنتُ، في المقابل، من اكتشاف محدوديّة وضوح الرؤية لدى عال م

الأنثروبولوجيا الذي لم يكن يعرف، أو لم يكن يستطيع، توجيه الأنثروبولوجيا تمامًا ضدّ نفسها. وتم

لي هذا الاكتشاف بفضل التحليل العميق الذي قامت به وولف في روايتها للطريقة التي يبدو فيها الذكرُ المهيمِنُ وقد سيطرتْ عليه هيمنتُه، ما دفعني إلى الذهاب بالانعكاسية إلى مدى أبعد. وحدث

ذلك تحديدًا من خلال الإشارة الوولفية التي تجمع في الوقت ذاته بين القسوة والحساسية المفرطة، لمسألة الليبيدو الأكاديميّة academica libido التي هي أحد الأشكال المميَّزة لهذيان الذكورة، والتي

كان ينبغي أن تظهر في نسخةٍ لكتاب الإنسان الأكاديميبموضوعانيّة أقلّ برودةً، بمعنى نسخة المسافة

فيها بين الموضوع والذات المُمَوضِعة أقل اتساعًا. لنضربْ مثالً أخيرًا عن الاستخدام المراقَب للأنثروبولوجيا (وهو النقيض التامّ للاستعمال المتوحش

لدى بعض الإثنولوجيين الذين يقومون اليومَ بالمماثلة الإثنولوجية بسبب افتقارهم إلى الميادين

الغرائبية، خاصة في فرنسا)، فقد استطعتُ انطلاقًا من إعادة تعريف «طقوس العبور» لأجعل

منها «طقوسَ تأسيسٍ»، أنْ أُدرِكَ وأُحلّلَ إحدى وظائف «مدارس النخبة» التي تظلّ الأكثرَ تخفّيًا

(28) Pierre Bourdieu, "De la maison du roi à la raison d’État: Un modèle de la genèse du champ bureaucratique," Actes de la recherche en Sciences Sociales , no. 118 (Juin 1997), pp. 55–68. (29) Virginia Woolf, La Promenade au phare , Maurice Lanoire (trad.) (Paris: LGF, 1983).

(ولا سيما من خلال وظيفة التدريب والاصطفاء)، بمعنى تكريس أولئك الذين عُهِدوا إليها عبر منحهم

جوهرًا أعلى، ومن خلال تأسيسهم باعتبارهم منفصلين عن المشترك، ومميّزين منه بواسطة حدود غير

قابلة للتجاوز. لكن، على نطاق أوسع، فهمتُ، بطريقة حميميّة، وفي الوقت ذاته أكثر عمقًا على ما

يبدو، مجموعةً كاملةً من طقوس التقاليد الأكاديمية التي تتمثّل وظيفتها وتأثيرها في منح المجموعة

قاطبةً الاعترافَ الرسمي للمولود الجديد الذي تُنشئُه المجموعةُ وتفرضُه في الوقت نفسه: أ سوقُ هنا

مثالَ افتتاحِ الجامعات الإنكليزية والأميركية، وهو احتفالٌ يُسجَّل رسميًا نهاية تدريبٍ تحضيري طويل،

ويتمّ فيه التصديق، بموجب قانون رسمي، على التحوّل البطيء الذي حدثَ عند التكريس وخلال فترة

الترقّب، أو مثال الدروسِ الافتتاحية، أو حتى، إذا سمحتم بذلك، مثال طقس تبريزٍ في معهد لامرئي

لأنثروبولوجيين معتمدين أكاديميًا، وهو طقس يشبه ما أنا بصدد تأديتِه أمامكم ومعكم. كَيْ أُنهِي، أوَدّ أن أشير إلى تأثيرٍ آخرَ للانعكاسية، هو بلا شكّ ذو طابع شخصيّ، لكنّه على قدر كبير من

الأهمّية في مجال التقدّم في البحث العلمي، وبدأت التفكير فيه كما لو كان ذلك رغمًا عنّي وضدّ مبادئ

رؤيتي الأولى للعالَم، وكان ذلك بالنسبة إليّ بمنزلة شيء من البحث التدريبي. كلّ واحد منّا، وهذا ليس

خافيًا على أحد، مزدحِمٌ بماضٍ، وبماضيه هو بالذات. وهذا الماضي الاجتماعي، سواء أكان «شعبيًا »

أم «برجوازيًا»، ذكوريًّا أم أنثويًّا، هو دائمًا وثيق الصلة بما يستكشفه التحليل النفسي، وهو ثقيلٌ ومحرِجٌ،

ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بممارسة العلوم الاجتماعية. لقد قلت إنّني أعتقد بعمقٍ، أنّ الباحث يمكنه، بل يجب عليه، أن يحشد خبرته، أي بمعنى حشد الماضي في جميع أعماله البحثية، ويُعدّ هذا الاعتقاد مناقضًا

للعقيدة المنهجية التي تحتمي بسلطة ماكس فيبر ومبدئه المسمّى «الحياد الأكسيولوجي» Wertfreiheit.

لكن لا يحقّ للباحث القيام بذلك إلّ بشرط إخضاع كلّ هذه العَوْدات إلى الماضي لفحصٍ نقدي دقيق.

في الواقع ما يجب أن يوضع موضع سؤال ليس فقط الماضي المُعاد تفعيلُه، لكن مُجْمَل العلاقة بهذا

الماضي الذي عندما يؤثر على نحو لاواعٍ يمكن أن يكون السبب الرئيس في تشويهٍممنهَج للاستحضار، ومن ثم للذكريات المستحضَرة. وحده التحليلُ الاجتماعي الحقيقي لهذه العلاقة الشديدة الغموض حتى

بالنسبة إلى نفسها، يمكن أن يسمح بالوصول إلى هذا النوع من مُصالحة الباحث مع نفسه ومع خصائصه

الاجتماعية، وهي مُصالحةٌ من إنتاج الذاكرة المُحرِّرة. أعلم أنّني أُخاطر بالظهور مرّة أخرى وكأنّني، في الوقت ذاته، مغرورٌ ومفرطُ التجريد، في حين

أنّني أُفكّر في تجربة بسيطةٍ جدًا، في إمكان أيّ باحث أن يُجدّدها، محقّقًا، في اعتقادي، مكاسبَ

علميةً كبيرة جدًا وشخصية أيضًا. وكان من آثارِ الآليّة الانعكاسيّةِ التي كنتُ قد استخدمتُها في بحث

إثنوغرافي أجريتُه في الوقت نفسه تقريبًا في منطقتَي «القبايل» في الجزائر و«بيارن» في فرنسا، أي في

مستعمرةٍ بعيدةٍ، وفي قريتي الأصليّة، أنّها قادتني إلى أن أعتبر بوصفي إثنولوجيًا – بكلّ ذلك الاحترام

العلمي والأخلاقي غيرِ القابل للانفصام الذي يستحقّه موضوع الدراسة – بيئتي الأصلية الخاصّة،

(30) Pierre Bourdieu, "Les rites institution," Actes de la recherche en Sciences Sociales , no. 43 (Juin 1982), pp. 58–63; "Comprendre," in: Pierre Bourdieu et al., La Misère du monde (Paris: Seuil, 1993), pp. 903–939. (31) Bourdieu, Science de la science et réflexivité.

في الوقت ذاته، شعبيّة وريفيّة ومتأخّرة، وقد يقال عتيقة، وأنّني حُم لت (أو دُفِعتُ) على احتقارها

وعلى التنصّل منها، أو على ما هو أقصى، وهو إنكارها، وذلك في أثناء مرحلة الاندماج القل قة (وحتى

الجشعة والمتلهّفة إلى حدٍّ ما) في المركز وفي القيم الثقافية المركزية. ومن المؤكّد أيضًا أنّني وجدت

نفسي منقادًا إلى إلقاء نظرةٍ احترافية على العالم الأصلي، نظرةٍ في الوقت ذاته تفهّميّة ومُمَوْضِعة،

وهو ما مكّنني من التخلّص من عنف علاقةٍ متضاربة في تلك البيئة، حيث تختلط الألفة بالتباعد، والتعاطف بالرعب وحتى بالاشمئزاز، وذلك من دون الوقوع في المجاملة الشعبويّة لنوع من الشعب

المتخيَّل الذي أحيانًا ما يُضَحّي من أجله المثقّفون. إنّ هذا «القلْبَ للشخص كلِّه»، الذي يتجاوز

بعيدًا جميع مقتضيات التعهّدات المنهجية الأكثر صرامة، كان بلا شكّ السببَ الرئيس لقلبٍ نظري

سمح لي باستعادة العلاقة العمليّة بالعالَم على نحو كامل أكثر مما كان يمكن أن توفّره لي تحليلات

فينومينولوجية ما زالت بعيدة عن الهدف. لم يحدث هذا العكْسُ في يوم واحد، ومن خلال إضاءة

مفاجئة، فالعَوْداتُ الكثيرة إلى ميدانِي البيارني (استأنفتُ العملَ المخصّص للعزوبة ثلاث مرات)

فُرِضت عليّ لأسباب فنية ونظرية، وأيضًا، بلا شك، لأن عمل التحليل كان مصحوبًا في كلّ مرّة بعمل

تحليلٍ على الذات، بطيءٍ وصعبٍ. هذا يعني أنّه إذا كنتُ لم أتوقّفْ يومًا عن العمل على التوفيق بين الإثنولوجيا وعلم الاجتماع، فذلك

يعود بلا شكّ إلى اقتناعي العميق بأنّ هذا الانقسام الكارثي من الناحية العلمية يجب إلغاؤه جذريًا،

ويعود أيضًا، مثلما رأينا ذلك، إلى أنّ هذا العمل كان وسيلةً لتجنّب الانقسام المؤلم الذي لم أتجاوزه البتَّة، بين جزأين منّي أنا بالذات (الإثنولوجيا وعلم الاجتماع)، ودَرْء التناقضات أو التوتّرات التي

يُدخِلُها هذا الانقسام في ممارستي العِلمية، وربّما في حياتي كلِّها. حدث لي أن عاينتُ «انقلابًا »

استراتيجيًا ساهم كثيرًا في النجاح الاجتماعي (أو الجماهيري) الذي حقّقته الأنثروبولوجيا البنيويّة

لليفي ستروس، باستبدالها المصطلح الفرنسي الضيّق جدًّا «إثنولوجيًا» بمصطلح «الأنثروبولوجيا»،

وهو مصطلح يُشير في الوقت ذاته، بالنسبة إلى مثقّف فرنسي، إلى عمق الأنثروبولوجيا الألمانية

وحداثة الأنثروبولوجيا الإنكليزية. ومع ذلك، لا يسعني إلّ أن أتمنّى أن أرى وحدة العلوم الإنسانية تؤكّد نفسها تحت راية الأنثروبولوجيا التي تعني في الوقت نفسه، وفي جميع لغات العالم، ما نعنيه اليومَ بالإثنولوجيا وعلم الاجتماع.

References

المراجع

Austin, John L. Sense and Sensibilia. Oxford: Oxford University Press, 1962. Bourdieu, Pierre. "Célibat et Condition Paysanne." Études Rurales. no. 5–6 (Avril– Septembre 1962). __________. "Les rites institution." Actes de la recherche en Sciences Sociales. no. 43 (Juin 1982).

(32) Pierre Bourdieu, Le Bal des Célibataires: Crise de la société paysanne en Béarn (Paris: Seuil, 2002).

__________. "Espace social et genèse des ‘classes’." Actes de la recherche en Sciences Sociales. no. 52–53 (Juin 1984). __________. Homo Academicus. Paris: Minuit, 1984. __________. "De la règle aux stratégies: Entretien avec Pierre Lamaison." Terrains: Anthropologie & sciences humaines , no. 4 (Mars 1985). __________. "The Scholastic Point of View." Cultural Anthropology. vol. 5, no. 4

__________. "De la maison du roi à la raison d’État: Un modèle de la genèse du champ bureaucratique." Actes de la recherche en Sciences Sociales. no. 118 (Juin 1997). __________. Esquisse d’une théorie de la pratique, précédé de trois études d’ethnologie kabyle. Paris: Seuil, 2000. __________. Science de la science et réflexivité. Paris: Raisons Agir, 2001. __________. Le Bal des Célibataires: Crise de la société paysanne en Béarn. Paris: Seuil, 2002. Bourdieu, Pierre et al. La Misère du monde. Paris: Seuil, 1993. Clifford, James & George E. Marcus (eds.). Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography. Berkeley: University of California Press, 1986. Durkheim, Emile. L’Evolution Pédagogique en France. Maurice Halbwachs (intro.). Paris: PUF, 1990. Durkheim, Emile & Marcel Mauss. "De Quelques Formes Primitives de Classification Contribution à étude des Représentations Collectives." Année Sociologique. no. 6

Garnett, David. Lady into Fox: A Man in the Zoo. London: Chatto & Windus, I960. Geertz, Clifford. Works and Lives: The Anthropologist as Author. California: Stanford University Press, 1988. Gouldner, Alvin. The Coming Crisis of Western Sociology. London: Heinemann, 1971. Gupta, Akhil & James Ferguson (eds.). Anthropological Locations: Boundaries and Grounds of a Field Science. Berkeley: University of California Press, 1997. Lévi–Strauss, Claude. La Pensée Sauvage. Paris: Pion, 1962. Marcus, George E. & Michael M. Fischer. Anthropology as Cultural Critique: An experimental moment in the human sciences. Chicago: Chicago University Press, 1986. Rosaldo, Renato. Culture and Truth: The Remaking of Social Analysis. Boston: Beacon Press, 1989). Soulié, Charles. "L’anatomie du goût Philosophique." Actes de la Recherche en Sciences Sociales. no. 109 (Octobre 1995). Wittgenstein, Ludwig. Investigations Philosophiques. Paris: Gallimard, 1986. ________. Remarques sur le rameau d’or de Frazer. Paris: l’Âge d’Homme, 1982. Woolf, Virginia. La Promenade au phare , Maurice Lanoire (trad.). Paris: LGF, 1983. Woolgar, Steve (ed.). Knowledge and Reflexivity: New Frontiers in the Sociology of Knowledge. London: Sage, 1988.