Return to Article Details Southern Theory: Social Science and the Global Dynamics of Knowledge

النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة

Southern Theory: The Global Dynamics of Knowledge in Social Science

فارس اشتي | Fares Echtay *

الملخّص

عنوان الكتاب: النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة . عنوان الكتاب في لغته: Southern Theory: Social Science and the Global Dynamics of Knowledge . المؤلف: ريوين كونيل Raewyn Connell. ترجمة: فاروق منصور. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات: 380 صفحة.

Abstract

ريوين كونيل.Raewyn Connell

Southern Theory: The Global Dynamics of Knowledge: عنوان الكتاب في لغته in Social Science.

الكلمات المفتاحية:
  • النظرية الجنوبية
  • المركز والأطراف
  • التبعية
  • الثقافة الهجينة
  • الاستعمار
Keywords:
  • Southern Theory
  • Center and Periphery
  • Dependency
  • Hybrid Culture
  • Colonialism

عنوان الكتاب:

المؤلف:

ترجمة: فاروق منصور. الناشر: مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 380 صفحة.

النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

يُدخل كتاب النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفةالسوسيولوجيين، أساتذةً وطلابًا ومهتمين، في حقل جديد من المعرفة لم يعتادوه في ما تُرجم ووُضع من كتب في موضوعه، نظرًا إلى ما تضمّنه من غِنى في عرض أبحاث لمفكرين من أستراليا والهند وأفريقيا والعالم الإسلامي وأميركا اللاتينية ونقدها، إضافة إلى عرض آراء علماء الاجتماع في الدول الأوروبية وأميركا الشمالية في الموضوع نفسه. وموضوع الكتاب هو تعامل المفكرين عمومًا، وعلماء الاجتماع خصوصًا مع موضوع علاقة الغرب مع الشرق الذي فضّلت الباحثة ريوين كونيل تسميته «المركز المتروبوليوالأطراف» على التسميات السائدة؛ شمال – جنوب، أو غرب – شرق، أو متقدم – متخلف، أو عالم أول – عالم ثالث. يشتمل الكتاب على عشرة فصول جاءت ضمن أربعة أقسام.

«النظرية الشمالية»

في الفصل الأول من القسم الأول، عرضت ريوين كونيل البدايات الأولى للكتابات التي تلامس فيها معالجة قضايا مجتمعية، واعتُبرت لاحقًا كتابات سوسيولوجية، وكانت استجابة للثورة الصناعية والصراع الطبقي والدولة الحديثة في القرن التاسع عشر، وانتقلت الكتابات الفردية في هذه القضايا إلى تخصص أكاديمي في أواخر القرن التاسع عشر، وقامت مؤسسات بحثية لها في مطلع القرن العشرين، ورافقت ذلك محاولات تجريدية لقوننة حركة المجتمعات ووضع قواعد لدراستها، ومثّلت الحرب العالمية الأولى صدمةً للعلم الناشئ، بانهيار التطوّرية فيه وقيام مفهوم البنية، مع تالكوت بارسونز Parsons Talcott، وتصدّر إميل دوركهايم Durkheim Émile وماكس فيبر Weber Max وكارل ماركس Marx Karl، بصفتهم مؤسسين لعلم الاجتماع، نظرًا إلى الوظيفية عند الأول، والبيروقراطية عند الثاني، والصراع الطبقي عند الثالث. وحَضرت الأطراف في هذه الكتابات، إلّ أنّه حضورٌ من موقع المركز وخدمة لمصالحه، وكآخر يُستدلّ منه على أفضلية المركز وتفوّقه، كما في تطورية هربرت سبنسر Herbert Spencer، وتقسيم العمل لدى دوركهايم، والتقاليد الشعبية لدى وليام غراهام

سومنلر Sumner Graham William، حيث

عُرض ما يتعلق بالأطراف كمجتمعات بدائية، قياسًا إلى المتقدم في المركز، من دون لحظ الزمن ودراسة العلاقة بينهما في المرحلة المتزامنة. في الفصل الثاني، عرضت كونيل ثلاثة نصوص لثلاثة كتّاب من ثلاثة بلدان، هم الأكثر تأثيرًا إحصائيًا: جيمس صموئيل كوليمان James

Coleman Samuel، وأنتوني غيدنز Anthony

Giddens، وبيار بورديو Bourdieu Pierre. ففي كتابه أسس النظرية الاجتماعية، بنى كوليمان نظريته على أساس الفرد في السوق، وفق وضعيتين: الفاعل الأولي المُشكّل على الروابط الأولية، والفاعل الاعتباري المُشكّل على غاية مُدرِج علاقات الفاعل الأول في مجتمعات الأطراف، والثاني في مجتمعات المركز. ولم يولِ كوليمان التجربة التاريخية للإمبراطورية والهيمنة العالمية والأطراف اهتمامًا. وبنى غيدنز نظريته في كتاب تكوين المجتمع: موجز لنظرية الابتناء، على أساس الفاعل في النظام الاجتماعي

في بنية مزدوجة، واعتبرها شاملةً كل العلاقات الاجتماعية كلها وجميع البنى الاجتماعية، وجميع المجتمعات وأنماطها: القبلي، المنقسم طبقيًا، الطبقي، وهي متعاقبة. ولم يأتِ المجتمع الطبقي نتيجةً لتطوّرٍ عمّا سبقه، بل بفعل انقطاعاتٍ هائلة وهيمنتها الآتية بسبب أسبقيتها. وتجاهل غيدنز العلاقة بالأطراف في مرحلتي الاستعمار والإمبريالية، ولم يلحظ هذه العلاقة في نشوء الرأسمالية وقيام الحداثة. وفي كتابه منطق الممارسة، بنى بورديو نظريته على أساس الفاعل الاجتماعي الحامل للهابيتوس، الذي يواجه فاعلين آخرين صراعًا ومساومةً، من أجل الربح في السوق التي تتجاوز الاقتصاد إلى مختلف حقول الحياة الاجتماعية، مُشكبنى لً بذلك ذاتية التوالد، وهي بنى في المجتمعين الحديث وما قبله. وتجاهل بورديو العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، على الرغم من صدور كتابين له عن الجزائر؛ العمل والعمّال، والاجتثاث، إلّ أنهما اقتصرا على العلاقات الطبقية، كما تجاهل المناظرات بين المستعمَرين، على الرغم من أنّه عاش في الجزائر إبان حرب التحرير، وكانت خدمته العسكرية فيها، وكانت أولى دراساته عنها، وأعلن في كتاباته تقديم نظرية تصلح لكل المجتمعات. وخلصت كونيل إلى وسم هذه النصوص ب «ادّعاء العالمية/ العمومية، القراءة من المركز، إقصاء الآخر/ الأطراف، المحو الكبير». وفي الفصل الثالث، عرضت كونيل نصوصًا سوسيولوجية تركّز على مفهوم العولمة، فبيّنت تطرُّق أوائل السوسيولوجيين إلى ما يتجاوز منبتهم في المركز، لكنهم لم يتجاوزوا التخوم الاستيطانية في المستعمرات (حوليات دوركهايم)، وعاد جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى داخل مجتمع المتروبول، ليرسو بعدها على المجتمع ضمن حدود الدولة–الأمة، وبدأ مع صعود النيوليبرالية في ثمانينيات القرن العشرين استخدام مصطلح العولمة صحفيًا، ليرسو الاشتغال عليه سوسيولوجيًا في التسعينيات عبر استقصاء عواقب سياسات المنظمات الاقتصادية الدولية من جهة، وعبر محاولات صوغ تصوّرات بشأن المجتمع الناتج من هذه السياسات. كما بيّنت المضمون النظري الذي أعطي للعولمة باعتبارها مجتمعًا عالميًا، حيث بُنيت على فكرة انهيار الحدود واجتياح الحداثة، وكان السوسيولوجيون بين ثلاثة مقتربات من حيث التعامل معها: مُرحّبٌ بها كتعميم لثقافة عالمية واحدة، ناقدٌ لها لغلبة الاستهلاك وصعوبة تشكيل معايير واستحالة التخطيط الرشيد (زيغمونت بومان Zygmunt Bauman)، ومعارضٌ لها كون دينامية الرأسمالية فيها مدمرة للبروليتاريا (أنطونيو نيغري Antonio

). Negri

كما ناقشت كونيل تناقضات نظرية العولمة في الكتابات السوسيولوجية، التي تدور حول عالميتها، التجانس فيها، والسلطة التي تسعى لها وتقويمها، معتبرةً أنّ هذا التنظير السوسيولوجي على ما فيه من تباين، يرسّخ نظرة بلدان الشمال/ المركز، ويستبعد وجهات النظر الجنوبية، كما يستبعد موقع الجنوب وقضاياه. وتستثني من ذلك غوران ثربورن Therborn Göran الذي تطرّق إلى الاختراق الاستعماري للمجتمعات الجنوبية، واعتبره كارثةً، وإن كان لم يتابع حتى النهاية، وعزَت الباحثة السبب إلى مصادر تمويل هذه البحوث.

ترى كونيل أيضًا أنّ علم الاجتماع المتروبولي شكّل اختصاصات لدراسة الجنوب، أهمها الأنثروبولوجيا التي تراها الدراسة الأهم والأكثر تعاطفًا مع الجنوب، وفي هذا السياق تُدرَج أطروحة كلود ليفي ستراوس Lévi– Claude Strauss البنى الأوّلية للقرابة ضمن مشروع فكر متروبولي؛ إذ تُوظّف بوصفها مصادر لتركيبها في نظام ينطوي تطبيقه على تمزيق مفاهيمي للحقائق الاجتماعية المحلية، إضافة إلى تجاهله التحولات التي جرت تحت تأثير الإمبريالية. وكذا قالت في مقاربة إيمانويل والرشتاين Immanuel Wallerstein للنظام العالمي في عمله ذي التأثيرات الكبيرة في النظام العالمي الجديد الذي ركّزَ فيه على أنماط علاقات المتروبول بالأطراف، واعتبر العولمة مرحلةً تاريخية، لا نوعًا جديدًا من المجتمع، حيث رأت أنّه بقيَ أسيرَ النظرة المتروبولية، وظلّ ضمن طريقة الانغلاق الفكرية للاقتصاد السياسي (برجوازية – بروليتاريا، نخب الدولة)، وكذلك من ناحية تعميم نموذج تحليلي مطوّر بالفعل للمتروبول. وتخلص كونيل إلى أنّ «المشكلة الأساسية للمقاربات العلمية– الاجتماعية المدروسة في هذا الفصل، هي منطقها الجيوسياسي، حيث تعوّل بصورة حصرية على المتروبول، من أجل أدواتها وافتراضاتها الفكرية، ومن ثم تُعامل عالم الغالبية باعتباره موضوعًا، وهذا يغلق الباب أمام إمكان أن تعمل العلوم الاجتماعية عملها، بوصفها عملية تعلُّم مشتركة، وحوارًا على مستوى النظرية» (ص. 117)

«النظر جنوبًا»

في القسم الثاني، تقدّم كونيل أستراليا نموذجًا لمقاربة علم الاجتماع المتروبولي بلدًا في الأطراف، وتوضّح كيف نَمت السوسيولوجيا المحلية فيه، وبدائية الحياة فيها وكثافة حضور جاليات المستعمرين؛ إذ كانت أستراليا حاضرةً في أعمال سوسيولوجيي المتروبول وعلمائه (تشارلز داروين Darwin Charles، وأوغست كونت Comte Auguste، وإدوارد بيرنت تايلور

Tylor Burnett Edward، ووليام سمنر William

Sumner، وسبنسر، وفرانسيس جيمس غيلن

Gillen James Francis، وليستر ف. وارد Lester

Ward. F، ودوركهايم)، لكنه حضور إثنوغرافي عن البدائيين ومنجم معلومات عنهم، كما في القبائل المحلّية في أستراليا لسبنسر وغيلن، والأشكال الأولية للحياة الدينية لدوركهايم. ولم يخرق السوسيولوجيون الأوائل في أستراليا ذلك، بل أتوا من الجاليات الأوروبية الوافدة، وكان خرقهم من موقعهم بوصفهم مستوطنين وعلى قاعدة سوسيولوجيا المركز، كما في كتاب وليام إدوارد هيرن Edward William Hearn حكم طبقة الأغنياء ومنزل العائلة الآرية، وكتاب فرانسيس أندرسون Anderson Francis السوسيولوجيا في أستراليا. كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى مرحلةَ تكوين السوسيولوجيا الأكاديمية في أستراليا، مع فير غوردون تشايلد Childe Gordon Vere، وإلتون مايو Mayo Elton، وأدولفوس بيتر إلكين

Elkin Peter Adolphus، وأوسكار أويسر Oscar

Oeser، من خلال دراسات إثنوغرافية عن مجتمع المستوطنين والبنى الاجتماعية والشخصية عبر برامج بحثية، فتجاوزت جهود سوسيولوجيي المركز الإثنوغرافي إلى بحث قضايا ومشكلات أسترالية (النشأة في مدينة أسترالية، الجماعة الأسترالية الحديثة، ثبات الاستسلام الاستعماري في العقل الأسترالي، «س في أستراليا» " X in Australia"، المجتمع الأسترالي)، إلّ أنها بقيت

ضمن مناهج المركز واتجاهاته ومدارسه وفي حقله.

«النظرية الجنوبية»

تعرض كونيل في القسم الثالث، وعلى مدى أربعة فصول، الإنتاج السوسيولوجي، وما يؤسس له في أفريقيا وأميركا الجنوبية وإيران والهند. في الفصل الخامس، تعرض الباحثة محاولات أفريقية حديثة عدة: مساهمات في سوسيولوجيا المعرفة من شعر شفوي (1986) للسوسيولوجي النيجيري أكنسولا أكيوو Akiwowo Akinsolo وما  تعرّض له من نقد؛ وفلسفة البانتو) 1945(للمبشّر البلجيكي بلاسيده تمبلز Placide Tempels؛ والأديان والفلسفة الأفريقية (1969) لجون مبيتي John S. Mbiti؛ ومقالة في التفكير الفلسفي الأفريقي (1987) لكوامي جيكي Gyekye Kwame؛ والمعرفة الداخلية: مسارات للبحث لمجلس تنمية البحوث الاجتماعية في أفريقيا (1994)؛ والحياة المحلية في جنوب أفريقيا (1916 لسولومون تشيكيشو بلاتييه) Sol T. Plaatie، حيث يحلّل الأخير بدقة الحالتين السياسية والاجتماعية في جنوب أفريقيا، مبيّنًا دور السيطرة على الأرض وتعطيل حيازتها في ظل الاستعمار في نمط الهيمنة ووعي الجماعات وعملية التغير. ويحاول الثاني (المبشر)، مواجهة نزعة عند البيض بالقول بوجود ثقافة متماسكة وعميقة عند الأفارقة ويُعتدّ بها، وهي أقرب إلى الله من الأوروبيين، واقتصر على رفض أساليب الاستعمار، من دون أن ينفيه. وتدرّجت المحاولات الأخرى ضمن محاولة استنباط رؤية عامة أنطولوجية وفلسفية من الشعر الشفوي والحكمة التقليدية والثقافة الشعبية. وفي الفصل السادس، تعرض كونيل كتابات جمال الدين الأفغاني وجلال آل أحمد وعلي شريعتي، وتدرك أنهم لا يمثلون المسلمين كافةً، لشيعيتهم وإيرانيتهم. فالأفغاني لم يقدم نظامًا فكريًا على طريقة مجايليه سبنسر وفريدريك إنجلز Engels Friedrich، بل «أوجد نقاط انطلاق للتبادل الثقافي؛ فقد فتح مشكلات وأنشأ نماذج للنقاش طوّرها مفكرون فيما بعد [...] وكان واحدًا من أوائل المفكرين في أي مكان في العالم الذين حاولوا تعبئة موارد الثقافتين معًا لتوليد إجابة قوية، على المستويين العملي والفكري، على الإمبرياليين» (ص. 177). وتمثّل ذلك بدفاعه عن الدين في كتابه رسالة الرد على الدهريينلصنعه أناسًا شرفاء ومجتمعًا أنبل، وتماسكًا اجتماعيًا، فالدين مفتاح التقدم، والإسلام بين الأديان هو الأفضل، لأنه الأكثر عقلانية، كما قال بالمقاومة التي رآها في خليفة لجميع المسلمين، وبجمع ثقافة المستعمِرين بعد تطهيرها، مع اكتساب العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الاجتماعية من الإمبرياليين، وذلك لتغيير ميزان السلطة العالمي. وانتقد جلال آل أحمد في كتابه التسمم بالغرب، المتأثرين بالغرب، ثقافةً وعاداتٍ ومقتنياتٍ، سواء أكانوا الحاكمين أم المفكرين العلمانيين، كما انتقدَ رجال الدين الذين لم يكتشفوا جوهر الإسلام المقاوم. أما علي شريعتي، الأكثر معاصرةً من الأفغاني وآل أحمد، فيشاركهما الشراسة في معارضة الإمبريالية، كما قرَن الخطاب بالممارسة والعودة إلى الإسلام في هذه المعارضة، إلّ أنه يتميز منهما بإعادة تفسير الإسلام في ضوء مهمات المواجهة والإصلاح، باعتبار الدين حاضنَ ثقافات الأطراف وحصنها. وحاول شريعتي فهم المجتمع الإيراني خصوصًا، والمجتمعات الإسلامية عمومًا، في

ضوء الفكر الماركسي في المركز المتروبولي معدلً. ففي كتابه علم الإسامأعاد قراءة استشهاد الحسين بن علي في ضوء الصراع ضدّ الظلم، ونَقدَ نظرية ماركس حول نمط الإنتاج في ضوء العلاقة بين المركز والأطراف، وهي علاقة رأسمالية في الأساس، ونقدَ المؤسسة الدينية ورجالها في تحجّرهم، والمفكرين العلمانيين في تبعيّتهم، وفسّر آيات القرآن في ضوء المساواة بين الرجل والمرأة ومقاومة الظلم وتحقيق العدالة، فاتحًا باب الاجتهاد على مصراعيه. وفي أثر ذلك، أدرجت كونيل كتابات شريعتي ضمن مشروع نقد الثقافة الغربية على قاعدة التجديد في الإسلام وإعادة اكتشاف الهوية المحلّية. وفي الفصل السابع، تعرضُ كونيل الكتابة السوسيولوجية في أميركا اللاتينية، وهي كتابة غنيّة بدأت في خمسينيات القرن العشرين، وتنامت بعد الثمانينيات، وتختار من بينها الكتابات التي تلامس موضوعها وذات التأثير، وتتمثل في: كتاب التنمية الاقتصادية في أميركا الاتينية ومشكاتها الرئيسة (1949) للأرجنتيني راؤول بريبش Prebisch Raúl الذي ميّز فيه بين اقتصادات المركز واقتصادات الأطراف، ضمن ترابطهما في منظومة واحدة لا يمكن  فكّها، واقتصاد السوق الحرة عكس التجربة التاريخية للمركز،   لا حقائق الأطراف، ودعا إلى إعادة تشكيل العلاقة بينهم، عبر التصنيع بدلً من الاستيراد، ورفع مستوى حياة الجماهير ودراسة الحياة الاقتصادية في أميركا اللاتينية بعقلانية وموضوعية. وكتاب فرناندو هنريكي كاردوسو

وإنزو فاليتو Fernando Henrique Cardoso

Faletto Enzo التبعية والتنمية في أميركا الاتينية (1971) الذي ينتقد نموذج بريبش ونظرية التبعية البنيوية الماركسية، حيث يرى الباحثان أن التغيّر الاقتصادي ينطوي على «تفاعل معقّد بين سياسة الطبقة وتشكيل الدولة وإقحام اقتصادات الأطراف في نظام عالمي متغير» (ص. 218)، وسردا هذا التغير على مستوى القارة، مبيّنين الاختلاف بين نمطي التنمية فيها. وكتاب أرييل دورفمان Ariel

Armand Mattelart وآرمان ماتلار Dorfman

كيف تقرأ دونالد دك، الذي حللّا فيه مئة إصدار من كتب الكرتون لديزني، وبيّنا العالم الذي تُبنى بوساطته شخصيات الأطفال، بما يكرّس ثبات النظام العالمي واختفاء السلطة العائلية، وحضور الثروة اليسيرة من دون إنتاج وإجرام الطبقة العاملة وتوحّش سكان الأطراف، وكشفا بذلك الأواليات الداخلية للهيمنة الثقافية المتروبولية، وإنْ لم يقدّما حلًّ. وكتاب التشيلي مارتن هوبنهاين Martin Hopenhyen لا  رؤية، لا اندماج (2001) الذي ركّز على طرائق جديدة للتفكير وأشكال جديدة للمعرفة، بعد نهاية مشروعات الاشتراكية الكبرى والتنمية المخطط لها، فبيّن أزمتَي الوضوح والتناسق اللتين تعانيهما العلوم الاجتماعية في أميركا اللاتينية، وعدم تلبية نظريات التنمية والتبعية والماركسية، هي تعقيدات الواقع، على الرغم من ريادتها، إلّ أنّه لم يخرج عن المركز في تحليلاته؛ إذ تبنّى رأي أصحاب السرديات الصغرى جان وجان Jean–François Lyotard فرانسوا ليوتار بودريار Baudrillard Jean، ودافع عن العقل اليوتوبي. أما مؤلفات نيستور غارسيا كانكليني Néstor Canclini García: الثقافات الشعبية في الرأسمالية (1982)؛ الثقافات الهجينة (1990)؛ مستهلكون ومواطنون (1995)؛ الأميركيون الاتينيون يسعون لمكان في هذا القرن (2002)، فركّز فيها على التحول في الثقافة الشعبية في الأطراف، حيث أدخلها النظام الرأسمالي في مشروعه، «بعملية

مستمرة من فك السياقية وإعادة بناء المعنى[...] ثقافة السكان الأصليين ليست مطموسة، لكنها مجزّأة، لقد أخذت عناصرها من فضائها الفكري وأعيد تجميعها في سياقات جديدة؛ الأسواق والمحال السياحية وبيوت المشترين والمتاحف» (ص. 237)، وكذلك ركّز على التحول في المجتمع الزراعي المحلي بتجزئته وإدخاله في نظام السوق الرأسمالية. إضافةً إلى انتقاد الافتراضات السائدة عند حركات المعارضة بشأن ثنائية حديث – ما قبل حديث، أمة – محلة، فنون – حرف، في مجتمعات أميركا اللاتينية، ويطرح فرضية المجتمع الهجين. كما يبيّن غياب الثقافة المشتركة في المدن الجديدة، مثل مكسيكو، ووجود تجارب مشتركة، وتأدية وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة دورًا فاعلً في تدمير الفعاليات الثقافية على المستوى الوطني والاعتداء على الاستقلال الثقافي والتنوّع على مستوى العالم. وتلخّص آراؤه بالدعوة إلى إعادة تشكيل المجال العام في أقطار أميركا اللاتينية، حيث المجتمعات هجينة، والتفكير بأشكال جديدة من العمل السياسي بالاشتغال على تعدد الثقافات بوصفه مفتاحًا للديمقراطية، وكذلك الدعوة إلى تجاوز علم الاجتماع القائم على السرديات الفوقية والعامة، الذي اصطدم بالوقائع في أميركا اللاتينية، والاستفادة من الفكر ما بعد الحداثي للتحرير. في الفصل الثامن، تَعرِض كونيل الكتابة السوسيولوجية في الهند عبر التركيز على تجربةٍ رائدة تمثلت بدورية دراسات التابع Subaltern Studies التي أسسها راناجيت جحا Guha Ranajit في عام 1982، وكتب فيها عددٌ كبير من المفكرين ذوي الأصول الماركسية، إضافةً إلى التّطرق إلى كتابات سوسيولوجيين آخرين اهتموا بالقضية النسوية التي لم تولِها الدورية الاهتمام الكافي. هدفت دورية دراسات التابعإلى «تعزيز النقاش المنهجي والمطلع لموضوعات تابعة في حقل الدراسات في جنوب آسيا» (ص. 244)، ونقطة البداية فيها «السيطرة من دون هيمنة وعلم تأريخها»  (ص. 249). فينتقد جحا في العدد الأول التقاليد الرئيسة للكتابة عن تاريخ الهند، طارحًا «مجالً آخر، مستقلً بذاته، للحياة الشعبية والوعي والسياسة، ولهذا المجال تعابيره الخاصة وقيمه المعبّر عنها بحوادث مثل انتفاضات الفلاحين»، واعتُبرت، انطلاقًا من سياسة حركات الفلاحين والعمال، لا من عفويتها، مشروع توثيق سياسة الشعب، فأعادت قراءة حركات التمرد في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من الخلفية الماركسية لغالبية كتّاب الدورية، فإن نمط الإنتاج الماركسي نُقد، واعتبر أنّ أنماط الإنتاج لا تختزل به. وحدّدَ بارثا شاترجي Chatterjee Partha في الأمة وشظاياها ثلاثة أشكال أخرى لأنماط السلطة؛ الطائفي والإقطاعي والبرجوازي، وهي متداخلة، درسها من دون إسقاط النماذج السائدة عليها. أما بخصوص دراسات الجندر والعنف والنظرية النسوية التي لم تولَ العناية الكافية في الدورية، فأوردت كونيل دراسة راكا راي Ray Raka للسياسة النسوية في كلكوتا ومومباي؛ وكتاب نانديتا غاندي Gandhi Nandita ونانديتا سينغ Shah Nandita النظرية والممارسة في الحركات النسائية المعاصرة في الهند؛ وكتاب فاندنا شيفا Shiva Vandana البقاء على قيد الحياة: النساء والبيئة والتنمية؛ وكتاب فينا داس Veena Das الأحداث الحرجة؛ وكتاب محمد ممداني Mamdani Muhammad عندما يصبح الضحايا قتلة؛ وكتاب أشيس ناندي Nandy Ashis العدو الحميم. وتُدرج هذه الكتابات في إبراز

العنف ضد المرأة وحركات مواجهته، وتشكك في البحوث الإثنوغرافية التي ينتجها المركز عن المرأة الهندية، وتطرح رأيًا لافتًا لكارامشاند غاندي Gandhi Karamchand: «إن محاربة الاستعمار بالشروط التي وضعها الاستعمار نفسه، تعني الهزيمة من البداية، على المرء أن يخطو خارج أنْ يكون لاعبًا أو لاعبًا مضاد ا، في النظام» (ص. 272)

«تأملات فكرية أنتيبودية»

في القسم الرابع من الكتاب، حاولت كونيل استكشاف مشروع وجهات نظر جنوبية لعلم اجتماع عالمي، من خلال ما عرضته في الأقسام الثلاثة السابقة، وأبدت رأيها في ذلك من خلال مقترحات محددة. ففي الفصل التاسع، تأخذ كونيل على علماء اجتماع المركز عدم اهتمامهم بالمكان، خلافًا لآدم سميث Smith Adam، وترى أنّ حركات السكان الأصليين في عددٍ من البلدان في أواخر القرن العشرين، أعادت الاعتبار إلى المكان، وأصبحت حقوق الأرض قضيةً سياسيةً رئيسةً. وقدّم كتاب نانسي وليامز Williams Nancy البولنغو وأرضهم؛ وكتاب سول بلاتييه Plaatje. T Sol الحياة المحلية في جنوب أفريقيا ومقالة مايكل دودسون Michael Dodson «حقوق الأرض والعدالة الاجتماعية»، وتجربة كونيل نفسها في ميناء سيدني، نماذج عن ذلك، عبر حضور تصوّرين عن الأرض، عبّرت وليامز عنهما بالقول: «إن الناس في النظام الأوروبي يملكون الأرض، في حين أنّ الأرض هي التي تملك الناس في نظام الأبوريجين» (ص. 288)؛ إذ ينظر التصوّر المتروبولي إلى حيازة الأرض باعتبارها موقعًا للإنتاج، يحقّق ربحًا في تبادلات السوق، وحاول المستعمرون إيجاد فئة من السكان مالكين لها، وإدخالهم في نظام السوق، في حين ينظر السكان الأصليون إلى الأرض بوصفها موطنًا، لا ملكية، ترتبط بتاريخهم وتصوّراتهم عن الوجود. وفي الفصل العاشر، تجهد كونيل لتلخص ما عرضته عبر ستة محاور، يصلح أن يسمى مشروعها لنظرية جنوبية في علم الاجتماع، حيث ترى ما يلي: 1. إنّ إنتاج المعرفة السوسيولوجية في الأطراف متفاوت، بتفاوت مواقع إنتاجها، وتعاملت النظرية الشمالية مع تجربة الأطراف لمَحوها، وإبطال هذا المحو هو المهمة، ولا يكون بالتركيز الضيّق على الجنوب، ولا بتكويم وصف فوق وصف، بل بربط مواضيع البحث بالبنى التي قد تشكّلها سياسات التغيير بشأنه وبالشؤون السياسية للناس. 2. إنّ إنتاج المعرفة وتداولها محصوران في جامعات ومؤسسات الأقطار الغنية، وممولّان منها، وينجذب علماء الاجتماع في الأطراف إليها؛ لوفرة التمويل وتوافر وسائل البحث من جهة، وجاهزية المصطلحات والأفكار من جهة ثانية، وحضور اللغة العالمية القوي من جهة ثالثة، وصناعة النشر من جهة رابعة، حيث تظهر بوضوح سيطرة متروبولية في العلوم الاجتماعية وهامشية طرفية. 3. حكم العلاقات بين المعارف منذ التوسع الاستعماري، عدمُ اعتراف علماء المركز بمعارف الأطراف، واقتصر تعاملهم معها على وصف لبناء نموذجهم عن التطور، من دون نفاذ في آلياتها،

وانحكامها بالخطاب الفردي والسرديات الكبرى، ولم يخرق التنظير ما بعد الحداثي  الأسلوب الفردي، وإنْ شكك في السرديات الكبرى، كما لم ينجُ علماء الاجتماع في الأطراف من استخدام المفاهيم المتروبولية وآلياتها، وترى النظر من أسفل، كما فعل جورج لوكاتش Lukaes Georg وجورج بلاندييه Blandier Georges في المركز، وسميث وشريعتي وهوبنهاين وكانكليني في الأطراف، تحدّيًا للأطر المهيمنة، وقد يكون الاشتباك والنقد والاحترام والاعتراف المتبادل قواعد للتعلم وتوحيدًا لعلم الاجتماع. 4. تتطلب المعرفة الاجتماعية بوصفها علمًا، الافتراض والقابلية للتصحيح أولً، وافتراض القدرة على التعميم ثانيًا، والصدقية ثالثًا. وقد تتوافر هذه المتطلّبات في السوسيولوجيا المتروبولية، إلّ أنه توافر في حدود مجتمعات المركز المتروبولي. 5. تتقدم المعرفة السوسيولوجية المتروبولية لغلبة المركز نفسه، ويتطلّب التغيير إعادة ترتيب الأدوات في المركز أولً؛ وإنهاء تبسيط علم الاجتماع في الأطراف والعثور على أسس غير متروبولية للسلطان الثقافي (أي مرجعية ثقافية للأطراف مغايرة للمرجعية المتروبولية) ثانيًا؛ وإبقاء الشك في المعرفة الاجتماعية ثالثًا؛ والترابط بين المشروعات الفكرية من موقع تباين مواقعها رابعًا. 6. إنّ في علم الاجتماع تراثًا معاديًا للديمقراطية، لارتباط إنتاجه بالشركات والدول الرأسمالية، وهو في ازدياد، في حين أنّ التراث الديمقراطي محصور ومحاصر، وتقترح كونيل أربع طرائق تخدم فيها علم الاجتماع غايات ديمقراطية: أولً، نمو الرحمة بالتضامن مع المرفوضين، وقد يساعد تعدد مراكز علم الاجتماع في ذلك؛ ثانيًا، ممارسة النقد بالبحث في قضايا تهزُّ مسلّمات النيوليبرالية وتثير حساسيتها، مثل الفقر والعدالة والمساواة وإعادة بناء النظام العالمي الجديد؛ ثالثًا، إنتاج معرفة تحتاج إليها الحركات الديمقراطية؛ رابعًا، تحدي احتكار قلة متميزة في مجال المعرفة، لمصلحة قيام تنوع قائم على الاعتراف والمناقشة.

خاتمة

يقود هذا العرض لكتاب النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة، إلى سؤال: هل قدّمَ الكتاب جديدًا في موضوعه؟ وما القول في ما قدّم؟ قدّم الكتاب عرضًا غنيًا وشاملً إلى حدٍ بعيد للمفكرين السوسيولوجيين في المركز والأطراف في موضوعه، وهو وإنْ شابَه نقصٌ في عرض آراء مفكرين من البلدان العربية، كمالك بن نبي والطاهر الحداد وعلي الوردي وغيرهم، ومن البلدان الإسلامية غير إيران (تركيا، باكستان، إندونسيا) وأوروبا الشرقية، وهو يشكل مرجعًا للإحاطة بإنتاج مفكرين غير معروفين جيدًا للقارئ العربي، بمن فيهم دارسو السوسيولوجيا والمتخصصون فيها، فجاء عرض ريوين كونيل لأبحاثٍ من أفريقيا وأميركا اللاتينية وأستراليا والهند، كدعوةٍ للتوجّه نحو خارج المركز المتروبولي، للاستفادة من تجارب هذه البلدان محل الدراسة، إضافة إلى إلقاء الضوء على جانب غير معروف بما يكفي في كتابات سوسيولوجيي المركز. إلّ أن هذا العرض المثير لم تبلوره كونيل في تصورٍ لبناء نظري، فما توصّلت إليه يمكن تلخيصه بالقول: إن العلم يتطلب الافتراض والقابلية

للتصحيح والصدقية ليعمم، وهذا هو واقع الحال في المركز المتروبولي، لكنه محصورٌ بحدوده، حيث تتحكم الشركات والدول في إنتاجه وتحاول محو الإنتاج المعرفي في الأطراف، وهو إنتاج متفاوت تبعًا لتفاوتات مواقعه، الأمر الذي يتطلّب خروجًا عن ذلك بإجراءين: أولً، إجراء في الأطراف بعدم الانغلاق على الذات، وعدم التبسيط، وإنتاج أسس موائمة للبحث، وربط مواضيعه بالبنى والسياسة وقضايا الناس، وبما يخدم الديمقراطية. ثانيًا، إجراء في العلاقة بين المركز والأطراف، بالاعتراف المتبادل وممارسة النقد. يحمل   ما خلصت إليه كونيل ملامسةً لطريق مغايرة للإنتاج المعرفي، من دون أن يأخذ مداه في الاستفادة مما عرضت، ومن دون أن تبلور رؤية لنظرية جنوبية. ففي ما عرضت أوردت بإشادة، كتابات لمفكرين في المركز قدّموا مساهمات تنتقد سياساته، كما أوردت كتابات مميزة لمفكرين في الأطراف، مثل علي شريعتي في إيران، وكاردوسو وفاليتو وهوبنهاين وكانكليني في أميركا اللاتينية، ودورية دراسات التابعفي الهند، وهي كتابات يغلب عليها طابع الأخذ بمناهج مدارس وكتّاب المركز، خصوصًا المعارضة منها كالماركسية وما بعد الحداثة، والاشتغال على قضايا محدّدة في بلدانهم، بما يعمّق المعرفة العلمية فيها. الأمر الذي يعني أولً، عدم التعميم بمواجهة مركز – أطراف؛ وثانيًا، التعمق في المناهج التي استخدمها هؤلاء، والقضايا والمواضيع التي درسوها، والمفاهيم التي طوروها ليُبنى في ضوئها جديدٌ في العلم. في أثر ذلك، أرى أنّ جنوبية النظرية التي طرحتها غير واضحة وغير دقيقة، فهي أعلنت في المقدمة غاية الكتاب؛ «اقتراح طريق جديد إلى نظرية اجتماعية ستساعد علم الاجتماع في خدمة الأغراض الديمقراطية على مستوى عالمي» (ص. 11)، وبررت استخدام تعبير النظرية الجنوبية بثلاثة أسباب: التنبه لعلاقات الأطراف بالمركز، إنتاج نظرية في المركز دون الأطراف حتى في قضاياه، وجود تبلور للفكر الاجتماعي في غير المركز. ولم تحدد ما تعني بالنظرية ربما لبداهتها، إنما أوردت عرضًا، حيث كتبت «نعني بالنظرية، التنظير الذي يحاول أن يشكّل أو يصوغ رؤية عريضة للاجتماعي» (ص. 61)، موضحةً أنّ «مجال النظرية الممارسات الاجتماعية والكائنات الإنسانية بشكلٍ عام. وتشتمل نظرية البناء على جميع العلاقات الاجتماعية وجميع البنى الاجتماعية وجميع المجتمعات» (ص. 70). ويعني هذا عدم الوضوح بما تقصد بالعنوان: هل هو بناء نظرية؟ وهي لم تحدد ماذا تعني بذلك، أم عرضٌ لتنظيرات جنوبية؟ وهو ما قامت به، وهناك فرق كبير بين الاثنين. يوحي العنوان، وكذا عناوين الفصول، بوجود عِلْمين: شمالي متبلور، وجنوبي في طريق التبلور، أو هذا ما تسعى له الباحثة، فهل الأمر كذلك؟ فللعلم (وكل معرفة)، كما يوضح عبد الله إبراهيم، وجهان: وجه يتخطّى الشروط البنيوية المجتمعية التي أنتجته، ووجه لا يتخطاها، وهما وجهان يستحيل التمييز بينهما، الأمر الذي يشكل على الباحثين والدعاة بين القائلين بالوجه الأول للعلم «عالميته»، والقائلين بالوجه الثاني منه «محليته»، وهذا ما هجست كونيل به، بالقول بنظرية جنوبية، في مقابل نظرية شمالية، وقال به بنبرةٍ مشددة كثيرون. وقد يكون المخرج من استحالة التمييز بين الوجهين ما قال به إبراهيم، في وعي التمييز بين الوجهين، وبذل الجهد

للاقتراب منه، وفي وعي استحالة التمييز بالنزول إلى الواقع المجتمعي مزوّدين بالتمييز، وما زوّدنا من معرفة لإعادة إنتاج المعرفة في المجتمعات الأخرى. إن مجتمعات الأطراف ما عادت  مجتمعات «صافية» في طرفيتها أو «أصالتها»، حيث فرض الاستعمار والإمبريالية، بمراحلها، وصولً إلى «العولمة» الراهنة، على مدار ما ينيف على قرنين، علاقات بين المركز والأطراف على المستويات كلها، آلت إلى قيام مجتمعات هجينة. وبناء عليه، أرى أنّ ما قدمته الباحثة جدير بالقراءة والمتابعة لما أوردته من كتابات من الأطراف، لم يتح السائد من التوجهات والترجمات الاطلاع الكافي عليها، وهي جديرة بالمتابعة للهاجس الذي واكبَ النص، والمتمثل بالإنتاج الفكري الساعي لفهم إشكاليات بلدان الأطراف، وتعزيز مكانة المرأة ونشر الديمقراطية. إلّ أنها جانبت الدقة في استخلاص ما عرضت، سواء بادّعاء نظرية جنوبية، أو ببناء تصوّر نظري يصلح لاشتغال المفكرين عليه، خصوصًا أنها عرضت كتابات مهمة في هذا المجال، ومنها كتابات غارسيا كانكليني في أميركا اللاتينية وراناجيت جحا في الهند.