Return to Article Details The Future of Demographic Shifts in the Arab World

مستقبلات التحولات الديموغرافية ورهاناتها عربيًا

The Future of Demographic Shifts in the Arab World

عمر المغربي | Omar Almagharebi *

الملخّص

عقدت دورية استشراف التي تعنى بالدراسات المستقبلية، ندوةً بعنوان "مستقبلات التحولات الديموغرافية ورهاناتها عربيًا"، وذلك يوم الخميس 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، عبر تطبيق "زووم"، وبُثت على منصات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وشارك في الندوة تسعة باحثين من سبعة بلدان عربية، تناولوا العديد من القضايا والموضوعات الديموغرافية، مثل: التحولات الديموغرافية في العالم العربي، والهجرات الدولية، وإشكالية الموارد والتنمية المستدامة، وأزمة السياسات الاجتماعية والسكانية في الدول العربية، والاحتياجات التنموية والفرص الديموغرافية المرتقبة، وغيرها. وتوزعت أبحاثهم على ثلاث جلسات تناولت التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية برمّتها، إضافة إلى دراسة حالات عينية تخص سورية ولبنان والجزائر وفلسطين وقطر وعُمان. وتصدر هذه الأبحاث ضمن العدد الخامس من الدورية.

Abstract

Report on the Istishraf Symposium, 26 November 2020

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • التحولات الديموغرافية
  • الإسقاطات الديموغرافية
  • تنمية
  • الهجرة
Keywords:
  • Forecasts
  • Demographic Shifts
  • Demographic Projections
  • Development
  • Migration

تقرير حول ندوة دورية استشراف للدراسات المستقبلية 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 «The Future of Demographic Shifts in the Arab World»

Report on the Istishraf Symposium 26 November 2020

مقدمة

يُطرح سؤال الديموغرافيا كلما ظهر أحد الإشكالات الاجتماعية أو الاقتصادية المعاصرة؛ مثل المناخ وأزمة الموارد والنمو الاقتصادي والهجرة والتعليم والصحة والدمقرطة. ولا يزال هذا السؤال يكتسي أهمية وراهنية، نظرًا إلى التغييرات الديموغرافية الكبيرة التي شهدها العالم العربي في العقود الأخيرة، وما رافقها من تغييرات سياسية واجتماعيَّة؛ إذ حازت البلدان العربية، فترةً طويلة مقارنة ببقية العالم باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء، أحد أعلى معدلات النمو والخصوبة في العالم. ودخلت، مع وجود اختلافاتٍ في التوقيت والسرعة، مرحلة «الانتقال الديموغرافي»، الذي يدلّ على مسار يتسم بالسيطرة على معدلات الوفيات والخصوبة والحد منها. وتربط بعض المقاربات هذا الانتقال بعملية التحديث في المجتمعات العربية. ويؤكد بعض الباحثين أن للتركيبة السكانية أثرًا كبيرًا في التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، لا سيّما إذا أخذنا الطفرة الشبابية التي عرفها العالم العربي في الحسبان. وللوقوف عند أهمية سؤال الديموغرافيا وإلحاحه، وفي ظل الحاجة الماسة إلى نظرة استشرافية إلى مختلف القضايا المرتبطة بالتحولّات الديموغرافية في البلدان العربية، عقدت دورية استشرافالتي تعنى بالدراسات المستقبلية، ندوةً بعنوان «مستقبلات التحولات الديموغرافية ورهاناتها عربيًا»، وذلك يوم الخميس 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، عبر تطبيق «زووم»، وبُثت على منصات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وشارك في الندوة تسعة باحثين من سبعة بلدان عربية، تناولوا العديد من القضايا والموضوعات الديموغرافية، مثل: التحولات الديموغرافية في العالم العربي، والهجرات الدولية، وإشكالية الموارد والتنمية المستدامة، وأزمة السياسات الاجتماعية والسكانية في الدول العربية، والاحتياجات التنموية والفرص الديموغرافية المرتقبة، وغيرها. وتوزعت أبحاثهم على ثلاث جلسات تناولت التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية برمّتها، إضافة إلى دراسة حالات عينية تخص سورية ولبنان والجزائر وفلسطين وقطر وعُمان. وتصدر هذه الأبحاث ضمن العدد الخامس من الدورية. يقدم هذا التقرير الخلاصات والنتائج التي عرضها المشاركون في الندوة، والتي تُعدّ أساسًا يمكن البناء عليه في دراسة التحولات الديموغرافية مستقبلً في العالم العربي الذي يمر بسلسلة من التحولات والتغييرات على المستويين المحلي والدولي.

أولا: قضايا أساسية في التحول الديموغرافي عربيًا

1. مراحل التحولّات الديموغرافية في العالم العربي وخصائصها

استهل الندوة يوسف كرباج، الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للدراسات السكانية بباريس، الذي دعا إلى تصوّر جديد لقراءة التحولات الديموغرافية في العالم العربي. ففي حين يقسم التحول

الديموغرافي في العالم العربي عادةً مرحلتين؛ التحول الديموغرافي والتحول الديموغرافي العكسي، يرى كرباج تحولً جديدًا يتطلب إضافة مرحلة ثالثة تتمثل في عودة مرحلة التحول الديموغرافي، الذي يمتاز بأنه مدفوعٌ بأسباب الفقر وتردّي الأوضاع الاقتصادية، لا بفعل التنمية والازدهار الاقتصاديَّين. يشير كرباج إلى أن المرحلة الأولى من التحول الديموغرافي اتسمت بانخفاض معدلات الخصوبة، نتيجة تضافر مجموعة من الثورات الثقافية والصحية وغيرها. فقد جاء التحول الديموغرافي العربي متأخرًا عن باقي دول العالم؛ إذ بدأ في البلدان الأوروبية في القرن السادس عشر. وجاء هذا التحول حادًا رغم تأخره؛ إذ انخفضت معدلات الخصوبة انخفاضًا سريعًا عام 2000، على نحوٍ دفع بعض الديموغرافيين العرب إلى الحديث عن «معجزة ديموغرافية»؛ فتباطؤُ النمو السكاني له آثار إيجابية في مجالَي الاقتصاد والسياسة، ومنها: زيادة المدخرات الوطنية والاستثمارات الاقتصادية، ورفع إجمالي الناتج المحلي للفرد، كما يساهم في زيادة فرص العمل، وخفض مستويات التطرّف السياسي والاضطرابات الاجتماعية. وانعكست آثار هذا الانتقال الديموغرافي على البنى الاجتماعية والثقافية في البلدان العربية؛ إذ أصبح الإنجاب قرارًا يتخذه الزوجان بمعزلٍ عن الضغوط الأسرية والمجتمعية، كما أدى إلى تطوُّر في التركيبة العائلية، فشهدت الأسرة تحولً من أسرة أبوية إلى أسرة نووية تتكون من عدد أقل من الأطفال. ويؤكد الباحث أن لهذه التحولات أثرًا مباشرًا في صناعة أحداث الربيع العربي؛ ذلك أن الأسرة الكبيرة والهرمية في الماضي، كانت على اتصال بالنظام السياسي السلطوي، على نحو يجعل الانتقال إلى العائلة النووية أحد شروط الخروج من السلطوية. أمّا عن مرحلة الانتقال الديموغرافي الأخيرة، فقد لاحظ كرباج عودةً لارتفاع معدلات الخصوبة منذ عام 2010، بعد انخفاضها الملحوظ في الفترة السابقة في العديد من البلدان العربية مثل مصر والمغرب والجزائر، وحتى تونس التي مثَّلت نموذجًا مثاليًا يصبو إليه الديموغرافيون العرب، بسبب انخفاض معدلات الخصوبة التي شهدت ارتفاعًا. وفي المقابل، لم تعرف بلدان الخليج العربي ارتفاعًا في معدلات الخصوبة، رغم توافر الثروات الهائلة والوجود الأجنبي الكبير، وتوخّي سياسة سكانية تُبدي رغبتها في استبدال السكان الأجانب بالمواطنين، وتشجِّع على الإنجاب وتأسيس عائلات كبيرة. ورأى أن أسباب هذا الانعكاس الديموغرافي لا يمكن معرفتها من خلال استقراء السياسات السكانية في بلدان منطقة الشرق الأوسط، والدليل على ذلك أن تركيا وإيران تشهدان انخفاضًا متزايدًا في معدلات الخصوبة على الرغم من أن سياساتهما السكانيَّة كانت مشجِّعة على الإنجاب. ويقترح تفسيرين لهذا الانعكاس الديموغرافي أحدهما ثقافي والآخر اقتصادي؛ فمن خلال قراءة اللاوعي الاجتماعي في البلدان العربية، يمكن التوصّل إلى نتيجة مفادها أن الثقافة الاجتماعية في بعض الدول العربية تحبِّذ الإنجاب وتشجِّع عليه، والمثال الأبرز على ذلك مصر التي تُجمع فيها الأطراف السياسية، سواء اليمينية أو اليسارية، على تشجيع «الإنجابية». أما التفسير الاقتصادي فنجده بالنظر إلى واقع المرأة في سوق العمل داخل المجتمعات العربية، إذ يلُاحَظ خروج عدد كبير من الإناث من سوق العمل في السنوات الماضية، علمًا أنّ النشاط الاقتصادي للإناث له الأثر الأكبر من بين العوامل المؤثرة في تحديد النسل

(مثل التعليم والصحة وغيرهما). أضف إلى ذلك الانخفاض المستمر للدخل القومي والاستنزاف المتزايد للموارد الطبيعية والارتفاع المشهود لنسب البطالة والفقر.

2. التحولّات الديموغرافية والهجرة

ينتقل محمد الخشاني، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث حول الهجرة، في دراسته إلى تناول أثر التحولات الديموغرافية الناتجة من الهجرات العربية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، انطلاقًا من واقع تلك الهجرات وأنماط تفاعلها مع الأزمات الأوروبية الداخلية. ويؤكد الخشاني أن المنطقة العربية عرفت واحدًا من أكبر معدلات النمو السكاني في العالم نتج منه زيادة كبيرة في السكان؛ إذ تضاعف عدد سكانها ثلاث مرات في أقل من خمسة عقود (2020–1970)، وصاحَب هذا النمو طفرةٌ شبابية مثَّلت فرصة مهمة للعمل على برامج التنمية الاقتصادية في البلدان العربية. غير أن هذه الهِبة الديموغرافية لم تُستغل لمجموعة من الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فأدى ذلك إلى تزايد كبير في معدلات البطالة، خصوصًا بين فئة الشباب القادرين على العمل، ما حدا بمجموعاتٍ كبيرة منهم إلى طلب الهجرة واللجوء. وأشار الخشاني، في معرض تناوله واقع الهجرات العربية، إلى أهمية التمييز بين المشرق والمغرب العربيَّين في مستويين هما حجم الهجرة وبلدان المقصد؛ إذ بلغ عدد المهاجرين واللاجئين من المشرق العربي 17.5 مليون مهاجر عام 2017، وهو ما يمثل 76 في المئة من الحجم الكلي للهجرة العربية. أما في ما يتعلق بالمغرب العربي، فإن عدد المهاجرين وصل إلى 5.6 ملايين في العام ذاته. لكن إذا حاولنا النظر إلى الهجرة العربية من زاوية بلدان المقصد، فإننا نجد أن 86 في المئة من مهاجري المغرب العربي قد قصدوا البلدان الأوروبية، في حين لم تتجاوز نسبة مهاجري المشرق العربي 7.5 في المئة للبلدان نفسها. ويتوقع الخشاني ازدياد الرغبة في الهجرة إلى أوروبا في البلدان العربية عامةً، نظرًا إلى تردّي الأوضاع الاقتصادية وتفاقم الاضطرابات السياسية، فضلً عن سياسات تقنين العمالة الوافدة التي تتبعها بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الأعوام الماضية. وتشهد المنطقة العربية نموًا سكانيًا كبيرًا، في حين أن الضفة الأخرى من المتوسط تعاني انخفاضًا كبيرًا في معدل الولادات، ويمكن ملاحظة ذلك على نحو واضح عند النظر إلى مؤشر الخصوبة في بلدان المقصد، مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا؛ إذ تُعد معدلات الخصوبة في الدول الأوروبية من أدنى المعدلات في العالم، بحيث لا تسمح بتجديد الأجيال، وبات التغيير الطبيعي للسكان سالبًا منذ عام 2015 في العديد منها. والمقصود هنا بالتغيير الطبيعي هو الفارق بين أعداد الوفيات والولادات. ويرافق انخفاض معدلات الخصوبة انخفاض نسبة الأشخاص القادرين على العمل. وبهذا تصبح الأزمة الحقيقية التي تواجهها الدول الأوروبية تتعلق بتزامن شيخوخة السكان وانخفاض معدلات الخصوبة، ففي غياب تدفقات الهجرة سينخفض عدد سكان الاتحاد الأوروبي في عام 2060 بنسبة 14 في المئة، وعدد السكان في سن العمل بنسبة 20 في المئة، وذلك بواقع 75 مليونًا. وتبرز في هذا

السياق أهمية الهجرة الدولية بوصفها حلً لهذا العجز الديموغرافي الكبير، غير أن الأزمات الأوروبية الداخلية قد تقف عائقًا أمامه. وفي سياق استعراض العوائق أمام الهجرة الدولية، ذهب الخشاني إلى أن ثمة ثلاثة تناقضات أوروبية أساسية تقف الهجرات إزاءها، وهي: أولً، تناقض السياسات الأوروبية في مجال الهجرة، والتي تتنازع عليها مجموعة من العناصر المتضاربة، مثل حاجة السوق الاقتصادية إلى الأيدي العاملة، والمعيقات القانونية للمهاجرين، والتوظيف السياسي للهجرة، والخلاف بين الشركاء الأوروبيين، والتركيز على التعبئة الشاملة من أجل محاربة الهجرة غير النظامية عوض العمل ب «مقاربة شاملة» تحاول الاستفادة من رأس المال البشري الوافد. وثانيًا، تزايد المواقف الرافضة للهجرة ممثلةً بالتيارات اليمينية المتطرفة التي شهدت رواجًا في السنوات الأخيرة، جعل بعضها يشارك في الائتلافات الحكومية مثل ما حدث في بلجيكا وإيطاليا واليونان والدنمارك وفنلندا؛ إذ جعلت هذه الحركات معاداة الهجرة محور خطابها الشعبوي. ويلاحظ أنّ الضرر الأكبر الذي تحققه هذه الحركات هو أنها تشجع قوى اليمين التقليدي على معاداة الهجرة لأسباب سياسية وانتخابية. وثالثًا، التمييز الذي يعانيه المهاجرون في المجال الاجتماعي، إذ تقف العنصرية عائقًا أمام اندماج قطاعات واسعة من المهاجرين واللاجئين في البلدان المضيفة. ويخلص إلى القول إن على الدولة الأوروبية ألّ تتعامل مع الهجرة الدولية باعتبارها واقعًا مُرًّا، بل هي ضرورة تنموية يفرضها واقع شيخوخة السكّان، وحاجة المجتمعات الأوروبية إلى القوى الفتيّة في سوق العمل. وهكذا لا يشكّل المهاجرون أزمة أو مشكلة يجب حلها، بل فرصة يجب استثمارها والاستفادة منها.

3. أزمة الموارد وحقوق الأجيال المقبلة

في إطار مقاربة مماثلة في مداها الجغرافي تشمل العالم العربي بأسره، عرض الحسين شكراني، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، وإبراهيم المرشيد، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة نفسها، أثر الضغوط الديموغرافية في استدامة الموارد الطبيعية في المنطقة العربية، انطلاقًا من فكرة الإنصاف بين الأجيال، الذي يعني النظر في قدرة الدولة على تلبية احتياجات الأجيال الحالية، من دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها؛ ذلك أن رفاهية الجيل الحالي قد تُشكِّل خطرًا داهمًا على حياة الأجيال المقبلة. واستند الباحثان منهجيًا إلى الفكر المتعدد الأبعاد للفيلسوف الفرنسي إدغار موران Morin Edgar، وحاولا توظيف المقاربات الفلسفية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والقانونية لدراسة هذا الموضوع، الذي يتقاطع بين مجالات الديموغرافيا والموارد الطبيعية والاقتصاد. ودرس الباحثان إمكانية وجود تقاطعات أو ترابطات بين ديناميات وضغوط التحولات الديموغرافية التي عرفها العالم العربي في العقود الماضية، في ظل تراجع المخزون العربي من الموارد الطبيعية إلى مستويات مقلقة وغير قابلة للاسترجاع، وبحثَا مدى إمكان ضمان الاستدامة الجيلية. ومن ثم طرحا مسألة أهمية الاستدامة على المدى البعيد، التي تصطدم بدورها بصورة النظام السياسي، إذ يبرز

تناقض جوهري بين فكرة الاستدامة ومنظومة الديمقراطية التمثيلية Democracy Representative التي لا تسمح بطرح خطط طويلة المدى، بسبب قصر فترات السلطات التنفيذية فيها. واقترحا بديلً منها هو الديمقراطية الإيكولوجية Democracy Ecological، كما وضع مفهومها دومينيك بورغ Bourg Dominique. أما على المستوى الاقتصادي، فطرحا مسألة الإنصاف بوصفها قضية مركزية للتفكير في الاستدامة، إذ يجب وضع حدٍ لعنجهية السوق، وتحديدها من خلال مجموعة من القيم العقلانية، بحيث تتوافر مراوحة بين فكرة الربح من جهة، وحماية الأرض المحدودة الموارد وحقوق الإنسان من جهة أخرى. واقترح هذا الطرح ربطًا متشابكًا بين الفرص التي يتيحها الاقتصاد، وتلك التي تتيحها الموارد الطبيعية، أو ما أطلقا عليه الاستغلال المعقلن للموارد. وخلص الباحثان إلى تأكيد وجود ترابط فعلي بين التحولات الديموغرافية ومستويات استنزاف الموارد الطبيعية، إضافة إلى تحديد إطار نظري لهذا الترابط وما يتصل به من حماية واستدامة للموارد الطبيعية من منظورات الفلسفة والاقتصاد والقانون. وبما أن المنطقة العربية تشهد ارتفاعًا في معدل النمو السكاني وازديادًا متسارعًا في نطاق التمدُّن، إضافة إلى الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة الأحفورية، وعدم الاهتمام بالأجيال المقبلة، فقد أكدا على ضرورة مراعاة مجموعة من القضايا الأساسية: أولً، يتعلق التحدي الكبير الذي تواجهه الأمة العربية بربح معركة الاستدامة، لكن ليس وفق المفهوم النيوليبرالي. ثانيًا، كان من الممكن للدول العربية، وإن كان بدرجات متفاوتة، أن تستفيد من التحولات الديموغرافية في إطار الهِبة الديموغرافية، من خلال تثمين العنصر البشري، وجعله قادرًا على إنتاج الثروة. ثالثًا، تأكيد إمكانية تجاوز المنظور النيوليبرالي من أجل حماية الموارد للأجيال العربية المقبلة، في سياق أهمية تجاوز حدود عنجهية السوق في استهلاك الموارد الطبيعية.

ثانيًا: مستقبلات التحولات الديموغرافية: دراسة حالات عربية

تناولت الأبحاث الثلاثة الأولى العالم العربي في كليته، أما بقية الأبحاث فعرضت دراساتٍ قُطرية ركزت على حالات سورية ولبنان والجزائر وقطر وعُمان وفلسطين.

1. القطيعة الديموغرافية في سورية

سعت مدى شريقي، الباحثة في الديموغرافيا والأستاذة في قسم علم الاجتماع بجامعة تشرين، في دراستها الحالة السورية، إلى استطلاع الآفاق المستقبلية للتحولات الديموغرافية في سورية، من خلال تتبع العناصر الثلاثة للحركية السكانية (الولادات والوفيات والهجرة)، مؤكدةً فكرة القطيعة الديموغرافية، إشارة منها إلى أهمية إعادة النظر في فرضيات البحث الديموغرافي في سورية في ظل الاضطرابات والتحولات التي عرفتها منذ عام 2011، والتي ذهبت في إثرها التوقعات الديموغرافية السابقة أدراج الرياح. ولا تتوقف أهمية هذه الدراسة على قيمتها الاستشرافية للتحولات الديموغرافية السورية فحسب، بل تعود إلى كونها تجربة بحثية ديموغرافية في ظروف استثنائية من شح البيانات وتضاربها.

تفيد شريقي أن القطيعة الديموغرافية التي عرفتها سورية في العقد الأخير ترافقت مع قطيعة أخرى على مستوى البيانات، إذ توقف التعداد السكاني الرسمي في عام 2014، ولم يعد السجل المدني مصدرًا موثوقًا لعدم دقة بياناته. كما اختفت محافظات بأكملها عن تلك السجلات، فضلً عن متابعة الهيئات الرسمية برامجها الإحصائية في ظل فرضية «الاستمرارية الديموغرافية»، من دون النظر إلى استثنائية ما حدث مطلع العقد المنصرم، إضافةً إلى تباين تقديرات الأرقام الإحصائية، تبعًا لتوجهات الجهات التي تُصدر التقارير والدراسات. وفي ضوء هذا الاضطراب في البيانات، انتهجت الباحثة ثلاثة سبل من أجل تجاوز هذه العقبات: أولً، ارتكزت في قراءتها الكمية على مقارنة البيانات من مصادر متعددة في محاولة للتوفيق بينها. ثانيًا، الاعتماد على فهمها للمنظومة الاجتماعية والثقافية السورية في سنوات الحرب. ثالثًا، موضعة التجربة السورية ضمن إطار تجارب الصراعات والنزاعات التي خبرتها مجتمعات أخرى. وأكدت الباحثة ضرورة فهم التحولات الديموغرافية التي تشهدها سورية من منظور القطيعة الديموغرافية في سيرورة التحول الديموغرافي، خصوصًا أن الدراسات والأبحاث السابقة في هذا المجال لم تعد صالحة لقراءة التحولات الجارية، فضلً عن التنبؤ بالمستقبل؛ إذ تبدو أعداد الوفيات في ارتفاع مستمر، لا سيّما وسط فئة الشباب المنخرطين في الاشتباكات المسلحة، أمّا على المستوى العام فأعداد الوفيات، بطبيعة الحال، تتأثر بتعطُّل العمليات التنموية وتراجع الخدمات العامة والصحية والتعليمية. وفي المقابل، تشهد أعداد الولادات انخفاضًا ظرفيًا، بفعل مجموعة من العوامل المثبطة للإنجابية، غير أن تأثير هذه الظروف المثبطة مؤقت، إذا أخذنا في الاعتبار خصوصية المجتمع السوري الثقافية والاجتماعية، بحيث يمكن أن نتوقع أن التغييرات المؤقتة التي تحدث بسبب شدة اضطراب الظروف السياسية والاجتماعية، ستعوَّض لاحقًا من خلال تعديل التقويم الزمني للإنجابية على المدى الطويل، إذ تؤجَّل حالات الإنجاب لتأتي لاحقًا، بحيث يحدث تبدُّل في توقيت الإنجاب انتظارًا للاستقرار. واستنتجت شريقي أن هذه التغييرات في الولادات لن تقود إلى نمو سكاني مرتفع داخل سورية لسببين: أولً، بسبب تعويض عدد الوفيات الكبير لأعداد الولادات المتزايدة. وثانيًا، بسبب حركات النزوح الخارجية والهجرة التي لن تتوقف ما لم تستقر الأوضاع الداخلية.

2. الخطط السكانية والتنمية في لبنان

عَملت حلا نوفل، أستاذة الديموغرافيا والدراسات السكانية في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية، على تقييم البرامج والخطط والسياسات السكانية والتنموية اللبنانية في العقود الأربعة الماضية (بداية من التزام لبنان في مؤتمر القاهرة 1974)، في سبيل الكشف عن الفرص التي فوّتها لبنان لمعالجة القضايا المتعلقة بالتنمية السكانية. كما استعرضت مجموعة من الفرص التي يمكن أن تستثمرها الدولة اللبنانية في وضع الاستراتيجيات السكانية والتنموية. وفي واقع الأمر، أنشأ لبنان العديد من الآليات المؤسسية لمعالجة العوامل السكانية وإدماج الاهتمامات السكانية في الاستراتيجيات الائتمانية والخطط القطاعية، كما بذل جهودًا لجمع البيانات وتنفيذ الدراسات والأبحاث لتشكِّل قاعدةً ومرجعية لوضع السياسات والبرامج والخطط. غير أن معظم هذه الخطط باء بالفشل لأسباب مختلفة.

وأشارت نوفل، في سياق حديثها عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، إلى أن معدل التنمية الاقتصادية شَهد تطورًا متواضعًا، على الرغم من التوسع في الإنفاق الحكومي وحجم المساعدات الدولية الكبيرة. كما لاحظت أن النمو الاقتصادي كان دائمًا أقل من أداء التنمية البشرية، على نحو دفع إلى تزايد في معدلات البطالة وتقلُّص فرص العمل. وإضافة إلى تردّي معدلات التنمية الاقتصادية، نزح قرابة مليون لاجئ سوري إلى المناطق الأكثر حرمانًا، ففرض ذلك ضغطًا إضافيًا على سبل العيش والخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، في بلدٍ يعاني تردّيًا في تلك الخدمات أساسًا. أما على الصعيد البيئي، فإن لبنان يعاني العديد من الأزمات التي تبدأ بتدهور الموارد المائية وتلوث الهواء، ولا تنتهي بمشكلات الصرف الصحي والنفايات الصلبة وفقدان التنوع الحيوي. ويأتي كل ذلك ليعزز الحاجة إلى المبادرات الحكومية والأعمال الإصلاحية. وأكدَّت أن أزمة لبنان الحقيقية لا تكمن في وضع المخططات السكانية أو سنّ التشريعات القانونية، بل في تنفيذ هذه المخططات وتحويلها إلى سياسات وبرامج فعلية. وذكرت أمثلة على تلك المخططات، من قبيل الوثيقة الوطنية للسياسة السكانية في لبنان (2001)، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية والبرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقرًا (2008)، وبرنامج عمل وزارة البيئة (2013–2011)، وبرنامج السكان والتنمية (2014–2010). غير أن هذه الخطط لم تحقق أهدافها النهائية؛ إذ لم تصدّق السلطات التنفيذية بعضها، أما بعضها الآخر ففشل بسبب غياب الشفافية والمساءلة عن المؤسسات المكلَّفة بتنفيذها، ما دفع إلى تنفيذ العديد من الخطط والبرامج في إطار المحاصصة السياسية التي حرمت الكثير من الناس الاستفادة منها. وعلى الرغم من هذه التحديات، ترى نوفل أن هناك مجموعة من الفرص المرتقبة التي يمكن لبنان استغلالها؛ إذ استطاع في السنين الماضية تخفيض عدد الوفيات وزيادة معدل الحياة المتوقَّع للأفراد، كما رفع من مستوى خدمات التعليم والرعاية الصحية، وخفَّض معدلات الخصوبة. غير أن هذه الإنجازات مهددة بالتراجع في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية، وتدهور القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، وارتفاع سعر الدولار. لذلك اقترحت الباحثة ضرورة التزام لبنان تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030، التي تمثِّل إطارًا شاملً لوضع الاستراتيجيات والخطط الوطنية. كما يجب على تلك الاستراتيجيات والخطط أن تتكيف مع مستوى التنمية المستدامة القابلة للقياس وأهدافها، بحيث تعكس الروابط بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتنمية.

3. الشيخوخة السكانية في الجزائر

سعت كريمة بوعزيز – أستاذة محاضرة في جامعة الجزائر 2 – في دراستها إلى رسم معالم ظاهرة الشيخوخة السكانية في الجزائر بوصفها نموذجًا للحركة الديموغرافية في المجتمعات العربية، إضافةً إلى محاولة تقييم الاحتياجات المستقبلية لشريحة المسنّين، وأهم التحديات والمشكلات التي تواجهها، واقترحت مجموعة من السبل والطرق التي يمكن من خلالها حل تلك المشكلات وتجاوزها. ولاحظت بوعزيز أن المرحلة الثانية من الانتقال الديموغرافي في الجزائر بدأت عام 1986، وظهر ذلك من خلال انخفاضٍ ملحوظ في فئة الشباب، بالتزامن مع انخفاض مستمر في مؤشر مستوى الإعالة

الإجمالي. وقدّرت بوعزيز أن المعامل الإجمالي سيتراجع خلال الفترة 2030–2000 سبع عشرة نقطة. وبناء عليه، فإن شيخوخة السكان في الجزائر على المدى الطويل، وزيادة أعداد المسنين (الأفراد الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة) باتتا حقيقةً أكيدة، حيث من المتوقع أن تبلغ نسبة السكان المسنين 22 في المئة من إجمالي سكان الجزائر، علمًا أنه يمكن الحديث عن مجتمعٍ في سن الشيخوخة، عندما تراوح نسبة السكان المسنين بين 10 و 12 في المئة. وتنبئنا هذه الأرقام عن حراك ديموغرافي هادئ ذي نتائج بعيدة المدى، ويصعب التنبؤ بكامل تحولاتها على المدى البعيد مع تغيرات الواقع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لذلك، على الدولة الجزائرية مواءمة سياساتها الاجتماعية والاقتصادية والصحية مع شيخوخة سكانها، لا سيما في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي والخدمات الصحية والمرافق العامة، خاصةً أن أهمية الدور الذي تؤديه الدولة في رعاية المسنين في ازدياد مستمر، نظرًا إلى تراجع نموذج الأسرة التقليدية الممتدة التي شكلت، فترةً طويلة، الداعم الرئيس لكبار السن في المجتمع الجزائري والمجتمعات التقليدية. وفي سياق استعراض الملامح السوسيوديموغرافية الصحية للأشخاص المسنين في الجزائر، وجدت أنه ليس ثمة فروق في توزيع المسنين تبعًا للجنس، كما أن معظمهم يقطنون المناطق الحضرية. واللافت للانتباه أن 86 في المئة من المسنين يعانون الأمية، ويمكن فهم ذلك باعتبارهم ينتمون إلى جيل الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي؛ إذ عاشوا في فترة الاستعمار الفرنسي الذي جعل التعليم حكرًا على فئة معينة من المجتمع. أما في ما يتعلق بواقع التكافل والتضامن الاجتماعي والصحي مع المسنين في الجزائر فما زالت الأسر التقليدية تنوء بالحمل الأكبر. ومع ذلك، فإن الدولة والمجتمع المدني والجمعيات يوفر جميعها مجموعة من برامج الرعاية المخصصة للمسنين والخدمات، مثل: توافر العلاج المجاني في المؤسسات الصحية العامة للمسنين، ووجود تخفيضات كبيرة لفائدتهم في أسعار وسائل النقل البرية والبحرية والجوية. غير أن العقبة الأساسية التي تواجه جميع هذه البرامج هي ضعف مستوى الخدمات التي يجري تقديمها والمعاملة غير العادلة التي يتم توفيرها بسبب ممارسات الإقصاء والمحسوبية، التي يعانيها الكثير من تلك البرامج. وبناء عليه، وفي ظل تعاظم الشريحة السكانية للمسنين، يجب تكييف السياسات الاجتماعية والصحية مع التحولات الديموغرافية المستقبلية. ويمكن ذلك من خلال تعزيز وتحفيز الاهتمام بقضايا الشيخوخة على مختلف المستويات، وضرورة تحسين الظروف المعيشية للفئات المسنة، من خلال خلق برامج اجتماعية وخدماتية متنوعة وبلورة استراتيجيات داعمة لكبار السن، وإنشاء مصالح متخصصة بالمشاكل الصحية التي يعانيها المواطنون في مرحلة الشيخوخة، خاصةً أن الأجيال الجديدة من المسنين تختلف من حيث المؤهلات والاحتياجات والمتطلبات عن الأجيال السابقة.

4. تحديات السياسات السكانية في الخليج العربي: قطر وعُمان

تناول عبد الهادي المري، مدير المكتب الفني في اللجنة الدائمة للسكان بجهاز التخطيط والإحصاء في قطر، في دراسته مسألة اختلال التركيبة السكانية في دولة قطر وأبرز تداعياتها وآثارها في الواقع القَطري. وأبرزُ مظاهر هذا الاختلال هو الحجم الكبير لفئة العمالة الوافدة، وهي قضية مشتركة في دول

مجلس التعاون بعامة؛ إذ بدأت دولة قطر في استقطاب العمالة الوافدة في فترة طفرة الموارد الطبيعية، وترافقت مع إطلاق الكثير من المشاريع التنموية. وساهمت العمالة الوافدة بصورة إيجابية في تلك المشاريع، خاصةً مشاريع البنية التحتية، ولكن إلى جانب الدور الإيجابي للوافدين الجدد ثمّة آثار سلبية في التركيبة السكانية للبلاد. وفي تحليله عناصر النمو السكاني، ذكر المري أنّ معدل الخصوبة لدى القطريين شهد انخفاضًا في الفترة 2018–2006، بسبب التغييرات الثقافية والاجتماعية، مثل اتجاه النساء نحو العمل والتأخر في سن الزواج. أما عن معدل الوفيات فقد أدى تطوّر المنظومة الصحية إلى انخفاض كبير في أعداد الوفيات، سواء لدى المواطنين القطريين أو المقيمين. وأخيرًا ثمة عامل الهجرة/ العمالة الوافدة، وهو العامل الأشد تأثيرًا في التركيبة السكانية في قطر، إذ ينخرط 95 في المئة من العمالة الوافدة في النشاط الاقتصادي القطري، مقابل 5 في المئة فقط من المواطنين القطريين. ويرى أن الأثر الإيجابي للعمالة الوافدة يبرز بمساهمتها في النهضة التنموية الشاملة، وفي ارتفاع مؤشر التنمية البشرية. أما الآثار السلبية فيعبّر عنها اختلال التركيبة العمرية لسكان قطر، إذ تبرز شريحة الشباب العازبين، وتبلغ نسبة الذكور إلى الإناث 1:3. واختتم المري دراسته باقتراح مجموعة حلول للتعامل مع أزمة التركيبة السكانية، منها دعم التوجه نحو اقتصاد المعرفة، والاعتماد على الأتمتة في المصانع، بحيث يتم التقليل من القطاعات التي تحتاج إلى عدد كبير من العاملين. واقترح كذلك وضع مجموعة من التشريعات والسياسات لتسهيل دخول الشركات التي تعمل بنهج الأتمتة في المناقصات الحكومية. كما شدد على ضرورة الاستمرار في رفع القدرة الاستيعابية للمؤسسات الخدمية وتحسين نوعيتها، إضافة إلى أهمية تعزيز الأمن والسلامة المجتمعية، والحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية، والسعي إلى زيادة نسبة المواطنين عن طريق البرامج والتشريعات المناسبة. وفي ما يخصّ القضايا الديموغرافية في سلطنة عُمان، درس مبارك الحمداني، وهو باحث في الأمانة العامة لمجلس الشورى العُماني، قضية التحولات الديموغرافية المستقبلية في عُمان، وإذا ما كانت السياسات الاجتماعية قادرة على استيعاب تلك التحولات. وأشار إلى وجود مسألتين مركزيتين في السياق العُماني تجعلانه مختلفًا عن محيطه الخليجي، وهما: عدم وجود سياسة سكانية مكتوبة وواضحة، واقتصار العمل الاجتماعي أو العمل في حقل السياسات الاجتماعية على الاعتبارات المؤسسية من دون وجود تأطير مركزي أو سياسي واضح. وانطلاقًا من هاتين المسألتين، عمد إلى تحليل واقع الإسقاطات السكانية لسلطنة عُمان عام 2040، بالتوازي مع الوثائق المتعلقة باستراتيجيات العمل الاجتماعي في السلطنة، لقياس مدى قدرة السياسات الاجتماعية الراهنة على استيعاب التحولات الديموغرافية مستقبلً. وخَلُص الباحث إلى ضرورة الانتباه إلى ارتفاع نمو شريحتين عمريتين، هما: الشباب القادرون على العمل والمسنّون؛ إذ من المتوقع أن تمثل شريحة السكان القادرين على العمل ثلثي السكان في عُمان

بحلول عام 2040، ويُعد ذلك أمرًا مقلقًا في ظل انتشار البطالة وتزايدها في السنوات السابقة، خاصة بين فئة الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 19 و 25 سنة. كما أن ثمة ضعفًا واضحًا في الاستثمار في رأس المال البشري. وتبرز أيضًا تحديات ثقافية من قبيل أن الكثير من العمانيين يفضلون العمل في القطاع العام نظرًا إلى ما يوفره من امتيازات واستقرار وظيفي. أما في ما يتعلق بفئة كبار السن، فإن نسبتها ستزيد لتصل إلى 10 في المئة من إجمالي السكان عام 2040، وتُعدّ هذه الشريحة الثقل الأكبر على نظام المساعدات الاجتماعية والضمان الاجتماعي على المدى الطويل، خصوصًا إذا أخذنا في الحسبان التحولات الثقافية والاجتماعية التي أدت إلى تغيير القيم الأسرية؛ ذلك أن الحامل الأكبر للمسنين ممثلً بالأسر التقليدية بدأ في الاضمحلال لصالح الأسر النووية، على نحو سيزيد من عبء الدولة في رعاية هذه الشريحة العمرية، خاصة في القطاع الصحي. وبناء عليه، أبرز الباحث ضرورة أن تؤكد السياسات الاجتماعية العمانية هذه التغييرات، حتى تتمكن مستقبلً من استيعاب هذه التحولات الديموغرافية، وإلا فإنها قد تفضي إلى أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة.

5. فلسطين: تحديات السياسات السكانية تحت الاحتلال

بحث محمد دريدي، الخبير والباحث الفلسطيني في مجال الإحصاءات الاجتماعية والديموغرافية، توقعات الإسقاطات السكانية للسكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية حتى عام 2050، مستشرفًا التحديات والفرص الممكنة التي تساعد صانع القرار الفلسطيني في رسم الأجندة الوطنية والسياسات العامة. ويوضح بدايةً حجم الصعوبات التي تعترض البحث الديموغرافي في فلسطين، نتيجة الاحتلال الإسرائيلي، وحالة حصار غزة، وعدم إمكانية الضبط الدقيق لأعداد الهجرة. وقد اعتمد دريدي في تقدير الإسقاطات السكانية على مراجعة التعدادات السكانية التي أجريت في الأراضي الفلسطينية – آخرها عام 2017 – وفحص محددات النمو السكاني الرئيسة الثلاثة: الخصوبة، والوفيات، والهجرة. في ما يتعلق بمعدلات الخصوبة، لاحظ ارتفاعًا نسبيًا في معدلات الخصوبة مقارنةً بباقي الدول العربية، وذلك رغم المؤشرات التنموية الجيدة مثل التعليم والصحة. ورجّح دريدي، موافقًا دراسة كرباج، أننا قد نجد تفسيرًا لهذه النسبة المرتفعة، بالعودة إلى الظروف الاقتصادية والسياسية التي يعيشها الفلسطينيون. أما في ما يتعلق بنسب الوفيات، فهي تشهد انخفاضًا مستمرًا منذ بداية عقد التسعينيات. ونتيجة لنسبة الخصوبة المرتفعة والانخفاض في معدل الوفيات، فإن معدل الحياة المتوقع للفرد في فلسطين يبقى مرتفعًا. وبالانتقال إلى موضوع الهجرة، أشار إلى تحول في فرضية صافي الهجرة، وذلك بناء على مقارنة التعداد في الفترة 2017–2007، ما يوضح أن الهجرة سالبة، وبناء على ذلك جرى افتراض الهجرة السالبة حتى عام 2030. واستنتج دريدي أن الأراضي الفلسطينية ما زالت في مرحلة مبكرة من التحول الديموغرافي، ويتوقع أن تستمر حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. لذا، ينبغي لصانع القرار الفلسطيني وضع السياسات والخطط والبرامج اللازمة للاستفادة من الهِبة الديموغرافية التي تَعرفها البلاد؛ إذ أشار إلى أن عدد السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية سيتضاعف في غضون 34 عامًا، وهذا يتطلب اتخاذ

الإجراءات اللازمة وتوفير الخدمات العامة والصحية لتتناسب مع حجم النمو السكاني المرتقب. وتَبرز هنا إشكالية الفقر والبطالة، خصوصًا في صفوف شريحة الشباب، التي يمكن مواجهتها من خلال تمكين الشباب وتشجيعهم على العمل الريادي، إضافةً إلى أهمية تحسين جودة التعليم لتزويدهم بالكفاءات. وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يبقى العائق الأساسي أمام أي محاولة لاستثمار الهِبة الديموغرافية التي يوفرها التحول الديموغرافي، مع ما يرافقها من زيادة في نسب الأفراد القادرين على العمل وانخفاض في معدلات الإنجاب، خاصة في ظل عدم استقلال الاقتصاد الفلسطيني وسيطرة إسرائيل على معظم الموارد الطبيعية في المنطقة.

خاتمة

كشفت ندوة استشرافعن حجم التحولات والتحديات الديموغرافية التي تواجهها البلدان العربية في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وأظهرت التقاطع الكبير في ما بينها. كما بيّنت حجم الفراغ في باب الدراسات الديموغرافية عربيًا، إذ يَفتقر البحث الديموغرافي العربي إلى وجود قواعد بيانات تشمل الخصائص السكانية المختلفة، خاصةً أن بعض الدول العربية لا تُجري تعدادات دورية، وبعضها الآخر يجري التعداد في فترات زمنية طويلة نسبيًا، على نحوٍ يَحول دون إمكان دراسة شرائح عُمرية معيّنة مثل الشباب والمسنين ووضع سياسات تناسب احتياجاتهم. وأشارت إلى الحاجة إلى ردم الهوة بين الخطط والسياسات السكانية والتنموية ومؤسسات صناعة القرار، من أجل استيعاب الخطط السكانية في سياسات اجتماعية واضحة، يمكن ترجمتها إلى أهداف فعلية قابلة للقياس والتطبيق على أرض الواقع. وتبرز أهمية ذلك في ضوء تنامي الدور المركزي للدولة العربية في ميدان الرعاية الاجتماعية، تزامنًا مع تراجع الدور الاستيعابي للمؤسسات الاجتماعية التقليدية، والتحولات البنيوية التي عرفتها المنظومة الأسرية، في ضوء التغييرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة العربية في العقود الماضية. وإن أبدت الدراسات، في مجملها، تشاؤمًا في ما يتعلق بمستقبل التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية، وذلك في ظل الفشل المستمر للدول العربية في استثمار الفرص الديموغرافية المتعاقبة، وأنها تُقبل على تحديات ديموغرافية كبيرة مثل شيخوخة السكان وهجرة الشباب وعودة ارتفاع معدلات الخصوبة وغيرها، وهي تحديات تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيشها البلدان العربية، فإنه ينبغي لنا أن نؤكد أنّ الديموغرافيا والنمو الديمغرافي يظلان يتضمنان إمكانات تنموية كبرى، إنْ حَسُن استخدامها وتوجيهها، وأنّ الثروة السكانية العربية تظلّ كامنةً في انتظار توظيفها في مستقبلاتٍ ستسمها بالتأكيد التحولات والانتقالات.