Return to Article Details COVID-19 and Catastrophic Epistemology: Assemblage, Design, Prudence

جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وإيستيمولوجيا الكوارث: التجميع والتصميم والاحتراز

Covid-19 and Catastrophic Epistemology Assemblage, Design, Prudence

فرانسيس أ. بير *

وروبرت هاريمان **

Francis A. Beer & Robert Hariman

الملخّص

أحدث فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) خللًا في العالم بأسره. وتشكّل المعرفة "المعتمدة" (أي المُتّفق على صحتها) جزءًا من العالم الذي شهد هذا الاضطراب؛ إذ تتحدى هذه الجائحة الحداثة التي لم يعُد في وسعها الاكتفاء بإدارة المخاطر وإنكار مسؤوليتها عن الكوارث الحالية والوشيكة. وتسعى إبستيمولوجيا الكوارث للتعلم من كارثة كانت المعرفة نفسها إحدى ضحاياها. وتُعدّ العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب والعلوم الاجتماعية والإدارة الحكومية جزءًا من نُظم تفكير تدرّجية غير مترابطة، لا تقدّم إلّا إجابات جزئية ومؤقتة عن الأسئلة المطروحة حاليًا. لذلك، تقترح هذه الدراسة نقطة انطلاق مؤقتة نحو إعادة ترتيب العلاقات بينها، تشمل عملية استكمال العلوم العادية (المعتمدة)، من خلال بحث موجّه نحو «التصميم» و«الاحتراز».

Abstract

Professor Emeritus, Political Science, University of Colorado, Boulder, USA.

Professor, Communication Studies Department, Northwestern University, Illinois, USA.

الكلمات المفتاحية:
  • الجائحة
  • إبستيمولوجيا
  • معرفة
  • تكنولوجيا
  • مجتمع
Keywords:
  • Pandemic
  • Epistemology
  • Knowledge
  • Technology
  • Society

فرانسيس أ. بير * وروبرت هاريمان ** |

ملخص: أحدث فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) خلل في العالم بأسره. وتشكّل المعرفة «المعتمدة» (أي المُتّفق على صحتها) جزءًا من العالم الذي شهد هذا الاضطراب؛ إذ تتحدى هذه

الجائحة الحداثة التي لم يعُد في وسعها الاكتفاء بإدارة المخاطر وإنكار مسؤوليتها عن الكوارث

الحالية والوشيكة. وتسعى إبستيمولوجيا الكوارث للتعلم من كارثة كانت المعرفة نفسها إحدى ضحاياها. وتُعدّ العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب والعلوم الاجتماعية والإدارة الحكومية

جزءًا من نُظم تفكير تدرّجية غير مترابطة، لا تقدّم إلّ إجابات جزئية ومؤقتة عن الأسئلة المطروحة

حاليًا. لذلك، تقترح هذه الدراسة نقطة انطلاق مؤقتة نحو إعادة ترتيب العلاقات بينها، تشمل

عملية استكمال العلوم العادية (المعتمدة)، من خلال بحث موجّه نحو «التصميم» و«الاحتراز».

Abstract: COVID–19 has disrupted the world, and the epistemology of normal science is part of the world that has been disrupted. The pandemic challenges modernity no longer to settle for risk management while it denies culpability in current and pending catastrophes. Catastrophic epistemology attempts to learn from a disaster in which knowledge itself is one of the casualties. The STEM sciences, social sciences, humanities, and public administration are part of a system of disjointed incrementalism that provides only partial and provisional answers to the questions that now face us. We offer one very provisional point of departure, which includes supplementing normal science with inquiry oriented toward Design and Prudence.

مقدمة

تحطّم الكوارثُ الأعرافَ، وتعجز القناعات والعادات التي تعرّف العالم العادي المسلّم به

عن توفير الحماية أو الوعد باستعادة ذلك العالم نفسه. وتُصبح الأسبابُ مسوّغات، ويفقد

الناس العاديون الثقة بالمؤسسات. أما السلطات، فإما أن تنطق بكلمات جوفاء، وإما أن تتحدث في الفراغ. قد يكون هذا الوضع سمةً مميزةً للقرن الحادي والعشرين، وهو ما يوفر فرصة محتملة لإعادة تعريف المعرفة والمجتمع لحساب عالم أفضل. تبيّن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) الضرر الواقع في العالم والفرص غير المستغلة بعدُ

للتدخل، حيث تحوّل المرض إلى كارثة كشفت عن الكوارث الأبطأ والأعمق في المجتمعات الحديثة

المتأخرة، وهي تشمل التفاوت في الثروات، والعنصرية المنظمة، والخلل السياسي، وعدم الاستقرار البيولوجي، والاحترار العالمي، وكوارث كثيرة غيرها، إضافة إلى كارثة إضافية تكمن في عدم التعلّم، ومن ثم الافتقار إلى الجاهزية من أجل مواجهة الأزمات؛ أي التخلّف عن الانخراط في التعلّم الكثيف الذي يُفضي إلى إعادة التنظيم، والاكتفاء – عوضًا عن ذلك – بتكيّفات تكتيكية في إدارة المخاطر. تميط كارثة ناجمة عن الوباء اللثام عن أزمة إبستيمولوجية بالحجم نفسه. وأطلقنا على المشكلة الثانية هذه اسم «إبستيمولوجيا الكوارث»؛ أي ضرورة التعلّم من كارثة تشكّل المعرفة نفسها إحدى ضحاياها. وتعرض هذه الدراسة لخصائص إبستيمولوجيا الكوارث، وتقترح سُبل تسخيرها من أجل

التحفيز على زيادة التمعّن في مسألة تنظيم العلوم. ونُدرِج تحت كلمة «علوم» جميع فروع إنتاج المعرفة، مثل الفنون وفنون التصميم والعلوم الإنسانية، وغيرها، مع تركيز خاص على ما يُسمّى العلوم

الطبيعية والاجتماعية. وإحدى نتائج مقترحنا البحثي في هذه الدراسة هي ضرورة إعادة النظر في هذه العلوم والمصطلحات المرتبطة بها (ومنها «الطبيعة»)، وفي الوقت نفسه ضرورة دراسة الروابط اللازمة بينها للتصرف بحكمة في البيئات المعقدة الدينامية التي تُحدّد الحياة الإنسانية في حقبة الأنثروبوسين

.Anthropocene

أماطت كارثة فيروس كورونا، أيضًا، اللثام عن صعوبات عديدة؛ أوّلها أنها بعد أن أثارت الممارسات

الفعلية لإنتاج المعرفة اهتمام الجمهور، كشفت عن فجوات لا يُستهان بها بين النواتج المثالية والفعلية،

وإكراهات القياسات الزمنية العلمية والحاجات الاجتماعية الفورية. فعالم مسلّم به، تصل فيه لقاحات الإنفلونزا في الموعد المحدّد في كل خريف، مثلً، يُخلي مكانه لعالم يعجز عن التعامل مع التهديدات

الجديدة إلّ بعد فوات الأوان بالنسبة إلى كثيرين. وهكذا، تفشّت لدى الجمهور نظرة محدودة إلى العلوم، تستند في حكمها إلى ما حدث من تدهور للتوصيف والشرح والتنبؤ والسيطرة. وعوضًا عن نظرة إلى الحداثة باعتبارها توفر حماية وازدهارًا أكبر عن طريق تسخير العلوم والتكنولوجيا، نجد

(1) Francis A. Beer & Robert Hariman, "Learning from the Pandemic: Catastrophic Epistemology,"  Social Epistemology Review and Reply Collective , vol. 9, no. 5 (2020), pp. 19–28.

(((الأنثروبوسين، هي حقبة مقترحة يعود تاريخها إلى بداية التأثير البشري الكبير في جيولوجيا الأرض والنظم الإيكولوجية، بما في ذلك، على سبيل المثال غير المحدود، تغير المناخ الذي تسبّب به البشر.

أنفسنا نسبح، أو ربما نغرق، في بحر من الخطابات. وبدلً من تأكيد ضمني لقدرة الإنسان على إتقان التعامل مع انتظام الطبيعة، بات المجتمع أشبه بسفينة مثقوبة تجنح إلى أفق مظلم. يُميط هذا الحدس اللثام عن معضلة أخرى؛ فأوجه النقص في المعرفة، ملازمة لنظام إنتاجها، ولا يتعلق الأمر بمجرد حوادث يستبعد تكرارها. فالجدران السميكة الشاهقة التي تفصل بين الثقافة والطبيعة هي من الأسباب التي أتاحت تحقيق تقدّم مذهل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب. وتعتمد المرجعية العلمية في هذا المجال على الاستقلال الذاتي العلمي الذي يُعدّ بالتأكيد من أهم عناصر إدارتها المذهلة للإنجازات، لكن ذلك أدّى في الوقت نفسه إلى اختلالات حتمية في الإعداد والتطبيق، وقد يعرقل إعادة التوجّه نحو مشاريع تصميم علمية أكثر شمولية وإنصافًا واستدامة. ومن

جانب آخر، لا ترى العلومُ الإنسانية الطبيعةَ، عادة، إلّ بوصفها خلفية، كما ترى الأصناف غير البشرية بمنزلة ظروف أو قوى خارجية، بدلً من أن تراها عوامل فاعلة ضمن أنماط متعدّدة الأنواع من المنافسة والتعاون. في الوقت الحالي للكارثة، يبدو أي تقسيم إضافي للعمل مُربكًا بوجه خاص. ففي خضمّ العاصفة، تسعى القوى المؤسسية الفاعلة لاستعادة السلطة وحماية التمويل أو الصمود، في حين يصبح الوضع المرجّح هو تقسيم العمل بين إدارة المخاطر من جهة، والنقد الاجتماعي الذي يستهدفها

من جهة أخرى، بين حوكمة (أسلوب حكم) مضبوطة بدقة أعلى، وانكشافاتها على مستوى الإهمال

والتكاليف المستترة والوعود التي نكثت بها. وبالفعل، وثّقت دراسة أجريت مؤخرًا، كيف أنه جرى،

على نحو متعسف، إدراج حتى التصوّرات المروّعة عن الكوارث، مثل الاحترار العالمي، في مجال

إدارة المخاطر. وإذا كان صحيحًا أن كشف تلك الحقيقة لا يُغيّر كثيرًا في حد ذاته، فإنه أمرٌ مفيد

للاستنارة. باختصار، كشفت كارثة فيروس كورونا، شئنا أم أبينا، بوضوح صارخ، عن هشاشة الحداثة، لكن أحد الدروس المهمة التي يجب استخلاصها من ذلك هو اعتبار تنظيم المعرفة جزءًا من المشكلة.

فحينما تعمل الممارسات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية باستمرار على تهجين المورثات في ما بين الأنواع على المستوى العالمي، لا بد من معرفة أنه لا يمكن الفصل بين الثقافة والطبيعة من الناحية العملية. ويتعذّر فصل العلوم عن السياسات عندما تنتج السياسات الحديثة دولً تُجيز المراقبة الجماعية والتفكير السحري الغيبي في آنٍ واحد. وعلى الرغم من المحاولات السابقة التي أجرتها قوى فاعلة؛ مثل القديس توما الأكويني Aquinas Thomas (1274–1225)، أو الموسوعيين الفرنسيين الطموحين، فإنه لا يوجد حتى الآن نظام معرفي مندمج، فضلً عن نظام معرفي وسياسي مندمج، أو نظام معرفي إيكولوجي سياسي للتعامل مع الوقائع المعقّدة التي تواجهنا حاليًا. وعوضًا عن ذلك،

(3) Francis A. Beer & Robert Hariman, "Nature Plays Last: Realism, Post–Realism, Post–Pandemic," E–International Relations , 7/6/2020, accessed on 1/3/2021, at: https://bit.ly/3021tew (4) Chris Methmann & Delf Rothe, "Politics for the Day after Tomorrow: The Logic of Apocalypse in Global Climate Politics," Security Dialogue , vol. 43, no. 4 (2012), pp. 323–344.

توجد اهتمامات وهويات وإبستيمات (أو وحدات معرفية Epistemes) متعدّدة قصيرة النظر، يتجاهل بعضها، أو يتفاعل، ويتشارك، ويتعاون في ما بينها بشكل متنوّع في مختلف الأوقات والأماكن من دون

اندماج. ولا يمكن أن ينحصر الخيار بين تكنوقراطية أوتوقراطية أحادية الثقافة من جهة، وديمقراطية متعدّدة الثقافات من جهة أخرى، فهذه الثنائيات جزء من التداعي الحالي. نحن لا نزعم امتلاك إجابات عن المسائل التي تطرحها إبستيمولوجيا الكوارث، لكننا نؤيّد التفكير في ذلك بجرأة. ولذلك، نقدم في ما يلي لمحة موجزة عن المآزق الحالية التي برزت في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب والعلوم الاجتماعية، ونقدّم بضع اقتراحات لإعادة النظر في الشكل البحثي المحتمل، في قرن أصبحت فيه الكارثة الوضع العادي الجديد للحداثة.

أولا: المعرفة

نظرًا إلى الوضع الحالي، يمكن أن نعتبر دور العلوم الصحية في أزمة جائحة فيروس كورونا مبدعًا.

أولً وقبل كل شيء، كان تحرك المهنيين في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب كبيرًا على كل

المستويات، فقد كثّفوا إنتاج المعرفة، وعزّزوا تطبيقها في ظل تلك الظروف تحديدًا؛ أي الظروف

التي تزيد التعلّمَ واستخلاص الدروس صعوبةً. ومن هذه الظروف، مثلً، إغلاق المختبرات، وتحمّل

المرافق الطبية أكثر من طاقاتها. وأبدى هؤلاء المهنيون، أيضًا، استبسالً شخصيًا وتكيّفًا مؤسسيًا

وابتكارًا متواصلً، مع انخراطهم في الوقت نفسه في تعاون عالمي، بمستويات غير مسبوقة. وبالمثل، جرى التحقق من صحة نظريات الأبحاث الأساسية ومناهجها وتقنياتها وممارساتها؛ من التحليل المورّثي، إلى تحليل البنى الضخمة، وتصدّت فروع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب بطريقتها الخاصة للمشكلة الطبية الخطرة والطارئة. إضافة إلى ذلك، أدركنا أيضًا الفرق بين زمن الأبحاث وزمن الجائحة، ذلك أنّ تطوير لقاح خلال عام إذا كان يُعدّ إنجازًا غير مسبوق، فإنه – مع ذلك – لا يرقى تمامًا إلى حجم الخسائر الطبية والاقتصادية. وبصورة أكثر شمولً، تبيّن أن العلوم في حد ذاتها خليط من مؤسسات أبحاث ومصادر

تمويل وأنظمة ولوائح بيروقراطية وعمليات تجارية وتعقيدات أخرى. وكما اقترحنا في موضع آخر، تبقى علاقة العلوم الصحية بالجائحة بعيدة، نوعًا ما، عن مثال المعرفة العلمية الصارمة المستنتجة بدقة والمحدّدة علميًا والمدعمة بالدلائل. وعلى الرغم من تقدم المعرفة العلمية الصحية

عن الفيروس، فإنها لا تزال ناقصة؛ إذ قد تنتج شركات الأدوية الكبرى في نهاية المطاف علاجات ولقاحات، لكن الفيروس يمكن أن يتحوّر. كما بدأت الجائحات التالية تُطلّ برأسها، وبدأت تكثر

الأسئلة بشأن الاختبار والمناعة ومخاطر تجدد العدوى والعوامل البيئية (مثل ارتفاع درجات الحرارة العالمية).

(5) Robert Hariman, "Introduction," in: Robert Hariman & Ralph Cintron (eds.), Culture, Catastrophe, and Rhetoric: The Texture of Political Action (New York: Berghahn, 2015). (6) Beer & Hariman, "Learning from the Pandemic."

ثمة قصور جوهري حاليًا في الوظائف العلمية الأساسية للتوصيف، والشرح، والتنبؤ، والسيطرة.

وعلى الرغم من أن التوصيف العلمي للمرض يتقدم، فإنه لا يزال غير ملائم إلى حدٍّ بعيد. ويعود بعض هذا الأمر إلى القمع والتعتيم السياسي المتعمّد، في حين يعود بعضه الآخر إلى مشكلة كبيرة تتمثل في البنى. وتتفاوت تقديرات الأمراض والوفيات تفاوتًا كبيرًا بين المناطق والدول والحدود

المحلية وضمنها. وعلاوة على ذلك، تسير عملية فهم آثار فيروس كورونا في مختلف الوظائف الجسدية ببطء. ففي البداية، كان يُعتقد أن العدوى حدثٌ رئوي، وأنّ آثارها المباشرة الأكثر تعقيدًا في أجزاء أخرى من الجسم لم تتضح إلّ بمرور الزمن؛ ومن ثم بدأت تظهر آثار جانبية في نظام المناعة ونظام الأوعية الدموية وغيرها من الأنظمة. وكانت المعرفة بديناميات انتشار المرض ناقصة، وازداد مستواها المتواضع اتضاحًا بمرور الوقت. كان الشرح الصحي العلمي للمرض أيضًا، والتنبؤ به، غير ملائمين البتة. ويعني القصور في التوصيف، المبيّن آنفًا، قصورًا مماثلً في معرفة الأسباب والآثار. وإذا كانت البنى ناقصة، فمن

الصعب الربط بين المتغيرات. لقد قَدّمت مجموعة من النماذج الوبائية، القائمة على فرضيات مختلفة ومصادر بنى منوعة، تنبؤات متفاوتة عن تقدّم المرض، في حين لا تزال العديد من الظواهر، مثل العلاقات بين المصدر والهدف الذي هو مناعة القطيع، غير مفهومة تمامًا. ولا تزال قيود الوقت

والموارد تحول دون تلبية هذه النماذج لمتطلّبات اختبارات الموثوقية القوية. وبقيت جوانب كثيرة مجهولة بسبب القرارات الاستراتيجية التي اتخذت بشأن التمويل ووجهات برامج الأبحاث، ولا تزال المسارات البديلة قاصرةً عن تأمين مستويات مرتفعة من الثقة. وقد يتخيل المرء ما كان يمكن أن يفضي إليه تحويل الاستثمارات الضخمة في أبحاث السرطان إلى الأمراض المعدية، فضلً عن أن فرص القضاء على مرض السرطان لم تتقدم أكثر مما كانت عليه منذ نصف قرن. علاوة على ذلك، ثمّة ما يدعو إلى الاعتقاد أن العلاقات بين المتغيرات الرئيسة في أي عملية تفسير سببية صارت غير خطية؛ بمعنى أنها غير حتمية النتائج، ومتناقضة أيضًا. فعلى النقيض من معايير إمكان التكرار العادية، حيث يتنبأ الأداء السابق بالنتائج المستقبلية، أظهرت الجائحة الحالية جدّةً على نحو يتخطّى مجرد المدلول البيولوجي الاسمي البسيط للظاهرة. وظهر فيروس كورونا فجأة، واجتاح عمليًا، عن طريق عجائب تكنولوجيا التنقل الحديثة، العالمَ البشري بأسره

في غضون أشهر قليلة فقط. وقد يبدو هذا حدثًا متكرّرًا؛ أي إنه يُمثّل صدمة بيولوجية من خارج

النظام البشري تتكرّر بصورة طبيعية، غير أن الظاهرة ليست عادية؛ لا في الوقت، ولا في المكان.

ولا يمكننا أن نشرح زمن حدوثها أو مكانه أو نتنبأ بهما، أو معرفة إنْ كانت مثل هذه الصدمات ستحدث في المستقبل. وفضلً عن ذلك، يوجد تطبيع مثل هذه الحالة الشاذة، وهو وضعٌ ذو دلالات متناقضة، ذلك أنه إذا كان الشاذ طبيعيًا، فهل يصبح الطبيعي شاذًّا؟ ماذا يصبح معنى

التوصيف والتنبؤ في وضع كهذا؟ تبدو شعارات من قبيل «المجهولات المجهولة» و«توقع غير المتوقع» خادعةً، وفي حين يمكنها أن تشكّل نصيحة جيدة، فإنها تبدو نوعًا ما متجاوزة للحدود المألوفة للعلوم العادية.

أخيرًا، يبدو أن السيطرة الصحية العلمية على فيروس كورونا بعيدة المنال حاليًا. وهي بالتأكيد ليست

حقيقة راهنة، ولا حتى طُموحًا يمكن تحقيقه. إنها تبدو تمامًا بعيدة المنال مثلما هي حال توافر لقاح

فعّال لجميع سكان الكرة الأرضية، وستتزايد الحالات والوفيات بسبب هذه الجائحة حتى تتوقّف. لكن ماذا عن الجائحة التالية؟ أين ستظهر؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف؟ إنّ سماءنا مليئة بالبجعات السوداء (مخاطر ذات طبيعة كارثية ووقع طاغٍ) التي تتحدى قابلية التنبؤ الإحصائية، وكما قال شكسبير في سياق آخر «لا تأتي المصائب فرادى كالجواسيس، بل سرايا كالجيش». لا يزال فيروس كورونا «وحشًا» ضاريًا بوجه خاص؛ إذ تسبّب بأزمتين مزدوجتين؛ وبائية، وإبستيمولوجية.

ومع تفشي الجائحة بين سكان العالم، انكشف القصور الحادّ الذي تعانيه طرائق المعرفة القياسية المتأصلة في ما يسمى العلوم الدقيقة. وبقدر ما يحقق التعامل مع المرض، باعتباره ظاهرة بيولوجية كليًّا، مكاسب كثيرة، فإنه يُفضي أيضًا إلى خسائر فادحة. وعلى الرغم من تعذّر التنبؤ بالمرض، فإنه

يُعَدُّ نتاجًا مؤكدًا للتمركز الحضري، ولشبكات النقل الكثيفة، ولإنتاج الغذاء الصناعي لاقتصادات

الخدمات، ولأيديولوجيات المخاطر المعنوية وصيغها القانونية، ولعوامل أخرى تحدّد الملامح الأخيرة للمجتمعات الحديثة. وإذا كانت قدرة الفيروس التالي على الفتك محدودةً، على غرار فيروس كورونا، فقد يرى المرء هذه المشكلات باعتبارها دروسًا لفترة أكثر استقرارًا بعد تجاوز الأزمة الحالية.

لكن من المؤكد أن المنهجية الحالية ستخفق إخفاقًا ذريعًا في حال كون الفيروس التالي أشد فتكًا. وفي هذه الحالة، لن يكون أي قدر من إدارة المخاطر كافيًا. إن علوم الصحة و«شقيقاتها» من العلوم الصحيحة sciences Hard مهمةٌ، لكنها مجرد مجموعات إبستيمية مرتبطة بالجائحة. ووفقًا لما ذُكر آنفًا، تعرف العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب الكثير وتتكيّف ببراعة، ولكنّ ذلك لا يكون إلّ ضمن حدودها الإبستيمولوجية والمؤسسية فحسب. وتعمل

البيولوجيا والتكنولوجيا الحيوية وعلم الأوبئة والطب، وما يشبهها، في نطاق الإجراءات المنظمة لما اًّيجب أن نسمّيه علمًا عادي science Normal، وتنتج الإجراءات التجريبية القياسية نتائج صالحة في

نطاق هذه السياقات التي تتسم بالتنظيم المحكم. لكن الشكل وحده غير كافٍ لدفع عجلة الاستجابات الوظيفية المطلوبة في جميع مجالات التنظيم الاجتماعي الأخرى. تأتي العلوم السلوكية بعد العلوم الصحية. ولا يزال الطريق طويلً أمام المعرفة العلمية الأوسع عن أصول الجائحات وآثارها، وينطبق ذلك على تفسير السُّبل الفعّالة لجعل السكان يمتثلون لمُكرهات

الحماية من الجائحة، من دون خسارة الالتزامات الجوهرية بحقوق الإنسان الفردية، وتقرير المصير السياسي، والرفاه الاجتماعي، والحرية، والمساواة، وقيم أخرى تميز المجتمعات الحديثة. وبطبيعة الحال، نعرف بعض الوقائع الواضحة التي توفر ما يشبه تمرينًا في الهندسة العكسية. وقد شكّل فيروس كورونا تجربة طبيعية، أظهرت بنفسها أسباب نشوئها. ومن ناحية أخرى، تعرّضت العولمة،

التي كانت أساسًا في محنة ما بعد الانتخابات الأميركية والبريطانية، لمزيد من الأضرار، كما أبطأت

الجائحة حركة البضائع والناس بعد أن علت الجدران ومختلف العوائق الأخرى بينهم. وكشف التفاوت الاجتماعي الاقتصادي عن وجهه القبيح بعد أن بات الأكثر هشاشة من الناس يعيشون في

مناطق أشد اكتظاظًا، أو يعانون ضائقة، أو يعملون في مهن تنطوي على احتكاك أكبر بالناس. لكن ما زالت الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية الكاملة لجائحة فيروس كورونا، إما مجهولة وإمّا لا سبيل إلى معرفتها. ولا يزال التوصيف والشرح الكامل والدقيق للجائحة وجميع آثارها والتنبؤ بها والسيطرة عليها من الأمور التي تتجاوز قدراتنا الحالية كثيرًا، إلى درجة أن ذلك قد

أصبح شبهَ مستحيل. باختصار، يُبيّن الرصد العلمي الاجتماعي للجائحة أن تحليل البنى والابتكارات الأخيرة في تصميم

الجداول الإحصائية وعرضها يقدّم صورًا بيانية لافتة للانتباه بشأن توزيع آثار الجائحة في البنى الاجتماعية الراسخة. فمن جهة، يستحق الجهد المبذول في متابعة الجائحة عبر التقارير المحيّنة الثناء.

ومن جهة أخرى، تؤكد هذه التقارير، مرة أخرى، ما كان معروفًا من قبلُ. بيد أنه إذا كانت المعرفة ذات فائدة، فإنها تُسجّل، على الرغم من علاقتها الوطيدة بعمليات صوغ السياسات، فجوةً بين البنى الإحصائية الواسعة التي تُقدّمها والواقع الذي تصوّره. ولا تكمن هذه الفجوة في البعد عن تصوير

الواقع، بل في الفاعلية السياسية. إنّ المعرفة لا تُمثّل سلطةً إلّ عندما يجري تحييدها ضمن جهاز حوكمة أكبر، وإحدى فوائد إبستيمولوجيا الكوارث أنها تطرح أسئلة عن سبب وصول المعرفة بعد فوات الأوان، وعن سبب استمرارنا في تعلم ما نعرفه مسبقًا، وعن سبب عدم كفاية المعرفة من أجل إحداث التغيير.

ثانيًا: التجميع ومشكلاته

تستحق هذه الأسئلة إجابات موسّعة. سنبدأ بتقديم فرضية واحدة كحدّ أدنى. ويجب القول هنا إن أوجه القصور المعرفية والخطابية والسياسية التي أماط الوباء عنها اللثام، ليست في الحقيقة إلّ منتجات ثانوية لعملية التجميع الوظيفي بالنسبة إلى ما توصلت إليه المعرفة من نتائج، بما في ذلك تمايزاتها ومختلف بُناها التصنيفية الهرمية. ويمكن أن نضيف إلى ذلك المقاربة التدرّجية التي تعمل

على نحو أفضل في ما يتعلق بالعمليات المنظّمة نسبيًا، وإن لم يكن ذلك كافيًا لمعالجة الأحداث

التي تُشوّش بشدة هذه المقاربة، أو التناقضات البنيوية لهذه الأحداث؛ ما يجعلها أسوأ كثيرًا مما قد

تكون عليه. كذلك، تُعدّ مشكلات التجميع العلمي، جزءًا من تشوّهات عمليات التجميع الأكبر

للحضارات الحديثة. يُستخدم هنا مصطلح «التجميع» بوصفه مصطلحًا فنيا يتفاوت معناه بحسب الفنون والفلسفة والنظرية

الاجتماعية. وفي الأساس، يشمل هذا المفهوم أي مجموعة، أو شبكة، أو نظام، أو ترتيب آخر، يجري فيه تعديل كيان كل عنصر من خلال علاقاته التفاعلية بالكيانات الأخرى، من دون أن يعني ذلك فقدانه هويته الفردية. ويشكّل التصميم التجميعي أحد الأمثلة؛ سواء أكان بهدف تزيين غرفة،

(7) Bruno Latour, Reassembling the Social: An Introduction to Actor–Network–Theory , Clarendon Lectures in Management Studies (Oxford: Oxford University Press, 2007); Ian Lustick, "Explaining the Variable Utility of Disjointed Incrementalism: Four Propositions," The American Political Science Review , vol. 74, no. 2 (1980), pp. 342–353.

أم تنظيم برنامج بحثي. ويوجد التجميع نظامًا بيئيًّا آخر أكبر. والأهم من ذلك هو أن التجميع يمكن

أن يشمل الأطراف الفاعلة المعنية، البشرية منها وغير البشرية، والمواد المادية والرمزية. والنتيجة الطبيعية البديهية التي تحصل، اعتمادًا على هذه المقاربة، هي أن التفسير الناتج من التجميع يغادر الافتراضات الثنائية (مثل الطبيعة/ الثقافة، الموضوعات/ الأشياء، العلوم/ السياسة)، التي تحدّ من فهم التعقيد، في اتجاه بلورة ممارسات أكثر إبداعًا وحساسية للبحث وللحياة الجماعية. وبالنسبة إلى هدفنا البحثي الحالي، يركّز مفهوم التجميع الانتباهَ على كيفية قيام نظريات المعرفة (الخطابات، والبُنى التحتية، واللوجستيات، والتقنيات، والمكوّنات، والسياقات الأخرى المرتبطة بها) بإرشاد

مشروع بحثي كبير وناجح، وكيف أن مثل هذا المشروع قد يصبح بلا جدوى، لأن عناصر أخرى من النظام العالمي تغيّرت.

ثالثًا: المشكلات العلمية

كما ذُكر آنفًا، تعمل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب بفاعلية ضمن نطاقاتها المحددة بدقة، في حين ترصد فروع العلوم السلوكية كيفية توزّع فوائد الحداثة بصورة غير متكافئة. وتعتمد إمكانية التنبؤ المُثلى على البنى الاجتماعية المستقرة في الحالتين، وتتأثر التفسيرات النمطية التي تقدمها

هذه العلوم بالتمييز الراسخ بينها والتفاعل المحدود بين أصنافها. وفي أغلب الأحيان، يسبق البحث التطبيق، أو قد يكون منفصلً عنه؛ فالهندسة تُعدّ نشاطًا علميًا منفصلً عن الممارسة، في حين

يتطلّب التطوير الصيدلاني تجاربَ تُجرى على مراحل. وقد طُوّرت كل هذه البروتوكولات – ذات

التفاعل المحدود بين أصنافها – لأسباب وجيهة تعكس قيمًا أساسية، إلّ أن الجائحة لم تحترم أيًّا

من هذه الأسباب. وتكشف الكارثة كيف أن خطر المصيبة كان يكمن دومًا في عملية تشغيل النظام

المعتاد. تشكل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب والعلوم الاجتماعية والإنسانيات، فضلً عن الإدارة الحكومية جزءًا من نظام بُنِيَ على المقاس بتدرّج مفكّك لا يُقدّم إلا إجابات جزئية ومؤقتة عن الأسئلة

التي تواجهنا حاليًا. وهكذا، تتمثل التوصية الأولى لإبستيمولوجيا الكوارث في ضرورة إعادة تركيب

نظام البحث العالمي بغية دراسة المشكلات العلمية والحضارية التي يرجّح أن ترسم ملامح القرن

الحادي والعشرين. ونعني ب «العالمي» أمرين؛ أولهما العلاقات بين جميع التخصّصات الأكاديمية

والأنماط الأخرى للبحث والابتكار المعتمدَين والمركّزَين، أمّا ثانيهما فهو العلاقات العابرة للحدود

الوطنية والمؤسسية. ويجب أن تشمل إعادة النظر هذه التفكير بشأن الممارسات الداخلية واختبارها؛ ومنها، على سبيل المثال، كيفية تنظيم المختبرات والمكوّنات المحتملة لتعاون المؤلفين ومسائل

الملكية الفكرية لمنتديات النشر وغيرها. إلّ أن ذلك ينطوي على عدة محاذير، ذلك أن فترة التجريب حتى لو أفضت إلى تشكيل جديد فائق النجاح لممارسات المعرفة، فإنّ التجربة لا بدّ من أن تواجه عدة مشكلات؛ منها مشكلات بنيوية عميقة، ومشكلات لوجستية، ومشكلات أخرى من جميع الأنواع. بعضها مشكلات قديمة ستستمرّ

في النظام الجديد، في حين أن بعضها الآخر يصنعه النظام نفسه. وعلى أي حال، لن يكون الواقع

أقل عنادًا، ولا يُرجح أن يوافق في كل أبعاده جميع أنماط الذكاء البشري الصغرى. وبصورة مشابهة للمناقشات المألوفة بشأن تحولّات النموذج الإرشادي shifts Paradigm، بحسب الباحث الأميركي في فلسفة العلوم وتاريخها توماس كون Kuhn Thomas، سيكون الفرق هو أن الأسئلة الأقدم ستُدرج ضمن حيّز مشكلة جديدة تتصدى بصورة أفضل للاهتمامات والتحديات الجديدة، عاكسة عوامل

اجتماعية وتكنولوجية مختلفة. وبصورة أكثر تحديدًا، قد تصبح سمات العالم الرئيسة، الغامضة منها أو تلك التي أسيء التعرف إليها حاليًا، أكثر توافرًا بالنسبة إلى الدراسة والتعايش التكي.ُّفي على نحو مشابه، على عملية إعادة التجميع ألّ تتطلّع إلى رؤية فيها تكامل لكل شيء بشكل شامل ومتناغم، أو أن تُثقل كاهلَها بمثل هذا التطلّع. وعلى النقيض من ذلك، تكمن إحدى نقاط قوة العديد من الأنظمة التكيفية المعقدة في لامركزيتها النسبية، أو في ترابطاتها الضعيفة ووظائفها المتعدّدة، ومرونتها المعيارية وعدم اتساقها، أو في تنوعّها على صعيد مهماتها الشاملة. مثل هذه السمات ممكنة من دون الاضطرار إلى التضحية بالقياسات الكبرى، أو خفض تكاليف التفاعلات الداخلية. لكن يبقى سؤالان، في هذا السياق، هما: هل ثمّة ترتيب أمثل، أو حتى ملائم، لبيئة متغيّرة، وهل ثمّة ترتيب

مخصوص لهذه المسألة أفضل مما يمكن تصميمه حاليًا؟ أثبت تصدّي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب للجائحة أنّ التعاون العالمي ممكن إلى حدٍّ لم يكن متوقعًا من قبل. فقد غيّرت المؤسسات وجهتها على الفور ب «رشاقة»، وارتفعت فجأة عملية تبادل

المعلومات، وقدمت البلدان تجاربها الطبيعية بشأن مكانة مؤسساتها العلمية، أكانت قد أخذتها على محمل الجد في سياساتها، أم لم تأخذها على هذا النحو. وبطريقة مشابهة، بيّن المجتمع المدني كيف

أنّ الفنانين والمصممين ومقدّمي الخدمات، وغيرهم من أصحاب المهن، يستطيعون ارتجال الحلول بسرعة وابتكارها للوصول إلى العملاء الخاضعين للحجر الصحي، وإيجاد جمهور جديد متفاعل، وإقامة روابط عن طريق الفضاء السيبراني للحفاظ على الثقافة العامة. وفي أماكن كثيرة، حذت الحياة العامة اليومية الحذو نفسه، وأكدت أبحاث علم اجتماع الكوارث تضامن المجتمع ومهارته في السياق الجديد. وعلى الرغم من ذلك، قد تختفي أغلبية هذه المبادرات المرتجلة عندما تعود الحياة إلى سابق عهدها. وهذا أمرٌ جيد بالنسبة إلى من يحتاج، عن وجه حق، إلى الاستقرار في حياته اليومية. أما

الأشخاص الذين كرسوا حياتهم للتعلّم لحساب حداثة مستدامة، فلا يمثل الوضع السابق خيارًا جيدًا بالنسبة إليهم.

رابعًا: المشكلات الحضارية

الخلاصة البديهية من خلال هذه الملاحظات، هي أن إعادة التجميع ينبغي ألّ تنبع من مصدر واحد، وألّ تنطلق من قالب وحيد. ففي هذه الدراسة، تنطلق منهجيّتنا من منظور أساسي، ومن عدة قواعد

كنّا قد أوضحناها في بحثنا الأوّلي عن إبستيمولوجيا الكوارث. ويتمثل هذا المنظور في أن الكوارث

(8) Beer & Hariman, "Learning from the Pandemic."

تكشف فئة أساسية من المشكلات التي تُدرج تحت عنوان المشكلات الحضارية، وتُعدّ هذه المشكلات تداعيات غير مقصودة للسمات المميزة التي يُعرِّف بها المجتمع نفسَه. ففي الحداثة، مثلً، تشمل هذه

السمات استخدام العقل للسيطرة على الطبيعة، إلى جانب قيم التنوير الأخرى، مثل الحرية والتطورات التاريخية التي أنتجت الرأسمالية والدولة الأمة وغيرهما. وفي المقابل، تشمل التطورات الحالية تغير المناخ والجائحات ونضوب الموارد وانقراض الأنواع، والتفاوت في توزيع الثروات، والخلل الوظيفي في الديمقراطية، والتشغيل الآلي Automation، والتبعية للفضاء السيبراني، والقائمة غير حصرية، وجميعها ناجم عن انتشار الحداثة في جميع أنحاء العالم. وفي الحقيقة، لكل هذه المميزات أسلاف من عصر ما قبل الحداثة، لكنها اكتسبت حاليًا طاقة كامنة مميزة للتدمير بسبب تطورها وموقعها ضمن الحداثة. ومن

ثم، نستخلص أن المجتمعات الحديثة إذا أخفقت في التصدي للتحديات التي تواجهها فلن تكون النتيجة العودة إلى أوضاع ما قبل الحداثة، بل سيتعلق الأمر بحداثة منحرفة. فعلى سبيل المثال، إذا أخفقت الديمقراطية الحديثة – أي إذا لم تُجِد الأنظمة الديمقراطية الحوكمة، أو لم تنجح في التصدي لمكامن ضعفها والوقوف ندًّا لأنظمة سياسية أخرى منافسة، أو لم تُعزّز المساءلة العامة في جميع المجالات، أو لم تستطع تفادى الكوارث، فسيكون المستقبل الافتراضي mode Default بمنزلة الحكم الاستبدادي الذي يتمتع بتقنيات المراقبة الحيوية الرقمية، وربما بهندسة تحسين النسل في نهاية المطاف. من بين التداعيات غير المقصودة المحتملة، تبدو تلك التي تُدرج تحت هذا الصنف، مؤذيةً بوجه خاص، لأنه يُمكنها تدمير النظام الذي أنتجها. ولهذا السبب، تعتبر الأحداث الكارثية نوافذَ جيدة، بوجه خاص، نُطلّ منها على المشكلات الحضارية، ذلك أن الكارثة مصيبة تتداخل عناصرها مع عناصر ردات فعل المجتمع خلال تصديه لها، فحادث السيارة، على سبيل المثال، مجرد حادث لا يحول دون تحرك الشرطة والاستجابة الطبّية، في حين يمثل فيروس هائل يصيب الحاسوب كارثة، لأنه يعرقل – أو

يُعطّل – وسائل التصدّي له/ وهو الحاسوب نفسه. وهكذا تكشف الكوارث وضع البنية التحتية، وتُميط اللثام عن هشاشتها. ولمّا كانت المشكلات الحضارية تنشأ عن الاشتغال العادي للنظام السائد، فإن النظام نفسه يُخفيها

أيضًا. ولا يكون هذا الحجب تامًّا؛ إذ يمكن تحديد مثل هذه المشكلات ومناقشتها وإخضاعها لمساعي إدارة المخاطر (المحاولات التي تقدّم شيئًا من التحسين القريب الأمد بالنسبة إلى العوارض). وهذه المشكلات مخفية بمعنيين على الأقل؛ أولهما أنها تصبح مخفّفة في حالة الإنكار؛ أي إنها تُطبّع وتدخل

ضمن الروتين الذي يُقلّل من أي جهد يتطلّب إعادة تنظيم النظام. وقد يُسمّى الأنموذج الأكثر تمثيلً

لحالة الإنكار هذه «مقامرة الحداثة»؛ أي اعتقاد إمكان حل المشكلات الناجمة عن نظام حضاري كثيف التكنولوجيا عن طريق مزيد من الابتكار التكنولوجي، أما ثانيهما فيتمثل في أن حلّها رهين بتحديد أسبابها غير الواضحة في الإبستيمية المعتمدة (الوحدة المعرفية)، أو أنها غير قابلة للإصلاح عن طريق الأنماط الخاصّة بالتنظيم الجماعي والحوكمة السائدين. فمن أجل التفادي المستدام للجائحات، على

(9) Robert Hariman & John Louis Lucaites, No Caption Needed: Iconic Photographs, Public Culture, and Liberal Democracy (Chicago: University of Chicago Press, 2007), p. 244.

سبيل المثال، يجري تحديد بعض العوامل غير البشرية للتعامل معها بصفتها قوى فاعلة سياسية، وهذا الأمر منافٍ للبداهة في العلوم والسياسات. لذلك، غالبًا ما ينطوي هذا الصنف من المشكلات على

تناقضات عميقة في المجتمع، أو يوجِد في صلبه توترات متكّررة. تُعدّ المشكلات الحضارية مشكلات واسعة أيضًا، ولذلك تكون محفوفة بمستويات مرتفعة من الأضرار والمخاطر. ولا ينهار المجتمع من دون تعرّضه لضرر شامل؛ مثل الألم، والمعاناة، والخيانة، والتخلّي،

واليأس، والموت. وربما يكون هناك أكثر من فرسان رؤيا يوحنا الأربعة بشأن نهاية العالم. وحتى الحضارة الملتزمة ب «التدمير المبدع» والتآكل المتواصل للروابط المجتمعية لحساب الحرية والابتكار، ستكتشف أنها لا تستطيع تجنّب الخسارة والمعاناة بالأسلوب القديم. ومع ذلك، قد لا تكون الحلول أقل خطورة. ولا يجري تحديد المشكلات قبل أن تصبح ضخمة جدًّا بالنسبة إلى الحلول المناسبة، أو الحلول العلمية والسياسية المعتادة. ويتعذّر تغيير أمرٍ واحد فيها، فضلً عن تغيير أمور كثيرة. وينجم هذا الصنف من المشكلات عن التعقيد الاستثنائي في جميع مستويات التنظيم البيولوجي والاجتماعي. بما أن المشكلات الحضارية تُستدام من خلال العمل العادي للنظام، فمن المستبعد أن توجد بشأنها حلول عن طريق العمل العادي. ولن تؤدي الأوضاع المواتية لتحقيق النجاح، وفق الشروط العادية، إلى تحقيق تقدم أكبر نحو الحل بسهولة، بل إنها قد تكون عاملً مُعرقلً. فعلى سبيل المثال، تُعدّ العلوم «المعتمدة» (أي المتفق على صحتها) في تسيير مختبرات الأبحاث المنتجة المعرفة العلمية، التي تنشر الإصدارات التقنية لتطبّقها المؤسسات الصناعية والمنظمات الحكومية، نظامًا وظيفيًا إلى

درجة مذهلة، بسبب التقدّم الحضاري، لكن هذه العلوم لا توفر الموارد، فضلً عن توفير الموارد اللازمة للتوسع، والموارد الضرورية للتصدّي لأي مشكلة من المشكلات المذكورة آنفًا. وبما أن العلوم تنتج فروعًا ثانوية وبرامج أبحاث محدّدة ومكرّسة لمواجهة التهديدات الأخطر، فإنّ هذه المجالات

والبرامج تبقى عاجزةً عن توفير عملية إعادة التوجيه المعرفي والمجتمعي اللازمة. توفّر إبستيمولوجيا الكوارث عدة مبادئ، تتيح اتخاذ الخطوة التالية. وعمومًا، علينا السعي لتفادي إعادة إنتاج الظروف التي أنتجت الكارثة. وعلينا تحديدًا الاعتراف بأوجه القصور البنيوية التي تكشفها الأزمة، وإعادة تشكيل الظروف المعرفية التي أنتجت الكارثة، واستعادة موارد المعرفة المفقودة، والربط بين طرائق معرفية متعدّدة، وتحديد آفاق مستقبلية بديلة، وفعل شيء مختلف. يمكن الإسهاب في توصيف كل شرط من هذه الشروط، أو انتقاده أو إهماله أو تغييره أو تطويره، وإلّ كيف يمكن أن تنجح المحاولة؟ أما الحكمة الأخيرة، وهي نقطة انطلاقنا هنا، فتتمثل في تخيل شيء مختلف في ما يتعلّق بتنظيم المعرفة.

(10) Beer & Hariman, "Nature Plays Last."

(((1 فرسان رؤيا يوحنا الأربعة هم أربعة فرسان ذكروا في الأصحاح السادس لسفر رؤيا يوحنا في الإنجيل، وهم فرسان الصراعات والحرب والمجاعة والموت.

(12) Beer & Hariman, "Learning from the Pandemic."

خامسًا: التصميم والاحتراز

تستدعي مواطن الهشاشة في أنظمة المعرفة الحالية تغيّرًا تكيفيًّا جديًّا في عمليات تجميع العلوم

والفنون والمجتمع المدني، وفي ممارساتها أيضًا. ونقترح أن يسترشد هذا التغيير بالتركيز على تصميم المعرفة والاحتراز. ويشمل التصميم مصطلحات متجانسة، مثل «الشكل» و«الفن» و«التكنولوجيا»، وما إلى ذلك، مع تثمين نماذج تنظيم محدّدة، مثل النظام والشبكة. أما «الاحتراز» Prudence، فهو المصطلح الإنكليزي المقابل للمصطلح اللاتيني Prudentia (واليوناني Phronêsis) من دون أن يبلغ مستواه في عظمته. ويعني بالإنكليزية «الحكمة العملية» و«الحصافة». ويوفر كلا المفهومين (التصميم والاحتراز) القطعة المفقودة في المنظومة المعرفية الأخيرة المُحَدثة، وما هو أساسي في التصدي

للمشكلات الحضارية بصورة ملائمة. وترتبط هذه المشكلات، كما تُعرض حاليًا، ارتباطًا وثيقًا بالتنظيم

الراهن للمعرفة وتطبيقاتها. أما السمات الرئيسة للتعامي عن هذه المشكلات، فهي غياب الروابط ذات الصلة بين فروع التخصّصات وممارسات المعرفة الأخرى، وغياب الروابط المناسبة بين إنتاج المعرفة والمجتمع المدني، على نحو يشمل أنظمته السياسية. وفي حين يتصدى مفهوم التصميم للمشكلة الأولى، يواجه مفهوم الاحتراز المشكلة الثانية. هذان المفهومان فعّالان حاليًا في مواضع مناسبة ضمن الوحدة المعرفية المعاصرة. ويجب القول

إن هناك فنونًا وعلومًا للتصميم؛ منها الهندسة المعمارية، والتخطيط الحضري، وعلوم الحاسوب،

وغيرها من التخصّصات. وبالمثل، هناك برامج أبحاث في ما يمكن أن نطلق عليه «علم الاجتماع الاحترازي» Science Social Phronetic الذي يسعى لإدارة الشؤون العامة على نطاق واسع، مع تجنّب المشكلات المميزة للإبستيمولوجيا الحداثية المتقدمة. لكن هذه البرامج تعجز حتى الآن عن النهوض بجميع المهمات العلمية. ولهذا، لا شيء من نظامها الحالي مقترح هنا. بيد أن تلك البرامج توفر، على الرغم من ذلك، فرصًا محدّدة يمكن توسيعها أو إدماجها في باقي النظام المعرفي. ومن ثم، يمكن الحصول – من خلال إدماج التخصّصات الأخرى الجديدة والكثيرة ضمن مفهومي التصميم والاحتراز – على المعلومات الإضافية والصلات اللازمة للتصدي للثغرات الحالية في فهم الكوارث التي تنكشف فصولها، مع إيلاء اهتمام خاص بمسألة دمجها في برامج أبحاث محدّدة. وقد يشمل ذلك، أيضًا، تضمين تمفصلات تلك التخصّصات في برامج أبحاث متخصّصة أخرى، مثل أبحاث الكوارث على سبيل المثال. ينبغي للتصميم ألا يُبطل أي التزام من الالتزامات الحالية المتعلقة بالأبحاث الإمبريقية، وتقنيات التفسير المقتضب، وما إلى ذلك. لكن يمكن أن يدفع في اتجاه بناء التزامات تتعلق بالتركيب الشكلي

(((1 علم الاجتماع الاحترازي هو نهج لدراسة الظواهر الاجتماعية بناءً على التفسير المعاصر للمفهوم اليوناني الكلاسيكي

Phronesis، الذي تُرجم ب «أحكام عملية»، أو «حكمة عملية»، أو «إدراك سليم»، أو «احتراز.»

(14) Bent Flyvbjerg, Making Social Science Matter: Why Social Inquiry Fails and how it can Succeed again (Cambridge: Cambridge University Press, 2001); Bent Flyvbjerg, "‘Regression to the Tail’: How to Mitigate COVID–19, The Climate Crisis and other Catastrophes," Salon , 5/7/2020; Robert Hariman (ed.), Prudence: Classical Virtue, Postmodern Practice (University Park: Penn State University Press, 2003).

للبرامج وتمييزها، وبأنماط التطوير المقصودة وغير المقصودة، وبالتفاعلات البيئية والذاتية المنشأ، وبمظاهر التعقيد الشاملة، وبأهمية القيم الجمالية والاستدامة على جميع المستويات، وبالتمفصلات الواردة في الثنائيات الحداثية، مثل الطبيعة/ الثقافة، والموضوعي/ الذاتي، والعلم/ الفن. ويتطلّب مزيد التطوير إعادةَ النظر في مشاريع علمية متنوعة بقيت هامشية (نظرية الأنظمة العامة والمورفولوجيا، وغيرها)، وإعادةَ تقييم ممارسات التقديم والعرض الحالية في العلوم، حيث يجب ألَّ يُنظر إلى تلك القدرات اللافتة في استخدام الصورة Imaging والمعلوماتية على أنها ثانوية بالنسبة إلى الأبحاث في حد ذاتها. ولا بدّ أيضًا من مضاعفة بعض أكثر المبادرات تقدّمًا في العلوم البيولوجية وعلوم المادة. وسيكون الدافع الأساسي تشجيع تطوير ممارسات التصميم والذكاء الشكلي الذي تتضمنه، وذلك بهدف إنشاء صلات موضوعية بين التخصّصات المعرفية، من شأنها أن تتيح الوصول إلى المعرفة اللازمة التي من دونها سيتحقق الهدف ببطء شديد، أو بصورة جزئية، أو ربما لا يتحقق البتّة. على غرار «الشكل»، يجب أن يقترن «التصميم» دائمًا بتأكيد أنه لا يُروّج للتمسّك بالشكليات (تجاهل الفعل السياسي)، أو للشمولية المتعالية totality Transcendental (بصفتها تأكيدًا للسيطرة). ويجب ألّ يفرض تطلّعات إلى الوئام الكوني، أو الاقتصار على مجموعة نخبوية مغلقة، كما هو الشأن في لعبة الكريات الزجاجية. وسيكون الرهان على تحسين خصائص التصميم من داخل التصميم ذاته متمثلً بتعزيز القدرة على إنتاج أنماط تُستكمل وتتكرّر بصورة ذاتية، وتوزيع القوى ضمن البيئات

المتنوعة، وزيادة الكفاءة إلى الحد الأقصى وتوليد خصائص ناشئة، وتعزيز الاتصالات. إن البحث الذي يستهدف التصميم قادر على أن يعترف بتعدّد الأشكال وتوافرها في كل مكان في العالم، مع أخذ القيم الجمالية التي توجّه طريقة التفكير العلائقي على محمل الجد؛ مثل التفكير في أوجه التطابق بين مواضيع بحثية متنوعة، وإعادة تحديد بعض مواقع التخصّصات المعرفية بالنسبة إلى بعضها الآخر. فالبيولوجيا والكيمياء متشابكتان بعمق حاليًا، إلّ أننا قد نفوّت فرصًا بتجاهل علوم المعرفة وتاريخ

الفن. وإلى جانب البيروقراطية الفيبرية للعلوم التي حافظت عليها الجهات المموّلة، يمكن إيلاء اهتمام أكبر لمنظومة ممارسات المعرفة والعلاقات المعقدة (المتعمّدة منها، وغير المتعمّدة) التي قد تقود إلى دروب جديدة للاستقصاء والبحث، وربما تؤدي إلى نماذج أفضل لتحقيق الاستدامة الحقيقية وتتيح فهمها. يعمل الاحتراز أيضًا جنبًا إلى جنب مع أشكال أخرى للمعرفة، وهي بالفعل وظيفته. ونُعرّف الاحتراز

بأنه ممارسة التقييم والتحكيم الذي يوازن بين حاجات الفعل التي يصعب قياسها وحاجات جودة

(15) Edward R. Tufte, Beautiful Evidence (Cheshire: Graphics Press, 2006).

((1(رواية لعبة الكريات الزجاجية The Glass Bead Games للكاتب الألماني هرمان هسّه، هي رواية يوتوبية مستقبلية، تدور

أحداثها في مقاطعة خيالية وسط أوروبا تسمى «كاستاليا» التي تم حجزها بقرار سياسي لحياة العقل، حيث يجري الاحتفاظ بالتكنولوجيا والحياة الاقتصادية إلى أدنى حد ممكن. وكاستاليا موطن لجماعة صارمة من المثقفين، عليهم القيام بمهمة مزدوجة: إدارة المدارس الداخلية، وتعليم لعبة الكريات الزجاجية التي لا تزال طبيعتها الدقيقة غامضة؛ إذ هي غاية في التعقّد، حيث يصعب تخيّلها. وتتطلب عملية إتقان ممارسة اللعبة سنوات من الدراسة الجادة للموسيقى والرياضيات والتاريخ الثقافي. فاللعبة عبارة عن

توليفة مجرّدة لجميع الفنون والعلوم. وترمز كاستاليا إلى العالم الكامل المتنوع والمتكامل.

الحياة. والاحتراز مُوجِّه، أساسًا، للقرارات السياسية التي تقوم عادة على معلومات ناقصة، وعلى قيم متنازع بشأنها، وتجري في الأوضاع الطارئة. لكنه يُطبّق أيضًا في كل المجالات، وهذا مألوف

بصورة بديهية لأي موظف إداري، بيد أننا لا نقصر النطاق هنا على القرارات العملية التي تعتبر بالضرورة جزءًا من إدارة مختبر أو جامعة أو مدينة. ويُلزم الاحتراز أيضًا الفرد بأهداف المجتمع

واستدامته، أكان معارضًا أم متعاونًا، فالحياة الجيدة – بحسب أرسطو – يجب أن تشمل الجميع. وفي هذا المجتمع المتعدّد إبستيمولوجيًا، نشدد – أولً – على الاحتراز في الخطاب Discourse

prudence؛ إذ لا يمكن استخدام أي سبب أحادي الثقافة بنجاح لتسويغ هيمنة الخطاب. وندعو – ثانيًا – إلى الاحتراز المعرفي prudence Epistemic. فعلى الرغم من إنجازات العلوم الحديثة،

فإن نواقصها وطائفة واسعة من أساليب المعرفة الأخرى، تشير إلى ضرورة اتباع منهجية احتراز إزاء المعرفة العلمية. ومع كامل الاحترام للعمليات والمنتجات العلمية، ليس ثمة مجال للغرور العلمي أو لمزاعم الهيمنة. ونقترح – ثالثًا – سياسات احترازية. فنحن نتعامل مع مجموعة من المواقف التي لم تكن العلوم العادية مهيّأة للتعامل معها، ويُعتبر رهان باسكال منهجية كلاسيكية في التعامل مع

هذه المعضلة. أما المنهجية الأكثر معاصرة، فتكمن في تحويل تحليلات البنى من الانحدار نحو الوسط إلى الانحدار نحو الذيل، وهو نموذج جيّد كأي نموذج تَحوُّلٍ لازم لتفسير إبستيمولوجيا

الكوارث. أخيرًا، ننصح بخطاب محترز يشدّد على الوضوح. وعلى الاستراتيجيات الخطابية أن تسعى لإظهار

المشكلة إظهارًا كافيًا لجذب انتباه الناس مبكرًا، بدرجة كافية؛ إذ إن البدء بعملية ربط الفعل المحترز

بإحساس قوي بالتصميم – بما يشمله من انتباه إلى مختلف المشكلات، وانتباه إلى فرص تعميم المعلومات عن طريق مناشدات رسمية – سيردم الهوّة السحيقة بين المعرفة والفعل. وبدلً من فرضيات

الانتظام الطبيعي، يجب الاعتراف بالاضطراب الناجم عن الأنثروبوسين، وليس أقلّها الكوارث البيولوجية والاقتصادية وغيرها التي يتعذر التنبؤ بموعد حدوثها. وعوضًا عن التسارع المتواصل في إنتاج المعرفة، لا بد من إعادة التوجّه نحو تكامل أكبر بين الطرائق المتعددة للمعرفة من جهة، والمعرفة

(17) Francis A. Beer & Robert Hariman, "Maximizing Prudence in International Relations," E–International Relations , 12/2/2013, accessed on 1/3/2021, at: https://bit.ly/2NPX23Z; Hariman (ed.), Prudence: Classical Virtue.

(((1 رهان باسكال «  » هو حجة في الفلسفة مبنية على نظرية الاحتمالات النسبية، وتستخدم لتبنّي الحجة القائلة بضرورة الإيمان

بوجود الله على الرغم من عدم إمكان إثبات وجوده أو عدم وجوده عقليًّا. وصاغ هذه الحجة الفيلسوف وعالم اللاهوت والرياضيات

والفيزيائي الفرنسي في القرن السابع عشر بليز باسكال Pascal Blaise. (1662–1623(

(19) Flyvbjerg, "Regression to the Tail."

(((2 في علم الإحصاء، يكون الانحدار نحو الوسط هو الظاهرة التي تنشأ عندما تكون نقطة ما بمنزلة عيّنة متطرّفة لمتغيّر عشوائي

(خارجية تقريبًا)، تكون النقطة المقبلة أقرب إلى الوسط في القياسات الأخرى. في حين ينطبق الانحدار نحو الذيل على أي توزيع

يتمتع بكثافة احتمالية لا تتلاشى في تجاه اللانهاية. يُعدّ تواتر الأطراف الجديدة ومقدار تجاوزها للقياسات السابقة مسألة حاسمة

بالنسبة إلى توزيع منحرف الذيل Fat–Tailed Distribution، وفق الرسم البياني، كأنْ يكون له على سبيل المثال انحراف لانهائي (غير موجود) أو متوسط.

(21) Hariman, "Introduction"; David Kaufer & Brian S. Butler, Rhetoric and the Arts of Design (New York: Routledge,

والمجتمع المدني من جهة أخرى، وذلك بهدف بناء حضارة مستدامة. وفي الحقيقة، كثيرًا ما شكّل

الزمن أحد هموم الحداثة، لكن ثمة ضرورة لإيلاء تقدير أكبر لأبعاده المختلفة (الروتيني منه والكارثي، الوبائي والمعرفي (الإبستيمولوجي)، الكرونولوجي والمتعلّق بالسلوك البشري Praxeological، التطوّري والثوري)، وكذلك لشدة تعقيد التفاعلات في ما بين هذه الأبعاد. لا شك في أن الإخفاق في أخذ العبر من إبستيمولوجيا الكوارث يعتبر خيارًا. وتبيّن عملية رصد خمسين

عامًا مضت، صعوبة هذه المهمة وحجم تحدي التعلم الجماعي؛ إذ اقتُرح أنه «لتحقيق الضرورات

السياسية للطاقة والبيئة، لا بدّ أولً من أن تعترف بها القوى السياسية الفاعلة ذات الصلة». ولكن هذه القوى استمرت في روتينها، و«من الصعب تخيّل ما هو أقل كثيرًا من كارثة إيكولوجية وشيكة على

مستوى العالم قد تسرّع، بصورة ملحوظة، وتيرة التغيير التي تسير حاليًا ببطء شديد». وفي حين

اقتَرحت تجربة النصف الأخير من القرن العشرين على الطيار الآلي نظام التوجيه بالقصور الذاتي system guidance Inertial (أي أن تُسيّر الحداثة ذاتها بشكل آلي)، يبدو أنْ ليس ثمة ما يدعو

إلى التفاؤل بالقدرة الجماعية للقوى الفاعلة على إدراك مثل هذه الضرورات السياسية سريعًا. ولا يزال التفاؤل الكارثي (أي الاعتقاد أن الكوارث ستنتج حلولها) رهانًا محفوفًا بالمخاطر والوقت، خصوصًا أنّ وقت التعلّم، والتكيّف، واتخاذ الإجراءات اللازمة، كلّها ليست عوامل إلى جانبنا

بالضرورة.

References

المراجع

Beer, Francis A. & Robert Hariman. "Learning from the Pandemic: Catastrophic Epistemology."  Social Epistemology Review and Reply Collective. vol. 9, no. 5 (2020). Flyvbjerg, Bent. Making Social Science Matter: Why Social Inquiry Fails and how it can Succeed again. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Hariman, Robert & John Louis Lucaites. No Caption Needed: Iconic Photographs, Public Culture, and Liberal Democracy. Chicago: University of Chicago Press, 2007. Hariman, Robert & Ralph Cintron (eds.). Culture, Catastrophe, and Rhetoric: The Texture of Political Action. New York: Berghahn, 2015. Hariman, Robert (ed.). Prudence: Classical Virtue, Postmodern Practice. University Park: Penn State University Press, 2003. Kaufer, David & Brian S. Butler. Rhetoric and the Arts of Design. New York: Routledge,

Kwee, Swan L. & J.S.R. Mullender (eds.). Growing Against Ourselves: The Energy– Environment Tangle. Leyden: A.W. Sijthoff, 1972.

(22) Francis A. Beer, "Energy, Environment, and International Integration," in: Swan L. Kwee & J.S.R. Mullender (eds.), Growing Against Ourselves: The Energy–Environment Tangle (Leyden: A.W. Sijthoff, 1972), p. 31.

(((2 نظام التوجيه بالقصور الذاتي، هو نظام إلكتروني يراقب باستمرار موضع مركبة وسرعتها وتسارعها، وعادة ما تكون غواصة أو

صاروخًا أو طائرة؛ ومن ثمّ، يوفر هذا النظام بنى ملاحية ومعلومات عن التحكّم من دون الحاجة إلى الاتصال بمحطة القاعدة.

Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor–Network–Theory. Clarendon Lectures in Management Studies. Oxford: Oxford University Press, 2007. Lustick, Ian. "Explaining the Variable Utility of Disjointed Incrementalism: Four Propositions." The American Political Science Review. vol. 74, no. 2 (1980). Methmann, Chris & Delf Rothe. "Politics for the Day after Tomorrow: The Logic of Apocalypse in Global Climate Politics." Security Dialogue. vol. 43, no. 4 (2012). Tufte, Edward R. Beautiful Evidence. Cheshire: Graphics Press, 2006.