Return to Article Details The Covid-19 Pandemic in Western Societies and Social Sciences

جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في المجتمعات الغربية والعلوم الاجتماعية

The Covid–19 Pandemic in Western Societies and Social Sciences

دومينيك فانك| Dominique Vinck *

الملخّص

يجتاح فيروس كورونا المستجد (المسمى سارس-كوف-2 كوفيد-19) العالم اجتياحًا واسعًا منذ بداية عام 2020، ويلحق تأثير الجائحة جميع القطاعات والنشاطات، بما في ذلك البحث في مجال العلوم الاجتماعية. وتتناول هذه الدراسة بتفاصيل دقيقة الطرائق التي تعاملت بها المؤسسات الحكومية الغربية وعلوم الطبيعة والمجتمع مع هذا الاضطراب الشامل الذي هزّ أركان مجتمعاتها. وتُبرز الدراسة بعمق أنّ التعقيدات اليومية اللامتناهية التي أحدثتها الجائحة في حياة مجتمعات رأسمالية - صناعية وديمقراطية – حضرية، وبيروقراطية، وفردانية، هي وليدة متخيّل الحداثة الذي تبنّته منذ عدّة قرون، وردود فعل هذه المجتمعات الجماعية والفردية والتكنولوجية والأخلاقية والبحثية تجاه حجم التحديات التي واجهتها. وخلال كلّ هذا التوصيف، حرصت الدراسة على إظهار موقع العلوم الاجتماعية في هذه العملية الواسعة والخلفيات الإبستيمولوجية للأسئلة المتعدّدة التي طرحتها على نفسها وعلى علاقتها بالمجتمع وبمراكز القوة فيه.

Abstract

Abstract: The worldwide effects of the Covid–19 pandemic have been felt in all aspects of life, including social sciences research. This study examines how Western science, society and government agencies dealt with an upheaval shaking the foundations of their societies to the core. The research finds that the endless daily complications caused by the pandemic in industrial–capitalist life (urbanized, democratic–bureaucratic and individualistic), are the product of an illusory "imaginary" of modernity espoused several centuries ago and these societies’ reactions to the enormous challenges they confronted. The research highlights the position of the social sciences in this broad process and explores the epistemological background of the questions posed by the social sciences and their relationship with society and its centers of power.

الكلمات المفتاحية:
  • فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)
  • العلوم الاجتماعية
  • المجتمعات الغربية
  • إبستيمولوجيا
  • حداثة
Keywords:
  • Covid-19
  • Pandemic
  • Social Sciences
  • Western Societies
  • Epistemology
  • Modernity

ملخص: يجتاح فيروس كورونا المستجد (المسمى سارس–كوف 2– كوفيد 19–) العالم اجتياحًا

واسعًا منذ بداية عام 2020، ويلحق تأثير الجائحة جميع القطاعات والنشاطات، بما في ذلك

البحث في مجال العلوم الاجتماعية. وتتناول هذه الدراسة بتفاصيل دقيقة الطرائق التي تعاملت بها المؤسسات الحكومية الغربية وعلوم الطبيعة والمجتمع مع هذا الاضطراب الشامل الذي هزّ أركان

مجتمعاتها. وتُبرز الدراسة بعمق أنّ التعقيدات اليومية اللامتناهية التي أحدثتها الجائحة في حياة مجتمعات رأسمالية – صناعية وديمقراطية – حضرية، وبيروقراطية، وفردانية، هي وليدة متخيّل

الحداثة الذي تبنّته منذ عدّة قرون، وردود فعل هذه المجتمعات الجماعية والفردية والتكنولوجية

والأخلاقية والبحثية تجاه حجم التحديات التي واجهتها. وخ لاا كلّ هذا التوصيف، حرصت الدراسة على إظهار موقع العلوم الاجتماعية في هذه العملية الواسعة والخلفيات الإبستيمولوجية للأسئلة المتعدّدة التي طرحتها على نفسها وعلى علاقتها بالمجتمع وبمراكز القوة فيه.

Abstract: The worldwide effects of the Covid–19 pandemic have been felt in all aspects of life, including social sciences research. This study examines how Western science, society and government agencies dealt with an upheaval shaking the foundations of their societies to the core. The research finds that the endless daily complications caused by the pandemic in industrial–capitalist life (urbanized, democratic–bureaucratic and individualistic), are the product of an illusory "imaginary" of modernity espoused several centuries ago and these societies’ reactions to the enormous challenges they confronted. The research highlights the position of the social sciences in this broad process and explores the epistemological background of the questions posed by the social sciences and their relationship with society and its centers of power.

Professor of Science and Technology Studies, Institute of Social Sciences, University of Lausanne, Switzerland.

أولا: أشكال تفاعل العلوم الاجتماعية مع الجائحة

ما إن أعلنت منظمة الصحة العالمية وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) جائحةً عالمية، حتى سارعت الحكومات إلى فرض الحجر المنزلي، وعبَّر الباحثون في العلوم

الاجتماعية عن شعورهم بأنّهم يعيشون تجربة خاصّة، وأنّ هذا الوباء سيؤثّر في المجتمع بأسره؛ ومن ثمّ تستحق هذه الظاهرة المتابَعة والدراسة عن كثب.

1. مصدر قلق مباشر للطلاب

ما إن جرى الإعلان عن إغلاق الجامعات حتى كانت أوّل ضرورة ملحّة حازت الاهتمام هي ضمان

استمرارية التعليم. ومباشرةً، أخذ المدرسون يستثمرون أدوات التعليم عن بُعد استثمارًا كبيرًا. وهكذا

بدأت عملية واسعة من التعليم الفردي والجماعي، بمساندة من تكنولوجيا المعلومات والخدمات التعليمية، في إنتاج الوسائط السمعية والبصرية على الإنترنت، وتحريرها ونشرها. وباشرت الإدارات والجمعيات الجامعية في تنظيم نفسها بهدف توفير المصادر اللازمة، مثل دليل جمعية علم الاجتماع الأميركية. وقد أثار هذا التعليم القسري الجديد لدى المدرسين أسئلةً حول الآثار التي يُسبّبها التعليم

عن بعد، ولا سيما الاعتماد الشديد على الأدوات الجديدة والتوترات الناجمة عنها، إضافةً إلى التمييز المرتبط بالتفاوت في التجهيزات وبيئة عمل الطلاب. وهكذا أصبح تأثير الجائحة في التعليم موضوعًا

«تلقائيًّا» للبحث، وجرى تداول نتائج الاستبيانات التي أجْرِيت على الطلاب من دون المرور بالنشر

الأكاديمي، وبدأ عمل توليفي مُوحّد يقوم على مقارنة واستعراض التحليلات لهذه المواد والتقارير غير

الخاضعة للنشر التجاري. بالتزامن مع ذلك، بدأت قائمة القراءات التي يُوصَى بها في مجال الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع

توفّر مادّة للتفكير حول الجائحة، والرعاية المقدّمة في الحالات غير المعروفة على نحوٍ جيّد،

وكذا الأمر بالنسبة إلى دراسات الكوير Queer «أحرار الجنس»، والبحوث النسوية التي تركز على السوداوات وأشكال التفاوت. وبدأت فهارس الإنترنت تضمّ مجموعة متنوعة من المصادر حول الموضوع (الكتب، والمقالات، والندوات، والمدونات الصوتية، والبث الإذاعي، والأفلام، والأعمال

(1) "COVID–19 Resources for Sociologists," American Sociological Association, 15/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3aHV925 (2) Nina Brown et al. (eds.), "Teaching COVID–19: An Anthropology Syllabus Project," Google Docs , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3ujOumz (3) Siri Colom (ed.), "Teaching Coronavirus: Sociological Syllabus Project," Google Docs , accessed on 22/2/2021, at: http://bit.ly/3bwM9Mi (4) "Care in Uncertain Times Syllabus," Duke University Press, 25/3/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dzKMiB (5) "Queering the Pandemic Syllabus," Google Docs , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3byxDnA (6) Nana Afua Yeboaa Brantuo, "Black Feminist Perspectives on COVID–19: A Reading List," Black Women Radicals, 28/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2ZAWXDN (7) "COVID–19 Resources," Harvard University, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3kc9tmx

الفنية، والموسيقى، والمحفوظات، وقواعد البيانات، وما إلى ذلك)، أو دراسات استراتيجية استقصائية تحدّد كيفية إدارة البحوث الإثنوغرافية في حالة الجائحة.

2. دعوات لتقديم الشهادات وتجميع البيانات

عمل الباحثون، في هذا الوضع الذي شملت فيه الجائحة بآثارها جميع أفراد المجتمع، على دراسة الظاهرة حتى في الظروف التي أصبح فيها الوصول إلى الميدان محدودًا. فصمّموا أنظمة لتوثيق

الحدث وأنشؤوها، إدراكًا منهم لضرورة تجميع البيانات المتعلقة به، واضعين الشهادات على المنصات التشاركية، وداعين الطلاب إلى إجراء دراسات إثنوغرافية لما يحدث في العائلات والشارع والمؤسسات والعمل. بالنسبة إلى البحوث الأولية التي أجْرِيت على الظاهرة من النادر أنْ يجري التفكير في المشاريع

والإعداد لها بالطريقة المناسبة، أي من خلال صياغة الإشكالية، وتصميم البحوث ووضعها في سياقها المعرفي؛ فهي غالبًا ما تتّجه بسرعة إلى تجميع كلّ أنواع البيانات والمعطيات وأرشفتها لأنّ التغيّرات

سريعة، والهدف هو توثيق التجارب المتنوعة التي يعيشها المجتمع للرجوع إليها لاحقًا. هكذا أطْلقت دعوات إلى الطلاب والسكان كي يُدلوا بشهاداتهم لبناء ذاكرة جماعية عن الجائحة، تتعلّق بالتجربة التي مرّوا بها في الحجر المنزلي وعند رفعه، والتباعد المكاني، وارتداء الكمامة، والعزل الصحي،

والعمل عن بعد، والعلاقات مع الأقارب من كبار السن، ومع الجيران، وما إلى ذلك. وأعطوا نصائح وتوجيهات بشأن كيفية تحرير هذه الشهادات عن تجاربهم، كما كان في إمكانهم الإدلاء بها شفويًّا.

3. تنسيق التحليلات الأولى

أنشَأت فِرقُ البحثِ مدونات تتعلق بالجائحة، حيث يتشارك المستخدمون القصص والملاحظات الإثنوغرافية ورسومات الأطفال وصورهم، وتترافق في هذه المدونات مشاركات المستخدمين العاديين مع التحليلات الأولية التي يجريها الباحثون. وقد شكّل تعدّد الآراء حول ما يحدث فرصةً لاختبار التفكير الجمعي في طرائق صناعة المجتمع، وفرصةً لتغيير مستقبل العالم، أو عكس ذلك الرغبة في العودة إلى الوضع السابق.

(8) "#Coronavirussyllabus: A Crowdsourced Cross–disciplinary Resource," Google Docs , 12/3/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/37Axv5H

(((حول التعامل مع ظاهرة جائحة فيروس بأدوات أنثروبولوجية، ينظر:

Mike Wesch, "Adapting ANTH101 Challenges for Covid–19," ANTH 101 , 21/3/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2ZBFaMP (((1 على سبيل المثال، ينظر: , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2MgJn5s Vitrines en confinement.

(((1 على سبيل المثال:

CO–VIES20 , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2NRHTyI; "Comment vivez–vous la pandémie de Coronavirus? Quelles expériences, émotions, réflexions vous accompagnent pendant cette période?" Corona–memory , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2MiLiXe

ونشرت مدوّنات أخرى تحليلات تُسلّط الضوء على الأزمة، أو مفكّرة بحث مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، باستخدام الأدوات المفاهيمية للعلوم الاجتماعية. وتتشارك هذه المدوّنات

والدراسات المعارف وتدعم البحوث، وتعود إلى الماضي لتحلّل الحاضر وتفكّكه؛ من أجل التفكير في فترة ما بعد جائحة فيروس كورونا، كما تطرح مشاريع يستطيع المواطنون المشاركة فيها. من جهة أخرى، يُجري باحثون مداخلات مختلفة في وسائل الإعلام ليقدّموا تحليلاتهم الأولية المتعلقة بالجائحة.

4. حشد طاقات الباحثين

بدأت العلوم الاجتماعية، بعد شهرين من الحالات الأولى التي أعلنتها الصين (31 كانون الأول/ ديسمبر 2019)، وقبل أنْ تعلن منظمة الصحة العالمية وباء كوفيد 19– جائحةً، في حشد جهودها. وفي 6 آذار/ مارس 2020، جمع منتدى دوليٌّ علماء في الأنثروبولوجيا والتاريخ لمناقشة الأطر التحليلية

المناسبة للتعامل مع الجائحة. وإذا كان علماء الأنثروبولوجيا في حالة وباء إيبولا قادرين على الوصول ميدانيًا إلى المجتمعات المُصابة، فإنّهم لم يكونوا قادرين على ذلك في حالة جائحة كورونا؛

لأسباب سياسية وعملية. ورغم ذلك، أتاح المنتدى تسليط الضوء على الوضع السائد، والرجوع خطوة إلى الوراء لفحص التجارب الوبائية السابقة، وتوقّع آثار الجائحة في المجتمع، مع مراعاة تعقيدات الواقع الاجتماعي. وفي هذا السياق، استنفرت الحكومة في الأرجنتين العلوم الاجتماعية، إدراكًا منها للتعقيدات الناجمة عن فرض العزلة الاجتماعية. وطلبت من المؤسسات البحثية إجراء استطلاع وطني على مستوى البلاد حول التأثير الاجتماعي للحجر المنزلي في الأحياء الشعبية. فأجرى عددٌ من الباحثين كانوا على صلة بهذه الأحياء، بإشراف لجنة مختصّة في العلوم الاجتماعية، اتصالات مع 1500 من قادة المجتمعات المحلية، والمسؤولين الدينيين، والسكان المحليين والمنظمات الشعبية؛ بهدف تحديد المشكلات ذات العلاقة بالجائحة. وكانت الحصيلة كمًّا هائلً من البيانات التي حلّلها 500 باحث

قدّموا من خلالها للحكومة صورة شاملة عن الحالة وتقييمًا عامًّا لها، سُلِّمت في تقرير إلى السلطات

. Viral , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2MdgUgR ((1(على سبيل المثال: (13) Christophe Prochasson, "Carnet de l’EHESS," EHESS, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3kd7Zss

(((1 تبدأ منظمة الصحة العالمية اعتبارًا من 10 كانون الثاني/ يناير 2020 بتقديم المشورة بشأن إجراءات فحوصات لهذا الوباء

وتقديم العلاج له في نشرة إخبارية فنية موجهة إلى الأوساط العلمية ووسائل الإع ماا. وفي 14 كانون الثاني/ يناير 2020، تتحدث عن خطر وبائي واسع النطاق، ثم تستدعي لجنة طوارئ لكنها تفتقر إلى البيانات اللازمة. تجري اللجنة زيارة إلى الصين تعلن في ختامها حالة الطوارئ الدولية للصحة العامة. وفي 3 شباط/ فبراير 2020، تنشر منظمة الصحة العالمية خطة لمساعدة الدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة، ثم تدعو المجتمع العلمي إلى منتدى حول البحث والابتكار بخصوص فيروس كورونا، وفي 11 آذار/ مارس 2020، تصنف منظمة الصحة العالمية وباء هذا الفيروس على أنه جائحة.

(15) Christos Lynteris, "COVID–19 Forum: Introduction," Somtosphere , 6/3/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/37E5Lgm (16) Soledad Balerdi, Paula Cuestas & Julia Hang, "Les sciences sociales face au confinement. Enquête, diagnostic et contributions en Argentine," CO–VIES20 , 6/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2Nju9x7

العامّة في 29 آذار/ مارس. وقد سلّطت هذه الأبحاث الضوء على الوضع الهشّ الذي كان يعانيه السكان (نقص في المواد الغذائية والأدوية ومواد التنظيف المتعلقة بالصحة العامة)، والذين أثّرت العزلة الاجتماعية في حياتهم القائمة على أعمال غير مهيكلة، وغير مستقرةٍ. كما بيّن التقرير أنّ ذلك كان يجري في الوقت الذي أدّى فيه الحجر المنزلي إلى زيادة في التوترات والمشكلات العائلية والعنف الأسري، مبيّنًا أنّ التعليم عن بعد لا يضمن الاستمرارية التربوية للشباب الذين لا يملكون الأجهزة والأدوات اللازمة لذلك. وعلى الرغم من ذلك، أظهرت الدراسة تقيّد السكان بالحجر المنزلي، وجرى

الأمر بدعم من مواقع جمعيات ومنظمات الأحياء السكنية ونشاطات الجامعات القريبة. وقد أنشِئت شبكات من الدعم والمساعدة على مستوى الأحياء؛ ما خلق سياقًا حيويًّا من التفاعل الاجتماعي فاق ما كان سائدًا في المنزل، فساعد على تخفيف التفاوت الاجتماعي.

5. برامج بحث وندوات ومنشورات

من جهة أخرى، لم يتأخّر الباحثون في تصميم مشاريع بحثية وعقد ندوات وإصدار منشورات جماعية؛ إذ شكلت الجائحة وإدارتها تجربة ضخمة بمقاييس طبيعية غير مسبوقة على مستوى العالم، إلى درجة أنّ أحدًا لم يجرؤ من قبل على تخيّل إمكانية اختبار فرضيات، وتطبيق نظريّات، على ظاهرة

بمثل هذه المقاييس. وقد وضعت هذه الأزمة على المحكّ معارفنا السابقة عن المجتمع، وعن قدرته على مواجهة هذا التحدّي الكبير. ويتّصف نسق الاضطراب الذي أصاب نظُم المجتمع، السياسية منها والاقتصادية، في جميع أنحاء العالم، بالسرعة والعمق؛ وهو اضطرابٌ ربّما لا يمكن إصلاحه، وهو يتحدّى قدرة المجتمع على التغيّر والصمود من أجل إعادة إنتاج ذاته، وذلك رغم سياسات الوقاية

المطبقة. ومع ذلك، أثار هذا الاضطراب خيال الباحثين الذين رأوا فيه فرصةً لإنتاج المعرفة كما لم يستطيعوا إنتاجها سابقًا، فبدأ كلّ شيء في التحرّك وبرزت على السطح العديد من الظواهر التي كانت غائبة من قبل. تُعدّ الوضعية مثيرة ومحفزة؛ فهي تساعد في فهم المجتمع فهمًا أفضل. وإنّ ما كان مطلوبًا، فضلً عن التحليلات الساخنة والآنية التي تعيد تدوير المفاهيم الجاهزة والبيانات التي تمّ جمعها على عجَل، هو مقارنة الأساليب والمقاربات، وإعادة صياغة القضايا، وإطلاق دعوات للنشر بالنسبة إلى الزملاء العاملين في الميدان وعلى أرض الواقع، واقتراح مفاهيم جديدة، وتصميم برامج مبتكرة للبحث، وربّما إعادة النظر في النماذج الإرشادية المعرفية القديمة Paradigms. في هذا السياق، وُج هت دعواتٌ لتشكيل مجموعات بحثية لتحليل التغيّرات الجارية وتأثيراتها في أنماط الحياة والمنظمات

(((1 حول الجنساني وتخصيص الموارد من منظور الإعاقة والتفاوتات العرقية، صحة وسلامة مجموعات «إل جي بي تي كيو» LGBTQ، أو «إل جي بي تي» LGBT (المثليات والمثليون والمتحولون جنسيًا)، يُنظر على سبيل المثال:

"COVID–19 Virtual Events," Columbia University Irving Medical Center, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dAXnlO (18) David Stark, "Testing and Being Tested in Pandemic Times," Sociologica , vol. 14, no. 1 (2020), pp. 67–94.

والمؤسسات (الدعوة إلى التعافي المستدام، على سبيل المثال). وكانت هذه الدعوات موجهة في بعض الأحيان إلى الجهات الفاعلة في الميدان والمعنية بإدارة الأزمات وتأثيراتها في المجتمع (الشركات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الثقافية... إلخ). وفي هذا الإطار، أنشئت العديد من القوائم لرصد مشاريع البحث والتدخّل. وبدايةً من أيلول/ سبتمبر، قُد مت أموالٌ وتلقّت وكالات التمويل العديد من الاقتراحات في هذا الشأن، لكنْ لم يندفع جميع الباحثين في هذا الاتجاه تجنّبًا

لآثار ما اعتبروه شكلً من أشكال «الموضة» البحثية. ومع ذلك، سرعان ما ظهرت المنشورات الأولى في الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية، من خلال حشد المعرفة المتراكمة، واستكمالها ببيانات من الاستطلاعات الأولى، ومن أعمال رصد وسائل الإعلام. وبالتوازي مع ذلك، عُقِدت ندواتٌ متعدّدة التخصصات في أغلب الأحيان، وقد اعتُبِر بعضها في البداية مساحة للحوار مع الجهات الفاعلة المسؤولة عن إدارة الأزمات.

6. الانخراط في النقاش العام

دفعت الاضطراباتُ العلومَ الاجتماعية إلى تغيير الأدوار. يتحوّل بعض ممثّليها، أحيانًا، إلى «سماسرة ثقافيين» يفكّكون رموز الأعراف والقيم والممارسات الاجتماعية؛ من أجل فهم مقاومة التغيير، وتحديد وسائل التخفيف منها. ومن ثمّ، يقدّمون المساعدة في فهم ما يجري، وتصميم استجابات «مناسبة» للتفاعل مع الجائحة والآثار الناجمة عن إدارتها. وهكذا، فإن صانعي السياسة العامة يستنفرون طاقات العلوم الاجتماعية لخدمة البرامج السياسية والتفاوض بشأنها. لقد انخرطت هذه العلوم في النقاش العام وفي الوسائل الإعلامية دراسةً وتحليلً للمضمون، مشاركةً في ذلك علومًا أخرى وفعاليات اقتصادية أو ثقافية. وإدراكًا منها للرهانات المطروحة، من حيث استعادة و/ أو تغيير أنماط الحياة الإنسانية، سلّطت العلوم الاجتماعية الضوء على الآثار المجتمعية

(19) "Call for Proposals: WUN Addressing Research Needs Triggered by the Covid–19 Pandemic," WUN , 2/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2NjY8VJ

(((2 استجاب أكثر من 600 شخص للدعوة التي أطلقها مركز دراسة الإنسان في غرونوبل (فرنسا.)

"CODE–VIRUS," Pacte, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dIreIO

(((2 على سبيل المثال، نذكر متتبع مشروع العلوم الاجتماعية (كوفيد 19–) الذي ينشر 350 مشروعًا.

Nate Matias & Alex Leavitt, "COVID–19 International Academic Social Science Research Project Tracker," Google Docs , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3ujcje9 (22)  Social Anthropology , vol. 28, no. 2 (2020), pp. 211–555. (23) Fiorenza Gamba et al. (dir.), COVID–19: Le regard des sciences sociales (Genève: Seismo, 2020). (24) "Democracy in the Time of COVID–19," Democratic Theory , vol. 7, no. 2 (2020). (25) Raad Fadaak, Myles Leslie & Nicole Pinto, "A‘New Normal’ for the Social Sciences: Improving Pandemic Preparedness and Response," LSE , 21/9/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dEx3aj (26) Elsa Bansard & Anne–Coralie Bonnaire, "‘Les SHS face au Covid–19’ – Quatre mois de débat public: Une proposition d’analyse de contenu," MSH–Paris–Saclay Ruptures des pratiques et dynamique du débat – Les SHS face à la crise Covid–19, Colloque, 12–13 octobre 2020.

للأزمة، والتشك لّات المجتمعية الجديدة الجارية. وعملت على تقييم عمق الاضطرابات واللايقين اللذين ترتّبا على ذلك، وعلى استكشاف وتقييم الآفاق المستقبلية الممكنة للحياة.

ثانيًا: دراسة الواقع المعيش وتأثيرات الجائحة

سنستعرض الموضوعات التي استحوذت على انتباه الباحثين. لقد تأثرت جميع مجالات النشاطات بالجائحة، ولذلك فإنّ جميع التخصصات معنية بها: علم اجتماع الصحة، والاتصالات، والأسرة، والعمل، والهجرة، والنشاطات الثقافية والرياضية، والعلوم والتكنولوجيا، والسياسة والمنظمات وغيرها.

1. مكامن الضعف

يهيمن موضوع واحد على الأعمال الجارية: دراسة عواقب الحجر المنزلي، أو ما سمّي خطأ «التباعد الاجتماعي»، على المجموعات السكانية المختلفة (الطلاب في الحجر المنزلي، وكبار السن في مؤسسات رعاية المسنين، والإرهاق، أو الضغط النفسي العالي، بالنسبة إلى الوالدين اللذين يتعين عليهما التعايش مع الأطفال أثناء تنفيذ عملهما، وكذلك المرضى الأكثر هشاشة، وما إلى ذلك)، إضافةً إلى التفاوت الاجتماعي والجهوي والمهني والجندري. وتتفاقم أوجه التفاوت هذه في مواجهة الوباء؛ إذ تساعد الكثافة السكانية على انتشار الفيروس في المدن مقابل الأرياف، وفي الأحياء الشعبية مقابل الأحياء السكنية الراقية، في حين يكون الحجر المنزلي أسهل في المناطق السكنية التي تشتمل على حدائق ممّا هو في المدن حيث تكون المساكن ضيقةً ومن دون شرفات. كما بدأت تطفو على السطح التفاوتات الاجتماعية الكامنة، من دون أنْ يلاحظها أحد، وذلك على مستوى أجهزة الاتصالات التي أصبحت ضرورية للعمل والتعليم والتعلم عن بعد. وإن لم تُصب الجائحة في البدء سوى نخبة عالمية متنقلة من الأشخاص، ما يُسمّى بفيروس الأغنياء الذي ينتقل بالطائرة من مكان إلى آخر في سائر أنحاء العالم، حتى وصل إلى محطات التزلج الفاخرة، فإنّها انتشرت عبر التجمعات الشعبية، الرياضية والدينية، حتى إنّها أصابت التجمعات السكانية التي لا تكفيها مواردها الاقتصادية ورصيدها من العلاقات الاجتماعية في مواجهة أيّ تغيّر مفاجئ. وهكذا كشف الفيروس عن اختلافات بين المصابين، وكشف النخبة الأولى منها التي تعرّضت للانتقاد والازدراء لتعريضها الأشخاص الآخرين الضعفاء للخطر. ظهرت، بعد فرض الحجر المنزلي وبدء التعليم عن بُعد، أوجه التفاوت بين الطلاب على نحوٍ واضح، من حيث الأدوات وظروف العمل في المنزل. وقد فرض موضوع التفاوتات نفسَه على الباحثين، فتعدّدت الأعمال التي تناولته:

(27) Creighton Connolly, Roger Keil & S. Harris Ali, "Extended Urbanisation and the Spatialities of Infectious Disease: Demographic Change, Infrastructure and Governance," Urban Studies , vol. 58, no. 2 (2020), pp. 245–263. (28) Sandro Cattacin, "Stigmatisations inversées, renversées et rétablies," in: Gamba et al. (dir.), pp. 149–158.

أ. تأثير الحجر المنزلي في الأشخاص من ناحية ظروف سكنهم وعملهم، ومنهم على سبيل المثال العاملون في مجال الخدمات المنزلية والمطاعم، ومن ناحية ظروف تنقّلهم. ب. هشاشة الأسَر: – العيش في مساكن محصورة ومغلقة في ما يشبه الجحيم؛ من توترات، وعنف، وهيمنة جندرية وجيلية. – الموارد العاطفية: عاطفة، وتواصل اجتماعي، ودعم متبادل. – الديناميكيات: انخراط الطلاب أو كبار السن المعزولين أو المحجورين في المنازل في علاقات من الترابط والاعتماد العاطفي والاقتصادي المتبادل. – الأزواج: التواصل، والعلاقة الحميمة، والرومانسية، وحتى المراقبة المتبادلة، والأبوة، والأمومة، والخصوبة، والرعاية في فترة الحمل، وكسر الروتين، وتعلّم أدوار جديدة (خاصة المعلم)، والعلاقة بالبيئة، وإدارة موارد الأسرة (المكان، والتجهيزات، والدخل)، تنظيم العلاقات. ج. هشاشة الأطفال: الاعتماد على نظام التعليم المدرسي عن بُعد والقدرة على الاستيعاب، بناءً

على موارد غير متساوية داخل الفضاءات المنزلية أكثر منها داخل الصفوف الدراسية. ويتّصف

هذا النظام بسهولة التبادل الثنائي مع المعلّم مقابل التفاعل المتعدّد الأطراف في القسم والتعلّم الجماعي. يُضاف إلى ذلك التبعية لجهود الوالدَين في المجال، والتوتّر الذي يحصل في

الأسَر نتيجة التنافس على الوصول إلى التجهيزات المطلوبة في العملية التعليمية. د. هشاشة مجموعات مخصوصة: كبار السن، والمعوقون، والضعفاء عقليًا أو المساجين،

ومسائل الرعاية المُقدّمة لهم. ه. قدرات الأشخاص على المقاومة والتكيّف المرن مع هذه المواقف، والتأثيرات التي تلحق

حياتهم وسلامتهم، وحالة التبعية التي يعيشونها باعتمادهم على المساعدات العامّة، ونشاط

الجمعيات والشبكات الاجتماعية على الصعيدين المحلي والوطني، لا سيّما في حالة المهاجرين.

(29) Conor Dougherty, "12 People in a 3–Bedroom House, Then the Virus Entered the Equation," The New York Times , 2/8/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://nyti.ms/3ulWi7q (30) Eric D. Widmer et al., "Dynamiques familiales et Covid–19: Réactions à la période de confinement," in: Gamba et al. (dir.), pp. 159–178. (31) Daniel Stoecklin, "Les enfants face aux conséquences du covid–19," in: Gamba et al. (dir.), pp. 193–214. (32) Emilie Rosenstein, "Handicap, confinement et l’expérience de la vulnérabilité," in: Gamba et al. (dir.), pp. 215–

(33) Marco Nardone, "Le Covid–19 en prison," in: Gamba et al. (dir.), pp. 227–246. (34) Colleen M. Flood et al. (eds.), Vulnerable: The Law, Policy and Ethics of Covid–19 (Ottawa: University of Ottawa Press, 2020).

في هذا السياق، جرت إعادة تحديث الأسئلة والمفاهيم المتعلقة بالسؤال: ماذا يعني «تكوين أسرة»؟ باعتماد تقنيات الاتصال للتعبير عن الحضور وللتواصل مع الآخرين، أو مشاركتهم الأحداث الحميمية (الحفلات)، أو تقديم الدعم وتلقيه (تحضير واجب منزليّ مع الأجداد عن

بعد، أو المشاركة في إدارة الأزمة أو توفير جليس للأطفال)، وتبادل المعلومات. وقد ظهر أنّ هذه التقنيات تُوفّر الدعم لهذه العلاقات بقدر ما كان الأشخاص يُتقنون استخدامها منذ فترة طويلة، كما

هو حال المهاجرين الذين اعتادوا التعامل مع هشاشة أنظمة الاتصال التي لديهم وأظهروا مرونةً في التكيف مع الوضع الجديد. وفي المقابل، كشف الحَجْر المنزلي عن أنّ الأشخاص الذين لم

يطوّروا أسلوب تعاملهم مع أنظمة الاتصالات الحديثة وجدوا صعوبات في التواصل عبرها.

2. تفاوت وتمييز وعدالة

في خضم هذه البحوث، أظهرت العلوم الاجتماعية حساسيةً تجاه قضايا العدالة والإنصاف. ففي الولايات المتحدة الأميركية، تَركّز الاهتمام على مسألة العنصرية والتمييز، وكشفت الأزمة أنّ الصحة ومعدلّات الأعمار يعتمدان على لون الجلد؛ ما غذّى في بداية الجائحة خطاب الكراهية تجاه الناطقين بالصينية الذين كانت بلادهم الأصلية المكان الذي انتشرت منه الجائحة. أمّا في سويسرا، وهي دولة غنيّة بالموارد، فقد أدّت إدارة الوباء إلى إلقاء كثير من الناس في وضعيّات

غير مستقرّة وغير آمنة؛ واكتشف العالم أرتال المنتظرين أمام محالّ توزيع المواد الغذائية. فعكفت

العلوم الاجتماعية على دراسة الطريقة التي تعاملت بها المنظمات غير الحكومية والمؤسسات مع هذه الوضعيات (تقديم وجبات الطعام وأكياس المؤونة التي لا تترك لهم اختيار موادّها، بل إنها مهينة لهم)، إضافة إلى ظهور أنظمة أخرى لتقديم المعونة الغذائية (قسائم شراء تُستبدل في المتاجر لمكافحة الفقر)، أو المساعدة المالية للعاملين لحسابهم الخاص والطلاب والمشتغلين في الجنس. وقد سلّطت التحقيقات الاستقصائية الضوء على أوضاع الأشخاص ذوي الإقامات غير النظامية، الذين يتردّدون في التسوّل واستجداء الناس خوفًا من اكتشافهم وترحيلهم، في حين سبّب ذلك انقطاع أعمالهم

في مجال البناء والمطاعم وحضانة الأطفال والخدمة المنزلية، والطرائق التي تكيّفت بها الشركات

والمؤسسات العامة مع موضوع التشغيل في وقت الجائحة. وهكذا شهدت العلوم الاجتماعية عودة

(35) Lisa Bowleg, "We’re Not All in This Together: On COVID–19, Intersectionality, and Structural Inequality," American Journal of Public Health (2020), p. 917. (36) Philip Alston, "Covid–19 has Revealed a Pre–existing Pandemic of Poverty that Benefits the Rich," The Guardian , 11/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2MbK3ZF; Steven Greenhouse, "The Coronavirus Has Intensified Systemic Economic Racism Against Black Americans," The New Yorker , 30/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3pLMG26 (37) "Hundreds Queue for Food Parcels in Wealthy Geneva," The Guardian , 9/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3kbcfsg; "Food Line in Geneva Stretches To More than 1,500 People," The New York Times , 9/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://nyti.ms/3kbxXMF; "Food Poverty UK," Goldsmiths , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3aFHhoY; Laurence Ossipow et al., "Avoir faim en Suisse: Les dispositifs alimentaires à Genève et à Fribourg au temps de la Covid–19," CO–VIES20 , 15/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3qJEuAT

إلى مشهد الدولة والجمعيات، وهي تُعيد إطلاق برامج مكافحة الفقر القديمة، مضفيةً طابعًا مؤسسيًّا

أكثر إنصافًا بشأن توزيع الموارد.

3. إعادة ابتكار الطقوس

أثار الاضطراب الناجم عن الجائحة، كما أوضحنا، اهتمام العلوم الاجتماعية؛ ذلك أنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومات أثّرت في حياة الناس. فعكفت العلوم الاجتماعية على دراسة الطريقة التي أصبح يعيش بها الناس هذه الأزمة، والممارسات والتصرّفات الجديدة المتغيّرة التي تولّدت من ذلك. ومن

ثمّ، تبلورت أسئلة أنثروبولوجية تتعلّق بالقيمة العالية التي تُعنى بالصحة والاهتمام بها على حساب الحياة، والاستقلالية، وأساليب العيش في وجود فيروس أو جائحة مزمنة. لقد تأكد أنّ العزلة تشكّل حالة عيش مُحبِطة ومُنفِّرة، حاول المجتمع تأكيد نفسه ضدّها من خلال إعادة إنتاج الروابط الاجتماعية، والممارسات والأحداث العامة، خصوصًا مباريات كرة القدم، وفعل ذلك أحيانًا عن طريق إنكار الخطر ورفض الأوامر والتعليمات. وقد انبثقت من ذلك ممارسات جديدة أثناء الحَجْر المنزلي، ولا سيّما استحداث المشاركة عن بعد في حفلات تناول المشروبات

Apéro (كورونا بيرو Coronapero، وسكايب بيرو Skypero، وزووم كافيه Zoomcafé)، والحفلات الموسيقية التي يجري فيها عزل الموسيقيين، ومزامنتهم عن بُعد، وتقديمهم على شكل صور مُصغرة متعدّدة على الشاشة نفسها. كما ظهرت ممارسات وطقوس أخرى مثل التصفيق على الشرفات لطواقم الممرضين. لقد مثّلت هذه الطقوس والممارسات المبتكرة مواضيع اهتمام جديدة بالنسبة إلى العلوم الاجتماعية؛ لأنّها تشير إلى تغيير في ظروف العيش. وهذا الأمر دفع الباحثين إلى طرح تساؤلات على أنفسهم متعلقة بكيفية ابتكار المجتمعات نُظمًا اجتماعية جديدة، وبقدرتهم على إعادة إنتاج

الممارسات الاجتماعية القديمة بوسائل التواصل عن بُعد، أو بالاستكشافات العابرة، أو حتى العودة إلى ما كانت عليه الحياة قبل الجائحة. وتحظى طقوس أخرى باهتمام العلوم الاجتماعية؛ مثل حفلات التخرج، وتسليم الشهادات، والإحالة إلى التقاعد. وتأثرت مراسم الجنازات وطقوسها تأثرًا كبيرًا، وحُظِرت مراسم دفن الموتى في الوقت

الذي ارتفع فيه عدد المتوفين الذين لم يتمكن أقرباؤهم من مرافقتهم إلى مثواهم الأخير؛ ما ترك أثرًا بالغًا

ورمزيًا في نفوس الأقارب والأصدقاء. وللردّ على هذه التحديات، استدعت السلطات العامة العلوم الاجتماعية لتفكيك هذه الظواهر وتحليلها. وهو ما أعطى عالمة الاجتماع غايل كلافنديه Gaëlle Clavandier فرصةَ الحديث عن «الموت الجماعي»، قياسًا على ما يحدث في حالات الهجمات،

(38) Natassia Brenman, "Pandemic Vitality: On Living and Being Alive in Lockdown," Social Anthropology , vol. 28, no. 2 (2020), pp. 229–230. (39) Jolanda Jetten et al., Together Apart: The Psychology of Covid–19 (London: SAGE Publishing, 2020). (40) "Crise du funéraire en situation de Covid–19: Mort collective et rituels funéraires bouleversés," Office parlementaire d’évaluation des choix scientifiques et technologiques (OPECST), 7/7/2020, accessed on 29/3/2021, at: https://bit.ly/31sBihV

أو الإبادة الجماعية، أو الكوارث. كما تُذكّرنا حصيلة الوفيات التي تعلنها نشرات الأخبار المتلفزة، ومشاهد تجميع الجثث في الكنائس لإجراء المراسم الرسمية، والدفن في مقابر جماعية، بالأوبئة القديمة التي أصابت العالم. أما بالنسبة إلى العاملين في قطاع دفن الموتى والجنازات، فقد كشفت عالمة الاجتماع باسكال ترومبيت Trompette Pascale عن الضغوط التي يعانونها، والتي تفاقمت من جرّاء عدم استفادتهم من المساعدة الممنوحة لمقدّمي الرعاية الصحية (الحصول على معدّات الحماية

الشخصية، وإذن السفر، ورعاية الأطفال)، وذلك لعدم ظهورهم في إطار القطاع الطبي، وهذا رغم أنهم يقفون إلى جانب المجموعات التي أصابتها مصيبة، ويدعمونها ويبعثون معنى جديدًا للحياة في نفوس الباقين منها على قيد الحياة؛ إذ إنّ عدم القدرة على رؤية جثة المتوفى وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه يثير المخاوف لدى الناس من استبدال جثث الموتى، أو حتى إنكار موتهم.

4. التباعد

من بين التدابير الاحترازية التي اتخذتها الحكومات، لحماية مجتمعاتنا من هذه الجائحة، استحواذ التدبير الذي سمّي خط «التباعد الاجتماعي»، و«الحجر المنزلي»، على انتباه العلوم الاجتماعية. وقد

غيرت حتمية «التباعد الاجتماعي» أساليب التفاعل المجتمعي، وأثارت أسئلةً عمّا تعنيه فكرة «أنْ تشكّل مجتمعًا»، ومن ذلك علاقات الثقة/ عدم الثقة بالآخرين، والمشاعر، وخصوصًا مشاعر انعدام الأمان. لقد ذكّرنا تباعد الأشخاص الاجتماعي أو المكاني بالحدّ الذي يجعلنا كائنات اجتماعية، تنسج روابط اجتماعية، على الرغم من تباعد المسافة، كما أظهر ذلك الاستخدام المكثف للوسائط الرقمية. غير أنّ هذه الإجراءات الاحترازية الصحية خلقت شعورًا لدى الأفراد بالقطيعة مع المجتمع، حينما

جرى حرمانهم من الاتصال الجسدي، أو حينما جرى اقتصار الاتصال الجسدي على ملامسة المِرْفق

بدلً من المصافحة باليد؛ وهذا ما أظهر أهمية التلامس في النظام الاجتماعي. كما كشفت تعليمات تجنب ملامسة الآخرين عن تفاوتات اجتماعية أخرى، شملت الأشخاص المكلّفين بتقديم الرعاية الصحية للآخرين، أو المضطرّين إلى التعامل مع المنتجات والمواد التجارية؛ إذ وجدوا أنفسهم

مهدّدين بالإصابة بالفيروسات التي ينقلها من يتعاملون معهم في المحال التجارية. وقد أعادت هذه الأزمة إلى المشهد الاجتماعي أشخاصًا كانوا غير مرئيين، وكشفت عن أوجه تشابه بين مهن كانت قبل الأزمة غير قابلة للمقارنة، من بينها العاملون في المجال الطبي والعاملون في تجارة التجزئة. وقد أثار العرفان الرمزي بالجميل تجاه أعمالهم، من خلال التصفيق لهم أو تحسين رواتبهم، اهتمام العلوم الاجتماعية التي قيّمت مدى هذا التغيّر، ودلالاته، وأسبابه، وإمكانية الرجوع عنه. كما تساءل الباحثون عن كيفية التعامل مع القواعد الاحترازية وتنفيذها: إلى أيّ مسافة يجب أنْ يقف الشاب بعيدًا عن الشخص المُسنّ، ويوازن بين الاهتمام بحمايته مع الحرص على تجنّب إعطائه انطباعًا متمثلً في اعتباره مُسنًّا وضعيفًا؟ كيف يقوم أصدقاء بنزهة مشتركة ومسافة تفصل بينهم، في حين أنّه من المفترض أن يكونوا قريبين من بعضهم؟ كيف يتحدّث الناس مع بعضهم عن المسافة التي تفصل بينهم وهم يقفون في صفوف الانتظار؟ كيف يعرف الناس ما إذا كان في إمكانهم الاقتراب من بعضهم ضمن

تلك الصفوف، والثقة ببعضهم، وما إلى ذلك؟ يتعلق الأمر إذًا بتحليلٍ بِناءً على تعديلات صغيرة،

لكنها ذات مغزى، والطريقة التي يؤثر بها التباعد المكاني في التباعد الاجتماعي، أو الطريقة التي يعيد بها الناس إنشاء التقارب الاجتماعي، على الرغم من التباعد المكاني. يكشف الاضطراب الناجم عن التباعد المكاني عن آليّات كانت الحياة السابقة المنظمة روتينيًّا قد أنستنا إياها، ويدفع إلى التساؤل

عمّا كان يشكّله الوضع القديم، فضلً عن إعادة إنشاء المسافة الصحيحة، مع الحرص على تقليل الاختلافات وتخفيف سوء الفهم. مع انتشار الجائحة، تسلّل الشعور بعدم الثقة إلى العلاقات الاجتماعية، بسبب احتمال وجود كائن ثالث غير مرئيّ، ألا وهو الفيروس الذي أصاب نظام العلاقات. وفقد النظام الروتيني القديم وضوحه،

في حين أنّ النظام الجديد، الذي فرض تعليمات القواعد الاحترازية الجديدة، لا يقدّم جوابًا مقنعًا عن

أسباب ذلك كي تصبح تلك القواعد طبيعيةً وتُنسى. لذلك، من الضروري دراسة أشكال الدعم التقليدية التي خلقت في السابق هدوءًا نسبيًا في العلاقات، وقدرةً على التنبؤ بالسلوكات وردود الأفعال؛ وهي

أشكال دعم يجب أن يعيد الجميع، من الآن فصاعدًا، استكشافها ومفاوضتها واختبارها، لتحديد أفضل مسافة فيزيائيّة ينبغي تركها تجاه الآخرين في الشارع، وفي العمل، وضمن العائلة، وبين الأصدقاء. يُعدّ الفيروس، بالنسبة إلى مجلّة دراسات العلوم الاجتماعية Social Sciences Studies، هذا الكائن

غير المعروف جيّدًا، والذي تحوم حوله الشكوك، عاملً يُحوّل البشر إلى مخاطر غير محدّدة؛ ما ولّد

مخاوف موضعية خلال اللقاءات بين الأشخاص. وهو مختلف اختلافًا كبيرًا عن الأوبئة الأخرى،

مثل «زيكا» الذي ينتقل عن طريق البعوض، أو «الإيدز» عن طريق الشركاء الجنسيين. فالجائحة الراهنة، لا تُختَزل في مجرّد انتشار فيروسي، ولا في ذعر من القصص التي يتناقلها الناس بشأنها في ما

بينهم؛ إذ المميّز فيها أنّ اللقاءات بين الناس تجري في وجود كائنات تظهر بأشكال مختلفة، وتتنقل

على نحوٍ مدمّر في بعض الأوقات من مكان إلى آخر، وهي في أوقات أخرى غير مُدم رة، وتتميز كذلك بالانقطاعات والتحولات. وينبع الخوف أحيانًا من الأعراض التي يجب أخذها على محمل الجدّ، وأحيانًا من العوامل المعدية، ولكن يأتي الخوف أحيانًا أخرى من احتمال أنْ يكون الشخص نفسه ناقلً للمرض من دون أن تظهر عليه أعراض، أو أن يعرف أنّه يشكّل خطرًا على الآخرين. كما

يصدر الارتياب من المعرفة بحجم الجائحة (انخفاض أو ارتفاع مستوى الاختبارات، والحالات غير المصحوبة بأعراض)، وبنواقل العدوى، وبالعواقب على الصحة والاقتصاد، وبحجم تعامل السلطات، مع ضرورات ملحّة متعدّدة؛ من ضمنها توفير الحلول. وقد زاد هذا الارتياب، حينما تدخلت الدول

وفرضت إجراءات احترازية (الحجر المنزلي، والتباعد، وارتداء الكمامة)، فجعلت ذلك التهديد ظاهرًا

وملحوظًا، وعززت الوعي به، وعدّلت السلوكيات على ذلك الأساس. ومن ثمّ، طرحت المخاوف التي أثارتها الجائحة تساؤلات عن المصير المأمول للبشرية وللكوكب، وعن الممارسات الجديدة التي يصعب معرفة ما إذا كانت ستستمر أم لا.

(41) Wesley Shrum et al., "Who’s Afraid of Ebola? Epidemic Fires and Locative Fears in the Information Age," Social Studies of Science , vol. 50, no. 5 (2020), pp. 707–727.

5. الحجر المنزلي

استرعى الحجر المنزلي، وإغلاق الحدود أيضًا، اهتمام العلوم الاجتماعية؛ لأنّهما أثّرا في العلاقات بين الأشخاص. فقد خيّم صمت اجتماعي، واختفت الروابط الاجتماعية الثانوية والمصادر غير

المتوقعة للمعلومات، من دون أن تُعوّضَها وسائل الإعلام الرقمية؛ ما أثر في الحياة الحضرية. وقد

وقع الفضاء العام، أي مجال تبادل المجاملات والنقاش والحوار، ضحيةً لهذه الجائحة، وأصبح حجر الشخص لنفسه بمنزله شعار المرحلة، لأنّ الخطر يحوم في الخارج؛ الأمر الذي كانت له عواقب وخيمة على الديمقراطية، وخصوصًا بشأن المشاركة في النقاش العام المباشر والتظاهر والمطالبة،

وعلى الأشخاص المشردين أو المحشورين في منازلهم الضيقة، في حين امتلك آخرون منازل واسعة لها شرفات، وحولها حدائق، وسكنًا ثانيًا في الريف. في المقابل، كسب فضاء الشبكات الرقمية في نشاطات مختلفة (الاستهلاك والترفيه والاحتجاج والتضامن والحفلات على الإنترنت)، من خلال تعديل حدود الخصوصية الشخصية؛ إذ أصبحت الشرفة فضاءً شبه عامّ، وعبر الأدوات الرقمية، تسلّل البعض إلى منازل الآخرين، وخصوصًا المعلمين

والطلاب، والعكس صحيح، واكتشفوا أجواء مساكنهم. وهكذا وجّهت هذه التحولات العلوم

الاجتماعية إلى إعادة تعريف الحدود، وإعادة رسم روابط التواصل الاجتماعي. لكنّ التحدي الذي برز في ثنايا هذه التحولات هو فهم سبب امتثال الأفراد لإجراءات العزل. وكان إميل دوركهايم قد بيّن أنّه كي يتقيد الأفراد بتعليمات ما، بصفة طوعيّة، يجب أنْ تحظى تلك التعليمات

بدعم اجتماعي. وبالفعل، أثار الخضوع الطوعي بدافع التضامن والحماية المتبادلة غضب الملتزمين به تجاه الأشخاص الذين لا يتقيّدون بالحجر المنزلي، أو الذين يتنزهون بكلّ هدوء، أو يتجمعون،

متحدّين التعليمات العامة. ومن ثمّ، أتاح هذا الاضطراب في اتباع قواعد السلوك، التي تمّ إرساؤها

للعلوم الاجتماعية، اختبار نظرياتها السوسيولوجية بشأن العلاقات بين الأفراد والمؤسسات في الحياة الواقعية. وكان دوركهايم قد رأى أنّ كلّ تغيير سريع جدًّا قد يؤدّي إلى الفوضى؛ أي إلى غياب المعايير المشتركة التي توفّر التماسك الاجتماعي.

6. الكمامة

أثار ارتداء الكمامة كثيرًا من الجدل حول فائدتها وفاعليتها، وطرح النقص في كميتها، في ربيع 2020،

تساؤلات كثيرة. فقد اضطرّ عاملون في مجال الرعاية الصحية، يفتقرون إلى الحماية المطلوبة، إلى

استخدام كمامات غير صالحة ورديئة وسريعة التلف، وسرعان ما أصبحت هذه الكمامات نفسها مصدرًا للعدوى؛ ما أدّى إلى اتخاذ تدابير جديدة تخصّ أساليب استعمالها وحفظها وتعقيمها. أظهر تحقيقٌ استقصائي أنّ مخزونات من أقنعة متقادمة ومنتهية الصلاحية، يرجع تاريخها إلى وباء الإنفلونزا A/H1N1، أعادت أطراف مختلفة طرحها للاستخدام عبر تبرعات من شركات وعائلات

(42) Bernard Debarbieux, "Distance sociale et confinement au temps du Covid–19," in: Gamba et al. (dir.), pp. 111–124. (43) Cedric Calvignac, "Prolonger ‘l’espérance de vie’ du masque, ou comment les soignants ont pallié la pénurie," Sciences et Avenir , 30/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3blWWZC

ومرضى. كما أظهرت التحقيقات الاستقصائية السوسيولوجية أنّ حصول العاملين في الرعاية الصحية على الكمامات يعتمد على قوّة شبكة علاقاتهم. من ناحية أخرى، جرى تحويل معدّات وأدوات مشابهة، الكمامات المستخدمة في مجال البناء والنظّارات الواقية وغيرها، واستخدامها استخدامًا آخر في مجال الرعاية الصحية. يُضاف إليها الوسائل والتدابير التي لجأ إليها عاملون في الرعاية الصحية، وتعبئة مدارس الهندسة، ومتطوعون يجرون اختبارات وتقييمات، وصناعيون عدّلوا أساليب إنتاجهم لخدمة المرحلة الراهنة، وخياطات متضامنات، ومرضى ومقدّمو الرعاية الذين تحوّلوا إلى خيّاطين أثناء أوقات راحتهم. لقد انخرط هؤلاء الأشخاص في أعمال الهندسة العكسية؛ أي تفكيك الكمامات لمعرفة مبادئ تصنيعها وتصميم المنتجات المماثلة لها، أو مشاهدة النماذج والدروس التعليمية المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي حول كيفيّة التقيّد بالمعايير الرسمية للكمامات وتطبيقها، في حين شرح بعض مقدمي الرعاية لمرضاهم كيفية صناعتها واستخدامها. وكانت نتائج البحوث مدهشةً؛ إذ إنّها كشفت عن أنّ الحماية في البلدان «المتقدمة» ضعيفة، إلى حدّ أنّ العاملين في مجال الرعاية الصحية يضطرّون إلى خياطة كماماتهم بأنفسهم، أو يلجؤون إلى جهود عائلاتهم للقيام بذلك. وقد عبّروا عن سخطهم من عجز الدولة عن توفير الحماية المادية الأساسية اللازمة لهم؛ ما عرّض حياتهم للخطر. لجأت السلطات في البداية إلى إقناع السكان بارتداء الكمامات في الشارع، ثم إلزامهم بذلك وإجبارهم عليه؛ ما اعتُبِر تدخ لً في العلاقات الاجتماعية. وقد حذّر علماء الاجتماع من التغييرات الناجمة عن توحيد الوجوه، أو وسمها بعلامة توحي بمسؤولية من يحملها تجاه الآخرين. وفي هذا السياق، أصبحت الكمامة أداة تعبيريّة تعكس اهتمام الشخص بنفسه وبالآخرين، وتُعبّر عن امتثاله للأوامر الهادفة إلى عدم انتشار الفيروس. وقد ثبت أنّ الكمامة تؤثّر في هويّة الشخص، لكنّها لا تحجبها؛ ما وجّه البحث نحو تحليل كيفية اختيار الكمامة وأساليب ارتدائها المتعددة، وطرائق التعبير بالعينين، وتجعدات الجبهة، وحركة الجسد، والصوت، والاهتمام المتزايد لدى مستعمليها بهذه العناصر. ورأى البعض في الكمامة أداةً بيوسياسية للسيطرة، وفي الوقت ذاته وسيلةً لتأكيد الذات واستعادة الرابط الاجتماعي الذي قد تكون شوهته؛ ومن ثمّ أطلق باحثون اجتماعيون دعوات للأشخاص للإدلاء بشهاداتهم لفهم كيفية تغيير الكمامة العلاقات الاجتماعية. وهنا تبلورت عدّة مواضيع بحثية؛ منها عدم الثقة بالحكام الذين يغيرون خطابهم وفقًا لشحّ/ توافر الكمامات، وإيلاء الأهمية للأشياء الثانوية، وتغيير السلوك والظهور في صورة شخصية أخرى، وسهولة التباعد المكاني والمسؤولية

(44) David Le Breton, "Coronavirus:‘Le port du masque défigure le lien social," Le Monde , 11/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2NuNHOT (45) Jean–Sébastien Philippart, "Le masque défigure–t–il réellement nos rapports à autrui?" Libération , 29/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dBpnpq (46) Franck Cochoy, "L’envers du masque," ESPRIT (Octobre 2020), accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2ZFLUt4 (47)  "‘Où en êtes–vous de l’utilisation des masques?’ Ces sociologues ont besoin de votre témoignage," Nice–matin , 3/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3kbaw66

المدنية الصحية، والتقسيمات الاجتماعية، وسعة الحيلة أو طريقة تدبّر الأمور. في وضعيات أخرى،

أصبحت الكمامة التي تلقى الاستحسان بنسب مختلفة، تبعًا للظروف موضوعًا للسخرية، قبل أن تكون المعيار، عنصرًا ناقلً للقلق يجعل الوباء مرئيًا ومكشوفًا للعيان، ودليلً على الخضوع للنظام

العام، وعائقًا أمام ضعيفي السمع؛ فلا يستطيعون قراءة الشفاه، وإكسسوار أزياء أو فكرة هدية جديدة للأعياد، وناقلً للإساءة المموّهة عندما يشعر الشخص بأنّه الوحيد الذي لا يضع كمامةً، وناقلً جديدًا

للتلوث في الشوارع والبيئة... إلخ. وهكذا صارت الكمامة، تلك الأداة الصحية، وسيطَ علاقات بين الأشخاص.

7. اضطراب الممارسات

قام الباحثون بتوثيق الطريقة التي يُعاد بها تشكيل النشاطات المختلفة، ولا سيما تلك التي ينتهجها

العاملون في مجال الرعاية الصحية في المستشفيات، أو دور رعاية المسنين: الأخصائيون الاجتماعيون، ورؤساء الشركات، والمقيمون في هذه المؤسسات وعائلات المرضى أو المسنين، والأطباء العامُّون،

وذلك في مجال فرز المرضى واختيارهم، وتنظيم غرف الانتظار، واللجوء إلى التطبيب عن بعد الذي يلاقي في الوقت نفسه انتقادات. كما بحثوا في مسائل التخلّي عن الرعاية الصحية، وفي ظواهر بناء مهارات اجتماعية جديدة أو نشاطات جديدة، بما في ذلك مساعدة المتطوّعين للأشخاص الضعفاء

والمحجورين في المنزل، وكذلك أشكال ضبط النفس، والإيثار، والثقة/ عدم الثقة، والنزعة إلى التعاون والمشاركة المجتمعية والاستهلاك، وسلوكيات كرم الضيافة/ الممارسات التمييزية تجاه المنفيين. أما في ما يتعلق بالنشاط البدني أو إدارة الصحة الشخصية أو الوزن، فقد ارتبطت الأوامر الحكومية بالتزام المنزل بتعليمات البقاء في صحة جيدة. وأنتجت مؤسسات كثيرة مقاطع فيديو تعرض فيها تمارين رياضية لدعم النشاط البدني في المنزل. لقد غطّت المئات من المقالات الصحفية ومدونات الفيديو هذه الممارسات، فتحوّلت إلى مواضيع بحوث في العلوم الاجتماعية؛ وهكذا عكفت عالمة

الأنثروبولوجيا كارولين نيزار Nizard Caroline على دراسة التفاوت الاجتماعي والجندري، والتغيّرات

التي طرأت على السكان والعادات، وإعادة ترتيب الشقة السكنية، بهدف ممارسة اليوغا والتأمّل.

وقام مدربو اليوغا بتغيير طريقة التدريب عن بُعد باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات

اجتماعات عبر الإنترنت، وارتفع عدد مقاطع الفيديو على الإنترنت الخاصة ب «اليوغا والحجر المنزلي» من 27000، في آذار/ مارس إلى 190700، في أيار/ مايو 2020، فضلً عن الروابط الخاصة التي تعزز العلاقة الشخصية بين المُدرب والمتدربين، فما عاد يستطيع المُدرب لَمْس المتدرب،

(48) "‘Le masque symbolise des modes de vie chamboulés’, un sociologue décrypte," Nice–matin , 1/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3shxsDA (49) Yulia E. Chuvileva, Andrea Rissing & Hilary B. King, "From Wet Markets to Wal–Marts: Tracing Alimentary Xenophobia in the time of COVID–19," Social Anthropology , vol. 28, no. 2 (2020), pp. 241–243.. Sports Universitaires Lausanne , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3shBKuN ((5(على سبيل المثال: (51) Aman Dalal, "If You Can’t Go Outside, Go Inside," CO–VIES20 , 15/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/37BqUYI

أو الوصول إليه، لتعديل وضعيته كما كان يفعل من قبل؛ بالنظر إلى أنّ اليوغا تتطلّب كثيرًا من الدقة في

وصف الإيماءات والأحاسيس. كانت رياضة الجري قبل الجائحة من الرياضات المفضلة التي يمارسها الناس؛ لفوائدها الصحية وتأثيرها الضعيف في البيئة. فقد كان ممارسو مثل هذه الرياضة يجوبون الحدائق في لامبالاة عامّة، ومن دون إزعاج للآخرين. لكن مع تعليمات التباعد الجسدي المفروض، أصبح الناس ينظرون إلى ممارسي هذه الرياضة على أنهم أشخاص يهدّدون الصحة العامة، وأنانيون لا يتمتعون بروح المسؤولية والمواطنة، ويلاقون القليل من الاحترام من الآخرين الذين يخافون أنْ ينقل إليهم هؤلاء العدوى؛ ومن ثمّ أصبح استمتاعهم بممارسة رياضتهم المفضلة في الهواء الطلق غير الملوث بالسيارات عملً شائنًا. وهكذا تغيّر مفهوم ممارستهم لهذه الرياضة ونظرة المجتمع إليهم، واتهموا بالاستمتاع

والاستفادة استفادة غير عادلة من الحالة السائدة، في حين أنّ الآخرين ملتزمون بالحجر في منازلهم. ومع رفع الحجر المنزلي، عادت السيّارات والتلوّث الصادر عنها يغزوان المدينة. وعلى نحوٍ مدهش،

بدا أنّ ممارسي الجري وراكبي الدراجات الذين حُرموا مرّةً أخرى من الفضاء المكاني لممارسة

رياضتهم يشكّلون تهديدًا أكبر. وبسبب النظر إليهم نظرات مشبوهة، أعادوا تجديد سلوكياتهم أثناء ممارستهم لها؛ من قبيل توقع عبور المشاة، وتغيير المسار، وارتداء كمامة لا تعرقل تنفّسهم. من كلّ ذلك تولّدت مهمة للبحث؛ هي فهم كيفية بناء المفاهيم والممارسات والعلاقات وتحوّلها، سواء أكانت بصورة دائمة أم مؤقتة. لم تكن النشاطات الثقافية خارج تأثير الجائحة؛ فقد تم إغلاق قاعات الحفلات الموسيقية والمسارح والسينما والمهرجانات والمتاحف، وفي هذه الظروف بدأت العروض الفنية والخبرات الثقافية تعيد بناء نفسها تحضيرًا لمجتمع ما بعد الوباء. كما اضطرّت الفِرق الموسيقية والكورال إلى تعديل

تقاليد الغناء الجماعي بإدخال الكمامات والتباعد المكاني إلى هذه الفرق؛ ما غيّر النظام الصوتي

بالنسبة إلى المغنين الذين فقدوا كثيرًا من التناغم الموسيقي المطلوب لتعديل أصواتهم. كذلك، فرض

التباعد المكاني على قاعات الحفلات الموسيقية خفْض قدرتها الاستيعابية للحضور. أمّا العروض الموسيقية، فقد انتقلت من الإعجاب الجماعي، حيث يتنقل الجمهور ويتحدّث خلال العرض، إلى الاستماع بانتباه، والتأمل الصامت والشخصي الذي لا يتداخل مع العمل الموسيقي، ثمّ إنّ التعبير عن المشاعر يكبت في اللحظات المخصّصة للتصفيق. صارت الحفلات الموسيقية تُقدَّم فرديًّا عبر الإنترنت في أوقات محدّدة، وتجذب عددًا أكبر من المستمعين، مقارنةً بقاعات الحفلات الموسيقية، في حين تجمع العروض الجماعية، على شاشة تلفزيونية واحدة، موسيقيين محجورين في منازلهم؛ ما غيّر في التجربة الجمالية، وفي أساليب تعبير الجمهور عن انفعالاته (استخدام الرسائل والرموز

(52) Fabien Ohl, "Surveiller et courir: Les significations de la course à pied en temps de covid–19," CO–VIES20 , 25/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2Nssd5o (53) "Creating Cultural Experiences for a Post–pandemic Society," DHCenter , 19/5/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3duRs1A

التعبيرية التي تمر على الشاشة)، ذلك الجمهور الذي استعاد حقّه في عدم الانتظار حتى نهاية الحفل للتصفيق أو التعليق عليه، بل إنه يحضر الحفلة الموسيقية وهو يرتدي «بيجاما»، مستلقيًا على

السرير.

ثالثًا: دراسة إدارة الجائحة

لفتت الطريقة التي تتعامل بها السلطات مع الأزمة انتباه باحثين آخرين عكفوا على دراسة النقاط التالية: العلاقات بين الأمم، وبين القطاعات الصحية والاقتصاد، وبين الفاعلين الاقتصاديين، وكذلك العلاقات في مجالات صنع القرار والاتصال والتثقيف الصحي.

1. إدارة الأزمة

جرى في بعض الأحيان تقييم كيفية تمثّل الوباء وإدارته على أنّه فشلٌ في السياسة العلمية، وذلك على الرغم من أنّ صانعي القرار قد أحاطوا أنفسهم بعلماء الأوبئة والأمراض المعدية، ومنحوهم وزنًا مهمًّا في صنع القرار. والواقع أنّ كفاءات هؤلاء العلماء لا تغطي مشكلات الصحة العامة، ومشكلات

مجتمع أصيب باضطراب عميق، ولم يناقش أحدٌ فرضياتهم وأساليب حساباتهمُ، والحال أنّ خبراتهم تنحصر في عدد من المجالات فقط. في بعض البلدان، تمكّن عدد أكبر من الخبراء من التحدث والإدلاء بآرائهم في الأزمة، والانعكاسات المترتبة على الاقتصاد والمجتمع، مشدّدين على المصلحة السياسية للتعبئة العلمية. لذلك اتجهت بعض البحوث إلى تحليل وزن الجهات الاقتصادية الفاعلة والخبراء ووسائل الإعلام وأهميتها في صنع القرار السياسي. وقد استحوذت علاقات السلطة هذه على اهتمام العلوم الاجتماعية، التي درست طريقة اختيار الخبراء والأهمية التي تُعطى لهم، وتعليق العمل بالإجراءات الديمقراطية، وإبدالها بإجراءات أخرى غير ديمقراطية قد لا يمكن الرجوع عنها مستقبلً، كما بحثت في طرائق ترجمة مشكلات علمية إلى مشكلات مجتمعية والعكس بالعكس، وكذلك عمليات التعلّم في مجال صنع القرار العام. وأثّرت وسائل الإعلام ذاتها في هذه الديناميكيات، أحيانًا عن طريق نقل التصريحات الرسمية، أو من خلال استدعاء خبراء آخرين، تبعًا لتحالفاتهم الاقتصادية والسياسية والعلمية، أو نجاحهم الإعلامي. بل إنّها جعلت من بعض الأشخاص، أحيانًا، خبراء خارقين. كما أثارت النقاش في المشهد العام بشأن

(54) Miriam Odoni, "‘Trois coeurs bleus. et nous nous reconnaîtrons’. La musique classique au temps de la Covid ‑ 19," CO–VIES20 , 15/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/37Dz1Uz (55) Wolfgang Merkel, "Who Governs in Deep Crises? The Case of Germany," Democratic Theory , vol. 7, no. 2 (2020), pp. 1–11.

(((5 حول تجاهل معطيات الصحة العامة الأخرى، ينظر:

Paul Sugy, "Vouloir arrêter une épidémie avec le confinement, c’est comme vouloir arrêter la mer avec ses bras," Figaro Vox , 6/11/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dx1z65 (57) Rachel Niehuus & Jason Stearns, "COVID–19: What can the United States Learn from the Democratic Republic of the Congo?" Medical Anthropology Quarterly , 6/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3pDCd93

الجائحة؛ ما ساهم في بناء المعرفة المشتركة، أو على العكس من ذلك، في إثارة الجدل والخلاف إلى حد إرباك وتضليل الناس الذين يتشبث بعضهم بنظريات المؤامرة، حتى إنّهم يتخيلون اللجوء إلى السحر الأسود ضمن هيئات صنع القرار. كما عكفت أعمالٌ أخرى على دراسة استراتيجيات التواصل، والتواصل الحكومي (بين حالة الإنكار والموقف الوقائي والمُطَمْئِن)، وطريقة التحدث عن الأزمة (من عُيِّنَ مسؤولً عن الجائحة،

أو أخذ القرارات الملزمة، أو تخفيف القيود المفروضة)، وعمليات دفع الخبراء للظهور في المشهد الإعلامي، واللجوء إلى الشخصيات الشعبية لتمرير الرسائل المراد تمريرها، والتغطية الإعلامية، وعملية الإحصاء اليومية لحالات الإصابة بالعدوى، والحالات المنقولة إلى المستشفى والوفيات، مع إصدار أحكام نسبية بخصوص مشكلات الصحة العامة الأخرى التي لا علاقة لها بجائحة كورونا، أو من دون ذلك. لقد قام الباحثون بتحليل الرسائل على منصات التواصل الاجتماعي – بما في – والتعامل مع المعلومات المضلّلة  ذلك تغريدات الرئيس دونالد ترامب ومنظمة الصحة العالمية والمخاطر على الحريات الديمقراطية، فجمعوا ملايين التغريدات وحلّلوا اختيار الكلمات (الحديث عن الحرب) وتأثيرات التسميات: «الفيروس الصيني» ل (كوفيد 19–)، و«المسافة الاجتماعية» عوضًا عن المسافة المادية أو التنظيمية، و«الحجر المنزلي»، و«الاحتواء»، و«الإغلاق»... إلخ. واهتم آخرون بنشر المعلومات والأخبار الكاذبة والرسائل المثيرة للجدل، والعمل المشترك لإثبات الحقيقة في «ويكيبيديا»، وذلك عن طريق خوارزميات الإكمال التلقائي. وحلّل باحثون محتوى وسائل الإعلام التقليدية، في حين بحث آخرون عن المعلومات لدى الجمهور، واستهلاكه الإعلامي، وتمثله لوسائل الإعلام، في ضوء حالات التضليل، وردود فعله على الأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة، كما درسوا ظروف تلقي خطابات ممثلي الدولة والهيئات العلمية وقبولها، تبعًا لاختلاف الجمهور، إضافةً إلى الوثائق التي يحتفظ بها الناس من هذه الفترة الغريبة للاستشهاد بها في مستقبل البحوث.

2. التصوّر والتمثيل والتخيلّات والمواقف

تعتمد إدارة الجائحة على تصوّر المخاطر وتعليمات النظافة، والمعارف والتخيلّات والمواقف،

والتزام السكان ودعمهم. وقد أظهرت الدراسات التي أجريت على خمس جائحات في القرن الحادي والعشرين (متلازمة الجهاز التنفسي الحادة، وإنفلونزا A/H1N1، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، ومرض فيروس إيبولا، وفيروس كورونا) أن الروابط بين المعارف وتصوّر المخاطر وإدراكها وتغيير

السلوك تزداد تعقيدًا مع انتشار المفاهيم الخاطئة. كذلك، تصبح المعرفة مثيرةً للشكّ والجدل بقدر ما يختلف تصوّرها وإدراكها، تبعًا للثقافات. تعتمد الثقة الممنوحة إلى السلطات العامة والعلمية على القدرة على تقييم المعلومات ومصادرها، وتحسين إدراكها الشخصي وتنميته، وعلى حجمها الزائد ومضمونها المتغيّر والمتناقض. وهذه الثقة

(58) Umair Majid et al., "Knowledge, (Mis–)conceptions, Risk Perception, and Behavior Change during Pandemics: A Scoping Review of 149 Studies," Public Understanding of Science , vol. 29, no. 8 (2020), pp. 777–799.

لا تتوافر إلّ إذا كانت المعلومات من مصادر موثوقة تنقلها بطريقة مترابطة وتعكس تطوّر المعارف والأسئلة التي لم يتمّ حلّها بعد. ولمعالجة هذه النقطة، ركّزت الأبحاث على المفاهيم الخاطئة بشأن العدوى، وطرائق انتقالها (الاتصال بين الأشخاص، والهواء، والأشياء، والمواد الغذائية، والحيوانات، والسحر، والفضلات، وانتشارها على امتداد مسافات طويلة أو على الأمد البعيد)، كما ركّزت على الأعراض والوفيات وأنواع الإنفلونزا، والمنشأ والأسباب الحقيقية والمتخيلة، وكذلك على العلاجات الطبية التي صدّقت عليها الهيئات المسؤولة أو لم تصدّق، ومنها الروحية أو الجسدية؛ مثل السباحة في المياه المالحة، ودخان التبغ، وما إلى ذلك. طرحت أبحاث أخرى أسئلة عن هذه الجائحة التي لم تخطر على بال أحد، على نحو يهزّ الحياة ويعطّلها ويسبّب الإرباك والحيرة: كيف وصل الكائن البشري بغطرسته إلى هنا؟. وقد حلّلت الأبحاث تخيلّات الناس وأوهامهم عن فيروس كورونا وتصوراتهم المتعلقة به، وكيف أنه سيتطوّر في المستقبل، وقد عرّفها عالم الأنثروبولوجيا أرنو هالوي كما يلي: أ. مُتخيَّل نهاية العالم: العوامل المسببة للأمراض غير المرئية، التي تقفز من جنس حيواني إلى

آخر (من الحيوان الحاضن، الخفاش، إلى المريض صفر)، وتهدد جنسنا البشري بالانقراض أو حضارتنا بالاندثار. تغذّي هذا المتخيل ذكريات الإنفلونزا الإسبانية (50 مليون حالة وفاة). ب. المُتخيّل البيئي: يتعلّق باستغلال رأس المال للموارد الطبيعية، وما يترتب عليه من انتقال

الأمراض الحيوانية المصدر والفيروسات المتحوّرة إلى البشر الذي يرتبط مصيره بطبيعة يستغلها

وينتقم منها. هنا اكتشف البشر هشاشة مجتمعهم والسرعة التي يمكن أن ينهار بها. ج. مُتخيّل الحرب: تغذيه خطابات السلطة العامة الداعية إلى التعبئة الشاملة، وإلى الحجر

المنزلي وتقييد الحريات الفردية، وحظر التجول كما كان الحال خلال الحرب العالمية الثانية، وكل هذا ضدّ عدوّ غير مرئي من الصعب الإمساك به، لكنّه يتجوّل بين البشر؛ ما فرض تعقّب

العلاقات بين المواطنين عن طريق تقنيات جرى تصميمها وتصنيعها في الصين، أو في إسرائيل، بهدف تعقب ما تعتبره إرهابًا. د. مُتخيّل الصيد: استحضره الفحص  الواسع النطاق بهدف تتبع انتشار الوباء، وبرامج البحث

الدولية التي جمعت بين علماء البيئة ومراقبي الطيور البرية والأطباء البيطريين والأطباء البشريين، وعلماء الأحياء، وعلماء المعلومات الحيوية، وعلماء الاجتماع، وقد كان جميع ذلك من أجل تعقّب الفيروسات وطفراتها التي تتسبب في الأوبئة جديدة.

(59) Julie Hermesse et al., Masquer le monde: Pensées d’anthropologues sur la pandémie (Louvain– la– Neuve: Academia, 2020). (60) Arnaud Halloy, "Les imaginaires du coronavirus," CO–VIES20 , 15/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3uwhcRk

ه. المُتخيّل الرعوي: استحضر بشأن الدول التي تؤدي دور الراعي الصالح، الحريصة على

حماية السكان من خلال إغلاق حدودها. لكن الذئب موجود في حظيرة الأغنام، وأصبح المطلوب بمنزلة ذبح جماعي، كما هو الحال بالنسبة إلى جنون البقر أو إنفلونزا الطيور، وقد وافقت السلطات السياسية في البرازيل وعلماء الأوبئة في السويد على التضحية بجزء من السكان لإنقاذ البلاد واقتصادها. و. المُتخيّل الوبائي: يختزل تعقيد التفاعلات بين البشر والحيوانات والفيروسات في بؤر

محتملة لانتقال العدوى. وهكذا، وفقًا لهذا المتخيل، ينطلق الشر الذي قد يؤدي إلى نهاية العالم، وينبغي لنا أنْ نحمي أنفسنا منه بترسانة الرعاية الصحية.

رابعًا: طرائق العمل المتدهورة وصمود المنظّمات

يصيب الوباء السلوكيات والتفاعلات الفردية بالاضطراب والخلل، ويصيب كذلك المنظّمات التي ترزح تحت الضغط والمهدّدة بالانهيار. بالنسبة إلى علماء اجتماع المنظّمات، يتيح هذا الاضطراب دراسة طرائق استجاباتها. لقد أصبح الروتين الفعّال فجأةً غير ملائم، فقامت الجهات الفاعلة بعملية جرد لمنظماتها؛ ومن ثم وضعت لها أساليب عمل اضطرارية. وبدأ البعض منها يستعد مسبقًا للحفاظ على جوهر المهمة، من خلال خطط طوارئ لاستمرارية العمل (المستشفيات والكهرباء والنقل)، وابتكر آخرون ممارسات جديدة (إجراء فحوصات للناس على الطرقات في سياراتهم، وبث مقاطع فيديو إلى عائلات الأشخاص الذي يعالجون في المستشفيات... إلخ)، أو شرعوا في الحثّ على العمل عن بُعد، والتعليم عن بُعد، والتطبيب عن بُعد، والخدمات المصرفية عن بُعد، والتجارة الإلكترونية... إلخ؛ ما أدّى إلى جعل المستخدمين يجرون تقييمات نقدية بشأنها. وهكذا كشف التحوّل إلى نمط التشغيل الاضطراري عن جوانب منسيّة في سير العمل، وعن أوجه الخلل الموجودة

فيه سابقًا، لكنّها لم تكن تلُاحظ. وعزّز هذا بدوره حرية التعبير، وفتح الباب للتغيير وابتكار طرائق جديدة للقيام بمهمات يمكن الاستمرار فيها بعد انتهاء الأزمة. لكن المواقف تختلف بحسب نوع التنظيم؛ فلا تتفاعل البيروقراطيات، بتنظيمها العقلاني للعمل وخططها وقواعدها وإجراءاتها بالطريقة نفسها التي تتفاعل بها المنظمات التي تنشأ بسرعة وبصفة ديناميكية في سياقات محدّدة؛ إذ إنّها معتادة تنظيم نفسها حول خطط. كما أصابت كوارث أخرى المنظّمات وعطّلتها: حروب، وكوارث صناعية وطبيعية (تسونامي، وزلازل، وموجات حر شديدة، وحرائق)، وهذه الكوارث كلّها ساهمت في استخلاص الدروس والعِبَر التي

تساعد على توقّع سيناريوهات لأحداث يمكنها وضع تنظيم المجتمع وعلاقاته العالمية موضوع سؤال (تدفق الأشخاص والسلع والمعلومات والمعاملات المالية). ولقد دفع هذا الأمر العلومَ الاجتماعية إلى حشد طاقاتها من أجل دراسة هذه القضايا.

(61) Mathilde Bourrier, "Le mode dégradé à marche," in: Gamba et al. (dir.), pp. 83–98.

تضع المنظّمات الصحية إطارًا للمراقبة على مستوى العالم، عن طريق شبكات المراسلين الإقليميين، والمختبرات المرجعية، وأنظمة التحقق، ونشر التنبيهات والمعلومات، فضلً عن التعاون الدولي. وتتضمّن جداول أعمال هذه المنظّمات الاستعداد لمواجهة الأوبئة التي يُعتبر انتشارها على درجة عالية

من الاحتمال، بدايةً من ظهور فيروس سارس عام 2003؛ ما أدّى إلى زيادة الوعي الدولي بمثل هذه المخاطر. وقد جرت العودة إلى برامج مكافحة الإنفلونزا التي استخدُمت في الخمسينيات، وتم تحويلها إلى خطط عمل دائم لكلّ مؤسسة عامة أو خاصة ذات صلة بالبنية التحتية الأساسية (المياه، والكهرباء، والقمامة، والصحة، والغذاء، والآن البنية التحتية الرقمية). ولم تكن هذه الخطط، في الحقيقة، دائمًا على درجة كبيرة من التنسيق، وقد أدّى غياب الأوبئة إلى تراجع درجة اليقظة التي كانت تقوم عليها، فبدأت تعبئة الموارد أمرًا مبالغًا فيه من وجهة نظرها، واتهمت ثقافة الحذر والحيطة سياسة تعبئة أقصى

ما يمكنه من موارد بأنه تبديدٌ للمال؛ ما أدّى إلى ظهور استراتيجيات الضغط على المصاريف. وفي سياق هذا التذبذب بين فكرتَي الهدر والضغط على المصاريف، ظهر نقص الكمامات والمعدّات والموارد البشرية والمعرفة المناسبة الضرورية لمكافحة الجائحة. يُضاف إلى هذه الكارثة استراتيجيات السلطات الإعلامية التي تُخفي نقص استعدادها في مجابهة الجائحة من أجل حفظ ماء الوجه، وذلك بنشر فكرة الخلافات ونظريات المؤامرة، وبحثها دائمًا عن كبش فداء، وعدم القدرة على الجمع بين معارف من اختصاصات مختلفة. والحقيقة أنّه في حالات طوارئ كهذه، يجري عادةً تفعيل الإجراءات الاعتيادية، أو الخطط القديمة بلا تعديل، ومن دون أخذ وقت كافٍ للتداول والتحاور في ما قد يؤدّي إلى تعديلها وجعلها ملائمة ومناسبة. مع ذلك، أظهرت دراسات أجريت على الكوارث الكبرى أنّ عددًا من المنظمات أبدت مرونة وقدرة على التكيّف؛ لأنّها اهتمّت بالأحداث، وتجنّبت التراخي والتهاون، وعزّزت التعلم من التعقيدات،

وأعطت المتعهدين قيمةً كبيرة، واهتمت بالأشياء والمعلومات التي ينقلونها، ونمّت التنوع والاستكشاف في مواجهة المواقف غير المتوقعة.

1. استمرارية التدريس

انتقل التعليم من مفهومه التقليدي إلى التعليم عن بُعد، وقد تطلّب ذلك جهودًا ضخمة من المعلّمين

والأسَر. فاستجاب المعلمون استجابة سريعة لهذا الموقف الجديد، من خلال العمل على إتقان استخدام أدوات مختلفة، وإعادة النظر في ممارساتهم وسلوكياتهم وأعمالهم، والاعتماد على جهود أولياء التلاميذ، والتكيّف معهم ومع تجهيزاتهم، والتفكير في التحديات التي قد يواجهونها. ومع ذلك،

ظهرت تفاوتات كبيرة وحالات توقف عن الدراسة؛ ما جعل التدهور التدريجي لنظام التعليم يصبح أمرًا ملموسًا وظاهرًا للعيان (التخلي عن النموذج، والمُثل الديمقراطية، وتقليل الاختلاط الاجتماعي،

والاستعانة بمصادر خارجية لمعالجة صعوبات التعلّم بالنسبة إلى الطلاب)، وأدّى هذا الأمر إلى تفاقم

(62) Dominique Vinck, "Learning Thanks to Innovation Failure," in: Benoît Godin & Dominique Vinck (eds.), Critical Studies of Innovation: Alternative Approaches to the Pro–Innovation Bias (Cheltenham: Edward Elgar, 2017), pp. 221–239.

آثار الجائحة والحجر المنزلي. أمّا بالنسبة إلى عائلات الطبقة العاملة، فكان الانقطاع عن التعلم مأساويًا في بعض الأحيان؛ إذ اجتاحت المدرسة والتعليم حياتها اليومية، وواجه الأولياء صعوبة في فهم تعليمات المعلمين. في الجامعة، ولَّدَ التعليم عن بعد شعورًا بافتقاد الصف الدراسي عند الطلاب، أمّا الامتحانات وقواعد

المراقبة الهادفة إلى الحدّ من الغش فقد اكتسبت أهمّيةً غير عادية. وترافق كلّ ذلك مع مسألة الكشف عن الوسط الذي يعيش فيه الطلاب وخضوعهم لنظرة الآخرين المعيارية.

2. التتبع

لإدارة الوباء، أنشأ علماء الأوبئة والحكومات نظام تتبع الاتصال لكسر سلاسل انتقال الفيروس. وهذا العمل تطلب جهدًا كبيرًا من العاملين الذين يتواصلون مع المصابين لإعادة تجميع عناوينهم

ومعلومات اتصالاتهم وتحذير الأشخاص المعنيين. كما ظهرت العديد من مشاريع التكنولوجيا الرقمية، مستفيدةً من الانتشار الواسع لاستخدام الهواتف الذكية. وتختلف طبيعة التتبع وكيفيات تنفيذه وفقًا للتقنيات والبلدان، وهي بذلك أقلّ، أو أكثر، تدخلً في الخصوصية، وموثوقة وآمنة وشفافة. وبما أنّ مصدر عدد من هذه التكنولوجيات كان مجال مكافحة الإرهاب، فإنّ معظمها أثار قضايا الثقة، وحماية البيانات، وقابلية الانعكاسية التي طُرحت للنقاش في بعض الأحيان على العلن. والواقع أنّ هذه التطبيقات تتحدّى ديمقراطية التطوّر التقني؛ لأنّها تحمل مشاريع سياسية وتُحيل إلى إشكالية

مراقبة السكان. وليس لهذه التطبيقات فاعلية، إلّ إذا استخدمت على نطاق واسع؛ فهي تتطلّب دعمًا والتزامًا شعبيًا وشكلً من أشكال المواطنة التعاونية والامتثال للتكنولوجيا الرقمية والخضوع لها. كما

أنّ الأوامر الصادرة لتحميل التطبيق تكون مصحوبة بمكالمات وروايات تشدّد على التضامن، وتُحمِّل

الناس المسؤولية كاملةً، بينما تُستخدم عادةً هذه الأنظمة التقنية في المراقبة بسرية عن بُعد لمنع وقوع

الجرائم. وقد واجهت عمليات النشر التكنولوجي هذه بعض التحفظات فكانت نتائجها متواضعةً، في حين انتشرت المجموعة الضخمة من البيانات والمعطيات الخاصة بالأشخاص التي تستخدمها انتشارًا واسعًا، وتمّ تعميمها على المنصات الخاصة التي تستفيد منها لتوجيه السلوك عبر خوارزميات التوصية، والتنميط، والاستهداف. لقد أدّى تحليل هذه النظم والأجهزة الذي قامت به العلوم الاجتماعية إلى تحديد المخاطر التي تتعرض لها الحريات الفردية، وأشكال التمييز التي تنجم عنها، والعمى الاجتماعي الذي يصيب هذه النظم والأجهزة؛ ما يمنعها من مراعاة بيئة الأشخاص خارج البنية المادية والشبكات الاجتماعية التي تُحيل إليها. فهي تختزل مفهوم المستخدم المتماهي مع مُصمّمي هذه النُّظم والأجهزة في أعضاء الطبقة الوسطى، المجهزين تجهيزًا جيدًا، والذين لا يقتربون كثيرًا من الناس، والذين يمكنهم العمل

(63) Stéphane Bonnéry & Étienne Douat (dir.), L’éducation aux temps du coronavirus (Paris: La Dispute, 2020). (64) Laurence Kaufmann & Manon Jendly, "Corona, vous avez dit Corona? Il y a une appli pour ça! Pour une repolitisation des dispositifs,"  CO–VIES20 , 6/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3dBdbEU

عن بُعد ويتصرفون بروح «التضامن». أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتعيّن عليهم استخدام وسائل

النقل العام المزدحمة للوصول إلى عملهم، فإنّ التطبيق المصمّم قد يُصدر إشعارات وفائضًا معرفيًّا

وضغطًا، من خلال تنبيههم ودعوتهم إلى إجراء اختبار الفيروس، أو عزل أنفسهم، من دون اعتبارٍ لحاجاتهم ووظائفهم. وهكذا، فإنّ هذه النظم والأجهزة التي يفترض كلّ منها أنّ الأفراد أخلاقيون أو إيثاريون ومسؤولون، أو أنانيون ومجرمون، بغضّ النظر عن المواقف التي يجدون أنفسهم فيها، تضع هؤلاء الأشخاص في مواقف غير محتملة؛ إذ يصبح سلوكهم غير أخلاقي إذا لم يتبعوا التعليمات. إنّها تُفَردِن الناس كما لو لم يكن هناك مجتمع، وتنيط بعهدتهم مهمة القطع مع قنوات التواصل، ومع بيئة حياتهم العادية، وتنتظر منهم في الوقت ذاته أن يكونوا ودودين. يعبر مصمّمو هذه التطبيقات عن خيال التقنيين ويُحمِّلون

الأفراد مسؤولية عواقب الجائحة. وبفعلهم هذا، يغطّون على نقص الموارد المادية والبشرية الكافية في أنظمة الرعاية الصحية نتيجةً لسنوات من السياسات العامة الليبرالية، الجديدة والقصيرة الأمد، التي تهدف إلى تقليل التكاليف، بدلً من رفع قدرة المجتمع على المواجهة والتكيف. إنها تغطي على المسؤوليات السياسية، في حين أن النقاش التقني القانوني الذي يدور بشأنها يصرف الانتباه عن سياسات الحماية الاجتماعية والصحية وأعمال الشركات الكبيرة. وتبعًا لذلك، حاولت هذه السياسات دفع العلوم الاجتماعية إلى اختزال نشاطها في دراسة مدى قبول نظم التتبع، وهو ما يثير كثيرًا من

الأسئلة الإبستيمولوجية.

خامسًا: السياسات العامة والتضامن والديمقراطية والنظام العالمي

في حين تختبر الأزمة الصحية السياسات العامة والمؤسسات الديمقراطية والتضامن، تدرس العلوم الاجتماعية ما تكشفه الجائحة عن حالة الأنظمة الصحية، وقدرتها على استباق الأحداث، والعلاقة بين قوانين الطوارئ الصحية والمبادئ الديمقراطية، ومدى انخراط المعنيين بمجال الصحة والسكان في عملهم، وأشكال التضامن والتعاون الدوليين، فضلً عن التنسيق بين الأنظمة الصحية الوطنية والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة الخاصة بما في ذلك المؤسسات، كما تدرس القضايا السيادية. في مجال البحث والابتكار، حشد الوباء باحثين من جميع التخصصات، وقامت الدراسات العلمية والتقنية بتحليل إجراءات تسريع البحث وإعادة توجيهه، والآثار المترتبة على البحث التعاوني خصوصًا. وقد تناولت هذه التعبئة البحث والتطوير الصناعي للمجموعات الدولية. ومن ضمن ذلك الصناعات الدوائية، ومشاريع اللقاحات، والشركات التي تعيد تخصيص أجهزتها وتوظيف معارفها لتلبية الاحتياجات العاجلة (الكمامات، والمعقم الكحولي المائي، وأجهزة التنفس

(65) Scott E. Page, "The Coronavirus and Innovation," Items , 23/7/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3aFhIEs (66) Heidi Yoston Lawrence, Vaccine Rhetorics (Columbus: Ohio State University Press, 2020).

الاصطناعية)، كما شمل ذلك الباحثين الذين يسرِّعون عملية نقل التكنولوجيا، وطلاب الهندسة

في الشمال، وفي الجنوب، الذين انخرطوا في ماراثون هاكاثون Hackathon للبرمجة والاختراع (مثل فتح الأبواب آليا من دون استخدام اليدين، وأجهزة التنفس المنخفضة التكلفة، وخوارزميات

معالجة البيانات)، وغير ذلك من الجماعات العلمية. كما أقيمت منشآت صناعية لإنتاج اللقاحات وخطوط لوجستية لنقلها وتوزيعها، وازداد ازديادًا كبيرًا استخدام أدوات الاتصال لعقد مؤتمرات

الفيديو والبث المباشر. وتحوم الشبهات حول طريقة إدارة الأزمة؛ من جهة أنّها تهدّد حركة التنقل، وتمنع المظاهرات الجماعية، وتعطّل الديمقراطية من خلال تهديد الحريات الخاصّة والعامّة. لذلك، ركّز باحثون على دراسة التحديات التي تثيرها إدارة الطوارئ، وعلى آثار ما بعد الجائحة: مركزية القرارات وعودة ظهور الأنظمة الاستبدادية، وإدارة الطوارئ البديلة، وزيادة الأخطاء والمظالم، وشروط التضامن الدائم، وحدود الدولة القومية. ويدرس باحثون آخرون تأثيرات الأزمة في التضامن والتعاضد والتعبئة، وتأثيراتها في الاستجابات المجتمعية. ففي الجزائر على سبيل المثال، تحرّكت الجماهير وشاركت في الحراك منذ عام 2019

لإعادة بناء الروابط الاجتماعية، وحين توقفت المظاهرات بسبب الجائحة، بدا أنّ نسيج العلاقات استمر وشكّل ركيزة مجتمع جديد في الوقت الذي بدت فيه الهيئات الحاكمة غائبة. لقد تجاوزت الديناميكية التعاضد، أو المساعدة المتبادلة، في مستواهما البسيط وغذّت الخيال السياسي الخلاق. فقد أنتج طلابٌ المعقّماتِ وزوّدوا المستشفيات بها، وقام آخرون بتعقيم الشوارع، وقدّموا المساعدة

إلى الفئات المحتاجة، وبيّنوا للمتقاعدين في أوقات استلام رواتبهم ضرورة التباعد المكاني، ووزّعوا

الكمامات على شرطة المرور، ووزّعوا منشورات تحثّ على التقيّد بالقواعد الصحية الواجب اتباعها؛

للحدّ من انتشار الفيروس. بينما لاحظ باحثون آخرون في مناطق مختلفة من العالم كيف انبثقت من الجائحة ديناميكيات جديدة لإعادة تركيب المجتمع من منظور هوياتي، واستغل الحراك الجائحة لإعطاء زخم لحياة ديمقراطية وعملية يمكن أنْ تقاوم القمع. لقد أصبحت العلاقات الدولية أيضًا موضوعًا آخر للدراسة من منظور إدارة الجائحة. فإدارة الجائحة تهدّد الاقتصاد العالمي والسياسات الوطنية والدولية، وقد يتغيّر النظام العالمي على امتداد فترة طويلة

بسببها. لذلك، قام اختصاصيون في العلاقات الدولية في مجالات الصحة العامة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والديمقراطية والحوكمة برسم رؤى لما يمكن أن يكون عليه النظام العالمي الجديد. وظهر أنّ مبدأ تعددية الأطراف الذي يفقد من سرعته لصالح مبدأ ثنائية الأطراف، وكذلك سلطة

(67) Afsoun Afsahi et al., "Democracy in the Time of COVID–19," Democratic Theory , vol. 7, no. 2 (2020), pp. v–xix. (68) Marion Belhadj, "‘Le peuple porte le peuple: Echaab yrfad echaab," CO–VIES20 , 22/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3ugWvZz (69) Hal Brands & Francis J. Gavin (eds.), Covid–19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2020).

الحروب التجارية وتفعيل وسائل المعاملة بالمثل، وواقع المجموعات الاقتصادية الكبيرة المتعددة الجنسيات، كلّها ظواهر تشكّل تحذيرًا كبيرًا للسياسات الدولية.

1. تحولات المجتمع

يتعلق السؤال الذي يُطرح الآن بالتأثيرات الإجمالية للأزمة الصحية، والتغيرات الهيكلية الجارية، ومستقبل ما بعد الجائحة الذي هو في طور التشكّل. لقد أصبح التعافي بعد مرحلة جائحة فيروس كورونا موضوع بحث. هل ستعتاد مجتمعاتنا التعايش مع مخاطر الجوائح المحتمل جدًّا وقوعها في المستقبل، ومع مخاطر بيئية ومنظوماتية متعلقة بالتكنولوجيات المتشابكة؟ يتسم مجتمع المخاطرة باستحالة إدارة المشكلات محليا، وبانتشار

المخاطر انتشارًا سريعًا (تسلسل الأخطاء والأعطال)؛ ما يعني ضرورة التفكير في الحداثة بطريقة

مختلفة. فبعد الإنفلونزا الإسبانية، أطلقت أنظمةٌ عالمية للمراقبة الوبائية إضافةً إلى برامج التطعيم؛ وبذلك جرى قياس المخاطر المحدّدة والإبلاغ عنها، من دون التسبّب في إثارة الذعر والهلع. لكنّ

جائحة فيروس كورونا أظهرت محدودية التعاون الدولي، وعدم وجود سياسة صحية عالمية، في حين تواجه سياسات التنمية المستدامة صعوبةً في تحقيق أهدافها. وهنا وجب أن تتعايش المجتمعات مع المخاطر، من دون القضاء على أيّ علاقة ثقة أو رابطة اجتماعية أو إنسانية، ومن دون انتظار الدول أو العلوم حلًّ لهذه المشكلات. لقد بدأت أشكال التفكير الانعكاسي حول الممارسات وأشكال التنظيم السارية تتطور فرديًا وجماعيًا، ومع تباطؤ الاقتصاد وتفاقم التفاوت الاجتماعي، فإن العلوم الاجتماعية

اليوم مدعوّة إلى إعادة التفكير في نظرياتها للمساهمة في خلق عوالم جديدة.

2. مكانة العلم في المجتمع

رغم أنّ الخبراء هُمّشوا في مسألة التغيّر المناخي وأسنِد إليهم دور ثانوي في إدارتها، فإنّ الحكوماتُ

أسندت إليهم، بعد ذلك، دورًا كبيرًا في اتخاذ القرارات خلال جائحة فيروس كورونا. لكنّ هذا الأمر

جرى من دون أن تناقش أمام الرأي العام اختصاصاتهم والمجالات التي استدعوا إليها للاستفادة من خبراتهم، كما ذكرنا من قبل. بيد أنّ الشأن لم يكن هو ذاته بالنسبة إلى باحثين آخرين؛ إذ لم يَجرِ الاستماع إلى آرائهم بالقدر نفسه، وخاصة الباحثين في العلوم الاجتماعية والصحة العامة. وفي هذا السياق، فإنّ الفضل يعود إلى جائحة كورونا في إبراز أهمية بعض العلوم، وفي تحفيز المجتمع إلى الاهتمام بالبحوث الجارية بشأن شتّى الميادين، والجدالات العلمية، وظروف إنتاج المعرفة وتقييمها. لقد شكّلت هذه الجائحة لحظة ثقافة علميّة فارقة؛ فالثقة بالعلوم لم تقوَّض، على

الرغم من التغطية الإعلامية التي أدّت إلى الخصومات ودفعت المتابعين إلى اللجوء إلى النظريات

(((7 في هذا السياق، دعت شبكة الجامعات العالمية إلى تقديم مشاريع التعافي المستدام.

(71) Ulrich Beck, Risk Society: Towards a New Modernity (London: Sage, 1992). (72) Alondra Nelson, "Society after Pandemic," Items , 23/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/3bxp1xv

المبسطة أو المتحدية. وفي هذه الظروف، بدت المعارف الجديدة ضعيفةً وجزئيةً، وتعاملت السياسات مع الأزمة على أساس هذه المعارف. وهكذا بان مرّةً أخرى أنّ دعم المؤسسات البحثية شرط ضروري

من شروط تحقيق الجودة والقدرة على اتخاذ القرار في حالة الأزمات والطوارئ.

3. جغرافية البحث

لقد أظهرت الجائحة كيف حُشد الباحثون، وكيف أ نشئت آليات تعاون دولي في المجال. وفيُ

حزيران/ يونيو 2020، تجاوزت الولايات المتحدة الصين التي تُعتبر بؤرة الوباء، والمصدر الرئيس للمعلومات، بشأن فيروس كورونا المستجد. وفي هذا السياق، أتاحت دور النشر الكبرى المتخصصة في الطبّ الحيوي، على نحو استثنائي، إمكانية الوصول إلى منشورات هؤلاء الباحثين.

وازدادت أهمية التنافس العلمي والوصول إلى آخر النتائج، لأنّ تطوير اللقاحات والعلاجات كان على المحكّ؛ ما أدّى إلى إثارة الشكوك في حالات من الاحتيال والأخطاء، وسَحْب بعض المقالات.

وأدّى الضغط أيضًا إلى تسريع تقييم المنشورات، فأصبحت تجري أحيانًا خلال 24 ساعة، بدلً من عدّة أسابيع. ومن جانبهم، شرع علماء جغرافيا العلوم في تحليل مصدر المنشورات: أيعكس توزّعُها جغرافية الجائحة أم مراكز ومخابر علوم الفيروسات؟ وقام علماء اجتماع العلوم بتقصي التطور الجاري في هذه البحوث. فبعد الذروة التي بلغتها جائحة سارس في عام 2004، توقفت الأبحاث عن تطوير اللقاحات. أما في حالة جائحة فيروس كورونا، فقد استعاد النشر نشاطه بنسبة 30 مقالً يوميًا بين كانون الأول/ ديسمبر 2019 ونيسان/ أبريل 2020. وفي البداية، هيمنت اختصاصات الطب

العام، وعلم الفيروسات، والأمراض المعدية، وعلم المناعة، وعلم الأحياء الدقيقة، والتصوير الطبي، والأمراض الاستوائية، ثم جاء دور طب الأطفال وعلوم الأحياء والعناية المركزة، في حين تراجع طب المناطق المدارية. وفي أيار/ مايو، برز اختصاص التخدير والأمراض الجلدية، بينما تجاوز الارتفاع الذي طرأ على اختصاصات الأشعة الطبية والتصوير، وعلى الصحة العامة، الارتفاع الذي شهده علم الفيروسات في حدّ ذاته. كما ظهرت مجلات جديدة تقييمها العلمي مفتوح للعامّة؛ ما أمَّن نجاحها في

أوقات الأزمات. وهكذا، كشفت العلوم الاجتماعية عن تطوّر العلاقات بين مجالات البحث والبلدان

والمجلات وشبكات التعاون المختلفة، مُظهرةً – على سبيل المثال – أنّ الحكومة عكفت على تشجيع

النشر في المجلات الوطنية في حين كان الثقل النسبي للصين في البحث يتهاوى.

4. مكانة العلوم الاجتماعية

على الرغم من حشد العلوم الاجتماعية سريعًا كل طاقاتها لإنتاج المعرفة حول ما كان يجري في العالم، فإنّها قلّما ظهرت في وسائل الإعلام وهيئات صنع القرار. وفي هذا الوقت، تعامل علماء

(73) Marion Maisonobe, "Où se font les recherches sur le Covid–19," GéoScimo , 15/6/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/37DYf5f (74)  Retraction Watch , accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2NmDUdY (75) "Chronique d’Yves Gingras: La science au temps du coronavirus," Radio–Canada , 12/4/2020, accessed on 22/2/2021, at: https://bit.ly/2Mbxo96

الأوبئة وعلماء الفيروسات خلال هذه الجائحة مع السلوك البشري والعاطفة واللاعقلانية والمسافة الاجتماعية والجوانب الثقافية. وإضافة إلى ذلك، استحوذت علوم الحياة على التمويل الاستثنائي الممنوح من دون أن تقدّم الحلول التكنولوجية الناجعة لأزمة مجتمع يهتزّ بأسره. وقد ظهر أنّ اقتراح حلول تكنولوجية لكلّ شيء، والتصرف من دون فهمٍ وتبصّر، قد يُفضيان إلى خلق مشكلات أكثر ممّا يحلّن مشكلات من قبيل التعديات الدائمة على الحريات الأساسية، وتوسيع مجال المراقبة وجعلها أمرًا طبيعيًا، والتداعيات الاقتصادية، واللجوء إلى حالة الطوارئ الصحية من دون اللجوء إلى حالة

الطوارئ المناخية. ومع ذلك، أظهرت المقاربات المختلفة، والتعاون، والتنسيق المتعدّد التخصّصات، أهميتها في هذه المرحلة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ التقارب بين علماء الأوبئة وعلماء الاجتماع قديم؛ لأنّ المتغيّرات

التي وراء نماذج انتشار الأوبئة، ولا سيّما عدد التكاثر الأساسي آر صفر) 0 R (، تعتمد على الخصائص

الاجتماعية. ففي شمال إيطاليا، يفسَّر انتشار الوباء السريع بارتفاع نسبته بين الأسر المتعدّدة الأجيال، ومن الضروري في هذه الحالة أن تؤخذ في الاعتبار التفاوتات الكبيرة في ظروف الحياة؛ إذ يؤثّر الفيروس في الأشخاص على نحوٍ مختلف، بحسب حالتهم أو لون بشرتهم أو مستوى تعليمهم، بما في ذلك قدرتهم على البقاء في المنزل أو الانخراط في العمل عن بُعد. كما تساعد العلوم الاجتماعية على فهم تنقل البشر، والتنقل من أجل العمل (الرحلات المكوكية جيئةً وذهابًا، ورحلات الأعمال)، والسفر من بلد إلى آخر (انتقالات موسمية لقضاء الإجازة أو العودة إلى الوطن، أو لإقامة طويلة الأمد). في المقابل، تستفيد العلوم الاجتماعية من أساليب علماء الأوبئة في أبحاثها (البيانات الضخمة المُجمّعة من تطبيقات تحديد الموقع الجغرافي، والحصول على البيانات الفورية، والنشر والتحديث السريع للنتائج)، من دون التخلي عن إجراء الاستقصاءات الكبيرة لعينات سكانية تمثيلية ذات مدلول.

References

المراجع

Afsahi, Afsoun et al. "Democracy in the Time of COVID–19." Democratic Theory. vol. 7, no. 2 (2020). Bansard, Elsa et Anne–Coralie Bonnaire. "‘Les SHS face au Covid–19’ – Quatre mois de débat public: Une proposition d’analyse de contenu." MSH–Paris–Saclay Ruptures des pratiques et dynamique du débat – Les SHS face à la crise Covid–19. Colloque, 12–13 octobre 2020. Beck, Ulrich. Risk Society: Towards a New Modernity. London: Sage, 1992. Bonnéry, Stéphane & Étienne Douat (dir.). L’éducation aux temps du coronavirus. Paris: La Dispute, 2020. Bowleg, Lisa. "We’re Not All in This Together: On COVID–19, Intersectionality, and Structural Inequality." American Journal of Public Health (2020).

(76) Philippe Wanner, "Épidémiologie et sciences sociales," in: Gamba et al. (dir.), pp. 282–292.

Brands, Hal & Francis J. Gavin (eds.). Covid–19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation. Baltimore: Johns Hopkins University Press,

Brenman, Natassia. "Pandemic Vitality: On Living and Being Alive in Lockdown." Social Anthropology. vol. 28, no. 2 (2020). Chuvileva, Yulia E., Andrea Rissing & Hilary B. King. "From Wet Markets to Wal– Marts: Tracing Alimentary Xenophobia in the time of COVID–19." Social Anthropology. vol. 28, no. 2 (2020). Connolly, Creighton, Roger Keil & S. Harris Ali. "Extended Urbanisation and the Spatialities of Infectious Disease: Demographic Change, Infrastructure and Governance." Urban Studies. vol. 58, no. 2 (2020). "Crise du funéraire en situation de Covid–19: Mort collective et rituels funéraires bouleversés." Office parlementaire d’évaluation des choix scientifiques et technologiques (OPECST). 7/7/2020. at: https://bit.ly/31sBihV. Flood, Colleen M. et al. (eds.). Vulnerable: The Law, Policy and Ethics of Covid–19. Ottawa: University of Ottawa Press, 2020. Gamba, Fiorenza et al. (dir.). COVID–19: Le regard des sciences sociales. Genève: Seismo, 2020. Godin, Benoît & Dominique Vinck (eds.). Critical Studies of Innovation: Alternative Approaches to the Pro–Innovation Bias. Cheltenham: Edward Elgar, 2017. Hermesse, Julie et al. Masquer le monde: Pensées d’anthropologues sur la pandémie. Louvain–la–Neuve: Academia, 2020. Jetten, Jolanda et al. Together Apart: The Psychology of Covid–19. London: SAGE Publishing, 2020. Lawrence, Heidi Yoston. Vaccine Rhetorics. Columbus: Ohio State University Press,

Majid, Umair et al. "Knowledge, (Mis–)conceptions, Risk Perception, and Behavior Change during Pandemics: A Scoping Review of 149 Studies." Public Understanding of Science. vol. 29, no. 8 (2020). Merkel, Wolfgang. "Who Governs in Deep Crises? The Case of Germany." Democratic Theory. vol. 7, no. 2 (2020). Shrum, Wesley et al. "Who’s Afraid of Ebola? Epidemic Fires and Locative Fears in the Information Age." Social Studies of Science. vol. 50, no. 5 (2020). Stark, David. "Testing and Being Tested in Pandemic Times." Sociologica. vol. 14, no. 1 (2020).