Return to Article Details Is the Crisis a Specifically Modern Phenomenon?

هل الأزمة ظاهرة حديثة على نحو خاص؟

Is the Crisis a Specifically Modern Phenomenon?

بول ريكور| Paul Ricœur *

** Translated by Aoumria Soltani ترجمة عومرية سلطاني|

الملخّص

* فيلسوف فرنسي French Philosopher.)2005–1913(. Algerian Translator ** مترجمة جزائرية *** نُشر في الأصل في:

يستعيد المقال الأفكار الرئيسة التي طُرحت خ لاا المؤتمر الذي عُقد في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1986، في قاعة المحاضرات التابعة لجامعة نوشاتيل، بمناسبة منحه الدكتوراه الفخرية في اللاهوت. ونُشرت نسخة ألمانية من المقال في كتاب جمع بين دفتيه مساهمات المقابلات التي أُجريت في مدينة كاستل غاندفلو Castel Gandolfo عام 1985، وكُرست لموضوع الأزمة. أما النص الفرنسي فراجعه وعلّق عليه بيار بوهلر P. Bühler. **** هيئة التحرير Editorial Board.

Abstract

While preparing this issue devoted to epistemology and assessment of the approaches and interaction of the humanities and social sciences to the Covid-19, attention was brought to the topic of Crisis, to which Edgar Moran devoted one of his last books. To enrich discussion and provide critical background, Omran has translated a famous early text by Paul Ricoeur from the mid-1980s, in which he sought to grasp the concept of crisis in all its “regional” ramifications and ask whether modernity had ushered in an era of what he called “generalized crisis”. With its all-encompassing comprehensiveness, the Covid-19 pandemic seems to have uncovered layers of crisis previously unknown in modernity’s practical experience.

الكلمات المفتاحية:
  • الأزمة
  • الأزمة المعممة
  • الحداثة
  • المفاهيم الجهوية
  • بول ريكور
Keywords:
  • Generalized Crisis
  • Modernity
  • Crisis
  • Regional Concepts
  • Paul Ricoeur

ملخص: خ لاا إعداد موضوع هذا العدد الذي وجّه كل اهتمامه، من مدخل إبستيمولوجي،

إلى فحص تفاعل العلوم الإنسانية والاجتماعية وتقييمها، في العالم العربي وخارجه، مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، جلب انتباهنا موضوع اخترق كل الأبحاث والأدبيات، هو موضوع الأزمة الذي خصص له إدغار موران، أحد آخر كتبه. ولإثراء النقاش، وتوفير خلفية نقدية للموضوع، ارتأينا ترجمة نص مشهور لبول ريكور كتبه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي،

حاول فيه بصفة مبكرة نسبيًا: أولًالإمساك بمفهوم الأزمة بتشعباته «الجهوية» كما يقول، وثانيًا

التساؤل عمّا إذا كانت أزمة الحداثة قد دشنت عصر ما يسميه الأزمة «المعممة». وبشموليتها،

يبدو أن الأزمة التي خلقتها الجائحة قد كشفت بالفعل عن مستويات عدة كانت مجهولة من أزمة

التجربة العملية للحداثة التي سادت حتى الآن ****.

Abstract: While preparing this issue devoted to epistemology and assessment of the approaches and interaction of the humanities and social sciences to the Covid–19, attention was brought to the topic of Crisis, to which Edgar Moran devoted one of his last books. To enrich discussion and provide critical background, Omran has translated a famous early text by Paul Ricoeur from the

Paul Ricœur, "La crise: Un phénomène spécifiquement moderne?,"  Revue de théologie et de philosophie , vol. 120, no. 1 (1988), pp. 1–19.

يستعيد المقال الأفكار الرئيسة التي طُرحت خ لاا المؤتمر الذي عُقد في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1986، في قاعة المحاضرات

التابعة لجامعة نوشاتيل، بمناسبة منحه الدكتوراه الفخرية في اللاهوت. ونُشرت نسخة ألمانية من المقال في كتاب جمع بين دفتيه

مساهمات المقابلات التي أُجريت في مدينة كاستل غاندفلو Castel Gandolfo عام 1985، وكُرست لموضوع الأزمة.

Krzysztof Michalski (ed.), Über die Krise: Castelgandolfo–Gespräche (Stuttgart: Klett–Cotta, 1986), pp. 38–63.

أما النص الفرنسي فراجعه وعلّق عليه بيار بوهلر P. Bühler. **** هيئة التحرير Editorial Board.

mid–1980s, in which he sought to grasp the concept of crisis in all its "regional" ramifications and ask whether modernity had ushered in an era of what he called "generalized crisis". With its all–encompassing comprehensiveness, the Covid–19 pandemic seems to have uncovered layers of crisis previously unknown in modernity’s practical experience.

إن السؤال الذي جعلنا نختار مفهوم الأزمة موضوعًا لتأملاتنا يتعلق بلا شك بمعرفة ما إذا كنا نعيش اليوم أزمة غير مسبوقة، تتميز لأول مرة في التاريخ بأنها غير انتقالية، بل دائمة ونهائية. ويستدعي مثل هذا السؤال إلى الواجهة المعنى الذي ننسبه إلى الحداثة: فهل هي بذاتها ظاهرة غير مسبوقة تستبعد أيَّ تراجع إلى الوراء؟ وهل هي سبب الأزمة المعممة، أم إن الأمر يتعلق بأزمة في الحداثة نفسها؟ فإذا كان هذا هو السؤال المهمّ الذي يشغل اهتمامنا بحق، وإذا كانت تلك هي رهاناته، يمكننا أن نسأل أنفسنا ابتداءً ما إذا كان مثل هذا السؤال الكبير قابلً للحسم، وذلك

لأسباب ثلاثة: الصعوبة الأولى: يبدو أن مفهوم الأزمة رهينُ أوجهِ غموضٍ متعددة: فما القاسم المشترك بين مفردات مثل الأزمة العاطفية، أو الأزمة الوزارية، أو أزمة القيم، أو أزمة الحضارة؟ ألا يشكِّل هذا المفهوم المكوَّن من كلمتيْن مفهومًا زائفًا Pseudo–concept؟ ولمواجهة هذا الالتباس

المفهومي، بدا لنا من الملائم أن نبدأ بمراجعة استخدامات المصطلح الأقل إثارة للتنازع، أي المفاهيم «الجهوية» بصورة أخص. وبمجرد تحديد نقاط الارتكاز المتعددة لمفهوم الأزمة، ينبغي التساؤل عما إذا كانت الصلة بين المفاهيم الجهوية تحيل على ما هو أكبر من مجرد انتمائها إلى العائلة ذاتها. الصعوبة الثانية: يحيل التساؤل عما يسمّى الأزمة المعاصرة على انتقالنا من بعض المفاهيم «الجهوية»

للأزمة إلى مفهوم «كلّي»، وهو ما يتصل بما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس «الظاهرة الاجتماعية الكلية». لكن الأخيرة لا يمكن فهمها، إلا من خلال التمثلّات التي يُقِيمها مجتمعٌ ما عن

(((في الفلسفة، يكون المفهوم زائفًا حين يتعذر القبض عليه أو إدراكه، ومن ثمّ تنطوي مفهمته على خطأ مع استمرار استخدامه

بوصفه مفهومًا. (المترجم) (((في الدرس الإبستيمولوجي المتعلق بنظرية المعرفة، وبصورة خاصة دائرة النقد الموجه إلى موضوعات العلوم ومناهجها، ثمة نمطان مما يمكن تسميته ممارسة إبستيمولوجية. الأولى عامة؛ بمعنى أنها مشتركة بين كل العلوم ومنفتحة أو موسعة بحيث تختص

بتقديم عنايتها النظرية لكل العلوم بلا  استثناء؛ ولذلك فصِلتها بالفلسفة وثيقة وقضاياها قد تفوق اختصاص علمائها. في المقابل،

تكون الإبستيمولوجيا خاصة لتعلقها بكل علم على حدة، بحيث تنشأ على يد علمائها أصحابِ هذا التخصص العلمي وبمفاهيمها

ووسائلها الخاصة أو الداخلية أو «الجهوية». لذلك فالجهوية في حالة المفاهيم تعني ارتباطَها بحقل علمي محدد، بالتوازي مع الفكرة التي تقول بالتداخل العميق بين العلوم بحيث تستعير مفاهيمَها بعضُها من بعض، كأن نقول لسانيات اجتماعية، أو علم النفس

السياسي؛ وفي هذه الحالة تُستخدم المفاهيم الجهوية غالبًا للحفر في كنه مفاهيم أخرى بوسائل النقد الإبستيمولوجي العام.

(المترجم)

.Marcel Mauss, Sociologie et anthropologie , 9 ème ed. (Paris: PUE, 1985) (((ينظر على وجه الخصوص:

نفسه. والحال هذه، فقد لا يتسنى الوصول إلى إجماع بشأن تعريف الأفكار والقيم أو الأيديولوجيات التي تنقلها هذه التمثلات، فضلً عن تقييمها. الصعوبة الثالثة: إن ظاهرة الحداثة، الواردة في السؤال المبدئي، لا تحيل على ظاهرة اجتماعية كلية من

بين ظواهر اجتماعية كلية أخَر؛ بل على عصرنا. فيكون موضوع النقاش هنا هو معنى الحاضر ذاته. لكن الحاضر هو بطبيعته محلٌّ يكتنفه الغموض؛ لأن الصراعات المتضمنة فيه هي بحكم التعريف بلا حلول. وهكذا يميل الأطراف داخل الأزمة أو الأزمات إلى المبالغة في لااعتيادية العصر الذي يعيشون فيه، فيعتبرون – إطنابًا منهم في القول – أنه بلا سابقة. لكن هذا العائق المفهومي غير مواتٍ للبحث الذي نجريه بصورة خاصة؛ لأن جميع المفاهيم الجهوية للأزمة، التي سنتطرق إليها في الجزء الأول من هذا المقال، تشترك على الأقل في الإحالة على كونها ظاهرة انتقالية؛ ما دام «يجري الخروج من» أزمة أو من أزمات. فكيف إذًا يمكننا معرفة ما إذا كانت الأزمة الحالية، كيفما جرى وصفها، قد تكون، وأول مرة، أزمة غير انتقالية، ما دمنا وبحكم التعريف نعيش في داخلها ونجهل الحكم الذي سيطلقه عليها مؤرخو المستقبل؟ لذلك دعونا ننسَ مؤقتًا مصدرَي الإرباك الثاني والثالث، ونركز على المصدر الأول المرتبط بالتعدد

الشديد في معاني المصطلح.

أولا: بعض المفاهيم «الجهوية» للأزمة

لنبدأ بتحديد بعض المعاني الأساسية التي ترسخت بفِعل استخدامها المستمر. يبدو لي أنه يمكن التمييز بين أربع أو خمس بؤر أو نقاط ارتكاز Einsatzpunkte ينطلق منها المفهوم. 1. نقطة الارتكاز الأولى طبية؛ فالأزمة هي لحظة المرض الذي يتسم بتغيّر مفاجئ، يتكشف فيها

المرض الخفي وتتحدد نتيجته الجيدة أو السيئة. وتتبدّى هنا أربع ميزات سنبيّن إمكانيةَ تعميمها في

الجزء الثاني من هذا المقال؛ وهي: أ) سياقٌ مرضيٌّ يكون من أعراضه الرئيسة المعاناةُ أو الضيق؛

ب) انقطاع في الإيقاع الزمني للمرض نفسه، يحدث في صورة نوبة أو هجمة مرضية مفاجئة؛ ج) تدخُّل النظرة العيادية التي تفسر الأعراض وتقدم التشخيص؛ د) التكهن بحلّ يتخذ صورة البديل؛ فإما تحسّن

الوضع وإمّا تفاقمه. وهذه السمة الأخيرة تُعتبر مهمة على نحوٍ خاص؛ لأنها، من خلال إضافة طابعها الحاسم إلى الطابع الكاشف للأزمة، إنما تحيل على مرحلة ما بعد الأزمة التي هي الخروج منها، وذلك وفق مصطلح النتيجة التي تتضمن إما خلاصًا وإما موتًا. وفي فرضية الحل السعيد، تتُخذ الأزمة، وبأثر رجعي، قيمة لا تكون دوائية طبية Médicale فحسب، بل علاجية وخفية Médicinale، كتلك التي توصف بها خلطات الأعشاب المطهّرة للجسم. 2. يمكن تمييز البؤرة الثانية للمعاني على مستوى النمو النفسي – الفسيولوجي. تحيل الأزمة على هذا النحو على حالة الشعور بالضيق الشديد، الجسدي والنفسي معًا، المرتبط بالانتقال من عمر إلى آخر. فبدلً من أن يحدث التحول وفق مسار مستمر، فإنه يشير إلى انقطاع بين توازن ناشئ وتوازن سابق آخذ

في الانهيار. وعلى هذا النحو، يجري الحديث عن أزمة المراهقة. بل لقد أوغل إريك إريكسون في توسيع المفهوم ليشمل جميع الأعمار الحرجة للحياة، ليعدّد من ثمّ سبع مراحل حرجة ما بين الولادة والموت. هذا التناوب في حالات التوازن ومراحل انعدام التوازن هو سمة من سمات هذا النموذج الثاني الذي يمكن أن نسمّيه نمائيًا. وثمة قَرابة بين المعنيَين الأول والثاني؛ كون المرحلة الحرجة مؤلمة،

وقصيرة نسبيًا مقارنة بمراحل النمو المستمر، وأن في كل مرحلة حرجة تكشف الأعراض عن انعدام

توازن «عميق» وينفتح البديل دومًا على احتمالات تحسّن أو تفاقم. وفي نظر إريك إريكسون، تتميز كل مرحلة حرجة ببديل محدد: الثقة في مقابل انعدام الثقة، والاستقلالية في مقابل الشعور بالعار/ الشك، والمبادرة في مقابل الشعور بالذنب، والشعور بالتفوق في مقابل الشعور بالدونية، والهوية في مقابل تشوش الهوية، والحميمية في مقابل العزلة، والإنتاجية في مقابل الركود، والالتئام في مقابل اليأس. ويلحظ الكاتب أن «كلمة أزمة لا يجري توظيفها هنا إلا في سياق تطوري، ليس للإحالة على تهديد أو كارثة، بل على منعرج ومرحلة حاسمة تتسم بهشاشة كبيرة وإمكانيات متصاعدة، ومن ثمّ كمصدر جيني للقوة الخلاقة ولانعدام التوازن معًا». وبهذا المعنى، فإن أي أزمة إنما هي أزمة هوية على طريق المراحل التي تشكل دورة الحياة. 3. يمكن تسمية النموذج الجهوي الثالث كوزموبوليتانيًا بالمعنى الذي يطلقه كانط على هذا

المصطلح في كتاباته عن فلسفة التاريخ. وها هنا نعثر على المخطط السابق للنمو وقد طُبِّق على

البشرية جمعاء. فعلى مستوى «النوع» كله، يكشف كانط عن مظاهر «النمو الكامل» ل «الاستعدادات الطبيعية التي تدفع إلى استخدام [الإنسان] لعقله» (الافتراض الثاني). إنّ تعاقب الأجيال هو الذي يصير، في هذا النموذج الثالث، حاملً للعملية برمتها. وتتمثل الأزمة هنا في أن البشرية تطور استعدادها للمجتمع المدني وسيادة القانون فقط تحت محرك ما يسميه كانط «لااجتماعية المخالطة الاجتماعية» بين الناس L’insociable sociabilité. ويلحظ كانط أنه «بهذه الطريقة، يمكن للاتفاق الذي جرى ابتزازُه بطريقة باثولوجية بهدف إنشاء مجتمع، أن يتحول إلى كلٍّ أخلاقي» (الافتراض الرابع). وبلا شك، فإنّ فكرة الاتفاق الذي جرى ابتزازه بطريقة باثولوجية هذه تستبق الفكرة الهيغلية عن دهاء العقل، والتي تمثل التمجيد الذي ستعرفه فكرة الأزمة على

(4) Erik H. Erikson, Adolescence et crise: La quête de l’identité , Joseph Nass & Claude Louis–Combet (trad.), Collection: Champs essais, 60 (Paris: Flammarion, 1972).

ينظر: مخطط المراحل في الصفحة.97

(5) Ibid., p. 98. (6) Emmanuel Kant, Idée d’une histoire universelle au point de vue cosmopolitique (l784).

نُشر بالفرنسية في:

Emmanuel Kant, La philosophie de l’histoire (opuscules) , Stephane Piobetta (ed. & trad.), Médiations, 33 (Paris: Aubier Montaigne; Denoël–Gonthier, 1947), pp. 26–45. (7) Ibid., p. 28. (8) Ibid., p. 31. (9) Ibid., p. 32.

مستوى فلسفة التاريخ. لكن وقبل ذلك كله، من المستحسن ملاحظة أوجه التشابه والاختلاف بين النموذجين الثاني والثالث للأزمة. أولً، لا يُحتفظ إلا بالمرحلة الصاعدة من عملية النمو: وهكذا يصير النموذج هو الانتقال من حالة الأقلية إلى حالة الأغلبية. من جهة أخرى، فإن التركيز على الدينامية الداخلية، التي تنظم نضجَ كائن ما، ينتقل ليستهدف هنا ظاهرة الهيمنة الخارجية، ومن ثمّ الاعتماد على الغير الذي يميز حالة الأقلية. وفي حين تتعرف الأقلية بالتبعية، تتعرف الأغلبية بالاستقلالية؛ فتكون الأزمة هي في العبور من هذا إلى ذاك. وهكذا نقرأ فيرد كانط على سؤال: ما  «التنوير»؟ (كانون  الأول/ ديسمبر 1784) إذ يقول «ما هو التنوير؟ هو خروج الإنسان من أقليته التي يتحمل مسؤوليتها بنفسه. وتعني الأقلية عدم القدرة على الاستفادة من بصيرته دونما توجيهٍ من الآخرين، وهي أقلية يكون هو نفسه مسؤولً عنها، لأن السبب لا يكمن في خلل في البصيرة، بل في عدم اتخاذ القرار والشجاعة لاستخدامها من دون توجيه من الآخرين. هيا فلتكن لك الشجاعة لاستخدام بصيرتك الخاصة! لعمري إنّ هذا لَهو شعار التنوير». ويستلزم هذا التحول في التركيز من فكرة الطفولة إلى فكرة الأقلية تحولً عميقًا في دور المربي العمومي public éducateur ’ L: فالأخير يقترن بنقد وضع الهيمنة المسؤول عن التأخر في التطور الإنساني أكثر من اقترانه بتطور عضوي ملازم. وحينها تحل الأزمة محل النقد، بعد أنْ صارت الفلسفة النقدية في موضع المربّي بالنسبة إلى الجنس البشري. لكن هذا التمطيط يحمل معه بعض التغييرات المهمة التي تظهر في العلاقة بين مفهومي النقد والأزمة. ومثلما وضّح راينهارت كوسليك في عمله النقد والأزمة، انصبّ تركيز مفكري ما قبل الثورة، في البدء، على النقد الأخلاقي لمؤسسات الهيمنة، وإنه تحت

ضغط الأحداث فقط، تحوّل هذا النقد الأخلاقي لنظام المؤسسات إلى أزمة سياسية؛ أي إلى ثورةٍ وحربٍ أهلية. يلاحظ كوسليك أن النقد حين انحصر في المجال الأخلاقي من دون أن يؤدي إلى قرار سياسي، أمكن لقرن من النقد أن يتجاهل مفهوم الأزمة. بل لقد ظلت محجوبة عنه بفِعل تمثل التقدم الذي أبقى الفكرة النقدية، بهذا المعنى، في حالة من الجهل الذاتي. ثم حدث الانتقال من النقد إلى الأزمة، حين انتهت الفكرة المتفائلة عن التقدم الذي لا نهاية له إلى سؤال القرار السياسي الذي جرى التغافل عنه حتى ذلك الوقت. ويمثل روسو أحد المعاصرين والفاعلين في هذا الانتقال؛ فقد قال في كتابه إميل: «إنك لَتثق بالنظام الحالي للمجتمع من دون أن تفكر في أنه عرضة لثورات حتمية، وأنه من المستحيل بالنسبة إليك أن تتوقع أو تمنع حدوث تلك التي يمكن أن يعايشها أطفالك». ويقول أيضًا: «إننا نقترب من

(10) Kant, La philosophie de l’histoire , pp. 46– 55. (11) Ibid., p. 46. (12) Reinhart Koselleck, Kritik und Krise: Eine Studie zur Pathogenese der bürgerlichenWelt (Frankfurt: Suhrkamp, 1973), p. 36.

وردت الترجمة الفرنسية بعنوان:

Reinhart Koselleck, Le règne de la critique (Paris: Les Éditions de Minuit, 1979).

وضع الأزمة وقرن الثورات». ويشير مصطلح الأزمة هنا إلى ما هو أكثر من مصطلح الثورة التي لم يكن لها، في القرن السابع عشر، أيّ مشترَك مع الحرب الأهلية، ومحيلة إلى حدوث اضطراب يمور به

كلّ مجال من مجالات الحياة (أو مثلما يقول ديدرو: «الثورات ضرورية، حدثت في الماضي وستحدث غدًا»). والسبب في ذلك هو أن مصطلح الثورة لم يكن قد قطع بعدُ روابطَه مع الكوسمولوجيا، وقرابَته مع الثورات السماوية، ومنها استمدت الثورةُ ضرورتها ونسبيةَ الأضرار المتأتية منها. وحين

ولجت الأزمة المجالَ السياسي أحالت النقد جديًا، جالبةً معها دلالاتها العلاجية؛ أي قوّتها الكاشفة عن وجود العلة العميقة، ولا سيما تأثيرها في اتجاه قرار الحسم بوجود إما تدهور وإما تحسّن؛ أو

مثلما يعلنه ديدرو بقوله: «إننا نقارب أزمةً قد تنتهي إما إلى العبودية وإما إلى الحرية». إنّ هذا التعبير عن ال «إما... وإما...» ينتمي إلى لحظة التكهن التالية للتشخيص الذي يعني قراءة الأعراض. وهذا البديل ما بين الاستبداد والحرية هو الذي انتهى إلى دمج منظور الحرب الأهلية، بمخاطرها المرعبة، داخل منظور الثورة التي كانت حتى الآن أمرًا مطَمئِنًا. لا شك في أنه قد أمكن القبول بمثل هذا الخطر

الكثيف، بفضل الانتقال من المقولة الأخروية عن يوم القيامة إلى فلسفة التاريخ التي امتزجت بدورها بالفلسفة السياسية. ليتخذ تهديد الحرب الأهلية طابع الفعل العقابي الذي تمارسه الهيئة الناقدة التي جرى تشكيلها كمحكمة للطغاة؛ لقد تحولت يوتوبيا التقدم إلى عدل محايث. وإنه لَمن اللافت للنظر أنّ الترابط بين التاريخ العالمي Weltgeschichte والمحكمة العالمية Weltgericht حدث داخل فكر ما قبل الثورة – وهو الذي خلّق الرعب بصورة مسبقة. بذلك جرى الحفاظ على النواة الأهم داخل فكرة الأزمة؛ وهو طابعها المفيد لا الانتقالي فحسب. فتكون فكرة الأزمة الدائمة، وفق هذا التصنيف، غيرَ ممكنة التصوّر بسبب طابعها الحاسم ذاته: فمثلما يعلن الأب رينال «ستولد الحرية من قلب

الاضطهاد... وإنّ يوم النهوض ليس ببعيد». وعلى هذا النحو، أتاحت أيديولوجيا التقدم أن تُدمج فكرة الأزمة ضمن فلسفة سياسية شديدة التفاؤل. 4. يقدم تاريخ العلوم نموذجًا مختلفًا تمامًا للأزمة. ويتجسّد هذا النموذج الإبستيمي بوضوح في عمل توماس كون الشهير عن الثورات العلمية، لذلك لن أسهب في الحديث عنه. يصر عالم الإبستيمولوجيا المعروف، مثلما نعلم، على الطبيعة المتقطّعة للكشف العلمي. فالتقدم، وبعيدًا عن المضي بطريقة تراكمية، يجري من خلال سلسلة من الانقطاعات التي تفصل بين منظومتين بدهيتين متماسكتين. ويحدث الانقطاع حين يكفّ عدد من الحقائق أو الخبرات أو المعرفة عن الاندماج في التوليفة القائمة للمعرفة؛ فيتعين حينها تغيير البراديغم. وفي هذا النموذج الإبستيمي، نعثر على بعض

(((1 يمكن العثور على هاتين الفقرتين عن روسو في: , p. 133 Kritik und Krise.Koselleck, (((1 ورد الاقتباس في:.Ibid., p. 221 (((1 يراجع في هذا الصدد:.Ibid., pp. 221–222

(16) Ibid., p. 144. (17) Ibid., p. 233. (18) Thomas S. Kuhn , La structure des révolutions scientifiques , Laure Meyer (trad.), Collection Champs, 115 (Paris: Flammarion, 1983).

سمات النماذج السابقة: الانقطاع الزمني أولً، ثم فكرة التناوب بين حالات التوازن ومراحل الاختلال، وأخيرًا فكرة التعقُّد المتزايد للمعرفة التي تحدث من خلال سلسلة من القفزات النوعية. هنا أيضًا تكون

الأزمة انتقالية؛ فما نعرفه عنها لا يتأتّى إلا عبر وجهة نظر التشكيل البدهي الجديد. ومع ذلك، لا ترتبط بنموذج الأزمة هذا أيّ فكرة عن خلل باثولوجي أو معاناة أو ضيق، ما لم ينطبق ذلك على حالة الفوضى الفكرية التي يقبع فيها مؤيدو التوليفة المتجاوَزة. 5. نصل إلى المفهوم الاقتصادي للأزمة. ولم أشأ البدء بهذا الاستخدام على الرغم من شيوعه

وهيمنته، وذلك حتى لا  أستسلم للاتجاه العام الذي يجعل منه النموذج الوحيد للأزمة؛ لم أشأ أيضًا الالتزام بالفكرة التي تقول إنّ الأزمة ليست فقط اقتصادية؛ بل إنها ذات تاريخ دقيق جدًا هو عام 1929، وذات مكان محدد هو بورصة نيويورك. لكن محاولة تلافي مثل هذا الاختزال المزدوج لن تعفينا من تفسيره. وبقطع النظر عن أنّ للأزمة الاقتصادية، وبخلاف جميع الأزمات الأخرى، تأثيرًا

في المجال الثقافي بفِعل الصلة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، يجب أن يقال أيضًا إن الشكل الاقتصادي للأزمة يتبدّى نموذجًا لجميع الأزمات فقط في حضارتنا التي تضع الاقتصاد في صدارة تسلسلها الهرمي للقيم. سنعود إلى هذه الفكرة في الجزء الثاني الذي سنكرّسه خاصة للحقيقة

الاجتماعية الكلية وعملية تراتبية القيم الخاصة بها. دعونا نقتصر في الوقت الحالي على وصف تخطيطي لمفهوم الأزمة الاقتصادية، من دون الخوض في علاقتها بالأفكار والقيم التي يقوم عليها المجتمع الكلي. عند الحديث عن أزمة اقتصادية، من المهم أولً وقبل كل شيء الحفاظ على استخدام صيغة الجمع للتحدث عن أزمات، وذلك حتى نأخذ في الحسبان «التنوع في الأزمات المحدَّدة، وتسلسلها الزمني، وقابليتها للتمييز بحيث تعرض كلٌّ منها بعض السمات التي تجعلها مختلفة عن غيرها». إن ميزة وجهة النظر الوصفية والتاريخية هذه، التي تتجاوز وجهة النظر المنهجية والاقتصادية البحتة، هي عدم الاقتصار على أزمات النظام الرأسمالي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك بهدف إفساح المجال لفحص أزمات من النوع القديم؛ تلك الخاصة بالنظام الاقتصادي ما قبل الصناعي وما قبل الرأسمالي. إضافةً إلى ذلك، تتميز وجهة النظر هذه بمراعاتها التداعيات الاجتماعية؛ أي معاناة أعداد كبيرة من الناس، والتي من دونها لا يمكن الحديث عن أزمة. ومثلما هي الحال في النموذج الطبي، فإن العلل المحسوسة هي ما يكشف دومًا عن التفاوتات وانعدام المساواة والتناقضات التي تؤثر في النظام الاجتماعي ككل. وإنّ هذه المعاناة هي في نهاية المطاف ما يشكل تهديدًا لجميع التوازنات الأخرى، ومن ثمّ للأيديولوجيا المهيمنة، أي للتسلسل الهرمي للقيم الذي يتعرّف من خلاله المجتمع الكلي. إن الميزة الإمبريقية الأوضح، والتي تسمح بتجميع الأزمات معًا بصورة مؤقتة تحت المفهوم العام نفسه، هي ميزة «انقطاع في التوازن، والتصدّع الذي يليه سقوط؛ حيث يحدث انهيار في النشاط

(19) "Crises économiques," in: Encyclopaedia Universalis , vol. 5 (Paris: Encyclopædia Britannica, 1968), p. 101.

الإنتاجي، والتبادلات التجارية، والأرباح، والأجور، وأسعار الصرف؛ وفي الوقت نفسه ارتفاع حالات الإفلاس، والبطالة، والانتحار». وإنه على هذا المسار التنازلي تتجلى المعاناة في صورة أعراض، حيث يصير الحادث الدوري كاشفًا عن الاختلالات التي تصيب البنى وتتبدّى معه أسوأ الهواجس. في اقتصاد النظام القديم، كانت التقلبات الزراعية هي التي سيطرت على حركة الأسعار في مجموعها (وضع لابروس Labrousse مخططًا لذلك يشمل على وجه خاص: نقص الإنتاج الزراعي، ونقص الغذاء، والركود الصناعي نتيجة لانهيار السوق الاستهلاكية في الأرياف، وزيادة معدلات الوفيات، يرافقها أيضًا انخفاض مفاجئ في معدلات الولادة)، أما في الاقتصادات المختلطة، نصف الزراعية ونصف الصناعية التي سادت خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد عكست الأزمات في أعوام (1873، 1882، 1900، 1907، 1914–1913، 1921، 1928، 1938... إلخ) هيمنة الاقتصاد الصناعي على الاقتصاد الزراعي، وتوحيد الأسواق، وهيمنة السلع الإنتاجية، والدور المتنامي للأسواق المالية والائتمان البنكي. ومع أزمة عام 1929، ظهر الخلل في البداية لا في مجال الإنتاج أو تداول المنتجات، بل في تداول رأس المال. وأدت أزمة سوق الأسهم (انهيار وول ستريت في خريف عام 1929) التي أعقبتها أزمة مصرفية (سحب الودائع) إلى حدوث أزمة تجارية وأخرى صناعية. ولن أستفيض في الحديث عن ظاهرة الأزمات الاقتصادية ما دمت لست مختصًا في المجال. سأركز على الظواهر الثلاث التي أدت إلى التنظير للأزمات. الظاهرة الأولى هي إضفاء الاستقلالية الخاصة Autonomisation، وشهدته أولً عمليات الإنتاج، الصناعية بصفة أساسية، مقارنةً بظواهر اجتماعية أخرى، ثم خضع له النظام البنكي مقارنةً بتبادلات السوق والإنتاج، وأخيرًا دوائر المضاربة.

إن ظاهرة الاستقلالية هذه هي التي يستشعرها الجمهور بوصفها حتمية خارجية، وقد قدم هيغل وصفًا تنبئيًا لها في كتابه، مبادئ فلسفة القانون، فوضع «نظام الاحتياجات» الذي اعتبره «دولة خارجية» في

مواجهة الاعتراف المتبادل بالمواطنين داخل التشكيل السياسي لدولة القانون؛ فالمجتمع بما يمنحه من قيمة للمكون الاقتصادي لوجوده، هو الذي يستشعر الفوضى الاقتصادية بوصفها كلية وليست جزئية (كيف يمكن، على سبيل المثال، أن نفهم لِم ثمة الكثير من المواد الغذائية في مكان وليس ثمة ما يكفي منها في مكان آخر، وأنه يجري حرق الفائض هنا والتضور جوعًا هناك؟). الظاهرة الثانية هي السمة الدورية Périodicité للأزمات (دورة كوندراتييف... إلخ). وربما تكون هذه الظاهرة هي التي تميز بالصورة الأفضل النموذج الاقتصادي للأزمة مقارنةً بجميع الأزمات الأخرى، والتي يقول الاستقراء إنها تميل في الوقت نفسه إلى أن تصير سمة عامة بفِعل هيمنة الظاهرة الاقتصادية في التسلسل الهرمي لقيم المجتمعات الصناعية المتقدمة. وبحكم خاصية الدورية هذه، «لا يجري

(20) Ibid. (21) Ernest Labrousse, La crise de l’économie française à la fin de l’ancien régime et au début de la Révolution (Paris: PUF, 1943). (22) Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Principes de la philosophie du droit , André Kaan (trad.), Jean Hyppolite (préf.) (Paris: Gallimard, 1973).

ينظر على وجه الخصوص المحوران الثاني والثالث من القسم الثالث، والمخصصان للأخلاق الموضوعية.

تصوُّر الأزمة إلا في إطار الحركة التي تحيط بها وهي الدورة، وفي وجود مراحل أربع تتكون من

الصعود، ثم الأزمة نفسها، ثم الكساد، ثم أخيرًا الانتعاش، وفكرة الدورة هنا هي ما يمثل إشكالً حيث

موجاتها القصيرة وعودتها إلى نقطة البداية». وهنا أيضًا، لن أخوض في الخلافات الأكاديمية بين المدارس، بما في ذلك بالطبع الصدام بين الأطروحات الماركسية وغير الماركسية. بل سأركز على جوانبَ معينة من السمة الدورية للأزمات الاقتصادية التي تعزز التشابه العائلي بين المفاهيم المختلفة

للأزمة التي استكشفناها آنفًا. الحقيقة هي أن التاريخ الاقتصادي للشعوب يبدو أنه لا يتقدم إلا من خلال التناوب بين العمليات التراكمية (التي تزيد من الضعف المتنامي للنظام عن طريق تقليص قدرته على التكيف) ونوبات اختلال التوازن؛ ومن جهة أخرى، يُعاد تكوين الموارد التي تسمح بالانتعاش خلال مرحلة الكساد. في هذين المظهرين، تشبه الدورات التي تحدث فيها الأزمات الاقتصادية وبقوة دورات الحياة الموصوفة لدى علماء النفس والمحللين النفسانيين. وقد نذهب أبعد من ذلك، ونقول إنه من المفارقات أن السمة الدورية للأزمات الاقتصادية تنطوي على أمل؛ فالأزمة انتقالية على الدوام وفي كل مرة يكون ثمة مخرج منها. الظاهرة الثالثة اللافتة التي ألقت عليها الضوءَ نظريةُ الأزمات هي عولمة الأزمة. ولهذه الأخيرة علاقة

ببحثنا من وجهتين على الأقل. أولً، أنها مؤشر له صلة بظاهرة أخرى تعتمل تحتها هي عولمة السوق. ومع ذلك، فإن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز الإطار المحدود للتحليل الاقتصادي؛ إذ تشير عولمة السوق، في آن واحد، إلى عولمة ظاهرة الاستقلالية وهيمنة الاقتصاد مقارنةً بالمكونات الأخرى للمجتمع الكلي. وفي الوقت نفسه، لم تعد هذه الظاهرة تتعلق بالاقتصاد بوصفه كذلك فحسب، بل بالأيديولوجيا؛ أي التمثُّل الذي يرسمه مجتمع ما لاشتغاله العام. وفي واقع الأمر، كانت الأيديولوجيا ممثلة في الليبرالية الاقتصادية هي التي فرضت على العالم الغربي تمثُّل الظواهر الاقتصادية «على أنها منفصلة عن المجتمع وأنها تشكل في حد ذاتها نظامًا متميزًا يجب أن تخضع له بقية المجتمع». ومع ذلك، فإن هذه الأيديولوجيا، بعيدة عن كونها «طبيعية»، بل هي ابتكار غير مسبوق وُلد في القرن التاسع عشر؛ وتعني أيديولوجية نزع الطابع الاجتماعي عن الاقتصاد Dé–socialisation de l’économie. وينبثق من ذلك تفسيرٌ أكثر راديكالية لأزمة الثلاثينيات، يجبرنا على نقل فكرة الأزمة إلى مستوى آخر؛

ذلك أن «ما فرضته أزمة الثلاثينيات الكبرى على العالم هو إعادة سبغ الاقتصاد بالطابع الاجتماعي Re–socialisation de l’économie ». ويمكن مدّ هذه الملاحظة إلى أقصاها، إذا أردنا تقدير ظاهرة عولمة الأزمة بدقة: ذلك أن هذه الأخيرة لا تقتصر على الانتشار الجغرافي لاضطراب اقتصادي بحت فحسب، بل تكمن في عولمة أزمة الأيديولوجيا التي تعتمل خلف هذا الإضفاء للاستقلالية وهذه الهيمنة المرتبطة بالسوق. وبالنظر إلى الارتباط بين السوق وأيديولوجيا الليبرالية الاقتصادية، فإن

(23)  Encyclopaedia Universalis , p. 101.

(((2 ورد في مقدمة لويس دومون في:

Karl Polanyi, La grande transformation: Aux origines économiques de notre temps , Catherine Malamoud & Maurice Angeno (trad.), Louis Dumont (préf.) (Paris: Gallimard, 1983), p. 1. (25) Ibid.

لعولمة السوق تداعيات اجتماعية تختلف بصورة جذرية من ثقافة إلى أخرى. فالأزمة الاقتصادية في الغرب، بعد أن صارت الليبرالية الاقتصادية أحد مكونات ما يسمى الحداثة، إنما تشكّل أزمة حداثته نفسها؛ ومن ثمّ، فإن ما يصدّره الغرب من خلال عولمة الأزمة والسوق هو أزمة الحداثة نفسها مثلما تُعرَّف بالمصطلحات الغربية. لكن بقية العالم لم تكن تتبنّى أيديولوجيا الليبرالية الاقتصادية، خلال

الفترة نفسها. لهذا السبب، ومن خلال التأثير في هذه الثقافات على نحوٍ مباشر، أجبرتها عولمة السوق على إعادة تعريف نفسها ليس فقط وفق مفردات الأزمة الاقتصادية، بل وفق مفردات أزمة الأيديولوجيا ذاتها التي جعلت السوق عاملً مستقلً. وقد انتقلت الأزمة على هذا النحو من المستوى الاقتصادي إلى مستوى تمثلّات الظاهرة الاجتماعية الكلية. وهنا يتجلى التأثير الثاني لظاهرة عولمة الأزمة في بحثنا المفهومي؛ فالأزمة الاقتصادية وهي تمتد جغرافيًا تواجه بعدًا سياسيًا خالصًا، إضافةً إلى العوامل الثقافية الأيديولوجية. وهذا ينطبق على

نحوٍ خاص على أزمة عام 1974–1973؛ إذ إضافةً إلى طابعها الاقتصادي البحت الذي يختلف عن طابع أزمة عام 1929 – وهو الطابع الذي لست صاحب اختصاص فيه – فإنها تختلف عنها أيضًا من خلال الأثر السياسي الذي خلّفته على وجه التحديد: ففي حين أصابت أزمة عام 1929 اقتصادًا كان لا يزال مستقلً، أثرت أزمة عام 1974–1973 في سياسات استجابة الدولة للأزمة. وبحسب التحليل الذي يورده كارل پولاني في كتابه، التحول الكبير La grande transformation، فإن الرأسمالية الليبرالية، في شكلها النقي والصلب، قد دُفنت بصفة غير رسمية على يد الفاشية بعد احتضارها بالفعل خلال عام 1939، وإن الأزمة المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات إنما تضرب اليوم اقتصادات مختلطة بدرجات متفاوتة. في الوقت نفسه، لا يشعر الرأي العام بأنها أزمة اقتصادية بحتة، بقدر ما يراها تعبيرًا عن مأزق لسياسات الدولة في استجابتها لهذه الأزمة، وفشلً في الخروج

السياسي منها. ولهذا السبب نحن نشعر أن الأزمة التي لا نزال نعايشها أشدّ راديكالية؛ ذلك أن الارتباط بين السياسي (أو الدولة تحديدًا) والمجتمع الكلي أوثق مقارنةً بالاقتصادي، لا سيما في غياب دولة عالمية توازي حجم الأزمة. ومع تحوُّل الأزمة الاقتصادية إلى ظاهرة عولمية، تصير كاشفة في مستويات متعددة: حيال فقدان ثقة الرأي العام بقادته، وحيال التناقض بين البعد الوطني للدول والبعد الدولي للأزمة (يكشف علاج الدين العالمي في هذا الصدد عن هذه الحاجة وهذا النقصان). بهذه الطرائق، وعلى الرغم من أن الأزمة الاقتصادية لا تقدم في ذاتها التعريف المطلوب لمفهوم الأزمة، فإنها تتفاعل مع ظواهر ذات كثافة أكبر، مما يضطر المحللَ إلى الانتقال بالتفكير إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية الكلية.

(((2 يعرف دومون في النص المذكور، أيديولوجيا الاقتصاد الليبيرالي كما يلي: «مذهب ينص على أن المنطق الحر للاقتصاد هو شرط النظام، وبذلك يكون أي تدخل [من جانب الدولة] ضارًا. لقد كانت المؤسسة المركزية هي السوق، التي يُنظر إليها بوصفها

منظمة بصورة ذاتية، وعلى المجتمع أن يخضع لها في كل حال.».Ibid., p. vi

(27) Polanyi.

ثانيًا: معايير لمفهوم الأزمة «المعممة»

ذكرنا في المقدمة الصعوبات التي تواجهها محاولة الانتقال من بعض المفاهيم «الجهوية» للأزمة إلى مفهوم الأزمة «المعممة»؛ تلك التي تمثل ما يسمى أزمة المجتمع. ينبغي، مثلما ذكرنا آنفًا، أن نعرف أننا نتحدث هنا بدقة عن المجتمع باعتباره كلً، أو عن «الحقيقة الاجتماعية الكلية»، إذا ما استخدمنا عبارة مارسيل موس. تتطلب هذه المقاربة الكليانية القدرة على إدراك تشكلات الأفكار والقيم التي يفهم من خلالها المجتمعُ نفسَه. لقد سبق استحضار وجهة النظر الكلية هذه مرات عدة، بالنظر إلى أن كل مفهوم «جهوي» يفترض إمكانيةَ إخضاعه للتعميم. على هذا النحو، يمكن تعميم المعيار الطبي حيث يمكننا الحديث عن الجسد الاجتماعي وتطبيق الخصائص المرَضية عليه: فتعني أزمة المجتمع، إذا كان ثمة من أزمة، أن الجسد كله مريض، أي

إنه يشكو من علة في قدرته على الاندماج (المتزامن) والتوازن (المتتابع). ومع ذلك، ثمة عقبات تواجه هذا التعميم: فهل الجسد الاجتماعي هو أكثر من مجرد استعارة؟ أليست هذه الاستعارة خطيرة بسبب دلالاتها العضوية (فخلايا الكائن الحي لا تفكر! مثلما يقول ماكس فيبر)؟ وإذا كنا نتحدث عن باثولوجيا اجتماعية، فمن هو الطبيب المخول لإجراء التشخيص والتكهّن بالعلاج؟ يمكن تعميم المعيار البيداغوجي بصورة جيدة أيضًا؛ فلقد جرى تطبيق فكرة النمو مع نتائجها الخاصة بعنصرَي الأقلية والأغلبية على الشعوب، بل على البشرية جمعاء، كما في رؤية كانط العالمية للتاريخ،

وفي هذه الحالة يفيد نموذج أزمة الهوية، التي يتحدث عنها علماء النفس والمحللون النفسانيون والبيداغوجيون، في إلقاء الضوء على أزمة المجتمع. لكن وهنا أيضًا، يفقد النموذج البيداغوجي للأزمة جزءًا من تماسكه بالنظر إلى أنه، ومثلما أسلفنا القول، يقوم على فكرة النضج دونما شيخوخة أو موت،

كما هي الحال في فكرة التقدم. وبذلك يفقد مفهوم دورة الحياة تماسكه. وأخيرًا، إذا فضلنا عزل مرحلة

النضج، فالعملية حينها لن تلقي الضوء إلا على غائية النمو وتُظهر الأزمةَ مفيدة وبلا مفارقة تُذكر. وحينها يصير تجنُّب احتمال التراجع يسيرًا للغاية. ويستدعي المعيار السياسي تعميمًا من نمط مختلف، بحيث يتعلق المحك هنا بالحاجة إلى الشرعنة

التي تثيرها الظاهرة السياسية. فالمؤسسة السياسية، سواء أكانت كاريزمية أم تقليدية أم عقلانية، إذا ما استخدمنا تصنيف ماكس فيبر، تخلق داخل الظاهرة الاجتماعية اختلافًا بين من يحكمون ومن يطيعون؛ فتتولد عن ذلك إشكالية حتمية تتعلق بالقوة أو الهيمنة Herrschaft؛ وهذه البنية هي التي تحتاج إلى شرعنة. فتكون الأزمة بهذا المعنى هي أزمة شرعية، لكن هذه الأخيرة تشكل أزمةً للمجتمع برمته بالنظر إلى أنّ الدولة، وفقًا لتعبير إريك ڤايل في كتابه، الفلسفة السياسية، هي التنظيم الذي يخضع له مجتمع تاريخي («فالمجتمع الذي ينتظم في دولة قادر على اتخاذ القرارات»). وإن المدى الذي تبلغه قدرة

(28) Mauss. (29) Erik Weil, Philosophie politique (Paris: Vrin, 1956), p. 131.

المجتمع الكلي هذه على اتخاذ القرار هو الذي يُطلق أزمة شرعية محتملة. ننتقل هاهنا إذًا من مجال السياسة إلى الأخلاق، ما دام إضفاء الشرعية على السلطة إنما يحيل على التشكيل القيمي الذي يتعرّف

من خلاله المجتمع. لذلك سيتعلق السؤال التالي بصورة أكبر، بما إذا كان من الممكن الاقتراب مباشرة من هذه الأفكار القيمية التي يتمثل من خلالها المجتمع في صورة أيديولوجيا. وليس المعيار الإبستيمي أقل ثراءً لجهة إمكانات التعميم. وهنا يمثل كتاب هوسرل عن الأزمة

Krisis – أزمة العلوم الأوروبية وفينومولوجيا التعالي – أفضل مدخل للمشكلة. يتحدث هوسرل بصورة صريحة، وضمن الأزمات الداخلية في كلّ علم، تلك التي تحدّثنا عنها في مصطلحات كون عن التحول البراديغمي، عن أزمة الأسس التي ليست إبستيمولوجية بل متعالية؛ وذلك بالمعنى الذي يتصل بالتبرير النهائي للمعرفة. إن فكرة الصراع مع الآلهة، حيث يتواجه مذهبَا التعالي

والموضوعية، تتوّج وفقًا لهوسرل الأزمةَ المعاصرةَ الناجمةَ عن عدم القدرة على الاستجابة لمطلب التبرير النهائي، بل حتى طرح السؤال ذاته. في هذا الصدد، فإن كتابًا مثل كتاب ريشارد رورتي، الذي يدين المشروع التأسيسي بأكمله، يفسره هوسرل على أنه أحد أعراض أزمة الأسس وتصديقٌ

على وجودها. وإن لِفكرة أزمة الأسس هذه بلا شك قدرة على التعميم توازي تلك الخاصة بأزمة تكامل التوازن، أو أزمة الهوية، بل حتى أزمة الشرعية. ومع ذلك، فإن لهذا التعميم أيضًا حدودَه: منها المسألة المتصلة بمعرفة كيف تتوافق مسألة التبرير النهائي للمعرفة مع مجموعة الأفكار والقيم التي تعتمل خلف الظاهرة الاجتماعية الكلية. وهنا بالتأكيد، تقع الفلسفة في مركز هذه الظاهرة باعتبارها غربية بامتياز، ومن ثمّ عامل للحداثة في الغرب. على هذا النحو، يمكننا القول إن الفلسفة تشكّل بنية الذاكرة في أوروبا، وأوروبا هنا هي «فكرة» مثلما يراها هوسرل لا منطقة من العالم. ويمكن مع ذلك التساؤل إذا ما نجحت الفلسفة، داخل أوروبا نفسها، في توليد «المجتمع المتعالي» القادر على ممارسة الوظيفة «الأرشيفية» Archontique التي نسبها إليه هوسرل. وهو ما يحيلنا، من ثمّ، على التساؤل أيضًا عمّا إذا أفلتت المركزية الأوروبية الضمنية في كلمات هوسرل من الغطرسة التي

يمارسها مجتمع محدد، وعمّا إذا كانت تسمية الفيلسوف الغربي لنفسه، بوصفه «موظَّف الإنسانية» humanité ’ l de Fonctionnaire، تنطوي على السذاجة التي هي أسوأ من الغطرسة. إن هذه الأسئلة التي لم تعثر لها على أجوبة تجعل التعميم الكامل للنموذج الإبستيمي، الذي رفعه هوسرل إلى مرتبة النموذج المتعالي، متعذرًا. لقد أسلفنا الحديث عن المقاربة الشاملة التي ستسمح بتقديم تعريف عن مفهوم أزمة المجتمع بالاعتماد على النموذج الاقتصادي للأزمة. لقد لوحظ بالفعل أن ظاهرة توحيد السوق وتوسيعها وتحريرها يمكن اعتبارها، وفي آن واحد، سببًا ونتيجة في تغييرات أخرى حدثت، لا سيما على مستوى

(30) Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale , Gérard Granel (trad. & préf.) (Paris: Gallimard, 1976). (31) Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1980). (32) Husserl, pp. 7–24, 347–383.

الذهنيات، وذلك إذا ما اقتصر الأمر على وجهة نظر سببية بسيطة. لكن بمجرد الانتقال إلى وجهة نظر بنيوية، يصير انتماء هذه الظاهرة إلى تشكيلة الأفكار والقيم التي تميز المجتمع الحديث، بوصفه كلً، أشدّ وضوحًا وأكثر تحدُّدًا في الوقت نفسه. ونقصد، بصورة أكثر تحديدًا، التمجيد الذي تحظى به فكرة

السوق؛ فهي تسِم جانبًا مهمًا من تلك التشكيلة، بفضل المكانة التي تحتلها في التسلسل الهرمي لقيم

المجتمعات الحديثة. وينفتح هنا منفذ حاسم يقودنا إلى الظاهرة الاجتماعية الكلية: فالمجتمع بوصفه كلً هو الذي يجري تعريفه، في العصر الحديث، بوساطة استقلالية السوق الممتدة إلى أبعاد العالم؛ وأيديولوجيتُها هي التي تبتغي أن يخضع كل شيء للتسليع الفعلي. توضح الملاحظات السابقة أن المقاربة الكليانية هي في آن واحد شرعية (فلسنا نفهم أبدًا ظاهرة اجتماعية، إلا في علاقتها بغيرها من الظواهر الأخرى، عبر منظور بنيوي أكثر منه سببيًا). وهي غير

مباشرة وغير مكتملة؛ فمعاييرنا «الجهوية» لا تتداخل بصورة كاملة على الرغم من «التعميم» الذي تخضع له الأزمة العضوية للجسد الاجتماعي، أزمة الهوية التي تتمظهر في نمو المجتمعات والجنس البشري بأكمله بلا شيخوخة، أزمة الشرعية المرتبطة بظاهرة الهيمنة، أزمة «التعالي» التي تصيب الأسس، أزمة الاقتصاد، بل أزمة أيديولوجيا الليبرالية الاقتصادية. وهنا تنبثق الحاجة إلى البحث عن نموذج شامل قادر على التنسيق بين هذه الخلاصات غير المكتملة الخاصة ب «التعميم». فننجر حينها للذهاب إلى النقيض المعاكس ومقابلة النهج التحليلي والمتشظي بمقاربة كليانية مباشِرة. ويمكننا العثور على حافز بهذا المعنى في الفلسفات الوجودية التي تتعامل مع فكرة الأزمة، بوصفها بنية دائمة للشرط الإنساني Conditio Humana. على هذا النحو، وفي التراث الذي خلفه ماكس شيلر، ولدى كل من پول لاندسبيرغ وإيمانويل مونييه، يفسح المفهوم النضالي للإنسان الملتزم موقعًا كبيرًا للصراع وللقطيعة وللمخاطرة، ومن ثمّ لفكرة

الأزمة وفق هذا المعنى. وهكذا، يصور لاندسبيرغ الشخص بملامح درامية، ممزقًا بين قوى الحياة التي تجذبه نحو نشوة سوداء والقوى الروحية التي تدفعه نحو نشوة أسمى. فتكون الأزمة في الوسط بينهما، ومنها تتكون شجاعة الوجود في الكون. أما ما يشكل بذرة كل الأوجه الجزئية للأزمة التي أسلفناها، فليس الشخص بقدر ما هو إضفاء السمة الشخصية بوصفها سعيًا لانتزاع التفرد والاختلاف. ثمة أزمة؛

لأن الإنسان ليس له «مكان» طبيعي في الكون، إذا ما أحلنا إلى العنوان الشهير الذي استخدمه ماكس شيلر؛ مكان الإنسان في الكون La situation de l’homme dans le cosmos. وهو لا يعثر على هذا المكان، إلا عن طريق عملية إضفاء للهرمية التي تكشف – بقدر ما تخلق – نظامًا لا يشبه

الكون الطبيعي. لكن هذا النشاط القائم على إضفاء الهرمية لا يحدث من دون وجود حكم تفضيليّ

Préférence de Jugement، أو أزمة تقطع مع الاضطراب الفطري. أودّ أن أقول على غرار لاندسبيرغ ومونييه، إن إدراك الموقف على أنه أزمة هو ألّ أعرف مكاني في الكون، وأيُّ تسلسل هرمي ثابت للقيم

يمكن أن يقود تفضيلاتي، وألّ أميز بوضوح أصدقائي من خصومي. فيصير الالتزام في هذه الحالة

(33) Max Scheler, Die Siellung des Menschen im Kosmos (München: Nymphenburger Verlag, 1947)..Maurice Dupuy, La situation de l’homme dans le monde (Paris: Aubier Montaigne, 1951) وردت الترجمة الفرنسية في:

الوسيلة الوحيدة لتمييز نظام من القيم قادر على استدعائي إليه، أو هرمية الأفضل، وذلك عبر الانضمام إلى قضية تتجاوزني. وهكذا، فإنّ الالتزام هو مصدر لقناعة – وهو مصطلح هيغلي أيضًا – تشكّل بالنسبة إلى الشخص الطريقَ الفعلي للخروج من الأزمة. إنّ الفكرة الحاسمة لبقية بحثنا هي أن بؤرة الأزمة تكمن في البنية الزمنية لعملية إضفاء السمة الشخصية Personnalisation. والالتزام هو ذلك الجهد الموجه نحو تشكيل مستقبل الإنسان: ومن ثمّ تنشأ الأزمة عند مفترق طرق يتصارع فيه الالتزام مع الميل إلى الخمول، والهروب، والتفلّت. هذه العلاقة بين السمة الزمنية Temporalité والأزمة هي التي أبرزها مفكر آخر، غير مؤيد جدًا للفلسفة الوجودية، هو إريك ڤايل، في تحليله مقولة الشخصية. إنّ الشخصية هي تلك اللحظة في نظام المعنى حين «يتشكّل الإنسان، الذي يفسر نفسه بنفسه، كمركز عالمٍ هو عالم حريته؛ إنه القيمة المطلقة، ومصدر كل القيم: إنه الشخصية». وبهذا التعريف، فإن الشخصية تشير إلى تمجيد الصراع الذي يضع الاعتداد بالنفس في تعارضٍ مع قيم الآخرين. ويتحول هذا الصراع حين يصير ذاتيًا إلى أزمة:

«فيحدث التحرر عبر القدرة الخلاقة من داخل الأزمة Crisis التي هي في الوقت نفسه عِلم وحكم. فأنا (المستقبل الحالي) أنظر إلى نفسي (الماضي الحاضر) وأحكم على نفسي». وهاهنا لا بد من القول إن «الشخصية هي دائمًا داخل الأزمة؛ والدوام هو هنا بمعنى في كل لحظة، فهي تخلق نفسها حين تخلق صورتها التي تمثل وجودها المستقبلي». ليس من قبيل المصادفة أن يقتبس إيريك ڤايل هنا عن كتاب فاوست من غوته: «ما ورثتَه عن آبائك احصل عليه وامتلكْه Was du ererbt von

deinen Vätern hast, erwirb es, um es zu besitzen ». بالطبع، لا يتوقف إريك ڤايل عند هذا

الحد ويُخضع هذه الدعوة إلى الإنسان المتمرد «إلى الخطاب الوحيد والمتسق تمامًا بحيث يتوارى فيه بصفته الشخصية»، وذلك بهدف استعادة الحرية الحقيقية للفعل ذي المعنى ومن ثمّ الوصول إلى مقولة «الإنجاز»، التي تحيل في نظر إريك ڤايل على السبيل للخروج من الأزمة، أو الالتزام عبر الانضمام إلى قضية ما بحسب لاندسبيرغ مثلما أسلفنا قبل قليل. وتبقى الحقيقة هي أن رحلة الأزمة، مهما كانت انتقالية، إنما تميز بالضرورة مسارًا إنسانيًا، وأن بؤرة الأزمة تسكن في المواجهة ما بين

المستقبل والماضي داخل عملية إضفاءٍ للسمة الشخصية. على الرغم من أننا استفدنا في تأملنا من هذا المفهوم الوجودي للأزمة، فإننا لن نستطيع الاكتفاء بتعميم مكتمل على هذا النحو، للحد الذي يتحول فيه مفهوم الأزمة مرة أخرى إلى مفهوم يصلح لكل شيء،

(34) Erik Weil, Logique de la philosophie (Paris: Vrin, 1950). (35) Ibid., p. 283. (36) Ibid., p. 294. (37) Ibid., p. 303. (38) Ibid., p. 290. (39) Ibid., p. 319. (40) Ibid., p. 345.

وهو الأمر الذي كنا نحاجّ ضده منذ البداية. فقد وصلنا في نقاشنا إلى النقطة التي وصفها أفلاطون في «فيليبوس Philèbe » بنهجه التهكمي على النحو التالي: سنكتفي بالرد سريعًا ب «الواحدية» على من أقر سريعًا ب «الكثرة». أو نقول بالاعتماد على كانط هذه المرة، إننا استبدلنا مفهومًا «قصيرًا جدًا» بمفهوم «أطول». فقد أغرقنا مفهوم الأزمة في أنثروبولوجيا فلسفية صالحة لكل المناسبات، فجرّدناه بذلك من

كل قيمة تُجليه: لأنه إذا كانت الأزمة في كل مكان، فما من أزمة في أي مكان. باختصار، لقد انتقلنا وببساطة، من التشتت إلى التشويش. ما المسار «المختلط»، وما فكر «القياس» الذي سيعبر بنا المسافة الفاصلة بين مفاهيم الأزمة شديدة التشتيت ومفهوم لا يكون شديد الاختلاف؟ والحال هذه، يحتوي التحليل السابق على إشارة يجب استغلالها عند هذه النقطة، وهي الرابط ما بين الأزمة والزمن (أو إضفاء السمة الزمنية Temporalisation). لأننا إذا ما نقلنا إلى مستوى الوعي التاريخي ما أوردناه سلفًا عن مستوى الشخص، فسنعثر على بنية عالمية ومحددة في آن واحد، قادرة على توفير مفهوم عن الأزمة يحافظ على السمات العالمية اللازمنية (أو العابرة للأزمان) الواردة في التحليل السابق، مع توجيهها نحو التوصيف الدقيق للحداثة. هذا الهيكل هو ما يقترحه كوسليك في عمله الموسوم المستقبل الماضي. وتتعلق المقاربة فيه بدراسة دلالية للمفاهيم التاريخية. يحاول المؤلف تقييم الموضوعات المتعاقبة التي تجسّد داخلها الوعي التاريخي، وذلك في ضوء العلاقات بين قيمتين متعاليتين في الوعي التاريخي، هما أفق التوقع وفضاء الخبرة. وهما متعاليتان بمعنى أنهما توفران الإطار الذي يمكن داخله تقدير الفجوات المتغيرة بينهما. لا شك في أن الفجوة بين هاتين القيمتين لا تلاحظ، إلا عندما يجري التركيز عليها؛ وهذا ما حدث بالفعل في عصر الأنوار بوساطة ثلاث قضايا هي: جِدة العصر (ولنتذكر أن لفظ العصور الجديدة Neuzeit في الألمانية يعني الحداثة على وجه التحديد)، واختزال الآجال التي تفصلنا عن عهد الإنسانية الناضجة، وأخيرًا قابلية التاريخ للخضوع لفعل الإنسان أو جدواه Machbarkeit. فمع

عصر الأنوار، أدرك التباين في هذه الصلة بين أفق التوقع وفضاء الخبرة بصورة حيوية، بحيث كشف عن المقولات التي فُهم من خلالها هذا التباين. إنّ نتيجة طبيعية مهمة لذلك هي أن التاريخ المفهومي، ومن خلال وصف موضوعات الحداثة على أنها تباين في الصلة بين أفق التوقع وفضاء الخبرة، يسهم في جعل هذه الموضوعات نسبية. وبذلك نستطيع اليوم أن نموضعها في فضاء الفكر نفسه الذي ينتمي إليه علم الأخروية السياسية الذي ساد حتى القرن السادس عشر، أو الرؤية السياسية التي تقوم على العلاقة بين الفضيلة والثروة، أو حتى موضوعة «دروس التاريخ». وبهذا المعنى، تمنحنا صياغة مفاهيم أفق التوقع وفضاء الخبرة الوسيلةَ لفهم انحلال موضوعة التقدم في صورة تباينٍ معقول لهذه الصلة نفسها بين أفق التوقع وفضاء الخبرة.

(((4 يقصد به مذهب الواحد والكثرة في الموجودات في فلسفة أفلاطون. فالكثرة (أو التنوع) ترتد للوحدة، والوحدة تتضمن التنوع فيكون كل موجود واحدًا وكثرة في آن. لذلك يكون التعميم هو النظر في الوحدة من خلال التنوع مهما كان مشتتًا؛ إذ بين التنوع ما

يجمع فيبرر الوحدة التي هي غاية كل كثرة. وهذه هي قاعدة كل معرفة عقلية. (المترجم)

(42) Reinhart Koselleck, Vergangene Zukunft: Zur Semantik geschichtlicher Zeiten (Frankfurt: Suhrkamp, 1979).

ما مفهوم الأزمة، العام والمحدَّد الناتج من هذه المقولات العابرة للتاريخ، التي ليست لاتاريخية مثل تلك الخاصة بالفلسفة الوجودية؟ هو كما يلي تمامًا: حين يتقلص فضاء الخبرة بسبب الإنكار العام الذي يلحق أي تقليد أو تراث، ويميل أفق التوقع إلى الانحسار نحو مستقبل أشدّ غموضًا وأقلّ وضوحًا، لا تسكنه إلا اليوتوبيا أو بالأحرى «السرديات الخيالية Uchronies » دونما موقعٍ

فعال على مسار التاريخ، فإن التوتر بين أفق التوقع وفضاء الخبرة يصير تمزقًا وانقطاعًا. وهاهنا يسعدني أن أقول إن لدينا مفهومًا يحتفظ بشيء من المفهوم الوجودي «الطويل جدًا» للأزمة؛ أي بؤرته في الزمن الإنساني، ويجمع في الوقت نفسه شتات التعميم في المفاهيم «الجهوية» للأزمة التي سأعددها مرة أخيرة في الاتجاه المعاكس: أزمة الليبرالية الاقتصادية، وأزمة أسس المعرفة، وأزمة شرعية السلطة، وأزمة هوية المجتمع، وأزمة التوازن والتكامل في الجسد الاجتماعي. وإنما عددتها في الاتجاه المعاكس لأن المعيار الطبي هو في نهاية المطاف ما يعمل كمحدِّد تمييزي في بنية تاريخية تتمتع في واقع الحال بعمومية كبيرة: حيث الأزمة هي باثولوجيا عملية إضفاء الطابع الزمني على التاريخ؛ إنها تعبير عن خلل في الصلة المتوترة في العادة، ما بين أفق التوقع وفضاء الخبرة.

ثالثًا: معايير لمفهوم بشأن أزمة «حديثة»

إنّ الصعوبة الثالثة المذكورة في المقدمة هي الأشدّ استعصاءً على الحل. فإذا ما افترضنا أننا نستطيع

وصف «الحقيقة الاجتماعية الكلية» لمجتمع بعيد عنا في المكان والزمان، فهل يمكننا تطبيق المعيار السابق عن الأزمة الكلية على الوقت الحاضر؟ فإذا لم يكن ثمة بعدُ تاريخٌ يختص بالحاضر، فهل يوجد علم اجتماع للحاضر؟ من الواضح أن المحك هنا هو ما نعنيه بالحداثة؛ إذ هي فكرة لا تُدرك بوصفها حقيقة كلية فحسب، بل بوصفها حقيقة حاضرة أيضًا. هنا، يجب التعامل عمدًا مع الحقيقة الاجتماعية الكلية من وجهة نظر الأفكار القيمية التي تشكل بنية الرابطة الاجتماعية والتسلسل الهرمي لهذه القيم؛ وهذه الهرمية هي التي يمكن بواسطتها لقضية مهيمنة أن تحوز القيم المعاكسة وتبقيها في المشهد الخلفي. لكن هذه الأفكار القيمية لا يمكن القبض عليها، إلا من خلال الأيديولوجيات؛ أي تمثلات الحقيقة الاجتماعية الكلية التي تشكلت إما على يد مجموعات مهيمنة، وإما مجموعات تابعة، وإما في وعي الشخصيات البارزة التي تتمتع برؤية نادرة تجاه القضايا الراهنة. وتتبدى على الفور صعوبة تتمثل في أنّ المجتمع ليس شفافًا حيال نفسه؛ وهذا أيضًا ما يعنيه مصطلح أيديولوجيا. فالأيديولوجيا تعمل «سرًا» أو، لنقل، «دون معرفة»

الأفراد في المجتمع المعني. لذلك، إذا كان المجتمع لا يتعرف إلى نفسه فلا يمكن مواجهة الصعوبة جزئيًا إلا بطريقَين؛ إما عن طريق تفسير الحاضر على أنه الحد الحالي لتطورٍ قديم: فنقرأ الحاضر

حينها بالتراجع إلى الخلف؛ وإما عن طريق تفسيره مقارنةً بذلك الخاص بالمجتمعات الأخرى؛ فنقرأ الحاضر حينها بتحفظ: كان هذا بالفعل منهج مونتسكيو في الرسائل الفارسية Lettres Persanes،

ومنهج الأنثروبولوجيا المقارنة في أيامنا. ويجمع بين المنهجين مفكر مثل لويس دومون في كتابه مقالات في الفردانية. ومع ذلك، يجب القول إن النتائج مخيبة للآمال للغاية: فحتى في ظل الشرط المزدوج من التراجع إلى الخلف والتحفظ، يمكن أن يشك المرء في أن مفتاحًا تأويليًا واحدًا سيكون كافيًا لتفسير الحاضر. وإنّ

الوضع الحالي للجدل القائم لَيؤكد ذلك. في الواقع، ثمة تفسيرات عديدة للحداثة في تنافس بينها نعددها هنا في عجالة: 1) الفردانية، بحسب لويس دومون، هي ما يميز المجتمع الحديث من المجتمع التقليدي، الذي يعتبره في آن واحد، المجتمع البعيد، كمجتمع الكاست الهندي على سبيل المثال، والمجتمع القديم؛ ذاك الذي قوضته المسيحية من الداخل. وهو يقصد بالفردانية الأيديولوجيا التي تجعل من الفرد القيمة الأسمى التي تفوق قيمة المجموعة، والطبقة، والشعب، باختصار، أسمى من الكيان الاجتماعي الكلّي. وليست الليبراليةُ الاقتصادية سوى أحد أشكال هذه الفردانية. لكن عالمنا المختص في الأنثروبولوجيا يوازن تقييمه هذا، بالإشارة إلى أن الأيديولوجيا المهيمنة تتضمن نقيضها، أي قيم المجتمع التقليدي، وذلك مثلما يتضح من هزيمة الليبرالية الاقتصادية الصريحة التي يرى كارل پولانيي أنها دُفنت على يد هتلر، وكما تشهد على ذلك أيضًا التنويعات المتعددة من الاقتصاد المختلط الناتجة من أزمة عام 1929. وقد سمّى دومون هذه الأيديولوجيات المختلطة ما بعد حداثية. ثم نصل إلى النتيجة الغريبة التي مفادها أن المجتمع الحديث، الناتج من أزمة المجتمع التقليدي، صار بدوره محلً للأزمة؛ الشيء الذي يفسر اللجوء إلى فكرة ما بعد الحداثة. نتساءل إذّاك عما إذا لم تكن الأزمة الحقيقية تكمن في تأرجح مجتمعنا ما بين المجتمع التقليدي (المتنحِّي) والمجتمع الحديث (المهيمن) والمجتمع ما بعد الحداثي (في حالته المستقبلية أو الجنينية). 2) توصلت مدرسة فرانكفورت إلى رأي مماثل زمن أدورنو وهوركهايمر. فإذا ما عرّفنا الحداثة بواسطة

عصر الأنوار Aufklärung، فإن الأزمة ناتجة من وعود لم يحققها هذا العصر. فهي أزمة الحداثة نفسها بقدر ما هي أزمة تولّدت عن الحداثة: فهي تقوم أساسًا على الحقيقة التي ترى أن العقلانية الحديثة قد استنفدت إمكاناتها للتحرر حين صارت عقلانية ذرائعية. وكل ما تبقّى هو نظرية نقدية نتج منها ديالكتيك سلبيّ يجسده الرفض الكثيف للتأثيرات الضارة للعقلانية. وهنا أيضًا، يجري التساؤل عمَّا

بعد الحداثة التي هي أزمة الحداثة ذاتها. 3) ثمة تقييم أكثر راديكالية للاتجاه السائد في عصرنا، نجده عند نيتشه وتوصيفه للحداثة بالعدمية. والعدمية هي فقدان القيم، و«نزع القيمة» عن القيم السامية التي هي، وبصورة أساسية، القيم المرتبطة بالمسيحية التي يفسرها بوصفها أفلاطونية خاصة بالشعب. تستند هذه الإدانة أولً وقبل كل شيء

(43) Louis Dumont, Essais sur l’individualisme: Une perspective anthropologique sur l’idéologie modern (Paris: Éditions du Seuil, 1983). (44) Ibid.

إلى نقده العقلاني للتقاليد – في كتابَي Aurore (أورورا) و Le Gai savoir (العلم المرح) على سبيل المثال – ثم نراه يرمي العقلانية ذاتها باتهام عنيف؛ فتُردُّ أبرز فروع العقلانية، كالديمقراطية والاشتراكية، وكغيرها من ميراث مسيحي، إلى كل التعبيرات الأخرى عن أخلاق «الضعفاء». ويترتب على ذلك أن نيتشه يظهر مفكرًا مناهضًا للحداثة، بحيث يضعها في السلة نفسها رفقة خصمها القديم وهو

المسيحية. وهكذا تظهر النزعة الإنسانوية المعادية للدين مسكّنًا عاجزًا أمام الاقتلاع الناتج من تراجع التدين المسيحي؛ ذلك لأنها استمدت قوتها، وعن غير قصد، من عمق القيم التي حاربتْها. ووفق هذه

الطريقة، ينبغي أن نفهم لِم نربط، في حركة ما بعد نيتشه، موت الإنسان بموت الإله. وما دامت النزعة الإنسانوية اللاأدرية أو الملحدة قد اعتُبرت فرعًا من الجذع المسيحي الأفلاطوني التقليدي، فلا يمكنها إلا أنْ تتلاشى إذا ما انقطعت عن جذورها. وحالما يقع الربط بين الحداثة وهذه النزعة الإنسانوية المحتضرة، فإن الأزمة «الحديثة» لن تكون إلا أزمة الحداثة نفسها. وذلك هو ما وعاه ماكس فيبر في لحظات تجليه النيتشوية: فانتصار العقلانية الذي يدافع عنه بدوره ثمنُه هو نزع القداسة عن العالم، الذي ربما تعذّر تحمُّل تبعاته. ذلك أن النتيجة الطبيعية لنزع القداسة هذه هي الكشف عن الطابع

المتناقض للقيم. فيكون الإنسان المعاصر، سواء أكان ينتمي إلى الحداثة أو ما بعد الحداثة، معايشًا لتراجع الآلهة وتمزق القيم في الوقت عينه. لكن الحقيقة هي أن الإنسان لا يقوى على احتمال هذا الجرح المزدوج. وإن الأزمة لَهي هذه المعاناة ذاتها. 4) يلخص إعلان هايدغر نهايةَ الميتافيزيقا، وبطريقة لافتة، النماذجَ الثلاثة الفاشلة للحداثة التي

استعرضناها من فورنا: بإحلاله الذات Sujet محلّ الذاتية Subjectum، دشّن الكوجيتو الديكارتي باعتباره الأساس الضمنيّ النسيانَ الحديثَ للوجود être ’ L. فتحولت النزعة الإنسانوية من فاعل في

الأزمة، إلى محلّ للأزمة، ثمّ أخيرًا إلى ضحية للأزمة بفِعل التحلل الداخلي. بالنسبة إلى التقنية – وهو

اسم آخر للعقل الأداتي – فهي فقط الشكل الحديث لميتافيزيقا الذات، ذلك أن التأكيد على الذات يقابله إفقار الطبيعة التي تُختزل إلى موضوع مُعادٍ يجب السيطرةُ عليه واستغلالُه. أما بالنسبة إلى إرادة القوة التي اعتقد نيتشه أنه يستطيع وضعها في مقابل إرادة الحقيقة، فهي لا تزال تنتمي إلى دورة ميتافيزيقا الذات، وتتويجٌ للنسيان الحديث للوجود. وهنا أيضًا، يعني فهم الحداثة إدراكها على أنها

نهاية حقبة لم يعُد جزءٌ من ذواتنا ينتمي إليها. وحدَه اتحاد الفكر الشعري والشعر المفكر قد يُجلي

الطريق في اتجاه بعد حداثةٍ لا نلمح لا معالمها الأخلاقية ولا مكانتها السياسية، فضلً عن تحققها الاجتماعي على مستوى المجتمع برمته. ما يبدو لي مشتركًا بين هذه التفسيرات المختلفة للأزمة المعاصرة هو فكرة تراكب أزمتين: أزمة المجتمع التقليدي بِفعل ضغط المجتمع الحديث، وأزمة المجتمع الحديث نفسه الذي يبدو كأنه نسل مجهَض عن المجتمع التقليدي. بعد قولي هذا، فإن شكوكي الأولية بشأن إمكانية إجراء تقييم شامل للعصر الحالي تُستعاد بحجج جديدة كما يلي:

(((4 لنقل إن الشعر يتعلق بالمتخيل وبالحواس بحيث يمكن معايشته وجدانيًا، وسنرى أن الشعري والأسطوري استُبعدا من كونهما

مصدرين للحقيقة بسبب لغتهما الرمزية واستنادهما إلى المجاز وإلى الاستعارة. (المترجم)

1) يبدو أن عصرنا لا يمكنه أن يتعرّف بأيديولوجيا واحدة: فالتعريفات المتنافسة للحداثة وأكثر من

ذلك، الخلافُ بين الحداثة وما بعد الحداثة هو دليل على الالتباس المميز للزمن الحاضر، وربما في كل عصر بالنسبة إلى من يعيشونه. علاوة على ذلك، وبِحكم التفاعل القائم في العلوم الإنسانية بين الراصد والمجتمع المرصود، فإن التأكيد الدوغمائي على أن نزع القداسة عن العالم هو حقيقة عصرنا لا يمكن اعتباره ملاحظة «موضوعية Wertfrei ». وهو في الوقت نفسه يشهد على تراجع القناعة في من يقدم التشخيص، ومن ثمّ يسهم بتشخيصه في حدوث ما يصفه. بالنتيجة، فإن أفضل ما يميز أزمة عصرنا هو من جهة أولى، ومثلما أسلفنا، غيابُ الإجماع بين التقليد والحداثة وما بعد الحداثة داخل مجتمع يعاني الانقسام؛ وهو من جهة أخرى، وبصورة أكثر جدية، التراجعُ العامُّ للقناعات والقدرة على الالتزام الذي يستتبعه هذا التراجع أو هو، بالقدر نفسه، التراجعُ العام للمقدس سواء اعتبرناه مقدسًا عموديًا (الديني بمعناه الواسع) أو مقدسًا أفقيًا (السياسي بمعناه الواسع). 2) في ما يتعلق بما إذا كانت الأزمة وأول مرة، بلا نهاية، أو نهائية، أو بلا مخرج، وذلك على خلاف أزمات الماضي التي كانت انتقالية على النحو الذي تقترحه جميع نماذجها «الجهوية» التي تطرقنا إليها – فلا أحد يستطيع الجزم بذلك بسبب فجوة الزمن والمسافة في المكان. ولن يسعنا في هذا المقام غير الرهان والتحلي بالأمل. فأما رهاني وأملي الخاص فهو أنه على الرغم من غياب الإجماع والقناعة القوية في مجتمعنا التعددي، فإن فرصةً غير مسبوقة تلوح لتجديد إرث الماضي؛ هي فرصة مزدوجة للعودة إلى الأصول وإعادة التفسير. أما في ما يتعلق بالمسيحية بصورة أكثر تحديدًا، فقد يكون موت التدين المسيحي بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية مهيمِنة مناسَبة أمام مجتمع المتدينين على أقليتهم العددية، لاستغلال كثافتهم الإيمانية في استرداد ما خسروه في اتساعهم العددي. وإنما يعتمد حصول ذلك على أعضاء هذا المجتمع ذاته.

References

المراجع

Dumont, Louis. Essais sur l’individualisme: Une perspective anthropologique sur l’idéologie modern. Paris: Éditions du Seuil, 1983. Dupuy, Maurice. La situation de l’homme dans le monde. Paris: Aubier Montaigne,

Encyclopaedia Universalis. vol. 5. Paris: Encyclopædia Britannica, 1968. Erikson, Erik. H. Adolescence et crise: La quête de l’identité. Joseph Nass & Claude Louis–Combet (trad.). Champs essais, 60. Paris: Flammarion, 1972. Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. Principes de la philosophie du droit. André Kaan (trad.). Jean Hyppolite (préf.). Paris: Gallimard, 1973. Husserl, Edmund. La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale. Gérard Granel (trad. & préf.). Paris: Gallimard, 1976. Kant, Emmanuel. Idée d’une histoire universelle au point de vue cosmopolitique (l784).

________. La philosophie de l’histoire (opuscules). Stephane Piobetta (ed. & trad.). Médiations 33. Paris: Aubier Montaigne; Denoël–Gonthier, 1947. Koselleck, Reinhart. Kritik und Krise: Eine Studie zur Pathogenese der bürgerlichenWelt. Frankfurt: Suhrkamp, 1973. ________. Le règne de la critique. Paris: Les Éditions de Minuit, 1979. ________. Vergangene Zukunft: Zur Semantik geschichtlicher Zeiten. Frankfurt: Suhrkamp, 1979. Kuhn, Thomas S. La structure des révolutions scientifiques. Laure Meyer (trad.). Collection: Champs, 115. Paris: Flammarion, 1983. Labrousse, Ernest. La crise de l’économie française à la fin de l’ancien régime et au début: de la Révolution. Paris: PUF, 1943. Mauss, Marcel. Sociologie et anthropologie. 9 ème ed. Paris: PUE, 1985. Polanyi, Karl. La grande transformation: Aux origines économiques de notre temps. Catherine Malamoud & Maurice Angeno (trad.). Louis Dumont (préf.). Paris: Gallimard, 1983. Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1980. Scheler, Max. Die Siellung des Menschen im Kosmos. München: Nymphenburger Verlag, 1947. Weil, Erik. Logique de la philosophie. Paris: Vrin, 1950. ______. Philosophie politique. Paris: Vrin, 1956.