Return to Article Details Changing Paths: Lessons from the Coronavirus

فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا

Changing Paths Lessons from the Coronavirus

عبد الكريم عنيات| Abdelkrim Anayat *

الملخّص

عنوان الكتاب : فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا. عنوان الكتاب في لغته: Changeons de voie: Les leçons du coronavirus. المؤلفان: إدغار موران وصباح أبو السلام. الناشر: دنويل Denoël. مكان النشر: باريس. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 96 صفحة.

Abstract

Book title: Changing Paths: Lessons from the Coronavirus . Book title in original language of publication: Changeons de voie : Les leçons du coronavirus . Authors: Edgar Morin & Sabah Abouessalam. Publisher : Paris : Denoël. Date of Publication: 2020. Pages: 96.

الكلمات المفتاحية:
  • الجائحة
  • فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)
  • سياسة الحضارة
  • المعرفة المركبة
  • النموذج الغربي الكبير
Keywords:
  • Pandemic
  • Covid-19
  • Civilisational Politics
  • Complex Knowledge
  • Great Western Model\ Paradigm

عنوان الكتاب: فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا.

المؤلفان: إدغار موران وصباح أبو السلام. الناشر: دنويل Denoël. مكان النشر باريس. سنة النشر: عدد الصفحات: 96 صفحة.

مقدمة

ليس من شيم إدغار موران إلغاء التحليلات الفلسفية والعلمية والسوسيولوجية بخصوص المسائل المطروحة للبحث، بقدر ما كان دائم التنبيه إلى خطورة التحليل التخصصي الفاصل والمتخندق؛ فالطبيعة المعقدة للواقع تفرض على المفكر النظر إلى المسائل من المنظور الأكثر شمولية، من خلال استثمار فضيلة الفكر العابر للتخصصات. وبهذه الطريقة التركيبية، يمكن فهم جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، من خلال الكشف عن أسبابها البعيدة المرتبطة بالنموذج الغربي الكبير، الذي تأسس في القرن السابع عشر، أي في فجر الحداثة ذاتها. وبالفعل، قدّم معظم الفلاسفة وعلماء الاجتماع تفسيراتهم لهذه الجائحة التي ألمّت بكل العالم، وأثّرت في المجريات اليومية لكل البشر من دون استثناء. فقد رأى جورجيو أغامبين Giorgio Agamben أنّ هناك خلفيات سياسية وراء انتشار الوباء، تتمثل في تثبيت سلطة الدولة في التحكم. في حين اعتقد سلافوي جيجك Slavoj Žižek أنّ الدول ذاتها قد ارتبكت في التعامل مع الوضع الصحي والاقتصادي والاجتماعي بعد انتشار الفيروس؛ ما أضعف فرضية الاستغلال السلطوي. وابتعد آلان باديو Badiou Alain عن التهويل، بقراءته للمشهد قراءةً موسعة؛ فالتاريخ البشري عرف عشرات الأوبئة الفتاكة، وهذا ما انتهت إليه مراجعتنا لكتاب موران. أما المفكرة جوديث بتلر Butler Judith، فركزت على التأثيرات الاجتماعية والمادية السلبية في الطبقات الهشة. واستخلص الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Habermas Jürgen درسًا يؤكد ضعف الإنسان أمام الكون؛ ما يتطلب منه مراجعة يقينياته وطموحاته التي كانت، وما زالت، تستهدف السيطرة على الطبيعة. في هذا السياق الفكري، يأتي كتاب إدغار موران Morin Edgar 1921(–) وزوجته صباح أبو السلام Abouessalam Sabah 1959(–)، فلنُغير السبيل: دروس فيروس كورونا، من أجل التغطية التركيبية لهذه الظاهرة الصحية التي توسّعت لتؤثر في كل المجالات الأخرى. وقد جاء كتابهما في ديباجةٍ تستعرض تاريخ التقلبات الصحية والأزمات الاقتصادية والفكرية، بما في ذلك ما أثر في مسار حياة موران الشخصية. ثم تلتها مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. خُصص الفصل الأول لعرض خمسة عشر درسًا مستخلصًا من جائحة فيروس كورونا. ويتناول الفصل الثاني تحديات ما بعد الجائحة. أما الفصل الثالث، فيقترح كيفية ما يدعو إليه ب «تغيير السبيل». يمكن الحديث اليوم، بعد مرور أكثر من عام على انتشار فيروس كورونا، عن أدبيات غزيرة وتحليلات مختلفة، لأسباب ظهور الفيروس ونتائجه المرتقبة على المدى القصير والطويل، وأثره المؤكد في الاقتصاد العالمي، وفي الحصيلة في المجالات الأخرى التي لا تنفصل بأيّ حال عنه. وما يهمّنا هو ما كتبه الفلاسفة وعلماء الاجتماع عن هذه الوضعية العالمية التي أصبحت تجسّد عولمة الأزمات والشرور. ورغم وجود العديد من المساهمات حول أزمة فيروس كورونا، فإنّ كتاب موران وأبو السلام يتميز من باقي التحليلات، في كونه ينظر إلى هذه الظاهرة من

منظور كلّي ومركّب، وهو استجابة طبيعية لمجمل نظرية المعرفة كما صاغها في موسوعته المنهج، وهي في تقديرنا أكثر نظرية معرفة ثراءً وثوريةً بعد نظرية المعرفة الديكارتية في القرن السابع عشر. إنّ نظرية المعرفة عند موران ليست مستقلة عن علم الاجتماع والبيولوجيا والعلوم الأخرى التي ظهرت بعد الثورات العلمية المتتالية، وفي هذه النقطة يتفوق على أيّ نظرية معرفة فلسفية خالصة. يحاول هذا الكتاب الإجابة عن سؤالين رئيسين: ماذا يمكن أن تقدّمه جائحة كورونا للوعي الإيكولوجي الإنساني؟ وهل يُمكن أن يستمرّ الإنسان في النهج الحداثي نفسه الذي تراكم طوال الأربعة قرون الماضية؟ إنّ طرحًا بهذه الأهمية يضع السبيل الحداثي، الذي هو طريق الغرب، بالخصوص موضع مراجعة جذرية. ولو أنّنا نعتقد مثل موران أنّ التغيّر الجذري متعذّر، بل هو، في الحقيقة، ضرب من اليوتوبيا المثالية التي لا يمكنها أن تغيّر شيئًا نحو الأفضل.

أولا: تاريخية الأزمة الصحية وأسئلتها

إن توسيع مجال المنظور التاريخي يجعلنا نغيّر العديد من الأحكام المتعلّقة بما طرأ على الوجود البشري؛ فالكثير من التعليقات التي تفتقر إلى العمق تَعتبر انتشار فيروس كورونا حادثةً غير مسبوقة، بل هناك من أوّلها تأويلً مروّعًا يدلّ على قرب نهاية الإنسان! في حين أنّ التاريخ، القديم والحديث، يخبرنا بتكرار الأوبئة بصورةٍ دورية، وبناء عليه، فما جائحة فيروس كورونا إلا حلقة في سلسلة تعودُ إلى الماضي، وستتواصل مستقبلً. وبالنسبة إلى مُعمّرٍ مثل موران، فقد استذكر وضعيته العائلية التي كانت ضحية الإنفلونزا الإسبانية في عشرينيات القرن الماضي (ص. 5). وها هو اليوم، بعد قرابة قرن يقعُ ضحيةً لفيروس كورونا المنحدر من سلالة هذه الإنفلونزا. يرى موران أنّ وضعيّتنا الحالية تُعدُ امتدادًا ظاهرًا للمشكلة الإيكولوجية التي ظهرت بصورة واضحة بعد تقرير «ميادوز» Meadows، الذي حرّره عام 1972، وأثبت فيه التراجع الرهيب والمتسارع للوسط الطبيعي، سواءً في وضعية الأنهار أو المحيطات أو كوكب الأرض برمّته. وقد أصبح الوعي الإيكولوجي حقيقةً لا يمكن التفكير والتشريع بمعزلٍ عنها، كونه «من أجل الحفاظ على الوسط الطبيعي والبشري، علينا تحويل تفكيرنا وأخلاقنا وحضارتنا»(ص. 12). لكن، بعد مرور قرابة نصف قرن على نشره، ورغم المؤتمرات الدولية والاستغاثات الإيكولوجية التي أطلقها المتخصّصون، لم يتغيّر الشيء الكثير. ولعلّ التقنية لا تسعفنا هنا؛ لأنّها وليدة منظور متخصص (المنظور الحداثي والديني معًا)، الذي يقوم على الفصل بين الثقافة والطبيعة، والتمييز النوعي بين الإنسان والحيوان. ولن يَعتَبرَ الإنسان إلا حينما يتيقّن أنّه أمام الهاوية abime ’ L التي تضع وجوده على المحكّ (ص. 13). كشفت أزمة جائحة كورونا عن تعقّد الوجود الإنساني، وارتباط مجالات نشاطاته. فبعدما كنّا نعتقد أنّ المنظور العلمي والحداثي هو الذي يُخرج الإنسان من بربريته القديمة، اتّضح أنّه أوصلنا إلى بربرية جديدة. وفي هذا السياق، يأتي فيروس كورونا نتيجة لأزمة عميقة في النموذج الغربي الذي تمّت عولمته بكلّ الطرائق ليشمل العالم غير الغربي (ص. 15). وبعدما كاد العلم أن يتحكّم في كلّ شيء، حتّى في الأمراض

المستقبلية المحتملة، كشفَ فيروس كورونا أن الذكاء البشري أقلّ قدرةً ممّا يُعتقد، وأنّ هامش اللامتوقع ما زال موجودًا، بل أكثر سطوةً ممّا كنّا نحسبه، كما أنه كلّما ازدادت سيطرة الإنسان على الكون، ازداد مجال اللامتوقع اتساعًا، فنحن من يخلق حيّزًا غير قابل للتنبؤ؛ «يتكشّف لنا اليوم أنّ المستقبل غير قابل للتنبؤ، نتمنّى أن يكون هذا عاملً لتجديد السياسة وحماية الكوكب، ومن أجل أنسنة المجتمع: إنّه وقت تغيير السبيل»، ولئن كان لدرس «كورونا» عنوان فهو هذا على وجه التحديد: حتمية تغير السبيل من أجل الحفاظ على كينونة الحياة على الأرض (ص. 16)

ثانيًا: الدروس الخمسة عشر لفيروس كورونا

استخلص موران خمسة عشر درسًا من انتشار فيروس كورونا في العالم، هي على نحوٍ مختصر: 1. درس عن وجودنا أو كيفية العيش: إنّ تجربة الحجر المنزلي التي فُرضت على الجميع تقريبًا، جعلتنا ننفتح على وضعية الذين يعانون العوز والفقر، ولم يكن لهم الحظّ في الرفاهية التي قدّمتها لنا الرأسمالية الليبرالية (ص. 17) 2. درس عن الوضع البشري: قبل عام 1970، أي قبل تقرير «ميادوز» حول تراجع الدائرة الحيوية الأرضية، كان الإنسان يعتقد أنّه سيطر على الطبيعة سيطرة كلية. وفي ثمانينيات القرن العشرين حينما ظهر الإيدز، كان العلم يعتقد أنّه قضى على الفيروسات والبكتيريا. وقبل عام 2008، كان الاقتصاديون الرسميون يعتقدون أنّه تم تجاوز كلّ الأزمات الممكنة. وقبل عام 2020، اعتبرت الإنسانية أنّ الجوائح الكبرى مجرّد ذكرى من العصور الوسطى (ص 19–18). لقد جرى نسيان هشاشتنا، لكن الأسطورة الغربية للإنسان المُقدّر له أن يكون «مالكًا ومسيطرًا على الطبيعة» قد تحطّمت أمام فيروس غير مرئي. ومثلما نحن فاعلون، إلا أننا، في الوقت ذاته، مفعولٌ بنا من جانب موجودات ميكروسكوبية. فالإنسان، بحسب بليز باسكال Pascal Blaise، «كبيرٌ عندما يُقارن بالعدم، وعدمٌ عندما يقارن باللانهائي» (ص. 36) 3. درس عن عدم يقين حياتنا: تعيش الإنسانية اللايقين بخصوص كيفية مواجهة المرض، وكيفية القضاء عليه، والعجز في الكشف عن تبعاته السياسية والاقتصادية والوطنية والعالمية؛ فاللايقين يرافق المغامرة الكبرى للإنسانية (ص. 19) 4. درس عن علاقتنا بالموت: بعد أكثر من نصف قرن من نموّ معدل الحياة في الغرب، أصبح الموت غير ظاهر وكأنّه هامش للحياة. إلا أنّ فيروس كورونا كشفَ فجأةً مركزيته، وأصبحت ترسانة الطب عاجزة أمامه. إضافةً إلى أنّ الحجر المنزلي منع الجنائز، فأصبحنا نرحل بلا مراسيم (ص. 20) 5. درس عن حضارتنا: في حين جعلت حضارتنا الإنسان يوجّه نظره إلى الخارج (المواصلات، والعمل، ومختلف الإغراءات، والمطاعم، والأسفار... إلخ)، أعادنا الحجر المنزلي فجأةً إلى صفحاتنا الداخلية، لندرك مدى التسمّم الاستهلاكي الذي فرضته علينا حضارتنا (ص. 21) 6. درس ينبّه لمسألة التضامن: قلّصت حضارتنا التضامن بسبب النزعة الفردية والأنانية المفرطة، حيث حُصِر هذا التضامن في أنفسنا، إلى أن جاء اليوم الذي نعيش فيه وضعًا مشتركًا. والحقّ أنّ هذه الأزمة الصحية أعادت التضامن البشري إلى السطح (ص. 22)

7. درس عن التفاوت الاجتماعي في الحجر المنزلي: أبرزت الجائحة اللامساواة الاجتماعية، حيث لا يمتلكُ الجميع إقامات ثانوية في الأرياف للهروب من المدينة. كما ظهرت الوضعيات المحزنة لبعض الذين يعيشون وحدهم مثل الأرامل والمسنّات المهملات والشيوخ والشباب الفقراء. كما أظهرت الجائحة معاناة من واجهوا المرض من ممرضين وأطباء محدودي الدخل (ص. 23) 8. درس عن تنوّع الوضعيات وإدارة الجائحة في العالم: ثمّة بلدان لم تتضرّر من الجائحة بسبب انخفاض كثافة السكان، لكنّ هناك بلدانًا عاشت تراجيديا حقيقية مثل البرازيل وبيرو والأرجنتين والولايات المتحدة الأميركية، في حين أنّ هناك بلدانًا سيّرت الأزمة الصحية على أحسن وجه، مثل المغرب (ص. 25)–24 9. درس عن طبيعة الأزمة: تتمظهر الأزمة وما تنطوي عليه من اضطراب ولايقين في إفلاس انتظام نسق ما، الذي، لكي يتحكّم في استقراره، يقمع الانحرافات (مظهر سلبي). وفي أثناء الأزمة، تنتشر هذه الانحرافات أكثر، كونها لم تعد مقموعةً (مظهر إيجابي)، وتتحول إلى نزعاتٍ نشطة، إذا تطوّرت تهدد سير النظام. وفي الأنظمة الحيوية، خاصة الاجتماعية، تؤدّي التطورات المنتصرة للانحرافات إلى التحول التقدّمي أو التراجعي، وربّما إلى ثورة (ص. 25). لذا، فالأزمة تحرّك أكثر من احتمال، والأكيد أنّ نوع الاستجابة هو الذي يحدّد قيمة الأزمة تحديدًا، فهناك أزمات مثمرة، لكن الاستجابة الفاشلة لها تؤدّي إلى كارثة حقيقية. 10. درس عن العلم والطب: تمّ استدعاء العلم من جانب السلطة من أجل مواجهة الجائحة (ص. 25). ونحن نعلم أنّ هناك تواطؤًا خفيًّا بين السلطة العلمية والسلطة الاقتصادية الممثلة في شركات الصناعات الصيدلانية، وهذا ما كشفه كبير الأطباء ديدييه راوول Raoult Didier (ص. 26). 11. أزمة الذكاء: وتتمثل في الثقب الأسود الكبير في تفكيرنا الذي يجعلنا لا نرى تعقّد الواقع، وهو الثقب الذي يكشف ضعف طريقة معرفتنا التي نشأنا عليها من فصل المسائل الموصولة واختزال المتعدّد (ص. 28). مع العلم أنّ الاختزال الحسابي عاجز عن رصد المشاعر. ثمّ إنّ إيكولوجيا الفعل تجعل التنبؤ بنتائج أيّ تصميم متعذّرًا بسبب تغيّر الظروف. 12. درس عن أوجه القصور في الفكر والفعل السياسي: من المؤسف أنّ الفكر الفاصل والاختزالي هو الذي يسيطر في السياسة والاقتصاد، وهذا التقصير هو الذي يؤدّي إلى الأخطاء في التشخيص والتنبؤ (ص. 30). 13. درس عن العالمية والتبعية الوطنية: كشفت الأزمة الصحية تبعية فرنسا للصين، وتبعية الكثير من بلدان العالم الثالث، وحتّى المتقدمة، لاقتصادات الدول الكبرى (ص. 33). ولعلّ توزيع اللقاح اليوم، بعد سنة من تفشي الفيروس، يُثبت مرّةً أخرى سيطرة مختبرات معدودة على أصابع اليد الواحدة على مجمل البحث الصيدلاني العالمي. 14. درس عن أزمة أوروبا: تشظّت الوحدة الأوروبية بسبب أزمة جائحة كورونا إلى وحدات قومية، باستثناء وجود بعض المساعدات الخجولة التي تدخل في إطار الدبلوماسية أكثر ممّا تدخل في مجال الإنسانية الحقّة. وقد ظهرت فرنسا وألمانيا أقل تضامنًا مع إيطاليا وإسبانيا (ص. 34)

15. درس عن أزمة الكوكب: خلقت الجائحة الصحية أزمةً عاصفة للعولمة، فكشفت أنّها ليست ناقلة للخيرات فحسب، بل للأمراض والجرائم أيضًا، وأكثر من ذلك هي تحت رحمة مؤسّسات الضغط وسطوة رأس المال الذي لا يعترف بقيمة الإنسان بقدر ما يعترف بإنسان القيمة المادية. فقد «أكّد العلماء أنّ وضعية الكوكب المتدهورة قد ساهمت في ظهور فيروس إيبولا وفيروس كوفيد 19–»، إضافةً إلى وجود علاقة بين ظهور فيروس كورونا ونظامنا الغذائي والزراعة الصناعية المكثّفة (ص. 35)

ثالثًا: تحدّيات ما بعد كورونا

أظهرت معظم التحليلات، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، الآثار الكارثية لفيروس كورونا في الإنسانية من دون استثناء، ما عدا بعض القطاعات التي استثمرت في الوباء، ووسّعت مجال نشاطها. لكن ألا يمكن استنتاج بعض الجوانب الإيجابية من هذه الكارثة الصحية؟ إنّ نظرية الأخلاق المركّبة، التي خصّص لها موران الجزء السادس من موسوعة المنهج، تؤكّد أنّ هناك خيرًا في الشرّ، وشرًّا في الخير، وهذا ما يجعلنا قادرين على استخلاص بعض معالم المواقف الإيجابية من الجائحة العالمية. فإذا كان الحجر المنزلي حبسًا حقيقيًا، فإنّه تحرّر داخلي أيضًا؛ إذ انفصل أغلب الناس عن التفكير في أعمالهم، ومهماتهم الاقتصادية والوظيفية، لصالح التفكير في أنفسهم وعائلاتهم أكثر من أيّ وقت مضى (ص. 38). إضافة إلى ذلك، يُمكن التأكّد أيضًا من تعافي الطبيعة بعد الحجر المنزلي، إذ إنّ توقّف الطائرات والسيارات، ونسبة كبيرة من المصانع، قد قلّص التلوث إلى درجات قياسية لم يعرفها الكوكب منذ عشريّات طويلة؛ ما سمح بنموّ الطبيعة في جوّ صحي وهادئ كما كان يحدث قبل الثورة الصناعية (ص. 43). ورغم كلّ هذه الجوانب المشرقة التي كشفتها الجائحة الصحية، يبقى التخوّف من ديمومة التضامن واستمرار تعافي الطبيعة مطروحًا (ص. 39)؛ فقد كان العالم ينتظر اللقاح من أجل استعادة صحّته ونشاطه، ما يعني انهيار كلّ ما حقّقته الجائحة من علامات إيجابية وصحية، وستعود الطبيعة منكوبةً كما كانت، وسيهتم الأفراد بمصالحهم، ويوجّهون كلّ طاقاتهم إلى وظائفهم، ما يعني أيضًا أنّ أزمة النيوليبرالية مؤقّتة، ولا يمكن الحديث عن انهيار نظام الرأسمالية. ثم إنّ تراجع الاقتصاد، والذي أدّى إلى تعافي الطبيعة، قد ولّد أزمات اجتماعية أخرى لا يمكن للتضامن أن يتجاوزها مثل الفقر والديون وسوء التغذية. إنّ جائحة كورونا تحمل الخير والشرّ معًا؛ ما يثبت فرضية المانوية Manichaeism التي تؤكد تعالق الخير والشرّ في نسقٍ نديّ واحد (ص. 46)–45

رابعًا: تغيير السبيل

لا يمكن بأيّ حال الحديث عن ثورة في ظلّ أزمة كورونا، ويُفضّل موران استعمال كلمة التحوّل Métamorphose لأنّها أكثر دلالة على الحركة الطبيعية؛ فالتغير الجذري الذي يمثّل مفهوم الثورة يؤدي إلى نتائج معاكسة لمنطلقاتها. لذا، فإنّ عبارة «الطريق الجديد» أفضل من عبارة «الثورة السوفياتية، والثورة الماوية (في الصين) التي أنتجت وضعيات مضادة لأهدافها، ولأنّ إخفاقها النهائي أدّى إلى ظهور ما أرادت التخلص منه

وهما الرأسمالية والدين» (ص. 49). وعليه، فإن التفكير في تغيير السبيل أفضل بكثير من الحديث عن ثورة أو انقلاب في المنظور. ويدعو هذا السبيل الجديد إلى مجموعة سياسات: 1. السياسة الوطنية: التخطيط لسياسة المزاوجة بين العولمة وإزالة العولمة، وبين النموّ والتراجع (في ما يخصّ اقتصاد العبث والخداع)، وبين التطوير والتطويق (مرجعية الجماعة والتضامن، وإحاطة الأنا بالنحن والتعايش وفهم الغير والصداقة)؛ إذ يوجد في فرنسا مثلً 7.4 ملايين مهاجر منذ عام 1900، أي ما يعادل 12 في المئة من مجموع السكان، ما يفرض ضرورة التخلص من نزعة كره الأجانب التي أصبحت متفاقمة في أوروبا، خاصةً كره الأجانب الفقراء. أضف إلى ذلك إزالة البيروقراطية، بوصفها مرضًا إداريًّا وإفراطًا في المركزية. فهي التي تؤدّي إلى اللامسؤولية والإهمال خارج التخصّص. وعدم المسؤولية هذا، هو ما يشجّع على فساد الموظفين حتى في قلب الدولة نفسها. وللقضاء على البيروقراطية، يجب تكوين موظفين بقدرات أكثر شمولية، أو الجمع بين التخصّص والكفاءات المتعدّدة Polycompetance. كما يجب إصلاح الفكر الإصلاحي من خلال أنسنته. وإجمالً، يجب ترك فكرة الثورة العنيفة التي تتأسّس على عقيدة اللوحة البيضاء، واستبدال مجتمع سيّئ بمجتمع جيّد. وعليه، يقترح موران حياة تطورية مخطّطة، عن طريق سياسة جديدة تغتني بالثقافة الإنسانية للماضي، وحياد مبادئ الجمهورية (الحرية والعدالة والأخوّة) (ص 51، 55، 60)، ويجب الاعتراف بأن الجائحة قد كشفت عن هشاشة الوضعية الاقتصادية والقانونية لفئة المهاجرين من دون وثائق، كما كشفت عن أزمة الملجأ وغيرها. ولا يمكن التحدث عن الأخلاق في ظلّ غياب التضامن والمسؤولية تجاه المحلّي والأجنبي في الوقت نفسه. 2. سياسة الحضارة: تعمل ضدّ الطابع السلبي النامي لحضارتنا الغربية من خلال تطوير طابعها الإيجابي. وتقوم سياسة الحضارة على فعل الوقاية من «التسمّم» الحضاري الناجم عن طريقة الحياة القائمة على زيادة الاستهلاك، ما يؤدّي إلى تقهقر النظام البيئي، ومن ثمّة حياة الإنسان. لذا، فالمخرج يكون بالاعتدال في الاستهلاك الطاقوي عامّةً (ص 65، 68، 70). وترتبط سياسة الحضارة بسياسة البيئة، التي ترتبط بدورها بسياسة الحضارة المرتبطة بسياسة الإنسانية التي ترتبط بسياسة الاقتصاد. والحقّ أنّ هذه الجوانب متعالقة، ولا يمكن الحديث عن تغير جانب من دون المساس بالجوانب الأخرى. 3. سياسة الإنسانية: أي زيادة وعي الانتماء إلى المجموعة البشرية من خلال التعليم؛ ما يساهم في التخفيف من الخوف من الأجانب والعنصرية. 4. أنسنة متجددة: إذ يجب على الحضارة الغربية الحفاظ على المكتسبات الإيجابية التي حققتها، وهي: الثقافة الإنسانية، والفكر النقدي، والنقد الذاتي، والمبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان والنساء. وهنا يسجّل موران ملاحظة أنّ العبارة للرجل، وهذا ما يعكس مخيالً مضادًا للنساء، ما يعني أنّه يجب على المجتمعات الغربية التخلّي عن عجرفتها وتكبّرها. وتدخل المجتمعات التقليدية في علاقة بالطبيعة، وتندمج مع الكون، بحيث تحافظ على كل شيء من خلال الإنتاج، وهي في هذا أفضل من المجتمع الغربي. ويجب إصلاح العولمة التي خلقت تبعية معمّمة، لكن

بلا تضامن، وهذا ما تبيّن من خلال هذه الجائحة الأخيرة (ص. 71) 5. سياسة للأرض: إنّ تحسُّن وضعية الأرض والمحيطات والحيوانات، خلال فترة الحجر المنزلي، لا يضمن ديمومة الوضعية مع استعادة العافية العالمية. وقد بلغت عملية تسليع الطبيعة إلى أن ظهرت صناعة الماء، التي حوّلت الخير المجّاني إلى سلعة مدفوعة. ومن أجل تحقيق إنسانية متجدّدة وجب الاعتراف بالتعقّد البشري، والاعتراف بحيوانيّتنا ورابطنا القوي مع الطبيعة، والتعرّف إلى خصوصيتنا الروحية، والثقافية، والاعتراف بهشاشتنا وعدم استقرارنا وهذياننا وميولنا العدوانية والاستعبادية، وهذا ما يثبت وضوح فكرنا وعماه في الوقت نفسه. باختصار، الإنسان عاقل ومجنون، نثري وأسطوري، اقتصادي ومبذّر، إنّه إنسان مركّب Homo Complexus. وهنا نجد مرّة أخرى موران يستشهد بمفكّره المفضّل باسكال الذي يجيب عن سؤال ما الإنسان؟ بقوله: «دودة الأرض هذه، هو كلّ شيء ولا شيء» (ص. 79)–76

خاتمة

بعد هذا العرض المختصر والمركّز لآخر كتاب ألّفه إدغار موران بمساعدة صباح أبو السلام، يمكن أن نسجل أهميته الكبيرة؛ إذ واصل استخلاص آخر نتائج نظريته في المعرفة المركبة. كما أنه كشف عن مآزق استمرار النموذج الحداثي القائم على الفصل بين القيمة والمعرفة. لكن، يُمكننا أيضًا ملاحظة عيبين أساسيين فيه. أولً، صدر الكتاب بعد أربعة أشهر من انتشار فيروس كورونا في أيار/ مايو 2020، مقدمًا نظرته إلى أصول الفيروس وأبعاده ومصير العالم بعده. والحقّ أنّ هذه الاستجابة السريعة من موران تجاه هذه الجائحة هي نقطة ضعف الكتاب. لقد استعجل في استخلاص النتائج من جائحة كورونا، فبعد أربعة أشهر فحسب من انتشارها في فرنسا والعالم إجمالً، أخذ يحدّد أسبابها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة. في حين أنّ النظرة الفلسفية الأكثر عمقًا لا يمكنها تحديد الخصائص البعيدة أو العلل القصوى لأيّ ظاهرة، إلّ بعد ترك المسافة الزمنية اللازمة؛ لذا نفهم جيّدًا تحديد هيغل للفلسفة بوصفها بومة منيرفا التي تظهر في المساء، أي لا تظهر إلا بعد أن يكتمل الواقع تأسّسه الخاص في النهار. ورغم أنّ موران على وعي بهذا المفهوم المهمّ، فإنّه انساق وراء التحديدات السوسيولوجية التي تقترب من الظواهر وصفًا وتشخيصًا قبل أن تنضج بالصورة الكاملة. أمّا الإشكالية الثانية فترتبط باستعمال مفردة «الأزمة»، فرغم أنّ موران من المفكّرين الأوائل الذين خصّصوا دراسة مستقلّة لمفهومية الأزمة أو علم الأزمة Crisologie، فإنّه في الكثير من المناسبات يستعمل كلمة الأزمة من دون حذر أو تدقيق، فلا نجده يقدّم الإحصاءات اللازمة لإثباتها؛ إذ ليس كل تغيّر أزمة. وإن اعتبار جائحة كورونا أزمة صحية أو اقتصادية أو سياسية إشكاليٌ؛ على اعتبار أنّ الجوائح الصحية متكررة في التاريخ، وستتكرّر أيضًا في المستقبل، ما يجعلها مكوّنًا طبيعيًا لحياة الإنسان والأرض إجمالً، وليس وضعًا مأزومًا أو كارثيًّا.