Return to Article Details Tunisia Put to the Covid-19 Test

تونس في مواجهة جائحة كوفيد-19

Tunisia Put to the Covid–19 Test

الحبيب الدرويش| Habib Derouich *

الملخّص

عنوان الكتاب: تونس في مواجهة جائحة كوفيد-19. عنوان الكتاب في لغته: La Tunisie à l'épreuve du Covid-19 . المؤلف: حمادي الرديسي (تحرير). الناشر: المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي؛ مؤسسة فريدريش إيبرت. مكان النشر: تونس. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 247 صفحة.

Abstract

Book title: Tunisia Put to the Covid-19 Test . Book title in original language of publication: La Tunisie à l'épreuve du Covid-19 . Author: Hamadi Redissi (ed.). Publisher: Friedrich-Ebert-Stiftung, Tunis, and Observatoire Tunisien de la Transition Démocratique. Date of Publication: 2020. Pages: 247.

الكلمات المفتاحية:
  • فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)
  • تونس
  • اقتصاد
  • استراتيجيا-أزمة
Keywords:
  • Covid-19
  • Tunisia
  • Economy
  • Strategy
  • Crisis
  • Inequality

عنوان الكتاب: تونس في مواجهة جائحة كوفيد 19–.

المؤلف: حمادي الرديسي (تحرير). الناشر: مكان النشر: تونس. سنة النشر: عدد الصفحات: 247 صفحة.

المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي؛ مؤسسة فريدريش ا يبرت.ٕ

مقدمة

يعدّ كتاب تونس في مواجهة جائحة كوفيد 19– من التجارب البحثية القليلة في العالم العربي التي سجلت تفاعلً فوريًا للمختصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية مع التحديات التي طرحتها جائحة فيروس كورونا المستجد 19– (كوفيد) على مستويات محلية وكونية، ولو أن إنجازه كان مبكرًا نسبيًا قياسًا على التطورات التي حصلت بشأن الجائحة في ما بعد. ومن الترتيب الداخلي للكتاب، كما صممه الباحثون المشاركون فيه، نفهم إلى أي حدٍ كانت الجائحة تُمثّل ظاهرةً شمولية بلغة مارسيل موس. فخلال التفاعل المعرفي مع هذه التحديات، وجد الباحثون أنفسهم أمام طيفٍ واسع من الظواهر والأسئلة، بعضها جَرّهم، على نحو ربما لم يكن متوقعًا، إلى قضايا تشتغل بها نظريات الانتقال الديمقراطي. وهكذا، يمكننا القول إن المشاركين في البحث قد وجدوا أنه بقدر ما كانت خطورة فيروس كوفيد 19– تتمثل في انحشاره في طيات الخلايا واستحواذه على مقدراتها لإعادة إنتاج نفسه، فإن وجوده جائحةً يتبعُ المبدأ نفسه؛ إذ إن الجائحة تتسلل إلى كل مفاصل الحياة الاجتماعية، وتستولي على مواردها وقدراتها، لتحشدها في اتجاه واحد هو التحرر منها. بناء عليه، نجد في الكتاب مجالات بحثٍ واسعة، انتقل خلالها الباحثون من القضايا الفلسفية إلى العولمة النيوليبرالية، ثمّ إلى المستويات النفسية لتأثيرات 19– كوفيد، مرورًا بقضايا الترتيبات القانونية والدستورية التي تطلّبتها المواجهة، واللامساواة الاجتماعية، والهامشية، وقضايا الجندر التي تتشابك في مخرجاتها الثقافة الذكورية والفقر والاستغلال والمقاومة. وهكذا، اشتمل الكتاب على خمسة محاور اهتمت بتاريخ الجوائح في تونس، والاقتصاد السياسي للجائحة، ومظاهر اللامساواة فيها، وارتباك المعايير القانونية في إدارتها، والأزمة السياسية التونسية التي حلّت خلالها وزادت من وطأتها. أعطى حمادي الرديسي إشارة الانطلاق للمشروع عبر مقدمة استدعى فيها إدغار موران Edgar وجورجيو أغامبين وآلان باديو Badiou Alain وغيرهم، موضحًا المشكلات القِيمية والتنظيمية التي تطرحها الجائحة في تونس. وبقدر ما كان الرديسي قريبًا من هابرماس وموران اللذَين تكلّما عن ضرورة اعترافنا بجهلنا بالفيروس خلال مواجهتنا له، وضروة الانتباه إلى أن اللامتوقع هو نفسه متوقع، وأنه جزء فاعل في المتوقع، فقد أخذ مسافة من أغامبين وباديو اللذَين اقتربا من حافة نظرية المؤامرة في التعامل مع كوفيد 19–، حينما ركّزا على ما ترتّب عليه من سلبٍ للحريات الفردية. بالنسبة إلى التجربة التونسية التي لم تختلف كثيرًا عن التجارب العالمية، بيّن الرديسي أنّ إجراءات الحَجْر كشفت عن نقاط الضعف الهيكلية في منظومة الدولة والقيادة بصفةٍ عامة، وعن أنانية البعض، وغطرسة البعض الآخر، وعن معاناة الفئات الاجتماعية الهشّة. وهذا يعني أن الجائحة قد كشفت عن أزمة أخلاقية، وأزمة معايير، خاصّةً في ظلّ الارتباك الظاهر على مستوى العمل القيادي الذي يحرّكه، بحسب الكاتب، طاقم

متوسّط الكفاءة، يعيش صراعات ومناكفات مستمرّة، لا فُق لديه سوى معالجة اليومي. ومع أُ ذلك، دعا الرديسي إلى تجنب النظر إلى الأزمة من جانبها السيّئ فقط، إذْ قد تؤدّي بالتونسيين، عند الضرورة، إلى إظهار سلوك الانضباط والتضامن، ليصير سلوكًا حداثيًا راسخًا يقوم على احترام الذات والآخر في كنفِ النظام والحرية.

أولا: تاريخ الأوبئة تونسيًا والاقتصاد السياسي للجائحة

في الجانب التاريخي من الموضوع، رصد المؤرخ عبد الكريم العلاقي تاريخ الأوبئة على امتداد تاريخ تونس الطويل. فمِن العصور الوسطى إلى العصر الحديث، عرفت تونس الطاعون والكوليرا، ما أدّى خلال العصر الوسيط إلى إخلاء البلاد من السكّان وتدمير الحرف والزراعة. ويستحضر العلاقي في هذا الإطار شهادات القدامى من المؤرخين مثل ابن خلدون وتقي الدين المقريزي اللذَين شرحا بإسهابٍ كيف عصف الطاعون بأعداد مهولة من السكان، لم تسلم منها الأرياف والواحات حتى، وكيف أن الأوبئة تأتي من طرق التجارة البحرية وتنتشر في طرق التجارة الصحراوية. ثم يستحضر العلاقي تاريخ هذه الجوائح خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر. إذا كانت جائحة كوفيد 19– اليوم قد عصفت حتى الآن بأرواح 8 آلاف تونسي من جملة 11 مليون ساكن، فإن جوائح القرون السابقة كانت تعصف أحيانًا بأرواح نحو 40 ألف في الجهة الواحدة من السكان الذين ربما لم يكن عددهم يصل إلى 200 ألف نسمة. وقد كان من نتائج هذه الأوبئة في القرن التاسع عشر أنها ساهمت في إضعاف البلاد، وجعلتها هدفًا سهلً للقوى الاستعمارية. وفي القرن العشرين، أدى تطوّر العلم إلى تغيّر الوضع، خاصةً مع تأسيس معهد باستور في تونس عام 1893، وفوز مديره الدكتور شارل نيكول بجائزة نوبل في عام 1928 عن عمله في مجال علم الأوبئة. أمّا بعد الاستقلال في عام 1956، فقد شرعت الدولة الناشئة في تعزيز البنية التحتية الصحية، وتزويد البلاد بكفاءات طبية ماهرة، خاصّةً بعد تأسيس كلية الطب عام.1964 كما أن هناك اقتصادًا سياسيًا بالمفهوم الماركسي، تولّد عن انتشار كوفيد 19–، ما سماه الباحثون الاقتصاد السياسي للجائحة. فقد درست الباحثة في علم النفس سيرين بن سعيد صفار ما سمته الإدارة التونسية للجائحة وخفايا الانتشاء الوطني، لتبيّن أنّ رد الفعل الطبي الوقائي التونسي الأوّلي كان ممتازًا، مقارنةً بما كان يحدث مع جيران تونس على الضفة الشمالية من المتوسط، وتحديدًا إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، ويرجع ذلك إلى الاستراتيجية التي اعتمدتها تونس في مواجهة الجائحة. ففي حين اعتمد البعض نظرية الحماية الجماعية أو «حماية القطيع» بهاجس حماية الاقتصاد أيضًا، أو التعويل على عقلانية المواطنين الأفراد الذين سيتصرفون وفق النصائح التي تُعطى لهم، ومنها التباعد الجسدي، اختارت تونس الوقاية السريعة عن طريق إغلاق منافذ البلاد وتتبّع بؤر العدوى وتوزيع المساعدات على الفقراء وفرض الحجر الصحي، مضحيةً إلى حدٍ ما بالاقتصاد. وقد حققت هذه الاستراتيجية نتائج باهرة، حيث وصلت حد تسجيل صفر حالة، في الوقت الذي كان فيه المصابون في الضفة الشمالية يُعدّون بالملايين. بطبيعة الحال، كان هناك جدل حول صدقية المعطيات التي وفرتها وزارة الصحة، لكن

النتائج المقارنة كانت واضحة في اللجنة الوطنية بالوزارة التي أوكلت إليها مهمة التصدي للوباء، كما أن بنية الموارد البشرية الصحية التونسية كانت جاهزة على مستوى المهارات في التشخيص وأخذ القرارات على الأقل، رغم هشاشة البنية التحتية للقطاع. وترى الباحثة، أن النقطة السوداء في هذا البيئوي. النجاح كانت الإدارة السياسية للأزمة، إذ لم تقع حماية الطاقم الطبي وشبه الطبي خلال المواجهة، كما غابت الحكومة في كثير من الأحيان في تحديد المسار الطبي الملزم لحالات كوفيد 19–، بل تركت أحيانًا بعض المستشفيات لحالة النقص في التجهيزات ولصدف سريان العدوى. في المقابل، ركزت أستاذة الاقتصاد عيسن مقني على نتائج استراتيجية إغلاق الحدود والحجر الصحي وتوزيع الإعانات على اقتصاد البلاد. وقد بدأت الباحثة بالملاحظة التالية: لقد ضربت الجائحة الاقتصاد التونسي وهو في حالة هشاشة كبيرة. والنتيجة الأولى المباشرة كانت تراجع نسبة نمو الاقتصاد الوطني، وتضرر قطاعات اقتصادية أساسية فيه مثل قطاع النسيج والصناعات الميكانيكية والسياحة وغيرها. وعلى نحو شبه ميكانيكي تعطل التشغيل واستقرت البطالة أو زادت، وخاصةً في أوساط الشباب الذين عانى نحو 27.8 في المئة منهم، بينما انخفضت ميزانية الدولة المخصصة للأعمال التنموية وبدأت ماكينة التضخم المالي في النشاط. بطريقة ربما لم تكن متوقعة، نتج من الجائحة تحسُّن في الميزان التجاري، لكن ذلك لم يكن بسبب تحسن النشاط الاقتصادي الذي تقهقرت صادراته في النسيج والجلود بنسبة 33 في المئة، وفي الصناعات الميكانيكية بنسبة 25 في المئة، بل بسبب الانخفاض الذي حصل في واردات البلاد خلال الجائحة. كل هذه الصعوبات سيترتب عليها في المستقبل تقهقر مطرد للاقتصاد التونسي إذا لم تؤخذ بعض الإجراءات، منها، بحسب الكاتبة، تخفيض الضرائب وتحرير المؤسسات الخاصة من تحمّل تكلفة الحماية الاجتماعية للعمال والموظفين، والاتجاه نحو الاقتصاد الأخضر

ثانيًا: اللامساواة الاجتماعية والصحة النفسية

في المحور الثالث للكتاب، أبرز الباحث الأخصائي في علم السكان حافظ شقير، في دراسة بعنوان «كوفيد 19–: اللايقين ومعضلات الفئات غير الميسورة»، ما الذي تعنيه الجائحة في المجتمعات الحديثة التي تنتشر فيها، في الوقت ذاته، الفردانية والتفاوت الاجتماعي. وقد تركّز بحثه على حالة اللايقين التي وجدت الفئات الاجتماعية الهشّة نفسها فيها على كل المستويات: لماذا يُفرض الحجر الصحي، بينما هناك دول أخرى لم تتبع هذا الإجراء؟ عند الخضوع لتعليمات الحكومة، كيف يمكن توفير وسائل العيش؟ وغير ذلك من الأسئلة. وفي سياق هذه الفكرة، بيّن شقير كيف أنّ الأزمة التي ولّدتها جائحة الفيروس، ولا سيما  فترة الحجر التي عقبتها، تسبّبت في أضرار اقتصادية واجتماعية وصحية ونفسية مسّت الفئات الهشّة على نحوٍ خاص، أي الأقلّ قدرة على تحمّل الأزمات (الفقراء، وكبار السن، ومستعملو النقل العمومي، وربات البيوت، والشباب، وساكنو المنازل الضيقة في الأحياء المكتظّة... إلخ)، هذه الفئات التي لا تملك سوى القليل من الخيارات في مواجهة الأزمات، وهو ما خلق لديها حالات من عدم اليقين حول الجائحة وتبِعاتها.

كما بيّن الباحث كيف أنّ أيّ قرار اتخذ في اتجاه تخفيف الحجر كان يُعدُّ مقامرةً تتضمّن خطر فقدان الأرواح. وفي النهاية انتهى الباحث إلى أنّ جائحة كورونا تجعلنا نشكّك في جدوى المنوال الاقتصادي والاجتماعي السائد بتونس والمتّسم بانعدام المساواة، داعيًا إلى ضرورة مراجعة هذا المنوال من خلال الاعتناء أكثر بأوضاع الفئات الاجتماعية الضعيفة. في المحور الاجتماعي نفسه، واصلت أستاذة الطبّ النفسي، أحلام بالحاج، الاهتمام بالجوانب الاجتماعية في مواجهة وباء كوفيد 19–، فقد ورد عنوان بحثها في شكل تساؤل حول تأثيرات هذه الجائحة في الصحة النفسية للناس: «أيّ تأثير لكوفيد 19– على الصحة النفسية للتونسيين؟»، ومثل جميع الباحثين في مناطق أخرى من العالم، بيّنت الباحثة أنّ الدراسات أظهرت شدّة الاضطرابات النفسية التي أصابت فئات تونسية كبيرة أثناء الجائحة، مصدرها الأساسي حالة اللايقين وإدارة الشكّ. كما فرض الحجرُ المترتِّبُ على الجائحة إعادةَ تنظيم المجتمع من خلال عزل الأفراد والتباعد الجسدي وإدارة جديدة للزمان والمكان. وتُعَدّ هذه الإجراءاتُ عواملَ مُرهِقةً على الصعيد النفسي، وكان على الناس التعامل معها بوصفها واقعًا مفروضًا. فبمجرّد التغلّب على التوتّر الذي تسبّبه الجائحة، يظهر قلق الموت والاكتئاب، وتتفاقم العزلة الاجتماعية والخوف من العدوى، وفقدان الأحبة والوظيفة، وعدم القدرة على تلبية احتياجات الأسرة... إلخ؛ شعور طبيعي ومتوقَّع تمامًا في مثل هذه الحالة. وختمَت الباحثة مقالها بالتأكيد على ضرورة وضع سياسات لدعم الأشخاص المصابين بأمراض نفسية ورعايتهم من أجل حماية كرامتهم وحقوقهم الإنسانية. لقد شرّحت بالحاج حالة الفئات الهشة خلال الجائحة، وقد قدرت أستاذة القانون حفيظة شقير أنه يمكن عدّ النساء من جملة هذه الفئات الهشة. ففي دراستها بعنوان «تأثير كوفيد 19– على حقوق المرأة»، بينّت أنّالجائحة عطّلت مجرى الحياة في البلدان كافّة. وفي تونس، أدّى الوباء إلى تمديد حالة الطوارئ وتنفيذ حظر التجوال، وقد كان لهذه الإجراءات تداعيات خطيرة على حياة المواطنين وأمنهم وعملهم وحتى على ممارستهم حقوقهم، خاصةً النساء. وبما أن وجود النساء في القطاع الصحي يفوق وجود الرجال فيه، فقد صرن الأشد تضرّرًا من الأزمة، فهنّ اللّواتي يواجِهْنَ أعلى المخاطر، كما أن معظمهنّ أمهات، ولهنّ أسَرٌ تحتاج إلى رعاية، ولاُ يزال عبء المسؤوليات العائلية بفعل الثقافة الذكورية، يقع على عاتقهنّ. لذلك تعيش النساء حالة من الإجهاد الشديد. وهنا لا تُطرَح لدى الكثير من النساء المشكلة الصحية فحسب، بل مسألة المساواة بين الجنسين أيضًا. هذه التأكيدات صدرت عن عدّة هيئات دولية تشير تقاريرها إلى أنّ حالات البطالة وإغلاق المدارس فترات طويلة، يُمكن أن يؤدّيَ إلى زيادة عدد حالات العنف المنزلي وحالات حمل المراهقات وزواج الأطفال خلال فترة الإغلاق. وفي ذلك، تستمر هيمنة النوع الاجتماعي في الانتشار، بل تزداد سوءًا، إذ إنّها تؤدي إلى حَجْر مزدوج: حجْرٍ بسبب الوباء، وحجرٍ بسبب النظام الأبوي السائد. وتختتم حفيظة شقير دراستها بالتأكيد على أنّ الجائحة لم تتسبّب في أضرار جسيمة لاقتصاد البلاد وصحّة الإنسان فحسب، بل تظلّ الحقيقة أنّ تداعياتها على النساء تتضاعف بسبب هشاشة وضع الكثير منهنّ، خاصّة بسبب حالة الحجر المزدوج الذي أدّى أحيانًا إلى زيادة الهيمنة الذكورية الأبوية.

ولهذا، فإن يقظة المجتمع المدني ضرورية للدفاع عن المرأة وحماية حقوقها.

ثالثًا: النظام القانوني وحالة الاستثناء

هل تعدّى تأثير الجائحة إلى آليات سنّ القوانين واشتغالها؟ تصدى لهذا السؤال أستاذُ القانون بالجامعة التونسية محمد شفيق صرصار ببحثٍ بعنوان: «تقلبات النظام المعياري التونسي في زمن كوفيد 19–: المراسيم في القانون التونسي». فبعد إعطاء لمحة تاريخية عن تاريخ استخدام المراسيم في القانون التونسي، بيّن الباحث كيف أنّ الوباء لم يشكّل اختبارًا للنظام الصحي فحسب، بل أمام النظام الحكومي ونظام المعايير في معالجة الطوارئ أيضًا. وقد التقى الباحث في هذه النقطة مع الهادي بن مراد الذي كتب في الموضوع نفسه، مركّزًا على مبدأ الحالة الاستثنائية الذي خلقته الجائحة في شتى مجالات إدارة الشأن العام وكذلك الحياة الخاصة، جالبًا الانتباه إلى ثقل القرارات التي يمكن اتخاذها في الحالات الاستثنائية، من حيث تعريفها واستخدامها للفصول القانونية المناسبة لذلك في الدستور. وهنا أشار بن مراد إلى أن خطرًا غير محسوب كان يمكن أن يتسبب فيه استخدام الفصل 80 من الدستور التونسي الذي يجمد العمل بالمجلس التشريعي في الظروف الاستثنائية في سياقٍ تميّز بحالةٍ من التوتر والصراع السياسي، مما شوّشَ إمكانية الاتفاق على تأويل واضح للأحكام في هذا المجال، خاصةً عندما تغيب الرؤية الواضحة بشأن تقديم تعريف واضح لما ينبغي أن يُفهم من عبارة الحالة الاستثنائية في غياب محكمة دستورية تفتي بدستورية القرارات. من الناحية القانونية والمعيارية، لم تُربك الجائحة عمل المؤسسات وتأويل القوانين فحسب، بل وضعت قوانين حقوق الإنسان والمبادئ التي أسست عليها موضع سؤال. بهذا الخصوص، عالجت فاطمة اللافي في دراستها «وضع حقوق الإنسان على محكّ جائحة كوفيد 19–: هل هو حجر صحي؟»، موضوع حقوق الإنسان في سياق تتعارض فيه شروط المصلحة الصحية والاقتصادية والاجتماعية العامة مع احترام حقوق الإنسان. وتقِرّ الباحثة بأنّ جميع الدول، حتّى تلك الأكثر ديمقراطية واجهت معادلةً صعبةَ الحلّ؛ فالقرار السياسي يكافِح لإيجاد هذا «التوازن الصحيح» بين طرفَي المعادلة. وهي ترى أنّ تونس، المرحِّبة بانتقالها الديمقراطي الناشئ وبدستورها الجديد، وجدت نفسها على محكّ هذه الأزمة، إذ هناك تخوّف أوّل من التأثير المباشر لهذه الأزمة الصحية في احترام حقوق الإنسان، وتخوّف ثانٍ يتعلّق بآلية الطوارئ المطبّقة وضمانات الحقوق الفرديّة. وختمت الباحثة دراستها بالإقرار بأنّ الإجراءات المتّبعة في تونس قد كشفت انتصارَ مبدأ «أولويّة الحياة»، لكنّها تساءلت عن تبِعات الانتصار لهذا المبدأ، مستحضرةً الإجابة البارعة لرينيه كاسان René Cassin أحد صائغي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحائز جائزة نوبل للسلام، عندما قال: «الحق في الحياة، نعم، ولكن ليس فقط أي حياة!».

رابعًا: الديني والسياسي في ظل الأزمة

هل للمقدس مكانٌ في معضلة الجائحة؟ تجيب أسماء نويرة بالاشتراك مع حاتم شقرون عن هذا السؤال بنعم، في دراسة عنوانها «الديني في زمن الأزمة: كوفيد 19– وإدارة الإسلام في تونس». يشرحُ الباحثان كيف أنّ إدارة أزمة جائحة كورونا

تطلّبت من السلطات التونسية تدخلً سريعًا للحدِّ من انتشار الفيروس وتجنّب السيناريو الأسوأ، لذلك أغلقت المقاهي والمطاعم والنوادي الليلية جزئيًا، وألغيت المؤتمرات والفعاليات الثقافية والعلمية، وعُلّقت الصلاة الجماعية بالتشاور مع بعض الأئمة وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الدينية، وهذا لم يحدث في تونس فقط، بل في المملكة العربية السعودية أيضًا، حيث يؤدي المسلمون فريضة الحج. وهنا يوضح الباحثان كيف أنّ إغلاق المساجد كان من الإجراءات الحسّاسة التي أثارت امتعاض البعض وتفهّم البعض الآخر في الوقت ذاته. ثم تحوّلت هذه المواقف المتباينة إلى جدلٍ دار في منصّات التواصل الاجتماعي بين مَنْ هلّل للقرار ومن ندّدَ به بحجة أنه شكّل حجرًا على «الحريات الدينيّة» من قِبَل الدولة العلمانية. في بدايات احتدام أزمة الجائحة، أضفى البعض مسحةً دينية على ضحايا الجائحة من القطاع الصحي (أو كما أشيرَ إليه الجيش الأبيض)، وذلك بمنح كلّ مَنْ تُوفِّي منهم مرتبة الشهيد باعتباره في حالة حرب ضدّ الوباء، ثم امتدّ هذا المنحى ليشمل كلّ مَنْ يموت بسبب الوباء استنادًا إلى أحد الأحاديث النبوية في كتاب سنن أبي داوود. لقد أصبح الأمر خطيرًا عندما نشرت إحدى الفتيات على الفيسبوك مدونةً فيها نص عن الفيروس يُحاكي الأسلوب القرآني، هنا أصبح السؤال: هل توجد حرية تعبير عندما يتعلق الأمر بالدين؟ وهذا سؤال طرحه ممثّل النيابة العمومية أثناء التحقيق مع المُدو نة الشابّة. وختم الباحثان المقال بالتأكيد على أنّ تصريحات كبار الشخصيات الدينية في الديانات التوحيدية الثلاث أظهرت تشابهًا من حيث القبول بالإجراءات الاحترازية المعتمَدة للتصدّي للجائحة، في حين أنّ النقاشات الدائرة على الشبكات الاجتماعية في مختلف البلدان، أظهرت مواقف متعدّدة ومتباينة حول هذا الموضوع، وهو ما لوحظ في تونس. وأخيرًا، ناقشَ الباحثان صحبي خلفاوي ومهدي العش تأثير الجائحة في الأزمة السياسية التي تعانيها البلاد أصلً، وقد بيّن الباحثان كلٌ على حدة، أنّ السياق الذي حلّت خلاله الجائحة بالبلاد كان من الناحية السياسية غير مناسب على الإطلاق، إذ إن الجائحة والحكومة الجديدة بدآ نشاطهما في الوقت نفسه، ولم يكن بعد للحكومة الجديدة الوقت الكافي لتحديد خطة عمل وموارد، وليس هذا فحسب، بل إن الأزمة السياسية التي جاءت فيها الحكومة، نتيجة توافق هش بين أطرافها، لم تكن تحظى بالدعم الكامل في البرلمان الذي اتهمها أطراف فيه بالفساد، في الوقت الذي كانت تواجه الجائحة. ومن ناحية أخرى، كانت التركيبة السياسية والصراع بين رئيس الجمهورية والأحزاب المسيطرة في البرلمان قد فتحا الباب واسعًا أمام التصرف الشعبوي، على نحوٍ ألقى بظلاله على معالجة الجائحة. والدرس هو أن الجائحة ليست قضية صحية فقط، بل سياسية كذلك، إذ إن مواجهتها تفترضُ حشد الطاقات مجتمعةً، والطاقة السياسية بالأساس.

خاتمة

من نافل القول إن الكتاب، الذي قدّمنا أغلب فصوله وأفكاره، مفيدٌ في فهم الكيفية التي تعامل بها بلد عربي في مرحلة انتقالية مع جائحة هزّت أركان أقوى دولٍ واقتصاداتٍ في العالم. وقد أظهر الكتاب أن جائحة كوفيد 19– ظاهرة شمولية. ومع إدراكنا أنّ الدراسة أنجزت مُبكرًا، وربما على

عجلٍ بسبب الإرباك العام الذي خلقته الجائحة، فإنه من المهم أيضًا الإشارة إلى أن الباحثين قد أهملوا جملةً من القضايا، لا ندري بسبب عدم الاختصاص أم لأسبابٍ إبستيمولوجية تتعلقُ بالمخيلة النظرية المعتمدة. من هذا المنظور، يمكن تحديد قضية أساسية لم يجرِ الوقوف عندها، رغم أنّ جميع فصول الكتاب معنية بها، وهذه القضية لا تتعلق بكيف واجهت الدولة ومؤسساتها الجائحة، بل بكيف واجه التونسيون الجائحة، أفرادًا وعائلات وطبقات وفئات وأنماط عيش، وكذلك «الجماعة العلمية» في الطب السريري والمخبري وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، من دون أن ننسى منظمات المجتمع المدني؟ هذا يعني أنّ البحث كان يمكن أن يهتم بالمقاومة كما جرت وتجري في الحياة اليومية. فماذا يفعل الفقير عندما يُفرض عليه الحجر الصحي، وليس معه ما يسدّ به رمق أطفاله؟ وماذا تفعل المرأة التي بلا «سند» عندما تفقد عملها؟ لماذا استهتر الشبان العاطلون عن العمل بالحجر الصحي وقانون منع التجوال؟ وماذا كان ردّ فعل المسؤولين والباحثين في مخابر وزارة الصحة عندما أدركوا أنهم إزاء عصر مقاومة الفيروسات الطبيعية أو الاصطناعية، هل أسسوا وحدات بحث جديدة؟ وهل خصصوا موارد لطلبة الكليات كي يتخصصوا في هذا المجال؟ وهل هزّت الجائحة القناعات بالفلسفة وعلم الاجتماع؟ وماذا فعلت الجمعيات الأهلية؟ وهل غيّرت من مفهومها للصالح العام؟ وما الذي أحدثته الجائحة في العقل الجماعي التونسي؟ في البحوث التي قُدمت لا نجد وصفًا تاريخيًا للكيفية التي تصدى بها الناس للجوائح؛ الهروب والانعزال في الصحراء؟ الاستنجاد بالأولياء الصالحين؟ ماذا كان دور الأطباء في الماضي وما أساليبهم؟ مثلً في نهاية القرن الثامن عشر في طرابلس، نجد أنّ القنصل البريطاني كان عندما يستقبل في بيته أحدًا من مسؤولي الدولة القرمانلية يضع بينه وبين الضيف كومةً من الحطب المشتعل كي لا تمر إليه الجراثيم المحتملة. ثم إن الدراسات الواردة في الكتاب لم تتساءل لا فلسفيًا ولا اقتصاديًا عن القيم والمعايير التي جعلت الدولة التونسية الفقيرة تختار التضحية بالاقتصاد، بينما اختارت الحكومة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب التضحية بالمهمشين. وما الذي يعنيه هذا على المستوى الثقافي؟ أما الأبحاث الاقتصادية فقد اقتصرت على شرح آثار الجائحة في البنية الاقتصادية، مقترحةً حلولً نيوليبرالية ليس فيها أدنى اهتمام بالبعد الأخلاقي للقضية. والأهم من كل ذلك، أنها لم تهتم بالكيفية التي تصرف بها المستثمرون في التعامل مع الجائحة، ونحن نعرف في تونس أنهم ركزوا كل جهدهم في الحصول على تعويضات من الدولة مثلهم مثل الفقراء المهمشين. ختامًا، يُعدُّ كتاب تونس في مواجهة جائحة كوفيد 19– من الأعمال القليلة في العالم العربي، التي اهتمّت على نحو مبكر نسبيًا بجائحة كوفيد 19–، وهو بذلك قد فتحَ طريقًا عريضًا أمام البحوث المستقبلية.