Return to Article Details The Arab State: A Historical Sociology Approach

الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية

The Arab State A Historical Sociology Approach

أدهم صولي *

ورايموند هينبوش **

| (((怀(((

Adham Saouli, Raymond Hinnebusch

الملخّص

تقدم هذه الدراسة إطارًا نظريًا لتشكُّل الدولة وتطورها وتفككها في العالم العربي، مع تناول حالات إمبريقية، اعتمادًا على منهجية تاريخية مقارنة. وتطرح مجموعةً من الأسئلة: كيف يمكننا مفهمة الدولة وعملية بنائها في العالم العربي؟ وما الفرق بين النظام والدولة؟ وما أنواع الأنظمة التي نشأت في العالم العربي؟ وكيف نفسر الاختلافات في تشكُّلها وأنواعها؟ ولماذا فشلت بعض عمليات بناء الدولة، بينما نجحت أخرى؟ وتنتهي الدراسة إلى نتيجة أساسية مفادها أنه يمكن وصف مسار بناء الدولة في العالم العربي بالمنحنى الجرسي، بدلًا من المقاربة الخطية في مفهوم الدولة الفيبري أو الويستفالي.

Abstract

Abstract: This study presents a theoretical framework on and empirical accounts of state formation, development, and deformation in the Arab world. Taking a comparative historical methodology, the article raises several questions: What is the difference between a regime and a state? What kind of regimes emerged in the Arab world and how do we explain variations in their formations and types? Why have some state–building processes failed whilst others succeeded? The study’s main finding is that state building in the Arab world can be described as a bell–shaped curve rather than a linear approximation of Weberian or Westphalian notions of statehood.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة العربية
  • النظام السياسي
  • فضاءات اجتماعية
  • منحنى جرسي
  • سوسيولوجيا تاريخية
Keywords:
  • Arab State
  • Regimes
  • Social Fields
  • Bell-shaped Curve
  • Historical Sociology

أدهم صولي * ورايموند هينبوش ** | (((怀(((

The Arab State

A Historical Sociology Approach

ملخص: تقدم هذه الدراسة إطارًا نظريًا لتشكُّل الدولة وتطورها وتفككها في العالم العربي،

مع تناول حالات إمبريقية، اعتمادًا على منهجية تاريخية مقارنة. وتطرح مجموعةً من الأسئلة:

كيف يمكننا مفهمة الدولة وعملية بنائها في العالم العربي؟ وما الفرق بين النظام والدولة؟ وما

أنواع الأنظمة التي نشأت في العالم العربي؟ وكيف نفسر الاختلافات في تشكُّلها وأنواعها؟ ولماذا فشلت بعض عمليات بناء الدولة، بينما نجحت أخرى؟ وتنتهي الدراسة إلى نتيجة

أساسية مفادها أنه يمكن وصف مسار بناء الدولة في العالم العربي بالمنحنى الجرسي، بدلً من المقاربة الخطية في مفهوم الدولة الفيبري أو الويستفالي.

Abstract: This study presents a theoretical framework on and empirical accounts of state formation, development, and deformation in the Arab world. Taking a comparative historical methodology, the article raises several questions: What is the difference between a regime and a state? What kind of regimes emerged in the Arab world and how do we explain variations in their formations and types? Why have some state–building processes failed whilst others succeeded? The study’s main finding is that state building in the Arab world can be described as a bell–shaped curve rather than a linear approximation of Weberian or Westphalian notions of statehood.

Senior Lecturer in International Relations and Middle East Politics, University of St Andrews, UK.

Professor of International Relations and Middle East Politics and Director of the Centre for Syrian Studies, University of St Andrews, UK.

على ملاحظاتهم القيمة، ونعبر عن خالص شكرنا لكل من يارا نصار ومجد أبو عامر لترجمتهما الدراسة.

مقدمة

ينجذب طلاب العلوم السياسية، ولا سيما طلاب دراسات الشرق الأوسط، إلى أحد الموضوعات المَوسمية، مثل التحول الديمقراطي أو السلطوية أو العنف أو الحروب أو

الثورات أو الإسلام السياسي أو الطائفية. لكنّ ثمة موضوعًا لا يمكنهم تجاوزه، على اعتباره «الجبل الذي يجب على جميع علماء السياسة تسلقه عاجلً أم آجلً»، ألا وهو الدولة. وفي حين تتوارى الدولة في الخلفية البحثية لمعظم الدراسات، أو تمثل العتبة التي تجعل العبور إلى البحث ممكنًا، فإنها تكون محور البحث في دراسات أخرى. ومثل شاطئ يتسمّر أمام الموج، تلحّ الحاجة إلى

دراسة الدولة بين الحين والآخر، سواء كان ذلك من خلال مقاربة ماكس فيبر في محاولته التنبيه إلى أهميتها، أم من خلال نوربرت إلياس الذي ربطها ب «سيرورة التحضر»، أم صمويل هنتنغتون من خلال تسليطه الضوء على دورها في الحفاظ على النظام في المجتمعات النامية، أم تشارلز تيلي وزملائه في محاولتهم إعادة الدولة إلى التحليل. لم تهمل الأدبيات حول الدولة العربية هذه الإلحاحات البحثية، حيث ساهمت الثورات الشعبية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، التي أدرجت الفلاحين الغاضبين والطبقات الوسطى في برامج الإصلاح الاجتماعي، إضافةً إلى اتساع نطاق الدولة وتغلغلها في حالات أخرى، مثل المملكة العربية السعودية أو لبنان أو العراق أو ليبيا، في تسليط الضوء على مركزية الدولة وأسباب «ديمومتها.» وأدى صعود مقاربة الاقتصاد السياسي في تسعينيات القرن العشرين، بالتزامن مع محاولات تفسير «الاستثناء العربي» في الديمقراطية، إلى فتح مجالات مهمة لفهم طبيعة الدولة في العالم العربي. إضافة إلى ذلك، أبرز تغلغل القوى الخارجية في المنطقة العربية دور العوامل الدولية في بناء دول المنطقة، أو تفككها في بعض الحالات، ووضع أيضًا تحديات أمام معرفتنا بموضوع الدولة. علاوة على ذلك، كشفت تداعيات الانتفاضات العربية، في عام 2011، عن الحاجة إلى فهم الدولة العربية،

(1) Joel Samuel Migdal, State in Society: Studying how States and Societies Transform and Constitute One Another (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 231. (2) Max Weber, "Politics as a Vocation," in: Hans Heinrich Gerth & Charles Wright Mills (eds.), From Max Weber: Essays in Sociology (London: Routledge, 2001). (3) Norbert Elias, The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic Investigations , Eric Dunning, Johan Goudsblom & Stephen Mennell (eds.) (Oxford: Blackwell, 2000). (4) Samuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies (New Haven/ London: Yale University Press, 1968). (5) Theda Skocpol, Peter B. Evans & Dietrich Rueschemeyer (eds.), Bringing the State Back in (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).

(((نزيه ن. الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)؛

Adeed I. Dawisha & I. William Zartman (eds.), Beyond Coercion: The Durability of the Arab State (London: Croom Helm, 1988). (7) Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East (Manchester: Manchester University Press, 2003); Fred Halliday, The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology (Cambridge: Cambridge University Press, 2005); Adham Saouli, The Arab State: Dilemmas of Late Formation (London: Routledge, 2012); Rolf Schwarz, War and State Building in the Middle East (Gainesville, FL: University Press of Florida, 2012).

حيث أنتجت العديد من المساهمات بالفعل. وأكدت الأدبيات باللغة العربية، بدورها، «أزمة» الدولة العربية الحديثة. هل حان الوقت لإعادة فهم «الدولة» في العالم العربي؟ من نافلة القول: أجل. سجل عام 2016 مرور مئة عام على ظهور الدول تدريجيًا في منطقة الشرق الأوسط. ففي عام 1916، تآمرت سلطتان

استعماريتان، بريطانيا وفرنسا، على تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ Influence of Spheres لهما؛ الأمر الذي مهّد لنشوء كيانات سياسية تضم أقاليم وجماعات وأنظمة. وبعد قرن من الزمن، كشفت هذه الكيانات السياسية عن مسارات ونتائج سياسية معقدة؛ إذ ظل بعضها محصّنًا أمام الاضطرابات

السياسية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، مثل الملَكِيات العربية في السعودية والأردن

والمغرب والكويت. أما بعضها الآخر، فشهِدَ حروبًا وتغييرات اجتماعية وسياسية كبيرة، مثلما جرى في مصر والعراق وسورية وليبيا والجزائر واليمن ولبنان، حتى إن بعضها تفكّك بحلول عام 2016، مثل العراق وسورية وليبيا واليمن، ويُكافِح أحدها من أجل البقاء (لبنان)، بينما يمر كيان واحد فقط (تونس) بعملية ترسيخ الديمقراطية. لقد أنتجت الأدبيات حول الدولة العربية وتجاربها، طوال القرن الماضي، العديد من الأسئلة حول بنائها أو طبيعتها أو تطوّرها أو انهيارها. وعلى الرغم من سعة هذه الأدبيات، فإن قليلً منها فقط اتّخذ الدولة

العربية نقطةً محوريةً ومركزية. وفي هذه الدراسة، نسعى للبناء على هذه الأدبيات وتطويرها، حيث نطرح مجموعةً من الأسئلة الرئيسة: كيف يمكننا مَفهمة الدولة وعملية بنائها في العالم العربي؟ وما

الفرق بين النظام والدولة؟ وما أنواع الأنظمة التي نشأت في العالم العربي؟ وكيف نُفسّر الاختلافات

في تشكّلها وأنواعها؟ ولماذا فشلت بعض عمليات بناء الدولة، بينما نجحت أخرى؟ تقدم هذه الدراسة إطارًا نظريًا لتشكُّل الدولة وتطوّرها وتفكّكها في العالم العربي، مع تناول حالات

إمبريقية، اعتمادًا على منهجية تاريخية مقارنة. فمن أجل الاستدلال على الأطروحة الرئيسة، نبحث ونقارِن بين العديد من الحالات التي أفرزت نتائج مختلفة في مسار تشكُّل الدولة وتفكُّكها. تقع الدراسة في أربعة مباحث. نقدم في الأول الإطار النظري وفق تقليد السوسيولوجيا التاريخية Historical Sociology، بوصفه الأكثر ملاءمة لدراسة تشكُّل الدولة، وكونه يُفسّر عامل التغيير بمرور الوقت الذي

(((ينظر:

Raymond Hinnebusch, "Change and Continuity after the Arab Uprising: The Consequences of State Formation in Arab North African States," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 42, no. 1 (2015), pp. 12–30; Adham Saouli, "Back to the Future: The Arab Uprisings and State (re) Formation in the Arab World," Democratization , vol. 22, no. 2 (2015), pp. 315–334; Mehran Kamrava, Inside the Arab State (Oxford: Oxford University Press, 2018); Ruth Hanau Santini, Limited Statehood in Post–Revolutionary Tunisia: Citizenship, Economy and Security (Cham, Switzerland: Palagrave Macmillan, 2018).

(((ينظر مثلً: عبد الله العروي،، ط مفهوم الدولة 8 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)؛ خلدون حسن النقيب،

الدولة التسلّطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)؛ جدليات

الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛

عادل مجاهد الشرجبي [وآخرون]، أزمة الدولة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)؛ برهان غليون،

المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ط 4 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015

يتجاوز – كما سنرى – الثنائيات التي تخلق فجوة بين علماء الاجتماع، على شاكلة «البنية مقابل الفاعل»، و«المادية مقابل الفِكر»، أو «المحلي مقابل الدولي»، كما هي الحال في العلاقات الدولية. وفي المبحث الثاني، نقدم مَفهمة Conceptualisation للدولة العربية، ونقترح إعادة التفكير في الدولة بوصفها مسار تشكُّل وتفكُّك Formation/ Deformation of Process، يجري داخل فضاءات اجتماعية Fields Social. إن إعادة التفكير في الدولة، بوصفها مسارًا، تضع مجموعات مختلفة بعضها أمام بعض، وتجعلنا نحدد الفاعلين الرئيسين: الأنظمة Regimes، وخصومها. وبتناول الفضاءات الاجتماعية بوصفها بنى رئيسة، وتشكُّل الدولة أو تفكّكها بوصفها مسارًا رئيسًا، والأنظمة وخصومها بوصفهما فاعلين رئيسين، يقدّم هذا الإطار الأدوات المفاهيمية والتحليلية للبحث الإمبريقي الذي نقوم به في المبحثين الأخيرين. في المبحث الثالث، ندرس مسارات بناء الدولة وأنواع الأنظمة المختلفة التي ظهرت في العالم العربي، حيث نُجري تحليلً كرونولوجيًا يقع في خمس فترات، يبدأ من «عصر الأوليغارشية الليبرالية

(1950–1920)»، وصولً إلى الانتفاضات العربية في عام 2010. أما التحليل الموضوعي، فيعرض أمثلةً، في المبحث الرابع، على المسارات الفاشلة والناجحة لبناء الدولة. تتمثل النتيجة الأساسية لهذا البحث في أنه يمكن وصف بناء الدولة في العالم العربي بالمنحنى الجَرسي (على شكل جرس Curve Bell–shaped)، بدلً من المقاربة الخطّية في مفهوم الدولة الفيبري

Weberian أو الويستفالي Westphalian. ويمكن تفسير ذلك – جزئيًا على الأقل – بأنه على الرغم من

أن بُناة الدولة تعلّموا كيفية إنشاء أنظمة محصنة باستراتيجيات احتكار السلطة، فإنهم لم يتمكّنوا من إنشاء مؤسسات شاملة، ضرورية لشرعنة سلطتهم، ومن ثمّ لبناء ائتلاف واسع من القوى الاجتماعية. وفي حين أن بناء النظام قد يُمثّل خطوةً أولى ضرورية نحو بناء الدولة، فإن الإصرار المفرط على بناء النظام، وخاصة بوجود دافع للحفاظ عليه، أعاق إمكان التقدم نحو بناء الدولة. وهكذا، فإن إحدى نتائجنا هي أن بناء الدولة فشل في معظم الحالات في إنتاج مؤسسات مستقلة تعلو على الفاعلين السياسيين وتستطيع تنظيم الصراع السياسي. وبدلً من ذلك، فإن البناء المؤسسي إما توقف، كما جرى في الحالات التي نجح فيها بقاء النظام أي في ذروة المنحنى، وإما تآكل وانهار حينما فشلت الأنظمة في الحفاظ على احتكارها مصادر السلطة المادية والفكرية.

أولا: لِمَ السوسيولوجيا التاريخية وما هي؟

خلال العقدين الماضيين، تركت السوسيولوجيا التاريخية بصمتها على تخصص العلاقات الدولية، وعلى دراسة الشرق الأوسط؛ فثمة من اعتبر السوسيولوجيا التاريخية نظريةً في العلاقات الدولية،

(10) Hinnebusch, The International Politics of the Middle East ; Halliday. (11) John M. Hobson, "What’s at Stake in ‘Bringing Historical Sociology Back into International Relations’? Transcending ‘Chronofetishism’ and ‘Tempocentrism’ in International Relations," in: Stephen Hobden & John M. Hobson (eds.), Historical Sociology of International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2002); George Lawson, "The Eternal Divide: History and International Relations," European Journal of International Relations, vol. 18, no. 2 (2010), pp. 203–226.

بينما حاول آخرون اعتبارها نظريةً للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط. وفي هذه الدراسة، نعتبر السوسيولوجيا التاريخية تقليدًا فكريًا عابرًا للتخصصات، لا حقلً دراسيًا في العلوم الاجتماعية، ولا نظرية في العلاقات الدولية؛ إذ تعود جذور السوسيولوجيا التاريخية إلى أعمال كارل ماركس وماكس فيبر ونوربرت إلياس، وفي ما بعد إلى أعمال بارينغتون مور Moore Barrington وتشارلز تيلي ومايكل مان Michael Mann وثيدا سكوبول وفيليب أبرامز. وبوصفها تقليدًا فكريًا، تبحث السوسيولوجيا التاريخية أسباب الظواهر الاجتماعية والسياسية ذات الجذور التاريخية، مثل الثورات الصناعية، أو تشكُّل الدولة أو الثورة، وتأثيرها في الأفراد والمجتمعات، وتسعى أيضًا لفهم دور الأفكار ومصالح الأفراد – بصفتها عوامل للتغيير – داخل بنى اجتماعية محددة. إن المساهمة الرئيسة التي تُقدّمها السوسيولوجيا التاريخية في النقاشات في العلوم الاجتماعية هي محاولاتها تجاوز العديد من الثنائيات التي تشكّل، أو حتى تعيق، فهمنا للعالم السياسي: المادي – الفكري، والفاعل – البنية، والمحلي – الدولي. وعلى الرغم من طبيعته التعددية، فإن هذا التقليد يقوم على خمس ركائز أساسية: • الأولى، يبحث تقليد السوسيولوجيا التاريخية إشكاليات العالم الواقعي وأحداثه، التي تُشك ل أساسًا للبحث. ويُعرّف الحدث Event باعتباره «وسيلة تحوّل بين الماضي والمستقبل؛ نشأت من الماضي

ولها دلالة للمستقبل [...] إنه حدث يُعزى إليه أهمية حضارية»، مثل الانتفاضات العربية في عام 2011، أو الثورة الإسلامية (إيران) في عام 1979، أو الحرب العالمية الأولى. ويفتح البحث في أسباب حدثٍ ما وعواقبه تساؤلاتٍ حول العديد من الاحتمالات النظرية التي يمكن أن تنشأ في المجالات المادية أو الفكرية أو الفردية أو البنيوية. • الثانية، تركز السوسيولوجيا التاريخية على المسارات التاريخية والتركيبات الاجتماعية التي تربط الأفراد والجماعات باعتبارها أساسًا للتحليل الاجتماعي. وتشهد السوسيولوجيا التاريخية «التفاعل بين السلوك ذات المغزى والسياقات البنيوية من أجل فهم المنطق وراء بيان النتائج المقصودة وغير المقصودة في حيوات الأفراد والتحولات الاجتماعية». يستطيع الباحث من خلال هذا النهج «أشكلة وجود الوحدات داخل السياسة العالمية [...] والتساؤل بطريقة أكثر منهجية عن التغييرات في هذه الوحدة»، وهو مهم لبحثنا في موضوع الدولة بوصفها مسارًا.

(12) Halliday, pp. 37–38. (13) Dennis Smith, The Rise of Historical Sociology (Cambridge: Polity Press, 1991); Theda Skocpol, Vision and Method in Historical Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 1984); Phillip Abrams, Historical Sociology (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1982). (14) Abrams, p. 191. (15) Skocpol, p. 1; Paul Pierson, Politics in Time: History, Institutions, and Social Analysis (Princeton: Princeton University Press, 2004), pp. 1–15. (16) Patrick Thaddeus Jackson & Daniel H. Nexon, "Relations Before States: Substance, Process and the Study of World Politics," European Journal of International Relations, vol. 5, no. 3 (1999), p. 292.

• الثالثة، ترفض السوسيولوجيا التاريخية ثنائية الفاعل – البنية، وهذا مرتبط بتركيزها على المسارات والتركيبات الاجتماعية. ويضع علماء السوسيولوجيا التاريخية الفاعل – سواء كان فردًا أم نظامًا أم دولة أم حركةً مسلّحة – في سياق معين، ويبحثون كيف يُولّد التفاعل بين الاثنين نتائج محددة. أما السياق،

فيتألف من خصائص مادية (وسائل العنف، والاقتصاد، والمؤسسات) ومعيارية (هوياتية، وق يَمية) تُمكّن

النشاط الاجتماعي والسياسي أو تعرقِله. وعلى عكس مختلف نظريات العلاقات الدولية، لا تُحيل السوسيولوجيا التاريخية إلى تحيّز أولي فلسفي، أو نظري للعوامل المادية/ المعيارية أو الفاعلة/ البنيوية.

وبدلً من ذلك، وكما يؤكد أبرامز، فإن هذه الثنائيات لا تتمظهر في الأفكار والنظريات المجردة واللغة الاصطلاحية، بل في العالم الواقعي من خلال الأفعال وردات الأفعال في وقت محدد. • الرابعة، تؤكد السوسيولوجيا التاريخية التفاعل بين مستويي التحليل المحلي والخارجي. ولم يُلم أحدٌ بهذا النهج، مثلما فعل تشارلز تيلي في نظريته في بناء الدولة وصنع الحرب في التاريخ الأوروبي كمسار مترابط: «إن المنطق الذي دفع الأعيان إلى توسيع (أو الدفاع عن) الحدود التي احتكرت فيها وسائل العنف، ومن ثم زاد من عوائده من الجزية، استمر على نطاق أوسع ضمن منطق الحرب. فإنشاء حدود كبيرة للسيطرة، التي في داخلها قضى اللوردات الكبار على منافسيهم، هو فقط ما وضح الخط الفاصل بين ‘الداخلي والخارجي»’. مرةً أخرى، لا يعطي علماء السوسيولوجيا التاريخية تفضيل قَبْليًا Apriori للمستويين المحلي أو الدولي. بدلً من ذلك، يتركون الأمر للبحث، ليقرر متى وماذا وكيف يُولّد كل مستوى نتيجة معينة.

(((1 يجادل نوربرت إلياس بأن «الاستخدام المعاصر يقودنا إلى الاعتقاد أن ‘الفرد’ و‘المجتمع’ هما مفهومان مختلفان يشيران إلى

شيئين موجودين بشكل مستقل، إلّ أنهما يشيران إلى مستويين مختلفين، لكن غير منفصلين عن عالم الإنسان». ينظر:

Norbert Elias, What is Sociology (New York: Columbia University Press, 1970), p. 129.

كما أنه شبّه التفاعلات الاجتماعية والسياسية بين الأفراد والدول والإمبراطوريات، أو ما سمّاه «التصويرات» برقصة اجتماعية، حيث

لا يمكنك التفكير في رقصة منفصلة عن الراقصين. ينظر:

Elias, The Civilizing Process , p. 482.

((1(يلاحظ أبرامز أن السوسيولوجيا التاريخية «تتعلق في النهاية بعلاقة الفرد، بوصفه وكيل له أهداف وتوقعات ودوافع، بالمجتمع

باعتباره محيطًا مقيّدًا للمؤسسات والقيم والمعايير.»

Abrams, pp. 7–8. (19) Ibid. (20) Charles Tilly, "War Making and State Making as Organized Crime," in: Skocpol, Evans & Rueschemeyer (eds.), pp. 184–185.

(((2 من المفارقة أن نهج السوسيولوجيا التاريخية للتفاعل المحلي والدولي يتوافق مع الواقعية الجديدة لكينيث والتز، التي عادة ما ينتقدها علماء السوسيولوجيا التاريخية في العلاقات الدولية. ويجادل والتز بأن «القول إنه سيكون مفيدًا النظر إلى السياسة الدولية

من منظور الأنظمة، لا يعني القول إن النظام يحدد سمات الدول وسلوكها، بل بالأحرى يراد إبقاء السؤال المثير للاهتمام من الناحية النظرية، والمهم من الناحية العملية هو حول ماذا، في أنظمة مختلفة، قد تكون الأوزان السببية المتناسبة لمستوى الوحدة والعوامل على مستوى الأنظمة.»

Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, UK: Addison–Wesley, 1979), pp. 48–49.

• الخامسة، تُكرّس السوسيولوجيا التاريخية نفسها للنظرية. وعلى الرغم من أن السوسيولوجيا التاريخية

لا تنسب نفسها إلى أي معسكر منهجي أو نظري بعينه، فإن ارتباطها بإشكاليات العالم الواقعي

والمسارات التاريخية يجعلها ميدانًا للحوار بين النظرية والأدلّة الإمبريقية. وترفض السوسيولوجيا التاريخية التنظيرات الشاملة التي تحاول تفسير مجموعة واسعة من الظواهر من ناحية، والمقاربات السلوكية التي تتفادى النظرية من ناحية أخرى. وتتمثل المهمة الرئيسة للسوسيولوجيا التاريخية في «إحداث توازن بين العمل النظري والإمبريقي، وبين إدراك تعقيد العالم الاجتماعي، مع ضمان عدم التشتت في التفاصيل الدقيقة في الوقت نفسه». إن هذه العناصر المرتبطة بتقليد السوسيولوجيا التاريخية مفيدة لبحث تشكّل الدولة وتفكّكها في العالم العربي. وفي المبحث التالي، ننطلق من هذه الركائز الأساسية للسوسيولوجيا التاريخية، لنطوّر إطارًا

نظريًا خاصًا لتفسير تشكّل الدولة وتفكّكها في العالم العربي.

ثانيًا: الدول وبناء الدولة: البنى والمسارات والفاعلون

يُحدّد الإطار الذي نطوّره هنا ما يُعرّفه ديتريش روشيميير على أنه «إطار فكري مثمر للبحث»، والذي

يُحدّد ويبرر أهمية عوامل وعمليات ومفاهيم معينة لفهم الظواهر السياسية وتفسيرها. ولفهم الدولة

ومسار تشكُّلها أو تفكّكها، ثمة حاجة أولً إلى تحديد البنى والمسارات والفاعلين الرئيسين الذين شكّلوا الدول وحدّدوا مسار تشكل الدولة في العالم العربي، ومن ثم ربطهم بعضهم ببعض.

1. البنى: الفضاءات الاجتماعية

تتمثل نقطة الانطلاق لفهم الدولة في العالم العربي في تحديد السياقات الاجتماعية التي نشأت فيها الدولة وتطورت. ونجادل هنا بأن تفكك الدولة العثمانية داخل ما بات يُعرف بالشرق الأوسط، لم ينتج

منه «دول قومية» موحَّدة وراسخة، بل يمكن مَفهمتها باعتبارها فضاءات اجتماعية Fields Social

تُشكّل السياقات الاجتماعية التي تتشكّل أو تتطور أو تتفكك الدول فيها. لم تكن هذه الفضاءات الاجتماعية في الأصل إلا مناطق نفوذ، رُسمت حدودها لمصلحة بريطانيا وفرنسا، لكن ترسيم حدود

(22) Skocpol, pp. 361–362. (23) Colin Hay, Political Analysis: A Critical Introduction (Basingstoke: Palgrave, 2002), pp. 44–49. (24) George Lawson, "Historical Sociology in International Relations: Open Society, Research Programme and Vocation," International Politics , vol. 44, no. 4 (2007), p. 356. (25) Dietrich Rueschemeyer, "Can One or a Few Cases Yield Theoretical Gains?" in: James Mahoney & Dietrich Rueschemeyer (eds.), Comparative Historical Analysis in the Social Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 318, 329.

(((2 يلاحظ هينبوش أن رسم الحدود السياسية تعسفيًا أدى إلى خلق «نزعة ترسيخية شاملة»، استمرت في خلق انقسامات سياسية

في المنطقة. ينظر:

Hinnebusch, The International Politics of the Middle East , p. 155. (27) Saouli, The Arab State , pp. 8–28;

بالنسبة إلى نيل فليغشتاين، تشير الفضاءات إلى «مواقع تتجمع فيها مجموعات منظمة من الفاعلين وتؤطر سلوكهم تجاه بعضهم بعضًا». ينظر:

Neil Fligstein, "Social Skills and Theory of Fields," Sociological Theory, vol. 19, no. 2 (2001), p. 108.

هذه الفضاءات وضعها على طريق يتبع مسارًا خاصًا ومستقلً. ويتضمن الفضاء الاجتماعي ثلاثة عناصر بنيوية: الحدود الجغرافية (الفضاء)، والبنية المادية (الظروف المناخية والاقتصادية)، والبنية الثقافية (التركيبة القَبلية أو الإثنية أو الدينية)، إلى جانب خاصيتين منبثقتين: الميدان السياسي، ومؤسسات الدولة. أولً، تنطوي الفضاءات الاجتماعية على حدود جغرافية، ومن ثم اجتماعية، تُميّزها من الفضاءات

الأخرى. وفي الواقع، هذه الحدود التي أخذت مع الوقت طابعًا سياسيًا وقانونيًا، والتي اعترفت بها

بعض القوى الخارجية، باتت محلّ خلاف مع فاعلين خارجيين من حيث الحفاظ عليها أو حتى إعادة تعيينها، وهي جزء من الصراعات السياسية في طريق بناء الدولة. ولا يُحدّد الموقع الجغرافي للفضاء الاجتماعي دينامياته السياسية الداخلية فحسب، بل أيضًا علاقاته ودوره في النظام الإقليمي الأوسع. ثانيًا، تتضمن البنية المادية للفضاء الاجتماعي البيئة المناخية والسوسيو – اقتصادية التي تُحدّد طريقة

تشكُّل الدولة. على سبيل المثال، لا يمكن فصل تاريخ تشكُّل الدولة السعودية عن الظروف المناخية للصحراء وصعوبة تأسيس سلطة سياسية مركزية، واكتشاف النفط في القرن العشرين. ومن ناحية أخرى، يمكن فهم تاريخ مصر الممتد في تأسيس الدولة، من خلال وجود نهر النيل المُحاط بالصحاري من جميع الجوانب، ووجود شعب مستقر وحكم سياسي مركزي يقوم بتنظيم الري والزراعة وحل النزاعات الاجتماعية. وشكّل اختلاف الظروف المناخية، أيضًا، البنى الاجتماعية والاقتصادية. ففي حين امتلكت دول مثل السعودية والجزائر وقطر موارد طبيعية، مثل الغاز والنفط، اعتمدت دول أخرى، مثل مصر وسورية، على الاقتصاد القائم على الزراعة؛ ما أدى، على سبيل المثال، إلى صعود أنظمة شعبوية أتت بمشاريع وطنية تقدمية في فترة ما بعد الاستقلال. ثالثًا، يتألف الفضاء الاجتماعي من بنية أو تركيبة ثقافية تشمل خصائصه الإثنية والدينية والقَبلية واللغوية. وتُعدّ بعض الفضاءات الاجتماعية، مثل لبنان والعراق وسورية، غير متجانسة من حيث التركيبة الدينية والإثنية، في حين تُعدّ أخرى، مثل تونس ومصر، متجانسة، أما فضاءات أخرى فهي قَبلية، مثل السعودية وقطر والكويت. وأثّرت هذه الأنسجة الاجتماعية المتفاوتة في مسار تشكُّل الدولة، سواء خلال بنائها، أو تحديد أنواع الأنظمة، أم خلال عملية احتكار استخدام العنف، كما سنوضح. تشكل العناصر الثلاثة المذكورة سابقًا المكوّنات الرئيسة للفضاء الاجتماعي والبيئات الثقافية والمادية التي تجري داخلها الصراعات السياسية. نحن في حاجة إلى تحديد ميدانين آخرين ناشئين في الفضاء الاجتماعي. أولً، الميدان السياسي، وهو المكان الذي يتنافس فيه الفاعلون السياسيون – سواء كانوا قادة أم قبائل أم أحزابًا سياسية – على السلطة والموارد الاقتصادية والمضامين والمدلولات الثقافية. وهكذا، تصبح الفضاءات الاجتماعية ساحات تضع فرصًا وقيودًا أمام الفاعلين السياسيين، الذين يقومون في أثناء سعيهم

(28) Steffen Hertog, "The Sociology of the Gulf Rentier Systems: Societies of Intermediaries," Comparative Studies in Society and History , vol. 52, no. 2 (2010), pp. 282–318. (29) David Waldner, State Building and Late Development (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1999).

من أجل الهيمنة، بتسييس مكوّنات البنية الثقافية: الدينية أو الطائفية أو القبلية، أو بنى مادية مثل الطبقة

الاجتماعية. وتجد الصراعات السياسية حلّها مع إنشاء مؤسسات في الفضاء الاجتماعي، وهي الميدان الثاني. ويحدث بناء المؤسسات «من خلال محاولة الفاعلين المؤثرين إنتاج قواعد الاشتباك بهدف تحقيق استقرار في وضعهم أمام الفاعلين الآخرين؛ المؤثرين والأقل تأثيرًا». وإضافةً إلى حاجتها إلى تحقيق

استقرار في علاقاتها، صُمّمت المؤسسات لإعادة إنتاج الهيمنة، وهو أمر أساسي في مسار تشكُّل الدولة،

لكنه مهم كذلك لفهم المقاومة لهذه الهيمنة السياسية التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك الدولة.

2. المسارات والفاعلون: تشكل الدولة والأنظمة والخصوم

في التحليل السابق، وصفنا العناصر الأساسية للفضاء الاجتماعي باعتبارها البنية التي يمكننا من خلالها فهم تشكُّل الدولة. لكن، ماذا عن المسار ذاته؟ قد يكون من المفيد هنا التوقف والتساؤل عن ماهية الدولة. لقد قدّم ماكس فيبر نموذجًا معياريًا للدولة، يمكن استخدامه لتقييم الحالات الواقعية،

لقد مَفهَم الدولة باعتبارها «تنظيمًا سياسيًا قهريًا»، حيث «يدّعي إداريوها امتلاك احتكار الاستخدام

الشرعي للعنف المادي لإنفاذ نظامها [...] داخل إقليم معين». والأسئلة الرئيسة لفهم تشكّل الدولة العربية هي: كيف ومتى يُحتكَر استخدام العنف المادي؟ وكيف يُصبح احتكار العنف شرعيًا؟ لقد

شغلت هذه الأسئلة العديد من علماء السوسيولوجيا التاريخية. في محاولة لفهم وتفسير تشكُّل الدولة في العالم العربي وتفككها، نجادل هنا بأن هذا المسار ينطوي على احتكار ثلاثة عناصر مترابطة من الحياة السياسية في الفضاء الاجتماعي: احتكار حيازة العنف واستخدامه، والإطار الأيديولوجي، والموارد الاقتصادية التي تُمكّن من احتكار العنصرين السابقين. يتمثل العنصر الأول في احتكار العنف عبر أجهزة مثل الشرطة والأمن والجيش، التي تمنع الدولة من خلال مجموعة حاكمة، منافسيها من الحصول على وسائل العنف التي من شأنها تهديد هيمنتها. ويُعد

احتكار العنف عنصرًا حاسمًا في تشكُّل الدولة، وهو شرط ضروري للتبادل الاقتصادي، ولتأسيس نظام

سياسي وقانوني واسع. ونظريًا، تبدأ حالة الحرب والفوضى حين يتفكك احتكار وسائل العنف في

الفضاءات الاجتماعية. في العالم العربي، كما سنرى، كان احتكار العنف نقطة انطلاق لمسارات تشكُّل الدولة. وبدءًا من

خمسينيات القرن الماضي، وفي الجمهوريات، مثل مصر والعراق وسورية واليمن وليبيا، لوح ظَت مسارات متفاوتة، لكنها ثابتة، للمنافسة داخل الجيش والسيطرة عليه، امتدّت بعد ذلك إلى مجالات أخرى من الحياة الاجتماعية والسياسية، مثل الحزب السياسي والمجتمع المدني والاقتصاد. أما في المَلكيات، مثل الأردن أو السعودية، فقد احتكرت الأسر الحاكمة العنف بتنصيب حلفائها في

مؤسسات الدولة الرئيسة، ومن ثم ضمنت سيطرتها على هذا المجال.

(30) Fligstein, p. 108. (31) Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology , Guenhner Roth & Cluse Wittich (eds.) (Berkeley: University of California Press, 1978). (32) Elias, The Civilizing Process ; Tilly.

جدول يبين مسار بناء الدولة البنى

المسارات

الفاعلون

البنىالمساراتالفاعلون
الفضاء الاجتمعيتشكُّل/ تفكّك الدولة
احتكار:
الأنظمة وخصومها
ارلحدود الجغرافيةاألعنف
امالتركيبة الثقافيةااملأيديولوجيا
البنية الاقتصاديةالموارد الاقتصادية

المصدر: من إعداد الباحثَين.

أما المجال الثاني، فهو السيطرة على الموارد الاقتصادية. ففي حين كانت جباية الضرائب في سياق تشكُّل الدولة الأوروبية أمرًا ضروريًا للملوك من أجل تمويل الحروب وقمع المنافسين الداخليين

وبناء الدول في نهاية المطاف، فإن السيطرة على الموارد الطبيعية – مثل النفط – منحت الأنظمة الحاكمة في العالم العربي استقلالية نسبية عن القوى الاجتماعية والسلطة الكافية لمكافأة حلفائها أو معاقبة منافسيها، إضافة إلى وسائل تعزيز العنف المادي في نهاية الأمر. في الجمهوريات، مثل مصر وسورية وتونس، أدت السيطرة على الاقتصاد أو التحكم فيه – سواء من خلال إحلال الواردات وإصلاح الأراضي في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، أم من خلال رأسمالية المحاسيب Crony Capitalism لأنظمة ما بعد الشعبوية – إلى تزويد الأنظمة بأداة اقتصادية فعالة لإعادة إنتاج سلطتها. ثالثًا، يتنافس الفاعلون السياسيون في مسارات تشكُّل الدولة على احتكار الإطار الأيديولوجي، حيث يحافظون على هيمنتهم من خلال إنتاج، أو إعادة إنتاج، إطار أيديولوجي؛ قد يكون عقيدة سياسية (القومية العربية أو الاشتراكية)، أو فكرة دينية (الإسلاموية)، أو هوية طائفية (الشيعية). وتخدم هذه الأطر الأيديولوجية أكثرَ من غرض، فهي: 1. تُميّز هويات وأعرافًا وقِيَمًا ورؤى معينة تعمل في ما بعد

على تحديد معيار السلوك الاجتماعي والسياسي المقبول والمتوقع؛ 2. لها دور حاسم في عملية بناء الأمة، أي تكوين انتماء قومي وإعادة إنتاجه في سياق تشكل الدولة؛ 3. مهمة لتعبئة شرائح المجتمع وتنظيمها ضد الخصوم الخارجيين أو الداخليين؛ 4. تُعدّ محورية في شرعنة هيمنة النظام الحاكم على القوى الأخرى. على سبيل المثال، ناصرت الجمهوريات الثورية العربية في مصر والعراق وسورية وليبيا والجزائر، في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، أفكارَ القومية العربية والاشتراكية ومناهضة الإمبريالية والاستقلال الوطني؛ بهدف نزع الشرعية عن حكم أسلافهم وتحجيم الأيديولوجيات المنافسة، مثل الإسلاموية والشيوعية. واحتكر النظام السعودي تفسيرًا واحدًا للإسلام (الوهابية)، وأمدّه

بفكر شامل يتجاوز الانقسامات القَبلية والمناطقية لشرعنة سلطته.

(33) Tilly. (34) Saouli, "Back to the Future."

عندما تنجح إحدى المجموعات في احتكار عناصر العنف والاقتصاد والأيديولوجيا، يتشكل النظام الذي يختلف عن الدولة بطبيعة الحال. إن النظام هو تحالف قوى تربطها مصالح أيديولوجية وسياسية واقتصادية تسعى لاحتكار السلطة داخل الفضاء الاجتماعي. ويُحفّز تشك ل

النظام بدوره عمليةَ بناء الدولة. ولترسيخ السلطة وإعادة إنتاجها، يُنشئ النظام المؤسسات الأمنية

والاستخبارية والشُرطية والحزبية والاجتماعية التي تُبنى بوصفها مؤسسات «عامة» أو «حكومية»، إلّ أنها تكون في المراحل الأولى لبناء الدولة مؤسسات خاصة لحماية النظام المهيمن، ومع مرور الوقت، فحسب، تبدأ في اكتساب هوية عامة، وهو ما يعتمد تاريخيًا على تمثيل هذه المؤسسات

للقوى المجتمعية المختلفة. وإذ ا، يُعدّ النظام مجموعة مهيمنة تسيطر على أخرى داخل الفضاء

الاجتماعي. وأدرك ماكس فيبر هذا التمييز؛ إذ جادل بأن «الدولة، كما المؤسسات السياسية التي سبقتها تاريخيًا، هي علاقة غلبة جماعة على أخرى، وهي علاقة مدعومة بوسائل العنف الشرعي

(أي التي تعتبر شرعية»). لكن، ما الذي تريده هذه الأنظمة؟ إن الهدف الجوهري للنظام هو الحفاظ على السلطة، وهو شرط مسبق لتحقيق أي أهداف أيديولوجية أو تنموية. وتعمل هذه الأنظمة ضمن ميدانين، يمكن الفصل بينهما في أثناء التحليل، إل أنهما مترابطان في الواقع: الفضاء الاجتماعي، والنظام الدولي. وهذا التركيز المفاهيمي على الأنظمة ينقل التحليل من مفهوم «أمن الدولة» المهيمن في حقل العلاقات الدولية، إلى مفهوم أمن النظام؛ أي «أمن أولئك الذين يدّعون تمثيل الدولة بما فيها من حدود ومؤسسات.»

وبناء عليه، يُحدّد الأمن/ انعدام الأمن «ت بعًا لنقاط الضعف الداخلية والخارجية التي تُهدّد، أو لديهاِ

القدرة، على إسقاط أو إضعاف الأنظمة الحاكمة وهياكل الدولة إقليميًا ومؤسساتيًا». خلاصة القول، عند محاولة مَفهمة مسار تشكُّل الدولة في العالم العربي، فإن من المهم التمييز بين النظام والدولة مَفاهيميًا؛ وبذلك يُمكننا اتخاذ خطوة إلى الأمام لفهم ديناميات تشكُّل الدولة وتفكّكها.

وتدفع هيمنة النظام المجموعات المتضررة داخل الفضاء الاجتماعي إلى مقاومته. ومن ثم، أنتجت كل محاولات بناء الدولة في العالم العربي معارضةً خرجت من الحركات الاجتماعية والسياسية، أو من زعماء المعارضة أو القبائل. ولا تشكّل هذه القوى المعارِضة – التي تملك أطرًا أيديولوجية مختلفة

في العادة – مجرد معارضة للحكومة القائمة، بل شكّلت أنظمةً بديلة تسعى لبناء الدولة أو إعادة بنائها. ولتحدي الأنظمة القائمة، هدفت قوى المعارَضة إلى نزع احتكار النظام الحاكم للأيديولوجيا والاقتصاد، وحتى وسائل العنف. وتنطوي مقاومة هيمنة النظام على التعبئة السياسية لشرائح المجتمع المتضررة، من خلال تنشيط الجماعات داخل الفضاء الاجتماعي التي تنتمي إلى هويات مختلفة أو طبقات اجتماعية واقتصادية.

(35) Elias, The Civilizing Process. (36) Weber, "Politics as a Vocation," p. 2. (37) Mohammad Ayoob, The Third World Security Predicament: State Making, Regional Conf l ict, and the International System (Boulder, CO/ London: Lynne Rienner Publishers, 1995), p. 9.

ماذا يعني كل هذا؟ يجب مَفهمة الدولة وتشكّلها في العالم العربي على أنها مسار Process ينطوي

على دينامية السيطرة والمقاومة من مجموعات مختلفة. وعلى هذا النحو، لا يُعدّ تشكُّل الدولة مسارًا

خطّيًا يتّجه دائمًا نحو الترسيخ، بل يمكن أن تتفكك الدول.

ثالثًا: الاختلافات في أشكال الأنظمة ونشأتها

يمكن تمييز عدة مراحل لتشكُّل الدولة في العالم العربي.

1. عصر الأوليغارشية الليبرالية (1956-1920)

بدأ مسار بناء الدولة في العالم العربي خلال فترة الاستعمار الغربي للمنطقة. كان على القوى الإمبريالية أن تلجأ إلى نخب المنطقة لتحكم من خلالها المناطق المستعمَرة؛ فهدفت بذلك إلى إنشاء طبقة

حاكمة جديدة، تتكوّن من الأعيان العثمانيين وزعماء القبائل الموجودين سلفًا. وقد سُمِحَ لهؤلاء

بتأسيس مِلكيّة خاصة وواسعة للأراضي كقواعد للسلطة، وذلك لمنحهم حصة في النظام الجديد،

وبناء عليه نُصّبوا في مناصب حكومية جديدة (أو ثُبّتوا في المناصب القديمة). كما استوردت القوى

الإمبريالية – أو عزّزت – بنى الدولة القائمة؛ أي البيروقراطيات والجيوش. واستكملت الإمبريالية أيضًا ضم دول إقليمية في النظام الرأسمالي العالمي، حيث كان دورها تزويد الغرب بالمواد الخام (القطن والنفط)، وتوفير أسواق للمصنوعات الغربية؛ ما أدى إلى إلحاق الضرر بالصناعات التقليدية والسيطرة على سوق المصنوعات وتأخير تكوّن طبقة صناعية رأسمالية محلّية خلال المراحل الأولى على الأقل.

وكانت النتيجة الأكثر أهمية لفرض النظام الويستفالي من الخارج، هي التناقض بين الدولة وحدودها والهوية؛ حيث استمرت الولاءات للهويات المحلية والهويات العابرة للدولة قوية، على حساب الدولة وبنيتها الوحدوية، أي حركات إعادة ترسيم الحدود. وقوبِلَت التجربة الاستعمارية بالشجب على نطاق واسع في معظم أنحاء المنطقة؛ ما أدى إلى ظهور حركات استقلال نجحت في اكتساب سيادة معترَف

بها لمختلف الدول العربية بالتزامن مع إضعاف القوى الاستعمارية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن، أعيقت محاولات بُناة الدولة الجدد منذ البداية، بسبب الشرعية المتزعزعة للدول الجديدةُ،

وبإدراك أن القادة الجدد ظلوا عملاء للغرب. وفي الواقع، هيمنت على المنطقة أنظمة حكم أوليغارشية وملَكية استمر بعضها تحت هيمنة بريطانيا وتبعيتها الاقتصادية. وجرى بناء الدولة والنظام بعد

الاستقلال، وسط انهيار واسع للسلطة التقليدية، حيث ساد فراغ تنافست فيه القوى الاجتماعية على السلطة. وتحدّت الطبقة الوسطى الناشئة سلطة الأوليغارشيين الليبراليين والملوك الذين ورثوا السلطة

(((3 للمحة عامة حول الأعمال الكلاسيكية عن تشكل الدولة في المنطقة، ينظر:

Simon Bromley, Rethinking Middle East Politics (Austin: University of Texas Press, 1994).

(((3 للمزيد حول الإمبريالية في الشرق الأوسط وتأثيرها في المنطقة، ينظر:

Jeremy Salt, The Unmaking of the Middle East: A History of Western Disorder in Arab Lands (Berkeley: University of California Press, 2008); David Fieldhouse, Western Imperialism in the Middle East: 1914–1958 (Oxford: Oxford University Press, 2006); David Fromkin, A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Avon Books, 1989); Lawson, "Historical Sociology in International Relations".

مع انسحاب الإمبريالية الغربية تدريجيًا من المنطقة. وحُشِدَت الطبقة الوسطى من أطراف روّجوا

لأيديولوجيات راديكالية جديدة، حلّت محل الليبرالية الأوليغارشية. وأثارت الحركات القومية العربية المهيمنة مطالبَ لإنهاءِ القواعد والمعاهدات الغربية، وروّجت للوحدة العربية وتحرير فلسطين، بالتوازي مع مطالبتها بإعادة توزيع الثروة، وخاصة الأرض، وإنهاء التبعية الاقتصادية للغرب من خلال التصنيع الذي ترعاه الدولة. واجهت الأنظمة الأوليغارشية الليبرالية في فترة ما بعد الاستقلال، التي تتّسم بتنافس النخبة الليبرالية ذات التمثيل الجماهيري المتواضع، تمرّدًا من الطبقة الوسطى الناشئة والعمال والفلاحين. وسعت

الطبقة الوسطى لحشد العمال والفلاحين. وعلى الرغم من أنهم حققوا بعض النجاح في الكثير من الأحيان، فإنهم كانوا في وضع غير مواتٍ في أثناء الانتخابات التي خضعت للمحسوبية. ونتيجة لذلك، لجؤوا إلى الجيش، حيث كان الضباط غالبًا تحت سيطرة ضباط آخرين من الطبقة الوسطى مسيّسين

لتحدي نخب الطبقة العليا. تمثّلت نقطة التحول الرئيسة في نزع الشرعية عن الأوليغارشيين الليبراليين، في فشل الدول العربية المستقلة حديثًا في منع قيام إسرائيل؛ ما أدى إلى نفور الضباط الشباب في الجيش على نحوٍ خاص. وبدءًا من عام 1949، أي بعد فترة وجيزة من حرب فلسطين، دمرت موجة من التدخلات العسكرية

الحكم البرلماني للأعيان في معظم أنحاء المنطقة. وبدلً من تحقيق نظام مستقر وجديد، بدأت حقبة من عدم الاستقرار، سادتها الانقلابات والثورات التي استمرت حتى سبعينيات القرن العشرين. أما الدول العربية الضعيفة وغير المستقرة، إلى درجة عدم استطاعتها إدارةَ سياسات خارجية عقلانية، فانتهجت خطابًا مناهضًا للإمبريالية لإرضاء المعارضة الداخلية، أو لجأت إلى جهود لتحقيق ضمانات أمنية خارجية ضد هذه المعارضة. كانت تركيا وإيران الاستثناء في المنطقة؛ إذ تمتعت هاتان الدولتان اللتان كان بُناتهما من السكان الأصليين بشرعية أكبر من تلك التي امتلكتها الدول ذات السيادة الأجنبية، ما منح قادتها الاستقلالية في صنع السياسة الخارجية، ومكّنتهم من اتّباع سياسات تحاكي الفهم الكلاسيكي للدولة، وتتوجّه بشكل أساسي نحو التهديدات الخارجية المُتصوَّرة. تعني هذه الاختلافات في تشكل الدولة، الناشئة من استقلال تركيا باكرًا وزرع الصهيونية في المنطقة،

أن الدول العربية واجهت خصومًا أقوى من غير العرب. قبل فترة طويلة، دفعت القدرات العسكرية المحدودة للأنظمة العربية والأيديولوجية السلالية (المرتبطة بالسلالة)/ الأوليغارشية، إلى قبول قواعد النظام المتعدّد الأقطاب، أي ألّ تُعرّض أي دولة مصالح جيرانها الحيوية للخطر. لكن سرعان

ما أحبطَ ذلك من خلال اجتماع عدة قوى. ولم تستطع الأنظمة الأوليغارشية ذات القاعدة الجماهيريةُ الضعيفة التي تعاني نزع الشرعية، بسبب ارتباطها بالقوى الإمبريالية القديمة، احتواءَ القومية المتصاعدة

(40) Patrick Seale,  The Struggle for Syria (Oxford: Oxford University Press, 1965). (41) Bruce Maddy–Weitzman, The Crystallization of the Arab State System: 1945–1954 (New York: Syracuse University Press, 1993).

للطبقةِ الوسطى. والطبقة الأخيرة احتضنت أشكالً من الهوية العربية أو الإسلامية باعتبارها أكثر الأسلحة فاعلية ضد نظام الأوليغارشية، وخاصة أنها تسلّلت إلى الجيش، واستولت على الجهاز القمعي للأوليغارشية. وباستثناء بعض الممالك الخليجية الأقل تعبئةً، سقطت هذه الأنظمة في جميع أنحاء المنطقة في خمسينيات القرن الماضي، وفتحت الباب لعصر جديد أمام المنطقة. خلال هذه الفترة، ظلت الفضاءات الاجتماعية محل نزاع شديد، وخصوصًا بسبب التعارض بين الحدود الجغرافية المفروضة من الخارج، والحدود الاقتصادية والاجتماعية – القَبلية والإثنية والطائفية – التي كانت عابرة للحدود، على الرغم من أنها أقل وضوحًا بكثير في حالات قليلة، مثل مصر، حيث كان

الاجتماع السكاني أكبر بكثير حول وادي النيل. كما لم تنجح أي مجموعة في احتكار موارد بناء الدولة. وبناء عليه، ربما سيطرت الأوليغارشية الحاكمة على الموارد الاقتصادية، ولا سيما العقارات والنفط في منطقة الخليج، لكنها كانت تفتقر إلى ضمان السيطرة على أجهزة العنف، كما عانت اضطرابات أيديولوجية. وهكذا، ظلت الأنظمة والدول ضعيفة جدًا وغير آمنة في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. كان عصر الوحدة العربية (1970–1950) بمنزلة ردة فعل على الأوليغارشية والإمبريالية، تحقق من خلال إنهاء الاستعمار عالميًا. وأدت حرب فلسطين والنضال من أجل التخلّص من الإمبريالية، إضافة

إلى الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى تسريع التعبئة السياسية في المنطقة العربية، وهو ما زعزع استقرار معظم أنظمة المنطقة، وأحال إلى عقد من الانقلابات العسكرية والثورات التي قادها الجيش في كثير من الأحيان. وأدى ذلك بدوره إلى انعدام استقرار «بريتوري» Praetorian، أي انقلابات الجيش وثورات الطلاب. وبحلول ستينيات القرن العشرين، كانت سياسات المنطقة تركز أساسًا على مساعي

بُناة النظام لتأسيس السلطة أو استعادتها. ومع انهيار الأوليغارشية الليبرالية في جميع أنحاء المنطقة (مع

بقائها في لبنان فحسب) وإطاحة الجيش بسلسلة من الملكيات، ظهر نموذجان متنافسان مُهيمنان على

الحكم: الملكيات الريعية «التقليدية»، والجمهوريات السلطوية «الشعبوية». وهكذا، ذهب تشكُّل الدولة في المنطقة في مسارين مختلفين تمامًا. استغرقت الجمهوريات السلطوية بعض الوقت لتوطيد سلطتها، فقد ظهرت حيث فقدت الأوليغارشية الحاكمة شرعيتها. لكن الحكام الجدد – عادة يكونون ضباطًا عسكريين – عانوا أيضًا عجزًا في الشرعية في البداية؛ إذ لم يكن لديهم شرعية تقليدية ولا ديمقراطية، فقد نشأت أنظمة أتت من الطبقة الوسطى – مكوّنة من ضباط وطنيين – أطاحت بالنخب التابعة للغرب، إلّ أنها لم تمتلك شرعية

ديمقراطية أو شعبية. وبناء عليه تطلّب مسار بناء الدولة معارضة الطبقات العليا المتشظّية، وكذلك وجود عداء غربي؛ ما يتطلّب، إذًا، قدرًا من الدعم الشعبي من خلال إعادة توزيع الثروة. وقُلّص

الاعتماد الاقتصادي على الغرب، حينما انتشرت المساعدات والأسواق في الكتلة الشرقية، ومن ثم كانت الثنائية القطبية على المستوى الدولي شرطًا أساسيًا لنجاح هذا المسار.

(42) Manfred Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa (Princeton: Princeton University Press, 1963).

سعت النخب السياسية الجمهورية لإقامة أنظمة سلطوية تحديثية، تُشرعَن من خلال كاريزما القائد، وبتعزيز الأيديولوجيات القومية والإصلاحية الاجتماعية أيضًا، وبإنشاء بنى السيطرة – الجيوش، والبيروقراطيات، والاستخبارات – التي تستطيع احتكار العنف المشروع على أراضي الدولة، وهو معيار فيبر لتشكُّل الدولة. كانت المشكلة الرئيسة والمباشرة لهذه النخب الجديدة هي الحفاظ على موثوقية جهاز العنف، وفشل معظمها طوال عقد في اختبار «منع الانقلاب». في موازاة ذلك، جرى تبنّي نظام الحزب الواحد على نطاق واسع لإرضاء ضغوط المشاركة وحشد المؤيدين. كان الائتلاف الحاكم تحت سيطرة «البرجوازية الصغيرة» (أصحاب الأملاك الصغيرة، والطبقات الحاصلة على رواتب)، قد شرع في مسار التنمية «رأسمالية الدولة»؛ أي استخدام القطاعات العامة لدفع التنمية الرأسمالية الوطنية، بينما استخدم سياسات إعادة التوزيع الشعبوية لتعبئة الطبقات الدنيا (العمال والفلاحون) من خلال الإصلاح الزراعي والوظائف الحكومية وحرية التعليم والخبز المدعوم. وسعت جميع هذه الأنظمة الجمهورية إلى إضفاء الشرعية على القومية الراديكالية، ومن هنا اتخذت السياسة الخارجية شكل الخطاب المناهض للإمبريالية والصهيونية. كانت مصر تحت حكم جمال عبد الناصر النموذجَ الأمثلَ للنظام الجمهوري الذي نجح منذ البداية

في بناء أساس جديد للسلطة؛ إذ قامت النخبة الجديدة المكوَّنة من «الضباط الأحرار» بقمع كل

المنافِسين على السلطة، سواء كانوا ليبراليين أم من الإخوان المسلمين، وركّزت السلطة في أيديها. وبرز عبد الناصر بوصفه قائدًا كاريزميًا بسبب حملاته المناهضة للإمبريالية، ولا سيما تأميم قناة السويس

وممتلكات الأجانب وإعادة توزيع الإصلاحات الاجتماعية. لقد ركّز عبد الناصر قوته في رئاسة قوية وصقل الجيش كقاعدة لسلطته، ووسّع البيروقراطية إلى حدٍ بعيد، ونظم أنصاره في حزب حاكم واحد،

كما اختار مجموعات أخرى في برلمان تابع. وعكس ذلك استراتيجية تقليص التنافس بين النخبة وتركيز «السلطة السلطوية» بالمجاورة مع توسيع الضم الجماهيري، من خلال سياسات اجتماعية لإعادة التوزيع والتنمية الاقتصادية الوطنية. وسمحت «انتصارات» سياسة عبد ناصر الخارجية على الإمبريالية بتأكيد القيادة العربية الإقليمية التي عزّزت سلطته في الداخل. وكذلك، تبوّأت مصر مكانة

بارزة بين الجمهوريات من خلال مزيج من جاذبية عبد الناصر العروبية، إضافةً إلى أنها كانت أكثر سلطة عربية استقرارًا وتماسكًا ومواجَهةً للأوليغارشية الضعيفة والأنظمة العسكرية غير المستقرة في

الدول العربية الأخرى. وقد استغل عبد الناصر انتقال العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى نظام ثنائي القطبية، فناشد الحماية السوفياتية وحشد للقومية العربية إقليميًا لدحرِ الهيمنة البريطانية، مناديًا بمنطقة عربية

مستقلة. وقُلّدَت الطريقة الناصرية على نطاق واسع في الجمهوريات الأخرى، وإن كان مع بعض الاختلافات. فعلى سبيل المثال، في سورية والعراق، وضع بُناة الدولة البعثيون حزبًا حاكمًا أكثر

قوةً، مبنيًّا على أسس لينينية، لكنهم اضطروا إلى استخدام العنف ضد المعارضة، أكثر مما فعل

(43) Steven Walt, The Origins of Alliances (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987), p. 53; Paul Noble, "The Arab System: Pressures, Constraints, and Opportunities," in: Bahgat Korany & Ali E. Hillal Dessouki (eds.), The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change (Boulder, CO: Westview Press, 1991), pp. 61–65, 74–75.

عبد الناصر؛ ما أدى إلى إنتاج أشكال «ضارية» من السلطوية الشعبوية، لأن المجتمعات المُنقسمة

هوياتيًا كانت أقل قابلية للحكم من مصر الأكثر تماسكًا، ولأنه لم يظهر زعيم كاريزمي مثل عبد

الناصر. وفي تونس الصغيرة حجمًا والمتماسكة هوياتيًا، ظهرت القيادة الكاريزمية للحبيب بورقيبة،

وتأسس النظام من حركة استقلال جماهيرية، أصبحت حزبًا حاكمًا، بدلً من الانقلاب العسكري،

فكانت الشرعية أكبر، بينما القمع أقل حضورًا؛ ما أدى إلى ظهور شكل «ليّن» من السلطوية

الشعبوية. اعتُبِرَت الأنظمة الملكية، حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، أكثرَ هشاشة من الجمهوريات،

وعانت ما أطلق عليه هنتنغتون «معضلة الملك». وكانت هذه الأنظمة تقليديًا قائمة على نخب المنطقة

والقبيلة، فمن أجل البقاء، كان عليهم القيام بالتحديث، إلّ أن ذلك عزّز القوى التي يمكن أن تقوّضهم،

ولا سيما الطبقة الوسطى الجديدة التي رفضت السلطة التقليدية. ومع صعود أنظمة القومية العربية الملكية، باتت التحالفات الغربية للملكيات عبئًا على شرعيتها. وكان التهديد الرئيس منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي هو القومية العربية التي رعتها مصر، والتي وجدت صدى بين الطبقات المتوسطة والعاملة التي كانت غير راضية، على الرغم من صغر حجمها. كما تطلّبت هذه الدول الضعيفة جغرافيًا وسياسيًا الحمايةَ الغربية من التهديدات الإقليمية، وتجلّى ضعفها في الانقلابات

العسكرية التي أطاحت بالعديد من الملكيات في المنطقة خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته (مصر في عام 1952، والعراق في عام 1958)، على الرغم من أن هذه الملكيات ظهرت في مجتمعات مستقرة (غير مرتحلة)، كانت قد تمكّنت من الحفاظ على وجودها في مجتمعات قبلية ذات كثافة سكانية صغيرة غير مستقطبة أو مجتمعات منقسمة، في الأطراف القَبلية للمنطقة (شبه الجزيرة العربية غالبًا.) بدت الملكية في السعودية قوية، حيث تمكّن النظام من احتكار وسائل العنف والأيديولوجيا والاقتصاد اللازمة لبناء الدولة. ولم تخضع الملكية هناك للسيطرة الإمبريالية، كما ظهرت ضمن حركة قبَلية دينية

(الوهابية الإسلامية) من النوع الخلدوني؛ فقد امتلكت امتياز الشرعية «التقليدية» الذي نجّاها بسهولة

بسبب الطبيعة القَبلية للمجتمع والاستراتيجيات الانتقائية للتحديث، الذي بدوره حَفظَ القِيَم التقليدية

ومن ثم السلطة. وحافظ النظام على الجيش صغيرًا، بينما عملت الأسرة الحاكمة الكبيرة بطريقة «حزب

واحد» بديل، امتد في جميع أنحاء المجتمع. وكانت الثروة النفطية المتنامية من الأمور الحاسمة التي سمحت للطبقة الوسطى بالاندماج من خلال تعيينهم في وظائف الدولة، بينما استُرضيَ الشعب من

(((4 حول الجمهوريات الثورية، ينظر:

Richard Dekmejian, Egypt under Nasir (New York: State University of New York Press, 1975); John Waterbury, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes (Princeton: Princeton University Press, 1983); Halpern; Michael Hudson, Arab Politics: The Search for Legitimacy (New Haven: Yale University Press, 1977); Elizabeth Picard, "Arab Military in Politics: From Revolutionary Plot to Authoritarian State," in: Dawisha & Zartman (eds.), pp. 116–146; Roger Owen, State, Power and Politics in the Making of the Modern Middle East (London: Routledge, 1992); Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq (Princeton: Princeton University Press, 1978); Maridi Nahas, "State Systems and Revolutionary Challenge: Nasser, Khomeini and the Middle East," International Journal of Middle East Studies , vol. 17, no. 4 (1985), pp. 507–527.

خلال دولة الرفاه، خاصة بعد الطفرة النفطية في السبعينيات. وكان الاصطفاف مع الغرب ميزةً إضافية للملكيات التي نظِرَ إليها على أنها تتمتع بالحماية من القوى الثورية. وكان أكثر الفروق وضوحًا بين الملكيات والجمهوريات هو تأثير الإمبريالية؛ حيث أدى طول الصراع من أجل الاستقلال وشدّته إلى تعبئة القوى الاجتماعية، كما في مصر أو عدن، أو إلى فرض نظام إقليمي أحبط مصالح السكان الأصليين وهويتهم، وولَّد شعورًا لديهم بأن الحدود القائمة غير نهائية

وثمة حاجة إلى تغييرها، وبناء عليه ظهرت الجمهوريات الثورية المتناقِضة مع القوى الإمبريالية الغربية السابقة، كما في سورية والعراق. وعلى العكس من ذلك، كلما كانت الدول الجديدة أكثر إرضاءً نسبيًا لمصالح السكان الأصليين وهويتهم، كما هي الحال في تركيا أو السعودية، أو حيث تحقق الاستقلال من دون تعبئة سياسية، كما في الخليج العربي، نجت النخب الراهنة آنذاك واتّبعت الدول المستقلة حديثًا سياسات تتكيّف مع الغرب. مع بداية الحرب الباردة، انقسم العالم العربي، بحسب نوع النظام، حول كيفية الرد على المحاولات الغربية لإضفاء طابع مؤسسي على النظام الأمني الإقليمي ما بعد الإمبريالية، في الوقت الذي اعتبر قيام إسرائيل مساهمةً غربية. وفي حين تبنّت الأنظمة الموالية للغرب هذا المشروع، اعتبره عبد الناصر في مصر شكلً من أشكال الإمبريالية الجديدة، ودافع عن ميثاق أمني جماعي عربي بديل. وأدى اعتباره بعد حرب السويس في عام 1956 بطلً عربيًا شعبيًا، إضافة إلى الإطاحة بالنظام العراقي الموالي للغرب في عام 1958، إلى وضع قاعدة عربية متينة معارِضة للمعاهدات والقواعد الأجنبية. وجعلت جاذبية عبد الناصر القوية لدى شعوب الدول الأخرى من الاصطفاف العلني مع الغرب عبئًا شرعيًا، كما ألهم عبد الناصر الحركات القومية العربية التي أطاحت بحكم الأقلية في عدد من الدول وأنشأت أنظمة قومية عربية مماثلة. لقد مُكّنَ النظام القومي العربي من خلال النظام العالمي الثنائي القطبية؛ فالحرب الباردة وإضعاف

القوى الإمبريالية القديمة، فتحا نافذة ضيقة من الفرص؛ حيث قامت القوة السوفياتية المضادة، إلى حد ما، بحماية العالم العربي من التدخل الغربي المباشر أو عواقبه الكاملة. ومع ذلك، فإن الممارسة التي حاولت بها الأنظمة العربية المتنافسة «المزايدة» بعضها على بعض باسم القضية الفلسطينية، والتي نظِرَ إليها باعتبارها مصدرًا رئيسًا لشرعيتها الوطنية، أدت بسورية ومصر إلى التخبط بفعل هزيمة حرب

(((4 لمزيد من الأمثلة حول أدبيات بقاء المَلكيات، ينظر:

Lisa Anderson, "Absolutism and the Resilience of Monarchy in the Middle East," Political Science Quarterly, vol. 106, no. 1 (1991), pp. 1–15; Joseph Kostiner, Middle East Monarchies: The Challenge of Modernity (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2000); Michael Herb, All in the Family: Absolutism, Revolution, and Democracy in the Middle Eastern Monarchies (New York: State University of New York Press, 1999); Kiren Aziz Chaudhry, The Price of Wealth (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997); Gregory Gause, Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in the Arab Gulf States (New York: Council on Foreign Relations Press, 1994). (46) Malcolm Kerr, The Arab Cold War: Jamal Abd Al–Nasir and his Rivals, 1958–1970 (Oxford: Oxford University Press, 1971); Seale.

عام 1967 أمام إسرائيل. وأفسد هذا هيمنة مصر المادية والرمزية، ووضع صعود الأنظمة الجمهورية القومية الملكيات في موقف دفاعي. وكان هذا بمنزلة نقطة تحول في اتجاه التدهور النهائي لمشروع بناء الدولة الجمهورية الشعبوية. في هذه الفترة، تمكّنت الأنظمة الحاكمة من إنشاء احتكارات للعنف والسيطرة على الموارد الاقتصادية وإضفاء الشرعية على أيديولوجياتها، بينما ظلت الفضاءات الاجتماعية موضع نزاع في العديد من الأماكن. ومن المفارقات أن الاحتكارات الناجحة جعلت الدول تمثل تهديدات بعضها لبعض أكثر من المنافسين الإقليميين، لكنها نجحت في استخراج الدعم والموارد من النظام العالمي لتتفادى تهديدات هؤلاء المنافسين.

2. عصر الواقعية: الحرب ودول الأمن القومي (1990-1975)

ظهرت مرحلة ثالثة لتشكُّل الدولة بحلول سبعينيات القرن الماضي، وهي توطيد أكبر لكل من المَلكيات

والجمهوريات، وإن كان غير مكتمل. كان الدافع وراء ذلك هو استجابة بُناة الدولة للنزعة البريتورية،

ولانعدام الاستقرار الناجم عن الفترة الثورية، وكذلك بسبب إعطاء أولوية للتصدي للتهديد العسكري الخارجي المتنامي، ولا سيما لدول الجبهة العربية في الصراع مع إسرائيل؛ ما عجّل بجهود الاستعداد

للحرب، وهي الجهود التي أقامت دول أمن قومي واسعة. ما الذي يفسر الاستقرار الواضح والمتزايد وصمود الأنظمة في منطقة كانت، وما زالت، غير مستقرة إلى حدٍ بعيد؟ كان إنشاء أجهزة عنف ضخمة جزءًا من هذه المعادلة، إلّ أن الصراع من أجل احتكار

استخدام العنف لم يكن كافيًا لتفسير هذا الاستقرار؛ لأن المصدر الرئيس لانعدام الاستقرار كان ولا

يزال على وجه التحديد هو انعدام إمكان الثقة بأجهزة العنف. إن إنشاء مؤسسات قادرة على موازنة الجيش واحتوائه وإخضاعه للمراقبة الاستخباراتية، إضافة إلى الحفاظ على ضباط موالين، ساهما في تحصين الأنظمة أمام الانقلابات. وكانت زيادة توافر الريع في أعقاب ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي أمرًا حاسمًا، وهو الذي مكّن من إنشاء بيروقراطيات الدولة الواسعة والأجهزة العسكرية

واستمالة الطبقة الوسطى (الثورية حتى الآن)، مع توفير الرعاية للشبكات الزبائنية والحفاظ على موالاة النخب التي جعلت الأنظمة أكثر استقلالية بشأن مجتمعها. وكذلك، اخترقت المؤسسات البيروقراطية المجتمع، وأصبحت أجهزةَ الحراك الاجتماعي. إلّ أن الأهم من ذلك هو أن الجمهوريات والملكيات تقاربت في هذه الفترة من خلال ممارسات تراثية جديدة مماثلة، تجمع بين عصبية النخبة والبيروقراطية الحديثة والمحسوبية. وتعرّض حكم

القانون – العقلاني للتشويه أيضًا، من خلال الممارسات «التقليدية»، على سبيل المثال المحسوبية والمحاباة، حتى مع بناء المؤسسات البيروقراطية وتوسيعها؛ ما أدى إلى فقدان البيروقراطيات التنموية

(47) Avraham Sela, The End of the Arab–Israeli Conflict: Middle East Politics and the Quest for Regional Order (New York: State University of New York Press, 1998); Michael Barnett, Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order (New York: Columbia University Press, 1998); Fawaz Gerges, The Superpowers and the Middle East: Regional and International Politics, 1955–1967 (Boulder, CO: Westview Press, 1994).

طاقتها السياسية، بينما بدأ الفساد والإنفاق العسكري في إضعاف تراكم رأس المال القائم على الدولة. وهكذا، في حين يمكن القول إن تشكّل الدولة وصل إلى قمته في هذه الفترة، كانت بذور الانحدار تُزرع بالفعل. وحذّر نزيه الأيوبي من «تضخم الدولة العربية» التي تفتقر إلى الهيمنة التي تتماشى مع قاعدة طبقية آمنة؛ فهي «شرسة» وليست قوية، وتعتمد بصفة مفرطة على العنف، وغير قادرة على تحمّل أي معارضة أو تخفيف مراقبتها للمجتمع. في الوقت نفسه، كان تشكُّل الدولة يدل على التفاعل مع النظام الدولي. لقد ولّدت الحروب معضلات أمنية Dilemmas Security؛ ما أدى إلى موازنة القوى الواقعية عبر سباقات التسلح وتشكيل التحالفات. وكانت الحروب ومستويات التهديد أعلى في سورية والعراق، وأنشأت دول أمن قومي وحققت مستويات استثنائية من التعبئة العسكرية والتسليح. أما بالنسبة إلى الأنظمة الملكية، فعملت دول الرفاه ذات الموارد النفطية على استقرارها أيضًا، لكنها ما زالت غير قادرة على الوثوق بالطبقة الوسطى؛ فقد أبقت على جيوشها صغيرة، ما تطلّب منها الاعتماد في تأمينها على الوجود المتنامي للبحرية الأميركية في الخليج بعد عام.1980 كان للتقدم الجزئي في ترسيخ الدولة عواقب على السياسة الخارجية كذلك. وما زالت النخب العليا التي ترسخت قوتها نسبيًا تفتقر إلى استقلالية بشأن المجتمع في صنع السياسة الخارجية. في الجمهوريات،

خففت النخب الراديكالية التي تشتتت أو تأثرت بالهزيمة في الحرب من راديكالية الأيديولوجيا التي أنهت إلى حدٍ بعيد الانقسام الأيديولوجي المسبق في النظام الإقليمي، كما في سورية الأسد. هذا إضافة إلى تراجع الضعف تجاه الأيديولوجيا العابرة للدول، مع تراجع القومية العربية ونشاط الدول، بالتوازي مع التهديدات المتزايدة من الدول المجاورة؛ ما أدى إلى إحداث مزيد من الثقل، مع الأخذ في الحسبان الاعتبارات الجيوسياسية للدولة أكثر من قضايا الهوية في صنع السياسة الخارجية. وفي حين بدا أن النظام الدولي يتّجه نحو النظام الويستفالي، فإنه لم يحدث بعد في الدول القومية الكلاسيكية؛ لأن أنظمة العالم العربي لم تكن قادرة على بناء هويات منفصلة ومقنعة بما يكفي لتهميش الهويات الفرعية والعابرة للدولة المتنافسة، وإضفاء الشرعية على تماسك جوهرها. ومن المؤكد أن حرب حزيران/ يونيو 1967 أساءت إلى القومية العربية العابرة للدول، لكن الهويات لم تكن مرتبطة بالضرورة بالدول الفردية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى افتقارها إلى المؤسسات السياسية الديمقراطية التي

كان من الممكن أن تقنع الجماهير بأن الدولة «ملكها.»

(((4 للمزيد عن ترسيخ الأنظمة، ينظر:

Dawisha & Zartman (eds.); Malik Mufti, Sovereign Creations: Pan–Arabism and Political Order in Syria and Iraq (Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1996); Eberhard Kienle, Ba’th vs. Ba’th: The Conflict between Syria and Iraq (London: I. B. Taurus, 1990).

للمزيد عن النيوباتريمونيالية، ينظر:

Gokhan Bacik, Hybrid Sovereignty in the Arab Middle East: The Cases of Kuwait, Jordan and Iraq (New York: Palgrave Macmillan, 2008). (49) Nazih N. Ayubi, Over–stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I. B. Tauris, 1995).

وبدلً من ذلك، مُلئ الفراغ الأيديولوجي من أيديولوجيا منافسة عابرة للدولة، وهي الإسلام السياسي، التي أصبحت تمثل المعارضة الرئيسة لجميعِ الأنظمة العربية، والتي استوحت بعد عام 1979 الثورة الإسلامية في إيران التي شَرعَت الجمهورية الجديدة في تصديرها. ومع ذلك، واجهت الحركات الإسلامية دولً أقوى مما كانت عليه في السابق، واحتوت الثورة الإسلامية الإيرانية من خلال القوة المادية المشتركة للغرب والعراق. بإيجاز، كان التطور الرئيس في هذه الفترة هو زيادة احتكار الأنظمة للعنف والأيديولوجيا والموارد الاقتصادية، إضافة إلى بناء المؤسسات التي مكّنتها من تعزيز سيطرتها على فضاءاتها الاجتماعية بطرائق لم نشهدها من قبل، وفي مسار عزل أنفسهم إلى حدٍ ما عن الاختراق الأيديولوجي العابر للحدود، مع احتواء تفاعلات الفئات الاجتماعية مع «أقاربها» في البلدان المجاورة. ولفترة من الزمن، بدا أن بناء النظام أدى إلى إحراز تقدم في بناء الدولة.

3. التطور ما بعد الشعبوية: إضعاف الدولة وتحديات الإسلاميين والديمقراطية

بحلول الثمانينيات وبعد عام 1990 تحديدًا، كان معلومًا على نطاق واسع أن النسخة الشعبوية الدولاتية من السلطوية، التي أسّست الجمهوريات ذاتها، أفسحت المجال في البداية لمرحلة ما بعد الشعبوية Post–populist، المتمثلة في تحوّل واسع تجاه اللبرلة الاقتصادية. كان هذا مدفوعًا بعوامل بنيوية:

محليًا، موّل ريع النفط موجةً من مسارات بناء الدولة والعسكرة التي انتهت بدول مُفرطة التنمية تفوق

قدرة قواعدها الاقتصادية على الاستمرار. وحينما انهارت أسعار النفط، كان على الأنظمة أن تبحث عن مصادر بديلة للاستثمار والعائدات، فكان التحول إلى رأس المال الخاص والأجنبي يتطلّب إعطاء الأولوية لمطالب رؤوس الأموال هذه بمناخ استثماري مواتٍ. وفي حين أن الإخفاقات الاقتصادية للدولة فسّرت جزئيًا تحوّل ما بعد الشعبوية، كانت الفاعلية بالأهمية

نفسها؛ إذ تحوّلت النخب السياسية البرجوازية الصغيرة السابقة إلى «برجوازية دولة» باستخدام سلطتها لتحسين وضعها، وهو ما أوجد فرصًا للمزيد من الاستفادة، مع تعثّر الدولة من خلال الدخول في الأعمال التجارية وسط التحفيز الجديد لعودة ظهور القطاع الخاص، ولا سيما من خلال تدفق رأس المال الأجنبي الذي كان محظورًا في السابق، وبالتحديد في المشاريع المشتركة. بهذه الطريقة، أدت اللبرلة الاقتصادية بلا هوادة إلى تحالفات بين الدولة ورأسمالية المحاسيب، وتحالفات بين البرجوازية الوطنية والبرجوازية الأجنبية وبرجوازيي الدولة، التي حلّت محل مقوّمات الدولة الشعبوية السابقة، والطبقة الوسطى الحاصلة على أجر والعمال والفلاحين. كان هذا النموذج رائدًا في مصر في عهد محمد أنور السادات، وانتشر بسرعة إلى الجمهوريات الأخرى، بما في ذلك سورية والجزائر.

(50) Simon Murden, Islam, the Middle East, and the New Global Hegemony (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers,

بعيدًا عن حدوث اللبرلة الاقتصادية بالتوازي مع اللبرلة السياسية، استمرت السلطة السلطوية، لكنها استُخدِمَت الآن لأغراض مختلفة عما كانت عليه في الفترة الشعبوية؛ أي لفرض التكيّف الهيكلي

(التقشف الجماهيري) وخصخصة القطاعات العامة أمام مقاومة «المهمشين» والدفاع عن التفاوتات الجديدة من خلال تسريح الجماهير واستبعادها من الائتلافات الحاكمة. وتحركت الأنظمة الجمهورية، التي بنت شرعيتها على عقد اجتماعي توزيعي، نحو سياسة رأسمالية المحسوبية التي أدت إلى تآكل قواعد الدعم الاجتماعي للدول. مع ذلك، لا يمكن فهم هذا التطور بعيدًا عن فهم تزامن الضعف المحلي مع التغييرات الرئيسة في النظام الدولي، أي نهاية الثنائية القطبية، إضافة إلى الانتصار العالمي للرأسمالية الليبرالية الجديدة والهيمنة الأميركية على الاشتراكية التي تركت انطباعًا بأنه لا يوجد هناك مسار بديل للتنمية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، خلّف انهيار أسعار النفط في تسعينيات القرن الماضي العديد من دول المنطقة مثقلةً بالديون؛ ما زاد كثيرًا من تعرّضها للضغوط الغربية من أجل التكيّف البنيوي والانفتاح الاقتصادي على السوق. مع تراجع الكتلة الشرقية، ما عاد هناك مصدر بديل لرأس المال أو الأسواق أو التكنولوجيا. علاوة على ذلك، تزامن تراجع الاتحاد السوفياتي وانهياره لاحقًا مع اختراق غير مسبوق للمنطقة من القوة العسكرية الأميركية، ولا سيما في حربين كانتا ضد العراق في عامي 1990 و 2003. فمن ناحية، ترك الانهيار السوفياتي الجمهوريات مكشوفةً ومن دون الحماية السياسية التي احتاجت إليها أمام الاختراق الغربي القوي، كما تركتها في حاجة إلى إعادة الاصطفاف مع الغرب؛ ما من شأنه أن يرضي الهيمنة الأميركية. ومن ناحية أخرى، أظهرت ممالك النفط المتاخمة لدول أكبر بكثير وأفقر وأقوى عسكريًا (إيران والعراق) وخاصة أثناء الغزو العراقي للكويت في عام 1990، أنها لا تستطيع البقاء في عالم من الجيران الأقوياء الشرسين بلا تعزيزات كبيرة وحماية من الغرب. وكانت النتيجة وجود غربي أكثر علانية (قواعد ومعاهدات) في المنطقة. وفتحت دول المنطقة الضعيفة الباب للتغلغل الخارجي بطرائق لم نشهدها منذ ما قبل عهد عبد الناصر. في الواقع، ونظرًا إلى أن المشكلات الاقتصادية أدت بالدول إلى «المقايضة» بسياسة خارجية صديقة

للغرب من أجل مساعدتها اقتصاديًا واستثماريًا، أصبحت الدول الإقليمية ممرات لفرض العولمة

((5(للمزيد عن التنمية ما بعد الشعبوية للأنظمة السلطوية، ينظر:

Samih Farsoun & Christina Zacharia, "Class, Economic Change, and Political Liberalization in the Arab World," in: Rex Brynen, Bahgat Korany & Paul Noble (eds.), Political Liberalization and Democratization in the Arab world , vol. 1 (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1995), pp. 261–280; Stephan King, The New Authoritarianism in the Middle East and North Africa (Bloomington: Indiana University Press, 2009); Steven Heydemann, Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited (New York: Palgrave Macmillan, 2004); Laura Guazzone & Daniela Pioppi, The Arab State and Neo–Liberal Globalization: The Restructuring of the State in the Middle East (Reading, UK: Ithaca Press, 2009).

(((5 حول دور النظام العالمي والقوى الأساسية في تشكيل الأنظمة، ينظر:

Abbas Alnasrawi, Arab Nationalism, Oil and the Political Economy of Dependency (New York/ London: Greenwood Press, 1991); Anoushiravan Ehteshami, The Middle East in the New World Order (London: Macmillan 1997).

الغربية المتمركِزة في التكيّف البنيوي ومعاهدات السلام غير الشعبية وغير العادلة مع إسرائيل والتعاون

معها. إن الحملات الأميركية ضد «الإرهاب»، وما يسمى «الدول المارقة»، أدت إلى تآكل شرعيتها المحلية الهشّة بالفعل. وكان أبرز محدد للسياسة هو جهد الأنظمة لتحقيق التوازن بين المطالب الدولية (الغربية) المتزايدة عليها والمقاومة المحلّية لهذه المطالب. وبناء عليه، ما بدا كأنه دولة قوية ومترسّخة بات بعد عقود من بناء الدولة والاستقلال، منذ أواخر

ثمانينيات القرن الماضي، ضعيفًا. وتجلّى التدهور الاقتصادي المتزايد وفقدان الشرعية الداخلية؛ بسبب مجموعة من العوامل: الحروب الفاشلة، والاصطفاف مع الغرب، والأزمة الاقتصادية، والتصدّع الاقتصادي، وتآكل الدولة الريعية، والفشل في استيعاب مطالب المشاركة السياسية من خلال المؤسسات السياسية، ومن ثم المساءلة المنخفضة التي أتاحت إساءة استخدام السلطة، التي تجلّت في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. ومن غير المستهجن أنه بالتوازي مع هذا التطور وضعت قوى اجتماعية مختلفة نفسها في تحدٍ مع سلطة النظام، وطالبت بإصلاحات أساسية. بدأت الطبقة الرأسمالية الجديدة والغنية اعتمادًا على اللبرلة الاقتصادية في المطالبة بحصة من السلطة مع الدولة شرطًا للاستثمار. أما الطبقة الوسطى العلمانية (المهنيون والعمال ذوو الياقات البيضاء) التي خاب أملها بفشل الدولة، فبدأت تطالب بإرساءِ الديمقراطية. وبالنسبة إلى ضحايا اللبرلة الاقتصادية (الطبقات الدنيا والمتوسطة الدنيا) الذين يرون الحل في العودة إلى الإسلام، فقد بدؤوا يطالبون بأسلمة الدولة. كانت الحركات الإسلامية السياسية الصاعدة هي المعارضة الرئيسة للأنظمة الحاكمة، وانتشرت مع تراجع الأيديولوجيات العلمانية، بما في ذلك القومية العربية والثورة الإسلامية الناجحة في عام 1979 في إيران. وسعت العديد من الحركات الإسلامية لأسلمة سلمية من أسفل. فعلى سبيل المثال، حينما تراجعت الجمهوريات عن وظائفها الاجتماعية، ملأت الحركات الإسلامية هذا الفراغ بمجتمع مدني إسلامي مكوّن

من جمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية وبنوك وما إلى ذلك. وحاول إسلاميون آخرون اتّباع نهج الثورة العنيفة التي فشلت في الجزائر ومصر وسورية. واستلزمت استراتيجيات النظام للتعامل مع الإسلاموية أشكالً متباينة من القمع (كما هو واضح أكثر في الجمهوريات)، والتنازلات (أسلمة محدودة للدولة وتضمين الشريعة في القواعد القانونية على سبيل المثال)، إضافة إلى استغلال الصراع بين العلمانيين والإسلاميين لمنع اندماجهم في النظام، وكذلك الاستقطاب الذي كان أكثر وضوحًا في الأنظمة الملكية. من ناحية أخرى، شجّعت نهاية الحرب الباردة والموجة الثالثة من التحوّل الديمقراطي على بدء المطالبة

بإصلاحات ديمقراطية من النمط الغربي في المنطقة. وأدى التحديث إلى خلق حد أدنى من الظروف للانتقال الديمقراطي؛ أي ارتفاع نسبة التعليم والوعي السياسي. وكان هناك ما يشبه الديمقراطيات في المنطقة، على سبيل المثال تركيا التي انتقلت إلى الديمقراطية الانتخابية في وقت مبكر من عام 1950، على الرغم من عدم استقرارها في الكثير من الأحيان بسبب التدخل العسكري أو النزعات السلطوية للنخب السياسية. ونجت الديمقراطية التوافقية في لبنان من عدة حروب أهلية. واستجابةً للموجة الديمقراطية،

أملِيَت لبرلة سياسية محدودة في عدد من دول المنطقة في تسعينيات القرن العشرين، لكنها أصبحتُ

بديلً، وليس خطوة في اتجاه التحول الديمقراطي؛ فقد احتفظ التنفيذيون بالسلطة المهيمنة، على الرغم من الانتخابات البرلمانية المتعددة الأحزاب التي لديها سلطات محدودة فحسب تُمكّنها من محاسبتهم. بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت توقعات التحوّل الديمقراطي في المنطقة مخيبة

للآمال إلى حدٍ بعيد، وبدت السلطوية مرنةً على نحوٍ استثنائي. ويمكن القول إن شيئًا ما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان يقطع الصلة بين التغيير الاجتماعي والاقتصادي والتغيير السياسي المفترض في نظرية التحديث، ولا سيما بالنظر إلى ضعف الأنظمة ذات القواعد الاجتماعية المتدهورة وشرعيتها أمام مطالب الجماهير المتعلمة والمعبَّأة اجتماعيًا على نحوٍ متزايد. وقدّم نهجان شرحًا لذلك: ألقت أطروحة الاستثناء الثقافي اللوم على الثقافة السياسية؛ أي عدم وجود إجماع أساسي حول المجتمع السياسي بسبب تجزئة الهوية والتراث السلطوي والتيار المعادي للديمقراطية والتأويلات المختلفة للإسلام، أو على الأقل الصراع بين الإسلام السياسي والعلمانيين في المجتمعات الإسلامية. أما نهج الاقتصاد السياسي المقابل، فأرجع الافتقار إلى التحول الديمقراطي إلى الريعية الناتجة من ريع النفط والغاز في المنطقة؛ فقد جعل الأنظمة أكثر استقلالية بشأن مجتمعها وأقل اعتمادًا عليه في الضرائب، كما قلّل المطالبة بالديمقراطية، لأن الأنظمة تستطيع تبادل المنافع الاقتصادية في مقابل اللافاعلية السياسية. ثمة أطروحة أخرى مفادها أن الأنظمة ما بعد الشعبوية أفادت الرأسماليين المحاسيب Crony Capitalists، بينما فرضت التقشف على شعوبها، كونها لا تستطيع تحمّل تكلفة تمكين الناخبين. لكن تبعية الحكام السلطويين كانت مهمة أيضًا، وسمحت لهم استراتيجيات «الترقية السلطوية» Upgrading Authoritarian بتخفيف الضغوط عليهم من أجل إجراء تحوّل ديمقراطي. وأثبتت السلطوية الانتخابية Authoritarianism Electoral (انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب) أنها بارعة في تقسيم المعارضة. وولّدت خصخصةُ القطاعات العامة رأسماليين محاسيب جددًا، يشتركون في المصالح مع الحكم السلطوي. وبدت العديد من الدول السلطوية التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، مثل العراق والسعودية، مُحصّنة ضد ضغوط التحوّل الديمقراطي. وهكذا، أدى تفضيل الرأسماليين المحاسيب والمستثمرين الأجانب وإقصاء الشعوب إلى «سلطوية ما بعد الشعبوية» التي بدت مرنة. وفي وقت كان الإسلام السياسي يحشد المهمَّشين، لم تُحرِز الديمقراطية أي تقدم يذكر. ومع ذلك، أنتج إضعاف الدولة، المقترن بالتعبئة المتزايدة للقوى الاجتماعية المعارضة للسلطوية ما بعد الشعبوية، أرضيةً خصبة للانتفاضات العربية التي بدأت في عام.2010

(53) Raymond Hinnebusch, "Authoritarian Persistence, Democratization Theory and the Middle East: An Overview and Critique," Democratization , vol. 13, no. 3 (2006), pp. 373–395. (54) Hazem Beblawi & Giacomo Luciani, The Rentier State (London: Croom–Helm, 1987). (55) Farsoun & Zacharia, pp. 261–280. (56) Steven Heydemann, "Upgrading Authoritarianism in the Arab World," Analysis Paper , no. 13, The Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution (October 2007).

في هذه الفترة، ولّد الاحتكارُ المتزايد للسلطة (مع استبعاد القوى الاجتماعية التي ما زالت مدمَجة)

والموارد الاقتصادية المتمركزة في أيدي الرأسماليين، إضافة إلى فقدان الهيمنة الأيديولوجية، مقاومة متزايدة. وفي الوقت نفسه، زادت تبعية الدول إلى القوى الخارجية. لكن على عكس الفترة السابقة، ما عاد النظام العالمي داعمًا لترسيخ الدول، بل على العكس من ذلك، أضعفها.

4. الانتفاضات العربية: فشل الدولة وعودة السلطوية (-2010 الآن)

كشفت الانتفاضات العربية نقاط الضعف الخفية للأنظمة السلطوية، التي كان يُنظر إليها كثيرًا على أنها

استجابة لانعدام المساواة والقمع السياسي لعقدَي ما بعد الشعبوية. خلال مراحلها الأولى، أثيرت توقعات حول الديمقراطية؛ إذ نجحت الحركات التي قادها شباب الطبقة الوسطى، والتي طالبت كثيرًا

بالحقوق السياسية، في الإطاحة بالعديد من الرؤساء السلطويين؛ ومُكّنَت أيضًا الحركات الإسلامية

الديمقراطية على ما يبدو، حيث انهارت الأنظمة السلطوية. لكن سرعان ما اختفت توقعات الإصلاح السياسي الكبير؛ فقد أثبتت الأنظمة الملكية أنها مُحصّنة إلى حد بعيد ضد الانتفاضة، حيث جرى

في جمهورية واحدة فقط، وهي تونس، تحوّل ديمقراطي، أما غير ذلك، فشهدت إما عودة السلطوية

(مصر)، وإما حربًا أهلية ودرجات متفاوتة من تفكك الدولة (سورية، واليمن، وليبيا، والعراق.) كانت النتيجة الرئيسة للانتفاضة هي زيادة ضعف الدولة؛ فانهيار النظام في المجتمعات الأكثر انقسامًا

كلّيًا أو جزئيًا، كما هي الحال في ليبيا واليمن وسورية، ولّد حربًا أهليةً وحالةً من انعدام الأمن، وتربّح

أمراء الحرب من خلال الحماية وتسليح الحركات الجهادية العابرة للدولة، ومن ثم ملأت فراغ السلطة. ومع انهيار الأنظمة في بعض الدول، تحوّل ميزان القوى الإقليمي، في حين تُرِكَ آخر قائمًا، فقد تبدّت

القوة بعيدًا عن الجمهوريات العربية، مثل مصر وسورية التي شهدت انتفاضات، وصولً إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران وتركيا، التي سعت للتدخل والتأثير في نتائج الجمهوريات العربية. وهدّدت الانتفاضة السورية بكسر محور المقاومة الذي كان نظام الأسد في قلبه، والذي مثّل العائق الرئيس أمام الهيمنة الأميركية الكاملة على المنطقة. واتخذ صراع القوى الإقليمي طابعًا طائفيًا مع توسع الحرب

بين المحاور السُنّية والشيعية التي تضع السعودية وتركيا في مواجهة إيران، وتخلق تنافسًا بينهما. ومع

ذلك، تجاوزت الملكيات وتركيا حدودها، وعجّلت بالتدخل الروسي في سورية؛ ما أعاد توازن القوى.

أما في مصر، فمكّنت استعادة السلطوية شكلً أكثر صرامة من السلطوية، وفي سورية حصل أمر شبيه.

أ. الدولة الفاشلة والحروب بالوكالة

إذا كانت الدولة بمعيار فيبر تأتي في قمة النظام الويستفالي، فالدولة الفاشلة تأتي في قاعه. وبعيدًا عن كونها حالات شاذة، تشكل الدول الفاشلة خُمس دول العالم (40 دولة من أصل 200)؛ ما يُمثّل انتقالً، كما يقترح إدوارد نيومان، إلى عالم ما بعد ويستفالي، حيث تفسح السيادة الطريق أمام التدخلات

(57) Gilbert Achcar, The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising (London: Saqi Books, 2013). (58) Edward Newman, "Failed States and International Order: Constructing a Post–Westphalian World," Contemporary Security Policy , vol. 30, no. 3 (December 2009), pp. 421–443.

والحروب داخل الدولة، أو بالوكالة، بدلً من النزاعات العسكرية بين الدول. وتُعزى هذه الموجة من فشل الدولة على نطاق واسع إلى «الكمّاشة» التي تُمسِك بالدول؛ أي العولمة من أعلى والمقاومة (الجهاد) من أسفل، بوساطة حركات الهوية (التي غالبًا ما تكون مُفتّتة.) كانت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما دول المشرق العربي، ضعيفةً بصفة خاصة؛ بسبب هويتها الأولية، وتناقض المنطقة، وانحدار ما بعد الشعبوية. في سورية والعراق وليبيا، قام مسار بناء الدولة في الفترة 2000–1950 بزيادة نقاط ضعف النظام، بسبب ثلاثة عوامل مترابطة. أولً، أدت الصراعات داخل النظام والمجتمع على السلطة إلى احتكار نخبة صغيرة للسلطة؛ ما أدى إلى استبعاد سياسي جماعي. ثانيًا،

لجأت الأنظمة الحاكمة إلى روابط القرابة (العائلية أو الطائفية أو القَبلية) للحفاظ على السلطة؛ ما أدى إلى تنشيط انقسامات الهوية وزاد من حدّتها (تلك الانقسامات التي حاول الفكر القومي العربي تقويضها في المراحل السابقة). ثالثًا، أدّى القمع الداخلي وانقسامات الهوية إلى تعريض الأنظمة المختلفة للتدخل الخارجي؛ ما تسبب بدوره في زيادة شعور الأنظمة بانعدام الأمن، ومن ثم في زيادة قمعها. لكن العوامل العاجلة على المستوى الدولي أدت إلى تحوّل الدول الضعيفة إلى دول فاشلة، أي تفكك

العراق بسبب الغزو الأميركي والحرب الأهلية الطائفية فيه؛ ما تسبب في زعزعة الاستقرار الإقليمي. وباندلاع الصراع الأهلي في العديد من الدول، أدى تنافس القوى الدولية والإقليمية، ومن ثم انضمامها إلى حروب بالوكالة، إلى مزيد من الإخفاقات. وفي حين بدا، فترة من الزمن، أن ضعف الدولة يفتح الباب أمام إعادة النظر في الحدود الطويلة الأمد للنظام الدولي، ولا سيما من جانب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والحركات الانفصالية الكردية، فإن ذلك قوبل بمعارضة التحالف المناهض لداعش والدول الإقليمية. وإجمالً، بدت مرونة الحكم السلطوي والنظام الدولي السلطوي مثالَين إلى حدٍ بعيد.

ب. بقاء النظام

خلال الفترة الأخيرة، فقدت أنظمة عديدة احتكارها للسلطة وهيمنت عليها المقاومة؛ ما أدى إلى صراع جديد بين القوى المتنافسة لإعادة احتكار السلطة. وأدى انهيار الأنظمة في بعض الأماكن إلى استئناف الصراع، ليس على السلطة والموارد الاقتصادية فحسب، بل على الفضاءات الاجتماعية أيضًا، خاصة مع انهيار سيطرة الدولة على الحدود. وحافظت بعض الأنظمة، ولا سيما الملكيات، على احتكار كاف للأيديولوجيا والموارد الاقتصادية للنجاة من موجة الانتفاضات. ومن المؤكد أن الأنظمة في السعودية والأردن والمغرب كانت تعدّ الانتفاضات تهديدات في مراحلها الأولى. أدت خسارة السعودية نظامين حليفين، في مصر وتونس، إلى اختلال ميزان القوى الإقليمي الذي تعتمد عليه السلطة السعودية لبقائها. وأدى صعود جماعة الإخوان المسلمين، أو الحركات الجهادية السلفية وما وضعته من تهديدات، إلى تحدي الإطار الأيديولوجي الإسلامي للسعودية، ومن ثم تحدي قدرتها على إبراز قوتها في الخارج. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإنه لا يزال في إمكان السعودية (والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة)، الحفاظ على وسائل البقاء.

(59) Saouli, "Back to the Future," pp. 315–334.

على المستوى المحلي، أكدت المؤسسة الدينية أن التمرد على الحاكم لا يُعدّ ذنبًا فحسب، بل خطرًا

كذلك. كما وسّعت الدولة نطاق أحكامها الاجتماعية والاقتصادية، من خلال زيادة رواتب موظفي

الدولة مثلً، وشجعت السعي وراء أهداف السياسة الخارجية التي ترمي إلى دعم قوى الوضع الراهن وإضعاف شوكة القوى التصحيحية، سواء كانت حركات ديمقراطية أم إسلاموية. وكذلك، استخدمت الأنظمة المختلفة في الأردن والمغرب وسائل في حوزتها تتمثل في وعود بالانفتاح السياسي وتقسيم المعارضة ومحاولة السيطرة عليها، والتحلّي بالصبر الاستراتيجي مع «الربيع العربي» الذي أصبح دمويًا

في العديد من البلدان، ليس أقلّها سورية واليمن وليبيا.

خاتمة: المنحنى الجرَسي لتشكل الدولة العربية

بعبارة موجزة، لا يمكن وصف تشكّل الدولة العربية بمقاربة خطّية تدريجية مثل النظام الويستفالي، بل بمنحنى جَرسي (على شكل جرس)، وصلت فيه محاولات بناة الدولة إلى أقصاها؛ انطلاقًا من

نقطة البداية التي تكون فيها الدولة ضعيفة جدًا، إلى ذروة المنحنى، ووصولً إلى تدهورها. وشارك في تشكيل هذا المسار تفاعل القوى على المستوى الدولي بقيود وتدخلّات وموارد، إلى جانب المشاريع الإقليمية لبناء الدولة. وهكذا، كانت الأنظمة التي أتت بعد الاستقلال مباشرةً ضعيفةً وغير مستقرة ومعرّضةً للانقلابات

الانفصالية والعسكرية. وكانت الدول أيضًا أضعف من أن تُقدّم سياسات الإصلاح التي تتوقعها الطبقة الوسطى الناشئة. ومنذ ستينيات القرن العشرين، مكّنت الإيرادات القادمة من الحلفاء من القوى العظمى والطفرة النفطية، من احتكار العنف والسلطتين الاقتصادية والأيديولوجية، عبر أشكال أكثر شمولية لأنظمة نيوباتريمونيالية Neopatrimonial قائمة على عقد اجتماعي شَعبوي في الجمهوريات والمَلكيات. وأظهرت الجمهوريات على نحوٍ خاص بعض قدرات البنية التحتية على تحقيق إصلاحات

اجتماعية مهمة، ومواجهة التهديدات الخارجية. وبحلول تسعينيات القرن العشرين، كان تراجع الدولة قد بدأ لمصلحة العولمة النيوليبرالية التي رعتها الولايات المتحدة؛ ما أدى، إلى جانب انخفاض الريع، إلى تراجع شمولية أنظمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحت ضغط برنامج «التكييف الهيكلي» الذي روّج له صندوق النقد الدولي، وصعود المحسوبية الرأسمالية التي مكّنتها خصخصة القطاعات العامة التي فرضها كذلك صندوق النقد الدولي. وفي حين أثبتت الأنظمة السلطوية مرونتها التامة في التكيّف مع النيوليبرالية، واحتفظت

باحتكارها للعنف، وخلقت قواعد جديدة من الرأسماليين المُقرّبين، وتوقفت عن تحميل الإسلاميين

مسؤوليات الرعاية الاجتماعية، كانت تزرع تحت السطح البذور التي ستقود الانتفاضات العربية، والتي أفقدت الجميع – الجمهوريات على وجه الخصوص – احتكارها للشرعية الأيديولوجية أمام حركات المعارضة؛ بسبب تنصّلها من العقود الاجتماعية الشعبوية التي أسَّست عليها قواعدها الاجتماعية. لقد تراجع ضحايا النيوليبرالية عن ولائهم للدولة، ومنحوه للحركات والهويات الفرعية والعابرة للدول والإسلاموية والطائفية والإثنية. ومع تراجع قوة الدولة، ازداد تغلغل القوى الدولية، وتأثرت الدولة

نسبيًا بتعبئة الحركات ذات الهويات الفرعية والعابرة للدولة، ما مهّد الطريق أمام أشكال مختلفة من

فشل الدولة. وحتى في خضمّ التراجع غير المسبوق للدولة، استمرت الأنظمة السلطوية في إظهار مرونة كبرى، ولا سيما في الملكيات، وفي مصر أيضًا، وحتى حيث فشلت الدولة، كما هي الحال في سورية؛ إذ استمر النظام المدعوم خارجيًا مدة عقد تقريبًا بعد الانتفاضة.

References

المراجع

العربية

الأيوبي، نزيه ن. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 الشرجبي، عادل مجاهد [وآخرون]. أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. ط 8. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 النقيب، خلدون حسن. الدولة التسلّطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004

الأجنبية

Abrams, Phillip.  Historical Sociology. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1982. Alnasrawi, Abbas. Arab Nationalism, Oil and the Political Economy of Dependency. New York/ London: Greenwood Press, 1991. Anderson, Lisa. "Absolutism and the Resilience of Monarchy in the Middle East." Political Science Quarterly. vol. 106, no. 1 (1991). Ayoob, Mohammad. The Third World Security Predicament: State Making, Regional Conflict, and the International System. Boulder, CO/ London: Lynne Rienner Publishers,

Ayubi, Nazih N. Over–stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London: I.B. Tauris, 1995. Bacik, Gokhan. Hybrid Sovereignty in the Arab Middle East: The Cases of Kuwait, Jordan and Iraq. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Barnett, Michael. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998.

Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1978. Beblawi, Hazem & Giacomo Luciani. The Rentier State. London: Croom–Helm, 1987. Bromley, Simon. Rethinking Middle East Politics. Austin: University of Texas Press, 1994. Brynen, Rex, Bahgat Korany & Paul Noble (eds.). Political Liberalization and Democratization in the Arab World. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1995. Chaudhry, Kiren Aziz. The Price of Wealth. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997. Dawisha, Adeed I. & I. William Zartman (eds.). Beyond Coercion: The Durability of the Arab State. London: Croom Helm, 1988. Dekmejian, Richard. Egypt under Nasir. New York: State University of New York Press,

Ehteshami, Anoushiravan. The Middle East in the New World Order. London: Macmillan,

Elias, Norbert. What is Sociology. New York: Columbia University Press, 1970. ________. The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic Investigations. Eric Dunning, Johan Goudsblom & Stephen Mennell (eds.). Oxford: Blackwell, 2000. Fieldhouse, David. Western Imperialism in the Middle East: 1914–1958. Oxford: Oxford University Press, 2006. Fligstein, Neil. "Social Skills and Theory of Fields." Sociological Theory. vol. 19, no. 2

Fromkin, David. A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East. New York: Avon Books, 1989. Gause, Gregory. Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in the Arab Gulf States. New York: Council on Foreign Relations Press, 1994. Gerges, Fawaz. The Superpowers and the Middle East: Regional and International Politics, 1955–1967. Boulder, CO: Westview Press, 1994. Gerth, Hans Heinrich & Charles Wright Mills. From Max Weber: Essays in Sociology. London: Routledge, 2001. Gilbert Achcar. The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising. London: Saqi Books, 2013. Guazzone, Laura & Daniela Pioppi. The Arab State and Neo–Liberal Globalization: The Restructuring of the State in the Middle East. Reading, UK: Ithaca Press, 2009. Halliday, Fred. The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Halpern, Manfred. The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa. Princeton: Princeton University Press, 1963. Hay, Colin. Political Analysis: A Critical Introduction. Basingstoke: Palgrave, 2002. Herb, Michael. All in the Family: Absolutism, Revolution, and Democracy in the Middle Eastern Monarchies. New York: State University of New York Press 1999. Hertog, Steffen. "The Sociology of the Gulf Rentier Systems: Societies of Intermediaries." Comparative Studies in Society and History. vol. 52, no. 2 (2010).

Heydemann, Steven. Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited. New York: Palgrave Macmillan, 2004. ________. "Upgrading Authoritarianism in the Arab World." Analysis Paper. no. 13. The Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution (October 2007). Hinnebusch, Raymond. The International Politics of the Middle East. Manchester: Manchester University Press, 2003. ________. "Authoritarian Persistence, Democratization Theory and the Middle East: An Overview and Critique." Democratization. vol. 13, no. 3 (2006). ________. "Change and Continuity after the Arab Uprising: The Consequences of State Formation in Arab North African States." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 42, no. 1 (2015). Hobden, Stephen & John M. Hobson (eds.). Historical Sociology of International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Hudson, Michael. Arab Politics: The Search for Legitimacy. New Haven: Yale University Press, 1977. Huntington, Samuel P.  Political Order in Changing Societies. New Haven/ London: Yale University Press, 1968. Jackson, Patrick Thaddeus & Daniel H. Nexon, "Relations Before States: Substance, Process and the Study of World Politics." European Journal of International Relations. vol. 5, no. 3 (1999). Kamrava, Mehran. Inside the Arab State. Oxford: Oxford University Press, 2018. Kerr, Malcolm. The Arab Cold War: Jamal Abd Al–Nasir and his Rivals, 1958–1970. Oxford: Oxford University Press, 1971. Kienle, Eberhard. Ba’th vs. Ba’th: The Conflict between Syria and Iraq. London: I. B. Taurus, 1990. King, Stephan. The New Authoritarianism in the Middle East and North Africa. Bloomington: Indiana University Press, 2009. Korany, Bahgat & Ali E. Hillal Dessouki (eds.). The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change. Boulder, CO: Westview Press, 1991. Kostiner, Joseph. Middle East Monarchies: The Challenge of Modernity. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2000. Lawson, George. "Historical Sociology in International Relations: Open Society, Research Programme and Vocation."  International Politics.  vol. 44, no. 4 (2007). ________. "The Eternal Divide: History and International Relations." European Journal of International Relations. vol. 18, no. 2 (2010). Maddy–Weitzman, Bruce. The Crystallization of the Arab State System: 1945–1954. New York: Syracuse University Press, 1993. Mahoney, James & Dietrich Rueschemeyer (eds.). Comparative Historical Analysis in the Social Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Migdal, Joel Samuel. State in Society: Studying how States and Societies Transform and Constitute One Another. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.

Mufti, Malik. Sovereign Creations: Pan–Arabism and Political Order in Syria and Iraq. Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1996. Murden, Simon. Islam, the Middle East, and the New Global Hegemony. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2002. Nahas, Maridi. "State Systems and Revolutionary Challenge: Nasser, Khomeini and the Middle East." International Journal of Middle East Studies. vol. 17, no. 4 (1985). Newman, Edward. "Failed States and International Order: Constructing a Post–Westphalian World." Contemporary Security Policy. vol. 30, no. 3 (December 2009). Owen, Roger. State, Power and Politics in the Making of the Modern Middle East. London: Routledge, 1992. Pierson, Paul. Politics in Time: History, Institutions, and Social Analysis. Princeton: Princeton University Press, 2004. Salt, Jeremy. The Unmaking of the Middle East: A History of Western Disorder in Arab Lands. Berkeley: University of California Press, 2008. Santini, Ruth Hanau. Limited Statehood in Post–Revolutionary Tunisia: Citizenship, Economy and Security. Cham, Switzerland: Palagrave Macmillan, 2018. Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. London: Routledge, 2012. ________. "Back to the Future: The Arab Uprisings and State (re) Formation in the Arab World." Democratization. vol. 22, no. 2 (2015). Schwarz, Rolf. War and State Building in the Middle East. Gainesville, FL: University Press of Florida, 2012. Seale, Patrick.  The Struggle for Syria. Oxford: Oxford University Press, 1965. Sela, Avraham. The End of the Arab–Israeli Conflict: Middle East Politics and the Quest for Regional Order. New York: State University of New York Press, 1998. Skocpol, Theda, Peter B. Evans & Dietrich Rueschemeyer (eds.). Bringing the State Back in. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Skocpol, Theda. Vision and Method in Historical Sociology. Cambridge: Cambridge University Press, 1984. Smith, Dennis. The Rise of Historical Sociology. Cambridge: Polity Press, 1991. Waldner, David. State Building and Late Development. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1999. Walt, Steven. The Origins of Alliances. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987. Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, UK: Addison–Wesley, 1979. Waterbury, John. The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes. Princeton: Princeton University Press, 1983. Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenhner Roth & Cluse Wittich (eds.). Berkeley: University of California Press, 1978.