Return to Article Details Bottom-up Urbanism and the Culture of Squatting: A Critical Assessment

العمران التحتي وثقافة العشوائيات: دراسة نقدية

Bottom–up Urbanism and the Culture of Squatting: A Critical Assessment

نزار الصياد| Nezar AlSayyad *

الملخّص

تُشكّل العشوائيات السكنية مقدارًا كبيرًا من رصيد الإسكان في دول العالم الثالث النامية. و‏يُرجع كثير من الباحثين نشأة هذه العشوائيات وتطورها، ‏أو ما يسمّيه بعضهم "العمران التحتي"، إلى الاقتصاد غير الرسمي وغير المنضبط ‏في دول الجنوب. وفي منتصف القرن العشرين ظهرت بعض النظريات التي تحاول تفسير هذه الظاهرة؛ ما أدى إلى اقتراحات وسياسات تحثّ السكان الفقراء على البناء الذاتي لمساكنهم . لكن الفكرة لاقت نجاحًا ‏محدودًا. ‏تقدم هذه الدراسة نقدًا لهذه الفكرة، وتحاول تقديم ‏مساهمة نظرية جديدة لفهم العمران التحتي، تُشدّد على مركزية العامل الثقافي.

Abstract

Abstract: Informal Housing which is often dismissed as squatter settlements constitutes a large component of the housing stock in the developing world. Scholars have often connected the emergence of such communities to the informal economy and the illegal takeover of land in the countries of the Global South. By the middle of the 20 th century new approaches and policies that encourages the urban poor to engage in self–help housing have encountered limited success. This paper presents a critique of some of these ideas and attempts to theorize this bottom up urbanism through an understanding of the culture of its communities.

الكلمات المفتاحية:
  • إسكان
  • تحضّر
  • عشوائيات
  • عمران
  • غير الرسمي
Keywords:
  • Housing
  • Urbanism
  • Illegal
  • Urbanization
  • Informal

Bottom–up Urbanism and the Culture

of Squatting: A Critical Assessment

ملخص: تُشكّل العشوائيات السكنية مقدارًا كبيرًا من رصيد الإسكان في دول العالم الثالث

النامية. ويُرجع كثير من الباحثين نشأة هذه العشوائيات وتطورها، أو ما يسمّيه بعضهم «العمران

التحتي»، إلى الاقتصاد غير الرسمي وغير المنضبط في دول الجنوب. وفي منتصف القرن العشرين ظهرت بعض النظريات التي تحاول تفسير هذه الظاهرة؛ ما أدى إلى اقتراحات وسياسات تحثّ السكان الفقراء على البناء الذاتي لمساكنهم. لكن الفكرة لاقت نجاحًا

محدودًا. تقدم هذه الدراسة نقدًا لهذه الفكرة، وتحاول تقديم مساهمة نظرية جديدة لفهم

العمران التحتي، تُشدّد على مركزية العامل الثقافي.

Abstract: Informal Housing which is often dismissed as squatter settlements constitutes a large component of the housing stock in the developing world. Scholars have often connected the emergence of such communities to the informal economy and the illegal takeover of land in the countries of the Global South. By the middle of the 20 th century new approaches and policies that encourages the urban poor to engage in self–help housing have encountered limited success. This paper presents a critique of some of these ideas and attempts to theorize this bottom up urbanism through an understanding of the culture of its communities.

Professor Emeritus in the College of Environmental Design, the University of California Berkeley, United States.

مقدمة

تنشأ المدن، في الأغلب، نتيجة تراكم زمني لممارسات الأفراد والجماعات والمؤسسات المتعددة. ومع مرور الزمن، وبعد تطور العمران، يصبح للمدينة قاع يتمثل عادةً في حيّز

مكاني لمجموعة من السكان من الفئات الاجتماعية والاقتصادية الدنيا والأكثر فقرًا. ويتطلّب منا

فهم قاع المدن الإقرار بأن هذه الأماكن لا تنشأ من تلقاء نفسها؛ إذ إنها تعبير عن مدى مادية الصراع بين أيديولوجيات وقيم متنافسة. وعادةً ما يوصف قاع مدن ما يسمى العالم الثالث بأنه لارسمي/ غير رسمي Informal؛ كونه أقرب إلى نتاج هذه الثقافات العشوائية المتدنية. ولذلك يُنظر إليها أحيانًا على أنها انعكاس لتطور حضري أو تجسيد ل «اللارسميّة» العمرانية. وبعد عقود من محاولات الحكومات

ووكالات التنمية لتنظيم النمو الحضري والبحوث المكثفة لسياسات التدخل وآلياته، لا تزال مشكلات مدن العالم الثالث كثيرة وسيئة الإدارة، كما كانت دائمًا. واضطرت الحكومات ومنظمات التنمية مؤخرًا

إلى البحث عن بدائل تتحكم، على نحو أكثر فاعلية، في تأثير التوسّع العمراني في نسيج المدينة

الحضري والمؤسسي، واضطر العلماء والباحثون أيضًا إلى إعادة تقييم تصنيفاتهم التحليلية للمشكلة. ركّزت الأدبيات التي تناولت مشكلات مدن العالم الثالث في خمسينيات القرن الماضي وستينياته على الجانب الثقافي والتعليمي المتدني للمستوطنات العشوائية، وجادلت بأن مثل هذه المستوطنات نجمت عن جهل وثقافة مَرضية، وُصِفَت بأنها «ثقافة التهميش» التي تفسر شيوع هذا الشكل من أشكال التمدين باستمرار حالة اللامبالاة الثقافية للفقراء. وشكّلت وجهة النظر هذه حلقة من الجدال المتواصل، مدة عقدين على الأقل، حتى تراجعت هذه النظرة في السبعينيات. بعد ذلك، تحوّل تركيز الأدبيات الأكاديمية، على نحو متزايد، نحو تحليل الاقتصاد السياسي للتوسع غير

المنضبط في مدن العالم الثالث. وأكدت هذه الدراسات الجوانب الهيكلية للمشكلات الحضرية، وجادلت بأن واضعي اليد ليسوا منبوذين من المجتمع، وبأن مستوطناتهم العشوائية هي تعبير مباشر عن تطور الرأسمالية التابعة في مجتمعاتهم. وركزت الدراسات في أواخر السبعينيات على الجوانب السياسية لتطور العشوائيات، وأظهرت أنها لا تمثل انحرافات عن التركيب الاجتماعي السائد، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأنظمة السياسية التي تحكمها. وسلّطت الدراسات الحديثة أيضًا الضوء على الروابط الوثيقة بين القطاع غير الرسمي والقطاعات الرسمية للإسكان والاقتصاد والسياسة الرسمية للدولة. ومن جانبها، شددت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (U.S. Agency for International Development, USAID)، في مراجعة برامجها للإسكان والتنمية الحضرية، على شبكة العلاقات المعقدة التي يتموضع داخلها واضعو اليد، وعلى الدينامية بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي،

(1) Janice Perlman, "Six Misconceptions About Squatter Settlements," in: Vijayan K. Pillai & Lyle W. Shannon (eds.), Developing Areas: A Book of Readings and Research (Oxford: BERG, 1995), pp. 336–344. (2) Manuel Castells, The City and the Grass Roots) Berkeley: University of California Press, 1983). (3) Ibid. (4) Rod Burgess, "Self–Help Housing Advocacy: A Curious from of Radicalism," in: Peter M. Ward (ed.), Self–Help Housing: A Critique (London: Mansell, 1982), pp. 55–97.

بوصفها ظاهرة «اقتران» يجب أن تؤخذ في الاعتبار أثناء تصميم برامج التنمية. وفي الوقت نفسه، جادلت دراسات أخرى بأن وجود النشاطات غير الرسمية ضروري لبقاء الاقتصادات الوطنية الرسمية في العالم بصفة عامة، وأغلبية السكان في العالم الثالث بصفة خاصة. يُلقي التفسير المرضي اللوم على الفقراء، ويُفسّر المشكلات الحضرية للعشوائيات بافتقار الفقراء

إلى الدافع لتغيير ظروفهم المعيشية. ونحن ندرك قصور هذا التفسير بتجاهله الدور الثقافي والعبقرية المبتكرة لفقراء المدن في الاستفادة من الفرص المحددة للبقاء على قيد الحياة وتحسين ظروفهم المعيشية. ومن وجهة النظر هذه، يُنظر إلى الثقافة على أنها نظام واسع للقيم ومعايير السلوك التي

تتوسط العلاقات بين فقراء الحضر والدولة؛ لذلك تؤدي ثقافة السكان دورًا وسيطًا بين بنية المجتمع الحضري والحاجات المادية لسكان المدينة. إن اعتبار القطاع غير الرسمي مشكلة التقدم الحضري، وتصنيف «العالم الثالث» فئةً تنطبق عليها هذه المشكلة، يعدّان خطأين كبيرين. وتتساءل هذه الدراسة عن إشكاليات التعميم حول عمليات تطوير الإسكان العشوائي في قاع مدن العالم الثالث، وتوضح أن العمليات التي يتطوّر من خلالها السكن

العشوائي في بعض دول أميركا اللاتينية والشرق الأوسط مختلفة تمامًا بعضها عن بعض، وكذلك عن التصوّرات العالمية المُعمّمة بشأن العلاقة بين الدولة والمستوطنات العشوائية.

أولا: الأنماط العامة للمستوطنات العشوائية

تُعرّف المستوطنات العشوائية بمجموعة متنوعة من المصطلحات المحلية في كل دولة على حدة:

ففي تركيا تسمى «كاجيكوندو»، وفي البرازيل «فافيلا»، وفي كولومبيا «باريو»؛ وكلها مجتمعات سكنية عالية الكثافة وواسعة الانتشار، تم إنشاؤها غالبًا خارج الهياكل القانونية والاقتصادية الرسمية للعديد

من مدن العالم الثالث. كان عدم قدرة الحكومات المحلية والوطنية على خلق فرص عمل مناسبة وإسكان فقراء الحضر هو العامل الذي أجبر ذوي الدخل المنخفض على غزو الأراضي العامة أو الخاصة، وإنشاء مثل هذه العشوائيات السكنية خلال عملية الاستيطان التي تتكون عادةً من شبكة معقدة من العلاقات بما يسمى القطاع الرسمي. تاريخيًا، يرجع نمو العشوائيات التلقائي على الأراضي الحكومية والخاصة إلى العديد من مشكلات

مدن العالم الثالث. ويمكن تقسيم عملية استيطان العشوائيات أربع مراحل أساسية: غزو الأرض، والتكوين الاجتماعي، والتطور العمراني، وأخيرًا النضج الحضري. تبدأ عملية الغزو العشوائي ببطء

(5) Hans Harms, "Historical Perspectives on the Practice and Purpose of Self–Help Housing," in: Ward (ed.), pp. 17–53. (6) Burgess. (7) John F.C. Turner, Housing by People: Towards Autonomy in Building Environments (New York: Pantheon Books,

(8) Paul Baross, "Sequencing Land Development: The Price Implications of Legal and Illegal Settlement Growth," in: Paul Baross & Jan van der Linden (eds.), The Transformation of Land Supply Systems in Third World Cities (Aldershot: Brookfield, 1990), pp. 57–80.

تدريجي من قليل من الأشخاص، ثم تصبح مع الوقت جماعية، وفي بعض الأحيان تعبئة تجمعات واضعي اليد على الأرض. وفي أحيان أخرى، يكون الاستيلاء على الأراضي نتيجة أفعال تلقائية وعفوية من أفراد يبحثون عن مسكن، ليتمّ الاستيلاء على أراضٍ مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص. وتتم الطريقة الأخرى للاستيطان العشوائي من جماعة تقوم بتوجيه جماعي، في عملية شبه منسّقة، لغزو الأرض تدريجيًا، وعادةً ما يفعلون ذلك لإدراكهم أن هناك فرصة في أن تتجاهل السلطات هذا العمل.

وفي بعض الأحيان، عندما تتدخل السلطات في عملية الاستيلاء على الأرض بوضع اليد، خاصةً لو كانت تابعة للقطاع الخاص واشتكى مُلّكها الأصليون، فتقوم بإجلائهم عنها بالقوة وبسرعة. غالبًا ما يتم التحريض على فكرة الحشد أو تنظيم الاستيلاء على الأراضي بوضع اليد في بعض الدول من الأحزاب السياسية أو الوكلاء؛ وذلك لأجل التعبئة الاجتماعية لجماعات سكانية معيّنة. وقد تهدف القوى السياسية المعارضة إلى استخدام هذه الحركات لتهديد شرعية الحكومة السياسية، خاصة عندما تؤدّي المواجهة بين المستوطنين والشرطة إلى تظاهرات، وتحاول السلطة قمع احتجاجات السكان المحليين أو هدم ما قد بنوه عشوائيًا في أيام قليلة. قد تلجأ بعض الحكومات الضعيفة، قبل الحملات الانتخابية، إلى تسهيل عملية الاستيلاء بوضع اليد التي تحدث في بعض الأحيان على أراضٍ مملوكة للقطاع الخاص، في مقابل أصواتهم الانتخابية. وعلى الرغم من أن عملية الاحتلال قد تحدث في مدة زمنية قصيرة، فإن كثيرين من المُلّك يسمحون بها لرغبتهم في الحصول على بنية تحتية توفّرها الحكومة للمستعمرين، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه الأراضي، وهو ما يسمح للمُلّك الأصليين، لاحقًا، بالتفاوض مع الحكومة لأخذ التعويضات المالية المناسبة، بحسب تقدير ثمن الأراضي المطوّرة فعلً. في بداية القرن العشرين، استقرّ الوضع على قبول الكثير من هذه العشوائيات؛ باعتبارها مجتمعات سكنية بسبب انتشارها الواسع وصعوبة إزالتها. وحتى نفهم هذا الموضوع بعمق، يجب أن نعرض الظروف التقليدية والجديدة التي قام بها المخططون للتعامل مع هذه العشوائيات في دول مختلفة. وأصبح التصور الحديث للتوسع الحضري، من أسفل إلى أعلى، في تخصصات الجغرافيا وعلم الاجتماع والدراسات الحضرية، يشمل استراتيجياتٍ مختلفةً، تحت مُسمّيات مثل التنفيذ الذاتي Self–Help، والإبداعية غير المألوفة أو المنبثقة Auto–Construction، والتكتيكية الحضرية Urban Survival. وتُعدّ هذه الاستراتيجيات ضمن المساعي الحميدة عادةً، لكن من الخطأ اعتبارها مرتبطة بمنطقة جغرافية معيّنة، مثل العالم الثالث أو دول الجنوب أو طبقة معيّنة كفقراء المدن. وبدلً من ذلك، علينا أن نفهم أن العمران غير الرسمي (العشوائيات) ممارسة شاملة لجميع المستويات الاقتصادية

(9) David Collier, Squatters and Oligarchs: Authoritarian Rule and Policy Change in Peru (Baltimore: John Hopkins University Press, 1976). (10) "Informal Housing," in: Hernando De Soto, The Other Path (New York: Harper & Row Publishers, 1989), pp. 17–55.

والاجتماعية، وهو ما يتناقض مع التوظيف العالمي للمصطلح في دول الشمال للإشارة إلى أي نشاطات عمرانية خارج نطاق القوانين والأنظمة المعمول بها.

ثانيًا: التخطيط الفوقي من السلطة العليا إلى القاعدة الشعبية

تعتمد فكرة التخطيط العمراني، مبدئيًا، كما قال المنظّر جون فريدمان، على ابتداع «نشاط يسبق اتخاذ القرارات وبدء الإجراءات». كان هذا النوع من التخطيط من السلطات العليا الذي يُنفّذ على المجتمع برمته، بما في ذلك فئات القاع الفقيرة، أسلوبًا نموذجيًا لبناء المدن والمستوطنات وإدارتها فترةً طويلة. وثمة أمثلة تاريخية عدة، قد يكون أشهرُها التحول العمراني لباريس في منتصف القرن التاسع عشر،

الذي قام به البارون هوسمان Georges–Eugène Haussmann، وتخطيط برازيليا وبناءها عاصمة جديدة حديثة لدولة البرازيل في منتصف القرن العشرين. ووفقًا لجيمس سكوت، يمكن النظر إلى هذا النهج من أعلى إلى أسفل، باعتباره محاولة من الدولة لتشكيل المجتمع «بحيث يسهل تنفيذ مختلف الممارسات الحديثة؛ من فرض الضرائب والتجنيد الإلزامي، إلى فرض الأمن ومنع التمرد». وفي هذا النموذج، يسيطر المُخطِّط على مجمل العملية، إلى جانب تمتّعه برؤية واضحة للمصلحة العامة واعتداده بالتقدم العلمي والتكنولوجي. وتُجسّد قصة فاوستالتي كتبها الروائي والفيلسوف الألماني الشهير يوهان غوته نموذجًا عن هذه الشخصية، من حيث وضعه خططًا ورؤى شاملة لمجتمع جديد، كما وصفه مارشال بيرمان. وتضم هذه المجموعة المخططين المشاهير الذين اتبعوا هذا المنهج التخطيطي الفوقي، من أعلى إلى أسفل، أو من القمة إلى القاع، مثل لو كوربوزييه Corbusier Le الذي خطّط إسلام أباد في باكستان، وروبرت موزس Moses Robert الذي أعاد تشكيل مدينة نيويورك في خمسينيات القرن العشرين. ويعكس نفور هؤلاء المخططين من أشكال التجمعات العمرانية التلقائية غير المنظمة وظروفها – سواء كانت أحياء فقيرة أم مستوطنات عشوائية – موقفًا مهنيًا من الفوضى في حد ذاتها، إلّ أنه قد يُعبّر، من جهة أخرى، عن تحيّز طبقي ضد أشكال المستوطنات هذه باعتبارها تمثّل تهديدًا للنظام والسلطة.

(11) Nezar AlSayyad, "Urban Informality as a ‘New’ Way of Life," in: Ananya Roy & Nezar AlSayyad (eds.), Urban Informality: Transnational Perspectives from the Middle East, Latin America, and South Asia (Lanham, MD: Lexington Books, 2004), pp. 7–30. (12) Vinit Mukhija & Anastasia Loukaitou–Sideris, "Introduction," in: Vinit Mukhija & Anastasia Loukaitou–Sideris (eds.), The Informal American City: Beyond Taco Trucks and Day Labor (Cambridge, MA: The MIT Press, 2014), pp. 1–17. (13) John Friedmann, Planning in the Public Domain: From Knowledge to Action (Princeton: Princeton University Press, 1987). (14) James C. Scott, Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition Have Failed (New Haven: Yale University Press, 1998). (15) Marshall Berman, All That is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity (New York: Penguin, 1988). (16) Peter Hall, Cities of Tomorrow (New York: Wiley–Blackwell, 2014).

نجح هذا النوع من التخطيط الفوقي، أي من القمة إلى القاع، في خلق بيئات نابضة بالحياة، لكن ذلك لم يتحقق غالبًا إلّ بأثمان باهظة، تضمّنت عمليات هدم وإخلاء، تُصاحب عادة عمليات تهجير

وإحلال وتجديد. ويخطر على البال هنا المناظرة الشهيرة بين جاين جاكوبز Jacobs Jane ولويس ممفورد في ستينيات القرن الماضي، حيث أصرّ ممفورد على إمكانات التخطيط من أعلى إلى

أسفل، في حين ركّزت جاكوبز على حق الناس العاديين في فراغات الشوارع العامة، ورفضت التدخلات الحكومية الواسعة التي تنطوي عليها الخطة المركزية Plan Master. وفي مناطق كثيرة من العالم الثالث، مثّل هذا النوع من التخطيط الفوقي، في أحيان كثيرة، معيارًا نموذجيًا لحوكمة العمران،

حيث يتّخذ الرؤساء والوزراء والمحافظون قرارات مصيرية من دون أي إجراءات تشاورية. ولم تنشأ معارضة لهذه الممارسات إلّ في منتصف القرن العشرين، بعد بروز قضايا المساواة ومناهضة التمييز العرقي والصوت الأنثوي المطالب بالمساواة.

ثالثًا: العمران التحتي: من القاعدة الشعبية إلى أعلى

تمحورت فكرة التخطيط من القاعدة الشعبية إلى أعلى، منذ بداياته، حول تمكين المستخدمين وتشجيع المشاركة المجتمعية، ولا سيما سكان الأحياء والمدن. وقد نشأ هذا التخطيط في الولايات المتحدة الأميركية على يد مخططين، مثل بول دافيدوف الذي أكد دور المناصرة والتعددية، ودعا إلى العمل المجتمعي «من أسفل إلى أعلى»، ودافع عن دور المشاركة المجتمعية للسكان. وكانت جاكوبز شخصية مؤثرة في هذه الحركة؛ إذ إنها آمنت بقدرة الناس العاديين على معرفة حاجاتهم. وبخلاف نهج موزس للتخطيط الفوقي الذي انعكس على مشاريع تجديد واسعة للمناطق العمرانية في نيويورك، أكدت جاكوبز أهمية الشوارع والأحياء والكتل الصغرى التي، وإن بدت عشوائية في عيون المخططين في تخطيطهم من أعلى إلى أسفل، تشكّل في الواقع «أنساقًا معقدة للنظام الوظيفي». وسرعان ما أصبحت «المشاركة» شعارًا لهذا النمط من التخطيط الذي يتبنّى استراتيجية تسمح للمواطنين المحرومين بدور في «السلطة الإدارية الكاملة» بإبداء حاجاتهم ورغباتهم في العملية التخطيطية. ظهرت هذه الدعوة أصلً في دول الشمال باعتبارها شكلً من أشكال مقاومة نهج التخطيط الفوقي. لكن لم يظهر التخطيط من القاع إلى أعلى في دول الجنوب، بالطريقة نفسها، بل ظهر عن طريق تدخّل نخبة من الخبراء الخارجيين، منهم مهندسون معماريون ومخططون واقتصاديون. وسلّطت هذه المجموعة الضوء على «القدرات المحلية» أسلوبًا لمواجهة «المستوطنات العشوائية» التي نشأت في أعقاب التحضر السريع الذي ظهر في أواخر خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته؛ فلم ينحصر

(17) "Home Remedies for an Urban Cancer," in: Lewis Mumford, The Urban Prospect (San Diego: Harcourt, 1962), pp. 184–201. (18) Paul Davidoff, "Advocacy and Pluralism in Planning," Journal of the American Institute of Planners , vol. 31, no. 4 (1965), pp. 331–338. (19) Jane Jacobs, The Death and Life of Great American Cities (New York: Random House, 1961). (20) Sherry R. Arnstein, "A Ladder of Citizen Participation," Journal of the American Institute of Planners , vol. 35, no. 4 (1969), pp. 216–224.

الاهتمام بتوفير الحكومات سكنًا للفقراء في المناطق الحضرية، بل تعدّاها إلى الوكالات الدولية والباحثين والمهندسين المعماريين الذين كانت لهم عن كثب مشاركات متنوعة (متعددة) في هذا النقاش وفقًا لطبيعة عملهم ومصالحهم الطبقية. أصبحت استراتيجية المساعدة الذاتية التي طرحها المهندس المعماري البريطاني جون إف. سي. ترنر أشهر استراتيجية للتعامل مع مشكلات الإسكان في العالم الثالث. ففي كتابه الإسكان بواسطة الناس، انتقد عجز المعماريين والمخططين عن تحديد ماهية الأفضلية للسكان المقيمين. وبوجه عام، رسم ترنر خطًا فاصلً بين منظومات مركزية (تابعة) ومنظومات إدارة ذاتية (مستقلة)، مستندًا خلاله إلى ضرورة «استقلالية» الإسكان والخدمات. وأكدّ أن التقنيات المركزية والبيروقراطية الهرمية والإنتاج والتوزيع الواسعَين في المنظومات التابعة، أدت إلى عواقب اقتصادية وخيمة، من بينها النفقات الإضافية للإجراءات الإدارية وتكاليف التشغيل العامة. وعلى النقيض من ذلك، تُنتج العمليات الصغيرة الحجم والمنخفضة الطاقة والتقنيات والكثيفة العمالة، رصيدًا إسكانيًا مستقلً ومنخفض التكاليف. سرعان ما امتدّت استراتيجية الإسكان القائم على المساعدة الذاتية إلى خارج العالم الثالث، وأصبحت استراتيجية عامة للاستحواذ على الأراضي وبناء مساكن للفقراء. وتناول بول باروس لاحقًا التناقض بين التنمية المخططة والتنمية غير المخططة، مفترضًا أربع مراحل للتنمية التقليدية. الأولى «التخطيط»، وهي مرحلة تتضمن الحصول على الموافقات الإدارية. وتليها مرحلتا «التخديم» و«البناء» اللتان تسمحان ببناء منازل على أراضٍ مطروحة قانونيًا. وتتضمن المرحلة النهائية «الإشغال»، بما فيه من

بيع أو تأجير المنازل للمستخدمين. وأشار باروس إلى أن جميع هذه المراحل (التخطيط، والتخديم، والبناء، والإشغال) خارج متناول الفقراء في مدن عدة في العالم الثالث؛ فما يحدث على أرض الواقع هو تسلسل معكوس لهذه المراحل (إشغال، بناء، تخديم، تخطيط). ونظرًا إلى أن التنمية «المخططة»

تتطلّب مُسبقًا استثمارات ونفقات ثابتة كبيرة، تصبح التنمية «غير المخططة» (التي تبدو تنميةً حضريّة غير رسميّة أو توسعًا حضريًا من جهة القاعدة الشعبية) الطريقة الوحيدة أمام الفقراء في المدن للحصول

على أراضٍ ومساكن تُزوّد لاحقًا بالخدمات. أدى الإقرار باستراتيجية ترنر إلى الإسراع في وضع توصيات لاعتماد سياسات جديدة، أبرزها تلك التي وضعها الاقتصادي البيروفي هيرناندو دي سوتو الذي حدّد في كتابه الطريق الآخر أربع مراحل للتنمية الحضرية غير الرسمية، وقال إنه يمكن تحسين هذه العملية «غير القانونية» وجعلها شبه «قانونية»، من خلال الخصخصة ورفع القيود ونزع البيروقراطية. ثم وسّع دي سوتو هذه التوصيات في كتابه

لغز رأس المال، داعيًا إلى «دمج» الفقراء في القطاع الرسمي من خلال منحهم سندات ملكية تلك

العقارات غير القانونية. وادّعى أن الفقراء هم أصلً أغنى مما يتصوّره الناس والحكومة، وأن مشكلتهم

(21) Turner. (22) Ibid. (23) Baross. (24) De Soto, The Other Path.

الرئيسة تكمن في عدم قدرتهم على تحويل الأصول غير الرسمية («رأس مال ميت») إلى «رأس مال حيّ». واستند الحل الذي طرحه إلى إضفاء الطابع الرسمي والقانوني على ما قاموا ببنائه، ومن ثم

إدراجه ضمن خريطة العمران النافذة والمعتمدة من الدولة. مع ذلك، تعرّض نهج الإسكان القائم على المساعدة الذاتية أساسًا لسياسات الإسكان لانتقادات واسعة،

حتى قبل أن يتبنّاه ويمتدحه المستشارون الليبراليون الجدد، أمثال دي سوتو. وقد أكّد رود برغس تحديدًا أن العيب الأساسي في هذا النهج يكمن في افتراض غير مدروس مفاده أن نتاج الفقراء العمراني (بما في ذلك بنيتهم التحتية وليس مساكنهم فحسب) نتاجٌ تطوعي مجاني غير محميّ. كما ادّعى أيضًا أن التبعية

والاستقلالية (أو الإسكان القائم على المؤسسات والمساعدة الذاتية) «استقطاب فئوي زائف». وأشار إلى عدم اعتبارهما منظومتين مختلفتين أبدًا، بل قطبين مختلفين من الرأسمالية؛ يمثل الأول التقييم الرسمي لرأس المال العقاري، ويمثل الآخر الإنتاج الصغير للإسكان في تشابكه مع الظروف العامة للرأسمالية. وتتبّع هانس هارمز السياق البنيوي الذي ظهر فيه نهج الإسكان القائم على التكامل الذاتي، وتوصّل إلى أن

اتّباع هذا النهج يخلط بين «حرية البناء» و«ضرورة البقاء». وعلى هذا الأساس، ميّز بين «المساعدة الذاتية»

التي قام بها السكان والإجراءات المماثلة التي تكفّلت بها الدولة؛ وخلص إلى أن الأول يمثل «الصراع الطبقي التحتي من ‘القاع’»، بينما يجسد الثاني «الصراع الطبقي الفوقي من أعلى»، في محاولة «لزيادة الاندماج في النظام الاجتماعي العالمي القائم واستمرار تراكم رأس المال وهيمنته». أشار برغس وهارمز حينذاك إلى أن اعتماد المساعدة الذاتية للتكامل الذاتي، سياسةً رسميةً، ينقل بدوره مسؤولية إنتاج الرصيد الإسكاني إلى فقراء المدن؛ إلى حدٍ أتاح للدولة التملّص من المسؤوليات المنوطة بها. وهكذا، ساهم نزع التسييس عن مسألة الإسكان في نزع التسييس عن الدولة. وبناء عليه، أكّدا أنه على الرغم من تحديد ترنر التدرّج الهرمي والبيروقراطية والحجم مصادرَ لمشكلة الإسكان، فإنه بذلك حوّل دور الدولة إلى مسألة تقنية. ولذلك فشل دي سوتو من بعده في تحديد دورها التأسيسي في أنماط الإنتاج الرأسمالي. والمشكلة لا تكمن في فهم دور التكامل الذاتي وحدوده، في حد ذاته، أو حتى في الدعوة إلى تخطيط قائم على المشاركة المجتمعية من أسفل إلى أعلى، بل، بالأحرى، في فهم أغراض من يدافع عن هذا النوع من التخطيط. ولذلك يصبح ضروريًا دراسة ما يعنيه التوسع الحضري من أسفل إلى أعلى في الأنظمة الرأسمالية الحالية.

رابعًا: عشوائيات الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية

يمكننا تسليط الضوء هنا، من خلال أمثلة مختلفة، على عشوائيات الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية؛ إذ يساعد تحليلها في تأسيس الحجة التحليلية لهذه الدراسة. وتم اختيار الأمثلة التالية على أساس

(25) Hernando De Soto, The Mystery of Capital: Why Capitalism Triumphs in the West and Fails Everywhere Else (New York: Basic Books, 2000). (26) Burgess, p. 67. (27) Harms.

المعايير الإجرائية، بدلً من المعايير الجغرافية أو الزمنية؛ باعتبارها أمثلة تُظه ر تطور البيئة العمرانية

العشوائية بصفة عامة. وكما سيتضح من خلال معالجة الح لات الأربع التالية، فإنّ التوسّع العشوائي

في الح لات الأربع محكوم بالخصوصية الثقافية لكل مجتمع.

1. فافيلا خوسينيا، ريو دي جانيرو، البرازيل

يُنظر إلى فافيلا خوسينيا Favela Rocinha في ريو دي جانيرو؛ وهي واحدة من أكبر مدن الصفيح في البرازيل، باعتبارها «قصة نجاح حي عشوائي». فعلى عكس الظروف التي سادت في سبعينيات القرن الماضي، حينما كان سكان هذا الحي يعيشون في أكواخ خشبية وطينية من دون ماء أو كهرباء، حصل سكان المنطقة، البالغ عددهم حينذاك 150000 نسمة، على الحق الكامل في هذه الخدمات، بحلول عام 2007. وتحقق هذا التغيير أساسًا بفضل برنامج تحويل مدن الصفيح إلى أحياء Program Barrio – Favela. وبدأ البرنامج في عام 1994 بمساعدة مالية من مصرف التنمية للبلدان الأميركية، وكان هدفه تطوير الأحياء الفقيرة؛ أي «تحويل المستوطنات العشوائية (فافيلا) إلى أحياء معترف بها رسميًا (باريو»). كما عبّر هذا البرنامج عن تحوّل في السياسة العامة في البرازيل، من اجتثاث مدن الصفيح إلى محاولة دمجها ضمن المدينة. حينما أجرت جانيس بيرلمان متابعة للتحقيق الإثنوغرافي الذي قامت به في عام 1970 عن مدن الصفيح في ريو دي جانيرو، وجدت أن تلك التحسينات لم تُحدِث فرقًا كبيرًا لدى سكان حي خوسينيا، ففي حين استخدم الآباء في ما مضى شبح الفقر لتقريع أطفالهم، مثل ترداد مقولة «إذا لم تبقَ في المدرسة وتواظب على الدراسة، فسوف تصبح مجرّد زبال»، أصبحت وظيفة الزبال تحتاج إلى شهادة دبلوم بعد ثلاثة عقود من ذلك. وعلى صعيد آخر، صرّح كثير من السكان لبيرلمان، بأنهم «تضرّروا» من التحسينات التي قامت بها الحكومة أو الوكالات الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية للبلدان الأميركية. وعلى حد قول بيرلمان حينذاك: «أدى وجود عدد كبير جدًا من المرشحين الذين يلتمسون أصوات فافيلا، والوعود الكثيرة التي لم تتحقق، إلى تفشّي الفساد السياسي وتعميق نزعة التشكيك». مع بداية القرن الحادي والعشرين، أصبح حي خوسينيا موقعًا لسياحة مدن الصفيح؛ فالسائح يستطيع بواسطة موقع «اكتشاف البرازيل» ترتيب زيارة مقابل 30 دولارًا يروي له خلالها مرشدٌ سياحي محلي

(28) Robert Neuwirth, "Squatters and the Cities of Tomorrow," City , vol. 11, no. 1 (2007), pp. 71–80. (29) Ananya Roy, "Urban Informality: Toward an Epistemology of Planning," Journal of the American Planning Association , vol. 71, no. 2 (2005), pp. 147–158. (30) Janice Perlman, The Myth of Marginality (Berkeley: University of California Press, 1976). (31) Janice Perlman, "Marginality: From Myth to Reality in the Favelas of Rio de Janeiro, 1969–2002," in: Roy & Alsayyad (eds.), pp. 105–146. (32) "Favela Tour– A Walk Inside the Biggest Favela in Latin America," Brazil Expedition , accessed on 16/3/2017, at: https://brazilexpedition.com/

عن «الحياة في فافيلا وما تعنيه للناس الذين يعيشون هنا». وتُروّج مجلات الأعمال هذه النشاطات على أنها «فرص ريادية» لسكان فافيلا. لكن الحقيقة أن على سكان حي خوسينيا أن يتحملوا هذا التلصص عليهم خلال مزاولة جوانب من حياتهم اليومية، بينما يظلون قابعين في أسفل السلّم الاقتصادي من دون أمل يذكر في الارتقاء.

2. فافيلا السلفادور، ليما، بيرو

يُستشهد غالبًا بفافيلا السلفادور Salvador El Villa في ليما، في بيرو، باعتبارها مثالً على نجاح

التوسع الحضري غير الرسمي الذي أقرّته الدولة. لقد بدأ هذا التوسع على هيئة غزو شبه عفوي

للأراضي في منطقة تسمى بامبلونا في عام 1971. وخلال هذا العمل المشوب بالنزاعات، قُتل زعيم يدعى سلفادور سالديفار، وجُرح كثير من المستوطنين المحتملين. لكن تدخّل الكنيسة الكاثوليكية مكّن الغزاة من نشر دعاية واسعة وتجميع قواهم من خلال إظهار أفعالهم دليلً على الغياب المعمم للعدالة الاجتماعية. وأ جبر وزير الداخلية، الجنرال أرماندو أرتولا أزكرات، على الاستقالة في وقتُ لاحق، وسُمح للغزاة بتسمية مستوطناتهم على اسم الزعيم المقتول. وبحلول عام 1978، وصل عدد سكانها إلى 300000 نسمة. وفي عام 1983، تحوّلت إلى منطقة حضرية مستقلة. وبعد مُضي

خمسة عشر عامًا، أصبحت فافيلا السلفادور أيضًا محط اهتمام السياسات التي اقترحها هيرناندو دي سوتو. فبين عامي 1996 و 2005، تم تقنين المنطقة بما يشمل 650000 عقار في ليما وحدها. لكن الغريب أن الاعتراف القانوني وإضفاء الطابع الرسمي أديا إلى انخفاض عدد المنظمات المجتمعية. وفي أثناء ذلك، أدت السياسات الليبرالية الجديدة لنظام ألبرتو فوجيموري (2000–1990) إلى إلحاق الضرر بالشركات الصغيرة في فافيلا السلفادور، من جرّاء المنافسة العالمية. كما استمرت الظروف

البيئية الضارّة بالصحة؛ فحتى أواخر تسعينيات القرن الماضي، كانت نسبة 40 في المئة من سكانها لا تزال محرومة من مياه الشرب النظيفة والصرف الصحي. ومنذ عام 1999، أطلق رؤساء بلدية فافيلا السلفادور مجموعة برامج ومشروعات لتعزيز الإدارة التشاركية وتحسين الظروف المادية، لكن معظمها فشل في تحقيق نتائج إيجابية؛ بسبب ضعف التمويل ونقص الخبرة المهنية وانعدام الثقة التام. وأدى تشتت المشاركة العامة إلى تقويض إضافي لقدرة السكان على التعبير عن آرائهم. كما أدى استمرار الفقر إلى تفاقم هذا الوضع.

(33) Ibid. (34) Ibid. (35) De Soto, The Other Path. (36) Nezar AlSayyad, "Squatting and Culture: A Comparative Analysis of Informal Developments in Latin America and the Middle East," Habitat International , vol. 17, no. 1 (1993), pp. 33–44. (37) Jörg Plöger, "Gated Barriadas: Responses to Urban Insecurity in Marginal Settlements in Lima, Peru," Singapore Journal of Tropical Geography , vol. 33, no. 2 (2012), pp. 212–225. (38) Plöger. (39) Michaela Hordijk, "Participatory Governance in Peru: Exercising Citizenship," Environment and Urbanization , vol. 17, no. 1 (2005), pp. 219–236.

تُبيّن حالتا فافيلا خوسينيا في ريودي جانيرو في البرازيل، وفافيلا السلفادور في ليما في بيرو، التناقض

الكامن بين نهجي التخطيط من الأعلى، والتخطيط السفليّ، والآثار السلبية الاجتماعية والثقافية

التي تُسبّبها الأحياء العشوائية في حياة سكانها، بتجاهلها الدور الثقافي وخصوصية كل مجتمع على

حدة. أما الحالتان التاليتان فتقيّمان العمليات التي يجري من خلالها توسّع المجتمعات العمرانية

غير الرسمية في الشرق الأوسط. وتناقش الحالة التالية حالة مصر التي يقوم فيها التوسع العشوائي، بناءً على عمليات التقسيم غير القانوني للأراضي الزراعية التي يكثفها التوسع العمراني في القاهرة.

ويناقش المثال الأخير حالة المملكة العربية السعودية في السبعينيات والثمانينيات، وهي حالة ارتبطت فيها عملية التوسّع العشوائي بقدرة السكان على استغلال اللوائح والقوانين الرسمية.

3. «الزبالين»، القاهرة، مصر

«الزبالين» كلمة عربية مصرية تعني حرفيًا «عمّال جمع القُمامة». لكنها في القاهرة، تشير أيضًا إلى حيّ

يحمل هذا لاسم، يقع على الحافة الشرقية للمدينة، يقطن فيه جامعو القُمامة. يتمحور عمل هؤلاء

الأشخاص، ومعظمهم يعتنق الديانة المسيحية، وهي الأقلية الدينية الرئيسة في مصر، في جمع فضلات

الطعام وبقايا الورق والصناديق والزجاجات والمواد البلاستيكية من باقي أرجاء المدينة ونقلها إلى حي

الزبالين الذي يقوم سكانه بتنظيفها ومعالجتها وإعادة بيع ما هو صالح منها للاستخدام. ويعيش الحي

باعتباره مدينة قائمة بذاتها، وتحتوي على محلات بقالة وجزارة ومقاه ومدرسة. وتنطوي حياة جامع

القمامة على عمل شاق وقذر. كما أنه عرضة للخطر نتيجة تعامله مع أجسام حادة كالإبر والشظايا

المعدنية والزجاج المكسور، وكذلك البكتيريا المسببة للأمراض، ويتعزز هذا مع قلّة الوعي بمدى

المخاطر الناجمة عن ذلك. ومع ذلك، من المألوف في حي «الزبالين» توريث الوظيفة من جيل إلى

آخر. وعلى الرغم من وجود مدرسة في الحي، فإن أطفال جامعي القمامة قلّما يملكون خيارًا عدا السير

على خطى آبائهم. جرت محاولات متعددة لإضفاء الطابع الرسمي على عملية جمع النفايات في القاهرة، كان أبرزها محاولات قامت بها شركات دولية لإدارة النفايات. كما أطلقت محافظة القاهرة مشروعات لنقل سكان حي «الزبالين» إلى مناطق أخرى في ضواحي المدينة، وهي محاولة أدت إلى رفع قيمة الأراضي وصبّت في مصلحة المطوّرين العقاريين والمستثمرين الراغبين في «تجميل» المنطقة. وفي عام

1981 طلق برنامج «الزبالين» للبيئة والتنمية بتمويل من البنك الدولي، الذي يهدف إلى تحسين، أ الظروف المعيشية لسكان الحي. وبحلول التسعينيات، استُبدلت معظم الأكواخ المؤقتة في الحي

بأبنية أكثر صلابة من الخرسانة والطوب. وعلى الرغم من تحسن جودة السكن، فإن مسحًا أ جريُ

في عام 2004، أشار إلى استمرار خشية السكان من تعرّضهم للتهجير نتيجة التحسينات التي طرأت

(40) Ragui Assaad, "Formalizing the Informal? The Transformation of Cairo’s Refuse Collection System," Journal of Planning Education and Research , vol. 16, no. 2 (1996), pp. 115–126. (41) Wael Fahmi, "The Impact of Privatization of Solid Waste Management on the Zabaleen Garbage Collectors of Cairo," Environment and Urbanization , vol. 17, no. 2 (2005), pp. 155–170. (42) Ibid.

على الحي والمضاربات الخاصة. كما لا يزال الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي غير كافٍ، ولا سيما بسبب الوظيفة التاريخية للموقع. وأدّت انهيارات صخرية مدمرة إلى تكثيف المساعي الرامية إلى نقل مدينة «القمامة»/ حي «الزبالين»؛ فقد حدث الانهيار الأول في عام 1993، وأسفر عن مقتل 70 شخصًا. وفي عام 2008، استيقظ السكان مرة أخرى على صوت تدحرج الصخور تجاههم، الذي تسبب في تدمير قرابة 100 مبنى من الطوب، وقتل أكثر من 100 شخص. وانصبّ غضب السكان على الحكومة، وقالوا إنها أهملت بوادر الكارثة، بما فيها تشقق الجدار الاستنادي، ويستمر إهمال المشكلة إلى أن تظهر فاجعة جديدة ككارثة زلزال عام 1993. وفي أثناء البحث عن جثث أفراد الأسر الذين «دُفنوا أحياء»، اشتكى السكان من أن «أحدًا لم يستمع إليهم لأنهم فقراء، لا حول لهم ولا قوة، ومصنّفين كمستوى أدنى من البشر».

4. سيد الشهداء، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية

قد نستفيد هنا من العودة إلى الوراء إلى سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. في المدينة المنورة، رابع

أكبر مدينة في السعودية، يعيش نحو خُمس السكان على أرض تم «احتلالها» بصفة غير قانونية. ليس لاستيلاء ظاهرة عمرانية جديدة في السعودية، بل هو استمرار للقوانين والأعراف التقليدية. تثبّط

السلطات المحلية في المدينة المنورة عمليات لاستيلاء على الأراضي وتُعيّن حراسًا للأراضي غير

المستوطنة، فيقترب واضعو اليد حينذاك من الأرض خلال عطلات نهاية الأسبوع، أو في الأوقات التي

تكون فيها الأرض غير مستخدمة أو مستوطنة. فيبنون أولً سياجًا حول قطعة أرض، ثم ينصبون فيها

خيمة أو كوخًا، بأي مادة قد تكون مُتاحة، ثم يرفع المحتلون قضيتهم إلى محكمة دينية ويطلبون تقنين

مطالبتهم بالأرض. يشترط القانون أولً أن يُصرّح شاهدان ورئيس البلدية المحلي على أن الأرض

لم تُستخدم من قبل، وليست مخططة لمشاريع عامة. ثانيًا، يجب على واضعي اليد تحسين الأرض

لجعلها صالحة للسكن (أي يجب أن يكونوا قد بنوا سياجًا أو خيمة أو كوخًا). وفقًا للشريعة الإسلامية،

حين ذاك يمكن نقل ملكية الأرض إلى «محتليها»، ويمكن تقنين لاستيطان عليها إذا تم استيفاء هذه الشروط. وبناء عليه، تشغل معظم الأراضي غير الصالحة للاستخدام الزراعي أو البناء في المدينة

المنورة مستوطناتٌ كانت في البداية غير قانونية، لكن تم تقنينها لاحقًا من خلال القنوات الرسمية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر منطقة سيد الشهداء، مستوطنة عشوائية ظهرت على طول سفوح جبل أحد على بعد نحو أربعة كيلومترات شمال المدينة ووسطها. في عام 1978، كان عدد سكانها 10000

نسمة. وتُظهر الدراسات التفصيلية للمستوطنات في المدينة المنورة، التي أجريت لاحقًا، أن مناطق العشوائيات المختلفة تقوم على علاقات القرابة والروابط القبلية والجغرافية، وبهذه الطريقة اكتسبت التطورات العشوائية تنظيمًا اجتماعيًا قائمًا على الأقارب والقبائل.

(43) Wael Fahmi & Keith Sutton, "Cairo’s Contested Garbage: Sustainable Solid Waste Management and the Zabaleen’s Right to the City," Sustainability , vol. 2, no. 6 (2010), pp. 1765–1783. (44) Amnesty International, Buried Alive: Trapped by Poverty and Neglect in Cairo’s Informal Settlements (London: Amnesty International Publications, 2009).

من المهم ملاحظة أن المستوطنات العشوائية في السعودية يتم تعريفها على أساس عدم شرعيتها الأولية. على الرغم من أن للمقيمين في الأراضي العشوائية الحق في الحصول على قروض بناء منخفضة الفائدة بمجرد إضفاء الشرعية على «احتلالهم» للأراضي – مثل أي مشروع للطبقة الوسطى أو العليا – فإنهم يُعرَّفون على أنهم سكان مستوطنات عشوائية بناءً على عمليات تكوينهم. ويشير سليم بخاري، في دراسته

عن التجمعات العشوائية في السعودية، إلى الاستيلاء على الأراضي باعتباره ظاهرة «مقبولة كجزء من التقاليد القانونية والاجتماعية والثقافية». وقد استفاد فقراء الحضر في المدينة المنوّرة من التقاليد الإسلامية القائمة للحصول على الأرض والمأوى؛ فقد أدى وجود مثل هذه التقاليد في المجتمع السعودي إلى عمليات تكوين العشوائيات التي يتم تطويرها بالتدريج والتراكم. لم تتطلّب حيازة الأرض والمأوى في هذا السياق الثقافي عملً جماعيًا منظمًا مسبقًا أو واسعًا لعملية «الاحتلال» غير المشروع للأراضي في

السعودية، ولذلك تقدّم المملكة مثالً واضحًا على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للعمليات المبتكرة التي توصّل من خلالها فقراء الحضر إلى استراتيجيات فعالة للحصول على مأوى. تُظهر الحالات الأربع السابقة محاولات مختلفة من عمليات تطوير الإسكان العشوائي. وتمثل الحالات المختارة من الشرق الأوسط، التي حدثت في ظل ظروف اجتماعية وسياسية متميزة، عمليات مشتركة تقوم على الحاجة إلى الحفاظ على طابع تدريجي، يتجنب فيها «المحتلون» المواجهة أو التفاوض مع الحكومة أو الأحزاب السياسية. وقد أثبتت الطرق، التي يحصل من خلالها فقراء الحضر في الشرق الأوسط على مأوى، أنها ذات طابع غير تصادمي، بناءً على التراكم التدريجي، وهو عكس ما يحدث

في أميركا اللاتينية؛ حيث تؤدي السياسة والمواجهة مع الحكومة والأحزاب المعارضة دورًا مهمًا في حصول الفقراء على الحق في الاستيلاء على أراضي الدولة وتحويلها مع الوقت إلى مجتمعات متكاملة ذات بنية تحتية. لكننا نستطيع القول إن عدم شرعية حيازة الأراضي وعدم تنظيم أساليب البناء أمران شائعان في العملية التي يحصل من خلالها فقراء الحضر، في كل من أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، على مأوى. ويمكن أن ننظر إلى القيود الهيكلية الضمنية في تطور الرأسمالية التابعة في كلا الإقليمين على أنها تستبعد بطريقة منهجية فقراء الحضر من سوق الإسكان، وتضعهم خارج الطرق الرسمية لإنتاج الإسكان بوصفه سلعة في السوق تُباع وتستُبدَل.

استنتاجات: مستقبل العشوائيات وأهمية العامل الثقافي

من أين يبدأ مسار التخطيط العمراني من أسفل إلى أعلى؟ وبماذا يبدأ مسار من أعلى إلى أسفل؟ إذا قُصد بالتخطيط من أعلى إلى أسفل أن يكون نقيضًا للتوسع الحضري من أسفل إلى أعلى، فإن «الأعلى/ القمة» هنا تتضمن جوانب لا حصر لها من السلطة المهيمنة. ومن هنا يجب أن نراجع فكرة خط الأساس الذي تنبثق منه القرارات؛ ما يسمح لنا بتتبع ماهية «الأعلى/ القمة» و«الأسفل/ القاع». وبناء على ذلك، يجب علينا أن نسعى لإعادة تحديد مستويات التدخل واتجاهها. فلا يمكن مناقشة التوسع الحضري

(45) M. Saleem Bukhari, "Squatting and the Use of Islamic Law –a Case Study of Land Occupation in Madinah Munawara, Saudi Arabia," Habitat International , vol. 6, no. 5–6 (1982), pp. 555–563.

«من الأعلى» أو «من الأسفل» بطريقة متوازنة، إلّ بعد هذا التقييم. لكن عملية التخطيط، سواء من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى، مقيّدة بالعمل من خلال تراتبية هرمية مؤسسية. ففي التخطيط من أعلى

إلى أسفل، يتّخذ أصحاب السلطة إجراءات مباشرة، بينما في التخطيط من أسفل إلى أعلى، تُفرد الهياكل المؤسسية حيزًا مكانيًا لمن يفتقر إليه. بمعنى أن فكرة الأعلى والأسفل تخلق حيّزًا كليًا يُحدّد اتجاه صنع

القرار والعمليات التي ينخرط فيها الأثرياء أو الفقراء، الأقوياء أو الضعفاء. ويفترض التخطيط من أعلى إلى أسفل سهمًا هابطًا من مصدر السلطة في الأعلى. أما التخطيط من أسفل إلى أعلى، فيفترض سهمًا صاعدًا من الضعفاء في الأسفل. إن ما يهمنا هنا حقًا هو القدرات الناشئة في «المنطقة» الكامنة بينهما، وتُعتبَر هذه المنطقة «رمّانة الميزان» لأي مجتمع، وغيابها يؤثر سلبيًا في النواحي كافة، سواء الاجتماعية

منها أم الاقتصادية. وربما يقال إن العلاقة بين «من الأعلى» و«من الأسفل»، والاتجاه بينهما، يتغيران بمرور الزمن؛ إذ ساهمت الثورات الحضرية المبكرة في أولوية مسار من أعلى إلى أسفل. في هذا الصدد، دعا الاستشاريون الليبراليون الجدد، أمثال دي سوتو، إلى إضفاء الطابع الرسمي على القطاع غير الرسمي. لكنّ الأزمات المالية المتلاحقة في القرن الحالي قدّمت بالفعل دليلً دامغًا على عدم استفادة الفقراء من هذا النهج، بل أظهرت الأحداث ميل القطاع الرسمي، من البنوك إلى الحكومات، إلى العمل على نحو غير رسمي؛ من خلال استغلال الثغرات القانونية لمصلحة أصحاب النفوذ فيزدادون ثراءً. وفي الواقع، كشفت حالات احتيال مالي عدة حدثت مؤخرًا أن النجاح في

المجتمعات الرأسمالية لا يعتمد على «الأسواق الحرة» وتخفيف القيود فحسب، بل على التلاعب بوسائل الإعلام أيضًا لتحويل الانتباه و«رفع الدعاوى القضائية الجائرة لإسكات المعارضة» واستخدام «المال» لشراء «دعم السياسيين الرئيسِين». وعلى المنوال نفسه، يمكن اعتبار إضفاء الطابع الرسمي على الإسكان القائم على المساعدة الذاتية سياسات إسكان رخيصة لا تتطلب تغييرات في الهيكلية أو في تخصيص الموارد. كما يشجع على «دمج» الفقراء في هياكل السلطة كدافعي ضرائب ومستهلكين للسلع والخدمات المخصخصة من دون مقابل يُذكر. يبدو اليوم أن الأمل في توسع حضري فعال من أسفل إلى أعلى للمناطق الحضرية غير الرسمية، عن طريق الإسكان القائم على التكامل الذاتي وغيره من التدخلات، بعيد المنال كما كان دائمًا. فالمشكلة لا تكمن في ما يُحتفى به على أنه توسع حضري من أسفل إلى أعلى، يكون غالبًا منفصلً عن الواقع، فحسب، بل

يبدو أيضًا أنه محكوم عليه بالوقوع في دوامة هابطة، أو ما يمكن تسميته توسعًا حضريًا «من الأسفل إلى أسفل». فعلى سبيل المثال، كافحت مجتمعات الطبقات الدنيا طويلً في سبيل حصولها على سندات ملكية رسمية للأراضي والعقارات، من دون تحقيق نجاح يذكر. وفي النهاية، قامت أيضًا ببناء مستوطناتها باستخدام وسائل محلية واستراتيجيات غير رسمية وطرق غير مشروعة غالبًا. لكن هذه الإنجازات نجمت

غالبًا عن تفاني المنظمات المحلية، أو عن تحالفات مع أحزاب وقادة سياسيين أو عبر مفاوضات مع

الجيش ونخبة رجال الأعمال، وحتى عن «كارتيلات المخدرات» في بعض الحالات. ولذلك، تواجه تلك

(46) Ray Bromley, "Power, Property, and Poverty: Why De Soto’s ‘Mystery of Capital’ Cannot be Solved," in: Roy & AlSayyad (eds.), pp. 271–288.

المعاقل خلال المواسم الانتخابية في أميركا اللاتينية وجنوب آسيا، أو بسبب الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط، مصائر مختلفة جذريًا؛ فبعضها يتوسع بسرعة، وبعضها يُدمَّر تمامًا. يتم تحديد الطرق التي يستجيب بها فقراء الحضر في المجتمعات المختلفة لهذا الوضع بالخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، وتفسر الاختلافات الملحوظة للنطاق التفاضلي للبدائل التي يواجهها فقراء الحضر في سياقاتهم الثقافية. وتتشكل هذه السياقات الثقافية التفاضلية باستمرار، من خلال عوامل مثل أنظمة الملكية وأنظمة التنظيم الاجتماعي والأعراف القانونية والدين وأنظمة الأقارب والعلاقات العرقية والعلاقات بين الجنسين؛ وباختصار، نظام واسع من القيم والمعايير التي تحكم الفرد والسلوك الجماعي داخل المجتمع وتجاه الدولة. لذلك، قد ننظر إلى الاختلافات السلوكية بين واضعي اليد في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط على أنها تعبير عن مجموعة معقّدة من العلاقات المترابطة التي تحدد السلوك الذي تنظم به المجتمعات الحياة الاجتماعية و«تحل» النزاعات. وتشير العمليات والطرائق التفاضلية للتطورات غير الرسمية عبر المناطق إلى سياقاتها الثقافية المميزة، التي تضم أيضًا الثقافات السياسية المتميزة لتلك المجتمعات. ولفهم دور الثقافة في سياق مقارن، من المهم أن نتذكر أن جميع مناهج الثقافة تشترك في أمر واحد: تأكيد أهمية الثقافة في العمليات الاجتماعية للتغيير، ويمكن أن نستخلص مما سبق أن الإنسان هو الأساس، وأنه كلما زاد وعيه وإدراكه، خلق ذلك مجتمعًا عمرانيًا

متجانسًا إلى حد بعيد، تقل فيه العقبات، وتُطرح الحلول ضمنه بسهولة حتى مع وجود ضائقة اقتصادية

في المستويات المتدنية. ومن ضمن وجهة النظر التي تطرحها هذه الدراسة تعريف الثقافة باعتبارها الوسيط بين اختيار الفرد والبنية المجتمعية الأكبر. وتتم تصفية تأثير القيود الهيكلية على المستوى الكلي من خلال آليات مختلفة مثل الدين وقواعد السلوك للعمل الجماعي أو الأدوار الذكورية التقليدية المجتمعية؛ إذ إنها تؤثر كلها في استجابة الفرد أو الجماعة في التصرف. لذلك، يُنظر إلى

الثقافة على أنها مصفوفة من القوى الهيكلية والفردية المترابطة، التي تحدد نطاق البدائل الممكنة المقبولة التي يمكن أن يختار بينها الجماعات أو الأفراد، إذا سمحت الظروف الأخرى. أراد السكان، في جميع الأمثلة المذكورة، الحصول على شرعية مؤسسية واقتصادية أكثر من أي شيء آخر. فما حصلوا عليه عمومًا كان في أحسن أحواله حدًّا أدنى من القوننة، لا يتمتع بالضرورة بقوة الشرعية

نفسها. فالشرعية تحيل إلى الاعتراف والقبول بصلاحية وملاءمة الناس والأشياء والأماكن. وفي حين لا ينفصل مفهوم الشرعية من الناحية النظرية عما هو قانوني، فثمة أشياء على أرض الواقع قد تكتسب الشرعية من دون أن تكون قانونية، أو قد تكون قانونية من دون أن تكتسب الشرعية، فالشرعية أكثر تعقيدًا بكثير، فمن خلالها يرغب السكان في تحسين بيئتهم العمرانية وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية أيضًا. لقد حصلت مستوطنة فافيلا السلفادور في ليما في بيرو ومنطقة الزبالين في القاهرة في مصر على بعض عناصر القوننة، وتلقّت بنية تحتية وخدمات أفضل من ذي قبل. لكن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسكان لم تتحسّن إلّ قليلً، مقارنة بفترات نشوئهم قبل عقود عدة. ومن ثم، ألا يجب اعتبار ما حدث

لهم تحسنًا أو تخطيطًا عمرانيًا من أسفل إلى أعلى، لأنه في الواقع ليس هو إلّ تغيرًا حضريًا «من الأسفل

إلى أسفل»؟ من المؤكد أن استراتيجيات التكامل الذاتي من أسفل إلى أعلى، المستخدمة في هذه

المستوطنات، لم تُحقّق تحسنًا كبيرًا في حياة السكان. لكن ذلك لا يعود إلى تدهور ظروفهم الكلية

فحسب، بل إلى أنهم أيضًا لم يتمكنوا أبدًا من تجاوز خط الأساس الذي يحقق التحضر الحقيقي. عادةً ما يتم تطوير استراتيجيات البقاء في العشوائيات ضمن قيود هيكلية، لكن وفقًا للمعايير والقوانين والممارسات القائمة التي تشكل الحياة الاجتماعية، ومن ثمّ يمكن اعتبارها محددة ثقافيًا. يرتبط

السلوك المحدد لفقراء الحضر، في الحصول على المأوى، ارتباطًا وثيقًا بمجموعة الإمكانات المتاحة لهم. وفي هذا الصدد، قد تكون الاستراتيجية الأكثر فاعلية في حالة أميركا اللاتينية هي المشاركة في النشاط السياسي أو الانسحاب منه. في سياق اجتماعي واحد، يمكن زيادة فاعلية استراتيجية المأوى من خلال المشاركة السياسية إما من خلال الاستقطاب وإما المواجهة. أما في حالة الشرق الأوسط، فيمكن تلبية حاجات الإسكان على نحو أكثر فاعلية، من خلال الانسحاب من القنوات السياسية وتطوير عملية تدريجية وغير مزعجة سياسيًا. على هذا الأساس، يمكننا شرح الاختلافات في عمليات الاستيلاء عبر أميركا اللاتينية والشرق الأوسط. ففي أميركا اللاتينية، يكون النهج الأكثر فاعلية للمحتلين هو التواصل مع النظام السياسي، من خلال الأحزاب الرسمية أو المعارضة، واستخدام المسابقات الانتخابية لتعزيز مصالحهم. علاوة على ذلك، فإن فرص نجاح احتلال أرض معينة في البرازيل أو بيرو تميل إلى الزيادة مع زيادة نطاق المشاركة الشعبية فيها. على العكس من ذلك، بحث فقراء الحضر في الشرق الأوسط عن فرص في أماكن أخرى، وطوروا استراتيجيات متميزة من أجل زيادة فاعليتهم في الحصول على مأوى. واستخدم فقراء الحضر في السعودية القوانين الإسلامية القائمة لإضفاء الشرعية على الأرض. وفي مصر، استفاد فقراء واضعي اليد من فرصهم في البقاء على أراضٍ زراعية مقسمة تقسيمًا غير قانوني، عن طريق زيادة

إخفائهم أو الانسحاب من القنوات الرسمية واستخدام النظم التقليدية للتنظيم الاجتماعي لتنظيم حاجاتهم وحلّها. وهنا نُدرك أن عمليات تسوية العشوائيات، والنضج وإضفاء الطابع الرسمي، تختلف من منطقة إلى أخرى، وفقًا للمتغيرات الثقافية المحددة جدًا لكل منطقة أو بلد. إن فكرة التخطيط العمراني من أسفل إلى أعلى، عادة، لا تفشل في تحسين الظروف فحسب، بل إن المهندسين المعماريين والمخططين الذين يدافعون عنها قد يلحقون ضررًا حقيقيًا بالبيئة القائمة أيضًا.

فمثلً، كان الهدف من برنامج فافيلا – باريو هو برنامج تحويل مدن الصفيح إلى أحياء، الذي أطلقته مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل من أعمال المهندس المعماري خورخي ماريو خاوريغي Mario Jorge Jáuregui في تسعينيات القرن الماضي، هو إشراك سكان الحي الفقير في «عملية تخطيط ضمن إطار مشاركة جمعية مع مهندسين معماريين وخبراء تقنيين آخرين من منظمة العمارة من أجل الإنسانية». واحتُفي في ما بعد بتصاميم التدخلات من خطوط الكهرباء تحت الأرض، إلى توفير السلالم ذات الألوان الزاهية والبوابات المصنوعة من الطوب، باعتبارها خدمات أساسية تدمج الأحياء الفقيرة في المدينة الرسمية. واعتبر الإعلان عن إنشاء مرافق، مثل مراكز الرعاية النهارية وصالات الغسّالات الجماعية

وقاعات رقص السالسا، كمسعى «لجذب المجتمع وتشجيعه على الشروع في رحلته للتحسين الذاتي.»

(47) Architecture for Humanity, Design Like You Give a Damn: Architectural Responses to H u manitarian Crises (New York: Metropolis Books, 2006).

وفي الوقت نفسه، شُقّت الطرق أول مرة للسماح «لإدارات الشرطة والصرف الصحي بالوصول إلى أجزاء من المدينة كان متعذّرًا الوصول إليها». لكن المشكلة الحقيقية هنا لم تكن في اعتبار الأحياء الفقيرة

كيانات حضريةً معزولةً، يتعذّر الوصول إليها وغير مندمجة وتحتاج إلى لمسة من خبراء العاصمة فحسب، بل كانت تتمثل أيضًا، في رأي المصممين، بضرورة إزالة المنازل القائمة وهدمها لتشييد بنية تحتية تسمح بالاندماج وتستوعب الفقراء في المدينة الرسمية. تجب الإشارة هنا إلى أن المعماريين والمخططين، بمفردهم، لا يمكنهم معالجة قضايا الفقر في المناطق الحضرية، أو حل مشكلاته المتجذّرة في التفاوت الاقتصادي البنيوي. ويُعدّ منهج الإسكان القائم على التكامل الذاتي، على غرار ما قامت به منظمة العمارة من أجل الإنسانية، شكلً من الأعمال الخيرية في أحسن أحواله، لكنه يُدرج أيضًا في حلول السياسات التي تعزل قضية الإسكان عن الظروف البنيوية للتنمية الرأسمالية. فما هو على المحك هنا ليس التصميم في حد ذاته، ولا نيّات المهندسين

المعماريين والمخططين، بل يكمن في أن ما يسعون لمعالجته يتجاوز غالبًا قدرة مهنتهم بكثير. فالفقر

المزمن هو أكثر بكثير من نقص في الحيز العام، يمكن أن يعالجه المهندسون المعماريون والمخططون بحلول تصميمية. وليس التخطيط من أسفل إلى أعلى رؤية شاملة كليًا، فهو يستطيع في أحسن الأحوال

معالجة الأوضاع المتدهورة القائمة أصلً، لكنه لا يستطيع اجتثاث الأسباب الجذرية للفقر؛ لأنه هيكل يجب علاجه كليًا بكل جوانبه.

References

المراجع

AlSayyad, Nezar. "Squatting and Culture: A Comparative Analysis of Informal Developments in Latin America and the Middle East." Habitat International. vol. 17, no. 1 (1993). Amnesty International. Buried Alive: Trapped by Poverty and Neglect in Cairo’s Informal Settlements. London: Amnesty International Publications, 2009. Architecture for Humanity. Design Like You Give a Damn: Architectural Responses to Humanitarian Crises. New York: Metropolis Books, 2006. Arnstein, Sherry R. "A Ladder of Citizen Participation." Journal of the American Institute of Planners. vol. 35, no. 4 (1969). Assaad, Ragui. "Formalizing the Informal? The Transformation of Cairo’s Refuse Collection System." Journal of Planning Education and Research. vol. 16, no. 2 (1996). Baross, Paul & Jan van der Linden (eds.). The Transformation of Land Supply Systems in Third World Cities. Aldershot: Brookfield, 1990. Berman, Marshall. All That is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity. New York: Penguin, 1988. Bukhari, M. Saleem. "Squatting and the Use of Islamic Law –a Case Study of Land Occupation in Madinah Munawara, Saudi Arabia." Habitat International. vol. 6, no. 5–6 (1982).

Castells, Manuel. The City and the Grass Roots. Berkeley: University of California Press, 1983. Collier, David. Squatters and Oligarchs: Authoritarian Rule and Policy Change in Peru. Baltimore: John Hopkins University Press, 1976. Davidoff, Paul. "Advocacy and Pluralism in Planning." Journal of the American Institute of Planners. vol. 31, no. 4 (1965). De Soto, Hernando. The Other Path. New York: Harper & Row Publishers, 1989. ________. The Mystery of Capital: Why Capitalism Triumphs in the West and Fails Everywhere Else. New York: Basic Books, 2000. Fahmi, Wael. "The Impact of Privatization of Solid Waste Management on the Zabaleen Garbage Collectors of Cairo." Environment and Urbanization. vol. 17, no. 2 (2005). Fahmi, Wael & Keith Sutton. "Cairo’s Contested Garbage: Sustainable Solid Waste Management and the Zabaleen’s Right to the City." Sustainability. vol. 2, no. 6 (2010). Friedmann, John. Planning in the Public Domain: From Knowledge to Action. Princeton: Princeton University Press, 1987. Hall, Peter. Cities of Tomorrow. New York: Wiley–Blackwell, 2014. Hordijk, Michaela. "Participatory Governance in Peru: Exercising Citizenship." Environment and Urbanization. vol. 17, no. 1 (2005). Jacobs, Jane. The Death and Life of Great American Cities. New York: Random House,

Mukhija, Vinit & Anastasia Loukaitou–Sideris (eds.). The Informal American City: Beyond Taco Trucks and Day Labor. Cambridge, MA: The MIT Press, 2014. Mumford, Lewis. The Urban Prospect. San Diego: Harcourt, 1962. Neuwirth, Robert. "Squatters and the Cities of Tomorrow." City. vol. 11, no. 1 (2007). Perlman, Janice. The Myth of Marginality. Berkeley: University of California Press,

Pillai, Vijayan K. & Lyle W. Shannon (eds.). Developing Areas: A Book of Readings and Research. Oxford: BERG, 1995. Plöger, Jörg. "Gated Barriadas: Responses to Urban Insecurity in Marginal Settlements in Lima, Peru." Singapore Journal of Tropical Geography. vol. 33, no. 2 (2012). Roy, Ananya & Nezar AlSayyad (eds.). Urban Informality: Transnational Perspectives from the Middle East, Latin America, and South Asia. Lanham, MD: Lexington Books,

Roy, Ananya. "Urban Informality: Toward an Epistemology of Planning." Journal of the American Planning Association. vol. 71, no. 2 (2005). Scott, James C. Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition Have Failed. New Haven: Yale University Press, 1998. Turner, John F.C. Housing by People: Towards Autonomy in Building Environments. New York: Pantheon Books, 1977. Ward, Peter M. (ed.). Self–Help Housing: A Critique. London: Mansell, 1982.