Return to Article Details Settler Colonialism and the Palestinian-Zionist Struggle: Theoretical Problems and Contributions

الاستعمار الاستيطاني والصراع بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية: إشكاليات ومساهمات نظرية

Introduction Settler Colonialism and the Palestinian-Zionist Struggle: Theoretical Problems and Contributions

نديم روحانا| Nadim Rouhana *

الملخّص

يضمّ هذا العدد الخاص مجموعة من المساهمات النظرية التي تعالج إشكاليات تنبع جميعها من دراسة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، انطلاقًا من أطرٍ منهجية متعددة ومتداخلة من حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، تناولت مجموعة من الثيمات أهمها السوسيولوجيا التاريخية، ومسألة تكوين الدولة الاستعمارية الاستيطانية، ودراسات الكولونيالية المقارنة، وعلاقة القومية بالاستعمار، والمخيال الاستعماري – الاستيطاني وعلاقته بالعنصرية والعنف ورهاب الآخر، ومسائل الشرعية والسيادة وعلاقتها بالأصول الاستعمارية للقانون الدولي، وأخيرًا الدور الذي تؤديه مقاومة السكان الأصلانيين في دفع المشروع الاستيطاني الاستعماري إلى تطوير نُظُمِ سيطرتها أو إلى تعزيز مزج القومي بالديني.

Abstract

Professor of International Affairs and Conflict Studies and Director of the Fares Center for Eastern Mediterranean Studies at The Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University, Boston, USA. Email: nadim.rouhana@tufts.edu

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار الاستيطاني
  • فلسطين
  • إسرائيل
  • الصهيونية
  • المقاومة
Keywords:
  • Settler Colonialism
  • Palestine
  • Israel
  • zionism

منذ بداية الصراع مع الحركة الصهيونية، رأى الفلسطينيون في مشروعها ما يمكن تسميته اليوم مشروعًا استعماريًا استيطانيًا على كامل فلسطين، ولم يتغير الوعي الفلسطيني على المستويات الشعبية والثقافية والسياسية حيال هذا المشروع حتى اليوم. ومع ذلك، تعاملت النخب السياسية مع الصراع منذ السنوات التي سبقت اتفاقية أوسلو (1993) وما بعدها على أنه صراع قومي ذو أبعادٍ استعمارية – استيطانية. ونتيجةً لذلك، جرى التركيز على البعد القومي، في حين خفت الخطاب السياسي الذي يُبرز الجانب الاستعماري الاستيطاني، وخفت معه أيضًا الخطاب الأكاديمي الفلسطيني، على الرغم من بقائه في الوعي الشعبي والثقافي. لكن، أعاد فشلُ المسار السياسي الذي اعتمد الصراع القومي بين الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الصهيونية، والذي بدا كما لو أنه أدخل القضية الفلسطينية في طريق مسدود، براديغم الاستعمار الاستيطاني إلى الخطاب الأكاديمي السائد، في حين ظل هامشيًا في الخطاب السياسي. وليس صدفةً أن تكون استعادة هذا الإطار المفاهيمي قد تزامنت مع تغوّل العملية الاستيطانية ذاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 على نحو سافر. وقد استغلت هذه العملية الوهن العربي والظروف الدولية وشلل القيادات والنخب السياسية الفلسطينية، إضافةً إلى سياسات التهويد في القدس المحتلة وداخل مناطق عام 1948 حتى تتجذر أكثر فأكثر. لقد أصبح اليوم من السائد القول إنَّ الاستعمار الاستيطاني يمثّل شكلً هجينًا من أشكال الاستعمار الحديث، ويتميز من الاستعمار الكلاسيكي بعدة أبعاد، أهمها أنّه يبدأ من أجل أن يستمر بواسطة سلب

الأرض والتخلص من السكان حيثما أمكن؛ فالمستوطن يذهب إلى المستوطنة من أجل البقاء، واستبدال الأصلانيين، وتأسيس سيادة المستوطنين. ولذلك، فإن الطبيعة الاستثنائية لعلاقة المستوطنين بالسكان الأصلانيين في حالته هي علاقة ذات طابع محو، تأخذ أشكالً مختلفة (مثل التهجير أو الترانسفير، والعزل، والأبارتهايد، والإبادة... إلخ)، ولا تقتصر فحسب على علاقات التبعية السياسية والاقتصادية. وفي هذا الصدد، يصيب كثير من الباحثين عين الحقيقة حين يصفون الاستعمار الاستيطاني بأنه بنية وليس حدثًا تاريخيًا، وأنه على هذا النحو يَعتبر مَحْوَ السكّان الأصلانيين شرطًا مسبقًا لتأسيس دولة المشروع الاستيطاني وحياته السياسية والثقافية، أو كما يُعبّر الفلسطينيون عن ذلك في سياقهم وبلغتهم بمقولة «النكبة المستمرّة». ومع ذلك، يهمّش براديغم الاستعمار الاستيطاني، عند توظيفه لدراسة حالة فلسطين، مسألة الصيرورة؛ أي تأثير فاعلية السكان الأصلانيين في بنية المشروع الاستعماري الاستيطاني وتفاعلها معها. يضمّ هذا العدد الخاص مجموعة من المساهمات النظرية التي تعالج إشكاليات تنبع جميعها من دراسة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، انطلاقًا من أطرٍ منهجية متعددة ومتداخلة من حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، تناولت مجموعة من الثيمات أهمها السوسيولوجيا التاريخية، ومسألة تكوين الدولة الاستعمارية الاستيطانية، ودراسات الكولونيالية المقارنة، وعلاقة القومية بالاستعمار، والمخيال الاستعماري – الاستيطاني وعلاقته بالعنصرية والعنف ورهاب الآخر، ومسائل الشرعية والسيادة وعلاقتها بالأصول الاستعمارية للقانون الدولي، وأخيرًا الدور الذي تؤديه مقاومة السكان الأصلانيين في دفع المشروع الاستيطاني الاستعماري إلى تطوير نظُمِ سيطرتها أو إلى تعزيز مزج القومي بالديني. يفتتح العدد بدراسة لعزمي بشارة بعنوان «استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟»، يكرسها لتشخيص النظام الصهيوني من خلال مقارنته بحالتي الاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا والجزائر، ويتوصّل إلى أن النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني هو حالة استثنائية تشغل حيزًا بين النموذجين المقارنين، وهو يمزج بعض السمات الرئيسة إلى الحدّ الذي يمكن اعتباره نظامَ أبارتهايد متولّدًا من استعمارٍ استيطاني، ويختلف عن حالات الاستعمار الاستيطاني في أميركا وأستراليا في أنه لم يتطبّع nativise أو يصبح كيانًا محلانيًا، كما أن الفلسطينيين لم «يصبحوا» سكانًا أصلانيين، بالمعنى الشائع في تلك الدول، بعد عمليات الإبادة، لأنتشكّلهم الوطني بوصفهم سكانًا أصلانيين، وتشكّلهم القومي المرتبط بمحيطهم، سبقا عملية الاستعمار. ويبيّن بشارة كذلك أن تبنّي براديغم الاستعمار الاستيطاني أو وصف الأبارتهايد لا تترتب عليه حلول سياسية محددة، لأن «الحل العادل» لا يتوقّف على التشخيص وحده، بل على استراتيجيات النضال المثابرة، الكفيلة، إن تمت إدارتها بطريقة صحيحة، باجتراح سبل نحو الحل. وينتقد كاتب هذه السطور في دراسة عنوانها "الصهيونية ومعضلة شرعيّة الاستعمار الاستيطاني: الرد بالدّين على المقاومة الفلسطينية"، التهميش الأكاديمي للدور المركزي الذي يضطلع به الدين في بنية المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، ويردّ ضعف هذا الربط إلى ضعف اهتمام حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني بتفاعل الدولة الاستيطانية الاستعمارية مع فاعلية السكان الأصلانيين. ويجادل بأن لجوء الصهونية المتزايد إلى الخطاب الديني لا يُعتبر نتيجةً من نتائج تصاعد قوة الحركات الدينية القومية في إسرائيل، أو ثمرة زحف التديّن إلى المجال العام، فحسب، بل هو كذلك عنصرٌ متأصّل في الحركة

الصهيونية منذ نشأتها، التي في خضمّ مواجهتها لمقاومة الفلسطينيين والضغط المتزايد على الرأي العام العالمي المناهض للاستعمار، تلتحم المركّبات القومية والدينية من أجل التعتيم على حقيقتها بوصفها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا يفتقد إلى الشرعية. وتبحث دراسة هاني عوّاد ومريم هوّاري المعنونة ب «إعادة التفكير في شرط الحكم غير المباشر: تحولّات أشكال الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية وأنماط مقاومتها» في تأثير أنماط مقاومة الفلسطينيين في تحولّات آليات حكم إسرائيل للفلسطينيين منذ عام 1967. وتكشف، بخلاف التيار السائد في أدبيات الاستعمار الاستيطاني الذي يقصر التحليل على بنية مؤسسات المستوطنين، أن آليات وأشكال الحكامة الاستعمارية الاستيطانية، ومنطقها الناظم، لا تتوقّف على استراتيجيات المؤسسات الاستعمارية فحسب، بل كذلك على تفاعلها مع الأنماط المؤسسية للفاعلية السياسية الجماعية للسكان الأصلانيين. بهذا المعنى، تباينت أشكال الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية من مرحلةٍ زمنية إلى أخرى، ومن مكانٍ إلى آخر، ليس بوصفها تحصيلً حاصلً لإرادة النظام الصهيوني فحسب، بل بوصفها استجابةً مؤسسية لمقاومة الفلسطينيين. وفي دراسته المعنونة ب «الإسلاموفوبيا ومعاداة الساميّة والصهيونية والاستعمار الاستيطاني»، يستكشف لورينزو فيراسيني العلاقة التي تربط بين رُهابين مختلفين، هما الإسلاموفوبيا ومعاداة الساميّة، وهما نعرتان نشأتا في صفوف اليمين والأوساط ذات الصلة به، ملاحظًا أنه عادةً ما يصاحب عمليات التحوّل من معاداة الساميّة إلى الإسلاموفوبيا تأييدٌ للصهيونية ودعمٌ للسياسات الاستعمارية – الاستيطانية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. ويستنتج أنه لا يمكن تجاهل الدور التأسيسي الذي تؤديه المخيالات الاستعمارية والاستعمارية الاستيطانية في كلا الرهابين، فكلاهما تستحوذ عليه رغبة ارتيابية في السيطرة على حركة الجميع والتحكم فيها؛ باعتبار ذلك نوعًا من جغرافيا متخيلة غربيّة بجدرانٍ متخيّلة تُبقي مجموعات من الغرباء خارجها، وكلاهما يصدر عن نظرة استعمارية استيطانية إلى العالم، وقلق بشأن إمكان حدوث عملية «إحلال عظيم» للكيان السياسي المتخيّل. أما حميد دباشي فيتساءل في دراسته «أين فلسطين في العالم؟» عن موقع فلسطين، لا في العالم الواقعي الذي نعرفه فحسب، بل أيضًا في عالم المعرفة والأخلاق المتخيّل عالميًا. ويلاحظ أن فلسطين ليست بالنسبة إلى الذات الغربية العارفة عن العالم مشكلةً سياسيةً فحسب، بل هي أيضًا معضلة إبستيمولوجية، لأنها تفضح مسألة «الغرب والبقيّة»، وتخلخل صلاحيتها مجازيًا وفيزيائيًا. أما إسرائيل، الكيان الاستعماري الاستيطاني، فتُمثّل آخر وأحدث وحشية انتقامية ل «الغرب» ضدّ «البقيّة». إنها بنية العنف المفرط الذي جاء لتصحيح الخلل الإبستيمولوجي الذي يشكّله النضال الفلسطيني للمعرفة الغربية المتمركزة حول الذات عن العالم. ومن خلال مناقشته نماذج أدبية وثقافية فلسطينية، يكشف دباشي كيف تحاول ثقافة المقاومة الفلسطينية إعادة صياغة العالم بأسره على أنه لا يمكن معرفته إبستيمولوجيًا ما لم يكن للفلسطينيين مكانٌ فيه. ويسلّط إيلان بابيهالضوء في دراسته بعنوان «القانون الدولي والاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية» على عجز القانون الدولي عن تغيير الظروف السياسية التي يعيشها الفلسطينيون، على الرغم من تأكيده على قانونية وشرعية المطالب والحقوق الفلسطينية الأساسية. ولتفسير هذه المفارقة، يستعرض الأصول الاستعمارية التاريخية للقانون الدولي، الذي نشأ بالأساس لمنع المسّ بسيادة الدولة – الأمة، إلا في تلك

الدول غير الغربية، وهو لذلك نادرًا ما يمسّ سيادة الدول، حتى لو أنشأت حكوماتٍ استيطانية وعنصرية، بل غالبًا ما يميل تاريخيًا إلى المحافظة عليها. لهذا السبب، فإن القانون الدولي لا يمتلك اليوم أدوات «وقف الصهينة» الواقعة على فلسطين التاريخية، ولا بديل من ذلك إلا تعويل الفلسطينيين على الشرعية بدلً من القانونية، والاستمرار في تطوير نضالٍينزع الشرعية عن إسرائيل. وإضافة إلى هذا ترجمت عمران خصيصًا لهذا العدد مقالة بعنوان «لنتخيّل بدائل فلسطين المحلّنية: الاستعمار الاستيطاني وسياسة المتحف» لليلى أبو لغد، التي استكشفت الإمكانات السياسية والإشكالات التي تنتجها استعارة أطر الاستعمار الاستيطاني ودراسات الأصلانية في السياق الفلسطيني. وكما تجادل أبو لغد، قد يؤدي إجراء نقلة من لغة التحرر القومي المفاهيمية إلى أطر الاستعمار الاستيطاني، إلى تخيّل أشكالٍ سياسية ومستقبلية بديلة قد تقود إلى أشكالٍ أخرى من تقرير المصير والسيادة البديلة، التي على الرغم من أنّها ما زالت طوْر الاستكشاف، فإنها قد تجسّد ما تطلق عليه البديل المَحلّني Alter–Native، لتقرير المصير والسيادة الأكثر ديمقراطية وشمولً مقارنةً بالأشكال السابقة للقومية وتلك المناهضة للإمبريالية. نأمل من هذا العدد أن تقدّم أبحاثه، التي حررت بأقلامٍ عربيّة وأجنبيّة، إضافاتٍ جديدةً إلى حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني من منظور معرفي (إبستيمولوجي ونظري)، ومن منظور سياسي جدالي بشأن فرادة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وسبل الوعي به ومقاومته.