Return to Article Details Zionism and the Dilemma of Legitimizing Settler Colonialism: Religious Discourse as a Response to the Palestinian Resistance

الصهيونية ومعضلة شرعيّة الاستعمار الاستيطاني: الرد بالدّين على المقاومة الفلسطينية

Zionism and the Dilemma of Legitimizing Settler Colonialism: Religious Discourse as a Response to the Palestinian Resistance

نديم روحانا| Nadim Rouhana *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة حالة تفاعل المطالب القومية والدينية والاستعمارية الاستيطانية في إطار المشروع الصهيوني، وتكشف عن الدور الأساس الذي قام به هذا التفاعل في التعتيم على الاستعمار الاستيطاني بوصفه إطارًا تحليليًا مناسبًا لدراسة الصراع بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين. وتُقدّم ثلاثة طروحات رئيسة: أولًا، إن اعتماد المطالب القومية اليهودية على الادّعاءات الدينية يُستعمل للتعتيم على واقع المشروع الصهيوني في فلسطين بوصفه مشروعًا استيطانيًا. ثانيًا، أن أحد أسباب تغلغل الدين في المجال العام الإسرائيلي واعتمادية التيارات الصهيونية "العلمانية" المتزايدة على الادّعاءات الدينية، هو الحاجة إلى الشرعية في مواجهة المقاومة الفلسطينية المتصاعدة. ثالثًا، في الوقت الذي كان التحول إلى فصل الدين عن الدولة أمرًا ممكنًا في سياقات استعمارية استيطانية أخرى، فإن التحول إلى العلمانية عصيّ في المنظومة الصهيونية، ولا يُمكن أن يحدث إلّا خارجها.

Abstract

Abstract: This study examines how nationalism, religious claims, and settler colonialism enmesh within Zionism, focusing on the main role played by this interaction in masking settler colonialism as an appropriate analytical framework for studying the Palestinian–Zionist conflict. Three main propositions are made: First, that Jewish national claims in Palestine rely on religious claims in order to obscure the reality of the Zionist project as settler colonial in essence. Second, that a main reason for the penetration of religion into the Israeli public sphere and the increasing dependence of "secular" Zionism on religious claims is the need for legitimacy in the face of the consistent Palestinian resistance. Third, that while separation of state and religion was possible in other settler colonial contexts, the transition to secularism is unachievable in Zionism and can only emerge outside it.

الكلمات المفتاحية:
  • استعمار استيطاني
  • الصهيونية
  • الدين
  • القومية
  • الشرعية
Keywords:
  • Settler Colonialism
  • zionism
  • Religion
  • Nationalism
  • Legitimacy

ملخص: تبحث هذه الدراسة حالة تفاعل المطالب القومية والدينية والاستعمارية الاستيطانية

في إطار المشروع الصهيوني، وتكشف عن الدور الأساس الذي قام به هذا التفاعل في التعتيم

على الاستعمار الاستيطاني بوصفه إطارًا تحليليًا مناسبًا لدراسة الصراع بين الحركة الصهيونية

والفلسطينيين. وتُقدّم ثلاثة طروحات رئيسة: أولً، إن اعتماد المطالب القومية اليهودية على

الادّعاءات الدينية يُستعمل للتعتيم على واقع المشروع الصهيوني في فلسطين بوصفه مشروعًا

استيطانيًا. ثانيًا، أن أحد أسباب تغلغل الدين في المجال العام الإسرائيلي واعتمادية التيارات

الصهيونية "العلمانية" المتزايدة على الادّعاءات الدينية، هو الحاجة إلى الشرعية في مواجهة

المقاومة الفلسطينية المتصاعدة. ثالثًا، في الوقت الذي كان التحول إلى فصل الدين عن

الدولة أمرًا ممكنًا في سياقات استعمارية استيطانية أخرى، فإن التحول إلى العلمانية عصيّ في

المنظومة الصهيونية، ولا يُمكن أن يحدث إلّ خارجها.

Abstract: This study examines how nationalism, religious claims, and settler colonialism enmesh within Zionism, focusing on the main role played by this interaction in masking settler colonialism as an appropriate analytical framework for studying the Palestinian–Zionist conflict. Three main propositions are made: First, that Jewish national claims in Palestine rely on religious claims in order to obscure the reality of the Zionist project as settler colonial in essence. Second, that a main reason for the penetration of religion into the Israeli public sphere and the increasing dependence of "secular" Zionism on religious claims is the need for legitimacy in the face of the consistent Palestinian resistance. Third, that while separation of state and religion was possible in other settler colonial contexts, the transition to secularism is unachievable in Zionism and can only emerge outside it.

تافتس، بوسطن، الولايات المتحدة.

Professor of International Affairs and Conflict Studies and Director of the Fares Center for Eastern Mediterranean Studies at The Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University, Boston, USA. Email: nadim.rouhana@tufts.edu

مقدمة

في 92 نيسان/ أبريل 0192، خلال مداولات لمجلس الأمن بشأن الشرق الأوسط، دافع السفير الإسرائيلي داني دانون (020–20152) "عن الحق اليهودي في أرض إسرائيل، بما في ذلك المستوطنات في الضفة الغربية". وخلال خطابه، اعتمر السفير غير المتدين القبعة التقليدية السوداء التي يضعها المتدينون اليهود على الرأس، ورفع يده اليمنى حاملًالتوراة، وأعلن: "هذا صك ملكيتنا للأرض. وهب الله هذه الأرض لشعب إسرائيل في سفر التكوين عندما أبرم عهدًا مع إبراهيم". ثم اقتبس ما جاء في التوراة على أنه كلام الله لإبراهيم: "وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم، عهدًا أبديًا، لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك. وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكًا أبديًا. وأكون إلههم". كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو (021–20092) قد تعهّد، في وقت سابق من الشهر ذاته، "بضم المستوطنات اليهودية القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والاحتفاظ بالسيطرة على الأرض كلها في حال فوزه في الانتخابات" التي كان من المفترض إجراؤها في 9 نيسان/ أبريل 2019. ومن هنا، بدا دانون كأنه يعرض للعالم مسوّغات هذا التعهد الذي أعلنه رئيس الوزراء. وأجاب دانون أيضًا في مداخلته عن سؤال رئيس مجلس الأمن، الذي طلب منه في جلسة سابقة، وبكلمات دانون نفسه: "أن يشرح كيفية تطبيق إسرائيل القانون الدولي، تحديدًا في ما يتعلق بالتجمعات اليهودية في يهودا والسامرة"، حيث قال إن إجابته عن هذا السؤال تبدأ "بالركائز الأربع التي تثبت قضية ملكية اليهود لأرض إسرائيل"، أُولاها التوراة، كما سيق في الاقتباس السابق. يُلخص خطاب دانون الذي ينتمي إلى حزب علماني، وإجابته أمام أهم هيئة عالمية للدبلوماسية بالتوراة، واستدلاله بالنص الديني على الحق اليهودي في فلسطين، أهم طروحات هذه الدراسة

(1)  Tovah Lazaroff, "Bible is Jewish Deed to Land of Israel, Settlement Envoy Tells UNSC," The Jerusalem Post , 30/4/2019, accessed on 26/10/2021, at: https://bit.ly/3mXEqNa (2)  Danny Danon, "Jewish Ownership of the Land of Israel," Speech , Embassy of Israel to the United States, 29/4/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3aTTEwR (3)  Ibid.;

يمكن الاطّلاع على الفيديو الخاص بخطاب دانون في:

"Ambassador Danon Teaches the UN a History Lesson on the Jewish Connection to the Land of Israel," YouTube, 30/4/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3p9qEtz;

أشار لازاروف أيضًا إلى الخطاب بوصفه "غير اعتيادي"، ينظر: Lazaroff.

(4)  Oliver Holmes, "Netanyahu Vows to Annex Jewish Settlements in Occupied West Bank," The Guardian , 7/4/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3jbPiG9 (5)  Danon.

(((للحصول على النص الكامل لخطاب دانون، يُنظر: "Ambassador Danon Teaches the UN …". (((وهو أمر ليس غريبًا على قادة الصهيونية العلمانية، كما سنرى لاحقًا.

التي تبحث في الدور الذي تقوم به الادّعاءات الدينية من أجل التعتيم على جوهر المشروع الصهيوني بوصفه استعمارًا استيطانيًا، سواء عن أتباع الحركة الصهيونية ذاتها أم عن العالم. تتقصّى الدراسة أيضًا المكوّنات الأساسية الثلاثة للصهيونية: الاستعمار الاستيطاني، والقومية الإثنية

الحصرية Nationalism Ethnic Exclusively، والادّعاءات المُبرّرة دينيًا للحق في فلسطين. ومن

ثم، تنتقل إلى البحث في التفاعلات المركبة والمتطورة بين المكوّنات الثلاثة المذكورة. وتوضح

الدراسة كيف تحاول الصهيونية توظيف هذه التفاعلات، في الخطاب السياسي والأكاديمي، للتعتيم على جوهرها بوصفها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، وعلى دور المقاومة الفلسطينية الحاسم في إنتاج

صيرورة تجعل هذا التعتيم غير ممكن. وتُختتم الدراسة بالتطرق، باقتضاب، إلى الأسئلة المرتبطة بتفكيك الاستعمار Decolonization وإشكاليات التحول الديمقراطي في إطار الصهيونية.

أولا: الصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا

لا يقتصر السؤال هنا على مسألة أكاديمية موضوعها إن كانت الصهيونية مشروعًا استعماريًا استيطانيًا

أم لا؛ إذ تترتب على سؤالنا مضامين وتبعات سياسية وأخلاقية هائلة لجميع الأطراف ذات الصلة. لأن أنظمة الاستعمار الاستيطاني تفتقر إلى الشرعية نظرًا إلى مساعيها من أجل استغلال السكان الأصلانيين

و/ أو استبدالهم بسكان من خارج المكان الخاضع للاستعمار الاستيطاني وذلك باللجوء الحتمي إلى استخدام الوسائل والسُبل العنيفة. لذلك، فإن سؤالنا في جوهره سؤال سياسي أيضًا. ولأن أي مشروع

استعمارٍ استيطاني يعاني مسألة افتقاد الشرعية، فإن من الضروري لإسرائيل العمل على نفي جوهر مشروعها الاستعماري الاستيطاني وإخفائه. أما بالنسبة إلى أولئك الذين يعانون وطأته – أي الفلسطينيين – فلطالما كان مشروع الصهيونية استعمارًا

استيطانيًا، على نحو واضح لا لبس فيه. فقد أدركت أغلبيتهم، منذ بداية المواجهة مع الصهيونية في

أواخر القرن التاسع عشر، أن جوهر المشروع الصهيوني تمثّل في إحضار سكان من أوروبا، بدعم من القوة الاستعمارية العظمى في حينه (بريطانيا)، والسعي لتشريدهم وإحلال غيرهم في وطنهم؛ التهجير والاستبدال. وقد عكَس شكل التحليل والمفردات المستخدمة في الفكر السياسي الفلسطيني منذ

فترةٍ مبكرة، إضافة إلى الأدب والأغنية الشعبية والتاريخ الشفوي، وكذلك أشكال المقاومة (العسكرية والمدنية، كما كانت الحال مع الثورة الكبرى في فلسطين ما بين عامي 1936 و 1939) والمواقف السياسية التي اتخذها الفلسطينيون (بما فيها رفض قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 حول تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية)، فهمًا جليًّا للصراع بوصفه، بلغة اليوم، استعمارًا استيطانيًا. لم تتغير النظرة إلى الصهيونية مع الوقت، لكن في المقابل برز فهمٌ أكثر تعقيدًا لماهيتها. ففي عام 1964 تم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية من بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين، وقد

ينظر ((:(

Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917 – 2017 (New York: Metropolitan Books, 2020); Edward Said, "Zionism from the Standpoint of Its Victims," Social Text , vol. 1 (Winter 1979), pp. 7–58.

تمحور برنامجها السياسي حول "العودة والتحرير"، أي عودة الفلسطينيين الذين شُرّدوا من فلسطين

بالقوة على يد القوات الصهيونية خلال حرب عام 1948، ثم لم يُسمَح لهم بالعودة إلى بلادهم. أما التحرير فقُصد به تحرير فلسطين من قبضة الصهيونية، لكن من دون التطرق بوضوح إلى طبيعة النظام الذي سيحكم العلاقة بين العرب واليهود بعده. ظهر التنظير الأكاديمي بشأن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين في ستينيات القرن الماضي من طرف الفلسطينيين وغيرهم، أي بعد فترة طويلة من حضوره، في الوعي الشعبي والسياسي. وكان مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، قد نشر كتيّب فايز صايغ الاستعمار الصهيوني

في فلسطين)1965(، بينما قارب باحثون آخرون موضوع الاستعمار الاستيطاني من وجهات نظر مختلفة. وكما أورد عمر سلامانكا وزملاؤه، فإن الاستعمار الاستيطاني "كان في وقت من الأوقات بمنزلة المقياس الأيديولوجي والسياسي الرئيس بالنسبة إلى الحركة الوطنية الفلسطينية". ولعلّي أتفق تمامًا مع ذلك، فكما طرحتُ في دراسة أخرى، كان نموذج الاستعمار الاستيطاني هو المهمين، حتى منتصف السبعينيات، بين صفوف الأكاديميين الفلسطينيين، ومثّلَ البوصلة لكثير من كتاباتهم

التوصيفية وتحليلاتهم، وساهم في تشكيل الفكر السياسي الفلسطيني، وإن لم يوازِ التقدم الذي أحرز على المستوى النظري في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة. لكن تحوّل منظمة التحرير نحو خيارات تأسيس الدولة في السبعينيات، سرّع في ظهور نموذج

يفترض – صراحة أو ضمنيًا – أن الصراع بين الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية صراع قومي. وفي

سياق ما بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، نجحت مقتضيات السياسة الواقعية Realpolitik دوليًا

وعربيًا، وهو خيار بادرت إليه مصر وسورية بهدف واضح ومحدد تمثّل في تحرير الأراضي المصرية

(((تبنّت منظمة التحرير، فترة قصيرة فحسب، في برنامجها "لدولة علمانية ديمقراطية واحدة" الذي أطلقته في عام 1968، رؤية

يعيش بموجبها الفلسطينيون واليهود على قدم المساواة في دولة واحدة، لكنها لم تقدم أي تفصيلات بشأن العلاقة أو ترتيبات تقاسم السلطة بين المجتمعين بحسب هذا التصور. ينظر:

Nabil Shaath, "The Democratic Solution to the Palestinian Issue," Journal of Palestine Studies , vol. 6, no. 2 (January 1977), pp. 12–18.

(1((فايز صايغ، الاستعمار الصهيوني في فلسطين (بيروت: مركز البحوث بمنظمة التحرير الفلسطينية،.)1965 ((1(ينظر مثلً:

Jamil Hilal, "Imperialism and Settler–Colonialism: Israel and the Arab Palestinian Struggle," UTAFITI: Journal of the Arts and Social Sciences , vol. 1, no. 1 (1976), pp. 51–69; Ibrahim A. Abu–Lughod & Baha Abu–Laban (eds.), Settler Regimes in Africa and the Arab World (Wilmette: Medina University Press International, 1974); Maxime Rodinson, Israel: A Colonial–Settler State? David Thorstad (trans.) (London: Pathfinder Press, 1973); George Jabbour, Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East (Beirut: Palestine Liberation Organization Research Center, 1970); Fawwaz Trabulsi, "The Palestine Problem: Zionism and Imperialism in the Middle East," New Left Review, vol. 1, no. 57 (September–October 1969), pp. 53–90. (12)  Omar Jabary Salamanca et al., "Past is Present: Settler Colonialism in Palestine," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), p. 2.

(1((نديم روحانا، "المشروع الوطني الفلسطيني: نحو استعادة الإطار الكولونيالي الاستيطاني"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 97 (شتاء 0142)، ص.36–18

والسورية التي احتلتها إسرائيل في عام 1967 (وليس الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في عام 1948 أو 1967)، بإقناع الفصائل المهيمنة داخل منظمة التحرير بالسعي نحو إقامة دولة على الأراضي التي احتُلّت في عام 1967. بدأ ذلك المسعى مع برنامج النقاط العشر في عام 1974، وهو برنامج دعا إلى إنشاء سلطة وطنية مستقلة مقاتلة "على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها"، واستمر من خلال اتفاقات أوسلو في عام 1993 التي سعت منظمة التحرير من خلالها إلى تحقيق ما يُعرف "بحل الدولتين"، دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل، على أساس حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967. وخلال هذه الفترة، أي منذ منتصف السبعينيات حتى وقت قريب، تراجع الخطاب السياسي والأكاديمي حول براديغم الاستعمار الاستيطاني، وصعد إطارٌ جديد ينظر إلى الصراع بوصفه صراعًا بين حركتين قوميتين: الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك، لم ينجح إطار الصراع القومي الذي ما زال يُوجّه مساعي نخب السلطة الفلسطينية السياسية نحو تحقيق حل الدولتين، في تحييد براديغم الاستعمار الاستيطاني داخل الوعي الجمعي الفلسطيني وصفوف النخب الثقافية، بل نشأ إلى جانبه واكتفى بالتعايش معه. مؤخرًا، شهد الخطاب الأكاديمي عودة نشطة لبراديغم الاستعمار الاستيطاني عند الحديث عن فلسطين، يقودها باحثون فلسطينيون ودوليون. وبغضّ النظر عن العوامل التي أدّت إلى هذه

(14)  Alain Gresh, The PLO: The Struggle Within: Towards an Independent Palestinian State (London: Zed Books,

ينظر ((1:(

Lorenzo Veracini, Israel and Settler Society (London: Pluto Press, 2006); Lorenzo Veracini, "Israel–Palestine through a Settler–Colonial Studies Lens," Interventions: International Journal of Postcolonial Studies , vol. 21, no. 4, Special Issue (Settler Colonialism in Palestine) (2019), pp. 568–581; Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387–409; Patrick Wolfe, "Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), pp. 133–171; David Lloyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), pp. 59–80; Ilan Pappé, "Zionism as Colonialism: A Comparative View of Diluted Colonialism in Asia and Africa," South Atlantic Quarterly , vol. 107, no. 4 (2008), pp. 611–633; Ilan Pappé, "Shtetl Colonialism: First and Last Impressions of Indigeneity by Colonised Colonisers," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), pp. 39–58; Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine," Settler Colonial Studies , vol. 4, no. 3 (2014), pp. 277–290; Nadim Rouhana & Areej Sabbagh–Khoury, "Settler– Colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and Its Palestinian Citizens," Settler Colonial Studies , vol. 5, no. 3 (2015), pp. 205–225; Raef Zreik, "When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)," Constellations , vol. 23, no. 3 (2016), pp. 351–364; Rachel Busbridge, "Israel–Palestine and the Settler Colonial 'Turn': From Interpretation to Decolonization," Theory, Culture, and Society , vol. 35, no. 1 (2018), pp. 91–115; Mahmood Mamdani, "Settler Colonialism: Then and Now," Critical Inquiry , vol. 41, no. 3 (2015), pp. 596–614; Azmi Bishara, "Zionism and Equal Citizenship: Essential and Incidental Citizenship in the Jewish State," in: Nadim N. Rouhana (ed.), Israel and Its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), pp. 137–158;

عزمي بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية (القاهرة: دار الشروق، 0052)؛ روحانا.

العودة – سواء الظروف السياسية على الأرض من قبيل فشل نموذج الصراع القومي في شرح الصراع ودينامياته، أو الوضوح المتزايد لممارسات وبنى الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، أو إصرار المقاومة الفلسطينية وصمودها، أو سياسات إنتاج المعرفة المتغيرة مع بروز أجيال جديدة من الباحثين النقديين والسكان الأصلانيين وانفتاح أبواب جديدة من البحث الأكاديمي – فإن براديغم الاستعمار الاستيطاني أصبح تدريجيًا إطارًا أساسيًا لدراسة حالة فلسطين، وهو يخطو خطوات واسعة ليُصبح خطابًا معرفيًا مُهيمنًا. وقد حدث هذا التحول نتيجة جهود العديد من الباحثين في التنظير، وفي القيام بأبحاث مقارنة بفلسطين، ومجموعة كبيرة من الباحثين الذين أطّروا ونظّروا وناقشوا قضايا رئيسة ضمن هذا البراديغم من حيث علاقتها بالصهيونية وإسرائيل. غير أنه ينبغي القول إن ثمة فجوةً واسعةً تتمثل في المسافة الكبيرة بين الوعي الفلسطيني ثقافيًا وأكاديميًا للصهيونية من خلال براديغم الاستعمار الاستيطاني، وغياب ذلك الوعي بالكامل تقريبًا عند الجانب الإسرائيلي. بل يغيب هذا البراديغم أيضًا في أوساط ما يُعرف ب "اليسار الصهيوني"، وحتى عند بعض ممن يُعرفون بالمؤرخين الجُدد، وهم مجموعة من المؤرخين النقديين الذين أعادوا دراسة السردية الصهيوينة المهمينة حول حرب عام 1948. وتحصر أغلبية هؤلاء نطاق بحثها في السياسات الإسرائيلية، وتُقر بطبيعتها الاستعمارية، لكن في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 فحسب. بهذا المعنى، فإن نقطة البداية للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين هي في عام 1967، عندما احتلّت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم باشرت ببناء المستوطنات في عام 1968، حيث يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها المتروبول، أي الدولة الأم، وإلى المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بمنزلة مبعوثيها.

(1((للاطلاع على قائمة جزئية، يُنظر الأعداد الخاصة من دورية دراسات الاستعمار الاستيطاني:

Settler Colonial Studies , vol. 5, no. 3, Special Issue (Settler Colonial Studies and Israel–Palestine) (2015); Yara Hawari, Sharri Plonski & Elian Weizman, "Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society," Settler Colonial Studies , vol. 9, no. 1, Special Issue (Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society) (2019);

يُنظر أيضًا العدد الخاص في:

Interventions: International Journal of Postcolonial Studies , vol. 21, no. 4, Special Issue (Settler Colonialism in Palestine) (2019).

(1((يطرح غابرييل بيتربيرغ أن اثنين على الأقل من أبرز علماء الاجتماع الإسرائيليين عما ضمن إطار التحليل القائم على الاستعمار الاستيطاني، هما: باروخ كيمرلينغ Kimmerling Baruch وجيرسون شافير Shafir Gershon؛

Gabriel Piterberg, "Israeli Sociology’s Young Hegelian: Gershon Shafir and the Settler Colonial Framework," Journal for Palestine Studies , vol. 44, no. 3 (2015), pp. 17–38;

وللاطلاع على قراءات بديلة وأكثر اهتمامًا بالتفصيلات الصغيرة لأعمالهما، ينظر: عزمي بشارة، "علم الاجتماع الإسرائيلي ومساهمة

باروخ كيمرلينغ: ملاحظات عامة"، المستقبل العربي، العدد  394 (كانون الأول/ ديسمبر 0112)، ص.33–7 (1((ينظر مثلً:

Zeev Sternhell, The Founding Myths of Israel: Nationalism, Socialism, and the Making of the Jewish State (Princeton: Princeton University Press, 1998); Avi Shlaim, Israel and Palestine: Reappraisals, Revisions, Refutations (London: Verso, 2009).

يركز هذا الخطاب على السياسات الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية، وليس على المشروع الصهيوني برمّته، بوصفه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، ويتجاهل ماضي إسرائيل والصهيونية قبل عام 1967.

وبالفعل، يعتبر العديد من أوساط ما بقي من أحزاب "اليسار الصهيوني" المستوطنين اليهود في الضفة الغربية سببًا أساسيًا في الصراع، وعقبةً أمام الحل الذي يمكن تحقيقه من خلال عودتهم (أو عودة

العديد منهم لمزيد من الدقة) إلى المتروبول الأم؛ إسرائيل بحدودها ما قبل عام 1967. وبالنسبة إليهم، إسرائيل دولة عادية، وليست نتاج مشروع استعمار استيطاني، لكنها أنشأت مشروعًا للاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية. أيًّا كانت الآراء المتباينة، فإن المشروع الصهيوني أخذ، منذ البداية، مسارًا استعماريًا استيطانيًا. فقد

ولدت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا بأيادٍ يهودية – أوروبية، وسعت لإنشاء دولة يهودية حصرية في فلسطين، على الرغم من أن فلسطين كانت مأهولة ويسكنها شعب آخر، تضم أقلية يهودية، تراوح نسبتها بين 8 و 9 في المئة من مجموع السكان في بداية القرن العشرين. في ذلك الوقت، كان معظم اليهود المقيمين في فلسطين يعتبرون أنفسهم، تمامًا كغيرهم من اليهود في العالم العربي، يهودًا عربًا؛ أي عربًا يعتنقون الديانة اليهودية. قدّمت الصهيونية وتياراتها المختلفة مزيجًا من المبررات التاريخية والدينية (وغيرها لاحقًا)

للمشروع الاستيطاني في فلسطين، بموجبها اعتبرت المستوطنين السكان الأصلانيين، ونفت هذه

المكانة عن السكان الأصلانيين الفلسطينيين العرب. سأناقش منظومة التبريرات هذه، وتحديدًا مكوّنها الديني، في المباحث التالية، لكن يكفي القول هنا إنه بغضّ النظر عن التبريرات التي قدّمها

آباؤه وداعموهم الدوليون، فقد سلك هذا المشروع مسارًا استعماريًا استيطانيًا منذ بدايته، وما زال

متواصلً حتى هذا اليوم. لذلك، لم تحظ تلك التبريرات بأهمية كبرى بالنسبة إلى الفلسطينيين، سكان البلاد الأصلانيين الذين لم تلق جهودهم المستمرة في إظهار ما كانوا يعتبرونه، بداهةً،

((1(في الانتخابات الإسرائيلية في 17 أيلول/ سبتمبر 0192، حصل حزب ميريتس (الصهيوني اليساري) الذي يتبنّى هذه الآراء،

على خمسة مقاعد برلمانية من أصل.120 2(((أعتبر أن السؤال في ما إذا كان السكان العرب في فلسطين قد طوّروا هوية وطنية أم لا عند بدء المشروع الصهيوني، سؤالً غير

ذي صلة عندما يتعلق الأمر بتحديد الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للحركة الصهيونية. لكن، ومع ذلك، للحصول على إجابة عن هذا السؤال، يمكن الرجوع إلى:

Maher Al–Charif, The Search of an Entity (Nicosia: Center for Socialist Studies and Research in the Arab World, 1995); Rashid Khalidi, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 1997). (21)  Itamar Rabinovitch & Jehuda Reinharz (eds.), Israel in the Middle East: Documents and Readings on Society, Politics, and Foreign Relations, Pre–1948 to the Present , 2 nd ed. (Waltham: Brandeis University Press, 2007), p. 571.

تعكس هذه الأرقام نسبة السكان اليهود في فلسطين ما بين عامي 1882 و.1918

(22)  Yehouda Shenhav, The Arab Jews: A Postcolonial Reading of Nationalism, Religion, and Ethnicity (Stanford: Stanford University Press, 2006); Massoud Hayoun, When We Were Arabs: A Jewish Family’s Forgotten History (New York: The New Press, 2019).

مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، آذانًا صاغية في الدوائر السياسية والثقافية والأكاديمية الغربية، إلّ مؤخرًا وعلى نحو متزايد، وإن كان غير كافٍ. لعل إحدى أهم الخصائص التي ميّزت المشروع الصهيوني تمثّلت في أن هدفه القائم على تأسيس دولة يهودية حصرية، وبناء وطن قومي يهودي في فلسطين استبطن على نحو جوهري محو السكان الأصلانيين، بل من المؤكد أن ذلك لم يكن ليتحقق إلّ من خلال استئصالهم وتهجيرهم، وهما، أي التهجير والإحلال، الصفتان الرئيستان اللتان تُعرّفان الاستعمار الاستيطاني. وعلى الرغم من أن الاستئصال لم يأخذ شكل الإبادة الجسدية الجماعية كما كان الأمر في حالات أخرى، ولم تكن الإبادة أحد الأهداف المقصودة لهذا المشروع، فإنه شمل سياسات استئصالٍ وتهجيرٍ ديموغرافي وتطهيرٍ عرقي، أدّت إلى تهجير الأغلبية العظمى من الفلسطينيين من ذلك الجزء من فلسطين الذي أسّست عليه إسرائيل. وقد شملت تلك السياسات عمليات محوٍ وطمسٍ مكاني من خلال تدمير ما يزيد على 400 قرية فلسطينية، واستبدالها بمئات البلدات اليهودية. إضافةً إلى عمليات طمسٍ للوجود التاريخي والثقافي العربي والإسلامي واستبداله بالتاريخ اليهودي من خلال تسييس المواقع الدينية ومشاريع الحفريات الأثرية، وسياسات بناء المتاحف والمواقع التذكارية وإقامة الاحتفالات الدينية. وكغيره من مشاريع الاستعمار الاستيطاني، وظّف المشروع الصهيوني نظام التبرير النفسي والإبستيمي

(2((لم تهدف المجازر العديدة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين خال حرب عام 1948 إلى الإبادة الجسدية الجماعية، بل إلى التهجير، حيث ارتُكبت بشكل استراتيجي لترويع السكان الفلسطينيين الأصلانيين ودفعهم إلى مغادرة مدنهم وبلادهم. ينظر على سبيل المثال:

Saleh Abdel Jawad, "The Arab and Palestinian Narratives of the 1948 War," in: Robert I. Rotberg (ed.), Israeli and Palestinian Narratives of Conflict: History’s Double Helix (Indianapolis: Indiana University Press, 2006), pp. 72–114; Saleh Abdel Jawad, "Zionist Massacres: The Creation of the Palestinian Refugee Problem in the 1948 War," in: Eyal Benvenisti, Chaim Gans & Sari Hanafi (eds.), Israel and the Palestinian Refugees , vol. 189 (Berlin: Springer, 2007), pp. 59–127;

يتم بين الفينة والأخرى كشف النقاب عن هذه المجارز التي تُسبّب حرجًا للرواية الصهيونية (خصوصًا لأن المحور الأساسي في

هذه الرواية يتمثل في أن الفلسطينيين فرّوا بكل بساطة، وكأن ذلك سيؤثر أصا في ما يتعلق بقضية عودتهم)، ويثور جدل محتدم

حولها. للاطلاع على آخر ما تم الكشف عنه حول المجازر التي كانت المعلومات حولها سابقًا غير معلنة والنقاشات التي دارت حول محاولات الأرشيف الإسرائيلي في إخفاء الأدلة والإثباتات، ينظر:

Hagar Shezaf, "Burying the Nakba: How Israel Systematically Hides Evidence of 1948 Expulsion of Arabs," Ha’aretz , 5/7/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3FTNqLU; "Israel Didn’t Aim to Distort History by Concealing Nakba Files, Former Defense Official Says," Ha’aretz, 24/7/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3jcrlyB (24)  Walid Khalidi (ed.), All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 (Beirut: Institute for Palestine Studies, 2006). (25)  Nadia Abu El–Haj, Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self–Fashioning in Israeli Society (Chicago/ London: University of Chicago Press, 2001); Ze’ev Herzog, "Deconstructing the Walls of Jericho: Biblical Myth and Archaeological Reality," Prometheus , vol. 19, no. 4 (2001), pp. 72–93; Keith W. Whitelam, The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History (New York: Routledge, 1996). (26)  Nadera Shalhoub–Kevorkian, "The Occupation of the Senses: The Prosthetic and Aesthetic of State Terror," The British Journal of Criminology , vol. 57, no. 6 (November 2017), pp. 1279–1300; Saree Makdisi, "The Architecture of Erasure," Critical Inquiry , vol. 36, no. 3 (Spring 2010), pp. 519–559.

القائم على تحقير السكان الأصلانيين وامتهانهم والتمييز ضدهم وتصويرهم همجيّين، وأسس نظامَ

سيطرة يميز فيه لمصلحة اليهودي بالقانون. وعلى أي حال، لن تتوسع هذه الدراسة في الصفات والخصائص الجوهرية للصهيونية بوصفها مشروعًا للاستعمار الاستيطاني سوى باثنتين منها، ترتبطان بطرحه: أولً: إن مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على فلسطين بأكملها (بما في ذلك في إسرائيل ضمن حدودها ما قبل عام 1967) لا يزال متواصلً. لقد لجأ هذا المشروع إلى شتّى الوسائل لتحقيق أهدافه في المحو والإحلال (مثلً من خلال الاستيطان المستمر في الضفة الغربية وتهويد القدس وقوانين الهجرة التمييزية ومصادرة الأراضي العربية داخل إسرائيل). إن الهدف النهائي للمشروع، المتمثل في إنشاء دولة يهودية حصرية، وعلى الرغم من إنجاز صفة الدولة Statehood ذات السيادة على الأرض فعليًا، ما زال يتوسع بشراسة وعدوانية (من دون حدود نهائية واضحة)، وفي الوقت ذاته

ما زال مستقبله غير محدد. بهذا المعنى، فإن إسرائيل، كدولة، ما زالت مشروعًا لم ينتهِ بعد. وقد يقول قائل: هذه هي حال العديد من الدول؛ حيث هوية الدولة والنظام السياسي والتركيبة الديموغرافية والعلاقات الدولية وقوّتها في حالة تغير وتطور مستمرين. لكن كون إسرائيل مشروعًا لم ينته، ينطوي على معانٍ أكثر عمقًا: فحدودها ما زالت غير مضبوطة، وهي نفسها تمتنع عن ترسيمها، كما أن عاصمتها (التي ما زالت نفسها من دون حدود معروفة) لا تحظى باعتراف سوى بعض الدول القليلة،

وهو الاعتراف الذي تعتبره الأمم المتحدة لاغيًا وباطل، وتحتل أرضًا منذ عام 1967 – الضفة الغربية

وقطاع غزة (إضافة إلى مرتفعات الجولان)، لا تعترف أي دولة بسيادتها عليها. وتعتبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل هي في الواقع دولة أخرى (وإن كانت دولة غير عضو بصفة مراقب)، ولا يتم الاعتراف دوليًا بمستوطناتها اليهودية هناك. وهناك رفض لشرعية

جوهرها – أي باعتبارها دولة يهودية – من جيرانها ومعظم السكان الخاضعين لسيطرتها (من غير اليهود)، وهم الفلسطينيون من أوضاع قانونية مختلفة (مواطنون في إسرائيل، و"مقيمون" في القدس

(2((صرح وزير الأمن العام الإسرائيلي في مقابلة إذاعية في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 0192 في إشارة إلى المجتمع الفلسطيني في إسرائيل بأن "المجتمع العربي هو عنيف جدًا جدًا، وألف جدًا أخرى فوقها [...] إنه شيفرتهم الثقافية". ينظر: "المجتمع العربي

عنيف جدًا"، هآرتس، 019/10/72، شوهد في 021/10/18:2، في https://bit.ly/3lOAXRJ (بالعبرية)

(28)  Nadim Rouhana, "Decolonization as Reconciliation: Rethinking the National Conflict Paradigm in the Israeli– Palestinian Conflict," Ethnic and Racial Studies , vol. 41, no. 4 (2018), pp. 643–662.

(2((للاطلاع على النظام القانوني الإسرائيلي حيال المواطنين العرب، ينظر:

Nimer Sultany, "The Legal Structures of Subordination: The Palestinian Minority and Israeli Law," in: Nadim N. Rouhana (ed.), Israel and its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), pp. 191–237.

((3(اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بالقدس عاصمةً لإسرائيل في 6 كانون الأول/ ديسمبر 017.2 وفي ضوء هذا الاعتراف، دعا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 19 كانون الأول/ ديسمبر 0172 "جميع الدول للامتناع عن إقامة بعثات دبلوماسية في المدينة المقدسة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 470 (1980)". ينظر:

"General Assembly Demands All States Comply with UN Resolutions Regarding Status of Jerusalem," UN News , 21/12/2017, accessed on 26/10/2021, at: https://bit.ly/3voLQwT

الشرقية، وآخرون تحت الاحتلال في ما بقي من فلسطين)، يشكل مجموعهم ما يقارب 50 في المئة من مجموع السكان. لكن، وما يضاهي كل ذلك أهمية، هو أن العديد من الإسرائيليين لا يرون أن مستقبل إسرائيل، حسبما يصفونها – "يهودية وديمقراطية" – مضمون. وفي ظل هذه الظروف، تتصاعد الحاجة المستمرة إلى الحصول على الشرعية داخليًا ودوليًا على حد سواء، وتتزايد الحاجة إلى أن يقاوم الفلسطينيون، بثبات واستمرار، سياسات الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي إسرائيل نفسها، لتصبح هذه السياسات، بسبب مقاومتها، تدريجيًا، أكثر بروزًا أمام العالم. ثانيًا: عكفت الصهيونية على تطوير مشروع استعمار استيطاني في حقبة أفول نجم الاستعمار الاستيطاني. وعلى الرغم من أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت مشاريع استعمارية استيطانية أخرى في طريقها إلى الانتهاء، وأن حقبة ما بعد الحرب تميّزت بعملية تفكيك الاستعمار،

فإن الحركة الصهيونية واصلت التقدم في الاتجاه المعاكس للتاريخ – بدايةً في داخل حدودها في الأرض المحتلة في عام 1948، وبعد ذلك في فلسطين بأكملها. كما سعت لإخضاع شعب لديه هوية وطنية متبلورة ومراكز مدينية متطورة ومؤسسات ثقافية وأنظمة اقتصادية وسياسية ومراكز إعلامية؛ لا يختلف كثيرًا عن جيرانه. إن توقيت هذا المشروع، أي تأخّره التاريخي، جعل سياسات الاستعمار الاستيطاني ومقاومته أكثر وضوحًا وبروزًا على المسرح الدولي، كما كانت الحال بالنسبة إلى جنوب أفريقيا وزيمبابوي والجزائر. وفي الحصيلة، فإن المقاومة الفلسطينية المستمرة هي التي عملت على تآكل ما كان لهذا المشروع من مصادر الشرعية وساهمت في دفعه نحو مصادر أخرى كما سأبين لاحقًا.

((3(في عام 0192، شكل المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل نحو 17 في المئة من مجموع المواطنين– أي نحو 1.56 مليون شخص. أما الفلسطينيون في مدينة القدس الشرقية المحتلة – وعددهم 362300 – التي ضمتها إسرائيل بعيد احتلالها في عام 1967، فقد حصلوا على حقوق إقامة وليس حقوق مواطنة، بينما لا يحظى الفلسطينيون في الضفة الغربية بحقوق مواطنة أو إقامة. بلغ مجموع السكان العرب في إسرائيل ما يقارب من 20.9 في المئة من مجموع السكان الإسرائيليين، بحسب أرقام جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي (أي 1878400 شخص من مجموع 8967600 نسمة). لكن هذه الأرقام تتضمن الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة (والعرب السوريين في مرتفعات الجولان المحتلة، ويبلغ عددهم نحو 62002 شخص). ينظر:

"Population, By Population Group," Statistical Abstract of Israel 2019 , no. 70, Central Bureau of Statistics [CBS], accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3DQxQib; "Localities and Population, By Population Group, District, Sub– District and Natural Region," Statistical Abstract of Israel 2019 , no. 70, Central Bureau of Statistics [CBS], accessed on 18/10/2021, at: https://bit.ly/3vqryTI

((3(توظف إسرائيل ومؤيدوها في الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، جهودًا كبرى في محاولة "شرح" السياسات

الإسرائيلية من خال مشاريع مع أكاديميين بارزين وطاب في جامعات مرموقة وسياسيين وإعاميين. وتعكس هذه الجهود

الضخمة (التي يشار إليها بالعبرية ب  " الهسباراة")، شعورًا بالقلق العميق حيال سياساتها وممارساتها. إن التركيز على الولايات المتحدة

الأميركية مرتبط بحقيقة أن الصهيونية بوصفها مشروعَ استعمارٍ استيطاني لا تحظى بوطن أو جغرافيا، لكنها حظيت بدعم سياسي

مشابه لما يمكن اعتباره متروبولً من البريطانيين حتى عام 1948، وتدريجيًا من الولايات المتحدة الأميركية منذ ذلك الوقت.

Walid Khalidi, Palestine Reborn (New York: IB Tauris, 1992);

ومن ثم، يُعدّ الرأي العام في المتروبول النافذ أساسيًا لقدرة المشروع على الاحتفاظ بالدعم السياسي.

ثانيًا: الصهيونية بوصفها قومية استعمار استيطاني

تعتبر الصهيونية حركة قوميةً، لكنها ليست حركة تحرر بالمفهوم المتداول لحركات التحرر في العالم، أي لم تسعَ لتحرير أمة أو وطن من احتلال أو استعمار قوة أجنبية. بل على العكس تمامًا، احتاجت إلى

مساعدة قوى استعمارية أوروبية (بريطانيا تحديدًا)، لإنشاء وطن قومي ليهود أوروبا (وغيرهم من اليهود) خارج أوروبا. بهذا المعنى، تُعدّ الصهيونية قومية استعمار استيطاني في جوهرها، لا قومية تحررية. وعلى الرغم من أن الصهيونية سعت لمعالجة الاضطهاد الأوروبي المروع تجاه اليهود، الذي وصل إلى ذروته في المحرقة، فإن الحل الذي سعت له لم تكن وجهته أوروبا، ولم يكن حتى موجّهًا ضد الدول الأوروبية،

بل في أراضٍ أخرى: فلسطين، أو أوغندا، أو الأرجنتين، وغيرها من الأماكن البعيدة. في مؤتمر بازل (1897) وقع الاختيار على فلسطين، لتجعل منها الصهيونية هدفًا استعماريًا قوميًا، ونجحت

في خلق وعي حول الفكرة بين صفوف أتباعها. وباشرت الحركة الصهيونية، قبل زمن طويل من إنشاء إسرائيل، بتشكيل منظمات قومية، بما فيها منظمات عسكرية ومنظمات للعمل، وصندوق لاستملاك الأراضي الفلسطينية، ومؤسسات أكاديمية، ومنابر ووسائل إعلامية وثقافية. بهذا المعنى، وُجدت مجموعة

منظمة مستعدة ومصممة، ونجحت في تخيّل وبناء وتشكيل نفسها، أو جزء منها، ليتجلّى على شكل قومي. إن التساؤل حول أساطير هذا التجلي القومي، حتى إن تلاعبت به النخب و/ أو القوى الخارجية، لا يُقلّل أبدًا من صدقيته بالنسبة إلى أصحابه. ففي نهاية المطاف، ما كان من الممكن اختراع وعي

قومي إن انعدمت العناصر الأساسية الضرورية لنجاح المخيال القومي – مثل بعض القواسم الثقافية المشتركة الأساسية، والمظالم على أساس الهوية الجمعية. غير أن العاقبة الوخيمة هي أن الصهيونية لم تكن لتحقق الهدف المنشود للحركات القومية – أي السيادة القائمة على الأرض وصفة الدولة – من دون أن تصبح مشروعًا للاستعمار الاستيطاني، سواء جرى تنفيذه في فلسطين أم في أي مكان آخر، لأنها كانت تحاول أن تصنع قومية واحدة من جماعة يجمعها الدين على الأقل والمظالم المشتركة ومزايا ثقافية، لكنها منتشرة ومتناثرة حول العالم، ومفتقدة الوجود المركّز في أي مساحة جغرافية واحدة. لم تكن القومية الصهيونية ذات طابع استعماري استيطاني وغير تحرري فحسب، بل كذلك جسّدت

أيديولوجيا قائمة على الإثنية الحصرية، بدلً من القومية القائمة على أساس المواطنة أو تلك التي من الممكن أن تسمح وتُفضي لأن تتحول إلى قومية على أساس المواطنة. وتدّعي الصهيونية

((3(في الخطاب الصهيوني التاريخي، يتّخد مفهوم "التحرير" موقعًا مركزيًا. على سبيل المثال، تتم تسمية حرب عام 1948 "حرب

التحرير"؛ أي التحرير من يد السكان الأصلانيين الفلسطينيين.

(34)  Adam L. Rovner, In the Shadow of Zion: Promised Lands Before Israel (New York: New York University Press, 2014), pp. 49–52.

((3(للاطلاع على الفرق بين هذين النوعين من المواطنة، ينظر:

Rogers Brubaker, Citizenship and Nationhood in France and Germany (Cambridge: Harvard University Press, 1988);

وحول إسرائيل بوصفها دولة يهودية حصرية دستوريًا، ينظر:

Nadim Rouhana, Palestinian Citizens in an Ethnic Jewish State: Identities in Conflict (New Haven: Yale University Press, 1997). وحول الأنواع المختلفة للمواطنة، ينظر: Bishara, "Zionism and Equal Citizenship.".

أنها تمثل الشعب اليهودي، غير أنه حتى تعريف "من هو اليهودي؟" نفسه، وهو السؤال الذي طالما شغل الأوساط الدينية والسياسية، يتمحور حول دور التعريف الديني لمن يمكن اعتباره يهوديًا. إن هذه الطبيعة الحصرية متشددة إلى الحد الذي لم تتمكن معه إسرائيل، والحال أن أكثر من 52 في المئة من مواطنيها هم من غير اليهود، من تطوير حتى مفهوم "الشعب الإسرائيلي" أو "الأمة الإسرائيلية"، وهي مصطلحات ليست موجودة حتى في اللغة العبرية. في واقع الأمر، لا توجد قومية أو وطنية إسرائيلية في إسرائيل، بحسب ما قررته المحكمة العليا الإسرائيلية في قرارها الصادر في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 0132، الذي رفض التماسًا مُقدّمًا من 12 مواطنًا إسرائيليًا

(يهودًا وعربًا) طالبوا فيه تعريف "قوميتهم" على أنها "إسرائيلية" في سجل السكان المدني. أي إنهم طالبوا بتغيير قوميتهم من إما "يهودي" أو "عربي"، وهي القوميات المعتمدة حاليًا في بطاقة الهوية، لتصبح

"إسرائيلية"، في سعي للحصول على دعم قانوني لادعاءاتهم بوجود "شعب إسرائيلي". وفي نص قرارها، دافعت المحكمة عن أنه "لا يوجد دليل على وجود 'شعب إسرائيلي' بشكل منفرد"، وأعادت تأكيد الطروحات والحجج التي قُدّمت قبل 40 عامًا في معرض قضية مشابهة. وأورد أحد القضاة أنه "لم يتم تقديم أي دليل قانوني على وجود 'شعب إسرائيلي'، ومن غير الملائم التشجيع على خلق تشظيات جديدة للشعب". وبناء عليه، فإنه بموجب القانون، لا تسمح إسرائيل بنشوء قومية (مواطنين) تضم اليهود والعرب (وغيرهم). فالقومية الوحيدة المعترف بها في إسرائيل هي القومية اليهودية، ولا يمكن لأحد أن ينضمَّ إلى هذه القومية (الشعب اليهودي) إلّ من خلال المسار الديني، أي بتحوله إلى الدين اليهودي. لذلك، تعتبر مطالبات المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بالمواطنة المتساوية في "دولة لكل مواطنيها" – وهو المشروع الذي قدمه حزب التجمع الوطني الديمقراطي في العقد الأخير من القرن

(36)  "Population of Israel on the Eve of 2019 – 9.0 Million," Press release , no. 394/2018, Central Bureau of Statistics [CBS], 31/12/2018, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/2Z3VR6A

((3(تشير كلمة "أعام" باللغة العبرية إلى الأمة. لكن الطريقة التي يتم فيها الدمج بين الكلمة وكلمة إسرائيل "عام يسرائيل"، والتي تعني حرفيًا "أمة إسرائيل"، هو مصطلح مستخدم ل شإإارة إلى الشعب اليهودي. لكنها لا تعني الأمة أو الشعب الإسرائيلي كأمة

مواطنين، مثل الشعب الفرنسي أو الشعب الأميركي أو الشعب اللبناني. ولعل المصطلح الأقرب إلى "الشعب الإسرائيلي" هو "مواطنو دولة إسرائيل"، لكن عندما يتم استخدام كلمة "إسرائيليين" لوحدها باللغة العبرية، فإن المعنى الضمني لها يشير، غالبًا، إلى

اليهود الإسرائيليين حصريًا. ((3(اعتبرت إسرائيل أيضًا الدروز قوميةً معتمدةً في بطاقة الهوية في مشروعها الرامي لسلخ الدروز عن بقية العرب.

(39)  Revital Hovel, "Supreme Court Rejects Citizenship Request to Change Nationality from 'Jewish' to 'Israeli'," Ha’aretz , 3/10/2013, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3aNsMPb

ينظر ((4:(

Aeyal Gross, "Court Rejection of Israeli Nationality Highlights Flaws of Jewish Democracy," Ha’aretz , 3/10/2013, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3aOT9o4 (41) Hovel.

((4(على الرغم من أن بطاقات الهوية الإسرائيلية تستخدم مصطلح "عربي" و"يهودي" في خانة القومية، فإن إسرائيل لا تعترف بالعرب بوصفهم مجموعة قومية وطنية، وتعترف باليهود فحسب. وكان عزمي بشارة قد قدم في عام 0012 مشروع قانون في الكنيست عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، يُطالب بالاعتراف بالفلسطينيين في إسرائيل كأقلية قومية؛ ولم يُقبَل المشروع.

الماضي – تطرفًا، ويمكن استخدامها لحرمان الأحزاب السياسية من الحق في الترشح للانتخابات البرلمانية. وقد أعاد قانون القومية الأخير التكريس الدستوري لإسرائيل باعتبارها دولة لليهود فحسب، ومن ثم استثنى ومنع نحو ربع مواطنيها (من غير اليهود) من إمكان الادّعاء أن إسرائيل هي دولتهم، أو حتى موطنهم.

ثالثًا: الصهيونية والالتحام بين الديني والقومي

على خلاف المسيحية الصهيونية التي تُعتبر توجّهًا سياسيًا، تُعد الصهيونية أيديولوجيةً قوميةً تُمثّل

إحدى الحالات الأشد تطرّفًا في العصر الحديث التي يلتحم فيها الديني بالقومي. ومن أجل فهم

مدى عمق هذا الالتحام، يمكن أن ننظر إلى التطابق الكامل بين الديانة اليهودية والقومية اليهودية، حيث يعتبر الشخص يهوديًا من ناحية القومية فحسب، إن كان يدين بالديانة اليهودية والعكس صحيح. فعلى سبيل المثال، لا يُعتبر المهاجرون من الاتحاد السوفياتي السابق الذين لا يدينون بالديانة اليهودية يهودًا من حيث القومية، على الرغم من أن إسرائيل قبلتهم مواطنين بناء على قانون العودة، نظرًا إلى

علاقتهم بطريقة معيّنة بيهودي في العائلة. فهم مواطنون إسرائيليون، مثلهم مثل المواطنين الآخرين من

غير اليهود، كما هي الحال بالنسبة إلى المواطنين الفلسطينيين، لكن لأنهم ليسوا يهودًا بالمعنى الديني، ومن ثم بالمعنى القومي، فإن هناك ثمنًا يجب دفعه. كما تشرح كرافيل – توفي، فقد أنشأت إسرائيل صلةً قويةً بين قضايا التحول إلى الديانة اليهودية وقضايا الهجرة ومنح الجنسية. وأصبحت مكانة الشخص بما يتعلق بطريقة تحوّله إلى الديانة اليهودية (بحسب أي توجه ديني)، بالنسبة إلى المهاجرين والمواطنين على حد سواء، تُحدّد الاعتراف

(4((يُنظر: بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون؛ روحانا؛

Mazen Masri, The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State (Oxford: Hart, 2017); Sultany. (44)  Hassan Jabareen & Suhad Bishara, "The Jewish Nation–State Law," Journal of Palestine Studies , vol. 48, no. 2 (2019), pp. 43–57; Masri.

بهذا المعنى، ومن واقع كونها مشروعًا للاحتلال الاستعماري وحركة قومية إثنية حصرية، شك لت الصهيونية خطرًا مزدوجًا على

الفلسطينيين. إن هذا الدمج بين مشروع استعماري لم يسعَ إلى تحقيق نظام عرقي تراتبي بشكل واضح، يمكن من خلاله استيعاب

وتضمين السكان الأصلانيين واستخدامهم لخدمة المستعمرين، مقترنًا بقومية حصرية (تدّعي حقوقًا حصرية على الوطن)، جعل

الكفة ترجّح لمصلحة طرد السكان الأصلانيين، بدلً من إخضاعهم. ولأسباب عديدة (مرتبطة بالتوقيت التاريخي وعوامل أخرى)،

لم تسعَ الصهيونية للإبادة الجماعية للسكان الأصلانيين. ((4(لدراسات مقارنة في القومية الصربية وحركة الهندوتف في الهند والقومية السينهالية في سيرلانكا، ينظر:

Nadim N. Rouhana & Nadera Shalhoub–Kevorkian (eds.), When Politics are Sacralized: Comparative Perspectives on Religious Claims and Nationalism (Cambridge: Cambridge University Press, 2021).

((4(ينص قانون العودة (1950) على أن "اليهودي يعني الشخص الذي وُل د لأم يهودية أو اعتنق اليهودية، والذي لا يكون من أتباع ديانة

أخرى". ويقبل هذا القانون، بشكلٍ واعٍ، غير اليهود إن كانوا أقرباء لليهود وبشكل محدد؛ إذ ينص القانون على أن "في ضوء ذلك، فإن

حقوق اليهودي وحقوق 'العوليه' (اليهودي المهاجر إلى إسرائيل) بموجب قانون القومية [...] تمنح لطفل/ة وحفيد/ة اليهودي وزوج/ة اليهودي وزوج/ة ابن اليهودي وزوج/ة حفيد/ة اليهودي، ما عدا الشخص الذي كان يهوديًا، ومن ثم قام وبشكل طوعي بتغيير دينه"،

. Israel, Law of Return , 5710 (1950) (as amended) ينظر:

بحقوقه المدنية، والامتيازات المالية والخدمات الدينية (مثل مراسم الزواج والدفن). وتصف كرافيل – توفي الكيفية التي تُحدّد بها هيمنة المؤسسة الحاخامية اليهودية المتشددة على عملية التحول إلى الديانة اليهودية المعترف بها رسميًا في الدولة، حيث يمكن لمن يعتنق الديانة اليهودية أن يصبح

يهوديًا من ناحية قومية فحسب، إن تحوّل إلى الديانة اليهودية بموجب قوانين التيار اليهودي الديني

المشدد Halachic. في المقابل، لا يستطيع شخص خرج من الديانة اليهودية أن يطالب قانونيًا بالحفاظ

على قوميته اليهودية. ولأن الصهيونية تعتبر جميع اليهود مجموعة قومية، لا مجموعة دينية فحسب، فإنها، ضمنًا، تعتبر الجاليات اليهودية في الدول الأخرى غير إسرائيل أعضاء في المجموعة القومية اليهودية كذلك، بغض النظر إن كانوا يوافقون على ذلك أم لا. لكن التجلي السياسي الأهم والأوضح لهذا الالتحام بين القومية والدين هو في ادّعاء الصهيونية، بناءً على

وعد إلهي، بأن فلسطين هي الوطن القومي لليهود. فهذا الادّعاء تحديدًا هو ما يجعل من هذا التشابك المعقد والوثيق غير قابل للفصل، ويجعل من سياسات الدولة المبررة دينيًا على نحو سافر أمرًا حتميًا. لقد وُظّفت الاستعارات والنصوص الدينية في الخطابات الاستعمارية للعديد من المشاريع الاستعمارية

والاستعمارية الاستيطانية. وقد استحضرت مجتمعات الاستعمار الاستيطاني، بدرجات متفاوتة، العهد القديم في مشاريعها، بما في ذلك في أميركا الشمالية وفي جنوب أفريقيا وإيرلندا الشمالية. لكن ما تفرّدت به الصهيونية في الالتحام، هو أنها، وبخلاف المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأخرى،

استغلت أن لدى الشعب اليهودي صلةً ثقافية (ذات بعد ديني بارز) بفلسطين. وبعكس مشاريع الاستعمار الاستيطاني الأخرى ذات الظروف التاريخية والمسارات السياسية المختلفة التي تخلّت عن الادعاءات الدينية وسعت لإيجاد مصادر بديلة لشرعيتها – مثل النظام الديمقراطي والمواطنة المتساوية – ازداد استناد أتباع الصهيونية إلى هذه التبريرات عمقًا، وكانت الصلة الثقافية بالمكان أمرًا

حاسمًا في هذا الشأن.

(47)  Michal Kravel–Tovi, "Rite of Passage: Bureaucratic Encounters, Dramaturgy, and Jewish Conversion in Israel," American Ethnologist , vol. 39, no. 2 (2012), p. 373.

ينظر ((4:(

András Pap, "Overruling Murphy’s Law on the Free Choice of Identity and the Racial–Ethnic–National Terminology– Triad: Notes on How the Legal and Political Conceptualization of Minority Communities and Membership Boundaries is Induced by the Groups’ Claims," in: Kristin Henrard (ed.), The Interrelation between the Right to Identity of Minorities and Their Socio–Economic Participation (Leiden: Martinus Nijhoff, 2013), pp. 144–149.

((4(ومن ثم، على الرغم من أن الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال لا تدّعي أنها تشكل مجموعة

قومية، فإنه وفقًا للحركة الصهيونية، أفراد هذه الجالية هم أعضاء في مجموعة قومية.

(50)  Shalom Goldman, God’s Sacred Tongue: Hebrew and the American Imagination (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2004); S.P. McSloy, Hughes Hubbard & Reed Llp, "'Because the Bible Tells Me So': Manifest Destiny and American Indians," St. Thomas Law Review , vol. 9, no. 1 (September 1996), pp. 37–48; Michael Prior, The Bible and Colonialism: A Moral Critique (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1997).

ينظر ((5:(

Donald Harman Akenson, God’s Peoples: Covenant and Land in South Africa, Israel, and Ulster (Ithaca: Cornell University Press, 1992).

وللمفارقة، فإن الصهيونية العلمانية هي التي استخدمت الادّعاءات الدينية لتأسيس هذا الاستحقاق حيال فلسطين. وقد كان جوهر الصهيونية، كما تصوّره مؤسسوها العلمانيون، يتمثل في تحويل هذه الصلة الثقافية – من خلال التركيز على المكوّن الديني منها – إلى استحقاق سياسي، أي إلى حق حصري للصهيونيين في السيادة على فلسطين. وكما يُبيّن نور مصالحة، على الرغم من أن الصهيونية انطلقت أساسًا بوصفها حركة غير دينية، وكان آباؤها المؤسسون إما علمانيين أو ملحدين، فإنها استغلت الرواية التوراتية لشرعنة ادعاءاتها ومطالبها في فلسطين. لقد استند هذا الادّعاء إلى وجهة النظر التي تقول إن الله قد منح الأرض لليهود في الكتاب المقدس. ويطلق مصالحة تسمية النموذج القائم "أرض الميعاد – الشعب المختار"، وبموجبه تمنح التوراة اليهود "صكَّ ملكية" لفلسطين مقدسًا وموقّعًا من الله. وقد أصبح هذا الادّعاء الركيزة الأساسية لشرعنة عملية إقامة دولة يهودية في فلسطين، فكما قال دافيد بن غوريون (1973–1886)، المؤسس العلماني لدولة إسرائيل، للجنة الملكية البريطانية في عام 1937 إن "التوراة هي انتدابنا". وفي 42 أيار/ مايو 0112، خاطب بنيامين نتنياهو، أحد القادة المعاصرين للصهيونية "العلمانية"، في جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، وعرض جوهر علاقة الصهيونية بالضفة الغربية (مستخدمًا الاسم التوراتي للضفة الغربية، أي يهودا والسامرة): "في يهودا والسامرة، الشعب اليهودي ليس عبارة عن محتلّ أجنبي. لسنا البريطانيين في الهند. لسنا البلجيكيين في الكونغو. هذه أرض أجدادنا الأوائل، أرض إسرائيل، التي جلب لها إبراهيم فكرة الإله الواحد، وهي المكان الذي انطلق منه داود لمواجهة جوليات، وحيث تراءى لإشعيا رؤية السلام الأبدي. لا يمكن لأي تشويه للتاريخ أن ينكر هذه الصلة التي يعود عمرها إلى أربعة آلاف عام بين الشعب اليهودي والأرض اليهودية".

((5(الفكرة هنا أن الصهيونية لم تدّعِ الحق في فلسطين فحسب، لكنها أرادت هذا الحق حصريًا للشعب اليهودي. وسبقت هذه

الرؤية الحصرية الممارسة. ويتوافق هذا الادّعاء الحصري مع، ويتم إسناده، بوعد الله لشعبه المختار.

(53)  Nur Masalha, The Bible and Zionism: Invented Traditions, Archaeology and Post–Colonialism in Palestine–Israel (London: Zed Books, 2007). (54)  Anita Shapira, Ben–Gurion: Father of Modern Israel (New Haven: Yale University Press, 2015).

كتب ريك ريتشمان أنه من خلال هذه الشهادة التي أدلى بها دافيد بن غوريون (1973–1886)، فقد تم تأكيد نقطة مهمة، وهي أن "حقوق اليهود الفلسطينيين [...] لم تكن مستمدة من حكم الانتداب، أو من وعد بلفور، بل كانت موثقة تاريخيًا في التوراة". ومن

ثم، قال بن غوريون للجنة: "التوراة هي انتدابنا [...] إن حقنا قديم بقدم الشعب اليهودي، بينما عبّر الانتداب ووعد بلفور فقط عن

الإقرار بهذا الحق [...] نحن نعيد تأسيس شيء كان لنا في السابق، كنا نملكه، وكان دومًا لنا عبر تاريخ الشعب اليهودي بأسره".

Rick Richman, "The 80 th Anniversary of the Two–State Solution," Mosaic , 2/10/2017, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3ASHwqz

((5(للاطلاع على النص الكامل، ينظر:

Benjamin Netanyahu, "Text of PM Binyamin Netanyahu’s speech to the US Congress," Jerusalem Post , 24/5/2011, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/2Z5TLmL

يشير جوناثان ليس، إلى أن قصة داود وجوليات لم تحدث في المنطقة التي حددها نتنياهو.

Jonathan Lis, "The Facts and Fictions of Netanyahu’s Address to Congress," Ha’aretz , 26/5/2011, accessed on 18/10/2021, at: https://bit.ly/3j8Il8I

بالنسبة إلى الآباء المؤسسين للصهيونية، وكما هو دارج بسخرية في أوساط النخب الناقدة للصهيونية اليوم: لم يكن الله موجودًا، وعلى الرغم من عدم وجوده، فإنه جعل فلسطين أرض الميعاد للشعب اليهودي. لذلك، عندما يشير سفير إسرائيل العلماني في حديثه أمام الأمم المتحدة إلى التوراة بصفتها "صك ملكية الأرض" للشعب اليهودي (كما ذُكر سابقًا)، فإنه يسير على خطى تقليد صهيوني علماني راسخ، هو بمنزلة الخيط الذي يمتد ليربط المؤسسين العلمانيين، مرورًا بالقيادة العلمانية الحالية، بفروع الصهيونية كلها. بهذا المعنى، فإن إطلاق العديد من الباحثين تسمية "المرحلة العلمانية" على الفترة الممتدة من تأسيس إسرائيل حتى أوائل السبعينيات، يفتقد الدقة. فعلى الرغم من أن السياسة الإسرائيلية في تلك الفترة لم تكن تحمل هذا الحدّ من الطابع الديني على نحو صريح (مقارنة بما نشهده اليوم)، فإن توصيفها بأنها كانت علمانية، يتجاهل ما كانت تنطوي عليه من قيم وادّعاءات وتبريرات دينية لأهم المكوّنات الضرورية لبناء دولة؛ أي السيطرة الديموغرافية، والسيطرة على الأرض، والسيادة الحصرية

للدولة (بصفتها الترجمة السياسية لاحتكار شرعية استخدام القوة). وفي ما يلي سأناقش، باقتضاب، الجوانب الدينية لكل مكوّن من هذه المكونات الثلاثة: في ما يتعلق بالسيطرة الديموغرافية، تحفل السياسات والقوانين الإسرائيلية بالقيم والادّعاءات والإشارات المرجعية الدينية. وكما طرح مصالحة، فإن مفهوم "الترانسفير" (أي الترحيل) نفسه – وهو الذي يستخدم في الخطاب الصهيوني مجازًا عن التطهير العرقي للفلسطينيين – يكرّس الفكرة نفسها

التي تقول بحق الشعب اليهودي الأصيل في ملكية فلسطين على أسس توراتية. ولهذا السبب، وكما ذكرنا سابقًا، يُعدّ الفلسطينيون (وهم السكان الأصلانيون) في الخطاب الصهيوني التقليدي أغرابًا (أو حتى غُزاة ومتسللين)، بينما يُعتبر اليهود (المهاجرون الجدد الذين وصلوا إلى البلاد للتوّ)

السكان الأصلانيين لفلسطين، بغضّ النظر عن أصولهم الجغرافية. وتستند قوانين الهجرة إلى فكرة الحق الطبيعي التوراتي (الصك الإلهي) نفسها؛ ومن ثم فإن المهاجرين اليهود (فحسب) "يصعدون" ("عوليم" باللغة العبرية) إلى أرض الميعاد التي وعد بها الرب، بينما أولئك الذين يهاجرون من إسرائيل يهبطون منها (يورديم). تتشبع هذه المصطلحات وترتكز على أعمق الأسس الدينية، كما أن مواطنة العربي واليهودي نفسها تستند إلى وعد الله، وإذًا هناك مستويان مختلفان جذريًا للمواطنة: مستوى

((5(على سبيل المثال:

Uri Ram, "Why Secularism Fails? Secular Nationalism and Religious Revivalism in Israel," International Journal of Political Culture , vol. 21, no. 1 (2008), pp. 57–73; Yoav Peled & Horit Herman Peled, The Religionization of Israeli Society (New York: Routledge, 2018). (57)  Nur Masalha, Expulsion of the Palestinians: The Concept of 'Transfer' Zionist Political Thought, 1882 – 1948 (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1992);

بحسب باروخ كيمرلينغ، فإن سفر يوشع يُمثل "القوة العضلية والعسكرية المستخدمة لغزو الباد وإبادة الكنعانيين وغيرهم من

الشعوب القديمة التي كانت تسكن في 'أرض الميعاد'"، ينظر:

Baruch Kimmerling, "Religion, Nationalism and Democracy in Israel," Constellations , vol. 6, no. 3 (1999), p. 345.

ويُظهر مصالحة كيف كان كل من بن غوريون وجابتونسكي يشيران إلى سفر يوشع عند مناقشة الآراء حول مستقبل السكان

. Masalha, Expulsion of the Palestinians الفلسطينيين.

(يحظى بامتيازات أكبر) لليهودي، ومستوى آخر (أقل مكانة وحظوة) للعربي، لكن الفرق بينهما لا يقتصر على الامتيازات، إنما على مفهوم المواطنة نفسه. في ما يتعلق بالسيطرة على الأرض، بدأت هذه السياسة من مرحلة ما قبل الدولة (التي كانت تحت القيادة "العلمانية" المطلقة)، حيث وظّفت الخطط للسيطرة على فلسطين من خلال الاستيلاء على الأرض، آلية مشبعة بالمضمون الديني، سُمّيت "افتداء الأرض"، وهي تعني حرفيًا تخليص الأرض

من أصحابها العرب وإعادتها إلى الملكية الأزلية اليهودية. بدأ هذا "الافتداء" أو "الخلاص" من خلال الشراء – عندما كان ذلك الطريقة الوحيدة أمام المستوطنين الصهيونيين، وتمت لاحقًا من خلال استخدام القوة والعنف والسبل "القانونية". افتداء أو خلاص الأرض (جؤولات أداما) هو مصطلح من الشريعة اليهودية (هالاخا) الذي يعني إعادة الأرض إلى أصحابها الأصليين. وقد تم تأسيس الصندوق القومي اليهودي في بازل السويسرية في عام 1901 تحديدًا لهذا الغرض – أي إنقاذ الأرض وتخليصها من أصحابها العرب. وعلى الرغم من اتساق هذا الهدف كليًّا مع مشروع

الاستعمار الاستيطاني، فإنه، ومن أجل أن يصبح الصندوق "حارس الأرض للشعب اليهودي"، نصّ البند الخاص بتأسيسه على أن الملكية اليهودية يجب أن تكون دائمة، ولهذا فإن أراضي الصندوق القومي اليهودي غير متوافرة إلّ لاستعمال اليهود أينما كانوا، وليس للمواطنين العرب في

إسرائيل مثل. يستند هذا البند إلى الوصية والأمر التوراتي بأن "الأرض لا تُباع بتة" (سفر اللاويين، الأصحاح 25:23). وتستمر نشاطات الصندوق القومي اليهودي ولا تقتصر على إسرائيل فحسب، بل تمتد كذلك إلى الضفة الغربية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لمصلحة مستوطنات يهودية مستقبلية، وفي الكثير من الأحيان من خلال عمليات التزييف والتزوير. إن التبعات السياسية لفكرة الملكية الحصرية في رسم وتطبيق سياسات الدولة وعمليات التخطيط المديني فيها وتوزيع الأراضي كبيرة جدًا. فقد استولت إسرائيل على ملكيات خاصة وعامة كانت تعود

((5(للتوسع في المستويين، ينظر: Bishara, "Zionism and Equal Citizenship.".

((5(القانون الديني اليهودي.

(60)  Wolfe, "Purchase by Other Means." (61)  Yossi Katz, And the Land Shall Never Be Sold: Heritage of the Jewish National Fund and Application of Its Principles in Israeli Legislation (Ramat Gan: Jewish National Fund Research Institute, Cathedra for the Study of the History of the Jewish National Fund and its Work, Bar–Ilan University, 2002).

ينظر ((6:(

Suhad Bishara, "The Jewish National Fund," in: Nadim N. Rouhana & Areej Sabbagh–Khoury (eds.), The Palestinians in Israel: Readings in History, Politics and Society , vol. 2 (Haifa: Mada Al–Carmel, 2018).

وللمداولات حول قضية قعدان، ينظر:

Hassan Jabareen, "The Future of Arab Citizenship in Israel: Jewish–Zionist Time in a Place with No Palestinian Memory," in: Daniel Levy & Yfaat Weiss (eds.), Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration (Oxford: Berghahn Books, 2002), pp. 196–220. (63)  "Jewish National Fund Renews Land Purchases from Palestinians in The Occupied Territories," Peace Now , 13/8/2017, accessed on 18/10/2021, at: https://bit.ly/3FZDL6s

إلى الفلسطينيين الذين طُردوا من ذلك الجزء من فلسطين التي قامت عليه؛ أي 78 في المئة من فلسطين التاريخية. أما بخصوص الفلسطينيين الذين تمكّنوا من البقاء في ما أصبح إسرائيل، فقد باشرت سلطات الدولة في سلسلة من موجات المصادرة، مدعومة بالقوانين التي سنّتها، بهدف نقل أغلبية الأرض

الفلسطينية إلى ملكية يهودية. ونتيجة ذلك، تسيطر إسرائيل اليوم على 93 في المئة من مجمل الأراضي في البلاد، ويُمنع المواطنون العرب من استعمال 80 في المئة من أرض الدولة؛ وتسيطر البلديات العربية

على 2.5 في المئة فقط من مجمل الأراضي. لا يمكن للعين أن تخطئ الركائز الدينية لهذه الأهداف السياسية التي تم السعي لتحقيقها قبل إنشاء الدولة خلال ما سمي "المرحلة العلمانية". وفي ما يتعلق بمفهوم السيادة الحصرية، أي تلك الفكرة التي تقول إن الشعب اليهودي يمتلك الحق الحصري في الوطن، فمستمدة من الوعد التوراتي أيضًا. وكما أظهر ذلك بوضوح قانون القومية الذي

أُقرّ مؤخرًا، لا يمكن القبول بأي سيادة أخرى، أو حتى التشارك في السيادة. وينبغي لنا التأكيد أن هذه

السيادة ليست سيادة باسم الشعب الإسرائيلي (الذي ترفض إسرائيل الاعتراف بمفهومه، كما ناقشنا

أعلاه)، ولا للمواطنين الإسرائيليين – بالمصطلح السياسي المعاصر – بل سيادةً حصريةً للشعب اليهودي بأكمله في كل مكان حول العالم – أي بمفهوم عرقي – ديني عابر للحدود. ومن هذا المنطلق، فإن رموز الدولة – العلم وشعار الدولة – هي أيضًا ذات طبيعة إثنية – دينية. لقد سعت الصهيونية، خلال ما سُمّي "المرحلة العلمانية" من قومية الاستعمار الاستيطاني، مثلها مثل

أي حركة قومية، إلى الاستشهاد بالتاريخ واختراع التقاليد وإعادة إحياء لغة واستخدام الآثار خدمة لتقوية ادعاءاتها في فلسطين وتعزيزها. ومن هنا، بادرت من خلال مشروع كبير، إلى استخدام أسماء توراتية لإعادة تسمية المواقع والمشهد الفلسطيني خدمة لأهداف الاستعمار الاستيطاني المتمثلة في المحو والاستبدال. وتركزت جهود قومية على توظيف اكتشافات أثرية مُشبعة بالمضامين الدينية

التوراتية لشرعنة السيادة اليهودية الحصرية. أظهر العديد من الباحثين كيف تم التعامل مع كتاب التوراة كأنه نصّ تاريخي من الصهيونية

السياسية العلمانية. على سبيل المثال، يقول مصالحة إنه جرى إعادة اختراع التوراة "كنص قومي وعرقي مقدس ذي أهمية تأسيسية كأسطورة معاصرة للصهيونية العلمانية". ويطرح آخرون أن: "تدريس التوراة ككتاب تاريخ للأطفال الإسرائيليين يخلق مفهوم الاستمرارية. بدءًا من إبراهيم

(64)  Oren Yiftachel, "'Ethnocracy': The Politics of Judaizing Israel/Palestine," Constellations , vol. 6, no. 3 (1999), pp. 363–390.

((6(ينص القانون على أن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل هو حق يخص الشعب اليهودي فقط". للحصول على ترجمة إنكليزية للقانون، ينظر:

Raoul Wootliff, "Final Text of Jewish Nation–state Law, Approved by the Knesset Early on July 19," The Times of Israel , 18/7/2018, accessed on 18/10/2021, at: https://bit.ly/3BZlO5y (66)  Steven Fine, The Menorah: From the Bible to Modern Israel (Cambridge: Harvard University Press, 2016). (67)  Maoz Azaryahu & Arnon Golan, "(Re)naming the Landscape: The Formation of the Hebrew Map of Israel 1949– 1960," Journal of Historical Geography , vol. 27, no. 2 (April 2001), pp. 178–195; Meron Benvenisti, Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land Since 1948 (Berkely: University of California Press, 2002). (68)  Masalha, The Bible and Zionism ; Abu El–Haj; Herzog. (69)  Masalha, The Bible and Zionism , p. 25.

('الصهيوني الأول' الذي هاجر إلى فلسطين)، مرورًا بيوشع الذي فتح فلسطين وسحق الكنعانيين، إلى فتح القدس على يد الملك داود الذي يجري تشبيهه بما حدث في عام "1967. إن استمرار الصهيونيين العلمانيين في الاستشهاد بالتوراة والعودة إليها على أنها تاريخ، كان مصممًا

لتحقيق هدفين: اختراع قومية يهودية معاصرة داخليًا للجمهور اليهودي، وتقديم الحجج تأييدًا للسيطرة

على فلسطين. لكن ما حصل خلال هذه العملية أن القومية اليهودية أصبحت متشابكة ومتداخلة على نحو عميق مع الادّعاءات الدينية وبطريقة يتعذّر تفكيكها. لذلك، وعندما ندرس كيفية تضمين الدين في إطار الصهيونية، لا تكفي الإشارة إلى القوة المتعاظمة للأحزاب الدينية أو سطوتها في ما يتعلق بانتزاع تنازلات من الأحزاب العلمانية، وكأن الأحزاب العلمانية خالية من القيم والادّعاءات الدينية الجوهرية. في هذا الصدد، يشير باحثون إلى الاتفاقية الشهيرة التي أبرمها بن غوريون في عام 1947، قبل إنشاء

دولة إسرائيل، مع مجموعة دينية متشددة على أنها دليل آخر على أن الصهيونية العلمانية قد أجبرت على تقديم تنازلات للقوى الدينية. بناء على هذه الوثيقة التي أصبحت تعرف ب "وثيقة الأمر الواقع" Quo Status، تم إقرار القوانين والتوصل إلى ترتيبات إدارية، جوهرها الإقرار بأن الزواج والطلاق والتحول إلى الدين اليهودي والدفن هي صلاحيات حكرية للربانية (الحاخامية) اليهودية الرئيسة؛ أي إن الدولة والدين غير منفصلين. وفق هذا الرأي، نتج هذا "الأمر الراهن" من مقايضة بين القوى "العلمانية" و"الدينية"، عكست ميزان القوة السياسية في حينه. إلا أن الصهيونية العلمانية، التي توصّلت إلى هذا الترتيب، كانت نفسها مُشبعة بالقيم والادّعاءات الدينية، التي كانت ضرورية من أجل تكريس شرعية المشروع الاستعماري الاستيطاني. لقد تفشّت هذه الادّعاءات الدينية وانتشرت في جوهر عملية بناء دولة الاستعمار الاستيطاني وأسسها، وتستمر، خاصة تلك التي تُشرعن المشروع الاستعماري الاستيطاني، في التمدد والانتشار بين أوساط القطاعات العلمانية في المجتمع. ولهذا الواقع آثار وتبعات واسعة ومتواصلة حول سبب وكيفية صعود المركب الديني بهذه القوة في المجتمع والسياسة في إسرائيل، ولا يتعلق بالقوة التي تتمتع بها الأحزاب الدينية أو الأحزاب الدينية القومية فحسب، كما سأتطرق إلى ذلك تاليًا.

رابعًا: الصعود الثابت للجانب الديني في الصهيونية والتعتيم على حقيقة الاستعمار الاستيطاني

لقد تمحور تركيزي في المحور السابق على تغلغل الادّعاءات الدينية في الصهيونية العلمانية، لأن هذا الاندماج يعتبر أساسيًا لفهم الصعود التدريجي والثابت للقومية الدينية في إسرائيل منذ السبعينيات،

(70)  Benjamin Beit–Hallahmi, Original Sins: Reflections on the History of Zionism and Israel (London: Pluto Press, 1992), p. 119. (71)  Daphne Barak–Erez, "Law and Religion Under the Status Quo Model: Between Past Compromises and Constant Change," Cardozo Law Review , vol. 30, no. 6 (2009), p. 2495.

والتوسع الشرس لمشروع الاستعمار الاستيطاني في كل فلسطين التاريخية. وقد ترافق هذا التوسع مع تصاعد ملحوظ في خطاب الشرعنة الدينية وتغلغله في المجال العام. نادرًا ما يُربط الحضور المتزايد للدين في المشهد السياسي الإسرائيلي بخصائص الاستعمار الاستيطاني للمشروع الصهيوني، بل غالبًا ما يُبرر الجانب المقدس للسياسة في إسرائيل، أي

اعتمادها صراحةً على النصوص الدينية، بزيادة التدين في أوساط المجتمع الإسرائيلي، وكيفية التفاعل بين الديني والقومي، إضافة إلى الدور المتزايد للمجموعات الدينية في السياسة والإعلام والجيش... إلخ. ولا تجد هذه النقاشات، ومن بينها تلك التي يخوضها باحثون إسرائيليون بارزون، متسعًا للحديث عن الاستعمار الاستيطاني. لكن لا مفاجآت هنا، لأن عالم الأكاديميا الإسرائيلي قد تجنّب بأغلبيته نقاش الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي من هذا المنظور. ومع أن العديد من الأبحاث والدراسات في القومية والدين، من قبيل ما أشرتُ إليه سابقًا، يقدّم تحليلات قيّمة ومفيدة، فإنها تغفل

أو تنكر سياق الاستعمار الاستيطاني، وأثره في التوظيف المتزايد للادّعاءات الدينية في السياسة التي أصبحت ذات طابع ديني مقدس أكثر فأكثر. ثمة إجماع بين الباحثين الذين درسوا إسرائيل على أن الصهيونية "العلمانية" قد تم إضعافها تدريجيًا،

وأنها تواصل إفساح المجال والتراجع أمام التوجهات الصهيونية الدينية. لقد تمت دراسة هذا الانتقال التدريجي والثابت للخطاب الديني المتعلق بالسياسة والقومية، من الهامش إلى المركز، بوضوح. وقد عالجت الأدبيات الأسباب الكامنة وراء صعود القومية الدينية للسلطة في إسرائيل بعد عام 1967، والتصاعد في نفوذ الأحزاب الدينية اليهودية في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، واختراق ودخول القيم والخطاب الديني اليهودي إلى المجال العام والجيش.

((7(على سبيل المثال:

Yagil Levy, "The Relations between the Nationalization of Israel’s Politics and the Religionization of Its Military, 1948– 2016," in: Rouhana & Shalhoub–Kevorkian, pp. 113–133; Peled & Peled; Ram; Yehouda Shenhav, "Modernity and the Hybridization of Nationalism and Religion: Zionism and the Jews of the Middle East as a Heuristic Case," Theory and Society , vol. 36, no. 1 (February 2007), pp. 1–30. (73)  Walter T. Davis & Pauline Coffman, "From 1967 to the Present: The Triumph of Revisionist Zionism," in: Donald E. Wagner & Walter T. Davis (eds.), Zionism and the Quest for Justice in the Holy Land (Cambridge: Lutterworth Press, 2014), pp. 28–62. (74)  Paul Scham, "'A National that Dwells Alone': Israeli Religious Nationalism in the 21 st Century," Israel Studies , vol. 23, no. 3 (2018), pp. 207–213. (75)  Davis & Coffman, pp. 30–33; Daniel Bar–Tal & Gavriel Salomon, "Israeli–Jewish Narratives of the Israeli– Palestinian Conflict: Evolution, Contents, Functions, and Consequences," in: Robert I. Rotberg (ed.), Israeli and Palestinian Narratives of Conflict: History’s Double Helix (Bloomington: Indiana University Press, 2006), pp. 26–27; Mark Tessler, A History of the Israeli–Palestinian Conflict , Indian Series in Arab and Islamic Studies, 2 nd ed. (Bloomington: Indiana University Press, 2009), pp. 411–412. (76)  Tessler, pp. 411–412. (77)  Shlomo Hasson, State and Religion in Israel Possible Scenarios (College Park: The Joseph and Alma Gildenhorn Institute for Israel Studies, 2015).

(78)  Levy.

تركز كل تلك الدراسات، في ما يبدو، على الاتصال المباشر بين الجمهور اليهودي والمواقع الدينية اليهودية في الضفة الغربية بعد احتلالها في عام 1967، وكأن ذلك تسبَّب على نحو ما في هذا التحول

الجوهري، على أساس أن هناك عددًا أكبر من المواقع الدينية اليهودية في الجزء الفلسطيني الذي احتلته إسرائيل في عام 1967 (مثل القدس الشرقية، والخليل، ونابلس، ومنطقة بيت لحم) مقارنة بتلك الموجودة داخل إسرائيل ضمن حدود عام.1948 لعله من الصحيح أن التحول بدأ بعد سنوات قليلة من احتلال الضفة الغربية، وتزامن مع ذلك الالتقاء مع مواقع يهودية دينية. إلّ أن الحقيقة هي أن البدء في مشروع الاستيطان في الضفة الغربية، بعد احتلالها مباشرة، قد قاده حزب العمل – زعيم الصهيونية "العلمانية" في حينه. وقد ضمّت إسرائيل القدس الشرقية وعدة بلدات وقرى فلسطينية مجاورة خلال أيام من احتلالها، وذلك "في مخالفة للقانون الدولي"، على يد القيادة الصهيونية "العلمانية". ويظهر ذلك بوضوح أن صعود الخطاب الديني (أو الديني القومي)، أو قوة تلك التيارات وخطابها الديني، لم تكن هي التي وجّهت مشروع الاستيطان في بداياته، أو كانت رأس الحربة فيه. كما أن مشروع الاستيطان اكتسب زخمًا كبيرًا في ظل قيادة

علمانية أخرى – أي قيادة حزب الليكود – منذ تولّيها الحكم في عام 1977. وتواصل دعم المستوطنات في عهد القيادة الصهيونية لحزب العمل إبان ولاية كل من رئيسي الوزراء، إسحاق رابين (1977–1974) وإيهود باراك (001–19992)، لاحقًا، حينما تمكّن حزب العمل من رئاسة الحكومة في فترات محددة. تعتبر الصهيونية العلمانية – سواء تمثّلت في حزب العمل أو الليكود أو غيرهما – الضفة الغربية جزءًا

لا يتجزأ من أرض إسرائيل (إيريتز يسرائيل) التي وعد الله بها كلها الشعب اليهودي؛ لكن هذا الوعد، بما يشمل الضفة الغربية، لم يتطور ليصبح "حقًا" يُطالب به جهارًا، دينيًا أو حتى قوميًا قبل احتلالها في

عام 1967، حيث ظلت الضفة الغربية في خلفية المشهد. وباستثناء ضم القدس الشرقية، فقد ارتكزت عملية التبرير داخليًا والشرعنة خارجيًا لبناء المستوطنات على نحو أكبر على خطاب الأمن القومي،

أكثر منه على ادّعاءات ومطالبات إثنية – دينية. يشير رام، مثل كثيرين غيره، إلى عام 1977 في إسرائيل كونه العام الذي تبلور فيه هذا الدمج والالتحام بين الديني والقومي لدى الصهيونية بشكل سياسي واضح وصريح. ويقترح في إطار دراسته

((7(تم تأسيس المستوطنة الأولى في عام 1968. وبحلول عام 1977، حينما خسر حزب العمل السلطة لمصلحة حزب الليكود، كانت إسرائيل قد أنشأت أكثر من 90 مستوطنة في الضفة الغربية.

Tessler, p. 466; Ann Mosely Lesch, "Israeli Settlements in the Occupied Territories, 1966–1977," Journal of Palestine Studies , vol. 7, no. 1 (1977), p. 27.

ينظر أيضًا:

Ibrahim Matar, "Israeli Settlements in the West Bank and Gaza Strip,"  Journal of Palestine Studies , vol. 11, no. 1 (1981), pp. 93–110.

ينظر ((8:(

Noura Erekat, Justice for Some: Law and the Question of Palestine (Stanford: Stanford University Press, 2019). (81) Ram.

"عودة الدين وانتعاشه في إسرائيل"، نموذجًا من أربعة مقاييس للشرعية السياسية، قائمًا على تقاطع

محورين: القومية (قوي/ ضعيف) والدين، أو ما يُسمّيه مظاهر التدين (قوي/ ضعيف). ولعله من المثير

للاهتمام أنه على الرغم من طرحه أن القومية والدين في إسرائيل مندمجان، فإنه يكتفي بتصنيف كتلة المؤمنين الإسرائيليين اليهود (غوش إيمونيم) في فئة القومية الشديدة والتدين الشديد، ويشير إليها بالقومية الدينية التي تشبه، بحسب رأيه، حركة حماس والكاثوليكية الإيرلندية. لا أختلف مع الادّعاء ببروز قوة سياسية رئيسة تمثل القومية الدينية في إسرائيل وتناسب تصنيف رام. لكني أجادل بأن التدين، بمفهوم الادّعاءات الدينية، كان جزءًا لا يتجزأ من الصهيونية إجمالً، وليس

جزءًا من أحزاب القومية الدينية فحسب، وذلك تحديدًا لأن الدين والقومية في الصهيونية مندمجان.

لذلك، وفي حين يشير رام بحق إلى أن هذا المزيج من القومية والتديّن في إطار الصهيونية قد تغير عبر

التاريخ، لكنه، مثل كثيرين غيره، يُقلّل من أهمية أسس الاندماج بين الدين والقومية عبر كل المراحل

المتعددة من تاريخ إسرائيل، بما فيها تلك المرحلة التي يطلق عليها اسم "القومية العلمانية"، التي في رأيه وصلت إلى ذروتها في ستينيات القرن الماضي. إن الحلقتين المفقودتين في مثل هذا الطرح هما: أولً، هذا التردد والنفور، وغالبًا الابتعاد وتجنّب النظر

إلى الصهيونية وتحليلها بصفتها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، مدفوعًا أولً بالحاجة المستمرة إلى تبرير

دولة يهودية إثنية حصرية في فلسطين، وحاجة متنامية إلى شرعنة مشروع الاستيطان الذي لا يتوقف؛ ثانيًا، دور المقاومة والقوة الفلسطينية في دفع المجتمع الإسرائيلي إلى عمليات التحول العميقة في هذا

الاتجاه. وسأتناول كلً منهما في ما يلي بشكل منفصل.

1. الشرعنة الدينية ومحاولة حجب حقيقة الاستعمار الاستيطاني

إن الدعم الديني – القومي لمشروع الاستيطان أمرٌ واضح، وتضرب جذوره بقوة في الخطاب

الصهيوني الديني الصريح. لكن إلقاء اللوم، على نحو مباشر أو غير مباشر، على القومية الدينية أو على الأحزاب الدينية، هو في رأيي خطأ مقصود ويخدم هدف إبعاد المسؤولية عن كاهل الصهيونية إجمالً، بوصفها مشروعًا للاستعمار الاستيطاني. إن هذا التلاقي بين الديني والاستعمار الاستيطاني، والاعتماد المتبادل بينهما، يجعلهما يصعدان إلى الواجهة بالتزامن. الصهيونية "العلمانية" هي التي بدأت المشروع الاستيطاني وقادته، بما في ذلك في الأراضي المحتلة في عام 1967، وهي التي تدفعه نحو

((8(وهي حركة يهودية دينية أصولية، برزت بعد حرب عام 1967، وشك لت رأس الحربة في بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ينظر:

Ian Lustick, For the Land and the Lord: Jewish Fundamentalism in Israel (New York: Council on Foreign Relations,

((8(للحصول على قراءة مختلفة حول حماس والكاثوليكية الإيرلندية، ينظر:

David Lloyd, "Protestanism and Settler Identity: The Ambiguous Case of Northern Ireland," in: Rouhana & Shalhoub– Kevorkian, pp. 309–336; Khaled Hroub, "Palestinian Nationalism, Religious (Un)claims, and the Struggle against Zionism," in: Rouhana & Shalhoub–Kevorkian, pp. 365–386. (84)  Lustick, For the Land and the Lord.

التوسع. وتعتمد الصهيونية العلمانية، على نحو متزايد، على الشرعية المستمدة من الادّعاءات الدينية لخدمة مشروعها للاستعمار الاستيطاني (لأنها لا تملك مصدرًا آخر لادّعاء الشرعية). لتوضيح هذه النقطة، دعونا نتخيّل لو أن اقتراح ثيودور هرتزل (1904–1860) لإنشاء وطن قومي يهودي

في أوغندا (أو حتى في الأرجنتين أو أستراليا، كما تمت مناقشته خلال المؤتمر الصهيوني السادس الذي عقد في مدينة بازل في 62 آب/ أغسطس 1903)، قد تم قبوله، فما المبرر الذي كانت الحركة الصهيونية ستستخدمه لمثل هذا المشروع؟ ولئن ظهرت الصهيونية متأخرة من حيث مشاريع الاستعمار الاستيطاني، فإن الحركة ربما كانت ستلجأ إلى استخدام الخطاب السائد لمهمة التمدين والحضرنة للاستعمار الاستيطاني أو رسائل ضمنية (أو صريحة)، بأنها تخدم الدول الإمبريالية (كما كان الحال فعلً بالنسبة إلى فلسطين). في المقابل، كان في مقدور الحركة الصهيونية التذرّع بأن الاضطهاد المديد لليهود في أوروبا بين عامي 1880 و 1945، الذي بلغ ذروته في المحرقة، أوجد استحقاقًا لليهود بأن يكون لهم دولة خاصة بهم، لتكون بمنزلة ملجأ يتمتعون فيه بالسيادة. إلّ أنه في هذه الحجة (أو الحجج) لا مكان للأسس التوراتية التي تستند إليها شرعية المطالب والادّعاءات الصهيونية في فلسطين. يمكن أن يفترض المرء، محقًا، وبناء على تجربة مشاريع استعمار استيطاني أخرى في أفريقيا، أن الأوغنديين كانوا سيحاربون هذا المشروع، وأن مقاومتهم كانت ستتصاعد ضد منح امتيازات للمستوطنين (اليهود في هذه الحالة) على حساب السكان الأصلانيين، وضد عمليات الاستيلاء والمستوطنات اليهودية الحصرية والسيادة الحصرية التي هي كلها عناصر متأصلة في الاستعمار الاستيطاني. لا يوجد سبب لتخيّل أن مقاومتهم كانت ستكون أقل شراسة من مقاومة الفلسطينيين.

(85)  Gardner Thompson, Legacy of Empire: Britain, Zionism, and the Creation of Israel (London: Saqi Books, 2019).

((8(على سبيل المثال:

Chaim Gans, A Just Zionism: On the Morality of the Jewish State (Oxford: Oxford University Press, 2008).

((8(زار وفد إسرائيلي برئاسة رئيس الوزراء بينامين نتنياهو أوغندا لمناسبة الذكرى الأربعين لعملية عنتيبي (التي اقتحمت فيها مجموعة من الكوماندوز الإسرائيليين طائرة اختطفتها مجموعة فلسطينية واحتجزتها في عنتيبي، وعملت على إنقاذ المسافرين.) وفي معرض حديثه أمام الوفد الإسرائيلي في 4 تموز/ يوليو 0162، ألقى الرئيس الأوغندي يوويري كاجوتا ما اعتبرته وسائل الإعلام خطابًا غريبًا، استخدم فيه كلمة فلسطين ل شإإارة إلى إسرائيل مرات عدة. وقال إن وزير خارجية الإمبراطورية البريطانية بلفور

(1919–1916) اقترح أن تكون أوغندا وطنًا للشعب اليهودي. شكر الرئيس اليهود على عدم قبول الفكرة، وقال للوفد الإسرائيلي

الذي حضر المراسم: "لحسن الحظ لم يقبل اليهود فكرة بلفور، وكان ذلك أمرًا جيدًا، وإلّ كنا مستمرين في محاربتكم الآن". ينظر:

Deborah Danan, "Watch: Ugandan President’s Gaffe–Filled Speech to Israeli Prime Minister Netanyahu," Breitbart , 5/7/2016, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3n8huuR; Yoweri Museveni, "President Museveni Speech at Entebbe during Netanyahu’s Visit Commemorating Entebbe Raid," YouTube, 4/7/2016, accessed on 18/10/2021, at: https://bit.ly/2XohdLp

لقد كان ذلك حقًا تصريحًا بسيطًا بدلالات كبيرة، قام به الرئيس الأوغندي أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي والوفد المرافق له، وأظهر

بصفة قطعية أن من الطبيعي والمتوقع أن يقوم السكان الأصلانيون بمقاومة الاستيطان الصهيوني على أرضهم. كان هرتزل، الرئيس الأول للمنظمة الصهيونية العالمية، هو من قدّم هذا المقترح في عام 1903. وقد تم إسقاط المقترح بالتصويت من المنظمة نفسها

في عام 1905 بعيد وفاة هرتزل. ينظر:

Jacques Kornberg, "Theodore Herzl: A Reevaluation," The Journal of Modern History , vol. 52, no. 2 (1980), pp. 226–252.

صدر وعد بلفور في عام 1917 على شكل رسالة موجّهة إلى اللورد روتشيلد بشأن فلسطين وليس أوغندا.

ما الذي كان في إمكان الدولة الاستيطانية أن تستخدمه لشرعنة ادّعائها الحصري في الأرض، والسيادة، والتفوق اليهودي على السكان الأوغنديين الأصلانيين في أعين مستوطنيها اليهود والمجتمع الدولي؟ لن يكون في مقدورها التذرّع بالدين، ووعد الله، أو التوراة لتبرير هذه الممارسات. على الأغلب كان سيتم كشفها باعتبارها دولة عنصرية مثلها مثل جنوب أفريقيا في ظل حكم الأبارتهايد، لأن الحاجة إلى ملجأ آمن وحدها لم تكن لتبرر مطالب التفوق اليهودي على السكان الأصلانيين. كما لن يكون في مقدور الصهيونيين الادّعاء أنهم سكان أصلانيون، أو نزع هذه المكانة عن السكان الأوغنديين الأصلانيين كما فعلوا في فلسطين، استنادًا إلى التبريرات الدينية. ولو اتّبعنا مثال جنوب أفريقيا، فإننا سنتوقع أن يسعى المستوطنون لأن يضفوا الطابع المحلاني على أنفسهم. لكن هذه العملية الطويلة الأمد تأتي بتكلفة، فهي تسمى بتفكيك الاستعمار. في السيناريو الأوغندي المتخيّل، كانت الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للدولة المفترضة ستتجلّى

بوضوح، وكانت مقاومتها ستوضح هذه الطبيعة بشكل أكبر. إلّ أنه في فلسطين، يحجب الإيمان بالادّعاءات الدينية على المستوى الداخلي، والتعاطف والتفهم لها على المستوى الدولي، مشروع الاستعمار الاستيطاني وممارساته. وكلما ازداد تحدي شرعية مطالب إسرائيل في الأرض، وفي التفوق اليهودي، سواء في داخل حدود عام 1948 أم في الضفة الغربية، زادت الحاجة إلى الوعد التوراتي والتاريخ الديني لكسب الشرعية. إن اللجوء إلى الادّعاءات الدينية أساسي لا للشرعية الداخلية بالنسبة إلى المستعمرين فحسب، لكن أيضًا في مخاطبتهم ضحاياهم والمجتمع الدولي. وهي تساعدنا كذلك في التوقع أن من شأن هذه الادعاءات، على الأرجح، أن تتزايد كلما تم كشف النقاب عن الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية لمشروع الصهيونية؛ على نحو أساسي من خلال المقاومة الفلسطينية ومؤيديها في العالم. يمكن للتمرين الذهني بشأن إقامة الدولة اليهودية في أوغندا أن يمنحنا دراية نظرية وسياسية جوهرية لا يمكن التطرّق إليها كليًا هنا، لكن من المهم الإشارة إلى ما يكشفه هذا التمرين الذهني بشأن

الشعب الخاضع للاستعمار، حيث إنه بالنسبة إلى تنفيذ المشروع في أوغندا أو في فلسطين، فإن قضية دافع المستعمر للقيام بذلك، ليست ذات أهمية بالنسبة إلى الشعب الأصلاني، لأن صيرورة إنشاء وطن قومي يهودي حصري (أو وطن للبيض) – ستتبنّى حتمًا سياسات واستراتيجيات استعمار استيطاني – بحسب ما يُمليه المنطق الذي يحكم ديناميات المشروع. بالنسبة إلى السكان الأصلانيين، لا يمكن للحجج التاريخية حول امتلاك صلة ثقافية بالأرض (الأمر الذي لا يمكن إنكاره في حالة

(88)  Mahmood Mamdani, "Beyond Settler and Native as Political Identities: Overcoming the Political Legacy of Colonialism," Comparative Studies in Society and History , vol. 43, no. 4 (2001), pp. 651–664; Rouhana, "Decolonization as Reconciliation,"; Zreik.

((8(يجدر التفكير في ما إذا كان استخدام عصا اللاسامية ضد من ينتقد الدولة الاستعمارية سيكون بهذه السهولة لو أن الدولة

أُسّست في أوغندا، أو أن هذا التأطير للصهيونية بوصفها حركة استعمار استيطاني سيكون أكثر قبولً في هذه الحالة.

اليهود وفلسطين) أو للادّعاء بالحق، بناء على سردية توراتية، أن تحجب طبيعة المشروع أو تُثنيهم عن مقاومته بقوة وإصرار. تكتسب التبريرات التي يسوقها المستعمر ويستخدمها لشرعنة مشروعه أمام جمهوره وأمام العالم أهميةً أكبر بالنسبة إلى المجتمع الاستيطاني، وتكتسب قضية إضفاء الشرعية أهمية خاصة عند الرد على مقاومة السكان الأصلانيين، وهو الموضوع الذي سأتناوله تاليًا.

2. المقاومة الفلسطينية والشرعنة الدينية

العامل الرئيس الآخر في صعود البعد الديني للصهيونية، كما أجادل، هو المقاومة الفلسطينية. أتوسع هنا في نقاش مفهوم أساسي في دراسات الاستعمار الاستيطاني، الذي يقول، بحق، إن مشاريع الاستعمار الاستيطاني القائمة على محو السكان المحلانيين (في هذه الحالة المحو الديموغرافي ومحاولات المحو القومي) تشكل بنية Structure أكثر منها حدثًا منفردًا، بحسب مصطلحات وولف. يعني ذلك أن الاستعمار الاستيطاني "يقيم مجتمعًا استعماريًا جديدًا على الأرض التي تم الاستيلاء عليها من أصحابها"، ولأن "المحتلّين المستعمرين يأتون للبقاء على الأرض: فإن هذا الغزو هو بنية وليس حدثًا منفردًا". وكما يبدو جليًّا من خلال السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، فإن "محو الشعب

الأصلاني هو مبدأ أساسي لتنظيم مجتمع الاستعمار الاستيطاني، وليس حدثًا يتم مرة واحدة (أو ينتهي أمده"). يعطي وولف العديد من الأمثلة على الاستراتيجيات المستمدة من هذا المبدأ التنظيمي. لكن ما يفتقر إليه هذا التحليل هو قوة الفعل أو الفاعلية Agency لدى السكان الأصلانيين، وكيف أن استراتيجيات المستوطنين تتجلّى من خلال صيرورة Process في مقدورها أن تغير تلك الاستراتيجيات من خلال تفاعل المستوطنين مع مقاومة المستَعمرين (وعوامل أخرى مثل القوى العالمية والإقليمية وتأكيدات حقوق الإنسان الدولية).

((9(تم التطرق إلى قضية (الاحتال) الاستعماري والصهيونية خال محادثة مثيرة حدثت في عام 1993 بين اثنين من أشهر المفكرين المعروفين، أحدهما إسرائيلي والآخر فلسطيني. تناول عزمي بشارة الصهيونية ضمن إطار الاستعمار الاستيطاني. في المقابل جادل يهوشع ليبوفيتس بأن الصهيونية ليست حركة استعمار استيطاني، لأنه "في ما يتعلق بالأرض التي نطلق عليها 'إيريتز يسرائيل' ويطلقون عليها فلسطين، هناك شعبان: كل منهما يمتلك الوعي العميق بأن هذه الأرض هي وطنه". ومن ثم أضاف، لا توجد علاقة استعمارية، لأن الصهيونية "لا يوجد ضمن أهدافها، هدف السيطرة على شعب آخر" (على الرغم من قوله إنه بعد عام 1967، فإن الهيمنة والسيطرة أصبحا جزءًا من الصراع). أجابه بشارة إن موضوع الدافع ليس له أهمية بالنسبة إلى السكان الأصلانيين،

إن كانت عملية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ستعتمد، بحسب منطق المشروع، سبل الاحتلال الاستعماري.

Yehoshua Leibowitz, "Leibowitz in Conversation with Azmi Bishara," YouTube , 2/6/1993, accessed on 2/6/2020, at: https://bit.ly/317ZHwr (91)  Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." (92)  Ibid., p. 388.

((9(تتضمن هذه الأمثلة "تمازج واختاط الأجناس الذي يشجعه المستوى الرسمي، وتفتيت ملكيات السكان الأصلانيين إلى ملكيات فردية قابلة للتصرف فيها، والمواطنة الأصلانية، واختطاف الأطفال، والتحول إلى ديانة أخرى، وإعادة الاختلاط الاجتماعي

في مؤسسات كاملة، مثل الإرساليات أو المدارس الداخلية، وطيفًا واسعًا من عمليات الاستيعاب الثقافي الحيوي المشابه". معظم

هذه الأمثلة ليس له صلة بحالتنا – أي بالصهيونية، ينظر:. Ibid.

يمكن لهذه الاستراتيجيات أن تتطور في اتجاهات مختلفة، وأن تُفضي إلى سياسات مختلفة، ضمن الخطوط العامة المحدّدة لهذه البنية. وفي حين تشير البنية إلى "المبادئ الناظمة"، أجادل بأن الصيرورة – أي التفاعل مع فاعلية المستعمَرين وأشكال مقاومتهم المتعددة (التي يتم تعديلها وتكييفها كذلك خلال

هذه الصيرورة) – تؤثر في الديناميات الداخلية لمجتمع الاستعمار الاستيطاني: علاقات القوة بين تياراته المتعددة، والتنوعات الأيديولوجية الداخلية، وبروز، أو تراجع، أو اختفاء توجّهات أيديولوجية، واللجوء

إلى أنماط جديدة من الشرعنة، وبروز قوى مناهضة للاستعمار داخل ذلك المجتمع نفسه – في حالتنا قوى معادية للصهيونية. ومن ثم، وبوصف الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بنية، هناك إجماع في الوقت الحالي لدى تيارات الصهيونية كافة، الدينية منها والعلمانية، على دولة يهودية حصرية بامتيازات يهودية، وعلى قضايا جوهرية أخرى (مثل إنكار حق العودة للاجئين الفلسطينيين)، لكن لا يوجد إجماع حول قضايا مرتبطة بعلاقات الدولة والدين في القضايا الشخصية مثلً، أو بالعلاقات بالفلسطينيين، أو مدى الرغبة في حل الدولتين، أو حتى وجهة النظر داخل التيارات الصهيونية في ما إذا كان مشروع الاستيطان في الضفة الغربية يمثل مشروع احتلال، أو استعمارًا استيطانيًا، أو مشروعًا "قوميًا" للعودة إلى الوطن –

تمامًا كما في الجزء من فلسطين الذي تمت السيطرة عليه قبل عام 1967. عند تطبيق هذا التمييز بين بنية وصيرورةفي إطار ديناميات الاستعمار الاستيطاني، فإننا نرى أن المشروع الصهيوني، بوصفه بنية للمحو والاستبدال المستمر، لم يحتَج، في السياق التاريخي والعالمي لإنشاء إسرائيل (خلال ما أطلق عليه المرحلة "العلمانية")، إلى اللجوء على نحو مكثف إلى الشرعنة الدينية، كما احتاجها المشروع منذ منتصف السبعينيات. لقد هُزمت الحركة الوطنية الفلسطينية في عام 1948، ووُلدَت من جديد في منتصف الستينيات

فحسب. في المقابل، كانت إسرائيل قد حظيت باعتراف وتأييد واسعين من جميع القوى العظمى، بما فيها الاتحاد السوفياتي (الدولة الأولى التي اعترفت بها). وتمتعت إسرائيل بالتعاطف الأوروبي في مرحلة ما بعد الهولوكوست والشعور بالذنب، مع بعض الشعور (المستحق) بالعار، واعتمدت في الدفاع عن شرعيتها على خطة الأمم المتحدة للتقسيم لعام 1947 (على الرغم من أن إسرائيل تجاوزت إلى حد بعيد الحدود التي تم تخصيصها للدولة اليهودية بموجب هذه الخطة). أما المستعمَرون فكانوا مبعثرين ديموغرافيًا خارج وطنهم، بينما بقيت مجموعة ضعيفة منهم، يقارب عددها

160 ألف فلسطيني، كمواطنين إسرائيليين، لكنهم أخضعوا للحكم العسكري حتى عامُ 1966، مُغيّبين

عن العيون اليهودية داخليًا، والعالم خارجيًا، ومُخضَعين لأجهزة الاستعمار الاستيطاني. كان الأمن هو

مبرر الهيمنة واستمرار الاستعمار الداخلي في حينه؛ ولم يكن في تلك الفترة – ما قبل نهوض المقاومة الفلسطينية في منتصف الستينيات – حاجة إلى الادّعاءات الدينية الناشطة من أجل السيطرة على فلسطين

((9(لا يظهر هذا الفرق أو الاختلاف بين الفصائل الصهيونية المختلفة حيال إسرائيل نفسها التي يتم النظر إليها، وبإجماع، باعتبارها عودة إلى أرض الوطن.

(95)  Yair Bäuml, "Israel’s Military Rule over Its Palestinian Citizens (1948–1968): Shaping the Israeli Segregation System," in: Rouhana (ed.), pp. 103–136; Rouhana & Sabbagh–Khoury, "Settler–Colonial Citizenship." (96)  Rouhana, Palestinian Citizens in an Ethnic Jewish State.

في حدود ما قبل عام 1967. ومن ثم، كان في مقدور القوى العلمانية أن تنأى بنفسها عن الخطاب الديني غير الضروري، الذي استخدمته القيادة "العلمانية" من أجل إضفاء الشرعية في الفترات اللاحقة. خلق الإدماج التدريجي للأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، ضمن إطار مشروع الاستعمار الاستيطاني والسياسات المتواصلة تجاه المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل – وهو الذي أصبح أكثر قوة وصلابة عبر السنين – صيرورات مختلفة ضمن البنية نفسها التي تشكلت بسبب المقاومة الفلسطينية. ففي حين تم تهميش موضوع شرعية إسرائيل بصفتها دولة، تحديدًا مع اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل ضمن إطار اتفاقات أوسلو الموقعة في عام 1993، برزت قضيتان رئيستان في ما يتعلق بموضوع الشرعية: الأولى تمثّلت في كيفية إضفاء الشرعية على مشروع إدماج الضفة الغربية أو أجزاء منها (بما في ذلك القدس الشرقية) جغرافيًا وديموغرافيًا وسياسيًا ونفسيًا بوصفها جزءًا لا يتجزأ من

أرض إسرائيل. أما الثانية، فتمثلت في مطالبة إسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف بها دولةً يهودية. يفتقد المشروع الاستيطاني بمستوطناته ال 131 في الضفة الغربية، و 110 مواقع أو بؤرة استيطانية، وما يقدر ب 623000 مستوطن (حتى نهاية عام 2017)، إلى الشرعية الدولية والإجماع الإسرائيلي

(97)  Ian Lustick, Unsettled States/Disputed Lands: Britain and Ireland, France and Algeria, Israel and the West Bank– Gaza (Ithaca: Cornell University Press, 1993).

(9((بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون؛

Honaida Ghanem (ed.), On Recognition of the " Jewish State" (Ramallah: The Palestinian Forum for Israeli Studies – Madar, 2014); Rouhana, "Decolonization as Reconciliation."

((9(لا يشمل هذا العدد القدس الشرقية المحتلة أو البؤر الاستيطانية في الخليل. ينظر ((10:(

"Statistics on Settlements and Settler Population," B’Tselem, 1/1/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/30qLn1x

((10(من المهم الماحظة أن الدولة الوحيدة التي عبّرت عن آراء تدعم الاعتراف بضم أجزاء من الضفة الغربية قد استدعت

الاعتبارات الدينية، على الأقل كما عبّر عنها سفيرها في إسرائيل، حيث أعلن ديفيد م. فريدمان David M. Friedman، السفير

الأميركي في إسرائيل، عن أنه "بموجب ظروف معيّنة، يحق لإسرائيل الاحتفاظ ببعض، وليس كل الضفة الغربية على الأرجح".

وأضاف أنه يحق لإسرائيل قطعًا "الاحتفاظ بجزء منها".

David M. Halbfinger, "US Ambassador Says Israel Has Right to Annex Parts of West Bank," The New York Times , 8/6/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://nyti.ms/3peIg79;

يُذكر هالبفنجر القارئ بأن "أغلبية العالم تعتبر المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية وستنظر إلى عملية الضم على أنها تضاعف من

الجريمة". وتضفي حقيقة كون السيد فريدمان "داعمًا أميركيًا رئيسًا لمشروع الاستيطان الإسرائيلي حتى قبل تعيينه" بعدًا مثيرًا للاهتمام

لتصريحاته. وكما تطرح نوعا لانداو، ولأنه بموجب القانوني الدولي لا يوجد لإسرائيل حق في هذه المناطق، فإن السفير كان "يشير

إلى الحقوق التاريخية أو الدينية".

Noa Landau, "With One Word, Trump’s Envoy Sets Stage for Israeli Annexation of West Bank," Ha’aretz, 9/6/2019, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3lSoGM2

هذه القراءة لتصريحات السفير بأنها كانت تشير إلى الحقوق الدينية، تعززت من خلال تصريحات سابقة لفريدمان: "لدى إسرائيل

سلاح سرّي واحد لا يملكه العديد من الدول، ألا وهو أن إسرائيل هي إلى جانب الله، ونحن لا نستهين بذلك". ويكتب هالبفنجر

في الدراسة نفسها أن حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أشارت إلى أن "المناسبة التي أدلى خلالها السيد

فريدمان بهذه التصريحات، وأصداءها التي تحمل بذور الحرب الدينية، قد عقدت في فندق يقبع على مرمى حجر من أسوار البلدة

القديمة، حيث تناحر الصليبيون والمسلمون قرونًا عدة". وأضافت: "آخر مرة كان لدينا أشخاص في فلسطين يفكرون بهذه الطريقة

كان في القرون الوسطى، فانظروا إلى ما حدث حينذاك"؛

David M. Halbfinger, "US. Ambassador Says Israel Is 'on the Side of God'," The New York Times , 14/5/2019, accessed on 18/10/2021, at: https://nyti.ms/3DPbWMm

الداخلي. إلّ أن الأهم يبقى في أن المشروع الاستيطاني يواجه رفضًا ومقاومةً فلسطينيةً ناشطةً واسعة،ً بأشكال متعددة، مدعومة بإجماع فلسطيني منذ بداية الاحتلال في الأراضي المحتلة في عام 1967 وقبل ذلك في الشتات. إن المقاومة الفلسطينية متواصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1967، وبأشكالٍ مختلفة، بلغت ذروتها خلال انتفاضتين رئيستين (إحداهما مدنية والثانية تعسكرت)، واستمرت كل واحدة منهما عدة سنوات، اندلعت الأولى في عام 1987، والثانية في عام 000.2 ويتحدّى الفلسطينيون داخل إسرائيل شرعية الدولة اليهودية ولا يقبلون بها، ويقاومون في القدس بنشاط عملية التهويد الاستعمارية. أما في غزة، فهم يستخدمون شتى أشكال المقاومة، آخرها كان مسيرات العودة الكبرى الشعبية السلمية نحو حدود إسرائيل، إضافة إلى حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS التي أصبحت قوة عالمية تضغط نحو مناهضة السياسات الإسرائيلية، وتحديدًا بين أوساط المجموعات الدولية الأكاديمية والثقافية. والمشترك بين جميع هذه الأشكال من المقاومة هو رفض شرعية الدولة اليهودية، وبطبيعة الحال سياساتها في الأراضي المحتلة في عام.1967 مع أنه يمكن للمرء أن ينظر إلى النشاطات الاستيطانية وأشكال العنف المرتبطة بها باعتبارها مستمدة من بنية الاستعمار الاستيطاني، إلا أن المقاومة التي لا تتوقف ولا تلين للسكان الأصلانيين في أرضهم، إضافة إلى الحراك الدولي، وتصاعد الشجب الدولي لممارسات سرقة الأرض، وحتى في بعض أوساط المجتمع المدني الإسرائيلي، تقود كلها النظام الاستيطاني إلى البحث عن سبل شرعنة جديدة. من دون الشرعية، سوف يتم كشف إسرائيل والصهيونية على أنهما مشروع استعمار استيطاني واضح. لذلك، تستند عملية إضفاء الشرعية اليوم، على نحو صريح، إلى الادّعاءات الدينية، ولو لم

يُبدِ الفلسطينيون مقاومة شديدة، لما احتاج العلمانيون إلى اللجوء إلى نظام شرعنة قائم على الدين،

ولما تناغم الارتفاع الحادّ في منسوب القومية الدينية والسياسة ذات الطابع المقدس مع الحاجة إلى إضفاء الشرعية. أما القضية الثانية المرتبطة بالشرعية – وهي الطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل دولةً للشعب اليهودي – فهي مثال آخر على الصيرورة التي فرضتها مقاومة السكان الأصلانيين لبنية الاستعمار الاستيطاني. لقد عملت إسرائيل على تصميم وهندسة مبنى الدولة لتكون دولة للشعب اليهودي منذ انطلاق المشروع الصهيوني. إن هذه البنية التي وجهت بناء الدولة، من ناحية مفاهيمية، هي التي أدّت منطقيًا إلى التطهير العرقي للفلسطينيين في عام 1948 ومنعتهم من العودة، كما وجّهت العديد من

السياسات التي انبثقت بعد ذلك. أما النضال الذي مارسه الفلسطينيون في إطار هذه البنية الهيكلية، فهو ما دفع إسرائيل إلى أن تطالب باعتراف واضح وصريح بها باعتبارها دولةً للشعب اليهودي. بدأ ذلك النضال مع مطالب المواطنين الفلسطينيين دون تعريف البعد السياسي لهذا المطلب، إلى أن تُوّج في برنامج سياسي يدعو إلى تحويل إسرائيل إلى "دولة لكل مواطنيها"، كما عبّر عن ذلك الحزب

((10(استغلت إسرائيل التوجهات العالمية المعادية للإسلام (الإسلاموفوبيا)، وتحديدًا بعد الهجمات الإرهابية في الحادي عشر

من سبتمبر 001 2 في الولايات المتحدة الأميركية. وحاولت أن تؤط ر المقاومة الفلسطينية وتُدرجها ضمن هذه التوجهات، لكن ذلك لم يكن كافيًا لشرعنة سياسات الاحتلال الاستعماري.

العربي السياسي، التجمع الوطني الديمقراطي، الذي أُسّس في عام 1995 بقيادة عزمي بشارة. فقد تحدى الحزب هوية الدولة اليهودية واستمر في النضال على نحو واضح ومثابر، على الرغم من الملاحقات السياسية والقانونية. واليوم انتشر خطابه بين مختلف النخب الفلسطينية النافذة. يأتي قانون القومية الذي أقرّته إسرائيل مؤخرًا ليُعرّف إسرائيل مجددًا، لكن على نحو أكثر وضوحًا،

بالإشارة إلى الشعب اليهودي (عوضًا عن مواطنيها)، ردًّا على ذلك. ينص القانون على أن "دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، يحقق فيها حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي في تقرير المصير". يجب علينا أن نلاحظ أن كلً من الادّعاء بأن دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وقانون القومية، مستمدان من الشرعنة الدينية لمشروع الاستعمار الاستيطاني، وأن القيادات والزعامات الصهيونية "العلمانية" هي التي سعت، وبحسب ما كان يفرضه السياق في كل مرحلة، إلى إقرارهما. تريد إسرائيل بالأساس أن يعترف الفلسطينيون بمشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بصفته شرعيًا،

وأن يقبلوا بأسس وجوهر هذه الشرعية التي تحفل بالادّعاءات الدينية اليهودية، كما عبّر عنها سفير

إسرائيل لدى الأمم المتحدة في الاقتباس المشار إليه في المبحث الافتتاحي من هذه الدراسة.

بدلا من خاتمة: حول تفكيك الاستعمار الاستيطاني

لقد طرحت في هذه الدراسة أنه في إطار الصهيونية ينصهر الديني مع القومي، وكلاهما مندمج ضمن مستحقات الاستعمار الاستيطاني. وبناء عليه، فإن الصهيونية هي قومية استعمار استيطاني، تستمد شرعيتها من الادّعاءات الدينية. وتبدو المكونات الثلاثة، الاستعمار الاستيطاني والقومية والدين، التي تحرك الصهيونية متداخلة، إلى الحد الذي يصعب معه فصل بعضها عن بعض. حتى الآن، كان تسليط الضوء يتم على جانب الاستعمار الاستيطاني، وهذا ما يقوم به أساسًا ضحايا الصهيونية والمنظرين النقديين، إلى جانب ما تبوح به الوقائع والحقائق على الأرض، بينما تم التقليل، في الخطاب الأكاديمي، من شأن وأهمية المكانة المركزية للادعاءات الدينية التي تدعم التيار العام في الصهيونية العلمانية. وعوضًا عن ذلك، ركّز الخطاب الأكاديمي على دور الدين في الحركات الدينية القومية حصرًا، وعلى زحف

التدين إلى المجال العام، وليس بوصفه عنصرًا متأصّلً في الصهيونية، بما في ذلك الصهيونية "العلمانية".

مع ذلك، فإن نشر الادعاءات الدينية وتعميمها لشرعنة السبب الوجودي être ’ d raison للصهيونية نفسه، وتصاعد الاستشهاد بهذه الادّعاءات لشرعنة توسع الاستعمار الاستيطاني كي يشمل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يعتبر حاسمًا بالنسبة إلى هذا الاستعمار. وأذهب بالقول إلى أنه لا غنى عنه، بالنسبة إلى الصهيونية حتى تتجنب مواجهة حقيقتها بوصفها استعمارًا استيطانيًا. من هنا، فإن قضية تفكيك الاستعمار

والتحول العلماني والديمقراطية هي كلها قضايا وأسئلة متشابكة في إسرائيل.

(103)  Rouhana & Sabbagh–Khoury, "Settler–Colonial Citizenship."

((10(للاطلاع على ترجمة إنكليزية لقانون القومية، ينظر:

Jonathan Lis, "Israel’s Contentious Nation–State Law: Everything You Need to Know," Ha’aretz, 19/7/2018, accessed on 24/10/2021, at: https://bit.ly/3b3lnvv

دعونا نبدأ بقضية تفكيك الاستعمار. حتى تواجه الصهيونية حقيقتها الاستعمارية الاستيطانية – وهو بالطبع الشرط المسبق الواضح لتفكيك الاستعمار – عليها أن تعمل على الانفكاك عن الادّعاء الديني في الحق بتأسيس دولة يهودية حصرية في فلسطين. لذلك، يتطلّب تفكيك الاستعمار، بالضرورة، التحوّل إلى العلمانية، بمعنى فصل القومية اليهودية عن الادّعاءات الدينية. وحتى تستطيع القومية اليهودية، كما عرّفتها الصهيونية، إدراك وإقرار مواجهة الاستعمار الاستيطاني فيها، يجب عليها أن

تُحيّد الجانب الديني. لكن الادّعاءات الدينية تقف حائلً أمام الإقرار والاعتراف بالتاريخ، وتُسهّل

عملية تعزيز الادعاء بالحق في فلسطين وتصليبه، من دون الكشف عن جوهرها الاستعماري الاستيطاني. لذلك فإنها تفتح الباب وتفسح المجال أمام مزيد من النفوذ الديني على الحيّز العلماني.

وبالعودة إلى المثال المتخيّل لأوغندا، كان ممكنًا أن تتم عملية التحول العلماني لمشروع الاستعمار

الاستيطاني الصهيوني في أوغندا، كما هي الحال في سياقات أخرى من الاستعمار الاستيطاني – مثل جنوب أفريقيا وإيرلندا الشمالية وأميركا الشمالية – لأنها على عكس الصهيونية في فلسطين، لم تكن الادّعاءات الدينية أساسية لشرعية استمرارها في تلك الحالات، أو في الحالة الفرضية لأوغندا. لقد كانت للصهيونية قوة دافعة متأصلة إلى استخدام الادّعاءات الدينية لشرعنة سياسات استعمارية استيطانية، وصار فخ الصهيونية يكمن في حاجتها الأساسية إلى الادّعاءات الدينية من أجل شرعيتها. إن احتمالية تحرير الصهيونية من الادّعاء الديني أمرٌ غير وارد، فهو تمامًا كمن يحاول أن يحرر الرأسمالية

من السوق الحرة أو رأس المال، أو كمن يحاول أن يسحب من الشيوعية فكرة الصراع الطبقي؛ بل سيبدو الأمر كمن يحاول استخراج الهندوسية من الهندوتفا. لكن ليس من المستحيل فك هذا الارتباط بين القومية اليهودية في إسرائيل والادّعاءات الدينية، ومن ثم من الاستعمار الاستيطاني من خلال تحويل إسرائيل نفسها إلى دولة لكل مواطنيها، حيث يتم الاعتراف على قدم المساواة بكل من القومية اليهودية والقومية الفلسطينية. مُجدّدًا، إن تحقيق ذلك ممكن ولكن من خارج إطار الصهيونية. بل يتطلب تفكيكها. من الواضح أن من شأن هذا أن يفسح المجال أمام مستقبل سياسي مشترك أرحب مع الفلسطينيين، لكن نقاش ذلك كليًّا يتجاوز نطاق هذه الدراسة وتركيزها. لقد طرح هذه الفكرة

في التسعينيات مفكر فلسطيني، عضو الكنيست السابق عزمي بشارة. واعتبرت، بطبيعة الحال، فكرة سياسية متطرفة. لكن يبدو أن كثيرين ممن يناقشون التحول الديمقراطي، وإنهاء الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل، يعودون مرارًا إلى الفكرة ذاتها. يحتلّ الادعاء الديني مكانة مركزية ليس في الاستعمار الاستيطاني لفلسطين فحسب، لكن أيضًا في صلب عدم المساواة الدستورية في إسرائيل. لأنه، إذا كانت إسرائيل توصف بأنها دولة يهودية منحها الله حصريًا للشعب اليهودي – وهو الادّعاء الجوهري للصهيونية – فإنه يُمكن توصيف الدعوات إلى المساواة بين العرب واليهود، أو تحويل إسرائيل إلى دولة لمواطنيها كافة، بأنها دعوات "متطرفة".

((10(يُنظر على سبيل المثال: Ram.

فحتى تصبح المساواة والدولة المدنية من الأسس التي تقوم عليها عملية تحول علماني في إسرائيل، فإنه يجب تفكيك الاستعمار الاستيطاني، وهو ما يقضي أيضًا بترك الوعود الدينية خارج الفكر السياسي. وكما قال الناقد الأدبي الصربي ميودراج بووفيتش Popović Miodrag في حديثه عن السياق الصربي: "فقط، وعندما يصبح التفكير الأسطوري البائد توجهًا ذهنيًا دائمًا وذهنية جماعية أو ثقافة وطنية، وتتم مأسسته

بوصفه أسطورة وطنية قومية ومكوّنًا أساسيًا للهوية الجماعية، يمكنه أن يصبح قاتلً ومميتًا للناس غير

القادرين على مقاومة سحره التاريخي الزائف". إن ذلك ينطبق تمامًا على سياقنا.

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية. القاهرة: دار الشروق،.2005 ________. "علم الاجتماع الإسرائيلي ومساهمة باروخ كيمرلينغ: ملاحظات عامة". المستقبل العربي. العدد 394 (كانون الأول/ ديسمبر.)2011 روحانا، نديم. "المشروع الوطني الفلسطيني: نحو استعادة الإطار الكولونيالي الاستيطاني". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  97 (شتاء.)2014 صايغ، فايز. الاستعمار الصهيوني في فلسطين. بيروت: مركز البحوث بمنظمة التحرير الفلسطينية،

الأجنبية

Abu El–Haj, Nadia. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self– Fashioning in Israeli Society. Chicago/ London: University of Chicago Press, 2001. Abu–Lughod, Ibrahim A. & Baha Abu–Laban (eds.). Settler Regimes in Africa and the Arab World. Wilmette: Medina University Press International, 1974. Akenson, Donald Harman. God’s Peoples: Covenant and Land in South Africa, Israel, and Ulster. Ithaca: Cornell University Press, 1992. Al–Charif, Maher. The Search of an Entity. Nicosia: Center for Socialist Studies and Research in the Arab World, 1995. Azaryahu, Maoz & Arnon Golan. "(Re)naming the Landscape: The Formation of the Hebrew Map of Israel 1949–1960." Journal of Historical Geography. vol. 27, no. 2 (April 2001).

((10(مقتبس من:

Vjekoslav Perica, "Serbian Jerusalem: Religious Nationalism, Globalization and the Invention of a Holy Land in Europe’s Periphery, 1985–2017," Occasional Papers on Religion in Eastern Europe , vol. 37, no. 6 (2017), pp. 23–80.

Barak–Erez, Daphne. "Law and Religion Under the Status Quo Model: Between Past Compromises and Constant Change." Cardozo Law Review. vol. 30, no. 6 (2009). Beit–Hallahmi, Benjamin. Original Sins: Reflections on the History of Zionism and Israel. London: Pluto Press, 1992. Benvenisti, Eyal, Chaim Gans & Sari Hanafi (eds.). Israel and the Palestinian Refugees. Berlin: Springer, 2007. Benvenisti, Meron. Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land Since 1948. Berkely: University of California Press, 2002. Brubaker, Rogers. Citizenship and Nationhood in France and Germany. Cambridge: Harvard University Press, 1988. Busbridge, Rachel. "Israel–Palestine and the Settler Colonial 'Turn': From Interpretation to Decolonization." Theory, Culture, and Society. vol. 35, no. 1 (2018). Erekat, Noura. Justice for Some: Law and the Question of Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2019. Fine, Steven. The Menorah: From the Bible to Modern Israel. Cambridge: Harvard University Press, 2016. Gans, Chaim. A Just Zionism: On the Morality of the Jewish State. Oxford: Oxford University Press, 2008. Ghanem, Honaida (ed.). On Recognition of the "Jewish State." Ramallah: The Palestinian Forum for Israeli Studies – Madar, 2014. Goldman, Shalom. God’s Sacred Tongue: Hebrew and the American Imagination. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2004. Gresh, Alain. The PLO: The Struggle Within: Towards an Independent Palestinian State. London: Zed Books, 1988. Hasson, Shlomo. State and Religion in Israel Possible Scenarios. College Park: The Joseph and Alma Gildenhorn Institute for Israel Studies, 2015. Hawari, Yara, Sharri Plonski & Elian Weizman. "Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society." Settler Colonial Studies. vol. 9, no. 1, Special Issue (Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society) (2019). Hayoun, Massoud. When We Were Arabs: A Jewish Family’s Forgotten History. New York: The New Press, 2019. Henrard, Kristin (ed.). The Interrelation between the Right to Identity of Minorities and Their Socio–Economic Participation. Leiden: Martinus Nijhoff, 2013. Herzog, Ze’ev. "Deconstructing the Walls of Jericho: Biblical Myth and Archaeological Reality." Prometheus. vol. 19, no. 4 (2001). Hilal, Jamil. "Imperialism and Settler–Colonialism: Israel and the Arab Palestinian Struggle." UTAFITI: Journal of the Arts and Social Sciences. vol. 1, no. 1 (1976).

Jabareen, Hassan & Suhad Bishara. "The Jewish Nation–State Law." Journal of Palestine Studies. vol. 48, no. 2 (2019). Jabbour, George. Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East. Beirut: Palestine Liberation Organization Research Center, 1970. Katz, Yossi. And the Land Shall Never Be Sold: Heritage of the Jewish National Fund and Application of Its Principles in Israeli Legislation. Ramat Gan: Jewish National Fund Research Institute, Cathedra for the Study of the History of the Jewish National Fund and its Work, Bar–Ilan University, 2002. Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York: Columbia University Press, 1997. ________. All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948. Beirut: Institute for Palestine Studies, 2006. _______. The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917 – 2017. New York: Metropolitan Books, 2020. Khalidi, Walid. Palestine Reborn. New York: IB Tauris, 1992. Kimmerling, Baruch. "Religion, Nationalism and Democracy in Israel." Constellations. vol. 6, no. 3 (1999). Kornberg, Jacques. "Theodore Herzl: A Reevaluation." The Journal of Modern History. vol. 52, no. 2 (1980). Kravel–Tovi, Michal. "Rite of Passage: Bureaucratic Encounters, Dramaturgy, and Jewish Conversion in Israel." American Ethnologist. vol. 39, no. 2 (2012). Lesch, Ann Mosely. "Israeli Settlements in the Occupied Territories, 1966–1977." Journal of Palestine Studies. vol. 7, no. 1 (1977). Levy, Daniel & Yfaat Weiss (eds.). Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration. Oxford: Berghahn Books, 2002. Lloyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Lustick, Ian. For the Land and the Lord: Jewish Fundamentalism in Israel. New York: Council on Foreign Relations, 1988. Lustick, Ian. Unsettled States/ Disputed Lands: Britain and Ireland, France and Algeria, Israel and the West Bank–Gaza. Ithaca: Cornell University Press, 1993. Makdisi, Saree. "The Architecture of Erasure." Critical Inquiry. vol. 36, no. 3 (Spring

Mamdani, Mahmood. "Beyond Settler and Native as Political Identities: Overcoming the Political Legacy of Colonialism." Comparative Studies in Society and History. vol. 43, no. 4 (2001). ________. "Settler Colonialism: Then and Now." Critical Inquiry , vol. 41, no. 3 (2015).

Masalha, Nur. Expulsion of the Palestinians: The Concept of 'Transfer' Zionist Political Thought, 1882 – 1948. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1992. Masalha, Nur. The Bible and Zionism: Invented Traditions, Archaeology and Post– Colonialism in Palestine–Israel. London: Zed Books, 2007. Masri, Mazen. The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State. Oxford: Hart, 2017. Matar, Ibrahim. "Israeli Settlements in the West Bank and Gaza Strip."  Journal of Palestine Studies. vol. 11, no. 1 (1981). McSloy, S.P., Hughes Hubbard & Reed Llp. "'Because the Bible Tells Me So': Manifest Destiny and American Indians." St. Thomas Law Review. vol. 9, no. 1 (September 1996). Pappé, Ilan. "Zionism as Colonialism: A Comparative View of Diluted Colonialism in Asia and Africa." South Atlantic Quarterly. vol. 107, no. 4 (2008). ________. "Shtetl Colonialism: First and Last Impressions of Indigeneity by Colonised Colonisers." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Peled, Yoav & Horit Herman Peled. The Religionization of Israeli Society. New York: Routledge, 2018. Perica, Vjekoslav. "Serbian Jerusalem: Religious Nationalism, Globalization and the Invention of a Holy Land in Europe’s Periphery, 1985–2017." Occasional Papers on Religion in Eastern Europe. vol. 37, no. 6 (2017). Piterberg, Gabriel. "Israeli Sociology’s Young Hegelian: Gershon Shafir and the Settler Colonial Framework." Journal for Palestine Studies. vol. 44, no. 3 (2015). Prior, Michael. The Bible and Colonialism: A Moral Critique. Sheffield: Sheffield Academic Press, 1997. Rabinovitch, Itamar & Jehuda Reinharz (eds.). Israel in the Middle East: Documents and Readings on Society, Politics, and Foreign Relations, Pre–1948 to the Present. 2 nd ed. Waltham: Brandeis University Press, 2007. Ram, Uri. "Why Secularism Fails? Secular Nationalism and Religious Revivalism in Israel." International Journal of Political Culture. vol. 21, no. 1 (2008). Rodinson, Maxime. Israel: A Colonial–Settler State? David Thorstad (trans.). London: Pathfinder Press, 1973. Rotberg, Robert I. (ed.). Israeli and Palestinian Narratives of Conflict: History’s Double Helix. Indianapolis: Indiana University Press, 2006. ________. Israeli and Palestinian Narratives of Conflict: History’s Double Helix. Bloomington: Indiana University Press, 2006. Rouhana, Nadim & Areej Sabbagh–Khoury. "Settler–Colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and Its Palestinian Citizens." Settler Colonial Studies. vol. 5, no. 3 (2015).

._______ The Palestinians in Israel: Readings in History, Politics and Society. Haifa: Mada Al–Carmel, 2018. Rouhana, Nadim N. & Nadera Shalhoub–Kevorkian (eds.). When Politics are Sacralized: Comparative Perspectives on Religious Claims and Nationalism. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Rouhana, Nadim N. (ed.). Israel and its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State. Cambridge: Cambridge University Press, 2017 ________. "Decolonization as Reconciliation: Rethinking the National Conflict Paradigm in the Israeli–Palestinian Conflict." Ethnic and Racial Studies. vol. 41, no. 4

________. Palestinian Citizens in an Ethnic Jewish State: Identities in Conflict. New Haven: Yale University Press, 1997. Rovner, Adam L. In the Shadow of Zion: Promised Lands Before Israel. New York: New York University Press, 2014. Said, Edward. "Zionism from the Standpoint of Its Victims." Social Text. vol. 1 (Winter 1979). Salamanca, Omar Jabary et al. "Past is Present: Settler Colonialism in Palestine." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Scham, Paul. "'A National that Dwells Alone': Israeli Religious Nationalism in the 21 st Century." Israel Studies. vol. 23, no. 3 (2018). Shaath, Nabil. "The Democratic Solution to the Palestinian Issue." Journal of Palestine Studies. vol. 6, no. 2 (January 1977). Shalhoub–Kevorkian, Nadera. "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine." Settler Colonial Studies. vol. 4, no. 3 (2014). ________. "The Occupation of the Senses: The Prosthetic and Aesthetic of State Terror." The British Journal of Criminology. vol. 57, no. 6 (November 2017). Shapira, Anita. Ben–Gurion: Father of Modern Israel. New Haven: Yale University Press, 2015. Shenhav, Yehouda. "Modernity and the Hybridization of Nationalism and Religion: Zionism and the Jews of the Middle East as a Heuristic Case." Theory and Society. vol. 36, no. 1 (February 2007). ________. The Arab Jews: A Postcolonial Reading of Nationalism, Religion, and Ethnicity. Stanford: Stanford University Press, 2006. Shlaim, Avi. Israel and Palestine: Reappraisals, Revisions, Refutations. London: Verso,

Sternhell, Zeev. The Founding Myths of Israel: Nationalism, Socialism, and the Making of the Jewish State. Princeton: Princeton University Press, 1998. Tessler, Mark. A History of the Israeli–Palestinian Conflict , Indian Series in Arab and Islamic Studies. 2 nd ed. Bloomington: Indiana University Press, 2009. Thompson, Gardner. Legacy of Empire: Britain, Zionism, and the Creation of Israel. London: Saqi Books, 2019.

Trabulsi, Fawwaz. "The Palestine Problem: Zionism and Imperialism in the Middle East." New Left Review. vol. 1, no. 57 (September–October 1969). Veracini, Lorenzo. Israel and Settler Society. London: Pluto Press, 2006. ________. "Israel–Palestine through a Settler–Colonial Studies Lens." Interventions: International Journal of Postcolonial Studies. vol. 21, no. 4, Special Issue (Settler Colonialism in Palestine) (2019). Wagner, Donald E. & Walter T. Davis (eds.). Zionism and the Quest for Justice in the Holy Land. Cambridge: Lutterworth Press, 2014. Whitelam, Keith W. The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History. New York: Routledge, 1996. Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). ________. "Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Yiftachel, Oren. "'Ethnocracy': The Politics of Judaizing Israel/Palestine." Constellations. vol. 6, no. 3 (1999). Zreik, Raef. "When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)." Constellations. vol. 23, no. 3 (2016).