إعادة التفكير في شرط الحكم غير المباشر: تحولات أشكال الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية وأنماط مقاومتها
Rethinking the Condition of Indirect Rule: Metamorphosis of the Israeli Colonial Governance and the Palestinian Resistance
الملخّص
توظف هذه الدراسة المقاربة المؤسسية لتقديم إطار مفاهيمي لفهم تحولات نظام الحكامة الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولات أنماط مقاومته. وتجادل بأن النظام ومقاومته شهدا ثلاث مراحل متعاقبة، تميزت كل واحدة منها بشكل محدد من أشكال الحكم الكولونيالي المباشر أو غير المباشر. وقد جرت مقاومة كل واحد منها كذلك بنمط محدد من أنماط الفاعلية السياسية الجماعية، ذات الطابع المركزي أو اللامركزي. وتستنتج الدراسة أن شكل الحكامة الاستعمارية – الاستيطانية الإسرائيلية، ومنطقها الناظم، لا يتوقفان على الإرادة الكولونيالية فحسب، بل كذلك على تفاعلها مع المقاومة الفلسطينية.
Abstract
Abstract: Utilizing an institutional approach, this study presents a framework to understand the metamorphosis of Israeli settler–colonial governance and metamorphosis of its patterns of resistance. It argues that the system underwent three phases, each of which was marked by distinct direct or indirect rule. Each was also met with resistance from a distinct pattern of centralized or decentralized collective political agency. The study concludes that the raison d’être of the Israeli settler–colonial governance is not only shaped by colonial determination, but also by its interplay with the Palestinian resistance.
- الحكامة الكولنيالية
- الاستعمار الاستيطاني
- الحكم غير المباشر
- المقاومة
- Colonial Governance
- Settler Colonialism
- Indirect Rule
- Resistance
((10(((10(Hani Awad & Maryam Hawari | ** ومريم هواري * هاني عواد
ملخص: توظف هذه الدراسة المقاربة المؤسسية لتقديم إطار مفاهيمي لفهم تحولات نظام
الحكامة الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولات أنماط مقاومته.
وتجادل بأن النظام ومقاومته شهدا ثلاث مراحل متعاقبة، تميزت كل واحدة منها بشكل
محدد من أشكال الحكم الكولونيالي المباشر أو غير المباشر. وقد جرت مقاومة كل
واحد منها كذلك بنمط محدد من أنماط الفاعلية السياسية الجماعية، ذات الطابع المركزي
أو اللامركزي. وتستنتج الدراسة أن شكل الحكامة الاستعمارية – الاستيطانية الإسرائيلية،
ومنطقها الناظم، لا يتوقفان على الإرادة الكولونيالية فحسب، بل كذلك على تفاعلها مع
المقاومة الفلسطينية.
Abstract: Utilizing an institutional approach, this study presents a framework to understand the metamorphosis of Israeli settler–colonial governance and metamorphosis of its patterns of resistance. It argues that the system underwent three phases, each of which was marked by distinct direct or indirect rule. Each was also met with resistance from a distinct pattern of centralized or decentralized collective political agency. The study concludes that the raison d’être of the Israeli settler–colonial governance is not only shaped by colonial determination, but also by its interplay with the Palestinian resistance.
Researcher, the Arab Centre for Research and Policy Studies (Corresponding Author). Email: hani.awad@dohainstitute.org
Researcher, the Arab Center for Research and Policy Studies. Email: maryam.hawari@dohainstitute.org
"دعوا العرب يحكمون أنفسهم بقدر ما يستطيعون. لا تحاولوا فرض أي إدارة إسرائيلية عليهم." – موشيه ديان (1967) "التنسيق الأمني مقدس." – محمود عباس (2014) "الكمبيوتر واحد." – قول فلسطيني شائع
مدخل نظري: الحكامة الكولونيالية ومقاومتها
في صيف عام 1976 اختفى أحمد قطامش، وأصبح أثرًا بعد عين، قبل أن يعتقله الجيش
الإسرائيلي في عام 1992 صدفة بعد سبعة عشر عامًا في مدينة البيرة. وفي صيف عام 2021، اختفى منتصر الشلبي بعد أن نفّذ عملية إطلاق نار ضد جنود إسرائيليين على حاجز أمني إسرائيلي جنوب مدينة نابلس، لكن وحدة "يمام" العسكرية اعتقلته بعد مضي أقل من أربعة أيام في قرية سلواد شمال شرق مدينة رام الله. اختفى قطامش الذي كان آنذاك قياديًا ميدانيًا بارزًا في الجبهة الشعبية
لتحرير فلسطين، في مرحلة ساد فيها حكم عسكري إسرائيلي مباشر للأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، بينما اختفى الشلبي الذي أمضى معظم حياته في الولايات المتحدة الأميركية ولم يُعرف له انتماء سياسي، في مرحلة أخرى تميزت بما درجت تسميته "تقاسم وظيفي" بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل. كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف حدث هذا؟ الاستعمارية – الاستيطانية الإسرائيلية للتجمعات السكانية ترصد هذه الدراسة تحولّات نظام الحكامة
الفلسطينية الكبرى في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حزيران/ يونيو 1967، وما صاحبها من تحولات في النمط العام للمقاومة الفلسطينية. نعني بالتجمعات الفلسطينية الكبرى المناطق عالية الكثافة السكانية، وتشمل قطاع غزة، ونحو خُمس مساحة الضفة الغربية (كما توضحها الخريطة)، وتستثني الدراسة في مجالها المكاني القدس الشرقية التي احتفظت بوضعية خاصة طوال مجال البحث الزمني. ونشتق تعريف نظام الحكامة الاستعمارية – الاستيطانية Governance Colonial Settler (نختصره في هذه الدراسة بالحكامة الكولونيالية)، من أدبيات الحكامة من جهة، وأدبيات الاستعمار الاستيطاني من جهة أخرى، وهو: مجموعة الأنظمة المؤسسية الرسمية وغير الرسمية المترابطة التي تنتهجها سلطة استعمارية – استيطانية، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من السيطرة، وأقل قدر ممكن من المسؤولية عن السكان الأصلانيين، وهو ما يتطلب استدامة بنى العنف لإخضاع فاعلية السكان
(((نتقدّم ببالغ الشكر إلى المحكمين، وإلى الزميلين طارق دعنا وب لاا شلش اللذَين ساهم النقاش معهما في بلورة أفكار هذه
الدراسة.
(2) Göran Hydén, Julius Court & Kenneth Mease, Making Sense of Governance: Empirical Evidence from Sixteen Developing Countries (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2004), p. 16. (3) Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387–409.
المصدر: الجماعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية PASSIA.
الأصلانيين السياسية الجماعية. أما النمط العام للمقاومة، فنعني به الشكل المهيمن الذي يعبّر عن الفاعلية السياسية الجماعية Agency Political Collective الذي يتحدى الحكامة الكولونيالية. خريطة توضح الضفة الغربية في عام 2014
وُظّف العديد من الأطر النظرية لفهم الكيفية التي جرت بها إدارة شؤون الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، وموقع المؤسسات السياسية والنخب المحلية في منظومة الحكم الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلية. ونهلت تلك الدراسات من حقل، أو أكثر، من حقول العلوم الاجتماعية، منها نظريات التبعية Theories Dependency، وتغير النظام Change Regime، والتطور الهيكلي Development Structural Historical، أضف إلى ذلك طيفًا واسعًا من أدبيات الاستعمار الاستيطاني. يرى لورينزو فيراسيني السلطة الفلسطينية من منظور الأدوار الوظيفية للبنى السياسية الأصلانية؛ أي بوصفها أنظمة مقاولة سياسية Regime Subcontractor، يُنفذ بوساطتها ما يسميه "ترانسفيرًا دبلوماسيًا " Transfer Diplomatic، تُجرى من خلالها عملية جزئية من تفكيك
الاستعمار Decolonization لكيانات شبه سيادية، تفصل السكان الأصلانيين عن مجتمعات الاستعمار الاستيطاني. في حين يجادل محمود ممداني بأن سيادة المستوطنين القومية لا بد من أن تنتج حلولً كولونيالية مؤسسية على أساس الحكم غير المباشر، ويستنتج دروسًا من حالات عدة، أهمها جنوب أفريقيا، تساعد في فهم الحالة الفلسطينية. على الرغم من أهمية تلك الأطر المفاهيمية كلها في تقديم فهمٍ كلّي Macro لكيفية عمل المنظومة الاستعمارية الاستيطانية، وموقع مؤسسات السكان الأصلانيين السياسية فيها، فإنها تقصّر في فهم أنماط مقاومة السكان الأصلانيين وفاعليتهم الجماعية؛ فالاستعمار الاستيطاني، بحسب فيراسيني وغيره، هو ذو مجموع صفري، يفشل إنْ لم ينجح. أما أبحاث الكولونيالية المقارنة المهمومة بدراسة أشكال السيادة السياسية للمستوطنين، ونشير هنا تحديدًا إلى أعمال ممداني بشأن الحكم الكولونيالي غير المباشر، فنعتقد أنها لا تزال أسيرة مقارنات مع نماذج استعمارية – استيطانية، مثل حالة جنوب أفريقيا، وهي أنظمة لم تُتَح لها فرصة الاستفادة من الثورة التكنولوجية التي يشهدها عالم اليوم. ونعتقد أيضًا أنّ التحليل المؤسسي، الذي يوسع مفهوم "المؤسسات" ليشمل البنى غير الرسمية، يتيح رصد
(4) Ibrahim Shikaki, "The Political Economy of Dependency and Class Formation in the Occupied Palestinian Territories Since 1967," in: Alaa Tartir, Tariq Dana & Timothy Seidel (eds.), Political Economy of Palestine: Critical, Interdisciplinary, and Decolonial Perspectives (London: Palgrave Macmillan, 2021), pp. 49–80; Dana El–Kurd, Polarized and Demobilized: Legacies of Authoritarianism in Palestine (Oxford: Oxford University Press, 2019). (5) Nigel Parsons, The Politics of the Palestinian Authority: From Oslo to al–Aqsa (London: Routledge, 2005), p. 3. (6) Alaa Tartir, "Securitised Development and Palestinian Authoritarianism under Fayyadism," Conflict, Security & Development , vol. 15, no. 5 (2015), pp. 479–502. (7) Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (London: Palgrave Macmillan, 2010), p. 45. (8) Mahmood Mamdani, Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Cambridge: Harvard University Press, 2020), pp. 250–326. (9) Rana Barakat, "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies , vol. 8, no. 3 (2018), pp. 349–363. (10) James G. March & Johan P. Olsen, "Elaborating the 'New Institutionalism'," in: R. A. W. Rhodes, Sarah A. Binder & Bert A. Rockman, The Oxford Handbook of Political Institutions (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 3–20.
تفاعلات أنظمة الحكامة الكولونيالية مع أنماط مقاومتها المؤسسية، وهو في الآن نفسه لا يتجاهل التأثيرات التي يفرضها السياق. وتستفيد الدراسة في فهم حالة تطور الحكامة الإسرائيلية من النظرية المؤسسية للحكم المباشر وغير المباشر، التي تحدد شروط التمييز بين الحكمين على اختلاف كل شكل منهما واختلاف سياقه التاريخي. وفي ما يتعلق بحالة الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 (نختصرها بالأراضي المحتلة)، تشدد الدراسة على أهمية اجتماع شرطين أساسيين لدى الطرف المحكوم لاعتبار علاقته بالطرف الحاكم نموذجًا للحكم غير المباشر: الأول، وجود درجة متطورة من المأسسة السياسية
Institutionalization Political التي تجعل الطرف المحكوم قادرًا على احتكار الفاعلية السياسية
الجماعية للجماعة السكانية المحكومة. والثاني، قدرة مؤسسات الطرف المحكوم السياسية على المساومة Bargaining، أي مقاومة استراتيجيات الطرف الحاكم، سواء عبر اللجوء إلى الثورة أو العنف، أم بالثورة على العلاقة مع الطرف الحاكم. ويوضح الشكل (1) الاحتمالات الناجمة عن اجتماع الشرطين معًا، أو غياب أحدهما. الشكل (1) شروط الحكم المباشر/ غير المباشر (الحالة الفلسطينية)
المصدر: من إعداد الباحثين. (((1 تُعتبر المقاربات المؤسسية على اختلافها إعادة إحياء لما بات يعرف الآن ب "المؤسسية القديمة" التي كانت قد تراجعت بعد
ثورة المنهجيات السلوكية التي هيمنت على العلوم السياسية في الخمسينيات والستينيات، والتي بدورها همّشت دور بنى المؤسسات
السياسية، معتبرةً السياسة في الأساس صراعًا بين جماعات المصالح المتأثرة أحيانًا بالثقافة السياسية. وثمة ما يشبه الإجماع البحثي
على أن المقاربات المؤسسية الجديدة هي ردة فعل على الثورة السلوكية، لكنها في الآن نفسه نتيجة التفاعل معها. يُنظر:
Kathleen Thelen, "Historical Institutionalism in Comparative Politics," Annual Review of Political Science vol. 2, no. 1 (June 1999), pp. 369–404; Paul Pierson & Theda Skocpol, "Historical Institutionalism in Contemporary Political Science," Political Science: The State of the Discipline , vol. 3, no. 1 (2002), pp. 1–32. (12) John Gerring et al., "An Institutional Theory of Direct and Indirect Rule," World Politics , vol. 63, no. 3 (2011), p. 377.
(13) Ibid., p. 414.
(14) Ibid., p. 385.
لا يُعتبر الشرط الأول أساسيًا من أجل الحكم غير المباشر فحسب، بل يُعدّ ضروريًا أيضًا من أجل أل
يعتمد الطرف الحاكم على العنف المفرط في حكمه المباشر للطرف المحكوم؛ إذ يستحيل عندها إيجاد طرف للتفاوض معه، لأنّ لا أحد يمكنه احتكار الفاعلية السياسية الجماعية للجماعة السكانية المحكومة. أما حضور الشرط الثاني، أي قدرة الطرف المحكوم على المقاومة، فهو ما يدفع الطرف الحاكم إلى مشاركة الحكم مع الطرف المحكوم، ومن ثمّ، اعتماد صيغة الحكم غير المباشر بدلً من المباشر. وينبغي التأكيد أنّ اجتماع الشرطين لا يؤدي إلى أي صيغة من صيغ الحكم الذاتي ذي السيادة، الذي يلزمه شروط أخرى لا تدّعي هذه الدراسة التصدي لها. تحاجّ الدراسة بأن الحكامة الكولونيالية، في مجال البحث المكاني والزمني، مرّت بثلاث مراحل متعاقبة،
تفاعلت كل واحدة منها مع نمط مهيمن من أنماط مقاومتها. تنتهي المرحلة الأولى التي نعالجها في المبحث الأول، مع إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994، وفيها جرى حكم الأراضي المحتلة بشكل مباشر عبر أجهزة أمنية وعسكرية تفتقد القدرة المؤسساتية السياسية للوصول إلى الجماعة السكانية الفلسطينية ومراقبتها والتحكم فيها؛ الأمر الذي أنتج، في المقابل، نمط مقاومة ذات طابع مؤسسي شبه رسمي، ممثل بالتنظيمات الفلسطينية التي بسبب طبيعتها اللامركزية، مثّلت معضلةً لنظام الحكامة الكولونيالية. يعالج المحور الثانيالمرحلة الثانية التيبدأت بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وفيها حُكمت أغلبية التجمعات السكانية الفلسطينية الكبرى بشكل غير مباشر، عبر بنية مؤسساتية سياسية متطورة نسبيًا، تمتعت بحكم ذاتي محدود واحتكار شبه تام للفاعلية السياسية
الجماعية، ممثلةً بالسلطة الفلسطينية. ومنح هذا الشكل من أشكال الحكامة الكولونيالية السلطة الناشئة القدرة على المقاومة، ما دفع إسرائيل في عام 2002 إلى الاجتياح العسكري وتدمير السلطة الفلسطينية وإعادة هيكلتها، وتفكيك البنية التنظيمية للفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، لكن أظهرت تلك الاستراتيجية محدوديةً في قطاع غزة الذي استطاعت الفصائل الفلسطينية الصمود فيه. أما المرحلة الثالثة التي يعالجها المحور الثالث، فبدأت مع ترؤّس محمود عباس السلطة الفلسطينية (2005–)، وفيها جرى العودة إلى الحكم المباشرفي الضفة الغربية، عبر دمج البنية المؤسساتية السياسية الفلسطينية في نظام الحكامة الكولونيالي الذي استفاد من تطور التكنولوجيا الفائقة Technology High، في حين بقي قطاع غزة الذي راكمت فيه قوى المقاومة قدرات قتالية تمكّنها من المراوغة، تحت صيغة حكمغير مباشر، ما زالت قائمةً حتى هذا اليوم. بذلك، ففي حين بقي نمط المقاومة المهيمن في قطاع غزة محصورًا في بنية مؤسسية سياسية مقيدة، لكنها قادرة على المقاومة، فقد أنتج نظام الحكامة الكولونيالي في الضفة الغربية، الذي نجح في دمج البنية المؤسسية السياسية الفلسطينية فيه، نمطًا جديدًا من أنماط المقاومة، تمثّل في ما نسمّيه بروز "القيادات الصغرى" الثائرة على نظام الحكامة الكولونيالية من جهة، وعلى فكرة المأسسة السياسية من جهة أخرى.
(15) Ibid., p. 414. (16) Ibid., p. 385.
أولا: الحكامة الكولونيالية قبل أوسلو ما بين الحكم غير المباشر والحكم المباشر
عشية اندلاع الانتفاضة الأولى (1987)، بلغ عدد سكان الأراضي المحتلة ما يزيد على مليون ونصف مليون نسمة، وبزيادة سكانية تراوح بين 2 و 3 في المئة، عاش ثلثاهم في القدس الشرقية ومدن الضفة الغربية وأريافها ومخيماتها الصغيرة الحجم التي ربطت بينها شبكة طرق متخلفة تشبه شكل الهيكل العظمي للسمكة، في حين عاش الثلث الأخير في قطاع غزة الذي بدا أشبه بسلسلة من المخيمات الضخمة التي ابتلعت حواضر مدينية قُطع مسار تطورها بعد النكبة (1948). على الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي كان في عام 1967 قد وحّد تلك التجمعات السكانية تحت
حكم عسكري واحد، فإنها، حتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت أبعد من أن تكون موحدة على مستويات النخب السياسية والتطور الاجتماعي – الاقتصادي، وحتى على مستوى نظام الحكامة الكولونيالي، الذي عُرف آنذاك باسم "الإدارة المدنية". وكما يوضح الشكل (2)، احتلت إسرائيل من
الأردن الضفة الغربية التي كانت قبل الاحتلال محكومةً بنظام مركزي يدار من عمّان، ويعتمد في
سيطرته على التجمعات الفلسطينية على شبكة واسعة من البنى والولاءات التقليدية والمجالس البلدية والمحلية. في حين احتلت من مصر قطاع غزة الذي كان آنذاك معسكر لاجئين كبيرًا، يفتقد البنى
التقليدية التي انهارت مع النكبة والتهجير القسري، ولم يكن من الممكن حكمه سوى بوساطة حكومة عسكرية مستقلة على المستوى الإداري. الشكل (2) الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية قبل أوسلو
المصدر: من إعداد الباحثين.
(17) Wael R. Ennab, "Population and Demographic Developments in the West Bank and Gaza Strip until 1990," United
Nations Conference on Trade and Development, UNCTAD/ ECDC/SEU/ 1: 1–100 (June 1994), accessed on 12/10/2021, at: https://bit.ly/3awTTOg (18) Shlomo Gazit, Trapped Fools: Thirty Years of Israeli Policy in the Territories (London: Frank Cass Publishers, 2003), pp. 27–28.
جرى تأسيس "الإدارة المدنية" مباشرةً بعد حرب الأيام الستة، لكن بنيتها البيروقراطية أخذت أشكال مختلفة مع مرور الوقت، وباختلاف التجمع السكاني الفلسطيني الذي تحكمه، فقد بدأت كحكومة عسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن جرت منذ أواسط السبعينيات محاولة تطويرها في الضفة الغربية، فحسب، إلى حكومة مزدوجة، ذات ذراع عسكرية وأخرى مدنية، وصلت إلى ذروتها في عام 1982–1981، مع الأمر العسكري رقم 947 الذي أسس "الإدارة المدنية الجديدة" التي حاولت إسرائيل بموجبها منح المزيد من الحكم الذاتي للفلسطينيين، وإضفاء طابع مدني على الاحتلال العسكري المباشر للفلسطينيين ليس استجابةً للبنود التي أصرّ عليها الرئيس المصري أنور السادات في اتفاقية
كامب ديفيد فحسب، بل لأن إسرائيل كانت واعية منذ وقت مبكر بالأهمية البالغة التي كانت تكتنفها فكرة أن يحكم الفلسطينيون أنفسهم. حكمت الإدارة المدنية التجمعات الفلسطينية الكبرى في الضفة الغربية وقطاع غزة بصفة مباشرة، لكنها سعت، نظرًا إلى قناعتها بصعوبة حكم جماعة مختلفة عنها إثنيًا ولغويًا وثقافيًا بصفة مباشرة، لتطوير
هذا النظام وتحويله إلى جهاز حكم غير مباشر عبر محاولات فصل العمل العسكري عن المدني، إل أنها أدركت أنه لا مجال لأفق منظور ممكن لحكم غير مباشر في الأراضي المحتلة من دون التفاوض مع قيادة وطنية متماسكة وممؤسسة تحتكر الفاعلية السياسية الجماعية، ولا بديل من حكم عسكري مباشر يسعى لتقليل تكلفته، وهو أظهر محدوديته مع اندلاع الانتفاضة الأولى.
1. معضلة الحكم غير المباشر
على الرغم من أن تأسيس شكل ما من أشكال الحكم الذاتي الفلسطيني قد بدا استجابةً للبنود الخاصة بضرورة الأخذ في الحسبان وضعية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفق اتفاقية كامب ديفيد، فإن فكرته تعود إلى نقاش إسرائيلي داخلي حول وضعية الفلسطينيين بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، اختلف على مستوى التكتيك لا الاستراتيجية التي افترضت أنّ أي صيغة ممكنة لمساومة العرب على حل مشكلة السكان الفلسطينيين لا بد من أن تقتصر على إدارة الجماعة السكانية، لا الأرض وثرواتها ومواردها الطبيعية، أي وفق قاعدة "أرض أكثر، وسكان أقل" المعروفة في سلوك أنظمة الاستعمار الاستيطاني. وتزخر كتابات موظفي الإدارة المدنية العليا، وشهاداتهم عن تلك المرحلة، بوصف تفصيلي عن تناقض أجندات الحكم وأساليبه، بين أولئك الذين أيّدوا تعزيز الفصل بين الحكم العسكري الإسرائيلي وأجهزته الأمنية بهدف تقوية النخب المحلية المتعاونة، على أمل أن يقود ذلك إلى صيغة حكم غير مباشر،
(19) Ibid. (((2 ميرون بنفينستي، الضفة الغربية وقطاع غزة: بيانات وحقائق أساسية، ترجمة ياسين جابر، مراجعة وتقديم خالد عايد (عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1987)، ص.143
(21) Geoffrey Aronson, "Israel’s Policy of Military Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 7, no. 4 (Summer 1978), pp. 79–98. (22) Ronald Ranta, Political Decision Making and Non–Decisions: The Case of Israel and the Occupied Territories (New York: Palgrave Macmillan, 2015). (23) Gazit, pp. 229–230, 235.
وأولئك الذين رفضوا ذلك على اعتبار أن ليس من مسؤولية إسرائيل الاهتمام بالمصير السياسي للتجمعات الفلسطينية الكبرى، وليس هنالك من حاجة ملحّة إلى فعل ذلك. لهذا السبب، اتّسم نظام الحكامة الكولونيالي منذ تأسيسه بتشظٍ إداري، نظمَه شكل متنافر من أشكال
اللامركزية التي افترضت أن كل تجمع سكاني يتميز بسكانه ونخبه وثقافته السياسية من التجمعات السكانية الأخرى. وهي سياسة كلاسيكية موروثة عن التقليد الإمبريالي البريطاني، ومتأثرة كذلك بتصور استشراقي يرفض اعتبار الشعب الفلسطيني قوميةً واحدة، بل جماعات سكانية مختلفة، يمكن حكمها عن طريق بنى تقليدية وزبونية. ولم تدّخر إسرائيل طوال السبعينيات والثمانينيات أيّ جهد ممكن لاستدامة
هذا الوضع وإعادة إنتاجه، وذلك عبر قطع الصلات الممكنة كلها مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في المنفى، وعبر دعم بنى محلية تقليدية ضعيفة موروثة من عهد الحكم الأردني، بل صنعها أحيانًا أخرى في الضفة الغربية، وكذلك عبر دعم شبكات إسلامية أخرى مناهضة أيديولوجيًا لمشروع المنظمة في غزة. بدأت هذه السياسة في الضفة الغربية حين قررت إسرائيل استثمار النخب الفلسطينية المحسوبة على الحكومة الأردنية، وتحديدًا دعم رؤساء البلديات الموالين للأردن والسماح لهم بأشكال محدودة من النشاط السياسي في مختلف المراكز المدينية في الضفة الغربية وقطاع غزة (باستثناء القدس الشرقية.) وعلى الرغم من أن هذه السياسة أنتجت نجاحًا محدودًا في انتخابات البلديات في عام 1972، فإنها
سرعان ما فشلت في انتخابات عام 1976 التي هُزم فيها رموز الحكومة الأردنية، وأدّت إلى صعود جيل جديد من رؤساء البلديات أكثر استقلالية وأقرب إلى منظمة التحرير، الأمر الذي دفع سلطات الاحتلال إلى التضييق على رؤساء البلديات الجدد ومقاطعتهم، وعزل العديد منهم، وحتى محاولة اغتيال أحدهم. في بداية الثمانينيات، حاولت إسرائيل استغلال الانقسامات الاجتماعية بين سكان القرى والمدن، بخلق نخبة ريفية موازية تقليدية عُرفت ب "روابط القرى" لمواجهة تمرد نخب المدن، مفترضةً أن الفلاحين يمثّلون ما نسبته 70 في المئة من سكان الضفة الغربية. ومُنح ممثلو الروابط إمكان التوسط مع الإدارة
المدنية للحصول على الأذونات والتراخيص، غير أن المشروع الذي وصل إلى ذروته تحت قيادة وزير الدفاع آنذاك، أريئيل شارون، سرعان ما فشل بسبب استعدائه من المجتمع الفلسطيني، وقرار الأردن في آذار/ مارس 1982 اعتبار "عضوية روابط القرى خيانة عظمى". وفي الواقع، كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد استنتجت، في الآن نفسه، أن الاستثمار بقيادات ريفية بديلة مضيعةٌ للوقت.
(24) Ibid., pp. 116–117. (25) Mahmood Mamdani, Define and Rule: Native as Political Identity (Cambridge/ London: Harvard University Press, (26) Salim Tamari, "In League with Zion: Israel’s Search for a Native Pillar," Journal of Palestine Studies , vol. 12, no. 4 (Summer 1983), pp. 41–56. (27) Gazit, pp. 167–187.
(((2 بنفينستي، ص.151–144
(29) Gazit, p. 234.
أما في قطاع غزة الذي مثّل عقدةً أمنيةً كبرى لدى إسرائيل، فقد عوّلت إسرائيل على شبكات جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية ومؤسساتها ومنحتها هامشًا قانونيًا لما عُرف باسم "المجمع الإسلامي"،
لممارسة نشاطاتها الدعوية والاجتماعية، على افتراض أنّ دعمًا مثل ذلك قد يساعد في محاصرة تأثير فصائل منظمة التحرير. وساهم ذلك جزئيًا في تعزيز قوة الجماعة التي سيطرت، وفق أحد التقديرات،
على جامعة إسلامية بخمسة آلاف طالب، وما نسبته 40 في المئة من مساجد القطاع. لكن، مع حلول أواسط الثمانينيات، تبيّنت فداحة هذه الاستراتيجية؛ إذ أنتجت عمليًا تنظيمًا إسلاميًا أشد راديكالية من
فصائل منظمة التحرير. وبذلك، وحتى أواسط الثمانينيات، استنتجت إسرائيل أنه من غير الممكن حكم أي تجمع من التجمعات الفلسطينية الكبرى في الضفة الغربية وقطاع غزة بصفة غير مباشرة، لماذا؟ كان الافتراض الإسرائيلي عن التجزئة السياسية والاجتماعية التي عاشها فلسطينيو الأراضي المحتلة مصيبًا من ناحية قراءته حالة التجزئة السياسية والاجتماعية، لكنه كان مخطئًا كلّيًا في إمكان استدامتها.
فقد اكتشفت إسرائيل بعد فوات الأوان أن معرفتها بالمجتمع الفلسطيني كانت على قدر جهلها به، وأن أجهزتها الأمنية افتقدت قسمَ أبحاث يدرس التحولات المجتمعية، وأن أغلبية تقديراتها كانت قائمةً إما على انطباعات، وإما على معلومات من نخب وسيطة تقليدية غير متعلّمة. ولم تتوقع تلك التقديرات خضوع التجمعات السكانية الكبرى كلها في الأراضي المحتلة، لعملية تبدل جيلي Regeneration، ليشهد عقد الثمانينيات بروز جيل جديد أكثر تعبئةً وتعلّمًا، وأكثر تواصلً مع فكرة الوطنية الفلسطينية المنظمة كما طرحتها منظمة التحرير في المنفى. أما المفارقة، فقد كانت مسؤولية السياسات الاستعمارية – الاستيطانية إلى حد بعيد عن هذا التحوّل. مع صعود حكومة الليكود في أواسط السبعينيات، شهدت الأراضي المحتلة ازدياد وتائر سياسات اللاتنمية De–development التي ترتبت على استراتيجيات الإدماج الإسرائيلية المتسارعة. وقد شمل ذلك الاستغلال المكثف للعمالة الرخيصة وإفقار شرائح واسعة وسلخها من العمل في قطاع الزراعة المحلي الذي مثّل آنذاك عماد الاقتصاد المحلي، ودفعها إلى العمل المأجور الرخيص. وتوازى ذلك مع تسارع التوسع الاستيطاني، وما ترتب عليه من مصادرة الأراضي ومصادرة الثروات الطبيعية، وتشييد شبكة طرق عكست التخطيط المنحاز إلى مصالح المستوطنات على حساب حاجات النقل العربي، ليبدأ سكان الريف والمدن والمخيمات، على حد السواء، يشعرون، أكثر من أي وقت مضى، بخطر المشروع الصهيوني.
((3(هاني عواد، "فهم 'حماس': تأم ت في ث ثااة مداخل نظرية مختلفة ومتشابكة "،، العدد سياسات عربية 45 (تموز/ يوليو 2020)، ص.29–28 (((3 شلومو غازيت، بين الردع والمفاجأة: حول مسؤولية صياغة تقييم الاستخبارات الوطنية في إسرائيل، مزكار 66 (تل أبيب: مركز يافيه للأبحاث الاستراتيجية – جامعة تل أبيب، 2013)، ص.38–37 [بالعبرية] (((3 عواد، ص.39–38 (((3 المرجع نفسه، ص.27
وقد ترافق ذلك كله مع أزمة اقتصادية حادّة ضربت المنطقة، أدّت إلى انكماش الاقتصاد الإسرائيلي، مؤثّرًا في الظروف المعيشية للفلسطينيين الذين عمل أكثر من مئة وعشرين ألفًا منهم في قطاعات الصناعة والزراعة والبناء الإسرائيلية والخدمات، ليُصرف العديد منهم من عمله. وأثّرت الأزمة أيضًا في الأردن ودول الخليج التي كانت مصدرًا رئيسًا لتحويلات العمالة الفلسطينية المهاجرة. كما أسهمت القيود التي فرضتها الدول العربية على هجرة الفلسطينيين مخافة تفريغ الأراضي المحتلة؛ في زيادة نسبة الشباب على 70 في المئة. ونتج من ذلك ازدياد مطّرد في عدد الجامعات والكليات التي أسّست لتعويض صعوبة التحاق الشباب بالمؤسسات التعليمية في البلدان العربيةُ، ما زاد المعدل السنوي لعدد خريجي الجامعات والكليات الأهلية على نحوٍ لافت، تمكّن أقل من خمسهم من إيجاد عمل. بذلك، فقد أنتج هذا الازدياد من معدل التعليم وارتفاع مستويات التهميش والإفقار وتعزيز الوعي القومي، مزيجًا اجتماعيًا خطرًا لم يكن ينقصه سوى شرارة الانفجار.
2. الحكم المباشر ومقاومته: صعود التنظيمات الفلسطينية
في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987، دهست شاحنة إسرائيلية مجموعة من العمال الفلسطينيين في مخيم جباليا شمال مدينة غزة، فقتلت أربعة منهم، لتتحول جنازتهم في اليوم التالي إلى مظاهرة عارمة واشتباكات بالحجارة وزجاجات المولوتوف مع قوات الاحتلال، ولتتبعها بعد ذلك سلسلة من المظاهرات من النوع نفسه عمّت مختلف المناطق الفلسطينية. حتى ذلك اليوم، توقعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن هذا الحدث سيكون عابرًا، شأنه شأن الاحتجاجات التي اندلعت عقب الإعلان عن "الإدارة المدنية الجديدة" في عام 1982–1981 التي قادها طلاب الجامعات، ودعمَها رؤساءُ البلديات الفلسطينية المنتخَبون، والتي وصلت إلى ذروتها في الأسبوع الأخير من آذار/ مارس، ثم توقفت نتيجة القمع وسياسات العقاب الجماعي. توسّعت هذه المرة رقعة الاحتجاجات لتعمّ التجمعات الفلسطينية كلها، وبلا انقطاع ولا توقف. زاد عدد المظاهرات التي شهدتها الأراضي المحتلة بين عامي 1985 و 1987 بما نسبته 3000 في المئة، بينما ازدادت الهجمات على أهداف إسرائيلية من 351 هجومًا في عام 1983، إلى ما يزيد على خمسة
(34) Baruch Kimmerling & Joel S. Migdal, The Palestinian People: A History (Cambridge: Harvard University Press, 2003), pp. 294–295.
(35) Ibid. (((3 يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1993–1949، ترجمة باسم سرحان (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002)، ص.849
(37) Gazit, pp. 230–232. (38) Hazem Jamjoum, "The Village Leagues: Israel’s Native Authority and the 1981–1982 Intifada," Master Dissertation, American University of Beirut, Beirut, 2012, p. 28.
(((3 صايغ، ص.850
آلاف هجمة في كل عام من أعوام الانتفاضة الأولى، وقُدّر أن ما نسبته 40 في المئة من كل الراشدين في الأراضي المحتلة تعرّضوا للاعتقال ليلة واحدة على الأقل. وهذه المرة لم تفلح سياسة القبضة
الحديدية والعقوبات الجماعية التي فرضتها إسرائيل على بلدات أو مدن بعينها عقب اندلاع احتجاجات شعبية أو عمليات عسكرية فيها في تطويق الانتفاضة، بل زادت من النقمة الجماعية، ووفرت بيئة خصبة للتعبئة السياسية التي أفرزت أشكالً خاصة من التنظيم الجماهيري غير الرسمي. لقد مثّلت الانتفاضة الأولى، عن حق، ثورةَ شعب مزجت بين الاحتجاج الشعبي المتواصل والعمل السياسي المنظم. زعزع اندلاع الانتفاضة الأولى التصور المهيمن على السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي المحتلة الذي حكم نظام الحكامة الكولونيالي خاصتها، واعتُبر عدم توقع نشوبها "فشلًاستخباراتيًا"، كانت أحد
أسبابه، كما شخصت ذلك المخابرات الإسرائيلية، عملية جمع البيانات الاستخبارية التي كانت قائمة على قواعد بيانات منفصلة لكل مدينة وقرية عربية على حدة، جرى بناؤها اعتمادًا على شبكات محلية من العملاء وموظفي الإدارة المدنية، وفق تصور أيديولوجي (يسميه ممداني في حالة الأنظمة الاستعمارية في الهند وأفريقيا "شرطًا إبستيمولوجيًا" Condition Epistemic استعماريًا)، يرفض
الاعتراف بمجموع التجمعات الفلسطينية المختلفة بوصفها شعبًا واحدًا. ونتيجة لذلك، افتقد نظام
الحكامة الكولونيالي آليات تحلل التطورات السياسية الشاملة في الأراضي المحتلة، على افتراض أنها لا تشكل وحدة سياسيةً واحدة. في الواقع، أنتجت حالة اللامركزية الإدارية والجغرافية التي حاول نظام الحكامة الكولونيالي فرضها لإخضاع الفاعلية السياسية الجماعية، نمطَ مقاومة على شاكلتها. ففي مختلف الأراضي المحتلة، جرى تشكيل بنى جماهيرية شبه رسمية، مستقل بعضها عن بعض، أظهرت كفاءةً بالتواصل مع الشباب في المخيمات والقرى، لتوفر أطرًا جديدة للتعبئة والتنظيم لشرائح اجتماعية واسعة خارج مراكز المدن
التي كانت تحتكر حتى فترة قريبة العمل الاحتجاجي. كما أسهمت الاعتقالات الإسرائيلية الواسعة في صفوف هذه التنظيمات، بأحكامِ سجن قصيرة ومتوسطة، في أن يصبح المعتقل حيّزًا فعّالً للتثقيف
الوطني والأمني والتنظيمي لآلاف الأعضاء.
(((4 إفرايم لابيد، "الانتفاضة التي انتهت باتفاقية مثيرة للجدل"، إسرائيل ديفينس، 2017/12/14، شوهد في 2021/10/12، في:
https://bit.ly/3mt0HSS [بالعبرية]
(((4 صايغ، ص.849 (((4 رون كاتري [محرر]، "المخابرات في الانتفاضة الأولى: مداخلات من ورشة بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع [الانتفاضة"]، مركز موروث الاستخبارات (آب/ أغسطس 2018)، ص 4، شوهد في 2021/10/12، في: https://bit.ly/3FqRfb9 [بالعبرية] (((4 المرجع نفسه، ص.10–9
(44) Mamdani, Neither Settler nor Native , p. 3.
(((4 غازيت، ص.38–37 (((4 هلغى باومغرتن، من التحرير إلى الدولة: تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية 1988–1948، ترجمة محمد أبو زيد (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)، 2006)، ص.317
(47) Lisa Taraki, "Mass–Organization in the West Bank," in: Nasser H. Aruri (ed.), Occupation: Israel over Palestine (Belmont, MA: Association Arab–American University Graduates, 1989), p. 32.
(((4 صايغ، ص.850
على الرغم من اللامركزية المفرطة لهذه البنى الاجتماعية وافتقادها روابط أفقية مؤسسية، فإن ذلك لم يمنعها من العمل، بتناغم، كما أنها لم تعدم الوسائل في التواصل مع قيادة منظمة التحرير في المنفى والتوافق على تأسيس ما عُرف ب "القيادة الموحدة للانتفاضة". والحال، فقد كانت لامركزية هذه البنى هي سر رشاقتها، حيث كانت كل بنية من هذه البنى أكبر مما يمكن تجاهله، وأصغر مما يمكن لبيروقراطية مركزية عسكرية ملاحقته. بذلك، ومع انتهاء عام الانتفاضة الأول، شكّلت هذه الشبكة الواسعة من البنى في مجملها بنية تحتية سياسية كاملة، وجّهت جلّ عملياتها لتشلّ نظام الحكامة الكولونيالي، عبر استهداف قنواته المؤسسية مع التجمعات الفلسطينية الكبرى ماديًا ورمزيًا. ماديًا عبر التصفية الجسدية لشبكات العملاء، حيث قُتل منهم ما يزيد على 150 عميلً، مع بداية عام الانتفاضة الثالث، بل ذهبت تقديرات إلى أن واحدًا من كل ثلاثة فلسطينيين سقطوا في الانتفاضة، قُتل بتهمة العمالة. أما رمزيًا، فعبر التهديدات التي أطلقتها "القيادة الموحدة للانتفاضة"، والتي أسفرت عن موجات متعاقبة من الاستقالات الجماعية بين موظفي الإدارة المدنية العرب، لتصبح بعد ذلك أغلبية التجمعات الفلسطينية، بالنسبة إلى أجهزة الحكامة الكولونيالية، "ثقوبًا سوداء" تدار بوساطة لجان شعبية محلية. لا عجب إذًا، في ظل حالة التعبئة الشعبية وفقدان التواصل المؤسسي مع التجمعات الفلسطينية أن تشتهر في الانتفاضة الأولى قصص اختفاء الناشطين الفلسطينيين سنوات طويلة. فعلى خلاف ثوار عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، الذين تخفّوا في سياق نضالهم ضد قوات الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، في الجبال والكهوف والأحراش، فإن ثوار مرحلة الانتفاضة الأولى اختفوا في التجمعات السكانية ذاتها، غالبًا في بيوت سكنية عادية، واقتصرت أكثر تكتيكات الاختفاء لديهم
شيوعًا على الانتقال المستمر من بيت إلى آخر، في ظل حاضنة اجتماعية معبأة سياسيًا ويصعب
اختراقها. ومن بين القصص الكثيرة التي تداولتها الذاكرة الشعبية، اشتهرت قصة اختفاء القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أحمد قطامش، التي بدأنا بها هذه الدراسة، مدة تزيد على 17 عامًا،
(((4 قارن بممداني الذي اعتبر أن أحد عوامل نجاح حركة النضال ضد نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، أو ما يسميها "اللحظة الجنوب أفريقية"، هو أن النضال لم يكن موجّهًا من مركز وحيد، بل من مراكز عدة، تناقضت مبادراتها في بعض الأحيان، الأمر الذي
حرم النظام من إمكان تحديد الحركة التي رفضت مسألة تمثيلها لجهة بعينها دون غيرها.
Mamdani, Neither Settler nor Native , p. 345.
(((5 باومغرتن، ص.312 (((5 سليم تماري، "مخاطر الرتابة: العصيان المحدود والمجتمع المدني"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 1، العدد 3 (صيف 1990)، ص 4–3؛ كاتري، ص.12–11 ((5(ربى الحصري، "حول ظاهرة تصفية المتعاونين مع سلطات الاحت"، لاا مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 1، العدد 3 (صيف 1990)، ص.5
(53) Kimmerling, p. 304.
(((5 خالد أبو هديب، "أثر الانتفاضة/ الثورة: في فك الارتباط عن سلطات الاحتلال"، إسرائيليات، مج 1، العدد 1 (شتاء 1990)، ص.7 (((5 المرجع نفسه، ص.11–10
وكذلك قصة المناضل وسام الرفيدي الذي اختفى مدة تزيد على تسعة أعوام، والتي وثّقها في روايته الأقانيم الثلاثة. الشكل (3) شرطا الحكم المباشر/ غير المباشر قبل أوسلو
المصدر: من إعداد الباحثين.
أجهضت الانتفاضة الأولى أيّ صيغة ممكنة من الحكم غير المباشر الذي يمكن خلاله حكم التجمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة، واستنتجت إسرائيل أنّ في غياب مؤسسة سياسية فلسطينية قادرة على احتكار الفاعلية الجماعية الفلسطينية (ينظر الشكل 3)، من غير الممكن الاستمرار في الحكم سوى عن طريق الحل العسكري والقمع العنيف الذي شمل تصعيد أوامر إطلاق الرصاص وسياسة تكسير العظام التي أمر بها وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، لضرب راشقي الحجارة بالعصي وكسر أطرافهم. كما بدأ الجيش الإسرائيلي، أول مرة، باستخدام وسائل تكنولوجية متطورة، مثل مروحيات الهليكوبتر، وخصص وحدات عسكرية سرية مستعربة بلباس مدني، لتعقّب الناشطين الفلسطينيين وتصفيتهم. كما نُشرت في هذه الفترة، وعلى نحو غير مسبوق ومكثف، مجموعة كبرى من الحواجز الثابتة والمتحركة، قامت بعمليات تفتيش واسعة ومكثفة وتقييد حركة الفلسطينيين، إضافة إلى سياسات عنيفة أخرى شملت هدم المنازل وإغلاق المدارس والجامعات ونشر الشائعات، وأخيرًا إجراءات حظر التجول التي جرى تنفيذها، مثلً، في عام 1988 وحده 1600 مرة.
(((5 وسام الرفيدي، الأقانيم الثلاثة (القدس: مركز الزهراء للدراسات والأبحاث،.)1998 (((5 سمير جبور، "الجيش الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 1، العدد 1 (شتاء 1990)، ص –207 (((5 المرجع نفسه، ص.215–213 (((5 إيليا زريق وأنيتا فيتولو، "الحصاد الدامي ل 'فرق الموت الإسرائيلية"'، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 3، العدد 10 (ربيع 1992)، ص.102
(60) Stuart A. Cohen, "How did the Intifada Affect the IDF?" Journal of Conflict Studies , vol. 14, no. 3 (Summer 1994), pp. 10–11.
(((6 أحمد عز الدين أسعد ومنير فخر الدين، "السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة سنة 1967:"، في
منير فخر الدين [وآخرون]، دليل إسرائيل العام 2020 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021)، ص.954
(62) Laleh Khalili, "The Location of Palestine in Global Counterinsurgencies," International Journal of Middle East Studies , vol. 42, no. 3 (August 2010), pp. 413–433, 425.
قتلت إسرائيل في محاولتها قمع الانتفاضة الأولى أكثر من 1000 فلسطيني، لكن ذلك لم يكن من دون تكلفة اقتصادية ورمزية عالية جدًا، وانقسام واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، وغضب عالمي ودولي، ومن دون جيش منهك أيضًا على مستوى قدراته القتالية والمعنوية. لكن، على الرغم من فرضها الحكم العسكري المباشر، فإنه كان أبعد من أن يتمتع بأي استقرار، فقد أنتجت الانتفاضة الأولى مجتمعًا فلسطينيًا موحّدًا وأشد راديكالية من أي وقت مضى، كما شهدت السنوات الأخيرة
منها تطور أشكال جديدة من العمل العسكري المقاوم، تعزّزَ مع تأسيس تنظيم عسكري مركزي لحركة حماس، كان مسؤولً عن عمليات نوعية ضد وحدات الجيش الإسرائيلي. لم يكن الحكم المباشر، إذًا، بالنسبة إلى إسرائيل حلً، بقدر ما كان ورطةً. لكن، في أيلول/ سبتمبر 1993، وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية اتفاق أوسلو، وجاء إسرائيل الفرج.
ثانيًا: الحكامة الكولونيالية في مرحلة أوسلو: تجربة قصيرة من الحكم غير المباشر
ثمة إجماع يصعب تحدّيه أنّ "أوسلو" كان نتيجة التقاء مصالح بين حكومة إسرائيل بقيادة رابين التي واجهت معضلة حكم التجمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في المنفى التي كانت تواجه أزمة شرعية. تمثلت عقدة المنظمة بمواجهتها مأزقًا متعدد الأبعاد بعد خروجها من لبنان (1982) وعزلها في تونس، وتقويض النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج الثانية وما لحقه من خروج فلسطيني من الكويت (1991)، وتجفيف منابع الدعم المالي، وكذلك عقب تفكك الاتحاد السوفياتي الذي أذِن ببداية نظام دولي جديد بقيادة أميركية، وانتهاءً بإبصار المنظمة إمكان بروزَ
قيادة جديدة للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، خصوصًا مع صعود نجم حركة حماس. في هذا السياق، قدم "أوسلو" إلى إسرائيل "حلً مؤسّسيًا" لمسألة حق تقرير المصير في الأراضي المحتلة، وألغى
لقيادة المنظمة في الشتات إمكان بروز قيادة محلية جديدة تشق مسارها السياسي الخاص. أوهمت الصيغة الغامضة لاتفاق أوسلو التي أجّلت القضايا المهمة كلها (اللاجئون، الاستيطان، الحدود، القدس، المياه)، عرفات بإمكان انتزاع دولة مستقلة في حدود عام 1967، مع أنه كان مدركًا كذلك إمكانات
(63) Ben White, "Facts about the First Intifada," Middle East Monitor , 9/12/2017, accessed on 12/10/2021, at: https://bit.ly/3xdzp6V (64) Azmi Bishara, "The Uprising’s Impact on Israel," in: Z. Lockman & J. Beinin, Intifada: Palestinian Uprising against Israeli Occupation (Washington: MERIP, 1989), pp. 217–230.
(((6 بلال شلش، "تحولات المقاومة المسلحة لحركة حماس في الضفة الغربية في أثناء انتفاضة الأقصى من المركزية إلى الشظايا
المتفجرة"، في: عزمي بشارة [وآخرون]، قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، ج 1: في الهوية والمقاومة والقانون
الدولي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 (((6 عزمي بشارة، "صفقة ترامب – نتنياهو": الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال: ما العمل؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.86
(67) Parsons, p. 5; Glenn. E. Robinson, Building a Palestinian State: The Incomplete Revolution (Bloomington: Indiana University Press, 1997), pp. x–xi.
أخرى وخيمة. لكن السنوات السبع التي تبعتها، أثبتت أن أوسلو لم يكن يعني سوى حل ورطة الحكم العسكري المباشر في الأراضي المحتلة، ومَنحها ما فشلت في صنعه، أي بنية مؤسسية سياسية متماسكة
تحتكر الفاعلية السياسية الجماعية، وتنوب عنها في إدارة التجمعات الفلسطينية الكبرى. بذلك، وفي حين كان أوسلو بالنسبة إلى منظمة التحرير مسارًا لتدشين دولة فلسطينية مستقلة، كان بالنسبة إلى إسرائيل،
كما جادل طارق دعنا، تدشينًا لصيغة أشد فاعلية من صيغ الحكم غير المباشر. وباللغة المفهومية التي
تتبناها هذه الدراسة، فقد اجتمع في هذه المرحلة شرطَا الحكم غير المباشر: توافر بنية مؤسسية متطورة قادرة على احتكار الفاعلية السياسية الجماعية، وقدرة هذه البنية على المراوغة.
1. استراتيجية عرفات: احتكار الفاعلية السياسية الجماعية وتوسيع هامش المناورة
اعتبرت قيادة منظمة التحرير، مباشرة بعد توقيعها أوسلو، تدشين السلطة الفلسطينية "حدث تحرير"، والخطوة الأولى في طريق حق تقرير المصير وبناء الدولة، ولم يكن ينقصها آنذاك الشرعية والتأييد الشعبي الواسع. لكن، لم تعكس الأعوام الستة التي تبعت تأسيس السلطة الفلسطينية هذا المسعى فحسب، بل كذلك إمكان تحوّل أجهزتها الأمنية المختلفة إلى أجنحة مقاومة، في حال
نكثت إسرائيل بما أوحت به، تلميحًا لا تصريحًا، بقبولها مبدأ الدولة الفلسطينية المستقلة. لهذا
السبب، صمم عرفات بنية النظام السياسي الفلسطيني بشكل هجين، فهو نواة لدولة مستقبلية ذات هيكل مركزي، له وزارات وأجهزة حكومية مختلفة ومجلس تشريعي، لكن أذرعتها الأمنية تشبه في بنيتها الشاملة قوات حركة فتح ومنظمة التحرير في لبنان، فهي لامركزية وفق خلفياتها الاجتماعية المتباينة وتشتتها المؤسسي وتداخلها الوظيفي ونظام تواصلها غير الرسمي، وهي كذلك مركزية على مستوى كل جهاز أمني على حدة، وباجتماعها في التواصل مع عرفات حصرًا وعلى نحو
شخصي، فحسب. أسّست الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفقًا للبند الثامن من اتفاق أوسلو، الذي نصّ على الحاجة إلى إعادةُ
"النظام العام والأمن الداخلي" في الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال قوات شرطة متينة. وحددت اتفاقات القاهرة (1994)، عددهم ب 9000، منهم 7000 من العائدين من المنفى، و 2000 من المحليين، وتكوّنت من أربعة أجهزة. ووسعت اتفاقية طابا (1995) مساحات سيطرتها لتشمل مناطق أغلبية
التجمعات السكانية الكبرى التي عُرفت بمناطق (أ)، ليُضاف إليها جهازان، ويزداد عددها إلى ثلاثين
ألفًا، من ضمنهم اثنا عشر ألفًا من العائدين. كما اشترط أوسلو 2 أن تتسلح قوات الأمن بالأسلحة الخفيفة، وبناء قاعدة بيانات حول هذه الأسلحة لدى إسرائيل، لضمان مراقبتها.
(68) Tariq Dana, "Israeli Conception of 'Peace' as Indirect Colonial Rule," in: Jürgen Mackert, Hannah Wolf & Bryan S. Turner (eds.), The Condition of Democracy, vol. 3: Postcolonial and Settler Colonial Contexts (London: Routledge, 2021), pp. 71–89. (69) Neri Zilber & Ghaith Al–Omari, "State with No Army, Army with No State: Evolution of the Palestinian Authority Security Forces 1994–2018," Policy Analysis , Policy Focus 154, The Washington Institute for Near East Policy, 27/3/2018, pp. 7–8, accessed on 13/10/2021, at: https://bit.ly/2ZRecUz (70) Ibid., p. 5.
على الرغم من هيكليتها الفوضوية، فإن إنجاز هذه البنية الأمنية الأبرز كان احتواءها شبكة المنظمات الجماهيرية الواسعة المشتتة التي نشطت في مرحلة الانتفاضة الأولى، ومَرْكزتها في مجموعة من
الأجهزة الأمنية. فعلى سبيل المثال، مثّل جهازَا الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة إطارًا جرى فيه توظيف العائدين، في حين مثّل جهازَا الأمن الوقائي، وجهاز الأمن الوطني المتضخم، الوعاء المؤسسي الذي جرى فيه دمج شبكات تنظيم فتح المحلية. غير أن هذا التوزيع الذي صُمم للهيمنة، وفق قاعدة "فرّق تسد"، أدّى لاحقًا دورًا سلبيًا بعد عام واحد من اندلاع الانتفاضة الثانية، كما سنناقش
لاحقًا. في النصف الثاني من التسعينيات، اتسم سلوك السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات باستراتيجيتين متمايزتين: الأولى محاولتها فرض سطوتها على المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وإثبات كفاءتها في احتكار الفاعلية السياسية الجماعية. ولا يزال العديد من الفلسطينيين يتذكر حتى هذا اليوم أحداث مسجد فلسطين في مدينة غزة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1994، حيث فرقت قوات الأمن الفلسطينية مظاهرة سلمية لأنصار حركة حماس بالرصاص الحي، ما أودى بحياة 17 منهم. كما ما زال يتذكر حملات المطاردة والاعتقال والتعذيب لقيادات حركتَي الجهاد الإسلامي وحماس، خصوصًا بعد سلسلة العمليات الاستشهادية التي نفّذتها في القدس وفي الداخل المحتل منذ عام.1948 كما أظهرت السلطة كفاءةً في التنسيق الأمني مع إسرائيل في إحباط عمليات عسكرية نوعية، اشتهر منها المساعدة في كشف مكان الجندي الإسرائيلي نخشون فاكسمان في عام 1994، بعد ثلاثة أيام فحسب من اختطافه من عناصر من حركة حماس. وساهم التعاون الأمني في تفكيك التنظيم العسكري المركزي لحماس، كتائب عز الدين القسام؛ ففي مطلع عام 1996، اغتالت إسرائيل المهندس الفلسطيني يحيى عياش، بعد أن نجحت في تصفية العديد من قيادات التنظيم الميدانية. ومع حلول عام 1998، وصلت السلطة الفلسطينية إلى تفاهمات مع قيادات حركة حماس جرى بموجبها تجميد عملها العسكري. أما الاستراتيجية الثانية التي انتهجها عرفات، فقد كانت في توسيع هامش المناورة لدى أجهزته الأمنية. جرى ذلك من خلال تجاوزه ما حددته الاتفاقات المرحلية من عدد عناصر الأمن ونوعية تسليحهم. فقد تضخم عددهم من ثلاثين ألفًا إلى ما يزيد على خمسين ألفًا، كما جرى إخفاء قوائم أفراد الأمن، وتجاوز التنسيق مع الإسرائيليين في ما يتعلق بعدد الأسلحة ونوعيتها، الذي فاق، بحسب أحد التقديرات، أكثر من أربعين ألف قطعة زائدة على المسموح به، بما يشمل قذائف هاون وآر پي جي RPG، إضافةً إلى تطوير قدرات تصنيع أسلحة محلية. أما من الناحية الهيكلية، فأسست السلطة أجهزةً إضافية جديدة، ليصبح عددها بحلول عام 2000، عشية الانتفاضة الثانية، اثني عشر جهازًا. أخيرًا، جرى تعبئة الأجهزة الأمنية الجديدة على مستوى الهوية الوطنية، وهي المهمة الأيسر آنذاك، فقد
كانت أغلبية عناصرها إما من المقاتلين السابقين العائدين من الخارج، وإما من المناضلين الذين قادوا
(71) Ibid., pp. 5–6. (72) Ibid., p. 6.
الانتفاضة الأولى. وقد كان أحد تعبيرات ذلك في تلك المرحلة ردة فعل الأجهزة الأمنية تجاه القوات الإسرائيلية، في هبة النفق الشعبية في أيلول/ سبتمبر 1996 التي سقط فيها عشرات الشهداء ومئات الجرحى. وقتذاك، أبصرت إسرائيل قوات الأجهزة الأمنية، التي ساهمت هي في تمرير السلاح إليها، تطلق النار على جنودها وتقتل منهم 17 ضابطًا وجنديًا، وهو الحدث الذي سوف تتعلم دروسه في أثناء تحضيرها لمواجهة انتفاضة الأقصى بعد سنوات قليلة. الشكل (4) الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية (2000–1994)
المصدر: من إعداد الباحثين.
بذلك، ومع نهاية التسعينيات، كما يوضح الشكل (4)، كانت شبكة البنى السياسية الواسعة التي ميّزت
مرحلة الانتفاضة الأولى، واتسمت بلامركزية شديدة، قد انتظمت في مجموعة من الأجهزة الأمنية ذات طابع مركزي، تتبع كلها مباشرةً عرفات، وتحتكر بدورها الفاعلية السياسية الجماعية، وتملك هامشًا من المناورة. غير أن اجتماع هذين الشرطين كان أبعد من أن يفضي إلى دولة مستقلة، بل كان في أفضل أحواله، كما يوضح الشكل (5)، صيغةً من صيغ الحكم غير المباشر المرتبط بنظام الحكامة الكولونيالي، وهو أقصى ما كانت الحكومة الإسرائيلية قادرةً على القبول به. هكذا، ومع استمرار السياسات الاستعمارية الاستيطانية التي ضاعفت عدد المستوطنين في الأراضي المحتلة ليزيد عددهم في عهد حكومة إيهود باراك إلى مئتي ألف مستوطن، ومع انهيار محادثات السلام في كامب ديفيد في أواخر عام 2000، أخذت العملية السياسية مجرى آخر، واندلعت الانتفاضة الثانية التي حاول عرفات تزعّمها خشية أن تجرفه، لكنها على أي حال جرفته.
(73) Jeremy Pressman, "The Second Intifada: Background and Causes of the Israeli–Palestinian Conflict," Journal of Conflict Studies , vol. 23, no. 2 (2003), p. 120.
الشكل (5) شرطا الحكم غير المباشر في مرحلة أوسلو
المصدر: من إعداد الباحثين.
2. طي صفحة عرفات: قمع الانتفاضة الثانية والقبض على الفاعلية السياسية الجماعية
ثمة خلاف في الحلقة الضيقة التي رافقت عرفات عن مدى مسؤوليته في التخطيط للانتفاضة الثانية أو التمهيد لها. فعلى سبيل المثال، يؤكد ممدوح نوفل ومروان كنفاني، وكلاهما اضطلع بأدوار استشارية، أن اندلاعها كان برعايته وتخطيطه، في حين يروي أحمد قريع أن عرفات وجد نفسه مجبرًا على القيادة
لقطع الطريق على "قوى فلسطينية معارضة" (المقصود بالطبع حركة حماس) رغبت في "تعزيز حضورها السياسي، وطرح برنامجها كخطة بديلة من برنامج السلطة الفلسطينية". لكن تشترك أغلبية وجهات النظر، في أن عرفات – ربما كغيره – كان قد توقعها، وأنه حاول أن يستفيد منها للضغط على إسرائيل للقبول بتفسيره اتفاق أوسلو، أي إعطاء الفلسطينيين دولةً معقولةً، عاصمتها القدس الشرقية. غير أن
محاولته لم تؤتِ أكلها بسبب سوء التقدير من جهة أولى، وسوء الإعداد من جهة ثانية، والأهم من ذلكُ، من جهة ثالثة، هو التحول الذي جرى في بنية الفاعلية السياسية الجماعية الذي ساهم هو في صنعه. أما سوء التقدير، فتجلى في قراءة مخطئة كلّيًا للوضع الإقليمي والدولي عقب انتهاء الحرب الباردة،
وصعود المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وزاد الطين بِلّة في العام الثاني للانتفاضة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي خلقت جوَّا دوليًا لا يتفهّم ممارسة العنف من أجل التغيير
السياسي، كما كانت الحال في عالم ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي الذي جاء منه عرفات، حيث طالب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حينها، الفلسطينيين، بإصلاح السلطة الفلسطينية وتفكيك التنظيمات المسلحة وانتخاب قيادة جديدة للسلطة الفلسطينية.
(((7 مروان كنفاني، سنوات الأمل (القاهرة: دار الشروق، 2007)، ص 334–332، ص 383؛ مصطفى البرغوثي [وآخرون]، "وجهات
نظر في تطورات الانتفاضة وأهدافها"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 12، العدد 47 (صيف 2001)، شوهد في 2021/10/13، في:
https://bit.ly/2YKsQMJ
(((7 أحمد قريع، الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات: من أوسلو إلى خريطة الطريق: 3 – الطريق إلى خريطة الطريق، –2000
2006 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011)، ص 47؛ مع العلم أن هذا الخ ف أيضًا ينسحب على النخب السياسية
الإسرائيلية، ينظر: زاكي شالوم ويوعاز هندل، "السمات الفريدة للانتفاضة الثانية في معارك إسرائيل"، تسافا فِ إستراتيجيا، مج 3، العدد 1 (أيار/ مايو 2011)، ص 15، شوهد في 2021/10/13، في: https://bit.ly/3ll9lDD [بالعبرية]
(76) Husam Mohamad, "President George W. Bush’s Legacy on the Israeli–Palestinian 'Peace Process'," Journal of International and Area Studies , vol. 22, no. 1 (June 2015), p. 79.
أما سوء الإعداد، ففي تعويله على ولاء قاعدته الفتحاوية، وعلى تعاون الفصائل الفلسطينية الأخرى. فقد أسس عرفات منذ بداية الانتفاضة مجموعات "كتائب شهداء الأقصى" التي كانت أغلبية أعضائها إما من أفراد الأجهزة الأمنية، أو تحت تغطيتها، ومرتبطة من خلال تنظيمات فتح الإقليمية به مباشرة، وعلى نحو عشوائي وغير رسمي. وقد أمر كذلك قادة الأجهزة الأمنية بغض الطرف عن تسليح الفصائل الأخرى، خصوصًا حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إضافةً إلى الجبهة الشعبية، على أمل احتوائها. كان عرفات مخطئًا في تقديراته، ففي العام الثاني للانتفاضة، بدا كأنّ كتائب شهداء الأقصى التي تكاثرت مجموعاتها بعد انهيار الأجهزة الأمنية وضعف قياداتها، تتمرد عليه، ولا تقبل بإدارته السياسية للانتفاضة. وقد تجلّى ذلك في إصرار العديد من المجموعات على مواصلة المقاومة المسلحة في الأوقات التي احتاج فيها إلى التهدئة والتفاوض. والسبب في ذلك أن قواعد فتح، المشكّلة أساسًا من
فتحاويين محليين كانت ناقمة على نظام المحسوبية الذي أرساه عرفات، والذي فضّل العائدين على حساب المحليين، إلى درجة أنَّ لغة الشارع آنذاك ربطت بين شريحة مديري القطاع العام المتضخمة في السلطة وشريحة العائدين؛ ما أنتج انقسامات لم تقد إلى فشل سياسي وعسكري فحسب، بل أدت كذلك إلى مساعدة إسرائيل في عزل عرفات حين نجح شارون، صاحب الثأر الشخصي القديم معه، في العام الثالث للانتفاضة، في إقناع الإدارة الأميركية بأنَّ عرفات ما عاد، أساسًا، يسيطر على فتح،
وبات من الضروري البحث عن بديل منه يفرض السيطرة. أساء عرفات أيضًا تقدير حجم حماس وقدرتها على الانقلاب على خطته لتجيير الانتفاضة، وكان لذهابه إلى المواجهة مع إسرائيل من دون تسوية تناقضاته معها آثار وخيمة، خصوصًا وهو الأعرف بعمقها في المجتمع الفلسطيني. فحينما انطلقت الانتفاضة الثانية، لم يكن لدى حماس أي سبب للثقة بعرفات وبإدارته السياسية. وما كان من الممكن توقع أن تمنحه سريعًا الثقة، ولم يكن قد مضى على أغلبية قياداتها وعناصرها وقتٌ طويل على خروجها من تجربة مريرة تحت سياط أجهزته الأمنية، ومنهم من قصفته طائرات إسرائيل في سجون السلطة في أثناء الانتفاضة. هذا عدا أنَّها لم تكن أصل تقرّ بشرعية عرفات مرجعيةً سياسية، ولم تكن لتلتحق بمغامرة قد ينتج منها سقف سياسي ترفضه، هو
سقف أوسلو. بذلك، أظهرت حماس براعةً منقطعة النظير في إعادة بناء تنظيمها من القاع بسرعة فائقة. وفي خلال عام واحد، وبعد تحوّل الانتفاضة إلى العمليات الاستشهادية، استطاعت تصدّرها، وأصبح
مسلّمًا لها قيادتها، وأنها صاحبة القول الفصل في قرار الهدوء والمواجهة.
(77) Zilber & Al–Omari, pp. 20–21. (78) Ibid., pp. 12–13.
(((7 محمود الناطور (أبو الطيب)، حركة فتح: بين المقاومة والاغتيالات، المجلد الثاني 2004–1983 (عمان: دار الأهلية، 2014)،
ص 532–531؛ أبو علاء منصور (محمد يوسف)، رحلة لم تكتمل: محطات على طريق المقاومة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، الفصل الثاني؛
Graham Usher, "Facing Defeat: The Intifada Two Years On," Journal of Palestinian Studies , vol. 32, no. 2 (Winter 2003), pp. 21–40.
لكن، وما يوازي العوامل السابقة كلها أهمية، في رأينا، هو التحول الذي جرى على بنية الفاعلية السياسية الجماعية. فقد أدت عملية المأسسة السياسية التي باشرها عرفات في سنوات أوسلو القصيرة، وما صاحبها من مَركزة لشبكات التنظيمات الفلسطينية في مختلف التجمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة، إلى سَلب الفاعلية السياسية الجماعية أهم ركائز قوتها التي اتّسمت بها في مرحلة ما قبل أوسلو، وهي التشتت واللامركزية، والتي منحتها الرشاقة وصعوبة التحديد، كما سبق أن ناقشنا ذلك في المبحث الأول من هذه الدراسة. نتج من ذلك مأسسة نمط المقاومة، الذي على خلاف سابقه، امتاز بثقل الحركة وسهولة تعريفه وتحديده؛ ما سهّل على حكومة شارون في نهاية آذار/ مارس 2002 تعريف الانتفاضة باعتبارها حربًا. لتقوم، بذريعة اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي والعمليات الاستشهادية، باجتياح المدن الفلسطينية، وعزل بعضها عن بعض، ومحاصرة عرفات في المقاطعة في رام الله، وعزله عن أجهزته الأمنية التي جرى استهدافها بالقصف الجوي، قبل أن يعتقل الجيش الإسرائيلي أغلبية عناصرها ويجرّدها من السلاح بطريقة مذلة. بذلك ومع حلول أواسط عام 2003، كانت إسرائيل قد قبضت
على بنية سلطة عرفات البيروقراطية وقاعدتها الاقتصادية التي شملت مرافق القطاع العام والشبكات التجارية والبنوك. أما فصائل المقاومة الأخرى، التي كانت قد أعادت تنظيم نفسها على عجل في العام الأول من الانتفاضة الثانية، فواجهتها إسرائيل بما سمّته استراتيجية "قطع رؤوس الأفاعي". فقد ركزت أجهزتها الأمنية على قتل قادة المجموعات التنظيمية واعتقالهم باستخدام الصواريخ الموجهة وتقنيات التفخيخ بالمتفجرات، بدلً من التركيز على جميع العناصر الفاعلة في المقاومة؛ ما أدّى، بالتدرّج، إلى استنزاف فصائل المقاومة وشلّ قدراتها القيادية في مختلف مناطق الضفة الغربية، لكن، بدرجة أقل بكثير في قطاع غزة الذي لم يجد شارون حلً له سوى الانسحاب منه في صيف عام.2005 بذلك، ومع دخول الانتفاضة الثانية مرحلة الاحتضار، شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة انهيارًا متتابعًا لمؤسسات السلطة، لتستغيث نخبة السلطة المذعورة وقيادة فتح السياسية بمحمود عباس لإدارة الهزيمة الذي قاد مع شخصيات سياسية من منظمة التحرير، ومن مؤسسات المجتمع المدني، تيارًا يدعو إلى الإصلاح وكسر تفرّد عرفات بالقرار. وهي الدعوة التي دعمتها الولايات المتحدة
عبر خطة "خريطة الطريق" في نيسان/ أبريل 2003. كان ذلك في الوقت الذي كان عرفات يصف عباس بأنه "كرزاي فلسطين"، مدركًا أنَّ كلً من الولايات المتحدة وإسرائيل قد قررتا عزله سياسيًا
عبر فرض "الإصلاح" الذي كانت نخبٌ سياسية فلسطينية مختلفة أيضًا مقتنعة بضرورته، كلّ لأسبابه
الخاصة. بذلك نشأ وضع مفارق، ففي حين كانت مجموعة عباس، المدعومة من أغلبية "حركة فتح" السياسية، رافضة استبعاد عرفات سياسيًا، كانت متحمسةً للطريقة التي باشرت من خلالها إسرائيل
(80) Zilber & Al–Omari, p. 20. (81) Salim Tamari, "Who Rules Palestine?" Journal of Palestinian Studies , vol. 31, no. 4 (Summer 2002), pp. 102–113.
والولايات المتحدة بإجراءات عزله. وما كان لهذا التناقض أنْ يُحلَّ بهدوء، لولا رحيل عرفات الغامض
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004 الذي أتاح فرصة لمن خلَفه لتبنّيه رمزًا وشهيدًا، وطيّ صفحته في الآن
نفسه.
ثالثًا: الحكامة الكولونيالية اليوم: حكم مباشر في الضفة وحكم غير مباشر في غزة
بعد انتخابه رئيسًا بالأغلبية، حمل محمود عباس على ظهره برنامجًا إصلاحيًا طموحًا، هدف إلى تشكيل
أرضية لتنسيق العمل السياسي بين الفصائل الفلسطينية، عبر الدعوة إلى انتخابات تشريعية تضمن احتواء حركة حماس باعتبارها معارضة برلمانية ملتزمة بحدود النظام السياسي الفلسطيني الرسمي. وقد هدف برنامجه أيضًا إلى إعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية وفق قواعد الشفافية التي تعتمدها المؤسسات الدولية؛ أي وفق نظم إدارية ومحاسبية ورقابية أفضل. أما المنطق السياسي لبرنامجه، فتمثل في فرض الدولة على الولايات المتحدة أمرًا واقعًا عبر بنائها تحت الاحتلال. غير أن هذا البرنامج الذي قُدّم، بوصفه قشة الغريق، لم يكن نابعًا من ضرورات إصلاحية داخلية فحسب، بل كان كذلك التزامًا تجاه الولايات المتحدة، وثمنًا سياسيًا لهزيمة الانتفاضة الثانية. فقد
استنتجت الإدارة الأميركية، بتحريض إسرائيلي، أن على الفلسطينيين، إن رغبوا يومًا في مناقشة حق تقرير مصيرهم، أن ينبذوا "العنف والإرهاب". وقد قيّم الأميركيون والإسرائيليون تجربة الانتفاضة
الثانية، ووجدوا أن عرفات استطاع إشعال الانتفاضة المسلحة عبر الأجهزة الأمنية التي صممها بطريقة فوضوية وغير رسمية تابعة له شخصيًا. لذلك، كان شرطهم الأساسي هو إعادة هيكلة السلطة وإعادة
تنظيمها وفق قواعد إدارية ومالية حديثة، ووضع ميرانيتها التي تشمل أموال المقاصة والدعم الدولي تحت مقص الرقابة الإسرائيلية – الدولية، وتدريب عناصر الأجهزة الأمنية وفق قواعد الانضباط العسكري، بإشراف أميركي، ووضع مخصصات أفرادها المالية تحت رقابة البنوك، على أن تعمد هذه الأجهزة في موازاة ذلك إلى استعادة الأمن وضبط النظام. غير أنّ رياح المسار السياسي جرت بما لا تشتهي سفن آمال السلطة الفلسطينية الجديدة على المستويات كلّها؛ فقد مكّن الاستسلام الفلسطيني في الضفة الغربية للتنسيق الشامل مع إسرائيل، واستفادة الأخيرة، بدعم أميركي، من التطور في السوق العالمية لتكنولوجيا الرقابة والسيطرة ومكافحة الإرهاب والتجسس، خصوصًا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى تصميم مصفوفة سيطرة أدّت إلى
إدماج السلطة الفلسطينية، بنيويًا، في نظام الحكامة الكولونيالية، ومن ثمّ، سَلْبها أيّ قدرة على المراوغة. أما في قطاع غزة، فذهب المسار السياسي، بعد سيطرة حركة حماس على مؤسسات السلطة هناك، في اتجاه آخر؛ إذ على الرغم من الحصار المحكم والاحتلال الجوي والبحري والرقمي الذي شكل مصفوفة موت، فإن المقاومة راكمت حتى هذا اليوم، بعد مسيرة طويلة من الصراع مع إسرائيل، تخلّلها
(((8 حول الدور الذي قام به التمويل الدولي في ضبط المجتمع الفلسطيني، ينظر: El–Kurd.
أربع عمليات عسكرية كبرى، ما جعلها تحقق شرطي الحكم غير المباشر في غزة، أي احتكار الفاعلية السياسية الجماعية هناك والقدرة على المراوغة، وهو من العوامل التي قد تفسّر، بحذر شديد، الهوَس
الإسرائيلي في ممارسة العنف المروّع تجاه القطاع. فالهوس بالعنف المؤسسي المروع والواسع، قد
يكون تعويضًا عن العجز في فرض الحكم المباشر، وفي تقويض الفاعلية السياسية الجماعية. ومنذ ذلك الحين، أخذ نظام الحكامة الكولونيالية في الأراضي المحتلة مسارين متوازيين؛ فهو نظام حكم مباشر في الضفة، ونظام حكم غير مباشر في غزة.
1. مصفوفة الحكم المباشر في الضفة الغربية: دور التكنولوجيا فائقة التطور
يعتبر العديد من الباحثين عهد محمود عباس تجلّيًا للمسار الذي أنتجته عملية أوسلو؛ أي إنه انتصار
للتفسير الإسرائيلي للاتفاق على التفسير الفلسطيني له. غير أن صحة هذه المقولة يجب ألّ تعمينا عن حقيقة أن الانتفاضة الثانية كانت أيضًا مرحلة فاصلة، أحدثت نقلةً لا رجعة عنها في المجتمع والسياسة الإسرائيلية نحو اليمين، كما أنتجت انقسامًا سياسيًا وجغرافيًا في الحركة الوطنية الفلسطينية
ومؤسساتها السياسية، أدى إلى نشوء سلطتين بدلً من سلطة واحدة. لكن ما يهمنا في هذه الدراسة ليس هذا ولا ذاك، بل يهمنا تطور نظام الحكامة الكولونيالي الذي أصبح في الضفة الغربية أشد تركيبًا
وتعقيدًا من أي وقت مضى. لقد كان الدرس الرئيس الذي تعلّمته إسرائيل من تجربة الانتفاضة الثانية هو عدم ثقتها بأي بنية مؤسسية مستقلة عنها لإدارة شؤون الأراضي المحتلة، قد تمنحها تلك الاستقلالية هامش المناورة الذي يساعدها في مساومة الأمن في مقابل المطالب السياسية. لهذا السبب، عمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ وصول محمود عباس إلى السلطة (2005)، بالتعاون مع الولايات المتحدة و"مجتمع الداعمين" الدولي، إلى إعادة تعريف مفهوم "بناء الدولة" وتجريده من مضمونه السياسي، لتقصره على مجموعة من المعايير التقنية والإدارية المنزوعة من وصفات نيوليبرالية، لتصبح السلطة الجديدة، من خلف شعارات الشفافية والكفاءة الإدارية، "ماكينة ضد السياسة"، على حد تعبير توفيق حداد. وفي الواقع، ثبت أن تجريد بناء الدولة من مضمونه السياسي لا ينتج نظامًا أكثر نزاهة، بل شبكات محسوبية
طفيلية ونيوباترومانيالية، تتمتع بامتيازات اقتصادية توفرها له علاقته مع نظام الحكامة الكولونيالي، ومن مصلحتها بقاء هذه العلاقة. في موازاة ذلك، وظّفت إسرائيل التكنولوجيا الفائقة (التي لم يكن من الممكن تخيّلها من دون توسّع
الطلب العالمي عليها في مرحلة ما بعد هجمات نيويورك وواشنطن) لتطوير ما يسمّيه جيف هالبر
"مصفوفة السيطرة" Control of Matrix، التي تدير "تدفقات النشاط الفلسطيني في المكان والزمان"
(83) Toufic Haddad, Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory (London/ New York: I.B Tauris & Co. Ltd, 2016), p. 278. (84) Ibid., pp. 234–235; Tariq Dana, "Crony Capitalism in the Palestinian Authority: A Deal Among Friends," Third World Quarterly , vol. 41, no. 2 (2020), pp. 247–263. (85) Neve Gordon, "Israel’s Emergence as a Homeland Security Capital," in: Elia Zureik, David Lyon & Yasmeen Abu–Laban (eds.), Surveillance and Control in Israel/Palestine (London: Routledge, 2010), pp. 154–155.
وتسيطر عليها، عبر مجموعة أنظمة مترابطة للمراقبة، يعضد بعضها بعضًا لتشكل احتلالً أفقيًا
وعموديًا في الآن نفسه. وتشمل هذه المصفوفة: 1) جدارًا فاصلً يمتد إلى مئات الكيلومترات ومجهزًا بأسوار إلكترونية وأجهزة رقابة وإنذار؛ 2) تقسيمًا إقليميًا حول مختلف التجمعات الفلسطينية إلى
مناطق معزولة بشبكة مستوطنات تمثل حصونًا أمنية ورقمية شاملة؛ 3) شبكة حواجز عسكرية ثابتة ومؤقتة تجمع وتحلل المركبات البيومترية (كبصمات الأصابع وشبكية العين والوجه) للفلسطينيين الذين يمرون بصفة دورية منها بأحدث التقنيات الرقمية؛ 4) برنامج طائرات مسيّرة تسيطر على
المجال الجوي؛ 5) واحتلالً رقميًا شاملً لشبكات الاتصالات والإنترنت؛ 6) يعضدها كلها
مجموعة متجددة من القوانين العسكرية الخاصة. تتضافر هذه الأنظمة كلها للسيطرة على التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية، ويربط بينها مادّيًا "خطوط" الطرق السريعة والطرق الالتفافية، وتقنيًّا أنظمة متطورة من كاميرات المراقبة فائقة الجودة،
وبرمجيات ذكية قادرة على تحليل أنماط الحركة الجماعية والفردية والتنبؤ بها، وتحديد مواقع العناصر البشرية التي قد تمثل تهديدات أمنية. وفي حين اعتمدت الحكامة الكولونيالية في الأراضي المحتلة قبل الانتفاضة الثانية أساسًا على الوجود الإقليمي الإسرائيلي والحكم غير المباشر للسكان، فقد مكّن التطور التكنولوجي إسرائيل من السيطرة على الفلسطينيين في مساحاتهم المحصورة، على نحوٍ انتقائي ومحوسب، ومن ثم، جعلها أقل اعتمادية على السلطة الفلسطينية، مقارنة بمرحلة عرفات. لقد حوّلت
التكنولوجيا الفائقةُ الضفةَ الغربيةَ إلى أحد أكبر مختبرات السيطرة على الإطلاق، ومكّنت إسرائيل من تسويق هذا النموذج عالميًا بوصفه "علامة تجارية"، ليصبح احتلالها للفلسطينيين مربحًا على
المستوى الاقتصادي، إلى حد اعتباره "احتلالً نيوليبراليًا".
(86) Jeff Halper, War against the People (London: Pluto Press, 2015), pp. 149–150. (87) Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation (London/ New York: Vreso, 2007), pp. 161–163. (88) Elia Zureik, "Strategies of Surveillance: the Israeli Gaze," Jerusalem Quarterly , no. 66 (Summer 2016), pp. 16–17.
((8(نايجل بارسونز ومارك ب. سالتر، "السياسات الحيوية الإسرائيلية: الإغ قاا والتأريض والتحكم في الأراضي الفلسطينية
المحتلة"، عمران، مج 2، العدد 7 (شتاء.)2014
(90) Stefan Borg, "Assembling Israeli Drone Warfare: Loitering Surveillance and Operational Sustainability," Security Dialogue , vol. 52, no. 5 (2021), pp. 11–13
(((9 عنان أبو شنب، "اتصال متقطع: السيطرة الإسرائيلية على البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية وتأثيرها على الحقوق الرقمية"، حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (كانون الأول/ ديسمبر 2018)، شوهد في 2021/10/13،
في: https://bit.ly/3jFLUUO (92) Nurhan Abujidi, "Surveillance and Spatial Flows in the Occupied Palestinian Territories," in: Zureik, Lyon & Abu–Laban (eds.), pp. 315–317. (93) Helga Tawil–Souri, "Colored Identity: The Politics and Materiality of ID Cards in Palestine/ Israel," Social Text , vol. 29, no. 2 (Summer 2011), p. 68. (94) Zureik, "Strategies of Surveillance: the Israeli Gaze," pp. 12, 22–23. (95) Elia Zureik, "Settler Colonialism, Neoliberalism and Cyber Surveillance: The Case of Israel," Middle East Critique , vol. 29, no. 2 (2020).
من ناحية أخرى، أدى الالتزام الفلسطيني بالتعاون الشامل مع إسرائيل، وبإشراف مباشر أميركي وأوروبي، إلى رقمنة التنسيق الأمني وتطويره بطريقة أصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الفكاك منه. فقبل الانتفاضة الثانية كان تبادل المعلومات بين السلطة وإسرائيل محصورًا في ما يرغب
عرفات في السماح به، عن طريق لجنة أمنية مشتركة تشكلت من ممثلين من الأجهزة الأمنية للفروع المختلفة من كل جانب، تجتمع دوريًا، في حين انحصرت التوغلات الأمنية الإسرائيلية في حالات
"مطاردة ساخنة"، لكنها نادرة جدًا. وفي ظل تخلف قدرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وأنظمة رقابتها وتشتتها المؤسسي، كانت عملية التنسيق الأمني تتوقف على رغبة عرفات شخصيًا في مشاركة
المعلومات التي يرغب في مشاركتها وفق الظروف والمصالح السياسية، الأمر الذي منحه هامشًا للمناورة. يكفي التذكر أنّ إسرائيل فشلت في إدانة أبرز قيادات كتائب شهداء الأقصى، التابعة لحركة فتح، مروان البرغوثي، إلّ باجتياح مدينة رام الله والسيطرة على الأرشيف الورقي، والعثور على أوراق تحوي أوامر موقعة من عرفات شخصيًا لتمويل مجموعة فتحاوية مسلّحة. ما عاد هذا ممكنًا في عهد محمود عباس. فمنذ أواخر عام 2007، لم يجرِ تطوير آليات التنسيق عبر ثمانية
مكاتب إقليمية يعمل فيها ضباط فلسطينيون وإسرائيليون، فحسب، بل أ جبرت الحكومة الفلسطينيةُ على تنفيذ خطة "إصلاح إداري" جرى من خلالها رقمنة الأرشيفات الأمنية والإدارية والمدنية كلها لدى السلطة الفلسطينية، وربطها بإسرائيل، بإشراف فروع لشركات عالمية تضمن عملية تدفق فورية وشاملة ومصنفة المعلومات كلها، بما فيها بيانات السجلات المدنية، حيث بات من الممكن القول إن المعلومات الأمنية تصل إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في الوقت نفسه الذي تصل فيه إلى نظيرتها الفلسطينية. ما يوازي ذلك أهميةً، هو عملية "الإصلاح الأمني" الشامل للأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي جرى من خلالها تدريب جيل جديد من عناصر الأمن الفلسطينية على مبادئ حفظ النظام ومكافحة الشغب والإرهاب، بدلً من تعبئتها بهوية نضالية. وأخيرًا، استطاعت حكومة فياض، بالتنسيق مع إسرائيل، احتواء عناصر
الصف الثاني والثالث من كتائب شهداء الأقصى الذين نشطوا في الانتفاضة الثانية، وإدماجهم في هيراركية الأجهزة الاستخبارية. وقد نشأ بذلك وضع يتّسم بالغرابة، فقد وجد العديد من الناشطين الفلسطينيين المحتجزين في مراكز اعتقال السلطة في عمليات تحقيق واستجواب مصوّرة يجريها رفاقهم السابقون في
المعتقلات الإسرائيلية. وقد قدّر أحد التقارير أنّ التنسيق الأمني نجح في إحباط أكثر من مئتي عملية
(96) Zilber & Al–Omari, pp. 11–12. (97) Ronen Bergman, Rise and Kill First: the Secret History of Israel’s Targeted Assassinations (London: Barnes & Noble, 2018), ch. 27. (98) "Documents Seized during Operation Defensive Shield linking Arafat to Terrorism – 15 Apr. 2002," Israel Ministry of Foreign Affairs , 15/4/2002, accessed on 13/10/2021, at: https://bit.ly/3659S3V (99) Zilber & Al–Omari, p. 53. (100) Alaa Tartir, "The Evolution and Reform of Palestinian Security Forces 1993–2013," Stability: International Journal of Security and Development , vol. 4, no. 1 (2015).
(((10 مقابلات شخصية متقاطعة عبر الهاتف مع ثلاثة فلسطينيين تعرضوا للتحقيق في جهاز أمني فلسطيني، حزيران/ يونيو.2021
ضد قوات الاحتلال بين تشرين الأول/ أكتوبر 2015 وكانون الثاني/ يناير 2016، وتقليص عدد العمليات الفردية خلال انتفاضة السكاكين إلى ما يقارب ال 90 في المئة حتى نهاية عام 2016، كما أعادت الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في عام 2016، أكثر من 200 إسرائيلي من مناطق سيطرتها. الشكل (6) الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية بعد الانتفاضة الثانية
المصدر: من إعداد الباحثين.
في حين أدى التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى تحويل الضفة الغربية إلى مختبر رقابة وسيطرة وضبط، أدت عمليات إعادة الهيكلة الشاملة وإعادة التنظيم الإداري للسلطة الفلسطينية، كما يوضح الشكل (6)، إلى إدماجها في نظام الحكامة الكولونيالي. فقد بات من الممكن القول إن بنية سلطة رام الله التحتية والرقمية أصبحت تحت سيطرة الحكومة الإسرائيلية؛ الأمر الذي أدى عمليًا إلى سلب السلطة
أيّ قدرة على المناورة، وهو أحد الشرطين الذي لا بد من توافره للحكم غير المباشر، ما يعني إمكان
اعتبار الحكامة الكولونيالية هناك اليوم، حكمًا مباشرًا، كما يوضح الشكل (7). هذا، على الأغلب،
عجز سلطة رام الله عن إيقاف التنسيق الأمني أو حتى تجميده، على الرغم من الضغط الشعبي وقرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الثوري لحركة فتح. الشكل (7) شرطَا الحكم المباشر/ غير المباشر في الضفة الغربية بعد الانتفاضة الثانية
المصدر: من إعداد الباحثين.
(102) Zilber & Al–Omari, p. 62.
نجح نظام الحكامة الكولونيالي من خلال توظيفه مصفوفة أمنية فائقة التطور على المستوى التكنولوجي، وعبر التنسيق الأمني مع السلطة، في تفكيك التنظيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، وأظهر كفاءةً عالية بتصفية خلايا المقاومة أو اعتقالها. وفي حين كان في إمكان المقاومين الفلسطينيين في مراحل سابقة الاختفاء سنوات طويلة، كما سبق أن أشرنا في المبحث الأول من هذه الدراسة، فقد انحدرت المدة الزمنية للقبض عليهم أو اغتيالهم في عهد محمود عباس، كما يبين الجدول، إلى يوم واحد في حدّها الأدنى، وإلى شهور عدة في حدّها الأقصى. فقد اعتقلت إسرائيل في آذار/ مارس 2011 شابّين فلسطينيين بعد ثلاثة أسابيع من تنفيذهم عملية طعن في مستوطنة إيتامار جنوب نابلس، وبعد عشر سنوات، في أيار/ مايو 2021، اعتقلت منتصر شلبي قرب رام الله بعد أربعة أيام فحسب من تنفيذه عملية إطلاق نار على حاجز زعترة العسكري وسط الضفة الغربية، على الرغم من خلوّ سجلاته من أي نشاط سياسي سابق. جدول يوضح أبرز عمليات اختفاء المقاومين في السنوات العشر الماضية بعد تنفيذ عمليات مقاومة تاريخ تنفيذ اسم منفذ العملية
مدة البحث عنه قبل
| تاريخ تنفيذ العملية | اسم منفذ العملية | مكان التنفيذ | مدة البحث عنه قبل القبض عليه | |
|---|---|---|---|---|
| 1 | 2011/3/11 | أيمجد عواد وحكيم عواد | مستوطنة إيتامار–نابلس | حكيم عواد – بعد 25 يومًا أمجد عواد – 30 يومًا |
| 2 | 2011/9/23 | وائل أبو العرجة وعلي سعدة | كريات أربع–الخليل | 11 يومًا |
| 3 | 2014/4/14 | زياد عواد وابنه عز الدين عاواد | حاجز ترقوميا–الخليل | 23 يومًا بحسب الشاباك 21 يومًا بحسب تقرير عن زوجة زياد |
| 4 | 2014/6/13 | عمر أبو عيشة ومروان القواسمي | غوش عتصيون–الخليل | 102 يوم |
| 5 | 2015/6/19 | محمد أبو شاهين، أمجد عدوان، أشرف عمر، أسامة أسعد، محمد عدوان | عين بوبين–غربي رام الله | أقل من شهر |
| 6 | 2016/11/14 | شادي أحمد مطاوع | بالقرب من مستوطنة عتنيئيل–الخليل | يومًا واحدًا |
| 7 | 2016/7/1 | محمد الفقيه | مستوطنة عتنيئيل–الخليل | 26 يومًا |
|---|---|---|---|---|
| 8 | 2018/1/9 | أرحمد نصر جرار | مفترق مستوطنة حفات جرلعاد– نابلس | 28 يومًا |
| 9 | 2015/2/5 | عبد الحكيم عاصي | مفترق مستوطنة أرئيل– سلفيت | 42 يومًا |
| 10 | 2018/10/7 | أشرف نعالوة | مستوطنة بركان–سلفيت | 67 يومًا |
| 11 | 2018/12/13 | عاصم البرغوثي | مستوطنة جفعات أساف– رام الله | 26 يومًا |
| 12 | 2019/2/7 | عرفات ارفاعية | منطقة عين يعيل–القدس | يومًا واحدًا |
| 13 | 2019/8/8 | نصير وقسام عصافرة | غوش عاتصيون–الخليل | يومين |
| 14 | 2ر019/8/23 | سامر عربيد، قاسم شلبي، نظام سامي محمد، يزن حرسني مغامس | مستوطنة دوليف– بريرزيت | 66 يومًا |
| 15 | 2021/5/2 | منتصر شلبي | حاجز زعترة–نابلس | 4 أيام |
المصدر: من إعداد الباحثين.
خلال عمليات اعتقال المقاومين كلها أو تصفيتهم، وظفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مجموعة كبرى من الاستراتيجيات، أهمها تطويق القرى المحيطة بموقع العملية، وتنفيذ عمليات اعتقالات واستجوابات جماعية، يتخللها أحيانًا إجراء فحوص جماعية للحمض النووي، وتحليل مادة ضخمة من الصور ومقاطع الفيديو التي تصورها الكاميرات المنتشرة على الطرق وتخوم المستوطنات، ومن تلك التي جرى مصادرتها من أصحاب المحالّ والمؤسسات التجارية الفلسطينية، ومادة ضخمة أخرى من بيانات التنصت على الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التنسيق الأمني المتواصل مع السلطة الفلسطينية. لكن، كما يقال: حيثما يوجد اضطهاد يوجد مقاومة. فعلى الرغم من أن مصفوفة السيطرة الإسرائيلية قد خنقت الفاعلية السياسية الجماعية في الضفة الغربية، مقارنةً بأيّ وقت مضى، فإنّ ذلك لم يؤد إلى تصفيتها، بل إلى بروز أشكال جديدة من العمل السياسي والعمل المقاوم، يوظف المتاح من إمكانات مادية وتقنية، وبات يشكل في حد ذاته نمطًا. وأول أشكال هذا النمط، عمليات الطعن بالسكاكين والدهس بالسيارات في مناطق الاحتكاك مع قوات الاحتلال، التي وصلت إلى ذروتها بين
تشرين الأول/ أكتوبر 2015 وكانون الأول/ ديسمبر 2017، في مجموعة واسعة من الحوادث الفردية المنفصلة التي عُرفت شعبيًا باسم "انتفاضة السكاكين"، حيث ادّعت تحليلات إسرائيلية أن 420
فلسطينيًا، بمتوسط عمر 22 عامًا، نفّذ، أو حاول تنفيذ، عملية من هذا النوع، أغلبيتهم في مناطق
الاحتكاك مع الجنود الإسرائيليين في القدس والخليل، وقدّرت إحدى الدراسات الإسرائيلية أنّ نحو خُمس المنفذين كان من النساء. أما الشكل الثاني، فيتمثل في بروز مجموعات عمل شبابية ذات طابع سياسي – ثقافي، تعتمد أساسًا
على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة للتثقيف والتعبئة السياسية والتواصل ونقد ممارسات السلطة الفلسطينية، وتتواصل من خلالها مع جمهور واسع، فلسطيني وعربي، في داخل فلسطين التاريخية وخارجها. وقد اشتهر في السنوات الماضية الشاب المقدسي بهاء عليان الذي كان معروفًا بتنظيمه سلاسل قراءة حول أسوار البلدة القديمة في القدس، قبل أن ينفذ عملية طعن في إحدى الحافلات الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر 2014. واشتهرت كذلك مجموعة باسل الأعرج في رام الله الذي أصبح، بعد تصفيته من قوة خاصة إسرائيلية في مدينة البيرة في آذار/ مارس 2017، أيقونةً من أيقونات المقاومة الفلسطينية. وفي الأحداث التي شهدتها مختلف مناطق فلسطين التاريخية في أيار/ مايو 2021، أظهرت هذه المجموعات فاعلية عالية في الضغط والتعبئة والتأثير في الرأي العام العالمي. يختلف هذا النمط عن سابقه في مرحلة الانتفاضة بافتقاده الغطاء السياسي والتنظيمي الذي وفرته التنظيمات الفلسطينية؛ فهو إما فرداني يتّسم غالبًا بالعفوية في حالة المقاومة المسلحة، ومن ثم، عصي
على الضبط من جانب مصفوفة السيطرة، وإما يتشكل من مجموعة من الشبكات الصغيرة التي تقودها "قيادات صغرى" لا ينقصها الكاريزما أو الخبرة في التشبيك والاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي في التعبئة والتأثير. وتشترك هذه الأشكال كلها في توجّسها من الأطر المؤسساتية الرسمية، وتشديدها على
الموقف والخطاب بدلً من الاستراتيجية، ولا يمكن تجاهل تشابهها مع الأنماط الاحتجاجية الحديثة في عهد الثورات العربية، وهو ما أدركته أجهزة الأمن الإسرائيلية التي مدّت نشاطها الاستخباري إلى الفضاء الرقمي الفلسطيني، وتُذكر في هذا السياق حملة الاعتقالات التي شنّتها ضد الفلسطينيين بين عامي 2014 و 2017 بسبب منشورات أو تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
2. مصفوفة الموت في غزة ومآلات مقاومتها
على خلاف الضفة الغربية التي نجحت إسرائيل إلى حد بعيد في تفكيك التنظيمات الفلسطينية فيها مع نهاية الانتفاضة الثانية، ثم تصفيتها بالتعاون مع السلطة الفلسطينية الجديدة، فإن بنية الفصائل
(103) Michal Weissbrod, "’Lone Wolf’ Terrorists: The Palestinian Case Study," Master Dissertation, The Hebrew University, Jerusalem, December, 2018, pp. 21–30.
(((10 حول النمط الاحتجاجي في الثورات العربية، ينظر:
Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring (California: Stanford University Press, 2017), p. 106.
(((10 أسعد وفخر الدين، ص.962
وتنظيماتها المختلفة في قطاع غزة كانت أقل تأثرًا، بل يمكن القول إنها أصبحت أكثر تطورًا من ناحية التنظيم والتسليح والتنسيق والقيادة. يعود ذلك جزئيًا إلى طبيعة القطاع الذي يمثل سلسلة شبه متصلة من مخيمات اللاجئين المرصوصة بالسكان والبنيان، ففي مساحة تقل عن 1.5 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، يسكن أكثر من ربع الجماعة السكانية الفلسطينية التي تعيش حاليًا بين النهر والبحر، ما يجعل أي عملية اجتياح برية، تشبه عملية "السور الواقي" في الضفة الغربية (2002)، مستحيلة بمختلف المقاييس السياسية والعسكرية. لهذا السبب، اتخذت استراتيجيات الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية شكلً مختلفًا، بدايةً مع إنهاء الاحتلال البري في صيف عام 2005 بانسحاب الجيش الإسرائيلي وإخلاء المستوطنات وتفكيكها، وتعويضه بحصار محكم واحتلال ثلاثي الأضلاع: جوي وبحري ورقمي، هو الأكثر تركيبًا وتعقيدًا على
وجه الأرض كما يوضح الشكل (8). لقد تخلّت إسرائيل عن حكم غزة بشكل مباشر، لكنها عوّضته بتحكمها في قرار الحياة والموت. الشكل (8) الحكامة الكولونيالية في غزة بعد الانتفاضة الثانية
المصدر: من إعداد الباحثين. (((10 المقصود هنا هو مفهوم أشيل مبيمبي Necropolitics، ينظر:
Achille Mbembe, "Necropolitics," in: Stephen Morton & Stephen Bygrave (eds.), Foucault in an Age of Terror (London: Palgrave Macmillan, 2008).
استعاض الجيش الإسرائيلي عن انعدام نقاط المراقبة العليا والحصون الأمنية، واستراتيجيات العزل والإغلاق التي يمارسها في الضفة الغربية، باستراتيجيات "دفاع جوي في العمق" و"سماء صافية" و"استطلاع جوي" و"سياج جوي" و"رادار بانورامي"، يجمع من خلالها المعلومات الاستخبارية عن طريق أجهزة استشعار وتنصت تلتقط معظم الإشارات الصادرة من المجال الجوي الفلسطيني، وبوساطة طائرات من دون طيار متعددة الاستعمال، وأقمار صناعية عسكرية. ومنذ ذلك الوقت، خصص سلاح الجو الإسرائيلي ملايين ساعات الطيران التي تفرز البيانات الأمنية وتصنّفها. على هذا النحو، حوّلت إسرائيل غزة إلى "مختبر حرب مدن" Laboratory Warfare Urban، تجري فيه عسكرة الحدود البرية والبحرية باستمرار، وتُكثف فيه الغارات المستمرة على مواقع المقاومة وعلى التجمعات السكنية المدنية، ويصاحبها في العمليات الكبرى اجتياحات برّية واسعة ومحسوبة، كما
حصل في أعوام 2006 و 2009–2008 و 2014. وفي عملية 2014 بالتحديد، وُظّف أول مرة نظام كاميرات قادرة على الحصول على محتوى بصري شامل وذي جودة عالية، لتوجيه سلاح المدفعية وتحريك الدبابات. وفي حين أحكمت إسرائيل سيطرتها على الحدود البحرية للقطاع عبر مجموعة أنظمة بحرية وجوية تعمل فيها الطائرات والزوارق والغواصات الحربية والأقمار الصناعية العسكرية، بتناغم تقني محكم على حساب تدمير الاقتصاد البحري الغزي، فقد حوّلت المعبرَين الحدوديين الخاضعين لسيطرتها (معبر بيت حانون
للمسافرين، ومعبر المنطار للبضائع التجارية)، إلى مراكز عسكرية يجري من خلالها تطوير قاعدة بياناتها السكانية، واستغلال حاجات الناس إلى السفر والعلاج لتجنيد العملاء في حربها مع المقاومة. لكن الوظيفة الأهم لهذه المعابر هي إحكام الحصار الاقتصادي الذي يصل إلى حد منع دخول مئات السلع والمواد الأساسية، لا تبدأ بمواد البناء، ولا تنتهي حتى بأصناف محددة من الشوكولاتة، بل وصلت كذلك إلى حد احتساب متوسط السعرات الحرارية التي يحتاج إليها الإنسان للبقاء على قيد الحياة. أما هدف سياسات العقاب الجماعية هذه، كما تعلنها إسرائيل صراحةً لا مواربة، فهي مقايضة الحياة بالهدوء. وكما أدى نظام الدمار الشامل الذي وظّفته الحكومات الإسرائيلية في عملياتها العسكرية المتعاقبة إلى قتل ما يزيد على 5900 شخص، وجرح ما يزيد على 130000، بين كانون الثاني/ يناير 2008
(107) Halper, pp. 178–179. (108) Stephen Graham, "Laboratories of War: Surveillance and US–Israeli Collaboration in War and Security," in: Zureik, Lyon & Abu–Laban (eds.), pp. 138–139. (109) Rebecca L. Stein, "GoPro Occupation: Networked Cameras, Israeli Military Rule, and the Digital Promise," Current Anthropology , vol. 58, no. 15 (February 2017), p. 56. (110) Borg, p. 11.
(((11 بثينة اشتيوي، "'صناعة الخونة'... هذه خطوات الشاباك لتجنيد عميل فلسطيني"، الجزيرة نت، 2017/3/9، شوهد في
2021/10/13، في: https://bit.ly/3hoAulV (112) "Israel Used 'Calorie Count' to limit Gaza food During Blockade, Critics Claim," The Guardian , 17/10/2012, accessed on 13/10/2021, at: https://bit.ly/3mNS3hP
وتشرين الأول/ أكتوبر 2021، وتدمير عشرات آلاف المنازل والأبراج السكنية، وتحطيم البنية التحتية والصناعية والاقتصادية، فإن حصارها الاقتصادي، الرازح منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، يؤدي إلى الإعدام اليومي البطيء لما يزيد على مليون ونصف المليون فلسطيني. لقد صممت إسرائيل في الضفة الغربية مصفوفة سيطرة، وعوّضت عن ذلك في غزة بمصفوفة موت. لكن، كما تقول العبارة الشائعة: ينتصر المتمرد إن لم يستسلم. فعلى الرغم من طبقات الاحتلال والحصار العمودية والأفقية، فإن ذلك لم يمنع فصائل المقاومة، بقيادة حركة حماس، من توظيف الإمكانات البدائية المتاحة، بما فيها مخلّفات الصواريخ الإسرائيلية التي لم تنفجر وأنابيب مجاري المستوطنات المفككة، للانخراط في "سباق ردع" عسكري، وقدرات أمنية فريدة، يمكّنها من المناورة وتحصيل مكاسب سياسية ورمزية مهمة، عزّزت حضورها في السياسة الفلسطينية، كما تجلّى ذلك مؤخرًا في معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو.2021 لكن، ينبغي لنا أيضًا القول إنّ ذلك لم يحدث بين ليلة وضحاها. فقد اعتُبر قطاع غزة، على الأقل منذ ثمانينيات القرن الماضي، المعقل الأهم لحركة حماس، كما كان كذلك معقلً لمختلف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. لكن تاريخ هيمنة الحركة على قطاع غزة ومؤسساتها السياسية بدأ تحديدًا مع المراحل المتأخرة للانتفاضة الثانية، حين استطاعت في خضمها إعادة بناء تنظيمها العسكري الذي كانت سلطة عرفات قد فككته في مرحلة أوسلو. بعد عملية "فك الارتباط" التي نفّذتها حكومة شارون في صيف عام 2005، وعقب فوزها في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 2006، ثم تشكيلها حكومة قوطعت داخليًا ودوليًا،
وجرى سَحْب أغلبية صلاحياتها بقرارات وقّعها رئيس السلطة الفلسطينية، اندلعت مواجهات دموية
تطوّرت إلى مواجهة شاملة بين عناصر الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة رام الله ومجموعات حركة
فتح العسكرية من جهة، وقوات حماس وحلفائها من جهة ثانية، قُتل في أثرها، في عام 2007، أكثر من 400 فلسطيني، وانتهت ببسط الأخيرة سيطرتها على المؤسسات السياسية والإدارية والأمنية، التي بعد توقّف قسم كبير من موظفيها وعناصرها عن العمل، جرى استبدالهم بآخرين موالين لحماس، زاد اليوم عددهم على ثلاثين ألف موظف، وأصبحت ملفاتهم المالية أعقدَ عُقد المصالحة الفلسطينية الداخلية. منذ ذلك الوقت، تطورت في غزة بنية مؤسساتية، تعمل فيها سلطة، بمقارّ إدارية وأجهزة أمنية، جنبًا إلى
جنب مع فصائل المقاومة الفلسطينية. وباحتكارها الفاعلية السياسية الجماعية هناك، أصبحت هذه البنية المؤسسية شبيهة، إلى حدٍ ما، بالبنية المؤسسية التي شيّدها عرفات بعد أوسلو، التي سبق ووقفنا
على بنيتها في المبحث الثاني من هذه الدراسة، كما صار وجودها أبرز تعبيرات الانقسام الفلسطيني اليوم.
(113) United Nations, United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Occupied Palestinian Territory, Data on Causalities (New York), accessed on 13/10/2021, at: https://bit.ly/3oCExjL
غير أنّ هيمنة حماس على مؤسسات السلطة لم تكن أصعب من الحفاظ عليها. فقد بوغت قطاع غزة الذي جرى تصنيفه من إسرائيل فورًا "كيانًا معاديًا"، في شتاء عام 2009–2008، أي بعد أقل من عامين، بعدوان عسكري كان حتى ذلك الوقت هو الأشمل، أغارت فيه الطائرات الحربية على مباني السلطة بما فيها مقارّ الشرطة، وقتلت في الثواني الأولى من العدوان أكثر من مئتي شرطي دفعة واحدة، وفي الأسابيع التي تلتها، تعرّضت مختلف المناطق، بما فيها التجمعات السكنية والمدارس والمستشفيات ومحطة الكهرباء، لصواريخ الطائرات ورشقات المدفعية، واخترقت ألوية الجيش الإسرائيلي التي تقدمتها دبابات من الجيل الرابع للميركافا القطاع من مختلف محاوره، لتنشر الخراب في كل مكان، في سياسة أقل ما يمكن وصفها بأنها ذبح للمدينة Urbicide. لقد كان العدوان الإسرائيلي في ذاك الشتاء بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي أقرب إلى النزهة، لكن العمليات العسكرية الكبرى في أعوام 2012 و 2014 و 2021، لم تكن كذلك. فتح سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في أثر ثورة شعبية في شباط/ فبراير 2011، ثغرةً في الحدود الغربية لقطاع غزة، سهّلت خطوط الإمداد العسكري والمادي للمقاومة، وصلت إلى ذروتها في منتصف عام 2012، مع وصول الرئيس السابق محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية في مصر. وقد تمكّنت المقاومة في هذه الفترة القصيرة التي انتهت بانقلاب عسكري في مصر، أتى بنظام أشد عداءً لحماس من نظام مبارك، من مراكمة أنواع مختلفة من العتاد العسكري والخبرات التقنية التي جعلتها تطور قدرتها الصاروخية، استطاع مداها الذي فاق السبعين كيلومترًا، الوصول، أول مرة، إلى مدينة تل أبيب في معركة تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 التي لم تدم أسبوعًا. لكن التجلّي الأبرز لما راكمته المقاومة كان في حرب صيف 2014 التي استمرت سبعة أسابيع، وكشفت عن: 1) شبكة أنفاق محصنة وشديدة التفرع من مئات الكيلومترات، وُصفت بأنها مدينة تحت الأرض، ومجهّزة بغرف اتصالات وتنسيق، ويخترق العديد من أنفاقها الهجومية الحدود الشرقية للقطاع؛ 2) قدرة صاروخية أكثر تطورًا، وصل مداها إلى أكثر من 160 كيلومترًا (ووصل مداها في حرب عام 2021 إلى 250 كيلومترًا)؛ 3) يوازيها شبكة من مجموعات المقاتلين، قادرة على إمطار المعسكرات الإسرائيلية على حدود القطاع بآلاف قذائف الهاون، وقنص الجنود من خلف السياج الأمني؛ 4) وشبكة أخرى قادرة على خوض غمار حروب المدن؛ 5) ومجموعات أخرى مدرّبة على تنفيذ مهمات قتالية خاصة خلف خطوط الجيش الإسرائيلي وعن طريق البحر. وفي حين لم تخسر إسرائيل أيّ جندي في عملية شتاء 2009–2008، فإنها فقدت في عملية صيف 2014 نحو سبعين جنديًا، منهم 13 جنديًا من جنود
(114) Lisa Bhungalia, "A Liminal Territory: Gaza, Executive Discretion, and Sanctions Turned Humanitarian," GeoJournal , vol. 75, no. 4 (2010), pp. 347–348. (115) Martin Shaw, "New Wars of the City: Relationships of 'Urbicide' and 'Genocide'," in: Stephen Graham (ed.), Cities, War, and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics (Malden/ Oxford/ Victoria: Blackwell Publishing, 2004), p. 141.
النخبة سقطوا في عملية واحدة في حي الشجاعية. لقد تعلم الجيش الإسرائيلي من هذه المعركة
الدرس، وأجبر في المعركة التالية في صيفُ 2021 على التخلّي عن عقيدته العسكرية في خوض الحرب في "أراضي العدو". لكن ما يوازي ذلك أهمية، في رأينا، هو قدرة المقاومة على إنشاء شبكة اتصالات قابلة للتطوير المستمر ضد الاختراق السيبراني، ما حدّ من فاعلية الاحتلال الرقمي وهيمنة إسرائيل على البنية التحتية الرقمية، وعزّز حاجتها إلى تجنيد العملاء وإرسال وحدات خاصة لزرع أجهزة تنصت في خطوط الاتصالات المحلية، كان آخرها انكشاف واحدة منها، مصادفة، في بلدة عبسان الكبيرة في مدينة خانيونس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. وبلا شك، أدّت سيطرة حماس على السلطة في غزة دورًا مهمًا في منع
مشاركة سجلات السكان البيومترية والمدنية مع إسرائيل، فعلى خلاف الضفة الغربية التي أصبحت منذ عملية إعادة الهيكلة والإصلاح الإداري مكشوفةً على المستويات كلها لنظام الحكامة الكولونيالي، فإن وصول حماس إلى السلطة في غزة أواسط عام 2007، حرم إسرائيل من المورد الأثمن الذي يمكّنها من انتهاج سياسات بيوسياسية فعالة. الشكل (9) استراتيجيات المقاومة المؤسسية في غزة تحت حكم حماس
المصدر: من إعداد الباحثين.
في المحصلة، استطاعت حركة حماس، بمسار حافل بالعناد، تشييد بنية مؤسساتية سياسية في قطاع غزة، هي سلطة باحتكارها، بعد عام 2007، الفاعلية السياسية الجماعية، لكنها على خلاف غريمتها في الضفة الغربية، راكمت من القدرات العسكرية (ينظر الشكل (9)) ما يمنحها هامشًا من الاستقلالية والمراوغة. غير أنّ تحقيقها شرطَي، الاحتكار والمقاومة، لم ينتج عمليًا إلّ صيغةً من صيغ الحكم
غير المباشر تحت نظام الحكامة الكولونيالي الإسرائيلي، كما يوضح الشكل (10). وقد يفسر العجز الإسرائيلي عن فرض حكم مباشر في غزة العنفَ المؤسسي المميت والشامل نحوه.
(((11 أحمد قاسم حسين، "كيف أسست حماس جيشها؟ تطور العمل العسكري لكتائب عز الدين القسام في فلسطين"، سياسات
عربية، العدد 45 (تموز/ يوليو.)2020
(117) Ian Slesinger, "A Cartography of the Unknowable: Technology, Territory and Subterranean Agencies in Israel’s Management of the Gaza Tunnels," Geopolitics , vol. 25, no. 1 (2020), pp. 18–19.
الشكل (10) شرطا الحكم المباشر/ غير المباشر في غزة تحت حكم حماس
المصدر: من إعداد الباحثين.
استنتاجات
قدّمت الدراسة إطارًا مفاهيميًا، يتوسل المقاربة المؤسسية، لفهم تحولات الحكامة الكولونيالية
الإسرائيلية وتحولات أنماط مقاومتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر ثلاث مراحل متعاقبة، وشددت على ضرورة اجتماع شرطين أساسيين لاعتبار العلاقة بين نظام الحكامة الكولونيالي والجماعة الفلسطينية المحكومة علاقةَ حكمٍ غير مباشر: وجود بنية سياسية فلسطينية تحتكر الفاعلية السياسية الجماعية، وقدرة هذه البنية على المقاومة. وقد برر ذلك اعتبار مرحلة ما قبل أوسلو نموذجًا للحكم
المباشر، على الرغم من المحاولات الإسرائيلية لتدشين صيغ للحكم غير المباشر، واعتبار مرحلة سنوات أوسلو القصيرة نموذجًا للحكم غير المباشر، وأخيرًا اعتبار المرحلة التي نعيشها اليوم نموذجًا
للحكم المباشر في الضفة الغربية، وغير المباشر في قطاع غزة. وقد تفاعل نظام الحكامة الكولونيالي في كل مرحلة من هذه المراحل مع نمطٍ عام من أنماطِ المقاومة: لامركزي في المرحلة الأولى، ومركزي في المرحلة الثانية. أما في المرحلة الثالثة، فهو لامركزي في الضفة الغربية، ومركزي في غزة. وأوضحت، أيضًا، على خلاف التيار السائد في أدبيات الاستعمار الاستيطاني التي تقصر التحليل على بنية مؤسسات المستوطنين، أن آليات الحكامة الاستعمارية الاستيطانية وأشكالها ومنطقها الناظم لا تتوقف على استراتيجيات المؤسسات الاستعمارية فحسب، بل على تفاعلها مع الأنماط المؤسسية للفاعلية السياسية الجماعية للسكان الأصلانيين أيضًا. وبيّنت أنّ أشكال الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية
تباينت من مرحلة زمنية إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، ليس بوصفها تحصيلً حاصلً لإرادة النظام الصهيوني، بل بوصفها استجابة مؤسسية لمقاومة الفلسطينيين. وقد يكون لهذا الاستنتاج، إنْ أخذته النخبة السياسية الفلسطينية في رام الله في الحسبان، آفاقٌ سياسية. تكشف الدراسة كذلك عن مشكلة تجاهل دور الثورة التكنولوجية في أدبيات الكولونيالية المقارنة، خصوصًا عند مقارنتها حالة النظام الصهيوني بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وعلى خلاف ما أثاره
ممداني، مثلً، في أن سيادة المستوطنين القومية تفرض عليهم التوجّه نحو حلول مؤسسية على أساس
الحكم غير المباشر، يشير الدليل الذي قدّمته هذه الدراسة إلى أن التكنولوجيا فائقة التطور، تمكّن إسرائيل اليوم من حكم الفلسطينيين مباشرةً، أقله في الضفة الغربية، بعد نجاحها التقني في دمج البنية
المؤسسية الفلسطينية في نظام حكامتها الكولونيالي. بل إن العنف المؤسسي المميت الذي يستهدف به النظام الصهيوني قطاع غزة، قد يؤشر إلى أن بنية النظام الاستعماري – الاستيطاني ميالة إلى الحكم المباشر، وتعوّضه في حال عدم نجاحها بدوامة مفرغة من العنف المؤسسي المروع والمميت، لكن
الجزْم بذلك يتطلّب مزيدًا من البحث.
References
المراجع
العربية
أبو شنب، عنان. "اتصال متقطع: السيطرة الإسرائيلية على البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية وتأثيرها على الحقوق الرقمية". حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (كانون الأول/ ديسمبر 2018:). في jFLUUO /3 ly. bit:// https أبو هديب، خالد. "أثر الانتفاضة/ الثورة: في فك الارتباط عن سلطات الاحتلال." إسرائيليات. مج 1، العدد 1 (شتاء.)1990 بارسونز، نايجل ومارك ب. سالتر. "السياسات الحيوية الإسرائيلية: الإغلاق والتأريض والتحكم في الأراضي الفلسطينية المحتلة." عمران. مج 2، العدد 7 (شتاء.)2014 باومغرتن، هلغى. من التحرير إلى الدولة: تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية 1988–1948. ترجمة محمد أبو زيد. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)،.2006 البرغوثي، مصطفى [وآخرون]. "وجهات نظر في تطورات الانتفاضة وأهدافها." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 12، العدد 47 (صيف 2001:). في YKsQMJ /2 ly. bit:// https بشارة، عزمي [وآخرون.] قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، ج 1: في الهوية والمقاومة والقانون الدولي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015._______ "صفقة ترامب – نتنياهو": الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال: ما العمل؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بنفينستي، ميرون. الضفة الغربية وقطاع غزة: بيانات وحقائق أساسية. ترجمة ياسين جابر، مراجعة وتقديم خالد عايد. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.1987 تماري، سليم. "مخاطر الرتابة: العصيان المحدود والمجتمع المدني." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 1، العدد 3 (صيف.)1990 جبور، سمير. "الجيش الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 1، العدد 1 (شتاء.)1990
حسين، أحمد قاسم. "كيف أسست حماس جيشها؟ تطور العمل العسكري لكتائب عز الدين القسام في فلسطين." سياسات عربية. العدد 45 (تموز/ يوليو.)2020 الحصري، ربى. "حول ظاهرة تصفية المتعاونين مع سلطات الاحتلال." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 1، العدد 3 (صيف.)1990 الرفيدي، وسام. الأقانيم الثلاثة. القدس: مركز الزهراء للدراسات والأبحاث،.1998 زريق، إيليا وأنيتا فيتولو. "الحصاد الدامي ل 'فرق الموت الإسرائيلية."' مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 3، العدد 10 (ربيع.)1992 صايغ، يزيد. الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية.1993–1949 ترجمة باسم سرحان. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2002 عواد، هاني. "فهم 'حماس': تأملات في ثلاثة مداخل نظرية مختلفة ومتشابكة." سياسات عربية. العدد 45 (تموز/ يوليو.)2020 فخر الدين، منير [وآخرون.] دليل إسرائيل العام 2020. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2021 قريع، أحمد. الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات: من أوسلو إلى خريطة الطريق: 3 – الطريق إلى خريطة الطريق، 2006–2000. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2011 كنفاني، مروان. سنوات الأمل. القاهرة: دار الشروق،.2007 منصور، أبو علاء (محمد يوسف.) رحلة لم تكتمل: محطات على طريق المقاومة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الناطور، محمود (أبو الطيب.) حركة فتح: بين المقاومة والاغتيالات، المجلد الثاني.2004–1983 عمان: دار الأهلية،.2014
العبرية
شالوم، زاكي ويوعاز هندل. "السمات الفريدة للانتفاضة الثانية في معارك إسرائيل." تسافا ف إستراتيجيا. مج 3، العدد 1 (أيار/ مايو 2011:). في lDD 9 ll /3 ly. bit:// https غازيت، شلومو. بين الردع والمفاجأة: حول مسؤولية صياغة تقييم الاستخبارات الوطنية في إسرائيل. مزكار 66. تل أبيب: مركز يافيه للأبحاث الاستراتيجية – جامعة تل أبيب،.2013 كاتري، رون [محرر]. "المخابرات في الانتفاضة الأولى: مداخلات من ورشة بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع [الانتفاضة]". مركز موروث الاستخبارات (آب/ أغسطس 2018:). في 9 FqRfb /3 ly. bit:// https
الأجنبية
Aronson, Geoffrey. "Israel’s Policy of Military Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 7, no. 4 (Summer 1978). Aruri, Nasser H. (ed.). Occupation: Israel over Palestine. Belmont, MA: Association Arab–American University Graduates, 1989. Barakat, Rana. "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2018). Bayat, Asef. Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring. California: Stanford University Press, 2017. Bergman, Ronen. Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations. London: Barnes & Noble, 2018. Bhungalia, Lisa. "A Liminal Territory: Gaza, Executive Discretion, and Sanctions Turned Humanitarian." GeoJournal. vol. 75, no. 4 (2010). Borg, Stefan. "Assembling Israeli Drone Warfare: Loitering Surveillance and Operational Sustainability." Security Dialogue. vol. 52, no. 5 (2021). Cohen, Stuart A. "How did the Intifada Affect the IDF?" Journal of Conflict Studies. vol. 14, no. 3 (Summer 1994). Dana, Tariq. "Crony Capitalism in the Palestinian Authority: A Deal Among Friends." Third World Quarterly. vol. 41, no. 2 (2020). El–Kurd, Dana. Polarized and Demobilized: Legacies of Authoritarianism in Palestine. Oxford: Oxford University Press, 2019. Ennab, Wael R. "Population and Demographic Developments in the West Bank and Gaza Strip until 1990." United Nations Conference on Trade and Development, UNCTAD/ ECDC/SEU/ 1: 1–100 (June 1994). at: https://bit.ly/3awTTOg Gazit, Shlomo. Trapped Fools: Thirty Years of Israeli Policy in the Territories. London: Frank Cass Publishers, 2003. Gerring, John et al. "An Institutional Theory of Direct and Indirect Rule." World Politics. vol. 63, no. 3 (2011). Graham, Stephen (ed.). Cities, War, and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics. Malden/ Oxford/ Victoria: Blackwell Publishing, 2004. Haddad, Toufic. Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory. London/ New York: I.B Tauris & Co. Ltd, 2016. Halper, Jeff. War against the People. London: Pluto Press, 2015. Hydén, Göran, Julius Court & Kenneth Mease. Making Sense of Governance: Empirical Evidence from Sixteen Developing Countries. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2004. Jamjoum, Hazem. "The Village Leagues: Israel’s Native Authority and the 1981–1982 Intifada." Master Dissertation. American University of Beirut. Beirut. 2012.
Khalili, Laleh. "The Location of Palestine in Global Counterinsurgencies." International Journal of Middle East Studies. vol. 42, no. 3 (August 2010). Kimmerling, Baruch & Joel S. Migdal. The Palestinian People: A History. Cambridge: Harvard University Press, 2003. Lockman, Z. & J. Beinin. Intifada: Palestinian Uprising against Israeli Occupation. Washington: MERIP, 1989. Mackert, Jürgen, Hannah Wolf & Bryan S. Turner (eds.). The Condition of Democracy, vol. 3: Postcolonial and Settler Colonial Contexts. London: Routledge, 2021. Mamdani, Mahmood. Define and Rule: Native as Political Identity. Cambridge/ London: Harvard University Press, 2012. ________. Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities. Cambridge: Harvard University Press, 2020. Mohamad, Husam. "President George W. Bush’s Legacy on the Israeli–Palestinian 'Peace Process'." Journal of International and Area Studies. vol. 22, no. 1 (June 2015). Morton, Stephen & Stephen Bygrave (eds.). Foucault in an Age of Terror. London: Palgrave Macmillan, 2008. Parsons, Nigel. The Politics of the Palestinian Authority: From Oslo to al–Aqsa. London: Routledge, 2005. Pierson, Paul & Theda Skocpol. "Historical Institutionalism in Contemporary Political Science." Political science: The state of the discipline. vol. 3, no. 1 (2002). Pressman, Jeremy. "The Second Intifada: Background and Causes of the Israeli– Palestinian Conflict." Journal of Conflict Studies. vol. 23, no. 2 (2003). Ranta, Ronald. Political Decision Making and Non–Decisions: The Case of Israel and the Occupied Territories. New York: Palgrave Macmillan, 2015. Rhodes, R. A. W. & Sarah A. Binder & Bert A. Rockman. The Oxford Handbook of Political Institutions. Oxford: Oxford University Press , 2008. Robinson, Glenn. E. Building a Palestinian State: The Incomplete Revolution. Bloomington: Indiana University Press, 1997. Slesinger, Ian. "A Cartography of the Unknowable: Technology, Territory and Subterranean Agencies in Israel’s Management of the Gaza Tunnels." Geopolitics. vol. 25, no. 1(2020). Stein, Rebecca L. "GoPro Occupation: Networked Cameras, Israeli Military Rule, and the Digital Promise." Current Anthropology. vol. 58, no. 15 (February 2017). Tamari, Salim. "In League with Zion: Israel’s Search for a Native Pillar." Journal of Palestine Studies. vol. 12, no. 4 (Summer 1983). ________. "Who Rules Palestine?" Journal of Palestinian Studies. vol. 31, no. 4 (Summer 2002). Tartir, Alaa, Tariq Dana & Timothy Seidel (eds.). Political Economy of Palestine: Critical, Interdisciplinary, and Decolonial Perspectives. London: Palgrave Macmillan,
________. "Securitised Development and Palestinian Authoritarianism under Fayyadism." Conflict, Security & Development. vol. 15, no. 5 (2015). ________. "The Evolution and Reform of Palestinian Security Forces 1993– 2013." Stability: International Journal of Security and Development. vol. 4, no. 1
Tawil–Souri, Helga. "Colored Identity: The Politics and Materiality of ID Cards in Palestine/ Israel." Social Text. vol. 29, no. 2 (Summer 2011). Thelen, Kathleen. "Historical Institutionalism in Comparative Politics." Annual Review of Political Science. vol. 2, no. 1 (June 1999) United Nations. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. Occupied Palestinian Territory, Data on Causalities (New York). at: https://bit.ly/3oCExjL Usher, Graham. "Facing Defeat: The Intifada Two Years On." Journal of Palestinian Studies. vol. 32, no. 2 (Winter 2003). Veracini, Lorenzo. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. London: Palgrave Macmillan, 2010. Weissbrod, Michal. "'Lone Wolf ' Terrorists: The Palestinian Case Study." Master Dissertation. The Hebrew University. Jerusalem. December. 2018. Weizman, Eyal. Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation. London/ New York: Vreso, 2007. Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). Zilber, Neri & Ghaith Al–Omari. "State with No Army, Army with No State: Evolution of the Palestinian Authority Security Forces 1994–2018." Policy Analysis. Policy Focus 154, The Washington Institute for Near East Policy. 27/3/2018, at: https://bit.ly/2ZRecUz Zureik, Elia, David Lyon & Yasmeen Abu–Laban (eds.). Surveillance and Control in Israel/Palestine. London: Routledge, 2010. Zureik, Elia. "Settler Colonialism, Neoliberalism and Cyber Surveillance: The Case of Israel." Middle East Critique. vol. 29, no. 2 (2020). ________. "Strategies of Surveillance: The Israeli Gaze." Jerusalem Quarterly. no. 66 (Summer 2016).