Return to Article Details International Law and Settler Colonialism in Historical Palestine

القانون الدولي والاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية

International Law and Settler Colonialism in Historical Palestine

إيلان بابيه| Ilan Pappe *

الملخّص

تحاجّ هذه الدراسة بأن القانون الدولي قد أخفق حتى اليوم في تغيير الوضع القائم في فلسطين التاريخية. وعلى الرغم من تأثير خطاب القانون الدولي لحقوق الإنسان في الرأي العام العالمي، واتخاذ فئات من المجتمع اليهودي في إسرائيل موقفًا ضد انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة، فإن القانون الدولي لا يملك عمومًا ما يؤهّله للتعامل مع جذور المعضلة في القضية الفلسطينية، والتي تتعلق بالاستعمار الصهيوني وما يحظى به من حصانة دولية. وأسباب ذلك، كما توضّح هذه الدراسة، بعضها تاريخي، وبعضها الآخر ذو صلة بالحصانة الدولية التي تُضفى على دول الاستعمار الاستيطاني عمومًا. أما تغيير هذا الوضع، فيتطلب التركيز على مفهوم الشرعية الدولية التي كان لها دور أساسي في إنهاء دولة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.

Abstract

Professor of History, Director of the European Centre for Palestine Studies at University of Exeter, England. Email: I.Pappe@exeter.ac.uk

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار الاستيطاني
  • القانون الدولي
  • الشرعية الدولية
  • السيادة
  • الصهيونية
Keywords:
  • Settler Colonialism
  • International Law
  • International legitimacy
  • Sovereignty
  • zionism

ملخص: تحاجّ هذه الدراسة بأن القانون الدولي قد أخفق حتى اليوم في تغيير الوضع القائم

في فلسطين التاريخية. وعلى الرغم من تأثير خطاب القانون الدولي لحقوق الإنسان في الرأي

العام العالمي، واتخاذ فئات من المجتمع اليهودي في إسرائيل موقفًا ضد انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة، فإن القانون الدولي لا يملك عمومًا ما يؤهّله للتعامل

مع جذور المعضلة في القضية الفلسطينية، والتي تتعلق بالاستعمار الصهيوني وما يحظى به من حصانة دولية. وأسباب ذلك، كما توضّح هذه الدراسة، بعضها تاريخي، وبعضها الآخر

ذو صلة بالحصانة الدولية التي تُضفى على دول الاستعمار الاستيطاني عمومًا. أما تغيير هذا

الوضع، فيتطلب التركيز على مفهوم الشرعية الدولية التي كان لها دور أساسي في إنهاء دولة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.

Abstract: This article argues that International Law has so far failed in changing the reality on the ground in historical Palestine. While International human rights law has galvanized global public opinion, and some sections of the Jewish society in Israel, against violations of human rights in the occupied territories, international law in general is not equipped to engage with the root of the problem in Palestine: the Zionist colonization and its international immunity. The reasons, demonstrated in this article, are historical and pertain to the international immunity of settler colonial states in general. The way forward is to focus on international legitimacy, which played a crucial role in the downfall of Apartheid South Africa.

مقدمة

يقول جون دوغارد John Dugard، أستاذ القانون الدولي ومقرر الأمم المتحدة الخاص الأسبق لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة: "إن القانون الدولي يدعم القضية الفلسطينية. من الضروري أن يكون الفلسطينيون على معرفة بقواعد هذا القانون الدولي التي تنتهكها إسرائيل والإجراءات التي يمكن أن يستتبعها، وذلك من أجل فرض هذه الحقوق. إن زيادة الوعي لدى الفلسطينيين في ما يتعلق بحقوقهم ضروري لضمان أن تُجيّر السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير

الفلسطينية تلك الآليات التي يوفرها القانون الدولي من أجل تلبية حقوق الفلسطينيين". ويقول ريتشارد فولك Richard Falk، أستاذ كرسي في القانون الدولي ومقرر الأمم المتحدة الخاص السابق لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة: "على الرغم من رفض إسرائيل المتعنّت للوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الشعب الفلسطيني والعالم، فإن القانون الدولي يقدم اختبارًا مرجعيًا لحدود المعقول

والمباح في العلاقات بين الدول والشعوب، ولهذا السبب فحسب، فإن الخطوط التوجيهية [للقانون الدولي] توفر إسهامات بالغة الأهمية للنضال الفلسطيني من أجل الحقوق الأساسية". يؤكّد الاقتباسان أعلاه، بحسب ما يظهر لنا، أن القانون الدولي، وخصوصًا القانون الدولي لحقوق الإنسان، يوفر الحماية، أو يتضمن نظريًا على الأقل، إمكان توفير الحماية، للفلسطينيين أمام الاضطهاد الإسرائيلي،

أينما كانوا. يتبنّى هذا الموقف بعض أفضل المؤيدين لفلسطين، إضافة إلى بعض أبرز الخبراء في القانون الدولي، وهي المقاربة التي يتبنّاها كذلك القادة الفلسطينيون، ولا سيما في السلطة الفلسطينية، الذين شرعوا مؤخرًا في التواصل مع مؤسسات القانون الدولي، إيمانًا منهم بأنها قد تكون قادرة على الدفع في

اتجاه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. بل إن تقريرًا، صدر مؤخرًا عن منظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية،

يتضمن في خاتمته توصية باعتماد هذا المسلك؛ باعتباره السبيل الممكن الوحيد المُتاح للفلسطينيين

حاليًا لمواجهة الأبارتهايد الإسرائيلي. ونظرًا إلى ذلك، فإنني، بكل احترام وإجلال للافتراضات السابقة،

أرغب هنا، من منطلق تاريخي متين، في أن أشتبك معها بصورة أكثر نقدية. لا شك في أن القانون الدولي يؤكّد قانونية معظم المطالب والحقوق الفلسطينية الأساسية وشرعيّتها،

إلّ أنه، حتى يومنا هذا، لم يغيّر، على أي نحو حقيقي، الظروف التي يعيشها الفلسطينيون، أينما

كانوا. تقدم هذه الدراسة تفسيرًا جزئيًا لهذا الإخفاق المؤسف، وتجادل بأنه عند النظر في الأصول

التاريخية للقانون الدولي والإطار السياقي لها، ضمن جينالوجيا تسعى لفهم حقوق الإنسان، فإن من الممكن تفسير عجز القانون الدولي عن تصويب الوقائع التي خلقها الاستعمار الاستيطاني، أو معالجة الظروف الخاصة المتعلقة بالوضع الفلسطيني. وبناء عليه، تقترح الدراسة ضرورة أن يتواصل النقاش

(1)  "Advocating for Palestinian Rights in Conformity with International Law: Guidelines," An Outcome Document of the International Law Conference, Birzeit University Institute of Law, 8–9/5/2013, p. 2, accessed on 20/10/2021, at: https://bit.ly/3lZ8vMQ (2)  Ibid.

(((هيومن رايتس ووتش، تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد (نيويورك: 2021/4/27)، شوهد في 021/10/10:2، في https://bit.ly/2ZUUgAc

النقدي بشأن الخلفية التاريخية للقانون الدولي، من دون أن يعني ذلك، بالضرورة، التخلّي عن الاستناد الآني إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان في ما يتعلق بفلسطين. صدر مؤخرًا كتاب ممتاز وضعته نورا عريقات، بعنوان العدالة للبعض، تشرّح فيه صور التباين

الحاصلة بين مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والنضال من أجل فلسطين حرّة، وتُبيّن فيه

كيف أن القانون الدولي منذ عام 1947 لم يُفلح في وقف الاضطهاد الواقع على الفلسطينيين، بل كيف ساعد في ترسيخ حالة الاحتلال والوضع الاستعماري. كما يتقاطع النقاش في هذه الدراسة أيضًا مع كتاب صدر مؤخرًا للوري ألين، بعنوان تاريخ الأمل الزائف: عن لجان التحقيق في فلسطين،

يتناول المشاركة الفلسطينية منذ عام 1919 في اللجان الدولية الباحثة عن حل لإنهاء "النزاع" في فلسطين، ويكشف عن حالة من الاستعداد الفلسطيني للنظر إلى الواقع على أساس المبادئ الليبرالية والديمقراطية، ليتضح لهم، في ما بعد، أن الغرب لا يعتمد هذه المبادئ مع حالتهم. إن التحليل الذي أقدّمه هنا ليس قانونيًا، بل هو تاريخي وسياسي، وآمل أن يكون إسهامًا في النقاش المهم الجاري حول

دور القانون الدولي في الحالة الفلسطينية.

أولا: خلفية تاريخية

إن للقانون الدولي جذورًا كولونيالية؛ إذ تعود نشأته العملية أساسًا إلى القرن السادس عشر، حيث برزت الحاجة إلى وضع سياسات كولونيالية واستعمارية أوروبية وتطبيقها. وحتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان هدف القانون الدولي فرض أيديولوجيات الغرب وأخلاقياته على المجتمعات غير الغربية ذات الطبيعة "الأدنى"، من أجل ترقيتها إلى شعوب متحضّرة. لكن في الجولة الثانية من تطوّر القانون الدولي، عقب الحرب العالمية الثانية، كانت هنالك رغبة حقيقية في منع تكرار كارثة إنسانية أخرى بذلك الحجم، إلّ أن من وضع ذلك القانون كان لا يزال هو المستعمِر في العالم، وليس الشعوب المستعمَرة. وليس أدلّ على ذلك من أن أهمّ وثيقة تؤطّر الأخلاق والقانون على الصعيد الدولي تجسّدت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، الذي صيغ عقب مذابح كان الأوروبي فيها هو القاتل والمقتول. أما مذابح الأوروبيين ضد الأمم الأفريقية في الكونغو أو ليبيا، أو الفظائع التي ارتبطت بتجارة الرقيق، فلم تكن كافية للدفع في اتجاه وضع مثل ذلك الإعلان. ومن الأهمية الإشارة هنا إلى أن معظم شعوب وأمم العالم حينها كان لا يزال مستعمرًا، وليس

غريبًا والحال كذلك أن يشهد عام 1948 نفسه نشوء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا واقتراف إسرائيل

النكبة. لا يعني ذلك أنه لا يجدر بنا الاحتفاء بمضيّ أكثر من سبعة عقود على الإعلان العالمي لحقوق

(4)  Noura Erakat, Justice for Some: Law and the Question of Palestine (Stanford: Stanford University Press, 2019). (5)  Lori Allen, A History of False Hopes: Investigative Commissions in Palestine (Stanford: Stanford University Press, (6)  Antony Anghie, "The Evolution of International Law: Colonial and Postcolonial Realities," Third World Quarterly , vol. 27, no. 5 (2006), pp. 739–753.

الإنسان، فهو لا يزال وثيقة غاية في الأهمية. لكنْ حريّ بنا ألّ نُسقط من الاعتبار أنه وثيقة غربية، تبنّتها الأمم المتحدة بوصفها إعلانًا عالميَ الجوهر، مع أن عضويتها في ذلك الحين استثنت الجزء

المستعمَر من العالم. لقد عكس الإعلان الأعراف الغربية للحرية التي بدت أنها تستثني، وقتذاك،

الحقوق الفردية في التحرر من الاستعمار، ولم تولِ أيضًا حمايةَ التنوّع اهتمامًا. في كتابها الصادر في عام 2008، تشير ماري إلين أوكونيل، بلا مواربة، إلى حقيقة أن الإعلان افترض ضرورة إخضاع بعض الثقافات أو حتى التخلّص منها لمصلحة خلق مجتمع يسري فيه احترام كل الحقوق، وفقًا للترسيم الليبرالي الغربي للأخلاق. ويتجلّى هذا بوضوح عند مقارنة الإعلان بمبادرة أنطوان فرانغوليس Antoine Frangoulis، ممثل هايتي في عصبة الأمم، التي دعا فيها، في عام 1933، إلى عقد مؤتمر دولي حول حقوق الإنسان والعنصرية، لمواجهة السياسات النازية ضدّ اليهود، وهي دعوة نابعة من رغبة عبّرت عنها شخصيات أخرى من الأميركيين من أصول أفريقية، مثل جيمس بالدوين James Baldwin

(1987–1924)، رأت ضرورة النقاش بشأن العنصرية الغربية بكل صورها. لكنّ هذا الصوت كُتم بضغطٍ من البعثة الأميركية التي حرصت على تجنّب مناقشة القوانين والممارسات العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، تمامًا كما يقف اليوم الرئيس الأميركي، جو بايدن (021–2)، ضد مساعي محكمة الجنايات الدولية لملاحقة إسرائيل؛ لأن ذلك قد يفتح الباب على مساءلة الولايات المتحدة نفسها وحلفائها. في الجولة الثالثة من مراجعة القانون الدولي، في مطلع الستينيات، حاول فقهاء القانون، أول مرة، تضمين تجربة المستعمَر في القانون الدولي. وقد شهدنا في عام 1960 كيف دان العديد من المؤسسات ذات العلاقة بالقانون الدولي "الاستعمار بأشكاله ومظاهره كافة". لكن بدت الدول التي قامت على نموذج الاستيطان الاستعماري، مثل إسرائيل، محصّنةً من ذلك، بحجّة ذلك الشرط الذي يتطلّب أن تكون المستعمرة "منفصلة جغرافيًا" (بالبحر أو المحيط) عن الدولة التي تديرها. وقد وضع هذا القيد

بُغية طرد تخوّفات دول الاستعمار الاستيطاني، مثل أستراليا وكندا، من انطباق الإدانة على حكمها على السكان الأصلانيين الواقعين تحت إدارتها، وهذا ما ينطبق على إسرائيل أيضًا بطبيعة الحال.

ثانيًا: السيادة فوق القانون

تُعرّف الدول السيادية في القانون الدولي بما يُعرف بقدسية السيادة الويستفالية، التي تُعرّف الدولة

باعتبارها الركن الأكثر أهمية فيه. ووفق هذه المقاربة، يكون لكلّ من الدول الوطنية سيادة حصرية فوق

(7)  Marry Ellen O’Connel, The Power and Purpose of International Law: Insights form the Theory and Practice of Enforcement (Oxford: Oxford University Press, 2008). (8)  Jan Herman Burgers, "The Road to San Francisco: The Revival of the Human Rights Idea in the Twentieth Century," Human Rights Quarterly , vol. 14, no. 4 (November 1992), pp. 447–477. (9)  Edward McWhinney, "Declaration on the Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples," Audiovisual Library of International Law , 14/12/1960, accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3Fm5b6i (10)  Shiri Pasternak, "Jurisdiction and Settler Colonialism: Where Do Laws Meet?" Canadian Journal of Law and Society , vol. 29, no. 2 (2014), pp. 145–161.

أرضها، وهو مبدأ اعتُرف به في ميثاق الأمم المتحدة، إلّ أن أصله يعود إلى صلح ويستفاليا في عام 1648، الذي وضع حدًّا للحرب الطويلة بين الدول في البلدان المنخفضة وسويسرا. يعني تعريف سيادة الدولة، بوصفها ركنًا أو عنصرًا ذا قدسية، أن القانون الدولي عمومًا يتجنّب الخوض

في الشؤون الداخلية للدول. ويمكن هنا الإشارة مثلً إلى أن الفلسطينيين داخل إسرائيل، أو ما يعرف بعرب 1948، عاجزون عن تدويل وضعهم، على الرغم من أنّهم مجتمع يعيش تحت واقع وحكم أشبه بالأبارتهايد. لهذا، نأى القانون الدولي، بعد مأسسته، عن المسّ بسيادة الدولة – الأمّة، إلّ تلك الدول غير الغربية.

أما إسرائيل، فتتفلّت من التصنيف في أيّ من الفئتين، وبذلك لا تُعدّ دولةً غربيةً، لكنّها مع ذلك تُعدّ

دولةً لا يمكن أن يتعرّض القانون الدولي لسيادتها. وهكذا، نجد تاريخيًا أنه حتى أشدّ انتهاكات إسرائيل

لقرارات الأمم المتحدة لم تُعرّضها للمساءلة الجادّة، على أي نحوٍ كان. فالضمّ غير القانوني للأراضي

التي خُصّصت للفلسطينيين بموجب قرار التقسيم في عام 1947، والتطهير العرقي للسكان الأصلانيين الذين سُلبت منهم حياتهم وممتلكاتهم وكرامتهم، كل ذلك حصل بخلاف كلّ ما وعد ذلك القرار

بحمايته. وجرى أيضًا تجاهل انسحاب إسرائيل من بروتوكول لوزان الذي وُقّع في أيار/ مايو 1949 (وحدّد أن قبول عضويّة إسرائيل في الأمم المتحدة مشروط بقبولها القرار 194 الذي ينصّ على وجوب السماح بالعودة غير المشروطة للاجئين الفلسطينيين). ثم ظلّت القصّة على حالها حتى اليوم: تجاهل لكل القرارات المتعلقة باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وقرار محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصري، والتقارير العديدة التي صدرت عن المقررين الخاصين في الأمم المتحدة أو مجلس حقوق الإنسان التابع لها. حتى لو كانت محكمة العدل الدولية، أو غيرها من الهيئات التي تمتلك إمكان التحرّك وفق مقتضى

القانون الدولي، قادرةً على اتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، فإن أي تحركات أو عقوبات ما كان لها أن تُستخدم بما يمسّ سيادة إسرائيل، بل إن واقع الوضع القانوني الدولي Legality International

حاليًا (على نقيض الشرعية الدولية)، يعفي الدولة اليهودية من أي متطلّبات لإعادة النظر في هويتها

أو أيديولوجيتها أو سيادتها. أما الواقع الأشدّ مرارة، فيتمثّل في أن الوضع في إسرائيل/ فلسطين سيظلّ على ما هو عليه، في ظل غياب الاستعداد لتقويض السيادة الإسرائيلية وإضعافها. في الأعوام القليلة الماضية، حصلت بعض الاستثناءات في هذا النهج؛ إذ بدا أن التدخلات لأسباب إنسانية باتت تلقى اعترافًا متزايدًا بأنها علّة قانونية تسمح بمساءلة سيادة الدولة، مثل جرائم الحرب التي تُستَحضَر بصفتها مسوّغًا استثنائيًا لمثل هذه التدخلات. على الرغم من ذلك، فإن المناطق أو الدول

التي يعدّها الغرب "غربيّة"، أو ضمن فئة "الأمم المتحضّرة"، لا تزال مستثناةً من انطباق ذلك عليها.

(11)  Ilan Pappe, The Making of the Arab–Israeli Conflict, 1948–1951 (London/ New York: I.B, Tauris, 1992), pp. 203–243.

((1(للمزيد عن هذه المسائل، ينظر: Erakat.

ثالثًا: ماذا يعني ذلك لفلسطين؟

كان مدار الإرهاصات المبكرة لتدخّلٍ ممكن للقانون الدولي لمصلحة فلسطين، بعد عام 1948، يدور حول قضايا ذات علاقة بالمناطق التي خُصّصت للعرب وفق قرار التقسيم، التي احتلتها إسرائيل إبّان النكبة. فقرار التقسيم الذي تبنّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1947، أوصى بتخصيص 43 في المئة من فلسطين الانتدابية للسكان الفلسطينيين كحصّة شرعيّة لهم من الأرض. وقد كان

من الممكن، بالاستناد إلى ذلك، مساءلة سيطرة إسرائيل على أجزاء إضافية من فلسطين التاريخية تزيد على الأراضي المخصصة لها بحوالى 52 في المئة خلال حرب 1948. وحرصت إسرائيل طوال عامين، حتى عام 1950 تقريبًا، على تجنّب الإعلان عن ضمّ هذه المناطق، لكن هذا ما حصل عمليًا

على الأرض، وبتلك الحالة بدا القانون الدولي عاجزًا وغير ذي صلة. لكن الأمر مختلف مع القرار 194، ولا سيما في ما يخص المطالبة بعودة اللاجئين غير المشروطة. في هذه الحالة أيضًا، رفضت إسرائيل القرار وتجاهلته، إلّ أن الأمم المتحدة، حتى يومنا هذا، عبر لجنة تسمّى "لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف"، تؤكد أن حق العودة مضمون

في القانون الدولي، لكن اللجنة، مثل الهيئة التي تمثلها، لا تملك السلطة لإنفاذه. ويُعدّ القانون الدولي الأساس الذي قامت عليه حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS التي سنتحدث عنها أكثر في ما سيأتي. فالحركة تدعو إلى تطبيق ثلاثة حقوق رئيسة، يضمنها القانون الدولي جميعًا، وهي حق العودة للاجئين، وحق الناس في الأراضي المحتلة في أن يعيشوا بحرّية، وحق المواطنين

الفلسطينيين في إسرائيل في أن يعيشوا بلا تمييز ضدّهم. تواصل هذا النمط مع الهيئات والعمليات ذات الصلة بالقانون الدولي التي تعترف بحقوق الفلسطينيين، لكنه لم يخرج قطّ من عباءة ميزان القوى الدولي الذي يكبح إمكاناته مطلقًا. فهنالك الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، والدعم غير المشروط من واشنطن لمواقف إسرائيل وسياساتها على الأرض المخالفة للقانون الدولي؛ وهو ما أفرغ هذا القانون من أثره وجدواه، على الرغم من اعتراف أحكامه بحقوق الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير. على النحو ذاته، لاحت من جديد، بعد عام 1967، إمكانات الاستفادة من القانون الدولي بصفة فاعلة، إلّ أن خيبة الفلسطينيين استمرّت. فقد مهّد القانون الدولي لتمرير قرار مجلس الأمن رقم 422 الذي يطالب

إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وغيرها من المناطق، والاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين (لم يتطرق القرار إلى مسألة السيادة والدولة، إلّ أن القرار كان خطوة مهمة في مواجهة الموقف الأميركي الذي قارب القضية الفلسطينية باعتبارها محصورة ببعدها الإنساني). وأخال القارئ مُطّلعًا بالطبع

على تجاهل إسرائيل لمطالبات الأمم المتحدة العديدة بشأن الانسحاب، أو ضمّ القدس الشرقية، أو بناء المستوطنات الإسرائيلية. ففي كل مرّة تُطرح هذه الانتهاكات على مجلس الأمن، تُواجَه بالفيتو الأميركي. ثمة تحوّل في الرأي العام العالمي لمصلحة النضال الفلسطيني، يُعزى إلى أسباب عدة، من بينها زيادة

تدفّق المعلومات بشأن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين الإنسانية والمدنية في الأراضي

المحتلّة. وقد وظّفت الحكومات والمنظمات غير الحكومية خطاب القانون الدولي عند الحديث عن تلك الانتهاكات، سواء كان ذلك متعلقًا ببناء المستوطنات، أو بأشكال العقوبات الجماعية المختلفة على الفلسطينيين، أم هدم المنازل، أم التوقيف بلا محاكمة، أم التطهير العرقي والاضطهاد العام. ولعل النجاح الأبرز في هذا الصدد هو الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية (مع أنّه، خلافًا للتصوّر الشائع، لا يتعلق الحكم بالجدار في حدّ

ذاته، إنما بأجزاء محدّدة منه كانت موضوع الإدانة). وانتقدت حكومات ومنظمات غير حكومية سلسلة الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزّة منذ عام 0062،

من بينها منظمة العفو الدولية، لما تضمّنته تلك الهجمات من جوانب شكّلت خرقًا للقانون الدولي.

وقد بلغت هذه الانتقادات ذروتها في تقرير غولدستون الشهير في عام 0092 (الذي اتّهم أيضًا حركة "حماس" بارتكاب انتهاكات مشابهة، وإن تفاوتت في المستوى). وما أشبه هذا التقرير بتقرير لجنة شون ماكبرايد MacBride Commission في عام 1982 حول جرائم الحرب الإسرائيلية في حرب لبنان، الذي لم ينجم عنه أي أثر يذكر في سلوك إسرائيل أو سياساتها، والسبب هو تردّد الولايات المتحدة والأعضاء الكبار في الاتحاد الأوروبي في اعتبار مثل هذه التقارير الدامغة في سياساتهم. حريّ بنا الإشارة أيضًا إلى أن حركة BDS التي أشرنا إليها آنفًا، والتي تستند في مطالبها إلى أحكام

القانون الدولي، تمثّل إلى الآن على الأقل قصّة نجاح، ولا أحد يعرف ما الذي سينجم عنها من آثار

تراكمية في المستقبل. لكن من المهمّ أن نُذكّر من جديد بأن لهذا النجاح ارتباطًا بمفهوم الشرعية

الدولية، أكثر مما هو مرتبط بشرعة القانون الدولي ومقتضياته. من التطورات الأخرى الجديرة بالذكر في ما يرتبط بالقانون الدولي هو زيادة زخم الحراك بين الناشطين المتطوعين للتضامن مع الفلسطينيين في المناطق المحتلة، والمشاركين على متن السفن والقوارب التي تسعى لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة. وينضوي كل هؤلاء الناشطين، بطريقة ما، إلى مظلة حركة تعرف باسم "حركة التضامن العالمية" Movement Solidarity International The، التي

أنشئت في عامُ 001.2 وحتى داخل إسرائيل، ثمة منظمات غير حكومية رائدة مناهضة للاحتلال، إضافة إلى المجتمع المدني الفلسطيني الذي كثيرًا ما يلجأ إلى توظيف لغة القانون الدولي، أساسًا

تنطلق منه نشاطاتهم وفعالياتهم. أخيرًا، تمكّنت السلطة الفلسطينية نفسها من تحقيق بعض المكتسبات الاستثنائية عبر تعاونها مع

محكمة الجنايات الدولية التي أبدت استعدادًا، نظريًا حتى الآن، للنظر في جرائم الحرب التي ارتكبها

الجيش الإسرائيلي. من جهة أخرى، تمكّنت السلطة الفلسطينية، عبر الجهود الدبلوماسية، من رفع مستوى تمثيل فلسطين تدريجًا في الأمم المتحدة.

(13)  United Nations, Human Rights Council, Human Rights in Palestine and Other Occupied Arab Territories: Report of the United Nations Fact–Finding Mission on Gaza Conflict (Geneva: 15/9/2009), accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3uVwfV8 (14)  Chairman Seán MacBride, Israel in Lebanon: The Report of the International Commission (London: Ithaca Press,

لكن عند النظر إجمالً في كل هذه الإنجازات والتحركات التي قامت على أساسٍ من القانون الدولي، فإنه لا يمكن إنكار أنها عجزت جميعًا عن أن تتحوّل إلى عوامل تغيير حقيقي على الأرض. هذا لا يعني بالتأكيد نفي إمكان حصول ذلك في المستقبل، لكنه يبدو أمرًا غير راجح في الوقت الراهن.

وهذا ينقلنا إلى السؤال التالي: كيف انتهت كل هذه الجهود النبيلة إلى هذا الإخفاق الذريع؟

رابعًا: فشل القانون الدولي في أن يكون قوة تغيير على أرض الواقع

لم تتوانَ السلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة في تركيز جهودها على المطالبة بالسيادة، استنادًا إلى القانون الدولي. لكن لا يمكن الاستناد إلى قانون حقوق الإنسان الدولي بشكله الحالي، إلّ في القضايا الفردية وبعض دراسات الحالة، من دون الاشتباك مع سؤال الاستقلال والسيادة. ولا يمكنه أن يكون عاملً مؤثرًا ومُغيّرًا في الحالة الفلسطينية، إلّ إذا اشتبك مع سؤال السيادة،

وهو سيناريو مستبعد، كما يوضح دافيد لويد: "حرمان فلسطين من أن تكون دولة ذات سيادة على مواطنيها هو توطيد غير مباشر لسيادة إسرائيل على فلسطين، والموقف منها كعضو في ما يمكن أن نُسمّيه الشبكة الحديثة للدول الويستفالية، التي أسّس من خلالها مفهوم السيادة كمؤسسة مركزية في النظام الدولي". تشرح إشارة لويد الموجزة كيفية منْع سمة القداسة التي تُضفي إلى مفهوم سيادة الدولة، القانونَ الدولي، من القيام بدور فعال في القضية الفلسطينية. وإذا ما أخذنا في الحسبان الأصول الاستعمارية للقانون الدولي وقداسة مبدأ السيادة، فإننا ندرك أنه لم يستطع منع بريطانيا من منح فلسطين للحركة الصهيونية في عام 1917، وأنه لا يملك اليوم أدوات "وقف الصَهينة" الواقعة على فلسطين التاريخية. مع ذلك، يظل وقف الصهينة عن فلسطين التاريخية، بقدرٍ ما، شرطًا مسبقًا لأي مصالحة وسلام حقيقيين في تلك الأرض. ولأن القانون الدولي يوظّف بصعوبة فيما يمسّ بسيادة الدول، فإن الدول نفسها تصبح أكثر بُعدًا عن الاضطرار إلى النزول عند أحكامه. فعدم القدرة على التدخل في شؤون الدول ذات السيادة، وضعف وازع احترام القانون الدولي لدى هذه الدول، يعنيان أنه في حالة، مثل الحالة الفلسطينية، لن تكون الدولة أداةً تتيح الالتزام بإنفاذ القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان. لهذا السبب ليس ثمّة ما يدعو إلى تعليق الأمل على المحكمة الإسرائيلية العُليا للحدّ من سياسات الاضطهاد التي تمارسها إسرائيل في فلسطين. على العكس من ذلك، فإن المحكمة متواطئة في هذه السياسات من خلال الموافقة عليها على نحوٍ متكرر. هذا الوعي بأن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه، على الأرجح، من كيان الدولة الحديثة، أو عبرها،

(15)  David Lloyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), p. 60.

في حالات مثل القضية الفلسطينية، دفع جورج بشارات إلى التعليق: "تقع مسؤولية ضمان تحقيق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان في فلسطين على عاتق المجتمع المدني". ليس هذا هو النهج الذي تبنّته دولة فلسطين، أو السلطة الفلسطينية تحديدًا. فقد قاد الراحل صائب عريقات (020–19552) مبادرة الدولة الفلسطينية للوقوف في وجه إسرائيل، عبر القانون الدولي في المحاكم الدولية. وكي نكون مُنصفين، يجب أن نُقرّ بأن هذه المبادرة أزعجت الإسرائيليين، أو بالأحرى

أربكتهم كثيرًا، لكنّها في الوقت ذاته لم تثمر الكثير من النتائج حتى الآن. من المفهوم أن الثقة الفلسطينية، الراهنة والمبكرة على السواء، بالقانون الدولي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة الدولة المستقلة التي تمثّل الهدف الرئيس للنضال من أجل التحرير. ونظرًا إلى أن احتمالات هذا السيناريو

تتلاشى، فمن المهم الآن النظر إلى القانون الدولي أيضًا من منظور الحلول البديلة، مثل حل الدولة الواحدة، أو ضمن مباحثة أكثر عمومية لمعنى إنهاء الاستعمار في فلسطين في القرن الحادي والعشرين.

خامسًا: مواجهة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

سيرتبط أي نقاش بشأن كيفية تعامل المجتمع المدني مع القانون الدولي، كما يقترح بشارات، ارتباطًا وثيقًا بالحوار بشأن الحلول البديلة لترتيبات حل الدولتين. يجب كذلك مراعاة السياق التاريخي المُقدّم في مطلع هذه الدراسة بجدّية في مثل هذا النقاش. وبما أن القانون الدولي موضوعه الدول في المقام الأول، فإنه لا يتمتع بأي أهمية تُذكر في الواقع الاستعماري الاستيطاني، حيث لا يكون انتهاك هذا القانون نابعًا من سياسة الدولة فحسب، بل الأهم من ذلك أنه ينبع من أيديولوجية الدولة التي تتمثل في فرض السيادة القسري عبر نزع الأصلانية De–indigenization عن السكّان المحلانيين. فالقانون الدولي بطبيعته لا يشكك في سيادة أي دولة، ما دامت قد حصلت على الاعتراف الدولي بها، وهو غير معني بأي نقاش يؤرخ نشأة دولة استعمار استيطاني معيّنة. إنه القانون نفسه الذي منح الشرعية، بل الصفة القانونية لاستعمار 78 في المئة من فلسطين

في عام 1948، ومع ذلك، هناك من يتوقع منه، منذ ذلك الحين، أن يدافع بطريقة ما عن سيادة ال 22 في المئة الباقية من الأرض الأصلية. لذلك فإن نزع الطابع التاريخي De–historicization عن القانون الدولي هو جزء من اتجاه أوسع داخل ما يُسمى عملية السلام التي بدأت بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، والتي ربما انتهت فعليًا في عام 007.2

فقد بُنيت هذه العملية على تجاهل المعطيات التاريخية للأزمة، وذلك ضمن محاولة الأميركيين التوسط في التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، من أجل تفادي التعامل مع أصول النزاع وجذوره. وفي كل مرة يتم فيها إحياء عملية السلام، أو بالأحرى إعادة إحيائها، يعود أصحاب المبادرة إلى منعطفات عشوائية – تختارها إسرائيل والأميركيون – باعتبارها "جذورَ" النزاع، التي يناقش الجانبان، بناء عليها، تقسيم الأراضي

(16)  George Bisharat, "Boycotting Israeli Apartheid: Practical and Ethical Questions," University of California, Hastings College of the Law (2010), pp. 23–36, accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3BxyOiH

والترتيبات المناطقية والأمنية وغيرها. أما المقاربة الشمولية للتسوية، فتستلزم التعامل مع مفهوم "النكبة المستمرة"، أو بتعبير باتريك وولف إدراك، أن الاستعمار الاستيطاني بنيةٌ وليس حدثًا، ومن ثمّ لا يمكن

التعامل مع تلك النقاط المختارة منفصلةً، وبعيدًا عن السياق التاريخي أو الأيديولوجي. إن تطبيق براديغم الاستعمار الاستيطاني على القانون الدولي لا يضفي عليه طابعًا تاريخيًا فحسب، بل

يسمح أيضًا بالاصطلاح على مفاهيم جديدة عندما نتحدث عما حدث ويحدث في فلسطين التاريخية. عند النظر من منظور الاستعمار الاستيطاني مثلً، يمكن أن يُعيد المرء بسهولة النظر في مصطلح "النزاع"

الذي يفترض تكافؤًا معيّنًا في السلطة والمسؤولية، والاستعاضة عنه بمصطلح الاستعمار، وهو ما ينطبق

أيضًا على مصطلحي "السلام" أو "الحل"، واللجوء إلى مصطلح "تفكيك الاستعمار" بدلً منهما، لأنهما لا يُمثلّان عن حق نضال السكان الأصلانيين الفلسطينيين في وجه حركة الاستيطان الصهيونية.

سادسًا: الشرعية الدولية

إنّ السياق التاريخي الذي عالجته، والمقاربة من الأعلى إلى الأسفل، يعني أن القانون الدولي لا يستطيع بسهولة تحدّي البنى القائمة، بل يمكننا القول إن القانون الدولي يميل تاريخيًا إلى إدامة

هذه البنى. على هذا النحو، فإننا لو عملنا داخل إطار القانون الدولي، لن نستطيع تحدّي البنى القائمة

في سياق فلسطين التاريخية. ويخدم هذا الوضع، جيدًا، المدافعين الرئيسِين عن المشروع الصهيوني وإسرائيل حول العالم: مجموعة يمكن أن يطلق عليهم الصهيونيين الليبراليين، أو أتباع "الصهيونية الدايت" Diet–zionism. إن إحجام القانون الدولي عن التعامل مع الطبيعة الأيديولوجية للأنظمة يعني أن النظرية والممارسة الصهيونيتين لن تكونا موضوع نظر من المُشرّعين الدوليين؛ وسيتم التعامل

معهما، كما هو حاصل بالفعل، من خلال المفهوم الفلسطيني الفريد عن "الشرعية الدولية". لتقدير مفهوم الشرعية الدولية على نحو كافٍ، على المرء أن يُفسّر الفرق بين القانون الدولي والشرعية

الدولية. فالقانون الدولي هو حقائق تنطلق من الاتفاقات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك تلك التي لا تملك سلطة لفرض العقوبات، وبالتأكيد يندرج حكم محكمتَي الجنايات والعدل الدوليتين فيهما. لقد اختارت السلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها الممثل لدولة فلسطين، تبني استراتيجية تعتمد على مناشدة الهيئات الرسمية التي تمثل القانون الدولي، من دون نتائج ملموسة حتى الآن، لكن العملية لا تزال مستمرة إلى لحظة كتابة هذه الدراسة. إن القانون الدولي مفهوم واضح، بخلاف مفهوم الشرعية الدولية. وقد استفدت في هذه الملحوظة من مقالة لمارتن وايت كتبها في عام 1972، وهي مقالة نظرية، إلّ أن تناولها لمفهوم الشرعية الدولية ينطبق منطقيًا وبالحقائق أيضًا على حالة فلسطين. يُعرّف وايت مفهوم الشرعية الدولية في عام 1972 على النحو التالي: "إن الشرعية الدولية هي فكرة

ضبابية ومراوغة، تقع على التخوم بين الأخلاق والقانون. يمكن وصفها بإيجاز بأنها المقبولية الأخلاقية.

(17)  Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387–409.

مقبولة لمن؟ لبقية أعضاء المجتمع الدولي. تُعدّ جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري مثالً جيدًا لدولة، شرعيّتها مشكوك فيها. لكن ليس هناك شك في أنّ نظام جنوب أفريقيا قانوني Legal،

وذلك أن الخطوات التي نشأ من خلالها ذاك النظام لم تخالف القانون الدستوري. ومع ذلك، فقد جرى شجبه بإجماع الرأي الدولي الذي عبّرت عنه عدة قرارات من الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة

الأفريقية [...] وهو ما نجم عنه انسحاب جنوب أفريقيا من الكومنولث [...] [لقد كانت] جنوب أفريقيا دولة منبوذة، لكنها على الرغم من ذلك، كانت منبوذة ومزدهرة". ليس للشرعية الدولية هيئات رسمية، كما أنها لا تتبع الأعراف الرسمية. ويمكن تشبيه الاختلاف بين الشرعية الدولية والقانون الدولي، من نواح عدة، من خلال الاختلاف بين فعل المقاطعة، باعتباره فعلَ مجتمعٍ مدني، والعقوبات من حيث هي إجراء تنفّذه حكومة. إن تحويل المقاطعة إلى عقوبات هو ما تحاول حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات BDS، جاهدة، تحقيقه في نهاية المطاف. على المنوال نفسه، في حالة جنوب أفريقيا، احتاج العالم إلى تعريف "الأبارتهايد" في عام 1972؛ لأن الحكومات الغربية رفضت تأييد دعم مقاطعة المجتمع المدني لنظام جنوب أفريقيا من خلال فرض عقوبات، الذي حصل لاحقًا بعد سنوات. فبمجرد استبدال جنوب أفريقيا بإسرائيل، والتفكير في موقف المجتمع المدني، وليس الحكومات، ستجد أن المعنى الكامل للشرعية الدولية أضحى أقل غموضًا. ثمة أوجه تشابه بين النضال الفلسطيني والنضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، الذي تضمّن في ذلك الوقت استبدال القانون الدولي الرسمي بالمحاكم الشعبية، بعد أن شعر الجمهور بأن القانون الدولي لا يقوم بالعمل المفترض منه. في حالة فلسطين، فإن واحدة من هذه المحاكم البارزة، محكمة

راسل حول فلسطين Palestine on Tribunal Russell التي أسّست في عامُ 0092، جنّدت ناشطين ومحامين مشهورين في مجال حقوق الإنسان، وأجرت محاكمة علنية ناقشت انتهاكات إسرائيل للحقوق المدنية وحقوق الإنسان. بالنظر إلى ردة الفعل الإسرائيلية، يبدو أن النضال بحثًا عن الشرعية، في هذه المرحلة، يقلقها أكثر بكثير من محاولة فرض حكم القانون الدولي على إسرائيل. في عام 0102، أنشأت إسرائيل مجموعات خاصة، ولاحقًا وزارة كاملة، هي وزارة الشؤون الاستراتيجية والدبلوماسية العامة، بغرض محاربة ما سمّته "نزع الشرعية عن إسرائيل". إن جوهر الدولة وطبيعة النظام لا يمكن التشكيك فيهما من خلال القانون الدولي، لكنّ الشرعية الدولية يمكن أن تخضعهما لمثل هذه المساءلة. فلسطينيًا، وفي الخطاب السياسي الداخلي، يجري الخلط أحيانًا بين مفهومي القانون الدولي والشرعية

الدولية، كما يظهر في وثائق مثل الميثاق التأسيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية (1964، 1968)، وإعلان

(18)  Martin Wight, "International Legitimacy," International Relations , vol. 4, no. 1 (1972), p. 1. (19)  "Russell Tribunal on Palestine," at: https://bit.ly/3lgGqR2

2(((ناقشت هذا بتوسع في كتابي فكرة إسرائيل:

Ilan Pappé, The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge (London/ New York: Verso Press, 2010), pp. 295–313.

الاستقلال (1988)، التي تشير إلى الميثاق الانتدابي لعصبة الأمم The Mandatory Charter of the League of Nations باعتباره مصدرًا للشرعية الدولية التي تم انتهاكها أولً من بريطانيا، ولاحقًا من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. عندما يتم التعامل مع هذا الادّعاء اليوم، يمكن نقاشه، فحسب، ضمن حدود الشرعية الدولية (مع أن فحص الوعود بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 181 بشأن تقسيم فلسطين)، بحسب ما أظهر جون كويغلي، لا يزال ممكنًا بحسب مقتضيات القانون الدولي، وهي نقطة لمّح إليها أيضًا رشيد خالدي. لكنّ الأسس الرخوة لمفهوم الشرعية الدولية، وحقيقة الضعف التي تعتري فاعلية القانون الدولي على أرض الواقع، باتت مخرجًا للصهيونيين الليبراليين لدعم مشروع الاستعمار الاستيطاني، أي دعم الصهيونية وممارساتها في المنطقة بأسرها ضمن فلسطين (التاريخية) من جهة، مع الحفاظ من جهة أخرى على ادّعاء أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

سابعًا: تمهيد الطريق ل "الصهيونية الدايت"

في حالة فلسطين، يقف القانون الدولي حائلً أمام نقاش قضايا تتجاوز أسئلة الاستيطان وحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (وهو أمر غاية في الأهمية، لكنه يتجاهل مصدر السياسات). ليس هذا فحسب، بل إنّ القانون الدولي، أيضًا، عاجزٌ أمام بعض الحقائق التي أنتجتها إسرائيل على الأرض في السنوات العشرين الأخيرة. ومن ثمّ، على سبيل المثال، أثبت القانون الدولي أنه مفهوم مراوغ وقابل للتلاعب به بسهولة، وخصوصًا في الوضعيات التي لا تتضمن صياغات واضحة للاحتلال العسكري، كما اتضح في السنوات الأخيرة في قطاع غزة بعد الانسحاب الأحادي، أو في مناطق "أ" في الضفة الغربية. يُعيد هذا النقاش مقاربة إدوارد سعيد اللافتة بشأن محدودية قدرة القوانين المحلّية والدولية على مواجهة ما أطلق عليه الحمض النووي DNA للصهيونية: "إن الطاقات التأسيسية للصهيونية كانت مبنيّة على

الحضور المُغيّب، أي الغياب الوظيفي ل 'السكان المحلانيين' في فلسطين". ومن الصعب معالجة

هذا "الغياب الوظيفي" Absence Functional من خلال الأدوات القانونية؛ ما يجعل التحدي أمامنا أكثر وضوحًا. تُسلّط هيمنة هذا "الحمض النووي" DNA الضوء على التفاعل بين اليسار الصهيوني والقانون الدولي، حيث يتم قبول القانون الدولي من الصهيونيين الليبراليين ما دام لا يتصادم مع هذا "الحمض". ويُمثّل

اليسار الإسرائيلي في هذا السياق ما سمّاه ألبير ميمي "المستعمِر اليساري" الذي يظل ضمن الإطار الأيديولوجي للاستعمار، و"جزءًا من المجموعة التي تمارس الاضطهاد، وسيكون مُجبرًا على تقاسم

(2((المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، الخاصة بالوصاية أو الانتداب.

(22)  John Quigley (rev.), The Case for Palestine: An International Law Perspective (Durham/ London: Duke University Press 2005), pp. 32–56. (23)  Rashid Khalidi, "International Law and Legitimacy and the Palestine Question," Hastings International and Comparative Law Review , vol. 30, no. 2 (2007), pp. 173–180. (24)  Edward W. Said, "Zionism from the Standpoint of its Victims," Social Text , no. 1 (Winter 1979), p. 29.

مصيرها". ومن ثمّ؛ حتى لو لم يكن هذا المستعمر مذنبًا كفرد، فإنه يشارك في المسؤولية الجماعية،

بالنظر إلى حقيقة أنه "جزءٌ من جماعة قومية مضطهِدة". لقد احترم "المستعمرون اليساريون" الصهيونيون القانون الدولي من حيث المبدأ، ما دام لم يُستخدم لمساءلة الجوهر الأيديولوجي للصهيونية. وقد احترموه، على نحو أكثر تحديدًا، ما دام لا يتحدى الامتيازات الممنوحة لهم من الدولة الاستعمارية الاستيطانية. على هذا النحو، فإنهم يعتقدون أن دولة استيطانية محسنة، تتوافق مع القانون الدولي، ستؤدي إلى التغييرات الضرورية على الأرض. لا يمكن الذهاب أبعد من الحدود التي يفرضها القانون الدولي، إلّ من خلال القبول بحقيقة أن التقسيم هو منهج استعماري استيطاني وليس حلً. ومن ثمّ، فإن دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لن تحل الصراع، لكنها ستعمل على إدامته، وحصر الفلسطينيين في بانتوستانَيْن هما عبارة عن سجنين

ضخمين، مواقع للأسر الوطني لا للتحرير. لقد قاتل السكان الأصلانيون طوال حياتهم ضدّ المحميات والجيوب، ولم يروا فيها أبدًا بديلً من تقرير المصير. كما كتب أحمد موسى في يوم الأسير: "هذا [حل الدولتين] يُشبه سجنًا مفتوحًا للفلسطينيين، تقيمه دولة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلية؛ سجن معترف به من القانون الدولي". إن الحل السياسي الوحيد القابل للتطبيق، الذي يمكنه تدارك انتهاكات القانون الدولي في حالة فلسطين والانتهاكات المستمرة لكل من القانون الدولي والشرعية الدولية، هو دولة ديمقراطية واحدة. إن كل ما يمكن مجابهته من سلب الممتلكات، وسرقة الأراضي، والحرمان من الحقوق الإنسانية والمدنية الأساسية والحق في تقرير المصير القومي، لا يمكن أن يتحقق إلّ في إطار البنية السياسية لدولة ديمقراطية واحدة، ومن خلال مؤسساتها وتشريعاتها وهويتها. ولا بد من جعل القانون الدولي ملائمًا ليتم تطبيقه في عملية تفكيك استعمار مستقبلية، وليس إضعاف مساعي تفكيك الاستعمار من أجل تلبية التفسير الغربي الحالي للقانون الدولي. أود أن أنهي هذه الدراسة من خلال فحص الصلة بين النضال في فلسطين ونضال السكان الأصلانيين حول العالم، وهو ما ينطوي على أهمية أكبر من أي تطورات أخرى، حتى يتسنى لنا تقديم نقد للقانون الدولي ملائم للزمن الذي نعيش فيه.

خاتمة: التطلّع إلى المستقبل

لا بد لأي حوار مستقبلي بشأن تطبيق القانون الدولي على الحالة الفلسطينية من أن يكون جزءًا

من النقاشات الأكثر عمومية بشأن القانون الدولي، التي أثارتها مؤخرًا الحركات المطالبة بالحقوق الأصلانية، وعلى هذا الحوار ألّ يتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم متلقين سلبيين للمنتجات النهائية.

(25)  Alber Memi, The Colonizer and the Colonized (New York: Planket Lake Press, 2013), p. 34. (26)  Ahmad Mousa, "International Day of Solidarity with the Palestinian People: An Indigenous Rights Perspective," Mondoweisse , 29/11/2015, accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3Bwt8FD

عطفًا على ما سبق، يجب أن يتّصل هذا النقاش بالمساهمات الجديدة عن النضال من أجل حقوق الإنسان، وخصوصًا الدراسات التي وضعت هذا النضال في سياقه، وأطّرته على أنه مسعى غربي للكونية Universalism فشل حتى الوقت الراهن في معالجة العنصرية والاستعمار الاستيطاني. في هذا السياق، أفكر في أعمال نادين العناني وبول جيلروي. إن خلاصة عملهما هي أن المحامين الذين يناضلون من أجل حقوق الإنسان بموجب القانون الغربي الدولي، أو داخل كل دولة على حدة – وهذا ينطبق على المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة "عدالة" داخل إسرائيل، ومؤسسة "الحق" في الضفة الغربية – يكافحون لتحسين الوضع غير المتكافئ الذي منحته دولة الفصل العنصري في إسرائيل لمن يمثلونهم. إن عمل هذه المنظمات غير الحكومية لا يُقدّر بثمن، لكن ينبغي لنا ألّ نتجاهل الحدود القصوى لما يمكنها إنجازه، والأسباب التي تجعله محدودًا بهذه الطريقة. أجادل بأنه فقط من خلال الاستفادة من هذا الاشتباك النقدي مع القانون الدولي، من جانب السكان الأصلانيين والباحثين، ومن خلال التشكيك في إمكان قابليته للتطبيق على التجارب الاستعمارية الاستيطانية، يمكننا الوصول إلى فهم أفضل لجدوى هذا القانون لفلسطين التاريخية ككل. سيجعلنا مثل هذا المنظور قادرين على جعل أيديولوجية إسرائيل، من حيث هي نظام، موضوعًا خاضعًا للنقاش بشأن المستقبل. وفي حين أنه لا يمكننا أن نذهب إلى حد المطالبة بالحق في جعل قانون السكان الأصلانيين بمنزلة أساس لهذه المشاركة، فإنها طريقة لافتة إلى تاريخ الاستيلاء الصهيوني على الأرض الواقعة تحت الانتداب؛ عملية شراء انتهكت حقوق المقيمين من السكان الأصلانيين على الأراضي التي اشتراها الصندوق القومي اليهودي وغيره من الجماعات الصهيونية طوال فترة الانتداب. لا بد من أن تتم العودة إلى منظورات مثل هذه بشأن حقوق السكان الأصلانيين؛ لفهم ما يتعلق بالتطهير العرقي في عام 1948، والتهويد بعد عام 1967، في كل أنحاء فلسطين التاريخية. إن سياقًا تاريخيًا كهذا – من خلال حقوق السكان الأصلانيين، وليس من خلال القانون الدولي

فحسب – سيُظهر أن السكان لم يُجرَّدوا من ممتلكاتهم في حقبة الانتداب فحسب، بل إن منظومة

حياتهم برمتها قد دُمّرت كليًّا أيضًا من خلال الأساليب الاستعمارية الاستيطانية – طرائقهم التقليدية

في ما يتعلق بزراعة البيّارات على جوانب الطرق واعتبارها للاستهلاك العام، وكذلك آبار المياه – بينما

طالبت الصهيونية بالملكية الحصرية لهذه الأصول. يُعيدنا هذا أيضًا إلى عادات بدو النقب بشأن ملكية الأرض، التي عرقلتها ودمرتها قوانين الملكية الغربية ونظام الأراضي الذي خدم المستعمر الصهيوني وأضرّ بالسكان الأصلانيين الفلسطينيين. إن التطهير العرقي على أساس هذه الحقوق المنتهكة مستمر

اليوم في النقب والأغوار وجنوب الخليل والقدس الشرقية. من منظور الحقوق الأصلانية، فإن فرض سيادة المستوطنين باسم القانون الدولي على المستعمرين أو السكان الأصلانيين، هو على الأقل موضع تساؤل، إن لم يكن مهزلة. هناك أعمال عدة قام بها

(27)  Nadine El–Enany, (B)Ordering Britain: Law, Race and Empire (Manchester: Manchester University Press, 2020); Tony Sandset, Sindre Bangstad & Gard Ringen Høibjerg, "A Diagnosis of Contemporary Forms of Racism, Race and Nationalism: A Conversation with Professor Paul Gilroy,"  Cultural Studies , vol. 33, no. 2 (2019), pp. 173–197.

باحثون، مثل لورين بانتون وليزا فورد وجيمس أنايه، توضح جيدًا وجهة النظر هذه. توضح هذه الأعمال كيفية توظيف مختلف الحركات الاستعمارية الاستيطانية القانونَ الدولي لنهب أملاك الشعب المستعمَر. خلال السنوات العشر الماضية، أبرزت المجلة الرائدة في موضوع الاستعمار الاستيطاني،

دراسات الاستعمار الاستيطاني Settler Colonial Studies، استعمار فلسطين مثالً رئيسًا على ذلك.

ومن ثمّ، تحظى هذه الأعمال وما شابهها، بأهمية كبيرة لأي شخص يؤمن بأننا، من أجل إنهاء الصراع في إسرائيل وفلسطين، نحتاج إلى تفكيك الاستعمار في فلسطين التاريخية كلّها. يدعم هذا الطرح عمل داريو باتيستيلا الذي يلاحظ كيف أنه بعد نشوء النظام الويستفالي في أوروبا، استمر اعتبار الأراضي غير الأوروبية "أراضيَ مُتاحة للاحتلال". حدث ذلك، بينما كانت الحرب في

المجتمع الدولي الأوروبي في ذلك الوقت، بمنزلة "حرب بين كيانات متساوية"؛ أي بين كيانات تعترف بحق بعضها في الوجود، على نحوٍ مستقل، بصفتها وحدات ذات سيادة. من المفارقات أننا نُطبّق القانون الدولي على إسرائيل؛ لأنها تدّعي أنها دولة أوروبية متحضرة داخل

النظام الويستفالي. لذلك لم تتم قط مساءلة الفعل الحقيقي لسلب فلسطين وفق القانون الدولي؛ لأن فلسطين كانت "أرضًا مُتاحة للاحتلال". لقد ركزت خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة على تركيبة السكان في فلسطين ما بعد الانتداب أساسًا يتم من خلاله تقسيم الأرض. وهكذا، اهتم القانون

الدولي في أحسن الأحوال بحقوق الإنسان للسكان الأصلانيين، لكنه تجاهل سلب أرضهم. من منظور الاستعمار الاستيطاني، من الممكن أيضًا تضمين إطار الأبارتهايد الذي يفتح إمكانات جديدة لمناصرة القضية الفلسطينية باسم القانون الدولي، كما اقترح جون دوجار وجون رينولدز. إن الأبارتهايد حتى الآن هو الإطار الوحيد الذي ترتبط من خلاله الهيئات الدولية بالواقع في فلسطين التاريخية ككل. وفي حين تقتصر ولاية محاكم القانون الدولي الرئيسة، مثل محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان، على أراضي 1967، فإن لدى المحاكم التي تدرس الأبارتهايد – مثل لجنة الأمم المتحدة للقضاء

على التمييز العنصري Discrimination Racial of Elimination the on Committee The، أو اللجنة

المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف the of Exercise the on Committee People Palestinian the of Rights Inalienable  – نظرة أكثر شمولً؛ إذ تدين هذه الهيئات إسرائيل لسياساتها القانونية والإدارية التمييزية في كل أنحاء فلسطين التاريخية. لعل من التطورات المشجعة جدًا في هذا السياق، التقارير الصادرة مؤخرًا عن منظمتي بتسيلم وهيومن

رايتس ووتش اللتين أشارتا إلى أن النظام الإسرائيلي يمارس مزيجًا من الأبارتهايد والاحتلال في

(28)  Lauren Benton & Lisa Ford, Rage for Order: The British Empire and the Origins of International Law, 1800–1950 (Cambridge/ London: Harvard University Press, 2016); S. James Anayah, Indigenous People in International Law (Oxford: Oxford University Press, 2004). (29)  Dario Battistella, The Return of the State of War: A Theoretical Analysis of the Operation Iraqi Freedom (London: ECPR Press, 2008). (30)  John Dugard & John Reynolds, "Apartheid, International Law, and the Occupied Palestinian Territories," European Journal of International Law , vol. 24, no. 3 (August 2013), pp. 867–913.

سيطرته على الفلسطينيين. ولم تصل المنظمتان إلى المطلوب بعد، كما يتضح من انتقادات بعض الفلسطينيين لهذين التقريرين، لكنها خطوة إيجابية إلى الأمام. نحن في حاجة إلى إيجاد الطريق الصحيحة للوصول إلى تفكيك الاستعمار في فلسطين التاريخية، وبناء نظام ديمقراطي لكل من يعيش بين النهر والبحر، وأولئك الذين تم اقتلاعهم من أرضهم طوال السنوات الماضية. السؤال الآن، هو: هل سنكون قادرين على توظيف القانون الدولي لمصلحتنا في هذا المسعى؟ وإلى أي درجة يمكن أن ننخرط مع الآخرين للتأثير في القانون الدولي من أجل أن يكون ذا أهمية في ما يتعلق بفلسطين؟

References

المراجع

العربية

هيومن رايتس ووتش. تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد. نيويورك: 021/4/27:.2 في ZUUgAc /2 ly. bit:// https

الأجنبية

"Advocating for Palestinian Rights in Conformity with International Law: Guidelines." An Outcome Document of the International Law Conference. Birzeit University Institute of Law. 8–9/5/2013. at: https://bit.ly/3lZ8vMQ Allen, Lori. A History of False Hopes: Investigative Commissions in Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2021. Anayah, S. James. Indigenous People in International Law. Oxford: Oxford University Press, 2004. Anghie, Antony. "The Evolution of International Law: Colonial and Postcolonial Realities." Third World Quarterly. vol. 27, no. 5 (2006). Battistella, Dario. The Return of the State of War: A Theoretical Analysis of the Operation Iraqi Freedom. London: ECPR Press, 2008. Benton, Lauren & Lisa Ford. Rage for Order: The British Empire and the Origins of International Law, 1800–1950. Cambridge/ London: Harvard University Press, 2016. Bisharat, George. "Boycotting Israeli Apartheid: Practical and Ethical Questions." University of California, Hastings College of the Law (2010). at: https://bit.ly/3BxyOiH Burgers, Jan Herman. "The Road to San Francisco: The Revival of the Human Rights Idea in the Twentieth Century." Human Rights Quarterly. vol. 14, no. 4 (November 1992). Dugard, John & John Reynolds. "Apartheid, International Law, and the Occupied Palestinian Territories." European Journal of International Law. vol. 24, no. 3 (August 2013).

(3(("تجاوزوا الحد". يُنظر أيضًا: "نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد"، بتسيلم، 021/1/122، شوهد في

021/10/10:2، في https://bit.ly/3AjzZRs

El–Enany, Nadine. (B)Ordering Britain: Law, Race and Empire. Manchester: Manchester University Press, 2020. Erakat, Noura. Justice for Some: Law and the Question of Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2019. Khalidi, Rashid. "International Law and Legitimacy and the Palestine Question." Hastings International and Comparative Law Review. vol. 30, no. 2 (2007). Lloyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). MacBride, Chairman Seán. Israel in Lebanon: The Report of the International Commission. London: Ithaca Press, 1983. McWhinney, Edward. "Declaration on the Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples." Audiovisual Library of International Law. 14/12/1960. at: https://bit.ly/3Fm5b6i Memi, Alber. The Colonizer and the Colonized. New York: Planket Lake Press, 2013. O’Connel, Marry Ellen. The Power and Purpose of International Law: Insights form the Theory and Practice of Enforcement. Oxford: Oxford University Press, 2008. Pappé, Ilan. The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge. London/ New York: Verso Press, 2010. _______. The Making of the Arab–Israeli Conflict, 1948–1951. London/ New York: I.B, Tauris, 1992. Pasternak, Shiri. "Jurisdiction and Settler Colonialism: Where Do Laws Meet?" Canadian Journal of Law and Society. vol. 29, no. 2 (2014). Quigley, John (rev.). The Case for Palestine: An International Law Perspective. Durham/ London: Duke University Press 2005. Said, Edward W. "Zionism from the Standpoint of its Victims." Social Text. no. 1 (Winter 1979). Sandset, Tony, Sindre Bangstad & Gard Ringen Høibjerg. "A Diagnosis of Contemporary Forms of Racism, Race and Nationalism: A Conversation with Professor Paul Gilroy."  Cultural Studies. vol. 33, no. 2 (2019). United Nations, Human Rights Council. Human Rights in Palestine and Other Occupied Arab Territories: Report of the United Nations Fact–Finding Mission on Gaza Conflict. Geneva: 15/9/2009. at: https://bit.ly/3uVwfV8 Wight, Martin. "International Legitimacy." International Relations. vol. 4, no. 1 (1972). Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006).