تقديم: الاستعمار الاستيطاني والصراع بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية (2)
Introduction Settler Colonialism and the Palestinian–Zionist Struggle
الملخّص
حينما خططت دورية عمران للعلوم الاجتماعية لنشر عدد خاص حول الاستعمار الاستيطاني، وتحديدًا في فلسطين، كانت تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين؛ يتمثل الأول في وضع الحالة الفلسطينية تحت مجهر النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني، من أجل تفكيك السردية الصهيونية في فلسطين وممارساتها التي تتقاطع في بعض عناصرها مع أشهر الحالات الاستعمارية الاستيطانية في التاريخ الحديث (الحالة الأميركية، وحالة جنوب أفريقيا، والحالة الأسترالية ... إلخ)، في حين يتمثل الهدف الثاني في جَسر الهوة بين الاستخلاصات المعرفية التي توصلت إليها النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني من جهة، وتمثلات الحركة الوطنية الفلسطينية للصهيونية وأسسها وممارساتها من أجل توضيح المسار النضالي التحرري ضدها، من جهة أخرى. إلا أن زخم تفاعل الباحثين مع الموضوع كان أوسع كثيرًا مما خُطط له، فأضافوا إلى الموضوع بُعدًا إمبريقيًا وأدبيًا مُركّزًا على الحالة الفلسطينية، وهو ما ساهم في تقريب مجهر المشاهدة أكثر فأكثر إلى التجارب الحياتية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة الاستعمار الاستيطاني في كل أبعاده، والذين يواجهون في كل لحظة آلياته المادية والذهنية المُسخَّرة للهيمنة وطمس حقيقته اللاشرعية، من دون إهمال البعد النظري النقدي لدراسة الحالة؛ ما سمح بتخصيص دورية عمران لعدد ثانٍ للموضوع في هذا الشأن.
Abstract
Omran’s special issue on settler colonialism, specifically in Palestine, aimed to achieve two main goals. First it sought to examine the Palestinian experience under the lens of critical settler colonialism theory, then to bridge the gap between the epistemological conclusions of this examination and the Palestinian national movement’s conception of Zionism in order to carve out a real path for liberation. However, the researchers’ interaction with the topic was much broader than anticipated, so an empirical and literary dimension focused on the Palestinian cause was added to the themes of the issue.
- الاستعمار الاستيطاني
- فلسطين
- الصهيونية
- إسرائيل
- المقاومة
- Settler Colonialism
- Colonialism
- Palestine
- Israel
- zionism
حينما خططت دورية عمران للعلوم الاجتماعية لنشر عدد خاص حول الاستعمار الاستيطاني، وتحديدًا في فلسطين، كانت تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين؛ يتمثل الأول في وضع الحالة الفلسطينية تحت مجهر النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني، من أجل تفكيك السردية الصهيونية في فلسطين وممارساتها التي تتقاطع في بعض عناصرها مع أشهر الحالات الاستعمارية الاستيطانية في التاريخ الحديث (الحالة الأميركية، وحالة جنوب أفريقيا، والحالة الأسترالية... إلخ)، في حين يتمثل الهدف الثاني في جَسر الهوة بين الاستخلاصات المعرفية التي توصلت إليها النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني من جهة، وتمثلات الحركة الوطنية الفلسطينية للصهيونية وأسسها وممارساتها من أجل توضيح المسار النضالي التحرري ضدها، من جهة أخرى. إلا أن زخم تفاعل الباحثين مع الموضوع كان أوسع كثيرًا مما خُطط له، فأضافوا إلى الموضوع بُعدًا إمبريقيًا وأدبيًا مُركّزًا على الحالة الفلسطينية، وهو ما ساهم في تقريب مجهر المشاهدة أكثر فأكثر إلى التجارب الحياتية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة الاستعمار الاستيطاني في كل أبعاده، والذين يواجهون في كل لحظة آلياته المادية والذهنية المُسخَّرة للهيمنة وطمس حقيقته اللاشرعية، من دون إهمال البعد النظري النقدي لدراسة الحالة؛ ما سمح بتخصيص دورية عمرانلعدد ثانٍ للموضوع في هذا الشأن. يجمع هذا العدد سبع دراسات متنوعة؛ اثنتان منها لأشرف بدر وأباهر السقا، واصلَ من خلالهما النقاش النظري بشأن مفاهيم ومنطلقات الصهيونية وعلاقتها بالاستعمار الاستيطاني في فلسطين. وقد طرح بدر سؤالً عن كيفية التمثل المعرفي للحالة الاستعمارية الفلسطينية؛ أهي بنية أم صيرورة ديناميكية تكيفية؟ في حين دعا السقا إلى إعادة التفكير في الأطر المفاهيمية السائدة لتحليل السياق الفلسطيني الاستعماري. أمّا طارق دعنا، فيشرح العلاقة العضوية بين التطور في مجال الإنتاج العسكري – الأمني الإسرائيلي وبنية الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، مسلّطًا الضوء على ممارسات إسرائيل التي حوّلت الفلسطينيين إلى حقل تجارب لاختبار أسلحتها.
وفي السياق الذهني ذاته، بيّنت ميكايلا سحار كيفية تواطؤ سرديات الأنظمة الاستعمارية الاستيطانية مع بعضها، متتبعةً المساعي الصهيونية في اختراع وفبركة علاقات رمزية مع السكان الأصلانيين في أستراليا، وتوظيفها لخدمة الادعاء اليهودي الإسرائيلي بالأصلانية، ونفي الفلسطينيين، وهم سكان البلاد الأصلانيون، من تاريخ الأرض قانونيًا ومجازيًا. وقد عززت رنا بركات، من زاوية أخرى، فكرة سحار حينما طرحت سؤالً عن كيفية قراءة المجزرة في فلسطين، وتحديدًا مجزرتَي الطنطورة وكفر قاسم، ودور مقولة التاريخ الأصلاني – من خلال الرواية الفلسطينية للأحداث – بوصفه منهجية تأريخية تخدم المشروع التحريري الفلسطيني وتقاوم سلطة الأرشيف الكولونيالية. أما صوفي ريختر – ديفرو، فقد درست إمبريقيًا كيف أنّ الرأسمالية الاستيطانية في فلسطين تُنتج متغيرات النوع الاجتماعي والطبقة والعرق وتستغلها لترسيخ واقعها وسرديتها، كاشفةً عن مقاومة النساء البدويات الفلسطينيات في النقب للواقع الذي فرضته عليهن هذه العلاقة. وأخيرًا، عالج عبد الرحيم الشيخ في دراسته علاقة الأسير الفلسطيني وليد دقّة بالنظام الصهيوني، عبر اللغة العبرية، في ثلاث جغرافيات، هي: الهامش الريفي المستعمَري (القرية: باقة الغربية)، والمركز الحضري الاستعماري (المدينة: "تل أبيب")، والأسر الصهيوني (السجن: المكان الموازي)، مثيرًا الإشكالية المعقدة للعلاقة باللغة: الكتابة الفلسطينية المقاوِمة باللغة العبرية "غنيمة حرب"، في مقابل تحوّل فلسطين بأسرها إلى "غنيمة حرب" صهيونية! كل هذه الدراسات تُلقي خيوط ضوء متعددة حول الحالة الفلسطينية؛ ليس بوصفها حالة معرفية فحسب، بل بوصفها أيضًا حالة تاريخية تنبض بالحياة المقاومة، وبالتوق إلى كسر قيود الاحتلال والتحرر. هيئة التحرير