Return to Article Details Arab Spring: Modernity, Identity and Change

الربيع العربي: الحداثة والهوية والتغيير

Arab Spring: Modernity, Identity and Change

بلقاسم بن زنين| Belkacem Benzenine *

الملخّص

عنوان الكتاب : الربيع العربي: الحداثة والهوية والتغيير. عنوان الكتاب في لغته : Arab Spring : Modernity, Identity and Change . المؤلف : عيد محمد وداليا فهمي (محرران). الناشر : لندن: بالجريف ماكميلان Palgrave Macmillan. سنة النشر : 2020. عدد الصفحات : 282 صفحة.

Abstract

Book Title : Arab Spring : Modernity, Identity and Change . Author : Eid Mohamed & Dalia Fahmy (eds.). Publisher : London: Palgrave Macmillan. Date of Publication : 2020. Pages : 282.

الكلمات المفتاحية:
  • الربيع العربي
  • المجتمع المدني
  • الانتقال الديمقراطي
  • العدالة الانتقالية
Keywords:
  • Arab Spring
  • Civil Society
  • Democratic transition
  • Transitional Justice

عنوان الكتاب: الربيع العربي: الحداثة والهوية والتغيير.

المؤلف: عيد محمد وداليا فهمي (محرران). الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 282 صفحة.

لندن: بالغريف ماكميلان Palgrave Macmillan.

مقدمة

في الذكرى العاشرة للربيع العربي، لا يزال العديد من الأسئلة يطرح حول دوافعه وتداعياته على المستويين الداخلي والخارجي. خلال عشر سنوات، صدرت المئات من الكتب والمجلات التي اهتمت بهذا الحدث بلغات عدة ووفق مقاربات مختلفة. والكتاب الجماعي الربيع العربي: الحداثة والهوية والتغيير الذي نقدّمه في هذا العرض، واحد من تلك المؤلفات التي اهتمت بمثل هذه الأسئلة. يوحي عنوان الكتاب بأنه يقدّم رؤية إيجابية للربيع العربي على اعتبار أنه مقرون بفكرة الحداثة والهوية والتغيير. وهذا ما يؤيده أندرو مارش Andrew F. March في تصديره القصير للكتاب بالحديث مباشرة عن الإشادة بالربيع العربي، خاصة من منظور التحولات الحاصلة في تجربة الإسلام السياسي (ص  vi – v). يقع الكتاب في ثلاثة أقسام تبدأ بمقدمة عامة للمحررَين داليا فهمي وعيد محمد، يتساءلان فيها عن الدروس الإبستيمولوجية التي يمكن استخلاصها من الربيع العربي. سؤال جدير بالطرح يتناولانه انطلاقًا من التذكير بعدد من التحولات التي عرفها العالم العربي بدءًا من المد القومي الذي ميز سنوات الخمسينيات والستينيات، وذلك بغية فهم السياقات التاريخية والثقافية التي أسست للمفهوم الحديث للدولة، ومن ثم لعلاقة الدين بالدولة. وفي هذه المحاولة يريد المحرران التأكيد على ضرورة الاهتمام بالنقاشات التي أثارها عدد كبير من المثقفين العرب بشأن التداخلات بين الشخصيات الدينية والسلطة التي تمثلها الحكومة بشأن شرعية مطلب إقامة الدولة الإسلامية أو لاشرعيته، ورغبة من المحررين في تقديم مقاربات نظرية للنقاش بشأن فهم الربيع العربي وكذلك رؤى مقارنة ذات منطلقات متعددة المناهج (ص). 7–1 ينقسم الكتاب ثلاثة عناصر للتفكير، تاريخية وثقافية وسياسية، تظهر بجلاء في المحاور الثلاثة للكتاب.

أولا: قراءة في مفاهيم الإسلام السياسي وتحولاته

يبدأ القسم الأول "إعادة التفكير في الإسلام السياسي والدولة بعد الربيع العربي" بدراسة لمجتبى مهدفي Mahdavi Mojtaba، يسائل فيها الخطاب الإسلامي بعد الربيع العربي مدافعًا عن فكرة مفادها أن الأمر يتعلق بتغيير في البرَدايم مقارنة بالخطابات المسيطرة. وفي تفصيله هذه المسألة يدافع عن فكرة أن ما بعد الإسلاموية تشكل خطابًا ثالثًا بديلً من "الحداثة العلمانية التسلطية" والإسلاموية "الماهوية والجوهرية" essentialist. ويرى أن الأوجه المتعددة لأزمة الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكمن في ما بعد الإسلاموية. وهو في ذلك يستدل في أكثر من مرة بأعمال آصف بيات. ويشير الباحث إلى تخلي أغلب الأحزاب الإسلامية عن مطلب الدولة مع تمسكهم بدور الدين في الحياة العامة. ويقدم في النهاية نظرته عن واقع الإسلام السياسي ومآلاته معتبرًا أنّ ما بعد الإسلاموية يواجه اليوم أربعة تحديات: الأول هو التسلطية مقدمًا "الأردوغانية" نموذجًا عن ذلك، والثاني يشمل مناصري العلمانية المتسلطة والتحديث الاستبدادي، أما  الثالث فهو يخص الاستشراق في الاتجاه المعاكس. أما التحدي الرابع الذي يواجهه فهو الخطاب والحركة ما بعد الإسلاموية بعد الربيع العربي،

وهو يكمن في بنية النظام الليبرالي الجديد مستشهدًا بعبارة بيات "غني بوصفه حركة، فقير من حيث التغيير"، مذكرًا أنّ "الربيع العربي افتقر إلى الأساس الفكري والراديكالية الاجتماعية التي ميزت مثلً كوبا وإيران ونيكاراغوا في القرن العشرين" (ص. 34) وفي الفصل الثالث من الكتاب "الإسلاميون والسياسة في تونس اليوم" يتساءل مولدي الأحمر عن أداء الإسلاميين في تونس وعمّا إذا كان في الإمكان التأسيس لحزب إسلامي ديمقراطي. بدأ الباحث عرضه بالتذكير بالتحديات التي تواجهها حركة النهضة التونسية في مسارها التحولي والتي أدت برأيه إلى التأثير سلبيًا فيها. وبغية فهم التحول الحاصل داخل الحركة، يستعرض الباحث ذلك في ثلاثة مستويات. 1. علاقة الحزب بالدولة التونسية قبل الثورة، 2. علاقته بفعاليات المعارضة الأخرى، 3. الطريقة التي ينظر بها إليه المجتمع المدني. وهي بمنزلة الضغوطات التي تعترض الحركة في التأسيس لحزب ديمقراطي إسلامي. انطلاقًا من هذا الطرح يتوسع مولدي الأحمر في عرضه من خلال التأكيد على عدد من المصطلحات التي تفرض نفسها في فهم أدبيات الحزب الإسلامي عمومًا، مثل الدعوة والأمة والجماعة، وهي أدبيات يرتبط تبنّيها بسلسلة من الأحداث الداخلية والخارجية التي أثرت في فكر الحركة وتطورها. أما بشأن تطور الحزب في خضم الثورة التونسية وما تبعها من تطورات فيذكر الباحث، أولً، أنّ الحزب شأنه شأن الأحزاب اليسارية والقومية، لم يشارك في الثورة لأسباب عدة، بينما بادرت إليها المنظمات الحداثية (يمثلها بالأساس المحامون والقضاة والصحافيون المستقلون والنساء الديمقراطيات، وخصوصًا الاتحاد العام التونسي للشغل) (ص. 45). وبعد انهيار نظام زين   العابدين بن علي، دخلت حركة النهضة معترك السياسة مع تحديات عديدة أبرزها تكييف العمل السياسي مع مقتضيات الوضع الجديد، ولا سيما عامَي 2012 و 2013 حينما   واجهت الحركة تحدي وجودها السياسي. ويقدم ثانيًا مقارنة صعبة بين تجربة الديمقراطية المسيحية في الدول الغربية والديمقراطية الإسلامية في الدول العربية، وتكمن صعوبتها في اختلافات جوهرية من حيث علاقة الدين بالسياسة وبمنظومة القيم الثقافية وبعلاقة المجتمع بالدولة. وبعد استعراض بعض مبادئ الحزب من خلال مؤتمره العاشر المنعقد في عام 2016، يذكر الباحث أن الغموض في علاقة الدين بالدولة في فكر الحركة، التي غالبًا ما تتهم بازدواجية الخطاب، يجعل التزام الحزب بالحريات موضع شك دائم مما يضاعف الصعوبات السياسية التي تواجهها الحركة، وهو ما  يستلزم الفصل في المبادئ التي تحكمها والبرنامج الذي ترمي إلى تحقيقه في الواقع. وفي الختام، واستنادًا إلى حوارات الباحث مع أحد قياديي الحركة، يخلص إلى أنه في الأفق إما أن تكون هناك ثورة دينية أو سيطرة دينية غرامشية. في الفصل الرابع من الكتاب المعنون "'الربيع العربي' ونهاية الديمقراطية التركية"، يقدّم بيار هيكر Hecker Pierre نظرة نقدية للديمقراطية التركية. وانطلاقًا من مقولة رولان بارت Roland Barthes حول الأسطورة، يسعى الباحث إلى استجلاء موقفها من الربيع العربي. وبعد التذكير بالطريقة التي أصبح يُقدّم بها السلطان عبد الحميد الثاني في تركيا وبالرمزية الإسلامية التي أصبح يُشار بها إليه وإلى ذاكرته في المخيال التركي "كحاكم عادل، متواضع، يخاف  الله ولا همّ له إلا تحرير الأراضي الإسلامية ضد

الطغيان الغربي" (ص 69 يعتبر الباحث أن)، ذلك كله يهدف إلى مناورة الرأي العام التركي. ولكن ما علاقة ذلك بالربيع العربي؟ في نظر الباحث، يرتبط كل ذلك إلى حد بعيد بتحول الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية الذي أصبح عاجزًا عن أي نقاش سياسي داخلي حتى عندما تحوّل النظام السياسي إلى رئاسي، ومن ثم تسلطي بحسب الباحث. وكادت الاحتجاجات الاجتماعية تتحول إلى نموذج ل "الربيع العربي" لولا  تدخل النظام للحيلولة دون ذلك. وفي قراءة الباحث لحوادث رابعة في مصر من خلال أيقونة رابعة، يبرز كيف عمل النظام على الظهور على أنه الوحيد القادر على الدفاع عن الشرعية الديمقراطية، وذلك من خلال مواصلة النظرة الأسطورية إلى حد جعل رابعة رمزًا للوحدة الوطنية. ويخلص إلى القول إن الربيع العربي وحادثة رابعة بالخصوص ساهما في  تكريس الرؤية الأسطورية التي روّج لها النظام التركي بالاعتماد على الشعورين الديني والقومي. وفي الفصل الخامس تسعى خالدة علي Ali Khalidah إلى "إعادة قراءة نموذج الدعوة عند حسن البنّا في ضوء أحداث الربيع العربي"، وهي قراءة تعتمد على مراجعة تاريخية ومنهجية لتطور عدد من المصطلحات التي تعتمد عليها جماعة الإخوان المسلمين، من قبيل الدعوة والأمة والخلافة والشريعة والشمولية. وسمحت هذه المراجعة للكاتبة بالعودة إلى واقع الجماعة ومنهج عملها في خضم التحولات السريعة التي عرفتها مصر بعد رحيل الرئيس مبارك، مقدمة فرضية مفادها أن الجماعة لم تكن مستعدة للحكم، وتستعين في طرحها هذا على شهادات لقياديين من الإخوان حول مفهوم البيعة الذي تحوّل إلى الطاعة وإلى التراتبية داخل الجماعة التي تحلّت بنوع من القدسية، إضافة إلى ذلك لم يتطور مفهوم العلاقة بين الدولة والجماعة مما جعل أهدافها تأخذ طابعًا عامًا لم يستطع مواكبة مجريات الثورة. وتخلص الباحثة إلى أنّ الجماعة تجاوزتها الأحداث لأنها انغلقت على مفاهيم قديمة أصبحت تنحو إلى ممارسة التسلطية الداخلية وإلى غياب استقلالية الفكر.

ثانيًا: المجتمع المدني ضد الدولة أو من أجل إصلاح الدولة

يركز القسم الثاني على المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، ويبدأ بالفصل السادس "ترقية الديمقرطية: أوباما ولغز 'الربيع العربي'". يهتم هذا الفصل بالطريقة التي تعاملت بها إدارة الرئيس باراك أوباما (2017–2009) مع الربيع العربي ومع عدد من ناشطيه وقادته. يربط عزيز دوي Aziz Douai هذه المواقف بخطاب ترقية الديمقراطية الذي بدأ الترويج له منذ إدارة الرئيس جورج بوش الابن (2009–2001)، يشرح أولً ما يعتبره لغزًا يخص تعامل الإدارة الأميركية مع الأحداث بدءًا ب "مبادرة الشرق الأوسط الكبير" (2004) والتناقصات التي حكمتها (سجن أبو  غريب، سجن غوانتانامو، والصراع العربي – الإسرائيلي). وبعد قراءة الباحث لعدد من الآراء والتعليقات التي استقاها من موقع الجزيرة بعد الخطاب الشهير للرئيس أوباما في القاهرة، يلاحظ أنه لا وجود لخلاف جوهري مقارنة بسياسة سلفه بوش، بل إنّ غياب دعم صريح للإصلاح السياسي أحدث خيبة أمل في الأوساط العربية من إدارة أوباما. وفي خلاصة تحليله يعتبر الباحث أنّ التناقضات العديدة بين المصالح والمُثل المرتبطة بترقية الديمقراطية أضحت تشكل تهديدًا للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط.

وفي الفصل السابع "المعركة من أجل الذاكرة الثورية" لثورة 25 يناير يطرح عبده موسى البرماوي عدة مسائل مهمة، خاصة من الناحية الأكاديمية لفهم التاريخ الراهن لهذه الثورة. ويستعرض الباحث في البدء اختلاف المقاربات التي اهتمت بتحليل الثورة المصرية وفهمها. ويقدّم عرضًا مختصرًا للتناقضات التي تميز مختلف المقاربات التاريخية التي تعنى بدراسة الأحداث الراهنة. وفي إطار الاهتمام بالذاكرة من خلال التوثيق للثورة، يستعرض الباحث تجربة كتاب ثورة مصر المؤلف من جزأين لعزمي بشارة. وبغض النظر عن أن الكتاب يقدم قراءة مستفيضة للثورة المصرية من خلال عرض تطوراتها والفاعلين فيها ودور العسكر والردود الدولية التي تبعتها، وغير ذلك، فإنه يقدّم قراءة في الفهم التاريخي للأحداث الراهنة التي تساعد على إدراك مجمل التحولات التي حصلت في البلدان العربية ضمن مسار الثورات وما حملته من تعقيدات وثورات مضادة. ويمثل هذا الفصل دعوة إلى قراءة تاريخية متأنية للأحداث والتحولات بأدوات تحليل تمكّن من إدراك مطالب جيل الثورة وفي الوقت ذاته أسباب "إخفاق" الثورة نفسها. وحول موضوع الثورة المصرية، أيضًا، تستعرض نرمين علام في الفصل الثامن "الالتحامات الوجدانية: المرأة والأمل والنشاط السياسي في مصر"، مسألة النضال النسوي في مصر بين ما يحمله من آمال وخيبات. يقوم هذا الفصل على النظر إلى المقاومة النسوية من أجل التغيير، بالتركيز على تجارب ومشاعر من ناضلن من أجل الحرية واصطدمن بالتسلطية والأبوية السياسية من جهة، وبالمقاومة التي يبديها المجتمع تجاه حرية المرأة من جهة أخرى. وتكمن أهمية الفصل في أنه يقوم على عدة مقاربات نظرية بشأن الانفعالات والعواطف مستذكرةً أعمال جيل دولوز Deleuze Gilles وبن  أندرسون Ben وجيمس جاسبير James Jasper. ومعرفة الباحثة بميدان الدراسة تعطي لهذا العمل أهمية خاصة تكمن أيضًا في تتبع المسار النضالي وأشكال المقاومة والحفاظ على الذاكرة ضمن الحركات الاحتجاجية في ظل تجارب نضالية مختلفة رغم موجات القمع التي تعترضها. وفي الفصل التاسع "عن سمير مرقص: رواية الأزمة وانتصار التحرير"، يحلل إسحاق فريسن Friesen Isaac الواقع العربي بعد ثورات 2011 من خلال استجلاء مقولات عدد من المفكرين حول الهزيمة العربية ساعيًا على حد تعبيره إلى استكمال "السرد التاريخي باستعارة أمل ثورة عصرية". ومن أجل توضيح أفكاره، قدّم الباحث عرضًا لفكر سمير مرقص، المثقف المصري القبطي العلماني المدافع عن حق المواطنة والمتأثر بالفكر الليبرالي الذي يمثله جان جاك ماركوز Herbert Marcuse. ومن خلال تتبّع أفكار مرقص وتطورها عبر مختلف الأحداث التي مرت بها الثورة المصرية يصل الباحث إلى أن تحليل الأزمة من وجهة نظر المثقفين يرتبط بالتقاليد الثقافية المصرية، وأن شعارات ميدان التحرير المتسامحة تعطي لأفكار مرقص صدقيتها خاصة تلك التي تعنى ب "مجتمع مدني نهضوي". تبقى مسألة الديمقراطية في تداعيات الربيع العربي محل اهتمام الكتاب؛ إذ يطبّق أحمد عبد ربه في الفصل العاشر "الربيع العربي ومسألة الديمقراطية" منهج تحليل المضمون على 92 دراسة خاصة بالديمقراطية في الفترة 2017–1989 تهتم بعدد

من الأسئلة تعنى أساسًا بمعوقات الديمقراطية وسبل تحقيقها في بلدان الشرق الأوسط. وبغض النظر عن الملاحظات التي يمكن أن نبديها حول الدراسات المختارة في هذا العمل من حيث أهميتها وجدّيتها، فإن خلاصة الباحث حول مسار الديمقراطية تستدعي التوقف. فالباحث يرى أن تحقيق الديمقراطية آتٍ لا محالة، ولكنه يتطلب كثيرًا من الوقت والجهد وأن "ثورة ثقافية جذرية أضحت ضرورية" وأنّ جهد المثقفين ينبغي أن يركز على الديناميات الداخلية في المنطقة أكثر من الديناميات الخارجية.

ثالثًا: العدالة الاجتماعية باعتبارها مخرجًا للأزمة

يبدأ القسم الثالث من الكتاب حول العدالة والانتقال الديمقراطي بعد الربيع العربي بالفصل الحادي عشر "البحث عن استعارات جديدة: الهويات الجندرية في تونس ولبنان". بناء على دراسة كيفية في هذين البلدين في الفترة 2017–2014 وعلى الملاحظة بالمشاركة في عدد من المظاهرات المحلية لناشطين وناشطات مدافعين عن حقوق المثليين، يتعرض أرنو كروز Kurze Arnaud إلى طوبوغرافيا مقارنة لأشكال الاحتجاج. وفيها يقدم عرضًا نقديًا لأهدافهم وأثر نشاطهم. يخلص الباحث، بالاعتماد على مقاربة فوكو حول الهيتروتوبيا Heterotopia، إلى أن الاحتجاجات لدى فئة المثليين في الميادين وفي الفضاءات الافتراضية، وعلى الرغم من كل المعوقات فقد تخطَّت عددًا من التابوهات وأصبحت غير معزولة عن النقاش العام. وبالعودة إلى تونس، يعرض جيليوس دستلهوف في الفصل الثاني عشر Julius Dihstelhoff مسألة "الوحدة والإجماع والمصالحة في تونس: في صميم توافق النخب التونسية" ما بعد الثورة، ويهتم فيه بمختلف المبادرات والإرهاصات التي تبلورت في الميدان من أجل بلوغ "اتفاق النخبة" معتمدًا على عدد من الوثائق الحكومية والحزبية والنقابية والإعلامية التي ساهمت في حصول هذا الاتفاق. وبعد التعرض لمختلف المراحل الصعبة من الحياة السياسية في تونس التي أعقبت هروب الرئيس   بن علي وتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ثم الانتخابات الرئاسية وصولً إلى اتفاق قرطاج، ينتهي الباحث إلى أنّ الاتفاق السياسي   ليس إلا عصارة الخطاب السياسي الذي هيمن عليه نداء تونس وحركة النهضة، والذي يختصره في مقولات "الوحدة الوطنية" و"الإجماع الوطني" و"المصالحة الوطنية". وهو لا ينكر في الأخير أنّ هذا الاتفاق قد كرّس حالة من الاستقطاب السياسي، ما أدى إلى هشاشة الحل السياسي الذي يرى الباحث أنّ نجاحه في حل الأزمة السياسية محدود. وفي الفصل الثالث عشر، يتعرض ناتان س. فانك Nathan C. Funk إلى "بناء الفضاء المدني: المقاومة المدنية، التمكين المستدام للمواطن، والعدالة الانتقالية باعتبارها مسارات التغيير في السياسة العربية المعاصرة". وبعد تذكير الباحث بأشكال المقاومة السلمية التي وسمت الثورتين التونسية والمصرية، مما أدى إلى تعبئة لا تفرق بين الجنسين وبين الأعمار، يعرض المعوقات التي واجهتها التعبئة السياسية والتي حالت دون انبثاق نظام دستوري جديد، وهي تخص أساسًا الانقسامات ذات الطابع السياسي والديني، ووجود قيادات وقوى مؤسساتية حازمة في وجه التغيير. وبالنسبة إلى الباحث، فإن العدالة الانتقالية تبقى رؤية جامعة من أجل التغيير

وتوحيد الجهود لتجاوز إرث النظام التسلطي، ولذلك، فنجاحها يتطلب التزامًا مبدعًا ونضالً مستمرًا. أضف إلى ذلك أنّ تمكين المواطنين من أجل التغيير ومواجهة التحديات يعدّ من شروط مواجهة التسلط السياسي. واعتمادًا على ما كتبه جيريمي جونس Jeremy Jones بشأن التفاوض على التغيير يخلص البحث إلى أن التغيير في الشرق الأوسط ممكن إذا ما اعتبر بحق أنه مبادرة أهلية؛ أي نابعة من طموحات الشعب وذات أهداف واضحة.

خاتمة

يقدم هذا الكتاب، الذي ينتهي من دون خاتمة، قراءة جدية لمضامين عديدة تشمل أبرز القضايا السياسية والاجتماعية التي تهم عددًا من البلدان العربية التي عرفت "ثورات" اختلفت أشكالها وتباينت منتجاتها. إنه يحمل دعوة لإعادة قراءة الواقع وفق التغيرات العديدة التي طرأت خلال العشر سنوات الأخيرة. سواء أتعلق الأمر بأدبيات الإسلام السياسي أم بواقع الحركات الاجتماعية أم بنضالات المجتمع المدني في بنياته الجديدة، فإن هذا الكتاب الجماعي الذي يعتمد على طروحات نظرية جدية يمثل إسهامًا مهمًا للإلمام بالتحولات التي تعرفها البلدان العربية. ويفتح الكتاب آفاقًا للتفكير في الواقع بناء على التعقيدات التي عرفتها هذه الدول من تدخلات أجنبية وإعادة النزعة التسلطية، إضافة إلى ظهور (جديد) للأفكار الليبرالية التي أصبحت تظهر في الميدان من دون خوف أو تردد. هل عجلت الثورات العربية بإعادة المجال للفكر العلماني وسمحت بظهور مطالب المثليين وسهّلت لقاء التيارات السياسية المتناقضة وأعطت الفرصة لتحقيق الإنصاف والعدالة؟ تبقى هذه الأسئلة التي يتناولها الكتاب قائمة لا  سيما ظل في التغيرات السريعة والمفاجئة التي تشهدها البلدان العربية. ولا شك في أنّ ما قدّمه الكتاب هو في الوقت ذاته دعوة لمواصلة العمل على مراقبة هذه التغيرات وفتح مجال أكبر للمقارنة مع مزيد من الاهتمام بالبلدان التي لم تنل نصيبًا في هذه الدراسات مثل سورية وليبيا واليمن.