Return to Article Details How to Read a Massacre in Palestine?: Indigenous History as a Methodology of Liberation

كيف نقرأ المجزرة في فلسطين؟: التاريخ الأصلاني بوصفه منهجية للتحرير

How to Read a Massacre in Palestine? Indigenous History as a Methodology of Liberation

رنا بركات| Rana Barakat *

الملخّص

*  أستاذة مساعدة في قسم التاريخ بجامعة بيرزيت، فلسطين.

Abstract

Abstract: This article is framed as a question about historical methodology that imagines another way of living with the stories of the past. By investigating two massacres in Palestine (Tantura and Kufr Qasim), the article works to present an alternate reading of the past, both in terms of Palestinian voices and relationality with historical sources. By arguing from an understanding informed by Indigenous history as a decolonial praxis, this article relies on the voices and work of two women, Radwa Ashour and Samia Halaby, to map anew the stories of the past through the ongoing violence of the present. Their work forms the basis for an engagement of the primary question involved: Can imagining Indigenous history, of which settler colonial violence is one part of many, be more than the victim's desperate claim for settler recognition of a people's humanity?

الكلمات المفتاحية:
  • مجزرة
  • استيطان
  • تاريخ أصلاني
  • نكبة
  • سرد حكائي
Keywords:
  • Massacre
  • Settler
  • Indigenous History
  • Nakba
  • Story-telling

ملخص: نؤطر هذه الدراسة بوصفها تساؤلً عن المنهجية التاريخية التي تتخيل طريقة أخرى

للوجود عبر التعايش مع حكايات الماضي. فمن خلال التحقيق في مجزرتَي الطنطورة وكفر

قاسم في فلسطين، تسعى الدراسة لطرح نوع مختلف من قراءة الماضي في ضوء الأصوات

الفلسطينية والعلائقية مع المصادر التاريخية. ومن خلال المحاجّة في فهمٍ مستوحى من

التاريخ الأصلاني بوصفه ممارسة لتفكيك الاستعمار، تستند الدراسة إلى صوتَي امرأتين،

هما رضوى عاشور وسامية حلبي، وعملهما من أجل ترسيم خريطة جديدة لسرد الماضي من

خلال العنف المستمر للحاضر؛ فعملهما  يشكِّل الأساس لسجال السؤال الأساسي المطروح

هنا: هل يمكن تخيّل التاريخ الأصلاني، الذي يشكِّل فيه عنف الاستعمار الاستيطاني جزءًا من

أجزاء كثيرة، أن يتخطّى مطالبة الضحية اليائسة باعتراف المستوطنين بإنسانية شعب؟

Abstract: This article is framed as a question about historical methodology that imagines another way of living with the stories of the past. By investigating two massacres in Palestine (Tantura and Kufr Qasim), the article works to present an alternate reading of the past, both in terms of Palestinian voices and relationality with historical sources. By arguing from an understanding informed by Indigenous history as a decolonial praxis, this article relies on the voices and work of two women, Radwa Ashour and Samia Halaby, to map anew the stories of the past through the ongoing violence of the present. Their work forms the basis for an engagement of the primary question involved: Can imagining Indigenous history, of which settler colonial violence is one part of many, be more than the victim's desperate claim for settler recognition of a people's humanity?

Assistant Professor, Department of History, Birzeit University, Palestine. Email: rnbarakat@birzeit.edu

"طالما لدينا شِعْر،

فلن يميتنا التاريخ." – مينا ألكزاندر

مقدمة

في أيلول/ سبتمبر 2018، وجدت "اكتشافات جديدة" عن مجزرة في حق الفلسطينيين وقعت في عام 1982 طريقها إلى وسائل الإعلام العالمية الرئيسة. على الرغم من وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا قبل ما يزيد على ثلاثة عقود ونصف العقد، ومن الأدبيات المتعلقة بتلك الأحداث التي جرى إصدارها منذئذ، فإنه لا يزال ثمة "جديد" في هذه الاكتشافات. فما كان "جديدًا" في عام 2018 هو الاكتشافات الأرشيفية على يدَي سِثْ أنزيسكا المستمدة من الوثائق التي اكتشفها من خلال تقرير لجنة كاهان Kahan الإسرائيلية. وفقًا لتقرير أنزيسكا، تكشف الوثائق السرية المتوافرة حديثًا من تقرير اللجنة ما يعرفه معظم الناس بالفعل: أنّ العلاقة تكتيكية بين القوات الصهيونية والكتائب، وأن مجزرة بيروت جاءت نتيجة لهذا التواطؤ. ما الذي يجعل مادة أرشيفية من هذا الطراز تؤدي إلى اكتشاف "تاريخي" من هذا النوع؟ فخلافًا لتلك المجازر التي وقعت قبلهما، فقد جرى بالفعل تغطية مجزرتَي صبرا وشاتيلا، وتوثيقهما جيدًا (في وقت ارتكابهما الفعلي)، وعرضهما على نطاق واسع وقت حدوثهما ومع مرور الزمن. وعلاوةً على ذلك، وبالنظر إلى سياق أوائل الثمانينيات، يمكن المحاجّة بأن مجازر بيروت جاءت تأكيدًا تاريخيًا لكل ما سبقها من مجازر اقترفتها الآلة العسكرية

الصهيونية؛ وقد جرى التعامل معها على هذا النحو في الأدبيات ذات العلاقة كلها. إذًا، لماذا جرى التعامل مع هذا الأمر على أنه "اكتشاف"؟ لا تتطرق هذه الدراسة إلى صبرا وشاتيلا بصورة مباشرة، إلا أنها تدور حول آلية تفكيرنا في عنف الماضي (والحاضر المستمر) الذي لا يمكن تعليله في فلسطين، وحول تخيّلنا للمنهجية التاريخية

بوصفها أداة محتملة لمواجهة التناقض بين ما لا يمكن تفسيره/ ما لا يمكن وصفه وبين السرد الحكائي. لقد جرى القيام بقدر كبير من العمل على مطالعة الأرشيف بوصفه مصدرًا تاريخيًا، إلّ أن

(1) Meena Alexander, "What Use Is Poetry?" World Literature Today (September 2013), accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/34le3Lv (2) Seth Anziska, "Sabra and Shatila: New Revelations," New York Review of Books , 17/9/2018, accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/34awItc

(((ينظر على نحو خاص: بيان نويهض الحوت، صبرا وشاتيا: أيلول 1982 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،

2004)؛ زكريا الشيخ، "صبرا وشاتيلا عام 1982: مقاومة مجزرة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  14، العدد 1 (خريف

1984)، ص 90–57؛ جان جينيه، "أربع ساعات في شاتيلا"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  12، العدد 3 (1983)، ص.22–3 (((تفرِّق هذه الدراسة بين مفهومي "الرواية" و"السرد الحكائي". فبينما  تستخدم مفهوم "الرواية" لتوصيف السرد

التاريخي الحداثي والرسمي المرتبط بعلم التاريخ والمستمد من الإرث الاستعماري، تستخدم مفهوم "السرد الحكائي"

لتوصيف منهجية السرد التاريخي الأصلاني المستند إلى حكايات أهل البلاد. ويتبع ذلك أن تعبير "حكواتية"، لا يشير

إلى مهنة فناني الترفيه (الحكواتيين)، بل يشير بأكثر من ذلك إلى ممارسة الحكي بوصفه فعلً قصديًا ومنهجيًا لتوصيف

الزمن الأصلاني ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلً.

هذه الدراسة لم تُكتب في ضوء الأرشيف. وعوضًا عن ذلك، تطرح نوعًا مختلفًا من التساؤل، ولكن بمنأى عن الدولة وخارج نطاق التساؤل عن قدرة جهاز الدولة على تأطير علم التاريخ وإنتاج المعرفة (وحظرها). بدلً من ذلك، تحاول أن تثير التفكير في حكايات مَنْ يقعون خارج مجال سلطة الأرشيف. فما الذي يحدث عندما ننأى بأنفسنا عن، ونوجد خارج، سلطة الأرشيف وطريقة علم التاريخ التي ترفع من شأن الأرشيف إلى مصافّ المعرفة البديلة؟ وما نوع تصوير الماضي الذي يمكننا الانتقال إليه عندما نبتعد عن عملية البحث عن توثيق العنف من خلال أرشيف مرتكبي ذلك العنف؟ ونظرًا

إلى ما يوصف به من خلال "علم التاريخ" وباستخدام توثيق الحوليات، يؤدي هذا النوع من الأساليب التاريخية التقليدية مهمة محو الاستعمار الاستيطاني للشعب الأصلاني. إذا كان هذا هو "علم التاريخ"، فهل يمكن التاريخ، أو ما تمثّله الذاكرة وسرد تاريخ شعب ما، أن يتخطّى توثيق الهزيمة والدمار؟ وهل ينبغي له أن يكون كذلك؟ وهل يمكن تخيّل التاريخ الأصلاني، الذي يُشكِّل فيه عنف الاستعمار

الاستيطاني جزءًا من أجزاء كثيرة، أن يتخطّى مطالبة الضحية اليائسة باعتراف المستوطنين بإنسانية

شعب ما؟ فالمسألة المحورية التي تسعى هذه الدراسة لتناولها تكمن في إمكانية (إعادة) تخيّل التاريخ

الفلسطيني بوصفه جزءًا من مشروع أنطولوجي لتفكيك استعمارية المعرفة. وكيف يمكن الأصوات

الأصلانية ألّ تكون مغلوبة ومهزومة وملغاة من جانب السرد الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وأطره، ما ظهر منها وما بطن؟ وللوقوف على هذه الأسئلة، أتناول مجزرتَي الطنطورة (1948) وكفر قاسم (1956)، بوصفهما مشهدي هذا التحليل. فقد شكّلت المجزرتان اللتان تُعدّان جزءًا من "الماضي" الفلسطيني و"التاريخ" الصهيوني

في آن معًا، جزءًا من العنف البنيوي للاستعمار الاستيطاني. ففي كل موقع، تغطي هذه الدراسة

الأدبيات التاريخية الرئيسة لفهم كيف باتت السرديات الاستيطانية الخطاب السائد، ولمعرفة كيف يفسح رفض علم التاريخ هذا المجال أمام إمكانية تاريخ فلسطين الأصلاني وحكيه. بمعنى أن هذا جزء من حكاية أكبر عن كيفية قراءة علم التاريخ الاستيطاني وتفكيكه، من منظور ومنهجية أصلانيَيْن. إن

الأحداث الفعلية لمجزرتي الطنطورة وكفر قاسم معروفة جيدًا، ونُوقشت على نطاق واسع في الأدبيات التاريخية. لقد هاجم "حرس الحدود" الإسرائيليون وقتلوا فلسطينيين طوال مساء 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1956 في مجزرة في كفر قاسم، تمامًا مثلما هاجمت القوات الصهيونية قبل ذلك بنحو عقد من الزمن فلسطينيين وقتلتهم في مجزرة طوال مساء 22 أيار/ مايو 1948 في قرية الطنطورة الساحلية. مع ذلك، تبقى "تسمية" الأحداث على أنها مجازر وفهمها على أنها حكايات فلسطينية أيضًا محلّ سجال في أحسن الأحوال، وموضع تجاهل في أسوئها. بهدف التشكيك في جدوى حقل علم التاريخ التقليدي، تتناول هذه الدراسة رواية الراحلة رضوى عاشور بعنوانالطنطورية ومعرِض/ كتاب رسم مجزرة كفر قاسملسامية حلبي. يمكن المؤرّخين أن ينهلوا كثيرًا من العالم الخيالي للإبداع الفني؛ لأنّ الحدود المقيدة لمجال علم التاريخ تبدو غالبًا

عاجزة عن سرد حكاية التحدي الأصلاني في مواجهة الاضطهاد الاستيطاني. على الرغم من أنّ هاتين المجزرتين ليستا سوى مثالين على عنف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي على مدى السبعين عامًا

الماضية، فمن خلال قراءة الأدبيات التاريخية لهاتين المجزرتين والنقاشات التي أحاطت بهما تتضح هيمنة السرديات الاستيطانية والتأطير الاستيطاني اللاحق. ففي حالة فلسطين، لم تنته الحرب فحسب، بل إنها حرب إبادة وتدمير أصلاني مستمر، لا تستهدف الأرض والشعب فقط، بل تستهدف الحكايات أيضًا. تسعى هذه الدراسة لفهم كيف أن مساعي عاشور وحلبي لتخيل الحكايات الفلسطينية من خلال عمليات التفهيم الأدبية والفنية كانت بمنزلة رفض صارخ للأطر الاستيطانية المهيمنة على الأدبيات التاريخية وسطوتها. تروي أعمالهما حكيًا أصلانيًا مثقلً بعنف الاستعمار الاستيطاني، غير أنه ليس

محصورًا فيه دون سواه. من الواضح أن هذا العمل الأدبي والفني يقدّم في كلتا الحالتين سردًا تاريخيًا، لا يمكن نقله أو استيعابه فيما يجيزه حقل علم التاريخ.

أولا: التاريخ بوصفه إعادة بناء: كيفية اكتشاف "مجزرة" والتغطية عليها

تقع قرية الطنطورة جنوب مدينة حيفا على ساحل البحر الأبيض المتوسط. هاجمت القوات العسكرية الإسرائيلية للدولة المعلنة حديثًا الطنطورة، واحتلتها في أواخر أيار/ مايو 1948. فطوال الليلة الفاصلة بين 22 و 23 أيار/ مايو، أخلت هذه القوات القرية من سكانها الفلسطينيين جميعهم عنوةً وعلى نحو متعمَّد، وقتلت أكثر من 200 شخص. وبعد ما يزيد على سبعين عامًا، باتت هذه التفاصيل معروفة على نطاق واسع. ولكن كيف تؤطَّر هذه التفاصيل في السرديات التاريخية السائدة؟ فسردية هذا التهجير وهذه المجزرة هي موضع سجال سياسي وتاريخي "متنازع عليه" حتى يومنا هذا. يتناول هذا الجزء الآلية التي تجسِّد فيها هذه القرية، بوصفها واحدة من بين العديد من القرى، إخفاق علم التاريخ بالنسبة إلى الفلسطينيين. بعد قرابة جيل على قيام دولة إسرائيل، ثار جدل في عام 2001–2000 في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول مجزرة الطنطورة. ففي حين وجّه هذا الحدث ضربة في الصميم إلى منظور الدولة الاستيطانية

(((تتطلب مسألة "الأص نااي والأصالة" في فلسطين قدرًا كبيرًا من الاهتمام وهي معقّدة. لقد كتبتُ عن هذا الأمر في مواضع

أخرى. لكن لأغراض هذه الدراسة، أستخدم مصطلح "أصلاني" بوصفه تدخل ميثولوجيًا في كيفية إقحامنا الماضي والحاضر في

السياق الفلسطيني. هذه هي سياسة المواقف والآلية التي يشارك بها إنتاج المعرفة، وليست، من غير ريب، سياسة الهوية داخل سجن الاستعمار والحداثة الأوروبية. أسعى لتغطية هذا السجال الواسع في كتابي المقبل:

Rana Barakat, Lifta and Resisting the Museumification of Palestine: Indigenous History of the Nakba (Chapel Hill: University of North Carolina Press, [forthcoming]).

(((للاطلاع على الأدبيات المتعلقة بالحرب خلال المدة 1949–1947، ينظر:

Walid Khalidi (ed.), All the Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 (Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1992); Nur Masalah, The Expulsion of Palestinians: The Concept of " Transfer" in Zionist Political Thought, 1882–1948 (Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1992).

سيتناول الجزء اللاحق كثيرًا من الأدبيات المتعلقة بسجال الطنطورة. لكن تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن بيني موريس، المدافع

الشرس عما وصفه بضرورة استخدام العنف في طرد الفلسطينيين عام 1948، أدرج بعض التفاصيل عن قيام لواء إسكندروني (وهو وحدة من الجيش الصهيوني يُطلق عليها الهاغاناه) بإخلاء القرية ليلة 23–22 أيار/ مايو. ينظر:

Benny Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949 (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), pp. 119–121.

والسرديات الاستيطانية مرة أخرى، فهذه الواقعة مفيدة من حيث كيفية اختلاط المادة والمنهجية في صنع علم التاريخ. أي إن تفاصيل هذا الجدل المفترض تُبيِّن مدى عدم فاعلية علم التاريخ في السياق

الفلسطيني. وقد أوضحت سامرة إسمير في تأملها "القضية القانونية" لمجزرة الطنطورة، بقولها: "تكمن إحدى الصعوبات في مناقشة العنف في حق الفلسطينيين خلال حرب عام 1948 في أن 'فلسطين'، بوصفها موقع العنف، باقية وإلى زوال في آن معًا". ونظرًا إلى أن عام 1948 مؤشِّر يدلّ على "نهاية"

شيء ما، "تلك اللحظة التي دُمِّرت فيها فلسطين"، وبداية شيء ما، دولة إسرائيل الجديدة، يترتب على ذلك أن "الوثائق التي تدوّن ولادة الدولة تسعى لإخفاء موت فلسطين". نجمت تأملات إسمير الثاقبة، بعد ما يزيد على خمسين عامًا على مجزرة الطنطورة، جزئيًا من ردود الأفعال التي ولّدتها أطروحة

ماجستير لطالب دراسات عليا إسرائيلي من جامعة حيفا، يبحث في تاريخ خمس قرى فلسطينية، بما فيها الطنطورة. كانت عاصفة الجدل التي أعقبت ذلك بسيطة: أعدّ طالب أطروحة مبنية على بحث (من أرشيفات إسرائيلية مختلفة) وشهادات شفوية، من الناجين الفلسطينيين من مجزرة الطنطورة وعناصر لواء "إسكندروني"، الوحدة العسكرية التي استولت على القرية في أيار/ مايو 1948. أمّا نتائج الأطروحة، فلاقت اهتمامًا كبيرًا في الصحافة الإسرائيلية عام 2000؛ ولأن القضية بدت تتحدى

الخيال القومي الصهيوني، جاء الرد على شكل دعوى قضائية رفعتها رابطة المحاربين القدامى في لواء "إسكندروني" ضد الطالب بتهمة التشهير. بمنتهى الصراحة، دخلت مجزرة الطنطورة الخطاب العام والأكاديمي الإسرائيلي، ليس بوصفها قصة خاصة بها، بل باعتبارها قضية تشهير داخل المحاكم الإسرائيلية. بطبيعة الحال، فإن عملية سرد مجزرة الطنطورة أشد تعقيدًا بكثير، بيد أنها اختُزلت في حرب كلامية حول من قدّم "أدلة" مقنعة أكثر للأحداث التي وقعت عام 1948. ومع ذلك، كشف هذا الجدل عن قدر كبير، ليس فيما يتعلق بالعناصر الواضحة لعجز المجتمع الإسرائيلي البيِّن عن التعامل

مع التناقضات في قصة أصله الميثولوجي المتعلقة بحرب عام 1948 فحسب، بل، وربما الأهم من ذلك، كشفت إمكانية تعرّض القصة للتشويه، إذا وُضعت في عهدة المحاكم الصهيونية وكُبِّلت ب "الأدلة

القانونية" أيضًا. أسوة بما فعله إيلان بابيه في العديد من تأملاته في هذه الواقعة، يمكن أن يجد المؤرخون بسهولة ضوابط ما يمكن عدّه انتقادًا. يكمن أوّلها، وربما أوضحها، في أهمية الاهتمام بالتاريخ الشفوي بوصفه طريقة بديلة من البحث في الأرشيف. ففي نظر بابيه: "لا يُعدّ التاريخ الشفوي بديلً من الأدلة المكتوبة، غير أنه مهم في التحقّق من صحة الأدلة الوثائقية التي تزوّدنا ب 'الحقائق الأساسية' وسد الثغرات الموجودة فيها خصوصًا. ومن ثم، إن ما هو موجود في الأرشيف الإسرائيلي الرسمي [...] إشارة مقتضبة إلى عملية احتلال قرية – أو 'تطهيرها'، إذا ما استخدمنا المصطلح الفعلي للنصوص اليهودية – يصبح في التاريخ الفلسطيني سردًا تفصيليًا لاعتداءٍ وتهجيرٍ وفي بعض الحالات مجزرة.

في الواقع، في حالة الطنطورة، ربما لم تكن المجزرة لترى النور على الإطلاق لولا الشهادة الشفوية

(7) Samera Esmeir, "1948: Law, History, Memory," Social Text , vol. 75, no. 21 (Summer 2003), p. 25. (8) Ibid.

من الجانب الفلسطيني – التي أيدتها الشهادة اليهودية لاحقًا – لأن الأدلة المتفرقة المتوافرة حاليًا في

المحفوظات الإسرائيلية مشتّتة جدًا […] إلى ما يتعدّى مجرد تلميح إلى ما حدث. في هذه الحالة، إن الوثائق هي التي تستوفي التاريخ الشفوي، وليس العكس". على الرغم من أن التاريخ الشفوي بات أداة منهجية مستخدمة على نطاق واسع في جعبة المؤرّخين، فإنّ التعامل معه لا يزال يشوبه ارتياب، مع التركيز أساسًا على كيفية بناء الذاكرة وتغييرها بمرور الزمن.

ولكن ما لا يقال في كثير من الأحيان هو مَنْ ذاكرته مميّزة. يؤكد بابيه، الذي أشرف في أثناء الجدل

على أطروحة الطالب بوصفه أحد أقوى حلفائه في حرم جامعتهم، على أهمية أن المقابلات التي أجراها الطالب مع الفلسطينيين "مشفوعة بشهادة يهودية". كما أوضح، قائلً: "تمكن كاتس Katz) ([الطالب المعني] من التغلب على الشكوك، وفي الواقع، على نزع الشرعية التي تطبّق في إسرائيل

على التاريخ الفلسطيني الشفوي عادةً (وعلى التاريخ الفلسطيني عمومًا، في واقع الأمر) لأنه لم يفلح في الحصول على شهادات عن المجزرة من شهود فلسطينيين فحسب، بل من جنود يهود شاركوا في الأحداث أيضًا". فالدليل، بهذا المعنى، هو جوهر كيفيّة ارتباط الممارسات القانونية بالوضعية

التاريخية، على حدّ وصف إسمير. وهذا يقودها إلى التساؤل الآتي: "ما مدى شرعية ذكريات الناجين الفلسطينيين في حقلَي القانون والتاريخ"؟ حتى لو استُخدمت الذاكرة ضمن الأدوات المتوافرة في جعبة المؤرّخ، فإن الحاجة تُفضي إلى دعم الذاكرة بأدلة أرشيفية لإسكات الفلسطينيين تمامًا مرة أخرى. على الرغم من أن النظر في قضية تشهير في حق أطروحة ماجستير لاستيعاب التفاهمات الحقلية حول فهم "الأدلة" و"الوقائع" قد يبدو بعيد المنال، فإنه يكشف عن آلية وضع الأدلة التاريخية موضع التساؤل عند إثبات "الوقائع". وعلى الرغم من عدم استخدام كلمة "مجزرة" في الأطروحة، فإنّ استراتيجية محامي المدّعي على أطروحة الطالب قامت جزئيًا على "إثبات عدم وجود دليل مقبول أو موثوق

يبرهن على وقوع المجزرة [...] [ولدى قيامه بذلك] تم التشكيك في مقبولية الأدلة التي ساقها الناجون وصدقيتها". لقد مثّلت بيئة قاعة المحكمة في هذه القضية ما فعله حقل التاريخ مع مرور الزمن: أي غربلة المصادر من أجل العثور على ما يُعدّ "دليلً موثوقًا به" مطلوبًا لإثبات الوقائع. في هذا الوسط، ستكون ذكريات المضطهَدين موضع شك دائمًا، وسيظل التاريخ الشفوي ثانويًا بالنسبة إلى المصادر

الأرشيفية. ومع أن هذه الدراسة تهدف إلى مناقشة آلية دخول "مجزرة" بمصطلحاتها الخاصة دائرة الاهتمام في التاريخ الفلسطيني، فمن الواضح أن الإيحاءات غير المباشرة لكلمة "مجزرة" (مثل كلمة "نكبة")

(9) Ilan Pappe, "The Tantura Case in Israel: The Katz Research and Trial," Journal of Palestine Studies , vol. 30, no. 3 (Spring 2001), p. 20. (10) Ibid., p. 21. (11) Esmeir, p. 29. (12) Ibid., p. 30.

تخضع للرقابة أيضًا. وقد أدلى المؤرّخون الصهاينة المتعصّبون، مثل بيني موريس، بدلوهم في مسألة الدعوى القضائية أمام المحكمة، بقولهم: "تعلِّمنا قضية كاتس – الطنطورة أنه لا يمكن المرء إعادة بناء الأحداث بناءً على شهادة شهود مضى عليها عقود من الزمن. فالذاكرة المشوّشة، والمصالح

السياسية، وعيوب في البث أو الترجمة – تنتقص من الصدقية كلّها. أمّا في حالةٍ مثل الطنطورة، التي جرى التعبير عنها على خلفية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والمطالب الفلسطينية ب 'العودة'، فإن العرب 'سيتذكرون' الوحشية الإسرائيلية، في حين سيتذكر الإسرائيليون براءتهم". يخدم هذا التشويش الواضح على الذاكرة وظيفة الإسكات والإنكار. علاوة على ذلك، ظهر مفهوم "إعادة البناء" في الأدبيات المرتبطة بأطروحة ماجستير الطالب والتساؤلات اللاحقة المتعلقة بعلم التاريخ كلّها. فليس من قبيل المصادفة أن يتمسك مدافع مستميت عن الأيديولوجيا الصهيونية، مثل بيني موريس، بهذا النوع من معادلة الصدقية. أمّا إيلان بابيه، المؤرّخ الذي يحتل موقعًا مختلفًا من الطيف السياسي الإسرائيلي عن موريس، فطرح سؤالً مشابهًا يتعلق بعلم التاريخ والطنطورة، وإن وضعَ مساره السياسي الشخصي في الاعتبار، قائلً: "عندما يطوِّق الحاضرَ صراعٌ مستمرٌ، تُعدّ الكتابة

عن الماضي عن طريق كتابة التاريخ مهمة صعبة للغاية، فلا يحظى دائمًا بتقدير أو طموح مَنْ يكتبون من الناحية النظرية والفلسفية عن مسألة إعادة بناء التاريخ". فالأمر لا يتعلق بكيفية الكتابة، بل بمَن يكتب؟ ولماذا يكتب؟ وعلى الرغم من اختلاف الأسئلة التي يطرحها موريس وبابيه، فهي تُمثِّل في الأساس مواقف إسرائيلية، وجزءًا من سجالٍ حول التاريخ الصهيوني وكيف أثَّر في الفلسطينيين. على

الرغم من أن بابيه يطرح مسارًا للمضي قدمًا في تبيان الآلية التي يمكن المؤرخ بموجبها أن يشرع في إعادة بناء الأحداث التي وقعت في الطنطورة بين 22 و 23 أيار/ مايو 1948، فإنه يقترح هذا الأمر نموذجًا

لحالات أخرى؛ لأن كتابة تاريخ المجازر في فلسطين طال انتظارها، على حدّ تعبيره. ويتجاهل إعلان "التأخّر" هذا عددًا من المؤرّخين الفلسطينيين الذين أعادوا بناء المجازر بإتقان، بمن فيهم نور مصالحة وصالح عبد الجواد. في هذا المقام، يكشف بابيه عن مستوى آخر من الإسكات، بما في ذلك تواطؤه هو فيه. في الواقع، نشرت مجلة الدراسات الفلسطينية، الصادرة بالعربية، عددًا خاصًا مكرّسًا لمجزرة

الطنطورة في صيف عام 2000، تزامنًا مع هذا السجال برمّته. وقد تضمّن هذا العدد شهادات ناجين جُمعت من مختلف مخيمات اللاجئين في سورية ولبنان. ذكر إلياس شوفاني، على نحو لافت، في

((1(ينظر:

"‘Nakba Law’ – Amendment No. 40 to the Budgets Foundations Law," Adalah (2011), accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/3mUuSTX (14) Benny Morris, "The Tantura ‘Massacre’ Affair," The Jerusalem Report , 9/2/2004, accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/33jIzEM (15) Ilan Pappe, "Historical Truth, Modern Historiography, and Ethical Obligations: The Challenge of the Tantura Case," Holy Land Studies , vol. 3, no. 2 (2004), p. 172.

(((1 تطول قائمة الباحثين الفلسطينيين في هذا المنحى. وللحصول على عيّنة منها، ينظر الأعمال التي أنجزها في النصف الأخير

من القرن العشرين: نور مصالحة، وصالح عبد الجواد، وروزماري صايغ، وبيان نويهض الحوت، ووليد الخالدي. ((1(ينظر: مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  11، العدد 43 (صيف.)2000

مقاله في العدد الخاص التأريخ الإسرائيلي وتصدّى له، بدءًا من التاريخ الرسمي ووصولً إلى التاريخ

"الرسمي الجديد" لدى المؤرّخين الإسرائيليين الجدد كما يطلقون على أنفسهم. لا يقتصر الأمر على وجود عمل دؤوب بين المؤرّخين بشأن المجازر، بل يفرد هؤلاء المؤرّخون أنفسُهم، كما هي حال

شوفاني، مساحةً في أعمالهم للرد على هذه السرديات؛ الأمر الذي يسلّط الضوء على قضية أخرى أيضًا مفادها: متى يمكن السرد التاريخي الفلسطيني ألّ يكون ردًا على التأريخ الإسرائيلي؟ وكيف؟ وبعبارة أخرى، كيف يمكن سردًا أصلانيًا ألّ يتم تأطيره بالسرد الاستيطاني بوصفه سردًا مضادًا؟ بموجب هذا الدليل شبه "الإرشادي" للمؤرخين، أثّر بابيه بالتعاون مع منظمة "زوخروت" Zochrot الإسرائيلية غير الحكومية ("ذاكرات") في مشروع لاحق للتاريخ الشفوي، وشارك فيه. فبرعاية إيال سيفان مشرفًا علميًا، وبابيه مشرفًا مساعدًا، يُعدّ مشروع زوخروت "نحو أرشيف مشترك" عرضًا رائعًا

للتاريخ الإسرائيلي الذي يواجه عنف القوات الصهيونية في "حرب النكبة" (1949–1947)، ويتحدَّى إنكار المجتمع الإسرائيلي وجهله وازدواجيته بشأن هذا الموضوع. وتجري أرشفة شهادات الجنود السابقين ونشرها بصورة جزئية على موقع زوخروت ويوتيوب أيضًا. فهذا المشروع، بوصفه

انعكاسًا لأعمال زوخروت الشاملة، هو تحدٍ واضح "من الداخل" يهدف إلى إعادة تصوّر النكبة

بالنسبة إلى الجمهور الإسرائيلي. والشهادات في هذا الأرشيف كثيرة وتراوح في الوضوح بين "سبب" العنف و"آليته"، وتسعى حقًا لرسم خريطةٍ لعنف الحرب ضد الفلسطينيين. ومع ذلك، تشوِّش فكرة الأرشيف "المشترك" في هذا السرد (المستمدة من عنوان المشروع وتوصيفه) على

قضية رئيسة: فمع مثل هذا النوع من المبالغة، حيث يجب "اختبار" الحكايات الأصلانية و"دمجها" بهذه الطريقة، كيف يمكننا فهم الحكايات الأصلانية التي لا تستند إلى السرد الاستيطاني/ ولا تعوِّل

عليه/ ولا تستجيب له؟

ثانيًا: رضوى عاشور: الطنطورية والسرد الحكائي بوصفهما أداة تاريخية أصلانية

تقدّم لنا رضوى عاشور، على نحو رائع، مخلِّفةً وراءها عبء البراهين والأدلة والمصير المروِّع الذي

يواجهه الشعب الأصلاني في زوبعة علم التاريخ كلها، طريقة أخرى للوجود والتخيّل من خلال السرد

(18) "Eyal Sivan," accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/3znNbG5

((1(فمن بين العديد من القضايا التي تتجاوز قضية كاتس، ثمة قضية مفيدة للمطالعة تتمثّل في عرض موتي ليرنر Motti

Lerner المسرحي المعنون ب  الاعترافالذي يشير على نحو عابر إلى أرض الطنطورة بوصفها موقعًا للعنف الصهيوني في

عام 1948. وحظيت المسرحية باهتمام نقدي ومعارضة في الولايات المتحدة الأميركية، على وجه الخصوص، ينظر:

Brett Abelman, "Ari Roth on The Admission at Theater J – Even in Good wars, Bad things Happen," Dc Theatre Scene , 20/3/2014, accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/3mWwxbt;

يراعي هذا النوع من العمل الموقف القائل بأنه، لتناول الفلسطينيين عمومًا وعنف التاريخ الصهيوني، يجب أل تنفي "عدالة" القضية

أو الدولة الإسرائيلية. إن الاستمرار في طرح هذا النوع من عدالة الصهيونية، حتى في إطار نقاش طفيف لعنف الدولة، هو مجاز في الأدبيات الصهيونية، ويمكن متابعة نصّ صريح عن هذا النوع من الصهيونية في أعمال آري شافيت أيضًا؛ ينظر:

Ari Shavit, My Promised Land: The Triumph and Tragedy of Israel (New York: Speigel & Grau, 2013).

تؤكّد، ربما في سياق فلسطين، أن عاشور تطرح رؤية للتحرير قد يُنظر إليها على أنها مبالغ فيها، بيد

أنها تبدو طريقة مناسبة ومفيدة لترك الإسكات والشك في مبادئ علم التاريخ وراءنا. وتروي عاشور في روايتها الطنطورية قصة رقيّة، وتحكي رقيّة بدورها قصة فلسطين. كتبت عاشور الرواية، المنشورة

عام 2010، بعد أكثر من ستة عقود على مجزرة الطنطورة، بصوت الشّابة رقيّة التي تعيش في القرية

الساحلية. ويرى القارئ المشهد من خلال رقيّة ويتابعها وهي تتنقل من طفولتها في وطنها وصولً إلى

مراحل البلوغ من حياتها في المنفى لاجئة في لبنان على نحو أساسي. فينحصر سرد الحياة والعنف والبقاء على قيد الحياة من خلال تجارب هذه الشّابة. إن سطوة الحداثة الاستعمارية الاستيطانية التي تفرض نفسها على التوثيق التاريخي غير موجودة في سرد عاشور التاريخي إطلاقًا. على هذا النحو، ومن خلال رقيّة، تخلِّص عاشور المؤرّخ من أداء دور القاصّ. ففي كتابتها عن تجربتها، بوصفها

روائية، استعرضت عاشور على نحو واضح دور السرد القصصي والتاريخ، بقولها: "أنا لا أؤرّخ

لأسباب أيديولوجية بل لأنني لا أملك وسائل أخرى لتصوّر وجودي وإعادة بنائه إلى محاور ذات

مغزى". على الرغم من أن هذا الاقتباس سبق نشره لرواية الطنطورة، فإنّ عاشور تحدثت عن تصوّرها

لدورها بوصفها كاتبة حكايات، قائلةً: "لأن نشاط الخيال الحر وممارسة القوة من أجل الإبداع ورسم الشخصيات وبناء المكان والزمان وإحداث التحولات والتبدلّات وتغيير السرعات الزمنية والتلاعب بالكلمات والجمل هو إعادة احتلال لجغرافيا مهدَّدة، وتاريخ مهدِّد.. الكتابة هي استعادة إرادة بشرية منفيّة". من الواضح أن عاشور عدّت نفسها بطريقة ما مؤرِّخة إلى حدٍّ ما، ولكن يمكن اعتبارها مؤرِّخة معادية

للمؤرّخين تقوم بالعمل الشاق لمحاربة الإقصاء التاريخي. وبحسب تعبيرها الشخصي، وصفت

مقاومتها الثقافية بأنها "مسعى لإبراز ملامح التاريخ واتساقه، واستحضار مناطق منسيّة ومهمّشة ومسكتَة

من الماضي والحاضر". وصفت عاشور علاقتها بالذاكرة في مقال آخر عن كتابة التاريخ من خلال الرواية؛ فكشفت أن روايتها ليست تعليقًا للواقع، بقدر ما هي وصف مفصّل للحياة في الماضي من

خلال الحاضر. وبالمثل، يُعدّ عملها عن الطنطورة مثالً يُحتذى على هذا الموقف. من المؤكد أن

عاشور ليست وحيدة في التعامل مع مثل هذه التأملات، فلطالما كانت الرواية والشعر وسيلتين للسرد

((2(تشمل أعمال رضوى عاشور الأدبية العديد من الروايات التي تتناول السرديات التاريخية، بما في ذلك روايتَا سراج

وأطياف (حيث تكتب عن المجزرة في دير ياسين في نيسان/ أبريل 1948)، وتتابع مسيرتها المهنية الخاصة ودخولها

الوسط الإبداعي منذ انخراطها المبكر في الأدب والسياسة الأميركية الأفريقية، ينظر: رضوى عاشور، في النقد التطبيقي:

صيادو الذاكرة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2001)؛

Ira Dworkin, "Radwa Ashour, African American Criticism, and the Production of Modern Arabic Literature," Cambridge Journal of Postcolonial Inquiry , vol. 5, no. 1 (January 2018), pp. 1–19. (21) Radwa Ashour, "Eyewitness, Scribe and Storyteller: My Experience as a Novelist," The Massachusetts Review , vol. 41, no. 1 (Spring 2000), p. 88. (22) Ibid. (23) Ibid. (24) Ibid., p. 89.

((2(عاشور، في النقد التطبيقي، ص.70–57

الحكائي والتصويري في السياق الفلسطيني والعربي، لكن ألا تستحق الآلية التي تفعل بها عاشور هذا الأمر من خلال رقيّة الاستكشاف؟

ثالثًا: خارج الزمن الاستيطاني: بدايات رقيّة

لم تبدأ قصة رقيّة بنكبة عام 1948؛ لأن الرواية ليست خطِّية، بل إنها مؤطَّرة بالطريقة التي تتذكرها رقيّة.

ويُعدّ الاسترجاع والاستشراف في الزمن أمرين أساسيين لفهم الآلية التي يعمل بها السرد الحكائي عند

عاشور؛ إذ يمكن عدّ التحرر من خطِّية علم التاريخ، بصورة جزئية، بمنزلة تحدٍ للتوزع الاستيطاني وتدمير الزمن؛ ما يعني أن هذا النهج يطعن في فكرة "الزمن الاستيطاني". فهذه التقنية ليست جديدة على الأدب، بما في ذلك الأدب الفلسطيني؛ فقد تلاعب الروائيون بدءًا من غسان كنفاني وصولً إلى

إلياس خوري بالزمن بطرائق ممتعة. فعاشور تختلق رقيّة لتكون حكواتية. وعلى هذا النحو، لا ينبغي

للقارئ ولا للمستمع التفكير في تقنية الرواية بقدر انبهار القارئ بالحكواتية وحكاياتها. وبدلً من الزمن، تأتي عاشور بقارئها إلى الحكاية مكانيًا، فبدءًا من لَعِب رقيّة على الشاطئ، يدخل القارئ إلى

الطنطورة عبر البحر ومخيّلة رقيّة. في بعض النواحي، تمثِّل رومانسية الماء ومخيّلتها النابضة بالحياة

رومانسية ما سلبه جيش الاستيطان من الفلسطينيين في سلبه لفلسطين. ومع بلوغ القارئ الاحتلال العسكري للطنطورة، تصبح جغرافيّة مشهد رقيّة وحياتها واضحتين؛ إذ قامت علاقتها بالأرض على

حياتها العادية إلى أن بات العادي غير عادي. تتجلى قوة أسلوب عاشور الأدبي كليًّا في سرد رقيّة الحكايات في ذلك اليوم من أيار/ مايو، حينما طردت

القوات العسكرية الصهيونية عائلتها من منزلها عنوةً. بدأ اليوم، لمّا أيقظتها والدتها وأعطتها قائمة

بالمهمات التي يجب أن تؤدّيها في المنزل. لم تفهم الشّابة رقيّة، لكنها أدّت المهمات التي كلّفتها

بها والدتها: "صحِّي وصال وعبد. حطِّي علف للمواشي يكفيها أسبوعين أو ثلاثة، وماءً كثيرًا. وانثري

حبلاًّا للدجاج. كثِّري. والحصان،  تنسي الحصان. وارفعي تنكات الزيت عن الأرض كي لا تصيبها

الرطوبة. ضعي مخدة بين الحائط وكل تنكة زيت. ارتدي ثلاثة أثواب". وبينما كانت تشعر بالخطر خارج حدود منزلها، قدّمت عاشور رقيّة كما كانت عليه بوصفها شابّة هربت

مع والدتها وضيوفهم اللاجئين الجدد القادمين من قيسارية في غمامة من الحيرة والخوف. فالتفاصيل الواردة في هذا الوصف المختصر، زرعت في أعماقهم فظاعة أن "تصبح" لاجئًا. ومع مرور الزمن، ستجسِّد رقيّة هذه البشاعة. لم يسبق لها أن شاهدت قبل هذه اللحظة باب منزل عائلتها مقفلً على

الإطلاق، وحينما أغلقت والدتها الباب الحديدي، أغلقته بمفتاحٍ لم تسبق لها رؤيته على الإطلاق أيضًا. وعلى الرغم من ظهور هذا المفتاح في الرواية وفي حياتها أول مرّة، فإنه سيبقى رمزًا ماديًا طوال

حياة رقيّة.

(((2 كُتبت الرواية باللهجة العامية الفلسطينية (وليس باللغة العربية الفصحى). وهذا تمييز مهم على يد عاشور؛ نظرًا إلى الآلية التي

تمثِّل بها كلمات رقيّة المحادثات والذكريات الواقعة مع مرور الزمن، ماضيًا وحاضرًا، في فلسطين وبين الفلسطينيين.

((2(رضوى عاشور، الطنطورية (القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص.58

رابعًا: وصف ما  لا يمكن وصفه: العنف الاستيطاني والسرد الأصلاني

فجأةً، بات التهجير القسري والخطورة والموت العنيف حقيقة واقعة بالنسبة إلى رقيّة. وعلى الرغم من

عدم تقبُّل عقلها هذا الواقع المهول، ومقدار ما لم تستطع فهمه، وعدم منطقيته هو بالضبط المفتاح

لشرح تعذّر تفسير المجزرة. أي إن عاشور تروي، من خلال رقيّة، حكاية عنف مروِّع، لكن لم يتم تحديد

حكايتها أو تأطيرها أو حصرها بالعنف. كان مشهد العنف واضحًا بما فيه الكفاية تحت جنح الظلام؛ إذ شعرت رقيّة به من خلال أصوات الانفجارات والرصاص القادم من الشرق والجنوب والشمال. وما إن

لجؤوا إلى منزل آخر، حتّى هاجم ثلاثة مسلحين المنزل. وفي الوقت الذي أرغم فيه المسلحون الأسرة على الانتقال إلى منطقة أخرى، رأت رقيّة جثتَي "حسن عبد العال الضرير وزوجته عزة الحاج الهندي

ملقيين بالقرب من بيتهما تحيط بهما بركة من الدم". هُجِّرا إلى الشاطئ، حيث جرى عزل الرجال والنساء عن الأطفال وبعض الرجال المسنين. ففي هذه اللحظة، وصفت رقيّة المشهد، بقولها: "أول مرة

أرى المجنَّدات. نساء يرتدين ملابس عسكرية ويحملن السلاح. كلمننا بالعربية ورحن يفتشننا واحدة بعد الأخرى ويأخذن ما يجدنه معنا من مال أو حليّ، يضعنه في خوذة. كلما امتلأت الخوذة يفرغن

ما فيها على بطانية كبيرة مبسوطة على الرمل. لم تنتبه المجنَّدة للعنزة ولكنها انتبهت وهي تفتِّشني إلى فردتي القرط في أذنيَّ. انترعتهما انتزاعًا. سال الدم من أذنيَّ". وفي خضمّ هذه الاعتداءات، كانت رقيّة واقفة على طرف المجموعة الأقرب إلى الرجال. وأثناء بحثها

عن أيّ علامة تشير إلى والدها وأشقائها، شاهدت جريمة قتل: جرى انتقاء الرجال من المجموعة ونقلهم إلى مجموعات أصغر، ثم اختفوا تمامًا. بعد ذلك، أرغَم الجنود النساء على التوجه إلى مقبرة

البلدة، حيث شهدت مزيدًا من دمار العنف، قائلةً: "انتبهت وهم يسوقوننا باتجاه المقبرة أن للبلد رائحة غريبة تختلط برائحة البحر والزنبق الأبيض الذي ينبت في الجزر وعلى شواطئها في ذلك الوقت من السنة. لم أميز الرائحة وإن بقيت في أنفي بعد أن غادرنا القرية. وأحيانًا بعد ذلك بأيام وأسابيع، كانت تحضر فجأة ولا أعرف من أين أتت ولماذا كان للقرية هذه الرائحة في ذلك اليوم". يفسح سرد عاشور المجال لوصف ما لا يمكن وصفه، ويقيم أسلوبها روابط فكرية يعجز التوثيق التاريخي التقليدي عن القيام بها. وبوصفها ساردة حكايات، لديها مطلق الحرية في استغلال قوة المحسوس وتهيئة المشهد ومعايشته بصورة عميقة. بدأت رحلة رقيّة قبل بزوغ الفجر، لكن حياتها

تغيّرت إلى الأبد بسببها: "عند المقبرة كانت شاحنتان في الانتظار. تحت تهديد السلاح طلبوا منا

الصعود. انتزعت مجنَّدة العنزة مني وكنت أحملها. كنا عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ. ربما خمسمائة أو ستمائة. حشرونا في شاحنتين وبدأت الشاحنتان في التحرُّك. صرخت فجأة وجذبت

((2(المرجع نفسه، ص.60 ((2(المرجع نفسه. ((3(المرجع نفسه، ص.62–61

ذراع أمي وأنا أشير بيدي إلى كومة من الجثث. نظرت أمي إلى حيث أشير، وصرخت: جميل، جميل ابن خالي! ولكنني عدت أجذب ذراعها بيدي اليسرى وأشير بيدي اليمنى إلى حيث أبي وأخويّ. كانت جثثهم بجوار جثة جميل، مكوّمة بعضها لصق بعض على بعد أمتار قليلة منا". وفي الشاحنة التي أرغمتها ووالدتها على العيش دون بيتهما، كان مشهد والدها وأشقائها الذين قُتلوا مع أكوام من الآخرين من حولهم آخر مشاهدة للشابة رقيّة في الطنطورة. لم تتقبّل والدتها مقتل زوجها

وأبنائها على الإطلاق، وقضت بقية حياتها وهي تمنّي نفسها والآخرين بأنهم هربوا إلى مصر وأنها لا تعرف كيف تجدهم فحسب. من ناحية أخرى، توقفت رقيّة عن الكلام بعد أن رأت ما رأته؛ إذ تركت

صوتها وراءها في قرية الطنطورة. فاستوعب جسد رقيّة العنف بوصفه فقدانًا مؤقتًا لصوتها وكأنها

تتصدّى لحالات الإسكات القسري في علم التاريخ. وتتابع رواية عاشور رقيّة ووالدتها خلال رحلة

لجوئهما شرقًا عبر فلسطين، وإلى الأردن وسورية، وأخيرًا إلى مدينة صيدا في جنوب لبنان. في صيدا،

وجدت رقيّة عمّها، الرجل الذي حاول إقناع شقيقه بالمغادرة معه على متن قارب قبل هجوم الجنود

المستوطنين، وحينما قابلت عمّها فقط، استعادت صوتها لتبلغه بمصير والدها وأشقائها.

خامسًا: قصة الطنطورة هي صوت الفتاة من الطنطورة (الطنطورية)

يصوّر صوت رقيّة التخيّلي الحقيقة الفلسطينية، بصورةٍ لا يمكن للحقائق التي يقدّمها أرشيف الجناة

أن يضاهيها. لقد كانت المجزرة حقيقية. وقد شعرت بها رقيّة، واشتمّت رائحتها، وتنفّستها، وعاشت

لتختبرها ثانيةً. ولأن أسلوب المجازر كان ولا يزال، كما وصفناه سالفًا، جزءًا من بنية مستمرة من

العنف الاستعماري الاستيطاني، عاشت رقيّة لتشهد مجازر أخرى. بعد أن اجتمعت بعمّها وعائلته،

أعادت بناء علاقتها بحبيبها الذي هو ابن عمّها. وحينما اجتاح الجنود المستوطنون لبنان، تشرح رقيّة

قائلةً: "تراه تحت شمس حزيران على بحر صيدا بعد أن استحلَّها الإسرائيليون. ما لم يعشه معها على بحر الطنطورة قبل أربعين سنة، يعيشه على بحر صيدا. كأن التاريخ يكرر نفسه". لقد عاشت التجربة مرّةً أخرى في بيروت عام 1982، في مخيم شاتيلا للاجئين. لقد عاشت رقية مجازر عام 1982 في

صيدا، ثم عاشتها مجدّدًا عام 2000 لمّا سافرت رفقة مجموعةٍ من الناس إلى الحدود الجنوبية المحرّرة

حديثًا، وكأنه لم يعد لمسار الزمن الخطِّي أيّ معنى. هناك، أخبرها ابنها الأصغر كيف فقَد ابنها الأكبر حبيبته حين استشهدت مع 125 شخصًا آخرين في إحدى المدارس التي قصفتها إسرائيل عام 1982. يظهر من خلال الوصف المميز الذي تقدّمه عاشور عن قوّة رقيّة أنّه عبر هذا الجنس الأدبي (الرواية)

وهذه التقنية (السرد الحكائي) يمكن المرء أن يكون ضحية عنفٍ لا يوصف، من دون أن يكون رهينةً لدور الضحية. وتبقى شخصية رقيّة قويّة ومركّبة من خلال العنف الذي مرّت به.

((3(المرجع نفسه، ص.62 ((3(المرجع نفسه، ص.74

استحياء في البداية ثم ينطلق اللسان. يتعرَّف الناس على الناس: "نحن من حيفا... من.. نحن من إم الفحم... جئنا من مُخَيم الميّة ميّة... نحن من شفا عمرو... جئنا من مخيم الرشيدية... نحن من عكا... جئنا من مخيم برج الشمالي... نحن من عرَّابة... جئنا من مخيم البصّ... نحن من الناصرة... جئنا من صيدا... نحن من البعنة... جئنا من صور... نحن من يافا... جئنا من جزِّين...

(((3 المرجع نفسه، ص.78

مرّة أخرى، يتعقّد مفهومَا الزمان والمكان، تبعًا لتوقّف الزمان واستمرار حركته في مسيرة حياة لاجئ.

ويحدّد التهجير علاقة ارتباط اللاجئ بالمكان. ففي هذه الرواية، وفي الفترة التي تتنقّل فيها حياة رقيّة

من مكانٍ إلى آخر، ومن سياق إلى آخر، يبقى الجانب المجمَّد من الزمن والنزوح. وتصف رقيّة هذا

الأمر أثناء قيامها برحلة مع أبنائها في لبنان، قائلةً: "كنت معهم في القطار ولم أكن، لأنني منذ ذلك اليوم الذي أركبونا فيه الشاحنة، رأيت أبي وأشقائي على الكوم، بقيت هناك لا أتحرك حتى وإن بدا غير ذلك". إن حركة الزمان الذي يبدو متوقّفًا تلاحق رقيّة من جيلها إلى الجيل اللاحق. تنتهي

الرواية ببداية جديدة، عندما تسافر رقيّة إلى حدود لبنان الجنوبية، أي الحدود الشمالية لفلسطينها.

ولدى رؤيتها حفيدتها على الجانب الآخر من الحدود، تهدي رقيّةُ الطفلةَ الصغيرة المفتاح الذي حملته

والدتها عندما رغموا على مغادرة الطنطورة. يمثِّل مشهد الحدود الذي تقدّمه عاشور وصفًا للرحلة أُ المستمرة التي تقوم بها رقيّة، ووصفًا لجغرافيا النزوح: "كانوا يحملون لافتات وأعلامًا، وكأنما غمضة

عين، غاب السلك الشائك عن النظر. غمرته أجسام الأهالي على الجانبين. يتبادلون التحية على

جئنا من عين الحلوة. في الأصل نحن من صفّورْيَة. من الزيب. من عَمْقَا. من الصفصاف. من الطيرة.

نحن من سخنين... جئنا من الغازِيّة... نحن من اللِّد... جئنا من شحيم نحن من دير القاسي... أتينا من البازورِيَّة... نحن من الجديدة. نحن من الرامة. نحن من... والست من؟ من الطَّنْطورة". إنّ تعداد المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، إضافةً إلى تعداد مناطق اللجوء في مختلف أرجاء لبنان، هو بمنزلة تجاور لكونك لاجئًا ولكونك تنتمي إلى أمّة صُيِّرت أمَّةً لاجئة. إن جغرافيّة هذه الرحلة والعنف المستمر الذي شهدته، وعاشته، ونجت منه، هي تعبير عن حكاية

الطنطورة وأهلها. في حاضرها، تأخذنا رقيّة في رحلةٍ خلال الماضي، بدءًا من ذكريات طفولتها، مرورًا

بحياة عائلتها اللاجئة في لبنان، حيث تزوّجت وباتت أم ا وجدّةً لاحقًا، وانتهاء بخاتمة الرواية التي هي بداية جديدة، كما وصفنا سابقًا، عندما تسافر رفقة المئات من العائلات الفلسطينية الأخرى إلى المنطقة الحدودية لينظروا إلى ما بعد الشريط الشائك، عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار/ مايو 2000. ليست هناك نهاية للحكاية؛ ذلك أن مجزرة الطنطورة، شأنها شأن ذكريات الوطن الأخرى كلّها، تلاحق القرّاء أثناء متابعتهم رحلة رقيّة من الوطن إلى الحرب والمجازر، ومن

جيلٍ إلى آخر. إنّها حكاية فلسطينية.

سادسًا: النكبة [المستمرة]: مجزرة كفر قاسم، أهي مجزرة في حق المواطنين؟

كما أوضحنا سابقًا، لم تنتهِ النكبة بوصفها حقيقةً ومفهومًا بنهاية الحرب العسكرية في عام 1949 وما نجم عنها من مجازر تلك الحرب، كمجزرة قرية الطنطورة. في يوم الإثنين، 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، بين الخامسة والسابعة مساءً، أقدمت قوات "حرس الحدود" الإسرائيلية، بعد تلقّيها

أوامر من القيادة العسكرية في المنطقة الوسطى، بإطلاق النار وقتل 49 عربيًا فلسطينيًا من أهالي

قرية كفر قاسم، وكانوا من الرجال والنساء والأطفال على حدّ سواء. وبناءً على القرار الصادر عن

المحكمة العسكرية الذي جرى نشره، يذكر إميل حبيبي في معرض تقريره عن المجزرة خصوصًا أنّ دوريات "حرس الحدود" قتلت رميًا بالرصاص 19 رجلً، و 6 نساء، و 10 فتيان (تراوح أعمارهم بين 14

((3(المرجع نفسه، ص.250

و 17 عامًا)، و 6 فتيات (تراوح أعمارهن بين 12 و 15 عامًا)، و 7 صبيان صغار (تراوح أعمارهم بين 8 و 13

عامًا). إحدى النساء اللواتي قُتلن كانت حبلى، وقد قُتل الجنين قبل أن يولد أيضًا. قبل ساعاتٍ قليلة من ذلك اليوم، كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية قد أعلنت حظر تجوّل بدءًا من الساعة الخامسة بعد

الظهر. لم يكن لدى الأهالي العائدين من أعمالهم في الحقول ومن أراضي كفر قاسم في ذلك المساء أيّ علمٍ بإجراءات حظر التجوّل أو بالأوامر العسكرية. يقول عادل منّاع: "إنّ تفاصيل ما حدث في كفر

قاسم في ذلك اليوم معروفةٌ وموثّقة بشكلٍ جيّد؛ ولا يوجد أيّ خلاف بخصوص تلك التفاصيل [...]

مقارنةً مع المجازر الأخرى (بدءًا بمجزرة دير ياسين في أبريل 1948، مرورًا بمجزرة صبرا وشاتيلا في

أيلول 1982، وصولً إلى مجزرة جنين في أبريل 2002، وغيرها من المجازر الأخرى"). على الرغم من أنّ الحرب العسكرية قد انتهت بتوقيع اتفاقيات الهدنة بين دولة إسرائيل ودول الجوار العربية في عام 1949، فإنّ عنف النكبة والمجازر التي تمثّل جزءًا أساسيًا من ذلك العنف لم ينتهِ. فبذرائع مختلفة

وشائنة، استمرت الحكومة العسكرية الإسرائيلية، ولا تزال حتى اللحظة، في الاعتداء والاجتياح، وأقل ما يمكن قوله محاولة تفريغ القرى والمدن الفلسطينية من سكّانها. فعلى سبيل المثال، وقبل مجزرة كفر قاسم، كان الهدف الأساس للوحدة العسكرية الخاصّة 101، سيئة الذكر، بقيادة أرئيل شارون، مهاجمة القرى والبلدات الحدودية في الضفة الغربية. ففي 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1953، شنّ شارون وقواته هجومًا على قرية قبية وقتلوا 70–69 شخصًا، أغلبهم من النساء والأطفال. وفي عام 1956، الذي ارتكبت فيه مجزرة كفر قاسم، هاجمت وحدة عسكرية إسرائيلية أخرى خان يونس في جنوب غزة، ونجم عن ذلك الهجوم مجزرة أخرى. وكما يصف منّاع وغيره، كانت المجازر، ولا تزال، سمةً جوهرية من سمات السياسات العسكرية الإسرائيلية وتكتيكاتها. من الأهمية القصوى تأطير هذه الأحداث، أي المجازر، على أنّها جزء من بنية العنف الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، إلّ أنّ استقصاء تفاصيل مجزرة كفر قاسم هو أمرٌ مهم أيضًا. تمامًا كما هي

الحال مع السجال الدائر بشأن "كاتس" وكيف أنّ هذا السجال يسلّط الضوء على جوانب من الدور الذي تؤديه (أو لا تؤديه) إعادة البناء في عملية سرد قصّة الطنطورة، فإن لدى الإسرائيليين حساباتهم الخاصة فيما يتعلّق بالتعامل مع تداعيات مجزرة كفر قاسم، حتى وإن كانت آنية للغاية. وكما تشير شيرا روبنسون،

((3(إميل حبيبي، كفر قاسم: المجزرة–السياسة (حيفا: أرابيسك، 1976:)؛ ينظر

Shira Robinson, "Local Struggle, National Struggle: Palestinian Responses to the Kafr Qasim Massacre and Its Aftermath, 1956–1966," International Journal of Middle East Studies , vol. 35, no. 3, Special Issue: Commemorating the 1973 War (August 2003), pp. 393–416.

((3(عادل منّاع، "مجزرة كفر قاسم"، في: الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع، نديم

روحانا وأريج صبّاغ–خوري [تحرير] (حيفا: مدى الكرمل؛ المركز العربي للأبحاث التطبيقية، 2011)، ص.76

(37) Avi Shlaim, The Iron Wall: Israel and the Arab World (New York: W.W. Norton & Company, 2001), p. 91.

((3(يُعدّ علم الآثار الشفوي عند جو ساكو لمجزرة خان يونس من خلال أسلوب الرواية التصويرية الوثائقية المعنونة

ب "هوامش في غزة" نموذجًا آخر لتفكيك استعمار التاريخ الفلسطيني. في هذا المقام، الرواية التصويرية هي طريقة أخرى

لسرد قصة لا يمكن تفسيرها، أي مرّة أخرى، قصة تكتنف عنفًا لا يوصف، بيد أنها لا تحدده. ينظر:

Joe Sacco, Footnotes in Gaza: A Graphic Novel (New York: Macmillan, 2009).

فإن استثنائية مجزرة كفر قاسم كانت استثنائيةً إسرائيلية محضة. لقد عملت دولة إسرائيل على تقديم ما حدث في كفر قاسم على أنّه فِعل شاذّ، ومن خلال سرد هذه الاستثنائية، عملت على نزع هذه المجزرة من التاريخ الفلسطيني. في الأشهر والسنوات التي تلت المجزرة، غذّت ديناميات السياسة الداخلية لدولة إسرائيل هذه التداعيات؛ ذلك أن الذين قضوا في المجزرة والذين نجوا منها يمثّلون جزءًا من هذه

الدولة. وقد كانت تبعات هذه المجزرة تتمحور، جزئيًا، حول اعتبار (أو عدم اعتبار) هؤلاء "المواطنين

الغرباء"، كما ورد على لسان دافيد بن غوريون، على نحو صريح، جزءًا من إسرائيل. ونتيجةً لتلك

التطورات السياسية الداخلية، باتت تبعات المجزرة تشكّل بصورةٍ واضحة مسعى الدولة لإنتاج السرد التاريخي، ليصار إلى تعزيزه من خلال احتفاليات إحياء الذكرى. وبعد سعي دؤوب من جانب دولة إسرائيل للتعتيم الإعلامي التام على المجزرة وعزل كفر قاسم بصورةٍ كاملة، وقعت اضطرابات داخلية خارج كفر قاسم كافية لإرغام إسرائيل على اتخاذ إجراءات رسمية؛ جاءت على صورة تشكيل لجنة تحقيق وإقامة محكمة عسكرية. وقد كانت تلك اللحظة هي اللحظة المناسبة لفهم الآلية التي تتحرَّك

بها الذاكرة المتنازَع عليها، ضمن فضاء عامّ ضيّق، تحدده دولة الاستيطان المعادية للفلسطينيين الذين

أصبحوا يشكلون عنصرًا غير مرغوب فيه، وبات وضعهم مبهمًا في هذه الدولة. مثّلت الأسابيع والأشهر التي تلت المجزرة مرحلة حراكٍ واضح للتجمّعات الفلسطينية العربية في كل

أرجاء دولة إسرائيل الاستيطانية. وترى شيرا روبنسون أنّ: "بالنسبة إلى سكّان المدن والعشرات من القرى الأخرى في الجليل والمثلث، شهدت هذه المرحلة تحوّل قريةٍ حدودية لم تكن معروفة نسبيًا إلى

قوة دفعٍ تحرّك احتجاجًا غير مسبوق على مستوى القواعد في مواجهة الحكم العسكري". وقد أدّى

الحراك إلى اندلاع معارك مباشرة في إسرائيل بين قوى الأمن التابعة للدولة والفلسطينيين الذين كانوا يعملون على شكل مجموعاتٍ سياسية وأحزاب وجمعيّات طوال المدة التي تلت المجزرة، بدءًا من

انطلاق المحكمة العسكرية ووصولً إلى إحياء الذكرى الأولى للمجزرة. كانت المعركة الدائرة تتمحور حول الذاكرة، وكيف سيجري إحياءُ ذكرى مجزرة كفر قاسم وإعطاؤها طابعًا سياسيًا (أو تفريغها من

طابعها السياسي، الأمر الذي كانت الدولة تنوي فعله). مضت الحكومة في اتجاه فرض "صلحة" مع سكان كفر قاسم، لإنهاء هذه "المسألة" على نحو كامل و"تنظيف" سمعة الحكومة ومؤسساتها المختلفة من أيّ ملامةٍ قد تقع على عاتقها جرّاء ارتكابها المجزرة. كانت هذه "الصلحة" المفروضة بمنزلة هجوم

عنفي آخر على كفر قاسم. تصف روبنسون الأمر، قائلةً: "تمثّل هذه 'الصلحة' وصمة عارٍ لا يمكن محوها من سجل التاريخ الإسرائيلي، واعتداء على كرامة الضحايا والمجتمع العربي بأسره". على أيّ حال، كان الهدف من كل المناورات التي قامت بها الحكومة في أعقاب المجزرة يتمحور حول

نزع المجزرة من سياق النكبة والعنف المنهجي الذي يمارسه الاستعمار الاستيطاني. يظهر هذا التوتّر جليًا، من خلال الفعاليات التذكارية في كفر قاسم والمناطق المحيطة بها، طوال العقود التي تلت

(39) Robinson, p. 399; Shira Robinson, Citizen Strangers: Palestinians and the Birth of Israel’s Liberal Settler State (Stanford: Stanford University Press, 2013). (40) Robinson, "Local Struggle, National Struggle," pp. 399–400. (41) Ibid., p. 404.

المجزرة. فلو كان الأمر يتعلّق بالصراع حول الذاكرة التاريخية، لكانت نيات الحكومة الإسرائيلية معروفة بصورة واضحة. ونظرًا إلى السلطة التي تمتلكها الحكومة في السيطرة على السرد، من حيث

الآليات المعاصرة لإحياء الذكرى والسجل التاريخي الذي تهيمن عليه أرشيفات الحكومة المغلقة، فإنّ علم التاريخ قد خذل كفر قاسم.

سابعًا: حكاية أصلانية - سامية حلبي وكفر قاسم

تعتمد الفنانة سامية حلبي، من خلال عملها عن كفر قاسم، بطريقة شبيهة بالطريقة التي اتبعتها عاشور، على شكلٍ من أشكال السرد الحكائي، يتحدّى مفهوم المحو التاريخي. تُمَرْكِز عاشور الرواية والوجود

الفلسطيني في شخصية رقيّة، في حين تجد حلبي نفسها في مواجهة عقبة تقنية من حيث التصوير

المرئي للمجزرة، وكيفية تصوير اللحظة والفعل العنفي من دون التركيز على شخصية الجناة. ففي كتابها رسم مجزرة كفر قاسم، تعرض حلبي نتاج عقد من العمل الفني الذي أنجزته في كفر قاسم وعنها. يقع الكتاب في ثلاثة أقسام، الأول بعنوان "البحث في المجزرة وتبعاتها"، والثاني "رسم مجزرة كفر قاسم"، والثالث "ملحقات توثيقية". ولهذا السبب، يُعتبر الكتاب توثيقًا ماديًا لرحلتها، بوصفها

فنانة وباحثة في الوقت ذاته. وفي هذا السياق، يقدّم الكتاب فرصةً لمعرفة أنّ علم التاريخ قد خذل فلسطين، وكيف يفتح السرد الحكائي سبيلً منهجيًا لفهم الماضي والحاضر والانطلاق إلى المستقبل

في فلسطين ولأجل فلسطين. تقول حلبي في فقرة الإهداء في بداية الكتاب: "يتناول هذا الكتاب قصّة مجموعة من العمال في مواجهة الصعاب لكنّهم مصممون على النجاة والبقاء [...] إنّ ضحايا مجزرة كفر قاسم قد أصبحوا جزءًا من مجموع الذين قضوا دفاعًا عن فلسطين، أو قضوا متشبثين

بحقّهم في العيش في منازلهم وفي أرضهم، أو أثناء محاولتهم العودة إليها". يضع هذا العمل الفني الاستثنائي موقعية الباحثة والفنانة في مكانها الصحيح قبل كلّ شيء آخر. في الحقيقة، التزمت حلبي خلال مسيرتها، فنانة وباحثة، بهذه الموقعية؛ وفي معرض كتاباتها عن فن التحرير الفلسطيني، تقول: "يتحدّث الفنانون الفلسطينيون الذين ينتمون إلى النصف الثاني من القرن العشرين في بعض الأحيان [...] عن كونهم أوّل من فعل هذا أو ذاك، أو أنّ معرضهم هو الأوّل من نوعه الذي يقوم به فنانٌ منفردٌ،

وما إلى ذلك. إنّ الصدمة التي خلّفتها النكبة أدّت إلى غياب معرفي. وعلى الرغم من الهوة الواضحة في استمرارية فن النحت والرسم الفلسطيني، تكشف الدراسة الدقيقة عن استمرارات لافتة بين تاريخ الفن الفلسطيني خلال النصف الأول والنصف الثاني من القرن العشرين". إن التركيز على "الاستمرارية والارتباطات بين المراحل الفاصلة" إنما هو تاريخ شعب. فبالنسبة إلى حلبي، إنّ حكاية فلسطين تعود إلى ما قبل عام 1948 بمدّة طويلة، وتستمر إلى ما بعد ذلك بكثير أيضًا؛

(42) Sabri Jiryis, The Arabs in Israel , Inea Bushnaq (trans.) (New York: Monthly Review Press, 1976); Tamir Sorek, Palestinian Commemoration in Israel: Calendars, Monuments and Martyrs (Stanford: Stanford University Press, 2015). (43) Samia Halaby, Drawing the Kafr Qasem Massacre (New York: Schilt Publishing, 2016), p. 8. (44) Samia Halaby, "Abed Abdi and the Liberation Art of Palestine," Jadaliyya , 31/3/2013, accessed on 12/1/2022, at: https://bit.ly/3FmPISh

فالحكاية مترابطة ولا تنقطع مع أحداث عام 1948. وتشير حلبي، في معرض كتابتها عن زميلها الفنان عبد عابدي، إلى أنّ الفنانين يمحورون أعمالهم الفنية حول فلسطين، سواء أكانت هذه الأعمال رمزيةً، أم واقعيةً، أم تجريديةً، فهي عبارة عن نتاج فنّانٍ واحد يجسّد الاستمرارية والتنوّع على حدّ سواء. لقد

كانت حلبي نفسها فنانةً ناشطة خلال السنوات والمراحل التي يحدّدها علم التاريخ التقليدي، ويمكن إسقاط ما ورد في تعليقها على أعمال عابدي على أعمالها بكل سهولة. في أحدث عملٍ لها عن كفر قاسم، تشير حلبي إلى قصديَّتها الواضحة في ممارسة السياسات الأصلانية. ففي الجزء الأول من الكتاب، تقدّم وصفًا لمنهجية البحث المتّبعة، بما فيها جمع البيانات بأشكالها المتوافرة كافة، سواء من خلال المقابلات الشفهية، أو سجلات الأرشيف، أو المصادر الثانوية. في هذا السياق، كانت حلبي تجري عملية توثيق تاريخي، ولكن بالاعتماد على مجموعة من الأسئلة التي لا تستهدف الإثبات ولا تقديم الأدلّة؛ إذ إنّه لم يكن هناك أيّ شكوك ينبغي دحضها. في

الحقيقة، تحدّثت حلبي عن صعوبة العمل على توثيق مجزرة، قائلةً: "إنّ المجزرة أشبه بضربة مطرقة تفتت كتلةً صلبةً إلى شظايا [...] فالمجزرة تشتّت البلدة التي تتلقى الضربة، وتفتتها إلى أجزاء". وبهدف تمثيل هذا الوصف، تلجأ الباحثة إلى الجمع بين السرد والرسم؛ لأنّ هذه التوليفة، كما تقول: "تؤمّن فهمًا أعمق للأحداث مما يمكن لأيٍّ منهما (أي السرد والرسم) فعله منفردًا". تتناول حلبي موضوع المجزرة، وتسمّيها باسمها من دون وجل، وتعمل ضمن هذه التقنية لسرد أحداثها. وكما هي الحال في قراءة رضوى عاشور لمجزرة الطنطورة، يمثّل هذا الشكل من السرد الحكائي ابتعادًا عن التأريخ التقليدي على مستويات عدّة وبدرجات مختلفة. ففي مدارس التحليل التاريخي الوضعية، يصنّف العمل التوثيقي الذي يقدّمه الباحث على أنّه علم إن التزم بتقديم الدليل، أي: اعثر على الدليل

وقدّمه. وبمعنى آخر، يُعتبر التوثيق عِلمًا خارج نطاق السياسة أو الموقعية السياسية. ومن خلال هذه العملية والعمل الناتج منها، ترفض حلبي رفضًا مطلقًا سياسات الهيمنة التي تفرضها موضوعية علم التاريخ الزائفة. بعد أن أجرت حلبي سلسلة من المقابلات مع الناجين من مجزرة كفر قاسم، وأمضت بعض الوقت في القرية، أرشفت حكايات الناس وأصواتهم، ثم استخدمت هذا الأرشيف أساسًا لمعرضها، فأنتجت

سلسلة من اللوحات والرسومات التي تصوّر من خلالها مشاهد من القرية في اليوم الذي ارتُكبت

فيه المجزرة. لقد أسهم أسلوب الجمع بين فن الرسم والسرد الحكائي في الكشف عن مراحل تطوّر

أعمالها الفنية ومراحل ارتكاب المجزرة على حدّ سواء. لقد اعتمدت حلبي من خلال هذه السلسلة على السرد الذي يقدّمه إميل حبيبي عن المجزرة، حيث يقسمها تسع موجات من القتل. تعكس

موجات رسومات حلبي وتغيّراتها السرد الذي يقدّمه حبيبي، كما تعكس تجربتها الذاتية، طوال عقدٍ

(45) Halaby, Drawing the Kafr Qasem Massacre , p. 39. (46) Ibid., p. 36.

((4(حبيبي؛ محمود درويش، "ذاهب إلى الجملة العربية في الخامس عشر من أيار"، شؤون فلسطينية، العدد 22

(حزيران/ يونيو 1973)، ص.17–11

من الزمن، أمضته في البحث والعمل على كفر قاسم. يقدّم هذا النمط من التطوّر الموازي، بين حلبي وحبيبي، فهمًا لآلية عمل السرد الحكائي. ففي لوحة "استشهاد طلال" (2012)، وهي لوحة أكرليك على قماش بوليستر، مستوحاة من سنين من العمل على نسخٍ متعددة من هذا المشهد بالأبيض والأسود، تروي سامية حلبي حكاية في اللوحة، كما تروي حكاية اللوحة أيضًا. وبناءً على المقابلات

التي أجرتها مع آل عيسى (إذ قُتل طلال عيسى البالغ من العمر ثمانية أعوام وجدّه البالغ من العمر 90 عامًا، وجُرح كلّ من رسمية شاكر عيسى ونور شاكر عيسى وشاكر عبد الله عيسى – والدة طلال وشقيقه ووالده)، صوّرت حلبي موت طلال على أنّه عملية صلب. في المدة 2012–1999، استعرضت

حلبي مجموعةً من القراءات المختلفة للمشهد واعتمدت على تعليقات الناس في كفر قاسم (وغيرها من الأماكن)، وعلى ردود أفعالهم، وهذا ما دفعها إلى تصوير طلال بوصفه مركز اللوحة. يشكّل هذا الفهم لعملية إنتاج اللوحات الفنية فهمًا لطبيعة السرد الحكائي أيضًا. وفي هذا المقام، يمكننا رؤية الآلية التي سخّرت فيها حلبي التاريخ الشفوي في عملية ذاتية مشتركة ومتكررة، من شأنها أن تمنحنا الإحساس بمنهجية تتّخذ من عملية الترجمة شكلً لها: عملية ترجمة الكلمات إلى حكايات مرئية. بمعنى آخر، إن الطريقة التي تروي من خلالها الفنانة حكاية أعمالها الفنية تشابه عملية توثيقٍ لمقدار ما يمكن السرد الحكائي أن يكون عليه من السلاسة والتفاعلية. فكما تبيّن اللوحة (2012) تتمحور

القصّة حول طلال في لحظة استشهاده؛ إذ عملت حلبي على تأطير القصّة من خلال شخصية طلال وعائلته، وليس من خلال عدسة الأسلحة التي قتلتهم. حتى في خضمّ هذا العنف المروِّع، أو ربما في غمرة هذا العنف بالتحديد، تعمل حلبي على رواية حكاية طلال. وفي لوحة أخرى بعنوان "القتل في الحقول الشمالية"، تكشف حلبي المزيد عن لوحاتها الفنية، حيث إنّها "قرّرت الحدّ من وجود الجنود الإسرائيليّين وذلك لأن القصّة ليست قصّتهم". وفي سياق

سردها حكاية هذه اللوحة، تستفيض في شرح هذه العملية واعتمادها على المعلومات التي زوّدها بها أهل كفر قاسم، وتحديدًا الأحاديث التي دارت بينها وبين أبو ناصر، والتي اعتمدت عليها طوال فترة عملها على صعيد البحث والإنتاج الفني. إنّ عرضها سلسلة الرسومات التي تمثّل رحلتها الذاتيّة

نحو العمل على "فهم معرفة وذكريات أولئك الذين كانوا موجودين في القرية في ذلك الوقت" يمثّل في الواقع رحلة مؤرّخٍ سارد للحكايات. بمعنى آخر، إنّها عملية تعلم كيفية إبداع التجسيد، أو كما تقول حلبي: "ترجمة كلام الشهود إلى صور". وفي لوحة أخرى بعنوان "موجة القتل الأولى على الطريق الغربي"، تكشف حلبي طموحها في تصوير الاعتيادي في سياق غير اعتيادي: "دون معرفة التفاصيل

(48) Halaby, Drawing the Kafr Qasem Massacre , p. 83.

(((4 أوضحت حلبي في مطلع الكتاب أنّ أبو  ناصر (أحمد حمدان عامر) هو "مؤرّخ" كفر قاسم الذي شك لت أعماله وأبحاثه غير

المنشورة، إضافةً إلى محادثاتها المستمرة معه، المادة الأساسية التي اعتمدت عليها طوال رحلتها. إن فكرة التاريخ المحلي هذه

شائعة في فلسطين وتكشف أيضًا عن التوتّر القائم بين علم التاريخ الرسمي والمادة التاريخية المحليّة بوصفهما يًا آخر لثنائية تجلِّ

الاستيطاني/ المحلاني كما هي حال المحلّي في هذا المعنى من كفر قاسم وفلسطين.

(50) Halaby, Drawing the Kafr Qasem Massacre , p. 84. (51) Ibid., p. 91.

[...] ستبدو اللوحة كأنّها تصوّر أربعة رجالٍ فلسطينيين من فترة الخمسينيات يقودون درّاجاتهم الهوائية

[...] ومن المهم أنّ الناظر يعرفهم كأفراد، ويعرف تفاصيل لغة أجسادهم، وأنّ الجنود على وشك أن يرموهم بالرصاص بدمٍ باردٍ [...] تمثّل لوحة الرجال الأربعة هذه لحظةً لا يمكن القبض عليها من الحياة تسبق حدوث العنف، حيث تواجه الضحية، بكامل كبريائها، الناظر طالما بقيت اللوحة". تركّز حلبي، في كل رسوماتها خلال موجات القتل التسع، على أهل كفر قاسم. وشأنها شأن عاشور، تضع ذاتيات أهل كفر قاسم وحيواتهم العادية في مركز رسوماتها، وتمثِّل حياتهم العادية والمكتملة الإنسانية وعالمهم الأنطولوجي الذي هو على وشك الفناء. ولعل هذا يذكّرنا بالأسلوب الذي بدأت به عاشور حكاية حياة رقيّة الاعتيادية، وعالمها الملموس والمحسوس. فعلى سبيل المثال، ترسم حلبي

ضحايا الموجة الثانية من القتل في أثناء عودتهم إلى منازلهم سيرًا على الأقدام، وهم يواجهون الناظر،

بينما يبقى الجنود، الخطر المحدق، غير منظورين. وهذا ما يضع الناظر في موقع الجنود الذين يترقَّبون وصول ضحاياهم، وهم يعرفون حقّ المعرفة أنّهم سيقتلون العديد منهم، إن لم يقتلوهم كلّهم. وكأنّ اللوحة تسأل الناظر إن كان في استطاعته أن يقتل هؤلاء الناس بدمٍ بارد أثناء اقترابهم منه. عملت حلبي على تمثيل كرامة شعبٍ مظلوم، ليس من خلال الجريمة، وإنّما من خلال الطريقة التي

صوّرت بها حياة الناس. علاوةً على ذلك، لم ترسم حلبي، أو تجسّد، أيّ وجودٍ عسكري (سواء كان

على هيئة جنود "حرس حدود"، أو رجال شرطة من وحدات أخرى)، بل اكتفت برسم البنادق وظلال الجنود، والتأكيد على إبقائها خارج مركز اللوحة. عوضًا عن التركيز على الجنود أثناء ارتكابهم فعل العنف، تصوّر حلبي إنسانية من قُتلوا بجوانبها كافة (إنسانيتهم التي تقع خارج إطار الشك أو

المساءلة). يمكن أن يُفهم هذا الأمر على أنّه صرخة للتعبير عن الإنسانية الكونية بوصفها مفهومًا

عالميًا، لكن، أُفضّل اعتبارها تصويرًا مرئيًا للرفض الأصلاني. فالأمر الذي يشدّ الانتباه في أعمالها،

لا يتعلّق بموت الناس أو بمظلوميتهم، وإنّما بتصوير وجودهم ونجاتهم بكلّ وضوح من خلال الكلمة والصورة على حدّ سواء. وبهذه الطريقة، تركّز على الفلسطينيين بوصفهم شعبًا. عن طريق استخدام التعليق المترافق مع تطوّر أعمالها، من اللحظة الأولى التي تبدأ فيها عملية الرسم

وصولً إلى مرحلة إنتاج اللوحة النهائية، كانت حلبي تطرح الأسئلة الصعبة عن الطريقة التي يجب على الفنانة الأصلانية اتّباعها أثناء تصويرها مجزرة، من دون الوقوع في شرك الإطار الاختزالي الذي يهمّش الضحية ويركّز على سرد قصّة الجناة. إن هذا سؤالٌ صعب ومحيّر، لكنني أقترح اعتبار هذه

الرسومات جزءًا من التاريخ الأصلاني، نظرًا إلى التساؤلات التي تطرحها والطريقة التي تتعامل بها

الفنانة مع هذه اللوحات، التي تعكس صوت رقيّة التي اختارتها عاشور كي تروي على لسانها حكاية

مجزرة الطنطورة. وتعبّر حلبي عن قلقها الصريح بخصوص الموقع الذي ستعطيه للعنصر العسكري

الصهيوني ضمن الإطار المادي لأعمالها الفنية. يشير رجا شحادة في معرض توطئته لكتاب حلبي إلى

(52) Ibid.

(((5 ينظر، على سبيل المثال: الجانب السفلي الأيسر، "موت الراعي فتحي"، 2012؛ الجانب العلوي الأيمن، "الراعي عثمان عيسى"، 2012؛ الجانب السفلي الأيمن، "استشهاد صالح عامر"، 2012؛ الجانب السفلي الأوسط، "استشهاد ريّان"،.2012

أنه: "من خلال هذا العمل وهذه المساعي، تمكّنت [حلبي] من التعبير عن درجةٍ عالية من التعاطف مع ضحايا المجزرة، الأمر الذي مكّنها من إنتاج لوحة كلّية مرئيّة اعتمادًا على أجزاء متناثرة من [صور] المعاناة والعواطف الإنسانية والفقدان والغضب والألم، وأن تُبدع من خلال الكلمات والرسومات صورةً جديدةً لتلك الفترة القاتمة". تؤطّر حلبي أعمالها بمشاعر التعاطف، لا الشفقة. كيف لنا أن نعرض تاريخ الرعب بطريقة تمكّننا من صناعة تاريخ الماضي ضمن منهجية مسيَّسة في الوقت الحاضر؟ وكيف للمرء أن يصف ماضي شعب وعلاقته بالأرض من دون أن يقيّد هذا الماضي في إطار علم التاريخ؟ أطرح هذين التساؤلين بشأن تأريخ النكبة الفلسطينية، وتواجه حلبي التساؤلين نفسيهما من خلال هذا العمل المميّز. تستهلّ حلبي توطئة الكتاب لتقدّم وصفًا عن نفسها وعن أعمالها الفنية، قائلةً: "بوصفي فنانة، أسعى لمعرفة تاريخ الفن على الصعيد العالمي، وأن أكون في موقع الصدارة في مجال الاستكشاف التصويري. أمّا بالنسبة إلى موقفي السياسي، فأنا أسعى لإنتاج الملصقات الصريحة والشعارات والمنشورات، إضافة إلى الرسومات التوثيقية التي تعكس قناعاتي السياسية، وليس قناعات الآخرين. يقع مشروع توثيق مجزرة كفر قاسم ضمن الفئة الثانية. فهو مشروعٌ توثيقي لطالما سعيت إلى إنجازه بأفضل السبل العلمية الممكنة. وأنا لم أبتدع هذه السلسلة من الرسومات لأتبوّأ موقع الريادة، وإنّما لأنني فلسطينية وفي وسعي أن أوثّق جزءًا يسيرًا من تاريخي الوطني من خلال الفن التصويري". يميط هذا التوصيف اللثام عن الضغوط والتناقضات الضمنية التي تترافق مع كون حلبي فنانة تعيش في فلسطين وتعمل لأجل قضية فلسطين؛ فهو توصيف زاخر بعلاقات التضادّ مع الماضي في حاضرٍ، هو أسير العنف الاستعماري الاستيطاني، لكنّه يفرض العلاقة مع ما تدعوه حلبي "السبل العلمية" في هذا السياق. على الرغم من استخدامها كلمة "علمي" في حديثها عن منظورها المعرفي، في أثناء استكشافها المستويات العديدة التي تغلّف هذا العمل، يبدو أنّ تدخّلها المعرفي من خلال التمثيل التصويري قد حقّق شيئًا لا يحققه العلم. وتوضح حلبي أيضًا أنّ الرسومات التي تصوّر أشخاصًا في

هذا المشروع، وبمفرداتها الخاصة: "ليست مبنيّةً على أمثلةٍ حيّة، بل بالاعتماد على الذاكرة". وفي هذا المقام، فإن الذاكرة هي ذاكرة التهجير والدمار والجرائم والمجازر والإبادة، وليست مجزرة كفر قاسم سوى جزء من تاريخ القمع الطويل هذا. لقد قُتل الناس على نحو متعمد، لأن المستوطنين يحسنون القتل والتدمير، وهذا ما كانت عليه ولا تزال، ماهية العنف الاستعماري الاستيطاني في فلسطين. فالمهمة التي تقع على عاتق حلبي تتمثّل في محاولة سرد هذه الحكاية، ومن وجهة نظري، فقد فعلت ذلك من خلال أدوات السرد الحكائي – المفهومية والتطبيقية – في إطار منهجية أصلانية تنطوي على توثيق الماضي ضمن مسار سياسي واضح يهدف إلى فهم الماضي، الذي يُعتبر حاضرًا أيضًا.

(54) Halaby, Drawing the Kafr Qasem Massacre , p. 11. (55) Ibid., p. 16.

خاتمة

بالعودة إلى مجزرة صبرا وشاتيلا، وعلى الرغم من أنّ "الاكتشافات" الأخيرة المستقاة من سجلّت الأرشيف الإسرائيلي عن اجتياح بيروت عام 1982 تُظهر دوافع خطّة أرئيل شارون العسكرية المباشرة والمدروسة لارتكاب المجزرة، ما الذي "تكشّف" حقًا من خلال هذه "الاكتشافات الأرشيفية"؟ إنّ هذا التوثيق لا يوحي بأيّ شيء، فجلّ ما يطلعنا عليه لا يتخطّى الطريقة التي نفّذ من خلالها مقترفو العنف عنفهم. وبالمثل، فإنّ ما يُطلق عليه اسم "اكتشافات جديدة" بشأن عمليات القتل في كفر قاسم التي نُشرت في عام 2021 ضمن كتاب بالعبرية يتضمّن اعترافات أدلى بها يسكا شدمي Kadami Yiska (الجنرال الذي حوكم بتهمة ارتكاب الجرائم) ليست سوى رتوش جديدة تُضاف إلى علم التاريخ. ومع أنّ هذه المحفوظات مثيرة للاهتمام، وأنّ الأرشيف الإسرائيلي يحتوي على كمٍّ هائل من المواد التي تصف المجازر بالتفصيل، كما يظهر من خلال التوثيق الدقيق الذي أجرته الباحثة رونا سيلع Sela Rona، ومن ضمنها مجازر حرب النكبة كمجزرتي الطنطورة ودير ياسين، على سبيل المثال لا الحصر، فالسؤال الأهم يتعلّق بماهية المضمون الذي يوثقه هذا الأرشيف وشكل التاريخ الذي ينتجه. وفي الوقت الذي يركّز فيه هذا السؤال على قضية العنف الاستيطاني، فإنّه لا يعدو كونه تاريخًا استيطانيًا، لا يجد الفلسطينيون أنفسهم فيه سوى ضحايا بلا أسماء في أفضل حالاتهم. إنّ

القضية الأشد إلحاحًا في التاريخ الأصلاني، التي واجهتها عاشور وحلبي، تتلخّص فيما يلي: كيف يمكن حكاية أصلانية تتحدّث عن الماضي أن تُمسك بالماضي والحاضر من دون أن تقع أسيرة لهذا العنف؟ فمن خلال أعمالهما، يمكننا أن نرى كيف يروي التاريخ الأصلاني قصص العنف الاستيطاني، مشدّدًا في الوقت ذاته على رفض الأصلانيين هذا العنف وتأكيدهم وجودهم، عوضًا عن التركيز على عملية المحو التي يتعرضون لها أو تصويرهم ضحايا لهذا العنف. وعلى الرغم من إمكانية فهم هذه الدراسة في سياق دحض التاريخ ورفضه، فإنّ الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ يمكننا أن نرى، تيمّنًا بأعمال عاشور وحلبي، أنّ هناك وسائل أخرى يمكن أن يكون للرفض من خلالها قدرة تخليقية، وأنه يمكننا رواية حكايات الماضي في ضوء الحاضر والمستقبل في فلسطين.

References

المراجع

العربية

جينيه، جان. "أربع ساعات في شاتيلا". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  12، العدد 3.)1983(حبيبي، إميل. كفر قاسم: المجزرة–السياسة. حيفا: أرابيسك،.1976

(56) Zen Read, "General’s Final Confession Links 1956 Massacre to Israel’s Secret Plan to Expel Arabs," Haaretz , 13/10/2018, accessed on 9/1/2022, at: https://bit.ly/3zoiv7J

((5(المحفوظات في هذا السياق قضية مركزية وذات صلة أخرى، وتُعدّ في سياق هذه الدراسة تعبيرًا عن الامتنان

للأعمال الرائدة على السجلات التاريخية (SEE) – ودعوةً لأخذ ذلك المقال النقدي في اتجاه مختلف.

درويش، محمود. "ذاهب إلى الجملة العربية في الخامس عشر من أيار". شؤون فلسطينية. العدد 22 (حزيران/ يونيو.)1973 الشيخ، زكريا. "صبرا وشاتيلا عام 1982: مقاومة مجزرة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  14، العدد 1 (خريف 1984). عاشور، رضوى. الطنطورية. القاهرة: دار الشروق،.2010 _______. في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2001 الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع. نديم روحانا وأريج صبّاغ–خوري

[تحرير]. حيفا: مدى الكرمل؛ المركز العربي للأبحاث التطبيقية،.2011 مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  11، العدد 43 (صيف.)2000

الأجنبية

Alexander, Meena. "What Use Is Poetry?" World Literature Today (September 2013). at: https://bit.ly/34le3Lv Anziska, Seth. "Sabra and Shatila: New Revelations." New York Review of Books. 17/9/2018. at: https://bit.ly/34awItc Ashour, Radwa. "Eyewitness, Scribe and Storyteller: My Experience as a Novelist." The Massachusetts Review. vol. 41, no. 1 (Spring 2000). Barakat, Rana. Lifta and Resisting the Museumification of Palestine: Indigenous History of the Nakba. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2018. Dworkin, Ira. "Radwa Ashour, African American Criticism, and the Production of Modern Arabic Literature." Cambridge Journal of Postcolonial Inquiry. vol. 5, no. 1 (January 2018). Esmeir, Samera. "1948: Law, History, Memory." Social Text. vol. 75, no. 21 (Summer

Halaby, Samia. "Abed Abdi and the Liberation Art of Palestine." Jadaliyya. 31/3/2013. at: https://bit.ly/3FmPISh ________. Drawing the Kafr Qasem Massacre. New York: Schilt Publishing, 2016. Jiryis, Sabri. The Arabs in Israel. Inea Bushnaq (trans.). New York: Monthly Review Press, 1976. Khalidi, Walid (ed.). All the Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948. Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1992. Masalah, Nur. The Expulsion of Palestinians: The Concept of " Transfer" in Zionist Political Thought, 1882–1948. Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1992.

Morris, Benny. The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949. Cambridge: Cambridge University Press, 1987. Pappe, Ilan. "Historical Truth, Modern Historiography, and Ethical Obligations: The Challenge of the Tantura Case." Holy Land Studies. vol. 3, no. 2 (2004). ________. "The Tantura Case in Israel: The Katz Research and Trial." Journal of Palestine Studies. vol. 30, no. 3 (Spring 2001). Robinson, Shira. "Local Struggle, National Struggle: Palestinian Responses to the Kafr Qasim Massacre and Its Aftermath, 1956–1966." International Journal of Middle East Studies. vol. 35, no. 3. Special Issue: Commemorating the 1973 War (August 2003). _______. Citizen Strangers: Palestinians and the Birth of Israel’s Liberal Settler State. Stanford: Stanford University Press, 2013. Sacco, Joe. Footnotes in Gaza: A Graphic Novel. New York: Macmillan, 2009. Shavit, Ari. My Promised Land: The Triumph and Tragedy of Israel. New York: Speigel & Grau, 2013. ________. The Iron Wall: Israel and the Arab World. New York: W.W. Norton & Company, 2001. Sorek, Tamir. Palestinian Commemoration in Israel: Calendars, Monuments and Martyrs. Stanford: Stanford University Press, 2015.