Return to Article Details Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia

فهم الثورات: بدايات تونسية

Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia

مولدي الأحمر| Mouldi Lahmar *

الملخّص

عنوان الكتاب: فهم الثورات: بدايات تونسية . عنوان الكتاب في لغته: Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia . المؤلف: عزمي بشارة Azmi Bishara. الناشر: لندن: أي بي توريس I.B. Tauris. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 328 صفحة.

Abstract

Professor of Sociology and Anthropology at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: mouldi.lahmar@dohainstitute.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة التونسية
  • الربيع العربي
  • المعرفة
  • الاحتجاجات
Keywords:
  • The Tunisian Revolution
  • The Arab Spring
  • Narratives of Revolution
  • Knowledge
  • Protests

عنوان الكتاب: فهم الثورات: بدايات تونسية.

المؤلف:

عزمي بشارة Azmi Bishara. الناشر:

لندن: أي بي توريس I.B. Tauris. سنة النشر: عدد الصفحات:

328 صفحة.

. Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia عنوان الكتاب في لغته:

مقدمة: حقل معرفي جديد

خلال العشرية الأولى من انطلاق ما أصبح يعرف ب "الربيع العربي"، صدرت آلاف المقالات والكتب والتحقيقات وصفت أحداث هذه الظاهرة وحلّلتها وناقشتها، ونُظِّم بشأنها عدد هائل من الندوات والمؤتمرات العلمية عبر العالم، كما خُص ص لها وقت معتبر من اللقاءات

السياسية على المستويين الإقليمي والدولي. وبذلك تحوّل الربيع العربي إلى حقل بحثي جديد

تتجند له مراكز البحث، وتُخصّص له مقررات

ثلاثة

تعليمية في الجامعات، وتُعدّ في مجاله أطروحات

بحث أكاديمية، وتشتغل به اليوم، بصفة مباشرة وغير مباشرة، جماعة علمية دولية في اتساع مستمرٍّ،

تعود جذورها إلى فترة موجات التحوّل الديمقراطي

التي عرفتها أوروبا الشرقية بداية من منتصف القرن الماضي وقبلها أميركا اللاتينية. يأتي كتاب عزمي بشارة في هذا السياق السياسي والمعرفي المُركّب، ليضع إحدى اللبنات الأساس

المساهمة على نحوٍ جِدّي في مناقشة هذه الجماعة

العلمية بشأن الحالة العربية. وبذلك فإن هذا الكتاب لا يمكن أن يُقرأ إلّ ضمن هذا السياق المعرفي

النقدي الطويل النفس، الذي استدعى في مجادلاته ونقاشاته كل تاريخ أدبيات الثورة والاصلاحات السياسية بمختلف أنواعها في الشرق والغرب. على مستوى الهندسة الداخلية للكتاب، وزّع المؤلّف بحثه – الترتيب هنا من عندي – على خمسة فصول ومقدمة وخاتمة، تناول فيها – معتمدًا

على الكتاب الذي نشره في الموضوع نفسه باللغة العربية سنة 2012 – يوميات الثورة أي مادتها هو تونسي فيها  وأزمنتها قبل الأحداث وخلالها – ما

(((عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها

من خال يومياتها (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012

هو عربي – إضافة إلى الخصائص الاجتماعية  وما والثقافية والسياسية للقوى التي حمَلتها أو قاومتها،

واضعًا الكل في سياقه الإقليمي والعالمي. غير أنه

–  هذا هو الأهم تَوّج هذا الإصدار الإنكليزي – ربما

بتمهيد نظري في موضوع الثورة اعتمد فيه على ما نشره سابقًا وزاد عليه، كما ذَيّل الكتاب بما يُمكن

اعتباره خاتمة ما بعد الخاتمة، وهي عامة ومفتوحة تضمّنت رأيًا وموقفًا مما كان يجري في تونس خلال

كتابة البحث.

أولا: على خط رفيع بين أعمدة

حينما يفتح الباحث العربي اليوم تحقيقًا علميًا في

ظاهرة الربيع العربي، ما الصعوبات المعرفية التي سيُواجهها؟ الجواب هو: أنه سيُجابه تحديات

ثلاثة متأصلة في عملية التفكير ذاته: معضلة تشتُّت

الوقائع الإمبريقية ولا يقينيتها؛ ومعضلة النظرية ومخاطر التعميم؛ ومعضلة الهشاشة الإبستيمولوجية للوضعية الإدراكية للذات العارفة في علاقتها بموضوعها. خلال كل الفترات الأكثر خصوبة من كتابه، ظل بشارة يحاول المشي بحذر على الخيط الرفيع الذي يربط بين هذه الأعمدة الثلّاثة. وكل الإضافة هي وليدة النجاح في السَّير لأطول مسافة

ممكنة على هذا الخيط الرفيع.

1. الإمبريقية

يمكن القول إن المؤلف كان محظوظًا إلى حد معقول في ما يخصّ توافر المعلومات عن الثورة

التونسية، التي لم يَجرِ الانقلاب عليها مُبكّرًا لتُكمّم

الأفواه أو تُدجّن، ولم تَحِد عن مسارها السّلمي

لتدخل في دمار الحروب الأهليّة التي انفجرت

في بعض بلدان الربيع العربي، جاعلة الكتابة فيها

شبه ترفٍ بالنسبة إلى ضحاياها. وهي ثورة لم تندلع في بيئة مسطحة فكريًا ومؤسساتيًا رغم الاستبداد

السياسي الذي جثم على نفوس أهلها. كما أن

النّخب السياسية – على ترهلها الجيلي والضعف التنظيمي لغالبيتها – لم تكن غارقة فكريًا ومعياريًا

في بنية مجتمع محافظ، يَجرُّ المنتمين إليه إلى

معارك جَماعَوية أفقية، فالمجتمع التونسي لم

يعرف في العصر الحديث صراعاتٍ إثنية أو مذهبية هدّدت وحدته. سمحت هذه البيئة الاجتماعية بوفرة نسبية للمعلومات والكتابات الأكاديمية والدراسات الميدانية والمذكرات والمواقف، وهي مفيدة للبحث العلمي بسبب تنوعها والحرية الفكرية التي كُتبت بها، انطلاقًا من قناعاتهم الأيديولوجية أو من مواقع مستقلّة. وهذا ما استفاد منه بشارة فجاء كتابه حافلً بالمعلومات التفصيلية التي استقاها من كمّ هائل من المصادر، وأعطى مساره التحليلي سندًا إمبريقيا قويًا. لكن المعلومات الإمبريقية لا تصنع بشكل

تلقائي كلُاًّ، مهم كانت هذه المعلومات غزيرة ومتنوعة، لأن فجوات اللّمعلوم بين "الوقائع" أوسع بكثير من تلك التي تغطيها المعلومات التي هي في حد ذاتها إشكالية. سنرى أن المؤلف كان واعيًا بهذا

التحدي وحافظ على "ريبته" من كل تعميم.

2. النظرية

إذا كانت المعلومات الإمبريقية – التي هي انتقائية وجزئية واصطناعية (بمعنى مُنتجة) كما يقول ماكس

فيبر – لا تَصنع وحدها ك لً مفهومًا، فإن المخاطرة

بالنظرية تصبح هي الحل، ولكنه لا يكون إلا حلً إشكاليًا بسبب مُعضلة التعميم. ولكي نفهم

إمبريقيا، إن صح التعبير، هذه المعضلة أسوق النُّكتة – الأُحجية التالية عن جُحا، كنت أستخدمها

بيداغوجيًا لمناقشة طلبتي في الموضوع؛ "كان

جُحا جالسًا يومًا تحت شجرة إلى جانب الطريق،

فمرّ به قوم توقّفوا أمامه وسألوه: يا جُحا هل مرّ من

أمامك اليوم جملٌ أسودُ؟ إننا نقتفي أثره! فأجابهم: نعم لقد مرّ بي جمل، الجهة المقابلة لي سوداء،

أما الجهة الأخرى فلا أعرف عنها شيئًا". وضع

هذا الجواب أولئك القوم في ورطة، فالأخذ بكل شهادة جُحا لا يُفيدهم في تقفّي أثر الجمل، ومن

ثمّ في حسم قرار مواصلة تقفّي أثره من عدمه.

أما الاكتفاء بالجزء الأول من الجواب فهو مفيد فقط في حالة أضافوا إليه تعميمًا احتماليًا. تلك هي

معضلة النظرية التجريبية التي تَظلّ دائمًا في حالة

اختبار كلّما غادرت الحالة الإمبريقية المخصوصة في اتجاه أشمل. وفي الخلفية المنهجية لسير بشارة على هذا الخط الرفيع هناك حضورٌ لهذا الهاجس. لكن معضلة النظرية ليست فقط في مُشكل التعميم،

بل في الرِّداء الكثيف الذي تُسدِله على "الواقع"،

وما تُنتجه بشأنه من "قناعات معرفية" تختبئ في ثنايا المفاهيم والفرضيات والسياق الإبستيمولوجي– الاجتماعي المُنتج لها. عندها يمكن النظرية

أن تتحوّل إلى ما يُطلق عليه البعض كلمة "سردية".

وفي الواقع لا تتحول النظرية إلى سردية بالمعنى الذي يريده لها أصحاب التيار "التأويلي الروائي" – تُغادر طابعها النقدي  إن صحّ الوصف – إلّ عندما

الاحتمالي وتصبح أداة سُلطة وفعل و/ أو أداة إنتاج

و"أنسنة" لباحثين يطلبون الانتماء إلى جماعات تُحقّق لهم منافعهم ويتجندون للدفاع عنها. أما على المستوى المعرفي النقدي، فإن إشكالية "الرّداء

الرمزي" الذي تُلقيه النظرية على "الواقع" تأخذ بُعدًا

آخر، يتلخص في حظوظ الباحث في أن يتحرر من ذلك "الرّداء الرمزي" الذهني ليعيد علاقته

الخاصة ب "الواقع التجريبي"؛ ما يسمح له بالنظر إليه بأسئلة وهواجس جديدة، ذات علاقة بالسياق –  الإبستيمولوجي – الاجتماعي الذي يُمارِس فيه

هو بحد ذاته – عملية التفكير. من هذه الزاوية فقط نفهم سبب تخصيص بشارة صفحات طويلة،

(((كانت أمي تستخدم هذه النكتة – الأحجية كي تشرح لنا ونحن صغار مساوئ الكذب!

في مقدمة الكتاب وفي التمهيد الذي وضعه له، – تقريبًا – كل أدبيات الثورات التي جرت  لمناقشة

في العالم من منظور فوائدها في فهم الثورة التونسية تحديدًا و"الربيع العربي" عمومًا، وهذا هو الخيط

الرفيع الثاني الذي كان يسير عليه المؤلِّف بحذر.

3. الالتزام

هل يمكن التفكير بشكل عام – وفي موضوع الثورة تحديدًا – من دون التزام معياري أو سياسي؟ هذه المعضلة قديمة دشّنها في العصر الحديث ريني ديكارت حينما زعم    أن كل شيء مشكوك في وجوده إلّ الذات العارفة التي لها وجود أصلي مستقل. فالعلوم الاجتماعية أعطت المقاربة الوضعية زخمًا لفكرة إمكانية فصل الذات عن

الموضوع، بل دعت إلى ضرورة القيام بذلك من أجل إنتاج معرفة "صحيحة". وقد تجنّد للمشروع

كبار مؤسسي هذه العلوم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (أوغيست كونت، وهاربرت سبنسر، وإميل دوركهايم، وماكس فيبر وغيرهم) والنقاش في الموضوع لا يزال مستمرًا،

فمن العلوم التي ترفع اليوم لواءه عاليًا "سيكولوجيا

الأعصاب". لكن الأطروحة التي واجهت هذه المعضلة رأسًا وبلا مواربة، كانت أطروحة فيبر

في موضوع ذي علاقة مباشرة بمضمون كتاب

بشارة: أطروحة "العالِم والسياسي" التي زعم فيها

بأنه ما دام أن ما  يقود العالِم في غايته هو الوصول إلى الحقيقة، وأن ما يقود السياسي هو تغيير العالم بكل ما يتضمنه ذلك من انخراط في مجالي المنافع والقيم، فإن كليهما يسير في طريق مختلف من الصعب أن يلتقيا. هذا ما واجهه بشارة في كتابه، حتى إن لم يُعلن عن

ذلك صراحة. لكن هل مازال طرح فيبر قائمًا؟ منذ

كارل ماركس ومدرسة فرانكفورت، مرورًا بميشال

فوكو وحتى طروحات برينو لاتور اليوم، تم الكشف

عن العلاقة الدفينة والمتأصلة بين المعرفة والسلطة ونماذج التفكير الأيديولوجية، بما تُحتّمه من مواقف

في الغالب من وراء ظهر الباحثين. ومن ناحية أخرى، في موازاة لذلك، زعمت المدرسة التأويلية عن طريق كليفورد غيرتز وغيره بأن النظريات ليست إلّ سرديات شبه ذاتية، يمكن أن نُنتج منها العشرات بصيغ مختلفة لا تشترط العلمية بمفهومها الوضعي. مع ذلك مازال هناك مدافعون عن الموضوعية في العلوم الاجتماعية رغم ما يحمله المفهوم من غموض، وقد حاول بيير بورديو حل المشكل، ولو نسبيًا، عن طريق مقترح المعرفة الانعكاسية بغاية

التمسك بإمكانية إنتاج المعرفة ومراكمتها. وانطلاقًا من الخلفية النظرية والمنهجية لكتاب بشارة، يمكن القول إن المؤلف مازال ينتمي إلى هذا المعسكر في وجه تيارات السرديات والسجال على السجال، ولذلك أفرد الصفحات الأخيرة من كتابه، في قسم خاص، للتعبير عن موقفه الشخصي من المسار الذي تسير فيه الثورة التونسية اعتمادًا على ما توصل

إليه من نتائج تحليلية، ومن ثمّ فهو في وضعية

إدراكية تشبه تلك التي لخّصها رامون أرون في كتابه

الشاهد الملتزم.

ثانيًا: معضلات "سرديات" الثورات

1. مشكل الأدبيات: ما الثورة؟

في أدبيات الثورات هناك مشكلان أساسيان واجها الباحث بمجرد فتحه هذا الملف:

(((واجهنا سنة 2012–2011 هذا المشكل بكل ثقله خلال إنجاز دراستنا الميدانية عن الثورة التونسية في مناطق انطلاقها، وقد بينا أن أحداث الثورة التونسية تُشبه في بدايتها الثورة الفرنسية، وأن

السردية "الرسمية" للثورة الفرنسية أيديولوجية ولا تطابق الواقع، مستشهدين في ذلك بما كتبه عنها إريك هوبزباوم، يُنظر: مولدي

الأحمر [وآخرون]، الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر

العلوم الإنسانية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، مقدمة الكتاب.

الأول: يتعلق بالثورات بوصفها سرديات أيديولوجية، وهذه تكون دائمًا حصيلة عمل سياسي وإعلامي

وأدبي – فلسفي طويل النفس، تُنجِزه قوى اجتماعية تنجح في فرض "روايتها" التاريخية للأحداث على أوسع نطاق، وتَستخدم في إعادة إنتاجها أدوات شتى أهمها الأجهزة الأيديولوجية للدولة وخاصة المدرسة.   وعندما تستقر السردية في الأذهان والأشياء تُصبح تمث لً أيديولوجيًّا صلبًا للتاريخ،

يشتغل مثل الهابتوس بمفهوم بورديو، فيُوجِّه الذّات

الجماعية في تمثّلها لذاتها وللآخر. وعندما تنجح هذه القوى في أن تكون مهيمنة على نطاق عالمي، تغزو سرديتها أذهان المُهيمن عليهم فتتحول عند

هؤلاء إلى نموذج مرجعي يُحيلون إليه واقعهم

الخاص لفهمه وتقييمه، إلى الحدّ الذي يعجزون فيه، أحيانًا، عن تمثّل عالمهم في صورة مختلفة عن تلك التي يُولّدها النموذج المرجعي في أذهانهم. الثاني: يتعلّق بالثورات، بوصفها موضوعًا للتفكير

الأكاديمي النقدي، وهنا يجد الباحث نفسه يتعامل مع نظريات معرفية هدفها المُعلن الوصول إلى

"الحقيقة"، وهذا يُحتّم عليه الوعي بتأثير السياق

التاريخي الاجتماعي والمعرفي في عملية بناء تلك "الحقيقة" (إبستيمولوجيا المعرفة). في كتابه فهم الثوراتواجه بشارة هذا المشكل المزدوج بكل وضوح. ففي المخيال الثوري العالمي، نماذج قليلة من الثورات يمكن اعتبارها كذلك: الثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، وإذا تكرّم

"الناطقون الافتراضيون" العالميون بمخيال الثورات الكبرى يُمكن أن يقبلوا بالثورة الإيرانية نموذجًا،

ولكن بكثير من التحفظ والرِّيبة. سؤال المؤلف كان:

أيُخبرنا ما نعرفه من سرديات عن الثورات بما جرى

خلالها في الواقع، أم هو فقط عملية أيديولوجية

تركيبية أُنتجت "بعد الحدث"؟ هنا يعتمد بشارة على المؤرخين المحترفين ليُبيّن أن الكثير من وقائع

هذه الثورات لا  تتناسب مع السرديات التي أُلّفت بشأنها؛ فهي في أحداثها الأولى لم تكن تختلف كثيرًا عن بدايات أحداث "الربيع العربي"، وعن

الثورة التونسية تحديدًا. ويجب أن يُحسب للمؤلف

تتبعه الدقيق لهذه المسألة، خاصة حينما وضع إصبعه على التشابه بين ما أشعلته الثورة الفرنسية في أوروبا من رغبة في التغيير الثوري لأنظمتها الاستبدادية المتخلفة (مقارنة بالإنجاز الفرنسي)، وما أشعلته الثورة التونسية في العالم العربي من رغبة في الاقتداء بها. ولأنه واعِ بفخاخ الإمبريقية فقد حذّر من أن التشابه الشكلي لا يُحيل بالضرورة

إلى التشابه في المضمون. فعلى سبيل المثال: في حين انتشرت الثورة الفرنسية في أوروبا جزئيًا بفضل

حروب نابوليون، انتشرت الثورة التونسية كالهشيم في النار في كثير من البلدان العربية بسبب توافر ما  سمّاه في كتاب آخر له القابلية للثورة، التي وإن

توافرت في السياق نفسه في أوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن سياقها العربي كان مخيال الانتماء إلى ثقافة عامة واحدة والاعتقاد في إمكانية إنجاز مستقبل مشترك تحت راية موحدة، أكثر من مطلب الحرية ذاته. والخلاصة التي وصل إليها المؤلِّف هي أن التفكير في "الربيع العربي" بمرجعية المخيال السردي الغربي للثورة قد يجعلنا لا نفهم الثورة التونسية. هل هناك نظرية في الثورة؟ هنا تعود معضلة الإمبريقي. لذلك للإجابة عن هذا السؤال، يَفحص

المؤلِّف عشرات المؤلَّفات التي ناقشت مفهوم الثورة، وحاولت أن تبني لها نموذجًا نظريًا يمكن

أن يحصر مختلف تقاطعات الحالات التجريبية التاريخية في متغيرات بعينها، تسمح للباحث بأن يُصنّف الحالة موضوع المشاهدة على أنها ثورة إذا

ما اجتمعت فيها هذه المتغيرات. لكن النتيجة كانت محبطة لسببين على الأقل:

السبب الأول هو أن الوصف الإمبريقي لحالة ما لا يُنتج نظرية تتمتع بقدرة كشفية عالية. والمثال

النموذجي على ذلك كرين براينتن في محاولته تشخيص العناصر المفصلية للثورة الفرنسية. صحيح أن هناك الكثير من العناصر التي ذكرها براينتن تتكرر في كثير من الحالات، مثل وضعية الإفلاس العام للدولة، وتصدّع النخب الحاكمة وغير ذلك، لكن السياقات المختلفة للثورات لا تجعل هذه العناصر تجتمع بالطريقة نفسها في كل حالة، وتأخذ المعنى نفسه في أذهان المعنيين بها، بل أنها قد لا تتكرر في أي حالة مختلفة، ومع ذلك تحدث الثورة. فالثورة التونسية لم تنطلق على خلفية أزمة مالية حادة للدولة عجزت خلالها عن مواصلة القيام بوظائفها الأساسية، بل يمكن حتى القول إن النخبة الحاكمة لم تتصدع بل بقيت محايدة وربما كانت عاجزة عن استخدام أجهزة الدولة إلى جانبها. يتعلّق السّبب الثاني بعدم تركيز المفهوم على المبدأ

الأساس الذي تقوم عليه جميع الثورات في كل زمان ومكان؛ وهو طابعها الإصلاحي، مهما كانت مجريات تحققها؛ سواء كانت سياسة تأتي من فوق تقودها قوى معنية بتغيير البنى والقيم، أو جاءت من تحت بدفع من المحرومين الباحثين عن العدل، وسواء كانت سلمية هادئة وطويلة النفس، أم عنيفة سريعة تعكس انسداد أفق التفاوض والتوافق السياسي. ومن هذا المنظور يستدعي المؤلِّف فكرة ألكسيس دي توكفيل الذي كان يزعم، بصفته محافظًا، بأن الثورة العنيفة لسنة 1789 لم تكن ضرورية قياسًا على ما أنجزته لاحقًا؛ لأن

(4) Crane Brinton, The Anatomy of Revolution (New York: Vintage, 1965). (5) Alexis de Tocqueville, The Ancient Regime and the Revolution , Jon Elster (ed.), Arthur Goldhammer (trans.) (Cambridge/ New York: Cambridge University Press,

أهم التحولات التي نسبتها إلى نفسها كانت بصدد التشكل والتأسيس قبل الثورة عن طريق الإصلاحات السياسية الجارية آنذاك. ويجادل بشارة العديد من المؤلِّفين المشهورين في موضوع مفهوم الثورة؛ سكوكبول، تلي، بورك، بارنغتون مور، غولدستون، وكثيرًا غيرهم (ص 14–7). بل يذهب في نقده

لنظريات الثورة حدّ التشكيك في وظيفية مقترح حنا أرندت، رغم الاتفاق معها من ناحية المبدأ، التي تحصر الشرط الأساس، لاعتبار أحداث سياسية ما بأنها تُمثّل ثورة "حقيقية"، في مقولة الحرية. ذلك أن أرندت اعتمادًا على هذه المقولة ترى أن أميركا أنجزت ثورة عظيمة؛ لأن موضوعها كان الحرية في شتى معانيها، ناسية أن هذه الثورة أعدمت حرية السكان الأصلانيين في القارة بأن مارست عليهم سياسة إبادة جماعية!(ص. 13) ما الثورة إذًا؟ يحاول المؤلف بحذر تقديم تعريف، يمكن اعتباره إجرائيًا أكثر من أن يكون نظريًا،

يساعد في رأيه على تمييز الثورة من الاحتجاجات المحدودة في الزمان والمطالب، ومن الحركات الإصلاحية السياسية الفوقية التي لا  تستهدف تغيير النظام، ومن الانقلابات العسكرية (مع بعض التحفظ عن التجارب الناجحة مثل ما حدث في البرتغال). وبذلك تكون الثورة من منظور المؤلف حركة شعبية واسعة، تنشأ خارج الحدود الدستورية المعتمدة أو الشرعية السّارية بهدف تغيير النظام

المتحكم في الدولة، حتى وإن لم تقدها كتلة سياسية مُوحَّدة (ص  XIV). لكنه يُضيف أيضًا،

بتفاعل مع تيموتي آش، أن بين الثورات والإصلاح علاقة وطيدة، فالإصلاحات الحقيقية تولد بالتراكم، والثورة لا تنجز ذاتها إلا بوسيلة الإصلاحات.

2. في الحالة التونسية

بمجرد الاشتغال على حالة بعينها تستعيد مشاكل الإمبريقي كل وهجها، ومنها ديناميكية تطور

الأحداث وتعرجات مسارها، وصعوبات بناء الجديد وما ينتجه عن ذلك أحيانًا من ارتدادات ضدّ

الوعي بالثورة ذاتها وبأهدافها، وكل ذلك يربك كيفية الاشتغال بالمفاهيم المستخدمة. هل يمكن اعتبار جرى في تونس ثورة؟ هنا يلاحظ المؤلف – قد  ما القاسم الشابي – بأن  يكون بوحي من قصيدة أبي الثورة تحدث عندما يتوقف الناس عن النظر إلى واقع الظُّلم الذي يعيشونه على أنه "طبيعي" فيأخذوا على عاتقهم التخلص من وهم القدرية (ص. 2). وبالفعل كان نشيد الثورة التونسية "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر". وبطبيعة الحال ليس هذا الشرط كافيًا لتنطلق شرارة الثورة

بحظوظ وافرة للاستمرار حتى بلوغ الهدف وهو "إسقاط النظام"؛ إذ أن هناك شروطًا بنيوية أخرى لا بدّ من توافرها، من أهمها تشكُّل قطبين متعارضين

تمامًا بشأن التغيير المطلوب، من دون أن يكون

هناك وسيط مؤسساتي للتقريب بينهما فيما اختلفا فيه، وعندها يمكن الوصول إلى نقطة اللاّعودة وتصبح الثورة السياسية الراديكالية هي البديل. وهنا ينتقد المؤلّف بأسلوب لاذع المثقفين العرب الذين بقوا أوفياء لنظريات قرؤوا عنها في الكتب بدلً من أن ينظروا إلى ما كان يجري تحت أبصارهم، فجزء كبير منهم لم يعتبر ما كان يجري في بلدان "الربيع العربي" ثورة ولم يشارك فيها (ص. 4) هل تشبه الثورة التونسية الثورات التاريخية الكبرى المعروفة؟ الجواب: ليس ذلك ضروريًا كي يمكن

اعتبارها ثورة، فحتى إن كانت بعض العناصر متشابهة، فهناك اختلافات في تراكب مكوناتها ومساراتها ودينامياتها بحسب السياق التاريخي وكذلك الوطني والإقليمي والعالمي في كلّ زمن. وبهذه المناسبة، يوجّه المؤلِّف نقدًا إلى من يعتقد،

انطلاقًا من تجربة ساحة التحرير بمصر، أن الثورات الجديدة تنشأ وتتطور من دون حاجة إلى قادة سياسيين، وأن الشعب هنا قد تحرر من هيمنة

التنظيمات على توجهاته (ص. 18). وعند بلوغ هذا المستوى من التحليل يدخل بشارة في تفاصيل الثورة وأحداثها، مُقيمًا مقارنات بينها وبين الثورة المصرية،

خاصة   فيما يتعلق بتاريخ التحديث الاجتماعي الثقافي في البلدين، وخصائص المجتمع المدني والنخب الفكرية والسياسية، وأصول الدولة الحديثة وعلاقتها بالجيش، وأخيرًا بالموقع الاستراتيجي

لكلا البلدين وثقله بالنسبة إلى علاقة القوى الدولية بالمنطقة. بطبيعة الحال، كما يُقرّ المؤلِّف، لا يمكن دراسة

الثورة التونسية والمصرية وفهمهما خارج بردايم الانتقال الديمقراطي، الذي تفترض مقولته الأساسية   أن مآل مثل هذه التحولات الكبرى هو بناء الديمقراطية. لكن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون مجرّد أيديولوجيا، فالأصل فيها هو أنها

بديل من الاستبداد وليست أداة لإعادة إحياء أسسه. ولذلك يلاحظ بشارة أن هناك غموضًا يحوم حول مفهوم الديمقراطية بصفتها نظامًا سياسيًا عند

القوى العلمانية والقوى الدينية التي تصدرت أحداث "الربيع العربي". فالعلمانيون يتكلمون عن دولة مدنية يفهمونها ضد القوى الدينية، في حين تستخدم القوى الدينية مفهوم الدولة المدنية ضد نموذج الدولة العسكرية، بينما الأصل هو بناء نظام ديمقراطي يقبل به الجميع ويحددون مواقفهم بعضهم من بعض بناءً على المبدأ الديمقراطي الذي

لا يمكنه أن يكون إقصائيًا، وقد اعتمد بوصفه ضد

الاستبداد والاقصاء.

ثالثًا: في المعرفة غير المحايدة

ليس الهدف من هذا التقديم عرض كل أفكار المؤلّف في تفاصيلها وفي تعرجات مسارها التفكّري الخصب، بل هو تحفيزٌ على قراءة

الكتاب ومناقشته على نحوٍ جدي يناسب الجدية التي تعامل بها المؤلف مع الظاهرة ومع أدبيات

حقلها المعرفي العالمي. وفي الحقيقة أتى بشارة، بناءً   على ما نشره سابقًا بشأن الثورة التونسية

وقضايا عربية أخرى، على تفاصيل كثيرة من هذه الثورة، وبيّن ما هو محلي وما هو كوني فيها، ونبّه

إلى الصعوبات المنهجية في التعامل مع هذين المستويين من المشاهدة في مثل هذا النوع من الدراسات. لكن بحثه ينتهي، في رأيي، بشيء من الإحباط أو التشاؤم، فيما يتعلق بالمرحلة التي تمر بها الآن الثورة التونسية، متوجّسًا خيفة من طابع

الشعبوية الذي بدأ يطغى عليها في المُدّة الأخيرة

بما يهدد مسارها الديمقراطي. في الواقع أنهى المؤلِّف كتابه قبل أن يتّخذ رئيس

الدولة التونسية ما يعرف بإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021، التي جمّد بموجبها عمل البرلمان وحلّ

الحكومة ليصبح الوحيد الذي يجمع بين يديه جميع السلطات، معلنًا أن ما قام به كان باسم الإرادة

الشعبية. لكنّ تحليل بشارة أفضى به إلى تَوجّس

من المستقبل ينبع مما رأى فيه عودة للاستقطاب الأيديولوجي الحاد بين الحداثيين والتيار الاسلامي السياسي بمختلف روافده، في سياقٍ تميّز بضعف

أداء الأحزاب وبهشاشة النخب السياسية المؤمنة فكرًا وممارسة بالديمقراطية. وفي نظره لا يمكن

الانتقال الديمقراطي أن يَرسُخ في  الأذهان

والمؤسسات ما دام أن نتائج صندوق الاقتراع لم تُحتَرم، بوصفها ممارسة عملية ل "قانون اللعبة"

الجديد الذي تم الاتفاق عليه بوسيلة الدستور. ومن ثم يتخوّف المؤلِّف، اعتمادًا على تجارب تاريخية

كثيرة، من انقلاب على الديمقراطية أو من سقوط الثورة التونسية في الشعبوية السياسية، وهو مسار يمكن أن يؤدي، في رأيه، إلى عودة نظام الاستبداد السياسي الذي جاءت الثورة لتضع حد ا له؛ إذ

(((قبيل نشر الكتاب طلب المؤلف –كما يذكر ذلك– من دار النشر أن يضيف بعض الصفحات في آخر الكتاب خصصها لهذه المسألة.

أن في نقض نتائج الانتخابات نقضًا لمسار الانتقال الديمقراطي برمته. من الناحية المنطقية، أي عند الالتزام بالمنطق الشّكلي لشروط ممارسة الديمقراطية، نتفق تمامًا مع بشارة فيما يذهب إليه. غير أن مضمون الثورة التونسية الثقافي ومساراتها، والمعلومات بشأنها، وعلاقة القوى الاجتماعية المتصارعة بشأن مخرجاتها تضفي تعقيدًا كبيرًا على الظاهرة،

ما يستوجب حذرًا أكبر بشأن الموقف من تطوراتها. وإذا ما كان هناك نقدٌ للكتاب فإنه سيكون في مجال مكانة الثقافي في دراسته. ففي الحالة التونسية هناك خاصية سوسيولوجية اجتماعية تشكّلت عبر التاريخ الحديث للبلاد بفعل عمليات التحديث قُبيل وخلال وبعد الاستعمار، مفادها أن النّخب القيادية التونسية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال حتى عام 2011، وأقسام أخرى واسعة من المجتمع، تنتمي كلّها إلى عصر "نزع السحر عن العالم"، ليس كأيديولوجيا تحديثية فحسب بل كتمثّل للعالم. فعلى سبيل المثال، خلال السبعين سنة الأخيرة، فقد علماء الدين شرعيتهم في إبداء رأيهم، انطلاقًا من العقيدة، بشأن مسائل تهم سير الحياة السياسية والمدنية العامة. ولم يعُد جامع الزيتونة مرجعية في أي من هذه الأمور (إلا ما تعلق بقضايا تمس شأن الانسان بوصفه من خلق الله مثل زرع الأعضاء والإجهاض وغيره)، خلافًا لحالة الأزهر أو المراجع الشيعية في العراق. بل أنه انتهى مؤسسةً تعليمية فقهية تقليدية مستقلة، وفقد كلّ موارده المالية بفعل حلّ ومنع الأوقاف في كامل البلاد، وتحوّل إلى مؤسسة أكاديمية يُدرَّس

فيها طالب الفقه والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس. وبذلك لم يعد هناك علماء دين بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، ولم تعد أوسع شرائح المجتمع التونسي تنتظر منهم أن يُدلوا برأيهم في

قضايا عامة. لا يعني ذلك أن التونسيين توقفوا عن ممارسة عقيدتهم وأداء شعائرهم الدينية، أو أنهم لا يلجؤون في قضايا حميمية إلى الزوايا الطرقية والمشعوذين، أو إلى المفتي، فُرادى، لأخذ رأيه في قضايا دينية خاصّة، إنما يعني ذلك أن أقسامًا واسعة

منهم لم تعُد تَرى للعلوم الدينية فائدة في إدارة الشأن العام أو أن تكون مرجعية في ذلك. ما علاقة هذه الخاصية بالتحول الديمقراطي؟ هنا تكمن المشكلة، وهي في الحقيقة ليست خاصة بتونس. ذلك أنه في حين تخلّت التيارات اليسارية في تونس عن نموذج المجتمع الاشتراكي – بالمعنى الكلاسيكي للمفهوم – المؤدي للمجتمع الشيوعي، وفكّكت الثورة العلاقة التي كان يُقِيمها

الاستبداد بين ممارسة المؤمنين لعقيدتهم وتهديد نظام الحكم السائد، بما ترتّب على ذلك من فصل بين حرية الضمير والسياسة، جاء التيار السياسي الإسلامي بمجمله بمشروع إعادة "أسلمة المجتمع والدولة" شرطًا لاسترجاع الهوية الحضارية والتحرر من الهيمنة الثقافية، وهو أمر مختلف تمامًا عن فكرة

هابرماس التي حاولوا الاستناد إليها بشأن حضور الدين في مجال الحياة المدنية. وهذا المشروع ليس خاص ا بالتيارات الدينية المتشددة فحسب، بل

أيضًا بحزب النهضة الإسلامي الذي لم يستطع في

(((عندما استدعى الحبيب بورقيبة سنة 1956 فقهاء جامع الزيتونة "المتنورين" لإبداء آرائهم في مشروع "مجلة الأحوال الشخصية"، كانت وضعيتهم استشارية ولم يكونوا يُمثلون

مؤسسة مستقلة يمكن أن تفرض رأيًا دينيًا محددًا. أما بعد الثورة

فقد حاول أساتذة من كلية الشريعة الانتصاب كهيئة علوم شرعية تفتي في قضايا سياسية عامة، ومنها محاولة الإفتاء بعدم التصويت لصالح كل مترشح يدعو إلى المساواة بين النساء والرجال في الميراث. لكنها لم تجد في ذلك الوقت أي أساس مؤسساتي تقف عليه، وجوبهت بالسخرية من أوساط كثيرة من الناشطين الحداثيين في المجتمع المدني. ينظر: "'التصويت لهم حرام'.. مشايخ بتونس يصعّ دون ضد داعمي المساواة

بالميراث"، الجزيرة نت، 2018/12/19، شوهد في 2022/4/5، في: https://bit.ly/3LDBCQ0 (ينظر الدقيقة الثلاثين)

مؤتمره العاشر سنة 2016 تجاوز هذه العُقدة. ماذا

كانت تَبِعات ذلك على مسار التحول الديمقراطي؟ أصبح فوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية في تونس يُهدد، بالنسبة إلى شرائح واسعة من

التونسيين، باستعادة العالم لرداء الفكر الغيبي، وما يُمكن أن يترتب عليه من عودة لرموز هذا العالم

و"علومه الشرعية" (التي يشكك العلمانيون في

أُسسها) ومؤسساته، للعمل في المجال العام بمنطق العقيدة التي تسعى لتحويل المجتمع إلى مرآة لها. وهذا لا يزال يعني بالنسبة إليهم العودة من باب آخر للاستبداد، وهذه المرة ليس باسم العلمانية بل باسم الدين، خاصة بعد أن بدأت بعض قواعد الإسلاميين وأحلافهم من الأحزاب المتطرفة، تدعو إلى تطبيق الشرع في مجالات مثل صوم رمضان وعرض أشرطة سينمائية أو إقامة معارض فنون تشكيلية، كانت تراها غير مناسبة من منظورها الديني، وطالب حزب النهضة في موازاة لذلك بإعادة تأسيس الأوقاف من منظور ديني. وقد زاد من تخوّف أقسام

واسعة من الناشطين في المجتمع المدني (النقابات والجمعيات والأحزاب العلمانية) الخطاب المزدوج لقيادات التيارات الإسلامية بمختلف أطيافها، التي

كانت تعِد قواعدها، التي جنّدتها على أساس هوية

إيمانية وليس مواطنية، بأن مرحلة التمكين السياسي سابقة لمرحلة استرجاع الهوية الدينية للدولة والمجتمع،   ما جعل حالة الانتقال الديمقراطي في أذهان هذه القواعد مُجرّد وسيلة تقنية لبلوغ

الهدف المنشود، حتى وإن اضطر القادة إلى التنازل السياسي في عدة مرات، تحت ضغط الشارع، عن فكرة التشبث باستحقاقات ما أفرزه صندوق الاقتراع.

(((ينظر بحثنا:

Mouldi Lahmar, "Islamists and Politics in Tunisia Today: Is the Foundation of a Democratic Islamic Party Possible?" in: Eid Mohamed & Dalia Fahmy (eds.), Arab Spring: Modernity, Identity and Change (Cham: Palgrave Macmillan, 2020), pp. 39–53.

إن الدستور التونسي الحالي لا يعكس تطورًا في

تفكير الإسلاميين بشأن هذه القضية الشائكة، التي هي كما نعرف في قلب إشكالية علاقة الثورة بالحرية عند حنا أرندت، بل كان يعكس موازين القوى في فترة حرجة من المسار المتعرج والمتعثر للثورة التونسية. وفي رأيي لن ينجح التونسيون في الإرساء النهائي للديمقراطية في بلادهم إذا لم تُحل قضية فصل الدين عن السياسة (وليس إقصاء الدين من الحياة العامة)، ويُمكن أن نفهم التَصدّع

الداخلي الذي يعرفه اليوم حزب النهضة على أنه – وهو  نابعٌ من مشكلة غياب الديمقراطية داخله

بذلك لا يختلف عن الأحزاب الأخرى التي تعاني المشكلة نفسها – ومن تعامله الأداتي مع العقيدة، ما جعله يتعثّر في الفصل بين مفهومي مجتمع المواطنين ومجتمع المؤمنين، ويتناقض في سلوكه السياسي بل يتعثر أكثر في تحالفاته المخالفة أخلاقيًا

لمرجعياته الدينية.

المراجع

العربية

الأحمر، مولدي [وآخرون]. الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014. بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خال يومياتها. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012

الأجنبية

De Tocqueville, Alexis. The Ancient Regime and the Revolution. Jon Elster (ed.). Arthur Goldhammer (trans.). Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2011. Mohamed, Eid & Dalia Fahmy (eds.). Arab Spring: Modernity, Identity and Change.

خاتمة: كتاب لا يريد أن ينتهي

لم يؤلف بشارة كتابه ليجيب عن كل أسئلة الثورة التونسية المطروحة والتي تنتظر أن تُطرح، وهو يُدرك تمامًا أن الثورة مسار طويل من الإصلاحات

والصراعات والتحولات. والقارئ لكتابه يشعر أن المؤلف يكاد لا يقدر على إنهاء كتابه بسبب زخم القضايا التي يُثيرها، وبسبب رغبته في محاولة

تثبيت معالم نظرية ومنهجية للحقل المعرفي الذي ينبغي أن يجري تأصيلها فيه. فقد وضع المؤلف لكتابه مقدمة وتمهيدًا وخلاصةً وتذييلً في مقام

خاتمةٍ، وتذييلً بعد التذييل في محاولة للحاق بتطوّر الأحداث. ومع ذلك ظلّت العديد من القضايا

تُؤرقه وتحتاج إلى مزيد النظر والتحقيق كما يقول ابن خلدون، ومن هذا المنظور يقدُّم الكتاب للقارئ

مفاتيح نقدية غاية في الأهمية للتفكير في ظاهرة الربيع العربي، وهو يُمثّل في رأيي لبنة مهمة جد ا

في التأسيس لجماعة علمية عربية تُفكّر بتفاعل أفقي وعمودي في ما يجري في مجتمعاتها وفيها.

References

Brinton, Crane. The Anatomy of Revolution. New York: Vintage, 1965.

Cham: Palgrave Macmillan, 2020.