Return to Article Details Migration and the Impact of Migrant Remittances on the Urban Space: What Development Dynamic?

الهجرة والفعل التنموي للتحويلات المالية في المجال الحضري في تونس: أي دينامية للتنمية؟

Migration and the Impact of Migrant Remittances on the Urban Space: What Development Dynamic?

شهاب اليحياوي| Chiheb Yahyaoui *

الملخّص

مثّلت ظاهرة الهجرة تاريخيًّا إحدى الرافعات التي بَنت عليها الدول استراتيجياتها التنموية وسياساتها النقدية والمالية. وفي هذا الإطار البحثي، تتقفى الدراسة الأثر التنموي للتحويلات المالية والرساميل الاجتماعية التي يأتي بها المهاجرون العائدون معهم إلى مجتمع المنشأ في المجالات الحضرية، مفترضين أنّ للهجرة دينامية تنموية وحضرية تجعل من المهاجرين فواعل تنموية في مجتمعاتهم المحليّة. ومن أجل ذلك، تتبّع الدراسة القطاعات والمجالات الأشدّ امتصاصًا لعوائد المهاجرين المالية، بتفكيك الخلفية السوسيولوجية لفعلهم التنموي، وهو فعلٌ ارتبط بمعايير وسياقات اجتماعية مختلفة، كان لها أثرٌ بيّنٌ في الفاعلية التنموية لسلوكهم الاستثماري.

Abstract

Abstract: Migration has historically served as a historical lever upon which countries construct their development strategies and monetary and financial policies. This research traces the development impact of remittances and social capital taken back by migrants to their home communities in urban areas. The research is built on the assumption that migration has a developmental and urban dynamic that sees migrants work as development agents in their local communities. For this reason, the sectors and areas that absorb the migrants’ financial returns the most have been sketched by dismantling the sociological background their action. This action has been associated with diverse social criteria and contexts, which has had a clear impact on the developmental effectiveness of their investment behaviour.

الكلمات المفتاحية:
  • الهجرة الدولية
  • دينامية تنمية
  • المجال الحضري
  • الفعل التنموي
  • الفاعلية التنموية
Keywords:
  • International Migration
  • Developmental Effectiveness
  • Development Dynamism
  • Urban Sphere
  • Developmental Act

ملخص: مثّلت ظاهرة الهجرة تاريخيًّا إحدى الرافعات التي بَنت عليها الدول استراتيجياتها

التنموية وسياساتها النقدية والمالية. وفي هذا الإطار البحثي، تتقفى الدراسة الأثر التنموي

للتحويلات المالية والرساميل الاجتماعية التي يأتي بها المهاجرون العائدون معهم إلى

مجتمع المنشأ في المجالات الحضرية، مفترضين أنّ للهجرة دينامية تنموية وحضرية

تجعل من المهاجرين فواعل تنموية في مجتمعاتهم المحليّة. ومن أجل ذلك، تتبّع

الدراسة القطاعات والمجالات الأشدّ امتصاصًا لعوائد المهاجرين المالية، بتفكيك الخلفية

السوسيولوجية لفعلهم التنموي، وهو فعلٌ ارتبط بمعايير وسياقات اجتماعية مختلفة، كان

لها أثرٌ بيّنٌ في الفاعلية التنموية لسلوكهم الاستثماري.

Abstract: Migration has historically served as a historical lever upon which countries construct their development strategies and monetary and financial policies. This research traces the development impact of remittances and social capital taken back by migrants to their home communities in urban areas. The research is built on the assumption that migration has a developmental and urban dynamic that sees migrants work as development agents in their local communities. For this reason, the sectors and areas that absorb the migrants’ financial returns the most have been sketched by dismantling the sociological background their action. This action has been associated with diverse social criteria and contexts, which has had a clear impact on the developmental effectiveness of their investment behaviour.

Professor of Sociology at the Higher Institute of Humanities and Social Sciences, University of Tunis El Manar. Email: yahyaouichiheb08@gmail.com

تقديم

تؤسّس الحقائق الجديدة لديناميات الهجرة الفردية والجماعية لمقاربة جديدة بشأن العلاقة

المركّبة بين التنمية في بعدها المحلّي، وظاهرة الهجرة الدولية في وجوهها النظامية أو غير النظامية (غير الشرعية)، تتجاوز الصورة النمطية لمهاجر الستينيات أو السبعينيات الذي هدفت هجرته إلى تحسين ظروف عيشه وتجاوز الفقر. إنّ هجرة الفرد من العائلة لم تعد استراتيجية لتحسين الوضعية الاقتصادية الاجتماعية بالنسبة إلى العائلة ضمن مجتمعها الأصلي (هجرة وقتية) فحسب، بل تحولت كذلك إلى استثمار في نجاح فردي يؤسّس لهجرة أوسع أو انتقال نهائي للعائلة نحو مجتمع الاستقبال

(هجرة دائمة). إنّنا أمام تطوّر هيكلي يكشف عن ارتحال الديناميات الفردية إلى ديناميات جماعية، خلق شروطًا

ومبرّرات جديدة لتثبيت مسلك الهجرة، وتقليل فرص العودة التي تزداد صعوبة مع تنامي عجز

اقتصاديات مجتمعات المنشأ ومقاربات التنمية المعتمدة ضمن مجتمعاتها المحليّة (الساكنة

الحضرية). فظاهرة الهجرة، بوصفها بمنزلة " حراك جغرافي وسوسيولوجي تحرّكه دوافع وأسباب،

وينخرط في ثنائية الجذب والطرد التي تناولتها أدبيات علم اجتماع الهجرة والنظريات الكلاسيكية المفسرة للظاهرة "، تتّخذ أشكالً متنوعة جدًّا، وتمسّ مستويات رسمية وغير رسمية من الحياة

الاقتصادية وسوق الشغل والمجال في أبعاده العمرانية والتغيرات على مستوى أشكال المعمار في المجتمعات المحلية وجماليته. غير أنّ هذه التحولات والتغيّرات في استراتيجيات الهجرة الفردية والجماعية وفي بنيتها، لا تنفي

ما للهجرة الدولية بتفرّعاتها وتنوّعاتها من أثر يزداد ثقلً على الصعيد الماكرو – اقتصادي لبلاد

المنشأ (التحويلات النقدية ودورها في تدعيم ميزانية الدولة وتحسين وضعية الموازين الاقتصادية والمالية... إلخ) كما هو الشأن على الصعيد الميكرو – اقتصادي الذي لا يعني تغيّر أوضاع عائلات

المهاجرين فحسب، بل إنّه يحيلنا أيضًا إلى سيرورات التمدين والتنمية المحلية والنسيج العمراني للمجال الحضري، عبر ما يترتب على التحويلات المالية للمهاجرين، أو عودتهم النهائية، من حركية تنموية وعقارية ومعمارية وعمرانية تمسّ، بكيفيات متخالفة، البناء الاجتماعي للمجتمع

المحلّي وسيرورة التنمية والتمدين ضمنه. فمانويل كاستالز ينظر إلى المدينة على أنّها مجال التدفّقات، وليست ساكنة مادية؛ ما يستوجب، تبعًا لهذا الفهم، اعتبار المهاجرين العائدين إلى

(((عدنا هنا إلى تقارير الهجرة الدولية وإلى تقارير الهجرة غير الشرعية التي يموت فيها الأب والأم والابن الرضيع، وتموت فيها الأم ووليدها تاركة زوجها وأحد أبنائها في بلد المنشأ. ثم إن التقارير الأمنية تكشف باستمرار ظاهرة تأثيث الهجرة غير الشرعية وتطور تركيبة المغامرين برحلات الموت من أجل الهجرة؛ إذ لم تعد هذه القوارب تحمل العاطل عن العمل والهارب من العدالة وضعيف التشغيلية فحسب، بل كثيرًا ما اشتملت تقارير الموتى في هذه الرحلات على عائلات ميسورة الحال، وإطارات متوسطة في الدولة،

وذوي شهادات عليا في تخصصات علمية وتكنولوجية حديثة. (((عائشة التايب، " الفتاة العربية والهجرة إلى الجنات الموعودة: محاولة في الفهم "، عمران، مج  6، العدد 21 (صيف 0172)، ص.8

(3) Manuel Castells, Vers une théorie de la planification urbaine (Paris: Maspero, 1997), p. 25.

مدنهم فواعل تغيُّر وتنمية للمجال الحضري بما يأتون به معهم من رساميل مالية واجتماعية وثقافية،

وتجارب حياتية مختلفة، تتحول إلى نماذج ناجحة ومعزّزة لدينامية الهجرة في الذهنيات، يتراجع معها اعتبارها مخاطرة كابحة لقرار المغامرة. تستشكل هذه الدراسة، سوسيولوجيًّا، أثر الهجرة الخارجية للتونسيين في خلق دينامية اقتصادية،

وتحولات في النسيج العمراني والمعماري في المجال الحضري، وما تُحدِ ثه، تبعًا لذلك، من تبدّل في تمثلّات الهجرة والمواقف منها. ولا يتّجه البحث في إجابته عن إشكاليته الرئيسة هذه إلى تكرار الأطروحات الماكروتنموية التي تقارب علاقة الهجرة بمسألة التنمية والتغيّر، من خلال تأثير

التحويلات المالية الرسمية في رصيد العملة الصعبة للبلد وقيمة الدينار التونسي، أو في الادخار الوطني وتمويل المشاريع التنموية الكبرى للدولة، وأهمية التدفّقات المالية للتونسيين بالخارج، في تحسين وضعية التوازنات المالية للدولة، وتقليص العجز العام، بل يتّجه إلى استشكال هذه العلاقة في حضور المُعطى الميكروسوسيولوجي؛ أي الظواهر الجزئية المتّصلة بالمهاجرين

بوصفهم فاعلين، وبما يتّخذونه من قرارات استثمارية لعوائدهم المالية، والكيفيات التي يوظّفون بها الرساميل التي راكموها خلال تجربة الهجرة أو بعدها؛ وليس ذلك في تغيير وضعياتهم الاجتماعية ووضعيات عائلاتهم فحسب، بل في خلق ديناميات تنموية أيضًا. وفي هذا الصدد، تستشكل هذه الدراسة مدى فاعلية الهجرة في إحداث تغيّرات اقتصادية واجتماعية ما في المجال الحضري، عبر

تقفّي بنية الفعل الاستثماري للتحويلات النقدية للمهاجرين التونسيين، والمجالات التي تكون أكثر استقطابًا لاستثمار هذه العوائد المالية وأثرها التنموي. وتوظّف الدراسة أهمّ الأدبيات والدراسات النوعية والتقارير الكمية الرسمية المهتمة بظاهرة الهجرة

في تونس، وتستند في ذلك إلى عملٍ ميدانيّ أجراه الباحث في " حي ابن خلدون "، في " العمران

الأعلى " بتونس العاصمة، تضمّن مقابلات مع عشر حالات، توزعت بين من خاضوا تجربة الهجرة

واستقروا نهائيًّا في مجالهم الحضري، ومن ظلّوا مستقرّين في المهجر ومواظبين على زيارة مجالهم

السكني ومتابعة مشاريعهم التجارية أو العقارية أو ترتيباتهم العائلية. واستنادًا إلى استشكال الفاعلية التنموية للتحويلات المالية الخاصة بالتونسيين، تجادل الدراسة بأنّه على الرغم من أنّ العوائد

(4) Samir Bouzidi, "Mobilisation de la diaspora: Bonnes pratiques à l’international et éléments de transposabilité en Tunisie," LEMMA Projet de soutien au partenariat pour la mobilité UE Tunisie (Tunisie, 2018), pp. 8–11. (5) Philippe Wanner, "L’apport des migrants au développement: Une perspective économique," Annuaire suisse de politique de développement , no. 27–2, 2008, mis en ligne le 22 mars 2010, p. 125, accessed on 27/9/2020, at: https://doi.org/10.4000/aspd.193

(((" حي ابن خلدون " – العمران الأعلى، هو أحد أحياء العاصمة تونس، ويبلغ عدد سكانه بحسب آخر تعداد سكني (2014)،

55135 ساكنًا، س 80844 منهم فوق الخامسة عشرة، و 65.3 في المئة منهم مستواهم التعليمي بين الابتدائي والثانوي، أما نسبة ن

البطالة في العمران الأعلى فتصل إلى 16.17 في المئة. يشتغل أكثر من ثلث المشتغلين في قطاعات التربية والصحة والخدمات الإدارية، ثم في التجارة. نجد أن 61.64 في المئة منهم يملكون المنازل التي يسكنونها، 81.03 في المئة منها مساكن متلاصقة أو

طابق مسكن متلاصق، وأنّ أكثر من نصفهم لم يقوموا ببنائها، بل اشتروها. ينظر: الجمهورية التونسية، المعهد الوطني للإحصاء،

" التعداد العام للسكان والسكنى 014 2 "، إحصائيات تونس، شوهد في 022/6/19:2، في https://bit.ly/3tKI1T5

المالية لهجرة التونسيين، تمثِّل محرّكًا تنمويًّا ودينامية تغيّر لمجتمع المنشأ المحلّي بالنسبة إلى

المهاجر التونسي، فإنّ هذه الدينامية تمسّ أساسًا النسيج العمراني والمعماري للمجال الحضري

في مجتمعاتهم المحليّة. تنقسم الدراسة إلى قسمين؛ إذ يتناول القسم الأول بنية الهجرة وتحول دينامياتها من الفردي إلى الجماعوي، تستعرض فيه تاريخية ظاهرة الهجرة في تونس منذ دولة الاستقلال، عبر ثلاثة أجيال من المهاجرين بحسب تصنيف عبد المالك صياد، وانتقالها من طابعها الفردي إلى طابعها الجماعي المشاريعي. أمّا القسم الثاني، فيختبر، بناءً على نتائج العمل الميداني، مدى صحة التوجه البحثي

الذي يعتبر الهجرة دينامية تنموية تساهم في تغيير المجتمعات المحلية في بعدها العمراني والمعماري أساسًا، ليستنتج أنّ البعد الاستثماري لتوظيف هذه العوائد يحيلنا أساسًا إلى ما يسمى " اقتصاد القرب "

. Economie de Proximité

أولا: بنية الهجرة وتحول دينامياتها: من الفردي إلى الجماعوي

1. في تاريخية ظاهرة هجرة التونسيين

تعود ظاهرة الهجرة الدولية في تونس إلى فترة الحماية الفرنسية، وخصوصًا منذ الحرب العالمية الثانية،

وإن كان ذلك على نحو محدود ومحتشم. ولم تتوسّع تدفقات الهجرة توسّعًا لافتًا للانتباه إلّ في

بداية ستينيات القرن الماضي، رغم اتجاه الدولة الوطنية الفتية إلى التضييق على الهجرة حفاظًا على رأسمالها البشري الذي ما زال في طور التكوين بعد الاستقلال بسنوات قليلة، وخاصة مع تبنّي الدولة نموذجًا تنمويًّا تعاضديًّا. وقد مثّلت فرنسا المقصد الأهم، ومثّلت ألمانيا وبلجيكا البلدان الأوروبية

الأشدّ إغراءً وجذبًا لليد العاملة غير الماهرة أو المدرّبة الباحثة عن الشغل، في ظلّ عجز الدولة التونسية

واقتصادها عن استيعاب الطلبات المتزايدة للشغل. مثّلت فترة السبعينيات من القرن الماضي تحولً مهمًّا في ظاهرة الهجرة في تونس؛ إذ خفتت رقابة

الدولة على الهجرة مع فشل تجربة التعاضد وتبنّي الدولة التونسية تجربة ليبرالية الدولة. وقد خلق هذا التحول في النموذج التنموي تغيّرًا عميقًا في سياسة الدولة تجاه هجرة التونسيين إلى الخارج،

وتبدّلً نوعيًّا في رؤيتها لدينامية الهجرة التنموية. فتحولت الدولة من مانع وحارس باسم حماية

الرأسمال البشري الوطني الشحيح، إبّان السنوات الأولى للاستقلال وبناء الدولة الوطنية، إلى فاعل

(7) Abdelmalek Sayad, La Double Absence: des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré (Paris: Éditions du Seuil, 1999), p. 18. (8) Khalifa Chater, "Les mouvements migratoires entre la France et la Tunisie aux XIXe et XXe siècles, la dichotomie du langage," Cahiers de la Méditerranée, Mots et migrations , no. 54 (1997), pp. 37–54. (9) Hassène Kassar, "Changements sociaux et émigration clandestine en Tunisie," XV Congrès de l’UIESP, Juillet, 2005, Tours, France.

1(((عبد اللطيف الهرماسي، الدولة والتنمية في المغرب العربي: تونس أنموذجًا (تونس: سراس للنشر، 9931)، ص.50–35

منظّم ومهيكل لسيرورة هجرة التونسيين. وأفضى هذا التحول النوعي لدور الدولة وموقفها إلى تضاعف عدد المهاجرين إلى فرنسا ثلاث مرّات مقارنة بفترة الستينيات (من 79521 إلى 927414

سنة 973 1). فلم تعد الهجرة بالنسبة إلى الدولة التونسية، وبالنسبة إلى الدول المغاربية عمومًا،

معضلة اقتصادية واجتماعية، بقدر ما تحولت عمليًّا إلى عامل مساعد في استراتيجيات حلّ مشكلات

الفقر والبطالة، وبُعد مهمّ في عملية التنمية في مستوياتها المتعدّدة. تبعًا لذلك، اتّجهت الدولة

التونسية – اقتناعًا بالمردودية التنموية التي يمكن اعتمادها بجديّة في وضع سياسات التنمية ‑ إلى

مأسسة الهجرة ورسمنتها عبر بعث هياكل حكومية وتركيزها لتنظيم تدفق الهجرة نحو أوروبا خاصة، وهيكلتها. وجرى على أساس ذلك بعث مكتب التدريب المهني والعمالة OFPE سنة 9671، الذي عمل سنة 9691 بالتنسيق مع المكتب الوطني الفرنسي للهجرة ONI، على تنظيم هجرة اليد العاملة التونسية، وتأهيلها مهنيًّا، ومتابعة العمال المهاجرين في الخارج، وتسهيل عودتهم إنْ قرّروا ذلك. وقد عرف نسق تدفّق الهجرات التونسية نحو أوروبا أزمة حادّة في بداية السبعينيات (974–19731)؛ إذ تراجع ترحيب أوروبا، مع نهاية " الثلاثين المجيدة " Glorieuses Trente 975–1945(1)، بتدفّقات الهجرة نحوها على نحو فتح مسارات جديدة لهجرة العمالة التونسية؛ ذلك أنها اتّجهت أساسًا نحو البلدان العربية النفطية (ليبيا ودول الخليج العربي) التي كانت في حاجة كبيرة إلى اليد

العربية المؤهّلة، وغير المؤهلة، بحسب القطاعات. وقد امتدّت سياسة الدولة التونسية المؤطّرة والمنظّمة للهجرة المدرّبة إلى التسعينيات التي شهد فيها نسق الهجرة اتّساعًا وتحولً مهمًّا في بنية

الهجرة، تجلّى في اتساع حضور الكفاءات في معدلات الهجرة، سواء نحو أوروبا أو أميركا. وتوجّهت هذه الهياكل، أساسًا، نحو تدريب اليد العاملة، وفي الآن نفسه، نحو التسويق لها عبر

الوساطة بينها وبين بلدان الاستقبال الراغبة في اليد العاملة التونسية، وخاصة الدول العربية النفطية. فأنشأت بذلك سنة 9721 الوكالة التونسية للتعاون الفني ATCT التي فتحت للعمالة التونسية من متعدّدي التخصّصات والمستويات منافذ جديدة ومتنوعة للهجرة، بناءً على عقود عمل تجاوزت

ألفَي عقد عمل سنة 0082 مثلً. وقد سعت الوكالة إلى توسيع الأثر التنموي لهجرة التونسيين إلى الخارج والاستفادة العامة من

(((1 جولان تيبو، الدولة التونسية والتونسيون في الخارج: دراسة حول ديناميكيات الجاليات العربية المغتربة: تعزيز المساهمات

الإيجابية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتحولات الديمقراطية في أوطانهم الأصلية (القاهرة: المنظمة الدولية للهجرة؛ جامعة الدول العربية، 0122)، ص.110 (((1 عبد القادر لطرش، " واقع الهجرات المغاربية وتحولاتها "، عمران، مج 1، العدد 3 (شتاء 0132)، ص.128–127 (((1 تيبو، ص.114 (((1 وهو ما يعني ارتباط مسار الهجرة وتطور حجمها وأشكالها بما يحصل من تغيرات وتطورات في مجتمعات الانطلاق، على غرار مجتمعات الاستقبال أو الاستقرار. (((1 اللجنة الاقتصادية لأفريقيا واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا وأفريقيا، دراسة عن تحويات التونسيين المقيمين

بالخارج (شمال أفريقيا: الأمم المتحدة، 0152)، ص.3 (1((تيبو، ص.115

التحويلات النقدية، وخصوصًا في البرامج والمخططات التنموية. وأ نشئ ديوان التونسيين بالخارج

OTE سنة 9881، تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، من أجل وضع البرامج والاستراتيجيات التي من شأنها تذليل العراقيل والصعوبات التي تحول دون الاستفادة القصوى من عوائد الهجرة المادية، وتقديم تشجيعات وتسهيلات متعدّدة لدفع المهاجرين التونسيين إلى تحويل عوائدهم المالية واستثمارها في البلد الأصل أو ادّخارها. تأثّر تدفّق التونسيين نحو الخارج، تاريخيًّا، بتغيّرات المقاربات التنموية التي تتبنّاها الدولة الوطنية،

وأصبحت منذ سبعينيات القرن الماضي أحد الثوابت الرئيسة في سياسة التنمية في تونس، باعتبار المردود الاقتصادي لتحويلات المهاجرين المالية في مجالات تدعيم احتياطي العملة الصعبة، والرفع من الادخار الوطني، وتعديل الموازنات المالية المختلّة، وتنشيط قطاعات اقتصادية على رأسها الفلاحة (ضمن المجالات الريفية)، والخدمات (ضمن المجالات القروية والحضرية). غير أنّ تقدير حجم التحويلات المالية للمهاجرين وقيمتها تظلّ مسألة معقّدة وغير دقيقة، لأنّ الهجرة المنظّمة التي تكون فيها هياكل الدولة وسيطة ومسهّلة لعملية الهجرة لا تكشف إلّ عن الجزء الأقلّ من حجم التدفّقات البشرية من التونسيين نحو الخارج، والتدفّقات المالية نحو بلد المنشأ التي تتّجه في كثير منها إلى الوسائط غير الرسمية للتحويل؛ نظرًا إلى تعقّد تكاليف التحويل

المالي عبر المسالك البنكية والبريدية وارتفاعها. فالهجرة غير النظامية تمثِّل مسلكًا أشدّ جذبًا

وإغراءً للتونسيين، وخاصة بعد الثورة وتراجع قوة الدولة وحضورها على الأصعدة الأمنية والتنموية

والدولية.

2. تحوّل ديناميات الهجرة: من الفردي إلى العائلي

من خلال القراءة المعمّقة للمعطيات الكمية ولمتغيرات البحث التي استندت إليها الدراسات

والإحصاءات التي تقدّمها المنظّمات والهيئات الدولية التابعة للمنتظم الأممي، نكون إزاء تحولات عميقة في ظاهرة الهجرة ترتقي إلى مستوى التغيّر الهيكلي للظاهرة. وتستدعي هذه النتيجة

تحليل الديناميات الجديدة للهجرة وما تحيل إليه من دلالات ورهانات متحولة وجديدة للظاهرة نفسها، لا بد من التنبّه إليها تحليليًّا لفهم واقع الهجرة، وتحولاتها على الصعيدين المحلّي والدولي فهمًا أعمق

وأوسع؛ ذلك أنّ مشروع الهجرة لم يظلّ وفيًّا لبعده الفردي والسرّي الذي يخطّط له الفرد بمعزل عن

العائلة وخفية عنها لعلمه بتخوّفها من تجربة الغربة ومخاطر الانتقال من محيط غير مرضي – لكنّه

آمن – إلى محيط مُغرٍ غير أنّه يخفي مخاطر عالية للفشل قد تصل إلى الموت في نظرها. فحتّى الهجرة

غير الشرعية، أو غير النظامية، تجري بموافقة العائلة وتمويلها للمغامرة، بل إنّ تقارير ضحايا ما يسمّى

1(((الأمم المتحدة، المنظمة الدولية للهجرة، تقرير الهجرة في العالم لعام 2018، شوهد في، في 022/6/20:2

o 0 HEli /3 ly. bit:// https؛ الأمم المتحدة، المنظمة الدولية للهجرة، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، تقرير

الهجرة الدولية لعام 2015: الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية متغيرة، شوهد في 022/6/20:2، في GQHrLc /2 ly. bit:// https؛

الأمم المتحدة، المنظمة الدولية للهجرة، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام

2019: الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية في سياق المنطقة العربية، شوهد في، في:020/7/252

https://bit.ly/3n2T4TE

في تونس " الحَرْقَة " (ركوب البحر في اتجاه أوروبا رغم علم الشخص، علمًا تامًّا، باحتمالية عالية،

أنه قد يموت) تكشف عن تعدّد الضحايا من العائلة نفسها في رحلة الموت نفسها. فكثير من التقارير الأمنية المنقولة صحفيًّا تحدِّثنا عن موت الزوج والزوجة والابن، وعن موت إخوة ذكور وإناث في

رحلة الهجرة غير النظامية نفسها. لم تعد الهجرة، ببعديها النظامي وغير النظامي، مغامرة يقتصر وَقودها على اليأس الذي يسكن الفرد ويمنحه مبرّرات وحججًا قويّة لاتخاذ قرار المخاطرة أحيانًا عبر تجربة " الحَرْقَة " بالمفهوم

التونسي المتداول لتوصيف الهجرة غير الرسمية. وفي هذا الإطار، يقول أحد الشبّان: " وهل أنا في

بلادي حيّ حتى أخاف أن أخسر حياتي، أنا ميت والموت الذي تقصده لا يخيف، لأنه في نهاية

الأمر سينهي محنة حياة مستمرة، إذا كنت أركب الموت فمن أجل اختطاف فرصة حياة ممكنة ومحتملة ". أصبحت العائلة تُعدّ أكثر أفرادها قدرة وتهيّئهم للاستجابة لشروط القبول والاندماج

في مجتمع الاستقبال، وخصوصًا الأبناء الطلبة المتميزين منهم أو الحاصلين على شهادات تدريبية تحت إشراف مؤسسات تابعة لدولة المقصد أو معترف بها لديها، لخوض تجربة الهجرة النظامية، وحتى غير النظامية؛ من أجل أداء دور " الجسر " الذي يمكن أن ينقل العائلة كلّها، أو بعضها، إلى مجال جديد للعمل أو الاستقرار أسريًّا في مجتمعات عربية أو أوروبية. يقول أحد المستجيبين، وهو طالب متخرج حديثًا: " تجربتي لن تقف عند إتمام الماجستير. أعتبر نجاحي في الحصول على هذه المنحة هو بوابتي نحو الإقامة الدائمة بألمانيا. صراحة لا أنوي العودة للاستقرار من جديد في تونس. سأعيش وأبني عالمي المستقبلي في المهجر الذي لن يكون بكل حال من الأحوال أسوأ مما ينتظرني في تونس. ثم أنا أحمل معي هم العائلة فنجاحي يعني فتح الباب أمام أخي للحاق بي لبناء مستقبله هناك. سأبقى أزور البلاد من أجل رؤية عائلتي ومساعدتها وتحسين ظروفها المعيشية وظروف سكنها الذي تراه بنفسك لا ينبئ إلا بالفقر الذي يحاصر حاضرنا ولا أظن واقع الحال في بلدنا ينبئ بخير ". إنّنا أمام قرار غير اعتباطي يحيلنا إلى عقلانية الفعل، بمعناه الفيبري وغائيته؛ إذ لم يعُد الأمر متعلقًا بمسارات فردية تقترن بمشاريع فردانية، بل أصبح دينامية جماعية؛ لا بمعنى التجمّع العائلي فيما يسمّيه عبد المالك صياد " العمر الثالث للهجرة "، بل في معنى تأثير العائلة ومشاركتها في اتخاذ قرار هجرة

(1((م. ح.، مقابلة شخصية، حي ابن خلدون – العمران الأعلى، تونس، 020/1/7.2 وهو شاب يبلغ من العمر 03 سنة لا يملك عملً قارًّا، وإنما يعمل مع قريبه في بيع الغلال. (1((ت. ك.، مقابلة شخصية، حي ابن خلدون – العمران الأعلى، 020/1/7.2 وهو طالب عمره 22 سنة حاصل على الإجازة في الإعلامية المطبقة في التصرّف، ويستعد للمغادرة في اتجاه ألمانيا بعد الحصول على منحة دراسية من مؤسسة جامعية ألمانية. 2(((عبد الرحمان المالكي، الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضّر والهجرة في المغرب (فاس: كلية الآداب ظهر المهراز، مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية، 0152)، ص.184–183 (((2 عبد الله بلعباس، " ظاهرة الهجرة عند عبد المالك صياد: من السياق التاريخي إلى النموذج السوسيولوجي "، إنسانيات، العدد 62 (0132)، ص.38–25

أبنائها، وبناء الاستراتيجيات الملائمة لتحقيق النجاح بوصفه غايةً جماعية وليست فردية. وعلى سبيل المثال، بيّن عبد الستّار السحباني هذا الاستنتاج المرتبط بالتحوّل في دينامية الهجرة والحضور

القويّ للجماعة (العائلة والأصدقاء الذين سبقوا إلى الهجرة). وبناءً عليه، نتحدّث عمّا يسمّى " المفاعيل المضاعفة " في قرار الهجرة، واعتبارها تجربة نجاح غير

فردية، بل إنها جماعية. ويحتلّ طلب الشغل الدافع الرئيس بامتياز لاتخاذ قرار الهجرة، ويتصدّر سلّم الدوافع المنتجة للظاهرة وتبدّل نسقها. أمّا المعطى العائلي، فلا تضعف مرتبته الثانية في اتخاذ قرار الهجرة واختيار الوجهة أهميتها، وتأثيرها الذي يتحدّد لدى هاربيسون سراح Harbinson Sarah ببنية العائلة ونوعيتها. فعقلانية قرار الهجرة ليست فردية، بل إنها جماعية باعتبار أنّ حساب الربح والخسارة وتوقّعهما يتجاوز الفرد المهاجر إلى كلّ العائلة التي تستنفر إمكاناتها المادية وتكرّسها

لأحد أفرادها؛ رغبةً في إنجاح مشروع هو في أوّله وآخره مشروع جماعي؛ من جهة اتخاذ قرار الهجرة؛ والمآلات التي يمكن أن تنتهي إليها. قد يكون الانتقال نهائيًّا، وقد يكون استراتيجية جماعية لتغيير وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية

بمدينتها الأصل، غير أنّ المشترك يحيلنا إلى تحوّل الهجرة من فعلٍ فردي (قرار شخصي) إلى جماعوي

(قرار مشترك) يشي، على نحو، واضح بتوسّع الإجماع المتعلق بعدم الأمان الاقتصادي أو السياسي

أو الاجتماعي الذي يتعمّق الإحساس به كلّما تعمّق عجز المجتمع الأصل عن إدماج أفراده في الحياة الاقتصادية، أو توفير مقوّمات الأمان الاجتماعي أو السياسي بسبب تعطّل سيرورة التنمية، أو عدم

قدرة النموذج التنموي على منع تفاقم ظواهر البطالة والفقر وغلاء المعيشة وضعف فرص العمل اللائق أو غيابها. فعديد الدراسات المتعلقة بأسباب هجرة الشباب العربي، انتهت إلى تجاوز الصورة التقليدية التي تقرن بين الهجرة واستدامة البطالة. ثم إنّ المسح الوطني للهجرة الدولية 0212 بيّن

(((2 لا يتأتّى البعد الجماعوي لعقلانية فعل الهجرة من مشاركة العائلة في اتخاذ القرار، بل أيضًا من تقاسم العائلة لقيم وأفكار

وتصورات وتمثلّات وانتظارات محفّزة ومنشّطة لتوافق العائلة على قرار الهجرة. (((2 عبد الستار السحباني، الشباب والهجرة غير النظامية في تونس: دراسة ميدانية للتمثات الاجتماعية والممارسات والانتظارات (تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 0162)، ص –124.125

(24) Étienne Piguet, "Les théories des migrations. Synthèse de la prise de décision individuelle," Revue européenne des migrations internationales , vol. 29, no. 3 (1/9/2016). (25) Jordan Pinel, "Séraphin Gilles, Famille et migration," Revue européenne des migrations internationales , vol. 35, no. 1–2 (1/10/2019).

2(((السحباني؛ مهدي مبروك، أشرعة وملح: ثقافة الهجرة السرية (الشبكات والتنظيم) (تونس: دار سحر للنشر، 0102)؛

عائشة التايب، " الفتاة العربية والهجرة إلى الجنات الموعودة: محاولة في الفهم "، عمران. مج  6، العدد 21 (صيف 0172)؛ الأمم المتحدة، صندوق الأمم المتحدة للسكان، المجلس الدنماركي لللاجئين (آلية رصد الهجرة المختلطة Mi" 4 ")، " مشروع الهجرة المختلطة للشباب، دوافع الهجرة والحاجيات للخدمات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية، دراسة كمية ونوعية للمهاجرين الشباب في تونس الكبرى 017، (نيسان/ أبريل 2 " 0182)، شوهد في 022/6/21:2، في uC 9 HIE /2 ly. bit:// https؛

الجمهورية التونسية، الأمم المتحدة، مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس، التقرير الوطني لتقييم مستوى تنفيذ

الجمهورية التونسية لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية 20+ (تونس: حزيران/ يونيو 0132)، ص 75–1651، شوهد في 022/6/21:2، في tMrlKY /3 ly. bit:// https

أن 55.2 في المئة من أسباب الهجرة تتعلّق بتحسين الدخل أو ظروف العمل وتحسين المستوى المعيشي. فعمل العامل الفقير لم يُحصنه من أن تستبدّ به الرغبة في خوض تجربة الهجرة، أي البحث عن تجربة حياة مغايرة ومغرية، تغذّي تمثلّات الهجرة، بوصفها دينامية ارتقاء وتحسين وضعيات تشترك فيها العائلة وتباركها، بل إنها تشتغل على هذا الأساس وفق استراتيجية تراها أنسب لتحقيق أهدافها ورؤيتها لذاتها ولمكانتها ولعلاقتها بمجالها المعيش، وهو ما عبّر عنه بوضوح تامّ أحد

المهاجرين بقوله: " إنّ العمل في تونس حتى إن توفّر فإنّه لا يرتقي إلى ضمانة حقيقية للأمان على المستقبل. أنا تركت عملي في تونس وسافرت إلى فرنسا والحمد لله نجحت في الحصول على شغل وتحسين وضعية عائلتي وسكنها كما ترى. فالشغل في تونس هو لضمان الحد الأدنى للعيش ولا يبني المستقبل ولا يحقق العيش الكريم. أمّا العمل في الخارج فإنّه يختصر وقت الواحد منّا في تأمين مستقبله في تونس إذا أراد العودة ". الجدول (1) توزيع المهاجرين بحسب مبرّرات الهجرة والجنس الجنس

الجنسمبرّرات الهجرة
المجموعإناثذكور
23.215.627.8البحث عن شغل
28.526.729.6تحسين الدخل، طبيعة العمل وظروفه
26.727.026.5تحسين ظروف العيش
1.73.70.6التجمّع العائلي
14.118.311.6التعليم
3.35.22.2الرغبة في السفر
2.53.51.7أسباب أخرى
100.0100.0100.0المجموع

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون الاجتماعية، المرصد الوطني للهجرة، "الهجرة الدولية في أرقام من خلال المسح الوطني للهجرة الدولية بتونس"، شوهد في 022/6/20:2، في https://bit.ly/3n4M0pL 2(((الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون الاجتماعية، المرصد الوطني للهجرة، " الهجرة الدولية في أرقام من خلال المسح الوطني للهجرة الدولية بتونس "، شوهد في 022/6/20:2، في pL 0 M 4 n /3 ly. bit:// https

(28) Sayad, p. 18.

(2((ص. ف.، مقابلة شخصية، حي ابن خلدون – العمران الأعلى بتونس العاصمة، 020/1/8.2 وهو كهل يبلغ 05 سنة من العمر، سافر إلى فرنسا منذ 02 سنة بطريقة غير شرعية، ولكنه نجح في تسوية وضعيته ببلد الاستقبال وتحسين وضعية عائلته، وبناء طابق علوي وإنجاز مشروع تجاري بالحي الذي يقطنه بالمدينة.

إنّ هذا التحوّل في الفاعل المرجعي للهجرة وخلفياتها من الفرد إلى العائلة (تحولها من المساند والموافق على قرار الهجرة الفردي إلى فاعل رئيس في اتخاذ قرار الهجرة، الذي يتحول فيه الفرد إلى قائم بمهمة، أقرّته نتائج البحوث والمسوح الاجتماعية في العشرية الأخيرة المتعلقة بالهجرة.

فقد بيّنت دراسة ميدانية للمرصد الوطني للشباب أنّ الهجرة السريّة، أو غير النظامية، أصبحت، هي

ذاتها، تلقى دعمًا عائليًّا؛ من جهة المساندة المعنوية والتمويل أيضًا، وحتى من جهة المشاركة في

مغامرة ما يصطلح على تسميته " الحَرْقَة ". ويتّضح السند العائلي (البعد الجماعي)، ضمن الهجرة النظامية أو الشرعية، على نحو أوسع، كما ورد في دراسة لمهدي مبروك متعلقة بثقافة الهجرة السرية، بما أن نصف العائلات تقريبًا

لا تدعم مشاريع أبنائها المتعلقة بالهجرة والبحث عن مسارات دراسية وحياتية جديدة فحسب، بل إنّها تنخرط معهم أيضًا في التخطيط والبرمجة والاستعداد المعرفي والمالي لتجسيد المشروع؛ بالنظر إلى قناعة قوية لديها مفادها أنّ الهجرة مسار نجاح جدير حتّى بالمغامرة في سياق تنموي غير مبشّر بتغيّر الوضعيات وانفراج معضلة البطالة، وخاصة العالمة منها (أصحاب الشهادات العليا).

فأكثر ما يشغل المواطن العربي عمومًا، والتونسي خصوصًا، هو المشكلات ذات الصيغة الاقتصادية المتّصلة بغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار واستفحال البطالة، وهو أمرٌ يتزامن مع قناعة شبه معمّمة

في عدم جديّة الحكومات العربية وقدرتها على حلّ أكثر المشكلات التي تترأّس أولويات المواطن العربي والتونسي، مثلما ينجلي ذلك بوضوح في نتائج المؤشر العربي لسنة /2017 018 2. فما يقرب من 60 في المئة من المستجوبين في العيّنة، في هذا المؤشر، لا يثقون بدولتهم،

ويعتبرونها غير جديّة في موضعة المشكلات الاقتصادية والمعيشية للمواطن على رأس أولوياتها، ضمن سياستها الاقتصادية وأنموذج التنمية والحوكمة المتبنّى من جهة حكوماتها المتعاقبة منذ (ثورة [كانون الأول/] ديسمبر 010/2 [كانون الثاني/] يناير.)2011 لم يظلّ الفرد، كما هو الشأن في المقاربات الكلاسيكية والكلاسيكية المحدثة، الفاعل المرجعي الذي يحتكم قرار الهجرة لديه إلى قوانين الجذب (الوضعية المعلومة أو المتخيلة في مجتمع الاستقبال، مثل الحصول على شغل، أو العائد المالي المرتفع) والطرد التي نظّر لها الجغرافي إرنست جورج رافنشتاين Ravenstein Georg Ernst، والتي تدور في فلك الدوافع الاقتصادية للفاعلين (الوضعية

(3((مثل الدراسات المشار إليها في هذه الدراسة، والتي تعود إلى عبد الستار السحباني، ومهدي مبروك، ومحمد علي بن زينة، وعائشة التايب، وغيرها، ومسوح المؤشر العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

(31) Mehdi Mabrouk, " El Harikoun , pour une approche sociologique du milieu social des immigrés clandestins et de leur imaginaire," Revue tunisienne de sciences sociales , no. 125 (2003), pp. 15–49.

(((3 مبروك. (3((المؤشر العربي 2018 /2017، المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، شوهد في 022/6/162، في:

https://bit.ly/2LadHMF (بتصرّف)

(((3 المرجع نفسه.

غير الملائمة، أو المرفوضة، في مجتمع الانطلاق، مثل البطالة والمردود الضعيف للعمل)؛ ذلك أنّ كثيرًا من البحوث المتعلقة بالهجرة تقرّ بحدوث تغيّر في الهدف المرتبط بالهجرة من خلال تعظيم

الربح الذي لا يفقد بريقه وإغراءه، حتى في أدنى درجاته الممكنة في علاقته بحجم الخسارة الممكنة من عدم اتخاذ قرار الهجرة، إلى تقليل المخاطر غير المتّصلة بالهجرة فحسب، بل إنّ البقاء في سياق

غير متحرّك، وحظوظه ضعيفة في التطوّر والتغيّر، أصبح مخاطرة في نظر من حسم موقفه وقرّر أن

يهاجر. الشكل (1) اتجاهات الرأي العام نحو جدية بلدانه في العمل على حلّ المشكلات بوصفها أهم المشكلات التي تواجهها بلدانهم (مثال تونس)

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: المؤشر العربي /2017 2018، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في

2022/6/16، في: https://bit.ly/2LadHMF

ويستند هذا الانتقال من التصوّر السائد للهجرة؛ باعتبارها قطيعة مع مجتمع المنشأ (وضعية طاردة)،

إلى الهجرة؛ باعتبارها عملية خلق لروابط عبر وطنية من خلال المجال (تكوين رأسمال اجتماعي)، إلى أنّ الفرد من جهة تفهّم نظريات الشبكات والرأسمال الاجتماعي يرتبط ببنية اجتماعية تحيل إلى

العائلة في بعدها الضييّق والموسّع، وتحيل إلى الأصدقاء والجيران وسكّان الحّ، وتتحوّل إلى شبكات

اجتماعية (أو ما يسميها غرانوفيتر " Granoveter قوّة الروابط الضعيفة ")، وتشكّل مصادر معلومة

(35) Victor Piché, Les théories de la migration, Collection: Manuels et Textes fondamentaux (Paris: INED, 2013), pp. 21–22. (36) Alain Degenne, Michel Forsé, Les Réseaux sociaux. Une Analyse structurale en sociologie (Paris: Éditions Armand Colin, 1994).

(((3 مارك س. غرانوفيتر، " قوة الروابط الضعيفة "، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج  7، العدد 26 (2018)، ص.138–137

ومستندنًا دافعًا أو كابحًا لقرار الهجرة. فالهجرة وإ كانت تمسّ فردًا من الأسرة، فإنّ أثرها يتجاوزه نحو

كلّ العائلة، ويلامس الحقل الاقتصادي، ويشكّل نموذجًا تعزيزيًا ينمّي التمثلّات الفردية للهجرة ويعمّقها، بوصفها مسارًا تتأكّد حتميته يومًا بعد يوم، للخروج من وضعية الهامشية والهشاشة الاجتماعية في دولة رخوة لم تعد تملك القدرة على تأدية الأدوار المنتظرة منها بالنسبة إلى الفئات الضعيفة وغير المحظوظة التي تراجعت وازدادت وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية تردّيًا. الشكل (2) توصيف المستجيبين لدخول أسرهم (مثال تونس)

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: المؤشر العربي /2017 2018، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في

2022/6/16، في: https://bit.ly/2LadHMF

إذا كانت الوضعية السوسيو–اقتصادية للعائلات (ارتفاع نسبة التونسيين الذين يقيّمون وضعيتهم الأسرية

بكونها سيئة، وسيئة جدًّا، من 57 في المئة في المؤشر العربي /2017 2018 إلى 88 في المئة في المؤشر العربي /2019 2020) تنتصب بوصفها أحد العوامل الدافعة للتعلمّق الجماعي للعائلة بعد المخاطرة بالبقاء في مجتمع يتراجع فيه دور الدولة يومًا بعد يوم، لأسباب عدّة، ليس المجال مجال خوض فيها، فإنّ القرار الجماعي للعائلة، المتمثل في الهجرة، إناّم هو استراتيجية تحتكم إلى أكثر من دافع، ولا تصب كلّها في المغادرة النهائية لبلد المنشأ، بل تتعامل أيضًا مع الهجرة بوصفها مجال بديلا، أكثر استجابةً لبرامج العائلة وأهدافها ببلدها الأصلي تمسّ وضعيته الاقتصادية والاجتماعية،

(38) Gilles Séraphin, Famille et migration, Recherches familiales , no. 13 (Paris: Éd. Union Nationale des Associations Familiales, 2016), p. 3.

((3(المؤشر العربي /2019 2020، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في 2021/3/10، في:

https://bit.ly/3Qno8eq

وتمثّل رافعة لتحقيق الأماني التي تبدو صعبة المنال؛ لذلك اعتبر عالم الاجتماع التونسي رضا بوكراع أنّ الهجرة فعلٌ ثقافيّ، بما هو وعي بعدم حتمية الوضع المعيشي ببلد المنشأ، وفعلُ تحرّرٍ من وضعية

اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية غير مرضية، وتعلّقٌ ببديل ممكن يصنعه قرار الهجرة. من هذا المنطلق، ارتأينا أن ندرس عائد الهجرة التنموي بالنسبة إلى العائلة، وبالنسبة إلى المجال الحضري الذي انتقلت منه، استنادًا إلى تقارير الهيئات الرسمية التي لا تتعلّق بحجم العائدات المالية للتونسيين بالخارج فقط، بل بمجالات إنفاق المهاجرين العائدين لرساميلهم المتراكمة أو تحويلاتهم المالية التي تكشف مضامين الفعل التنموي للهجرة أيضًا، وتكشف بنية هذه الدينامية التنموية التي تُحْدثها ومدى فاعليتها التنموية. لذلك، يصحّ استشكال العلاقة بين العائد المالي للهجرة والفعل

التنموي عبر التساؤل عن مدى صحّة اعتبار المهاجر فاعلً تنمويًّا في مجاله الحضري، وإن كانت هذه

الرساميل المالية تتحول إلى دينامية تنموية ضمن المجتمع المحلّي. وقد انتهت قراءتنا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء والبنك المركزي، أساسًا، إضافة إلى دراسات سابقة نحيل إليها أثناء التحليل لاحقًا،

إلى أن العوائد المالية للهجرة لم تتحول إلى رأسمال بالمعنى الذي يفضي إلى خلق ثروة عبر الفعل الاستثماري في قطاعات اقتصادية ما.

ثانيًا: المهاجر فاعلًا تنمويًّا وافدًا: هيمنة البعد العمراني

تتّجه دراستنا إلى تتبّع الأثر التنموي والحضري لظاهرة هجرة الحضريين في التغيّر الاجتماعي والتنمية

ضمن المجال الحضري، وتعقّب مضامين الفعل التنموي للمهاجرين، من خلال مسارات استثمار تحويلاتهم المالية ومآلاتها. فثمّة رابط وثيق بين السؤال الحضري والسؤال المتعلق بالهجرة يؤكّد

علاقة سوسيولوجيا الهجرة بسوسيولوجيا المجال الحضري. فلا يمكن التفكير في المدينة والتنمية الحضرية من دون طرح مسألة الهجرة، سواء في أبعادها الداخلية (في اتجاه المدينة) أو الخارجية (انطلاقًا من المدينة)؛ وتبعًا لذلك فإن استثمار المهاجرين العائدين لرساميل المالية والاجتماعية والثقافية في مشروعات تنموية، أو تحسين ظروف العيش أو سكن العائلة ضمن المجال الحضري، يعزّز كل منهما استراتيجية الهجرة بوصفها تجربة حياة نموذجية على الصعيدين الفردي والجماعي،

يقلّ معها اعتبارها مخاطرة ومغامرة في المجهول. فالتحويلات المالية للتونسيين بالخارج، في بعدها الرسمي وغير الرسمي، يتعاظم حجمها، ويتزايد ثقلها الاقتصادي والتنموي في تعبئة الدولة موارد إضافية؛ استجابةً للتحدّيات الكبرى التي تواجهها، وخاصة بعد الثورة وتضخّم المطلبية لدى مختلف شرائح العاملين، وهو ما يفسّر

(40) Ridha Boukraa, "Migration, interculturalité et intégration: Approche globale," in: Actes de la deuxième Ecole d’Eté sur la Migration, Migration et Développement Durable en Tunisie: observations, analyses et perspectives (Tunis: Organisation Internationale pour les Migrations, 2016), p. 40.

(((4 تطورت تحويلات التونسيين بالخارج بمتوسط ​معدل نمو سنوي يقترب من 02 في المئة من 085 مليون دولار أميركي في سنة 9921 إلى 9843 مليون دولار أميركي في سنة 0142، لتصل إلى 4949.3 مليون دينار سنة 0192، بحسب بيانات البنك المركزي التونسي.

تزايد اهتمام الدولة بالمهاجرين واشتغالها بتذليل العقبات القانونية والتنظيمية المتعلقة بعودة المهاجرين الموسمية، فضلً عن تحويل أموالهم إلى عائلاتهم بالبلاد التونسية. من هنا، يفرض سؤال الكيفية نفسه بحثًا عن فهم وجهة استثمار هذه التحويلات؛ من أجل فهمٍ أعمق لديناميتها وفعاليتها التنموية. وهو أمرٌ يبرّر تتبّع البحث سيرورة العائد المالي للهجرة الخارجية للتونسيين،

وأثرها التنموي على الصعيد الماكرو – اقتصادي بوصفها تمهيدًا لمقاربة الفعل التنموي لدينامية التحويلات النقدية للمهاجرين التونسيين، عبر البحث في وجهة استثماره الفردي (الميكرو – اقتصادي)؛ لتحديد مدى فعالية هذه الدينامية في إحداث التنمية والتغير الاجتماعي، ضمن المجال الحضري للمهاجرين العائدين، أو القائمين بالتحويلات النقدية لعائلاتهم بمجتمع الانطلاق (الميكرومجالي).

1. طبيعة العائد المالي للهجرة التونسية ومستوياته

تستمدّ عوائد الهجرة المالية أهميتها ممّا تمثّله من أهمية في تمويل الاقتصاد الوطني والمشاريع

التنموية، مقارنة بعوائد السياحة أو الادخار الوطني أو الناتج الوطني الخام. فقد بلغت تحويلات التونسيين المالية والعينية عبر القنوات الرسمية سنة 0182، بحسب تقدير البنك المركزي التونسي، 0345 مليون دينار (1902.494 مليون دولار)؛ أي ما يعادل 4.8 في المئة من الناتج الداخلي الخام. وتضاعف حجم التحويلات النقدية والعينية للتونسيين بالخارج مرتين تقريبًا، خلال الفترة

016–20062، ليتحول من 0102 مليون دينار إلى 9133 مليون دينار (1822.543 مليون دولار) سنة 016 2، وأغلب هذه التحويلات نقدية، وقد أدّت دورًا مؤثّرًا في تعديل ميزان الدفوعات عبر تغطيتها

73 في المئة من عجز الميزان التجاري لسنة 0162، لتمثّل 4.7 في المئة من الناتج الداخلي المحلّي سنة 2017. وتبعًا للمعطيات الرسمية للبنك المركزي التونسي الصادرة في 9 حزيران/ يونيو 020 2، قاربت التحويلات النقدية للتونسيين بالخارج طوال سنة 0192 ما مقداره نحو 0052 مليون دينار (1772.928 مليون دولار)، لتصل، بحسب المرصد الوطني للهجرة، إلى 8599 مليون دينار (3075.464 مليون دولار) خلال سنة 2021، على أنّ أهمية التحويلات النقدية للمهاجرين لا تُقرأ في حجمها

(((4 يقع دائمًا حساب المبلغ بالدولار الأميركي استنادًا إلى سعر صرف الدولار مقابل الدينار التونسي خلال السنة نفسها كما هو

وارد في المعدلّات السنوية لأسعار الصّرف المتداولة بين البنوك في البنك المركزي التونسي. ينظر: البنك المركزي التونسي،

" الإحصائيات النقدية والاقتصادية والمالية "، شوهد في 022/6/20:2، في tNmvgo /3 ly. bit:// https

(43) Banque Centrale De Tunisie, La Balance Des paiements Et La Position Extérieure Globale De La Tunisie (Tunisie: Décembre 2019), p. 24.

(((4 البنك المركزي التونسي، التقرير السنوي 2017، شوهد في 022/4/16:2، في QvBMfA /3 ly. bit:// https (((4 البنك المركزي التونسي، البنك المركزي التونسي–التقرير السنوي 2019، موقع إدارتي، شوهد في، في:022/4/162

https://bit.ly/3bgb0HK

4(((الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون الاجتماعية، المرصد الوطني للهجرة، " تونسيو العالم منصة افتراضية موجّهة للتونسيين

بالخارج "، شوهد في 022/6/20:2، في QzOdqu /3 ly. bit:// https

المادي بقدر ما تُقرأ في مضامينها التنموية، وما يمكن أن تقدّمه من دفع لقطاعات اقتصادية حيوية للاقتصاد الوطني، ولمجتمعاتها المحلّية التي مثّلت مجتمع الانطلاق. ورغم أن المقاربة الماكروتنموية تضعنا أمام مثل هذه الأرقام المهمة التي لها انعكاسات مالية تمسّ التوازنات المالية

العامة، وخاصة الادخار الوطني، فإنّها لا تعكس قيمة مال المهاجرين المحول فعلً إلى البلاد التونسية؛ إذ يقدّر بضعفه واقعيًا إذا أخذنا في الحسبان المال المحوّل عبر الطرق غير النظامية وغير

الرسمية. الشكل (3)

المصدر:

Banque Centrale De Tunisie, 2020: Banque Centrale De Tunisie, Balance Des Paiements Et Position Extérieure Globale De La Tunisie (Tunisie: Décembre 2021), accessed on 20/6/2022, at: https://bit.ly/3tNWttj

تتّصف تحويلات التونسيين من الخارج بالاستقرار والثبات. فمثلً، كشفت دراسة "تيدو "

TIDO 2011، وهي متعلقة بمساهمة التونسيين المقيمين في الخارج في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتونس، عن ميل 57 في المئة من التونسيين المقيمين بأوروبا إلى تحويل رساميلهم على نحو متواتر ومنتظم إلى عائلاتهم بمدنهم الأصلية عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، ثم

إنّ التونسيين بالخارج والمقيمين بأوروبا، أساسًا، عبّروا في غالبيتهم العظمى (85.9 في المئة) عن

رغبتهم في استثمار رساميلهم في مجتمعاتهم المحلية، غير أنّ الدراسة ذاتها بيّنت أن 11.8 في المئة

فحسب، من عيّنة البحث، استثمروا أموالهم فعليًّا في بلدانهم الأصلية. وهي نسبة ضعيفة جدًّا،

(((4 عادل الوشاني، " المال المهاجر في تونس وإمكانات تفعيله في تحقيق التنمية: الفرصة الضائعة "، المستقبل العربي، العدد 475 (أيلول/ سبتمبر.)2018

(48) Ibtihel Bouchoucha et al. Quel liens les Tunisiens résidant en Europe gardent– ils Avec le pays d’origine? (Tunis: Organisation Internationale pour les Migrations, 2011).

يتضاءل معها اعتبار تحويلات المهاجرين رساميل اقتصادية، لضعف البعد الاستثماري المرتبط بتوظيفها في بلد المنشأ. وتتأكّد هذه النتيجة بوضوح مع عدم اتّجاه هذه التحويلات النقدية نحو الاستثمار في بعث المؤسسات الصغرى؛ إذ لا تجاوز النسبة في هذا السياق 4.4 في المئة من استثمارات التونسيين في بلدهم الأصلي. إذًا، نحن أمام مردودية ضعيفة تنمويًّا لتوظيف عوائد الهجرة والتحويلات تجاه بلد الأصل. ثمّ إنّ

نيّات الاستثمار، أو الانخراط في مشروع استثمار للرأسمال النقدي المراكم، إضافة إلى أنّ ذلك غير

مرتفع على النحو الذي يرقى بها إلى مستوى الفاعلية التنموية التي يكون لها أثرٌ في المجتمعات

المحلية، تتضاءل لدى المهاجرات مقارنة بالمهاجرين الذكور، وتتوسّع لدى الجيل الأقدم للهجرة؛ أي

المولود ببلد المنشأ. فهذا الجيل هو الأكثر استعدادًا والأكثر توجيهًا لرأسماله إلى الاستثمار في تونس، مثلما أنّه الأكثر تواترًا وانتظامًا في تحويل الأموال إلى بلد المنشأ. فالرابط بمدينة المنشأ لا يزال يحتفظ بقوّته لدى الجيل الأقدم للهجرة. ويترجم هذا الرباط في حرص

المهاجر على تحويل كلّ أمواله المراكمة ببلد الاستقبال إلى مجتمعه الأصلي على اعتبار وجود رغبة قوية لديه في العودة، وعدم التعامل مع الهجرة بوصفها موقفًا وجدانيًا أو عاطفيًا من بلد المنشأ،

بل استراتيجية تحسين وضعية، ودينامية تغيير مسار حياتي كشف – كما أسلفنا – عن عمقه وبعده الجماعي المدعّم والمحرّك. وهذا أحدهم يصرّح بوضوح، تعبيرًا عن هذه المعقولية في تمثّل دينامية

الهجرة الدولية لدى الجيل الأقدم بالمهجر، بقوله: " أنا أعرف أن أبنائي يميلون أكثر إلى البقاء بالمهجر خاصة مع تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية في البلاد، ولكن أنا لم أغترب لأبقى إلى ما لا نهاية. أنا اغتربت لأحقّق ببلدي وبمسقط رأسي ما عجزت عنه هنا ولم أتخلّ عن فكرة العودة، لذلك حرصت على تحويل مداخيل عملي بانتظام إلى تونس. لا أبحث عن التحول إلى رأسمالي، ولا إلى ثري، لذلك لا أميل إلى الاستثمار في أي مشروع اقتصادي قد لا ينجح ويخسرني " شقاء العمر ". يكفيني أنني أعدت تجديد بيتي ووسّعته وأضفت له طابقين وضعتهما للكراء إلى أن يقرّر أبنائي العودة في يوم ما ليجدوا مسكنهم

جاهزًا ".

2. قراءة في الأثر التنموي للتحويلات المالية: غلبة البعد الاجتماعي

ليس ثمّة علاقة مباشرة بين حجم التحويلات المالية نحو المجتمعات المحلية وخلق دينامية تنمية

محلية قادرة على تحسين وضعية المجتمع المحلي الاقتصادية. فلا يتحدد الفعل التنموي وقدرة

(49) Ibid.

(5((ص. م.، مقابلة شخصية، حي ابن خلدون – العمران الأعلى، تونس، 020/6/8.2 وهو مسن (60 سنة) قضى 35 سنة بفرنسا،

وعاد منذ مدة نهائيًّا إلى تونس، واستقر بمسكنه بالحي الجديد حيث اشترى مسكنًا وأدخل عليه تحسينات كبيرة.

(51) Cheikh Samba Wade, Aboubacry Wade, "La migration, facteur urbanisant et de développement socio territorial dans la vallée du fleuve Sénégal," Études caribéennes (Avril– Août 2018), pp. 39–40.

التحويلات المالية، أو الرساميل المالية للمهاجرين – التي بلغت 9 في المئة من الدخل القومي الإجمالي سنة 0202، بحسب نتائج دراسة أنجزها البنك المركزي التونسي بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولية GIZ – على إحداث التغير ضمن مجتمعاتها الحضرية المحلية، بحجم التحويلات النقدية رغم أهميتها، بل إنها تتحدّد أساسًا بكيفيات استثمارها ومقارباتها، والأدوار التنموية التي يمكن أن تؤديها، ووجهة استثمار هذه العوائد. ولزامًا أن يُعمّق الطرحُ السوسيوتنموي للهجرة، وصلتُها بالمسألة التنموية لمجتمعات المنشأ عبر تفكيك بنية الهجرة، كما سلف أن تناولنا ذلك في الفقرات السابقة. فالفعل التنموي لعوائد الهجرة، أو ما يمكن تسميته الدينامية الهجرية، يتأثّر بقوّة ببنية الظاهرة من جهة، وغلبة حضور اليد العاملة المؤهّلة أو ضعفها، و/ أو بحجم هجرة الأدمغة والكفاءات العالية التكوين والتأهيل، بصفة خاصة، من جهة ثانية. فعودة أمثال هؤلاء المهاجرين إلى مجتمع الانطلاق مثقلة بالمال والخبرة والتدريب يمنحها ثقلً أوسع في المردودية التنموية للهجرة؛ إذ تكون أعمق وأشدّ فعالية من مردودية اليد العاملة الضعيفة التأهيل أو غير المؤّهلة، ومن مردودية المهاجرين غير الشرعيين أيضًا؛ ذلك أنّ دينامية الهجرة تتغاير نتائجها التنموية المتعلقة بمجتمعات الانطلاق إذا انتقلنا من هجرة جماهيرية إلى هجرة انتقائية؛ أي من هجرة يد عاملة ضعيفة التأهيل أو غير مؤهّلة، انتقلت إلى مجتمعات الاستقبال عبر مسالك غير رسمية، ضمن ما اصطلح على تسميته " الهجرة غير النظامية "، و " غير الشرعية "، إلى الهجرة الخاضعة لإشراف وتوجيه ومتابعة الهياكل الوطنية المعنية بتنظيم سيرورة الهجرة ومتابعة وضعيات عملها في المهجر. إنّ مساهمة الهجرة في التنمية وتحوّلها فعليًّا إلى رافعة تنموية، يتلوّن ويتحدّد، فضلً عن ذلك، على الصعيد الماكروتنموي، بكيفيات استفادة الدولة من التحويلات المالية والرساميل الاجتماعية والمالية والمعرفية التي يراكمها المهاجرون (المقيمون في المهجر خلال فترة تراوح بين 5 و 01 سنوات على الأقلّ) في بعث مشاريع تنموية مستوعبة لليد العاملة وتعزيز التنمية المحلية، وتقليل التفاوت الجهوي وتقليص العجز العام، وما إلى ذلك من الأهداف التي تحتاج إلى أن تملك الدولة رؤية استراتيجية، وبرامج تعبئة للإمكانيات المادية والبشرية لتونسيي الخارج. وعلى الصعيد الميكروتنموي، تتأثّر الدينامية التنموية للهجرة بوجهة المهاجرين وتركيبة الهجرة (بالنظر، خاصة، إلى معطى التأهيل والكفاءة). ثم إنّ الرساميل المادية ذات الأثر الاقتصادي والتنموي في المجالات الحضرية، لا تتحدّد بالتحويلات المالية المباشرة (بمتعدّد قنواتها) فحسب، بل بما يحصّله المهاجرون طوال تجاربهم الهجرية من رساميل اجتماعية؛ أي أنماط سلوك وعلاقات بعوالم المال

(5((" أرقام هامة عن تحويلات التونسيين بالخارج "، أفريكان مانجر، 021/5/272، شوهد في 022/4/12:2، في

https://bit.ly/3632r0O (53) Nations Unies, Migrations internationales et développement , Rapport du Secrétaire général (New York: 2006), pp. 50–54. (54) Ibid., A/60/871, p. 69.

والثقافة وبعث مشاريع وعلاقات اجتماعية، تجد طريقها إلى التوظيف الملموس في الفعل التنموي وتغيير واقع مدن المنشأ. ففعالية التحويلات المالية للمهاجرين وديناميتها تنمويًّا، في المجالات

الحضرية التي انطلقوا منها، تتغاير بحسب بنية الهجرة وتركيبتها؛ بمعنى أنها تتأثر تأثيرًا عميقًا بنوعية

المهاجرين وكفاءاتهم ومؤهلاتهم، وقدراتهم على ربط علاقات قويّة ضمن بلد الإقامة بدوائر المال

والاقتصاد أو مؤسسات علمية أو بحثية أو اقتصادية أو تنموية، من شأنها أن تفتح لها مجالً يثمر فرصًا حقيقية لتنمية مجالاتها الحضرية ببلد المنشأ، وجلب مشاريع تستجيب لواقع التنمية الحضرية

بمدينة المنشأ، وحاجاتها الفعلية المتعلّقة بمقاومة الفقر والحدّ من البطالة وتنمية البنية التحتية والبنية الأساسية للتنمية الحضرية والاقتصادية بالمدينة. إذًا، تتأثّر الدينامية التنموية للعوائد المالية للهجرة بالبعد الاندماجي للمهاجر في بلد الإقامة، بوصفه أحد جسور تكوين الرأسمال الاجتماعي والثقافي الذي يمنح الرأسمال المادي عمقًا وفعالية تنموية قادرة على إحداث تغيير ما في المجتمعات المحلية لبلد الانطلاق. فقدرة فعل المهاجرين التنموي لمجالهم الحضري تتحدّد، إلى حدّ ما، بمستويات اندماجهم وانخراطهم في الحياة الفكرية والعلمية والاقتصادية لمجتمع الإقامة ومسار التمهين وتملّك المهارات التي خضعوا لها – وتطويرها أيضًا – طوال وجودهم في مجتمعات الاستقبال. على أنّ الوضعية الاندماجية للمهاجر تتأثّر كثيرًا

بالكفاءات والمؤهلات التي ينطلق بها من بلد المنشأ، والتي تضمن له وضعية أفضل ضمن مجتمع الاستقبال، وسهولة أكبر في الاندماج في سوق الشغل، واستفادة أعمق من تجربة الهجرة. فثمّة تبادلية

تأثير متينة بين وضعية المهاجر في مجتمع المنشأ ووضعيته الاندماجية في مجتمع الاستقبال تكيّف،

إلى حدّ بعيد، الأثرَ التنموي للهجرة في مجتمع المنشأ، ومدى بروز المهاجر، بوصفه فاعلً تنمويًّا

محليًّا، لا يمثِّل حضوره الثقل نفسه إذا استدعينا متغيّر التوزيع الجغرافي للمهاجرين، بوصفهم فواعل

تنموية محليّة، ومتغيّر التوزيع القطاعي لاستثمارات المهاجرين التونسيين؛ إمّا مباشرة عند العودة

النهائية، وإمّا عبر العائلة التي تتلقّى تحويلاته المالية وتنفّذ استراتيجيته الاستثمارية. وفي حال العودة إلى تقارير المنظمة الدولية للهجرة المتعلقة بتونس (0152) بشأن الوجهات التي تستقطب استثمار التونسيين العائدين رساميلهم المادية في مشاريع تنموية، ينكشف توزيع جغرافي وقطاعي متفاوت لاستثمار العوائد المالية للهجرة، وضمنه تحتلّ مدينة صفاقس من الجنوب الشرقي

(55) Peggy Levitt, " Social Remittances: A Conceptual Tool for Understanding Migration and Development ," Working Paper Series , no. 96. 04 Harvard Center for Population and Development Studies, Cambridge, 1996. (56) Nesrine Amina Benhaddad & Nacer–eddine Hammouda, "Contribution des migrants de retour au développement de leurs pays d’origine. Étude comparative entre les pays du Maghreb: l’Algérie, la Tunisie et le Maroc," Insaniyat , no. 69–70 (Juillet–Décembre 2015), pp. 83–110. (57) Denis Drechsler & Jason Gagnon, "Les migrations, une source de développement à exploiter," Annuaire suisse de politique de développement , no. 27–2, 2008, p. 84, mise en ligne en 19/3/2010, accessed on 27/9/2020, at: http://journals.openedition.org/aspd/172 (58) Benhaddad & Hammouda, p. 95. (59) Ducheny Marie, Andrea Rea & Maryse Tripier, "Sociologie de l’immigration (collection "Repères"), 2003," Les Annales de la recherche urbaine , no. 96 (2004), pp. 170–171.

للبلاد التونسية هرم التوزيع التفاضلي لعدد المشروعات الصغيرة التي أنجزت مقارنةً بجهات أخرى، وبالنظر إلى نسبة المستثمرين من العائدين نهائيًا أيضًا. فمن 310 مهاجرين عائدين سنة 2015، استثمر

274 مهاجرًا عوائده المالية في بعث مشروع فردي أو جماعي صغير (88.38 في المئة منهم). وما يلاحظ

في هذه الدراسة، أن 52 في المئة من العائدين المستفيدين من هذا البرنامج، يميلون إلى الاستثمار في المجال الفلاحي، وخصوصًا قطاع تربية الأغنام والأبقار المشغّل لعدد من اليد العاملة المحلّية،

سواء كانت عائلية أو من أبناء الجهة العاطلين، وأن 18 في المئة من المشاريع تندرج فيما يسمى اقتصاد القرب الملتصق بمقرّ الإقامة الشخصية أو العائلية (المقاهي ومحلات البقالة والمغازات الصغيرة،

وغيرها.) الشكل (4) نسبة المشاريع الصغرى بحسب النشاط

المصدر:

L’Organisation internationale pour les migrations (OIM), "Projets de retour... Projets d’avenir," BROCHURE 31 mai 2016, p. 47, accessed on 21/6/2022, at: https://tunisia.iom.int/fr/search

التي تكشفها تقارير المنظمة الوطنية للهجرة بتونس غير أنّ السمة العامّة، والمرصد الوطني للهجرة،

وآخر تعداد للمعهد الوطني للإحصاء، تبيّن كلنّها أنّ المهاجرين التونسيي لا يتمثّلون أنفسهم، في

الغالب، بوصفهم فواعل تنموية ضمن مجتمعاتهم المحليّة التي انطلقوا منها نحو مجتمع الاستقبال؛

وذلك بالنظر إلى ضعف حضور نيّات الاستثمار لديهم في مشاريع ذات مردودية وفاعلية تنموية،

(60) Organisation Internationale pour les Migrations, Aide au Retour Volontaire et à la Réintégration de Suisse en Tunisie (2015), accessed on 20/6/2022, at: https://bit.ly/3y5XwHR

(((6 الأمم المتحدة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام.2019 ((6(" التعداد العام للسكان والسكنى 2014 ".

في مقابل توجيه الغالبية العظمى من عائلات المهاجرين تحويلات أبنائهم إلى تغطية مقتضيات اليومي العائلي، بما يتوافق مع ما انتهت إليه دراسة المرصد الوطني للهجرة لسنة 0202 من أنّ 55.67 في المئة من الأسباب الاجتماعية للهجرة تتعلّق بتحسين وضعية العائلة أو ما ورد في تصريحات المستجيبين من أنّ نسبة مهمّة من تحويلاتهم لعائلاتهم أثناء إقامتهم في المهجر، تتّجه

إلى مجابهة النفقات الصحية (العمليات الجراحية أو المداواة بالمصحات الخاصة)، أو التعليمية (تمويل متابعة الإخوة أو الأبناء للدراسات العليا بالخارج أو بالجامعات الخاصة داخل الوطن)، أو تمكين العائلة من إدخال تحسينات على المسكن العائلي، أو إضافة طابق سكني، أو تتجه – في كثير من الحالات التي عايناها مباشرة ضمن المجالات الحضرية التي أجرينا بشأنها مقابلات مع عائلات مهاجرة – إلى ترميم الواجهة وإعادة بنائها في اتجاه يستبدل التقليدي بالحديث والقديم بالجديد والبسيط بالجمالي والفنّي معماريًّا. فالمهاجرون التونسيون، كما يُفهم من أقوال المبحوثين من الحالات المدروسة، يرون أنّ مساعدة

العائلة واجبة ما لم ينقطعوا عن العمل والاستقرار ببلدان الإقامة، أمّا عند هجرة العودة أو التخطيط لها

فإنّ شراء مسكن أو بناءه هو الهدف والمشغل الرئيس لمشاريع ما بعد العودة إلى المجتمع الأصلي؛ لارتباطه بفكرة تأمين السكن المريح والمناسب عند العودة النهائية أو عند بلوغ التقاعد، وهو ما يتوافق مع ما انتهت إليه دراسة " تيدو " 0112 بشأن مساهمة التونسيين المقيمين بالخارج في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتونس؛ إذ إن 39.7 في المئة من العينة المدروسة ينفقون تحويلاتهم المالية (التي ستبلغ بحسب المسالك النظامية 5 في المئة من الناتج القومي الخام سنة 2014)، لتتراجع إلى 4.7 في المئة من الناتج القومي الخام سنة 2017 (8901 مليون دولار بما يعادل 233 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر) في شراء المساكن أو بنائها. وتمثّل مدن الانطلاق المجال الأشدّ جذبًا لبناء مسكن أو شرائه. فثلاثة أرباع التونسيين (77.4 في

المئة) بحسب هذه الدراسة يفضّلون، بل يتعمّدون، شراء مسكن أو بناءه في الحي السكني الذي

كانوا يؤجّرون فيه بيتًا أو ضمن منزل العائلة، بحثًا عن ترجمة تجربة نجاح اجتماعي في فعل مادي

يفرض إعادة تموضع ضمن بنية المواقع في المحيط الاجتماعي للمهاجر. فالتحسينات المعمارية أو التوسّعات العمرانية التي تنتجها الرساميل المادية التي يرسلها المهاجرون أو يأتون بها معهم إلى

مدنهم، إنّما تحمل أبعادًا رمزية بما أنّها تمرّر رسائل إلى المحيط الاجتماعي تحيل إلى تغير المستوى

المعيشي، وتصنع من الشكل المادي نصًّا سيميائيًّا، أو سيميولوجيا اجتماعية تنشد نوعًا من الرباط

(63) Hechmi Jelassi, Mohammed Ridha Ben Amor & Gabriella Sanchez, Les sources d’information et les leviers de motivation pour la migration régulière et irrégulière depuis La Tunisie , L’Observatoire national de la migration (ONM) et L’Organisation internationale pour les migrations (OIM) (Tunisie: 2020), accessed on 20/6/2022, at: https://bit.ly/3HCkFo7 (64) Chokri Arfa, "Aspects socio–économiques, mutations et enjeux des migrations en Tunisie," in: Actes de la deuxième Ecole d’Eté sur la Migration , p. 45.

(6((الأمم المتحدة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2019.

(66) Bouchoucha, Fourati & Zekri, p. 19.

الاجتماعي الذي يجتهد المهاجر في توجيه محيطه الاجتماعي إلى الاعتراف به عبر هذه المظهرة المادية للتحول في المكانة الاجتماعية؛ من جهة تصوّر هذه الفئة لنفسها ولموقعها بعد تجربة الهجرة

في مجتمع المنشأ. وفي هذا السياق، يكون الحرص على إعادة ترميم واجهة السكن وتضخيمه في اتجاه يبثّ رسائل تحوّل في القدرة المادية وفي الرباط الاجتماعي بالمجال الحضري الذي عاد إليه المهاجر مختلفًا،

وهو ما يبرّر إقرار هذا الرابط المفترض بين الهجرة والتغيّر الحضري ضمن مدن المنشأ؛ إذ إنّ

الفعل التنموي للمهاجرين التونسيين يغلب عليه البعد العمراني والمعماري مثلما تتأكّد قوّة ارتباط

المهاجرين بمجالاتهم الحضرية. فاستثمار التونسيين عوائد عملهم بمجتمعات الإقامة يفتقر إلى معقولية الاستثمار الاقتصادي القائمة على منطق الربح؛ ذلك أنّ الغالبية العظمى من نفقات المهاجرين التونسيين يستوعبها القطاع العقاري ويمسّ بصفة أعمق البعد الحضري في تنمية المجتمعات المحليّة

منذ سبعينيات القرن الماضي، وينتفي معه البعد المحلّي لمثل هذا الاستنتاج الذي انتهينا إليه في مجتمع الدراسة والحالات المدروسة، ويجوز تعميمه على سلوك المهاجر التونسي الذي يظهر رغبة التفاخر الاجتماعي وإظهار المكانة الاجتماعية ماديًّا، عبر استهلاك الجزء الأكبر من رأسماله المراكم

في مجالات غير منتجة؛ على غرار اقتناء السيارات الفارهة، وإعادة بناء منزل العائلة، أو توسعته، أو عصرنته، أو شراء منزل جديد بالحي السكني الذي انطلق منه. غير أنّ اعتبار البعض من عينة الدراسة أنّ المكانة الاجتماعية الجديدة (ما بعد الهجرة) لا تتلاءم مع المجال الحضري الذي انطلق منه خلق دينامية توسّع عمراني وحضري في المدن، عبر ظهور أحياء

جديدة أفضل تهيئة؛ إذ إن أغلب مالكي العقارات ضِمنها هُم من الطبقة الوسطى المرفّهة ومن المهاجرين العائدين، مثلما تكشف عن ذلك مورفولوجية التوسّعات العمرانية والحضرية بجهة المحرس من ولاية

صفاقس مثلً، أو بمدينة منزل كامل بولاية المنستير، أو حي " ابن خلدون " مجتمع الدراسة، و " حي التحرير " و " حي التضامن " و " دوار هيشر " في تونس الكبرى. ويتضّح غياب النزعة المشاريعية في السلوك التنموي للمهاجرين في ضعف استثمار أموالهم في مشاريع اقتصادية، وعدم بحثهم عن تحقيق أرباح مادية من شراء المساكن أثناء إقامتهم في المهجر؛ فالغاية الرئيسة من شراء المساكن بمدن المنشأ إنّما هي تحقيق هاجس الأمان الاجتماعي الذي يقترن في تمثلّاتهم بتأمين المسكن عند العودة نهائيًا، أو عند بلوغ سنّ التقاعد وانتهاء عقد العمل

بمجتمعات الإقامة من جهة، وإبراز المكانة الاجتماعية الجديدة بوصفها عنوان نجاح لتجربة اجتماعية

(67) Ma Mung Emmanuel, "L’impact des transferts migratoires dans la ville de M’saken (Tunisie)," Revue européenne des migrations internationales , vol. 2, no. 1 (Septembre 1986), "Méditerranée," pp. 163–178.

(6((لا يتجاوز الاستثمار الأموال المحوّلة إلى العائ ت ببلد المنشأ في مشاريع اقتصادية 4.4 في المئة من الأموال المحوّلة

بحسب دراسة " تيدو " 011:2، ينظر Zekri & Fourati , Bouchoucha.

(69) Mohamed Khachani, Dialogue Sur La Coopération Migratoire En Méditerranée Occidentale , document de synthèse, Association Marocaine d’Etudes et de Recherches sur les Migrations (Rabat, Maroc: 2002), pp. 7–8.

يريد المهاجر أن يحوّلها إلى نموذج نجاح اجتماعي في وسطه العائلي أو المجتمعي. وتتأكّد محورية

الأمان السكني عند المهاجر في مقولة تتكرّر عند المهاجرين الأكبر سنًّا، رغم تجربتهم غير الطويلة

بالهجرة. يقول أحدهم: " الحمد لله استطعت بعد غربة طويلة أن أشيّد هذا المنزل وأن أؤمّن لأبنائي على الأقلّ سكنهم الذي

سيخفّف عنهم ثقل تكوين عائلة مستقبلً". فالموظف التونسي عاجز اليوم عن التوفيق بين نفقات الزواج وتكوين أسرة جديدة وبناء قبر الحياة، صراحةً لست مستعدًّا لأنْ أراهن بمحصول تعب وغربة طويلة في بعث مشروع قد ينجح وقد لا ينجح، لكن تشييد منزل لأبنائي يريحني نفسيًّا ويجعلني أشعر

أنّني أمّنتُ لهم ما يُؤويهم ". إذا كان المعطى الاقتصادي يغذّي فعل اتخاذ قرار الهجرة الفردية أو العائلية ويبرّره، فإنّ تأثيره يبدو ضعيفًا

في إثراء الفاعلية التنموية لفعل استثمار عوائد الهجرة المادية في بلد المنشأ؛ سواء كان ذلك من جهة الحكومات المركزية، أو من الجماعات المحلية والمجتمعات المحلية التي انطلق منها المهاجرون. فالمجالات الريفية الأشد فقرًا والأقلّ تنمية وتمدنًا، التي تمثِّل أكثر من نصف المجالات الأصلية

للمهاجرين التونسيين، لا تنجح (بحسب المعهد الوطني للإحصاء) في استقطاب الرساميل التونسية لأبنائها المهاجرين في اتجاه بعث المشاريع الفلاحية الكبرى أو المتوسطة، أو إنشاء المؤسسات الاقتصادية القادرة على امتصاص جزء من نسب البطالة العالية، وإعادة تنظيم سوق الشغل، وتخفيف معدلّات الفقر المرتفعة ضمن هذه الجهات (الهوامش الحضرية، والمناطق الداخلية في وسط البلاد وجنوبها خاصة). إن المهاجر، كما أسلفنا، يبدي حرصًا على تحويل الأموال إلى عائلته على نحو منتظم ومتواتر طوال وجوده ببلد الاستقبال؛ من أجل مساعدتها على مجابهة مصاريف الحياة اليومية المتصلة بالأكل والملبس والتداوي والتعليم بدرجة أولى، وتوجيه جزء منها إلى تحسين المسكن أو توسيعه أو بناء مسكن جديد بدرجة ثانية. فالرساميل المراكمة طوال الإقامة في المهجر لا تستهلك في إنتاج القيمة المضافة وتوسيع رأس المال وتضخيمه بقدر ما تنفق في قيم استهلاك نهائي (الأكل واللباس والتداوي)، أو ثابت (العقارات). ثم إنّ إسهام الرأسمال الآتي من المهاجرين التونسيين في المقاولات والمشاريع لا يتجاوز 4.7 في المئة سنة 0112، مثلما أنّه يميل إلى الاستثمار الحذر على نحو ما هو مستقرَأ من سلوك بعث المؤسسات الصغيرة والصغيرة جدًّا المستندة أساسًا إلى الرأسمال العائلي

والإدارة العائلية للمشروع؛ إذ إنّ هذا الشكل من المؤسسات الاقتصادية، أو ما يسمى باقتصاد القرب، يمثّل بحسب دراسة مكتب شمال أفريقيا التابع لمنظمة الأمم المتحدة، الغالبية العظمى؛ أي 98.8 في المئة من المقاولات المحدثة سنة 2011.

((7(ب. ع.، مقابلة شخصية، حي ابن خلدون – العمران الأعلى، 020/1/10.2 (معلّم، 45 سنة) قضى 01 سنوات في إحدى دول الخليج العربي معلّمًا.

(71) Bouchoucha, Fourati & Zekri, p. 18.

وقد انتهت دراسة الوكالة الوطنية للتوظيف والعمل الحر ANETI، بشأن المردودية الاقتصادية

لاستثمارات التونسيين العائدين من فرنسا في الفترة (015–20112)، من خلال عينة مكوَّنة من 601

عائدًا، إلى ضعف القدرة التشغيلية للمشروعات الاقتصادية؛ إذ لا يوفّر المشروع الواحد أكثر من موطن شغل، إضافة إلى باعثه. ولم تشذّ هذه الدراسة عن غيرها من الدراسات التي استندنا إليها، وعن نتائج الملاحظات الميدانية التي سجلناها ضمن حي ابن خلدون الذي أجرينا ضمنه مقابلاتنا مع عائلات خاضت تجربة الهجرة، سنوات كثيرة، قبل اتخاذ قرارها بالعودة إلى مدينة المنشأ والانطلاق، وأخرى لا تزال مستقرة ببلد المهجر وتواظب على تحويل مداخيل شغلها بالمهجر إلى أهلها. فنتائجها تعيد تأكيد طابع الحذر الشديد للسلوك الاستثماري للمهاجر التونسي، وعدم رغبته في بعث المشاريع المتوسطة والكبرى، واتجاه الغالبية الكبرى إلى المؤسسات الصغيرة جدًّا، إضافة إلى تأكيد تأثير العائلة القوي في قرار الهجرة من جهة، وفي كيفية التصرّف في التحويلات المالية والرساميل التي يراكمها

ويعود بها المهاجرون من جهة أخرى. فالمسكن يمثّل سببًا رئيسًا للهجرة في منطقة الدراسة عند نحو

ثلث مهاجريها البالغين (31.90 في المئة) سنة 2014 (6353 مهاجرًا). يشي عدم ميل التونسيين العائدين من المهجر (ممن شملتهم دراستنا وعبّروا على نحو أو على نحو

آخر عن هذا التوجّس) إلى المغامرة الاقتصادية باستثمار كل عوائدهم المالية في بعث مشاريع

متوسطة أو كبرى؛ توجسًّا من الخسارة المحتملة، أو من تعقّد مسالك البعث وإجراءات الاستثمار

في القانون التونسي. لذلك، يكشف سلوكهم التنموي عن تصوّر مخصوص لصورتهم، بوصفهم

فواعل تنموية، وانتظارات الدولة والمجتمع المحلي منهم بوصفهم أصحاب رؤوس أموال وافدة قادرة على خلق دينامية تنموية بالمجال السكني الضيق (الحي أو المدينة) أو الواسع (الجهة والبلاد)، يقيّد

السلوك الاستثماري للمهاجرين، ويقلّل من فاعليته التنموية، اعتبارًا لاتجاه الغالبية إلى تأمين العائلة

اجتماعيًا؛ ما يعني في تصوّرهم المتقاسم بين غالبيتهم الأولويةَ المطلقة لبناء المسكن العائلي أو اقتنائه

أو توسعته، وامتلاك السيارة المناسبة للوضعية الاجتماعية الجديدة التي يميلون إلى تجسيدها ماديًّا عبر

هذين المجالين. فمن خلال المسكن والسيارة، يستدلّ اجتماعيًّا مباشرة على المكانة الاجتماعية التي

يصرّ المهاجرون الذين أجرينا معهم مقابلات ضمن مجالات حضرية متنوّعةعلى إبرازها، ورغبتهم في

أن يلمسوها في ردود أفعال المحيطين بهم ضمن الحي أو المدينة. ولا تمثّل جاذبية القطاع العقاري القوية المرتبطة باختيارات المهاجرين المستثمرين لعوائدهم المالية سمةً مخصوصة لمجتمع الدراسة، بقدر ما تلتقي هذه الخاصية مع استنتاجات عديد الدراسات المغاربية

(72) "Migration De Retour Et Réinsertion En Tunisie Enjeux, Potentiels Et Role De L’Accompagnement," Actes Du Séminaire, Tunis, 30–31/3/2017, L’Office français de l’immigration et de l’intégration (OFII), p. 16.

((7 التعداد العام للسكان والسكنى (" 2014 ". ((7(يتأكّد هذا السلوك الحذر في إنفاق العوائد المالية للهجرة بصفة خاصة مع الفئتين:.1 فئة المهاجرين المتقاعدين؛ أي الذين

يملكون راتب تقاعد قادرًا على تأمين حاجاتهم الحياتية، ولذلك يوجّهون غالبية عوائدهم إلى تلبية حاجات الأبناء وتأمين السكن

اللائق وتملك السيارة الخاصة..2 الشباب الذين يعتبرون أنّ تأجيل العودة النهائية مبرّرًا قويًّا لتوجيه أغلب عوائدهم في تحسين

الظروف السكنية والمعيشية إلى العائلة وتأمين حاجاتها من صحة وتعليم وسكن.

المرتبطة بالعلاقة المعقّدة بين الهجرة والتنمية. ففي دراسة المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط l’INSEA، احتلّ القطاع العقاري المرتبة الأولى في وجهة استثمار المغربيين لرساميلهم؛ إذ يحظى مشروع امتلاك مسكن جديد أو إعادة بناء المسكن العائلي أو الفردي وتوسعته بأهمية بالغةً تقدّم الأمن الاجتماعي في تفكير المهاجر التونسي وتصرّفه أيضًا، فقد بيّنت دراسة تونسية، موضوعها

استثمارات المهاجرين العائدين، استيعاب قطاع البناء 44.6 في المئة والعقارات 29.8 في المئة، في مقابل عدم تجاوز المشاريع التجارية 6.7 في المئة. وقد كشفت دراسات أخرى عن تقارب في سلوك المهاجرين المغاربة المتعلق باستثمار عوائدهم المالية داخل مجتمعاتهم الأصلية؛ من جهة استئثار تلبية حاجات العائلة بأكثر من نصف العوائد المالية لبناء، أو اقتناء، منزل بنحو ثلث تحويلاتهم المالية.

خاتمة

لا شكّ في أنّ الدولة تتحمّل قسمًا مهمًّا من المسؤولية في ضعف المردودية التنموية لعوائد

الهجرة؛ بالنظر إلى غياب، أو عدم جدوى، البرامج الخصوصية للإحاطة بالمهاجرين وتوجيههم وتشجيعهم على استثمار تحويلاتهم المالية في مشاريع تنموية ذات مردودية اقتصادية وتنموية عالية، تسهم في حلّ مشكلات الفقر والبطالة من جهة، وتطوير قطاعات اقتصادية ذات خصوصية محلية ترتبط بطبيعة الجهة وتركيبتها السوسيولوجية. فقيمة التحويلات المالية الناتجة من هجرة التونسيين لا تنحصر في تحسين ميزان الدفوعات والرفع من قيمة الادخار الوطني، بل في مآلات هذه الأموال وتحولها إلى رساميل منتجة لقيم مضافة، وتحولها، أيضًا، إلى رافعة تنموية وطنية وجهوية ومحلية تلامس عديد مناحي الحياة الاقتصادية. فالهجرة هي مؤشر دالّ على مستوى التنمية في بلد الانطلاق، من جهة أنّ توسّع الظاهرة دليل على عجز الدولة ومقاربتها التنموية عن الاحتفاظ

برأسمالها البشري المؤهّل أو غير المؤهّل؛ لافتقارها إلى الحلول التنموية لمشكلات البطالة والفقر، وغياب الآفاق العلمية والمهنية والتشغيلية المناسبة لطموحات وانتظارات اليد العاملة المتعلّمة والمؤهّلة. ومن جهة أخرى، أضحت الهجرة أحد أهم ركائز الاستراتيجيات التنموية لبلدان المنشأ بالنظر إلى ما تقدّمه من تدفقات عالية للتحويلات المالية التي قد تتحول إلى رافعة تنموية ومصدر لخلق ديناميات تنموية، إذا ما أحسنت الدول تأطير المهاجرين والعائدين منهم وتوجيههم أيضًا، لتحولهم إلى فواعل تنموية مهمّة. إنّ ما انتهت إليه دراستنا للفعل التنموي، أو الأثر التنموي لإنفاق الرساميل المالية المحولة إلى مجتمعات الانطلاق المحلية، لا يستقيم معه اعتبار الهجرة التونسية دينامية تنمية؛ استنادًا إلى غلبة الطابع الاستهلاكي غير المنتج المتّصل بتغطية مصاريف العلاج والتعليم والغذاء واللباس من جهة،

(75) Bachir Hamdouch et al. Les Marocains résidant à l’étranger: Une enquête socio–économique (Rabat: Imprimerie El Maarif El Jadida, 2000).

((7 الهجرة الدولية في أرقام (" ".

(77) Jean Pierre Cassarino, Migrants de Retour au Magreb, Réintegration et Enjeux de Développement (Florence, Italie: l’Union Européenne et l’Institut Universitaire Européen 2007).

وضعف التوجه نحو بعث المشاريع التنموية المتوسطة والكبرى – سواء كان ذلك في المجال الريفي أو الحضري – القادرة على استيعاب جزء من اليد العاملة المحلية العاطلة، وخلق حركية اقتصادية أو إحداث أسواق جديدة. فالغالبية العظمى للمشاريع التي تستوعب جزءًا مهمًّا من عوائد الهجرة تصبّ

فيما يسمّى اقتصاد القرب الذي يمثِّل امتدادًا لهيمنة حضور العائلة، أكان ذلك متمثلً في إدارة هذه

المشروعات الصغيرة أو في أنّ السكن العائلي هو المجال العقاري لتنفيذ هذه المشروعات (محلّت بقالة، أو بيع الملابس أو العطورات أو الإكسسوارات المنزلية أو المغازات الصغرى... إلخ). تحتاج الهجرة، فعلً، إلى التحول إلى دينامية تنموية خاصة ضمن مجتمعات الانطلاق المحلية للمهاجرين، وإلى تدخّل مؤسسات الدولة ذات الصلة المباشرة بمتابعة المهاجرين التونسيين بالخارج، أو عودتهم النهائية إلى الوطن، عبر تأطير الفعل الاستثماري للعوائد المالية للمهاجرين وتوجيهه وإرشاده، وتقديم المساعدة التقنية والقانونية والمالية لتوجيه استثماراتهم نحو القطاعات الاقتصادية الأقدر على استيعاب هذه الرساميل وتنميتها وإدماجها في الدورة الاقتصادية، وفي السيرورة التنموية للبلاد عمومًا،

أو المجتمعات المحليّة خصوصًا. وفي هذا السياق، تضمّن الميزان الاقتصادي لسنة 0212، الصادر عن

وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار التونسية، برنامجًا لتركيز آلية " تونسنا للإدماج " تحت إشراف

ديوان التونسيين بالخارج، وإطلاق المسح الوطني للهجرة الدولية في تونس Tunisia HIMS الذي أنجز في الفترة حزيران/ يونيو‑ تموز/ يوليو 0202 – آذار/ مارس 0212، بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء والمرصد الوطني للهجرة ومن شأنه توفير معطيات إحصائية دقيقة ومحيّنة متعلقة بمختلف الجوانب

المحيطة بالهجرة المغادرة والوافدة في تونس، ولا سيما مساهمة الهجرة التونسية في التنمية ووجهات استثمار العائدين لأموالهم المحولة.

References

المراجع

العربية

الأمم المتحدة، صندوق الأمم المتحدة للسكان، المجلس الدنماركي لللاجئين (آلية رصد الهجرة المختلطة Mi" 4 "). " مشروع الهجرة المختلطة للشباب، دوافع الهجرة والحاجيات للخدمات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية، دراسة كمية ونوعية للمهاجرين الشباب في تونس الكبرى 017 2 " (نيسان/ أبريل 018.)2 في: https://bit.ly/2HIE9uC الأمم المتحدة. المنظمة الدولية للهجرة. تقرير الهجرة في العالم لعام 2018. في:

https:// bit. ly /3 HEli 0 o

الأمم المتحدة، المنظمة الدولية للهجرة، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. تقرير الهجرة الدولية لعام 2015: الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية متغيرة. في:

https:// bit. ly /2 GQHrLc

(7((الجمهورية التونسية، وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، الميزان الاقتصادي لسنة 2021 (تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020)،

ص.153–152

________. تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2019 الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة. والنظامية في سياق المنطقة العربية. في: TE 4 T 2 n /3 ly. bit:// https بلعباس، عبد الله. " ظاهرة الهجرة عند عبد المالك صياد: من السياق التاريخي إلى النموذج السوسيولوجي ". إنسانيات. العدد 2).013(62 البنك المركزي التونسي. " الإحصائيات النقدية والاقتصادية والمالية ". في: tNmvgo /3 ly. bit:// https https:// bit. ly /3 QvBMfA في:. 2017 التقرير السنوي ________. ________. البنك المركزي التونسي–التقرير السنوي 2019. موقع إدارتي. في:

https://bit.ly/3bgb0HK

التايب، عائشة. " الفتاة العربية والهجرة إلى الجنات الموعودة: محاولة في الفهم ". عمران. مج  6، العدد 21 (صيف.)2017 تيبو، جولان. الدولة التونسية والتونسيون في الخارج: دراسة حول ديناميكيات الجاليات العربية المغتربة: تعزيز المساهمات الإيجابية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتحولات الديمقراطية في أوطانهم الأصلية. القاهرة: المنظمة الدولية للهجرة؛ جامعة الدول العربية،.2012 الجمهورية التونسية، المعهد الوطني للإحصاء. " التعداد العام للسكان والسكنى 014 2 ". إحصائيات تونس. في 5: T 1 tKI /3 ly. bit:// https الجمهورية التونسية. مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس. التقرير الوطني لتقييم مستوى تنفيذ الجمهورية التونسية لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية +20 (تونس: حزيران/ يونيو 013.)2 في: tMrlKY /3 ly. bit:// https الجمهورية التونسية. وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار. الميزان الاقتصادي لسنة 2021. تشرين الأوّل/ أكتوبر.2020 الجمهورية التونسية. وزارة الشؤون الاجتماعية، المرصد الوطني للهجرة. " الهجرة الدولية في أرقام من خلال المسح الوطني للهجرة الدولية بتونس ". في: pL 0 M 4 n /3 ly. bit:// https ________. المرصد الوطني للهجرة. " تونسيو العالم منصة افتراضية موجّهة للتونسيين بالخارج ".

في: QzOdqu /3 ly. bit:// https

السحباني، عبد الستار. الشباب والهجرة غير النظامية في تونس: دراسة ميدانية للتمثات الاجتماعية والممارسات والانتظارات. تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،.2016 غرانوفيتر، مارك س. " قوة الروابط الضعيفة ". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج  7، العدد 26.)2018(

اللجنة الاقتصادية لأفريقيا واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا وأفريقيا، دراسة عن تحويات التونسيين المقيمين بالخارج. شمال أفريقيا: الأمم المتحدة،.2015 لطرش، عبد القادر. " واقع الهجرات المغاربية وتحولاتها ". عمران. مج 1، العدد 3 (شتاء 2).013 المالكي، عبد الرحمان. الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضّر والهجرة في المغرب. فاس: كلية الآداب ظهر المهراز، مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية،.2015 مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس. التقرير الوطني لتقييم مستوى تنفيذ الجمهورية التونسية لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية 20 + (تونس: حزيران/ يونيو 013.)2 في:

https://bit.ly/3tMrlKY

مبروك، مهدي. أشرعة وملح: ثقافة الهجرة السرية (الشبكات والتنظيم). تونس: دار سحر للنشر،.2010 مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس. التقرير الوطني لتقييم مستوى تنفيذ الجمهورية التونسية لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية 20 + (تونس: حزيران/ يونيو 013.)2 في:

https://bit.ly/3tMrlKY

المؤشر العربي /2017 2018. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. في:

https://bit.ly/2LadHMF

المؤشر العربي /2019 2020. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. في:

https://bit.ly/3Qno8eq

الهرماسي، عبد اللطيف. الدولة والتنمية في المغرب العربي، تونس أنموذجًا. تونس: سراس للنشر،

الوشاني، عادل. " المال المهاجر في تونس وإمكانات تفعيله في تحقيق التنمية: الفرصة الضائعة ". المستقبل العربي. العدد  754 (أيلول/ سبتمبر 018.)2

الأجنبية

Actes de la deuxième Ecole d’Eté sur la Migration. Migration et Développement Durable en Tunisie: Observations, analyses et perspectives. Tunis: Organisation Internationale pour les Migrations, 2016. Assemblée générale des Nations Unies. Migrations internationales et développement. Rapport du Secrétaire général. A/60/871. (18/5/2006). Banque Centrale De Tunisie. La Balance Des paiements Et La Position Extérieure Globale De La Tunisie. Tunis: Décembre 2019. Benhaddad, Nesrine Amina & Nacer–eddine Hammouda. "Contribution des migrants de retour au développement de leurs pays d’origine. Étude comparative entre les pays du Maghreb: l’Algérie, la Tunisie et le Maroc." Insaniyat. no. 69‑70 (Juillet–Décembre 2015).

Bouchoucha, Ibtihel et al. Quel liens les Tunisiens résidant en Europe gardent– ils Avec le pays d’origine? Tunis: Organisation Internationale pour les Migrations, 2011. Bouzidi, Samir. "Mobilisation de la diaspora: Bonnes pratiques à l’international et éléments de transposabilité en Tunisie." LEMMA Projet de soutien au partenariat pour la mobilité UE Tunisie (Tunisie, 2018). Cassarino, Jean Pierre. Migrants de Retour au Magreb, Réintegration et Enjeux de Développement. Florence, Italie: l’Union Européenne et l’Institut Universitaire Européen, 2007. Castells, Manuel. Vers une théorie de la planification urbaine. Paris: Maspero, 1997. Degenne, Alain & Michel Forsé. Les Réseaux sociaux. Une Analyse structurale en sociologie. Paris: Éditions Armand Colin, 1994. Drechsler, Denis & Jason Gagnon. "Les migrations, une source de développement à exploiter." Annuaire suisse de politique de développement. no. 27–2, 2008. Mis en ligne le 22 mars 2010. at: https://doi.org/10.4000/aspd.193 Emmanuel, Ma Mung. "L’impact des transferts migratoires dans la ville de M’saken (Tunisie)." Revue européenne des migrations internationales. vol. 2, no. 1 (Septembre

Hamdouch Bachir et al. Les Marocains résidant à l’étranger: Une enquête socio– économique. Rabat: Imprimerie El Maarif El Jadida, 2000. Jelassi, Hechmi. Mohammed Ridha Ben Amor & Gabriella Sanchez. 2020: Les sources d’information et les leviers de motivation pour la migration régulière et irrégulière depuis La Tunisie. L’Observatoire national de la migration (ONM) et L’Organisation internationale pour les migrations (OIM) (Tunisie: 2020). at: https://bit.ly/3HCkFo7 Kassar, Hassène. "Changements sociaux et émigration clandestine en Tunisie." XV Congrès de l’UIESP. Juillet, 2005 Tours, France. Khachani, Mohamed. Dialogue Sur La Coopération Migratoire En Méditerranée Occidentale. Association Marocaine d’Etudes et de Recherches sur les Migrations. Rabat: Maroc, 2002. Khalifa, Chater. "Les mouvements migratoires entre la France et la Tunisie aux XIXe et XXe siècles, la dichotomie du langage." Cahiers de la Méditerranée. Mots et migrations. no. 54. L’Office français de l’immigration et de l’intégration (OFII). "Migration De Retour Et Réinsertion En Tunisie Enjeux, Potentiels Et Role De L’Accompagnement." Actes Du Séminaire (30–31/3/2017). Levitt, Peggy. " Social Remittances: A Conceptual Tool for Understanding Migration and Development." Paper Work. no. 96. 04. Harvard Center for Population and Development Studies. Cambridge, 1996. L’Organisation internationale pour les migrations (OIM). "Projets de retour... Projets d’avenir." BROCHURE 31 mai 2016. at: https://tunisia.iom.int/fr/search

Mabrouk, Mehdi. "El Harikoun, pour une approche sociologique du milieu social des immigrés clandestins et de leur imaginaire." Revue tunisienne de sciences sociales. no. 125 (2003). Marie, Ducheny, Andrea Rea & Maryse Tripier. "Sociologie de l’immigration, (collection "Repères"), 2003." Les Annales de la recherche urbaine. no. 96 (2004). Nations Unies. Migrations internationales et développement , Rapport du Secrétaire général. New York: 2006. Organisation Internationale pour les Migrations. Aide au Retour Volontaire et à la Réintégration de Suisse en Tunisie (2015). at: https://bit.ly/3y5XwHR Piché, Victor. Les Théories de la migration, Collection: Manuels et Textes fondamentaux. Paris: INED, 2013. Piguet, Étienne. "Les théories des migrations. Synthèse de la prise de décision individuelle." Revue européenne des migrations internationales. vol. 29, no. 3

Pinel, Jordan. "Séraphin Gilles, Famille et migration." Revue européenne des migrations internationales. vol. 35, no. 1–2 (1/10/2019). Sayad, Abdelmalek. La Double Absence: des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré. Paris: Éditions du Seuil, 1999. Séraphin, Gilles. Famille et migration, Recherches familiales. no. 13. Paris: Éd Union Nationale des Associations Familiales, 2016. Wade, Cheikh Samba & Aboubacry Wade. "La migration, facteur urbanisant et de développement socio territorial dans la vallée du fleuve Sénégal." Études caribéennes (April–August 2018). Wanner, Philippe. "L’apport des migrants au développement: Une perspective économique. Annuaire suisse de politique de développement." no. 27–2, 2008. 22/3/2010. at: https://doi.org/10.4000/aspd.193