Return to Article Details Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity

قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية

Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity

محمد بكاي| Mohammed Bekkaye *

الملخّص

عنوان الكتاب: قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية . عنوان الكتاب في لغته : Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity . المؤلفة : جوديث بتلر. المترجم : فتحي المسكيني. الناشر : الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر : 2022. عدد الصفحات : 340 صفحة.

Abstract

Book title : Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity . Author : Judith Butler. Translator : Fethi Meskini. Publisher : Doha and Beirut: The Arab Center for Research and Policy Studies. Date of Publication : 2022. Pages : 340.

الكلمات المفتاحية:
  • النسوية
  • التفكيك
  • الجندر
  • الكوير
  • ما بعد البنيوية
  • جوديث بتلر
Keywords:
  • Feminism
  • Deconstruction
  • Gender
  • Queer
  • Poststructuralism
  • Judith Butler

عنوان الكتاب:

المؤلف ة: جوديث بتلر. المترج م: فتحي المسكيني. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 034 صفحة.

قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

موقعة الكتاب وأهميته المعرفية

يُعدّ كتاب جوديث بتلر قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية كتابًا احتجاجيًا ونقديًّا بامتياز، له موقعه المتميز في حقل الدراسات الثقافية والجنسانية، تتجاوز فيه بتلر التحديدات البيولوجية أو مقولات المنهج النفسي، لتقدم رؤية اجتماعية فلسفية مختلفة في ظلّ نظام القوى المهيمنة والاستراتيجيات السياسية ضد الجنسانيات الهامشية. الكتاب جريء في طرحه، حين يناقش النشاط الجنسي للأفراد وتصوّر المتعة، بعيدًا عن المعيارية والمركزية الجنسية. حظي بأهمية واسعة في حقل دراسات الكوير Queer لانفتاحه المعرفي المبكّر، ويُعدّ حاليًا مرجعًا أساسيًا في نظريات الجنسانية والنقد الثقافي والنسوية. كما يتّسم بالتمرد الأسلوبي والصعوبة في عرضه لأسئلة الاختلاف الجنسي والجسد الأنثوي. وقد مثّل منذ ظهوره عملً أصيلً وحقق حفاوةً في لغات العالم كلها، وينقل اليوم إلى اللغة العربية، بترجمة المفكر فتحي المسكيني، لعلّه يفتح نقاشات ثقافية بشأن ممارسات الهويات الجنسية، في ظلّ وسط عربي تفشّت فيه الدوغمائيات الجنسية المتسيّدة والمكبوتة.

الفصل الأول: ذوات الجنس/ الجندر/ الرغبة

تقترب بتلر في المبحث الأول " النساء بوصفهن الذات التي تدور حولها النسوية "، من ذات النساء (بالجمع) التي يتعذّر توثيقها بفهم ثابت أو دائم، فهي خارج أي تطويق عقلاني أو تثبيت دلالي يحفّها. وتقدم مصطلح " النساء " بصيغة الجمع، لأنه يحمل دلالة على هوية مشتركة في صيغة الجمع، وهو موضع جدل وقلق وريبة وإزعاج أيضًا، في فضحه الأوهام التأسيسية التي تركن لها فكرة الذات. كما تثير فكرة تحوم حول ذات " ما قبل القانون "، في نوع من الاستدعاء للقبلي اللاتاريخي باعتباره الأساس الوهمي لادّعائه الخاص للمشروعية والقانونية، وهو ما تتشكّل في كنفه الذات. فالقانون بالنسبة إلى بتلر " ينتج ومن ثم يخفي فكرة وجود ذات ' قبل القانون '، وذلك من أجل استدعاء تلك التشكيلة الخطابية بوصفها مقدّمة أساسية، من شأنها لاحقًا أن تشرعن تلك الهيمنة الضابطة الخاصة للقانون " (ص  69 وتتمثّل). الجينيالوجيا النقدية التي تطمح إليها بتلر في صياغة نقدية لمقولات الهوية التي قامت البنى القانونية المعاصرة بتوليدها وتطبيعها وتثبيتها، وهي ممارسات مشرعنة للحقل المعاصر للسلطة. وتناقش بتلر في المبحث الثاني " الترتيب الإجباري للجنس/ الجندر/ الرغبة "، فكرة تشكّل الجندر بوصفه تأويلً ثقافيًا للجنس، أو باعتباره مرآةً للجنس، وأنّ الذات تُشكَّل ثقافيًا بالقوة، لضبط وحدتها وشموليتها. كما تقدّم تعريفًا للجندر هو " الوسائل الخطابية الثقافية التي من خلالها تكون الطبيعة المجنوسة أو يكون جنس طبيعي ما شيئًا منتجًا ومثبتًا بوصفه سطحًا سابقًا على الخطاب " (ص. 78). وتحاول عبر هذا المطلب مساءلة الجنس، هل هو طبيعي، هرموني، وهل هناك جينيالوجيا بمقدورها أن تعرض الخيارات الثنائية بوصفها بناءً متغيرًا؟ وتسائل في المبحث الثالث " الجندر: الخرائب الدائرية للنقاش المعاصر " عن كيفية بناء ثقافي مختلف للجنس، وكيف يقع بناء الجندر وأين؟

تسأل بتلر عن الطرائق والآليات التي يوحي بها هذا البناء. بعبارات أخرى، سعت بتلر لاستشكال موقع الذات والجندر وإعادة تفكير جذرية في مقولات الهوية، إلحاح نقدي يزحزحها عن البعد الذكوري، ويدعو إلى حق النساء في التفكير بطريقة ليست واحدة، كما ستشير إليها مع لوسي

كما ناقشت أفكار سيمون دي بوفوار de Simone Beauvoir التي دعت إلى أن يكون جسد الأنثى الوسيلة لحرية النساء، أي إنها تسقط جنس الأنثى بلا وعي في جسدها فحسب. وفيه تكريس مبالغ فيه لجدلية العبد والسيد، أو لمقولات الاقتصاد الدلالي الذكوري والإلحاح الديكارتي لثنائية العقل (الذكورة)/ الجسد (الأنوثة)، وهذا من شأنه أن يوطّد علاقات الخضوع والهيمنة والتراتبية السياسية. تنتقد بتلر هذه الرؤية الكلاسيكية مع بوفوار، وتنتصر لفكرة إريغاراي الناقمة على أي تصور ذكوري–قضيبي للذات النسوية للدلالة على جنس الأنثى، فهذا النمط المعرفي يكرّس فكرة إعادة إنتاج تخيلّات رغبته الخاصة المتضخمة ذاتيًا، وتحديدًا اسميًا ثابتًا، يُخسف العنصر الأنثوي ويُقبعه تحت عباءة الذكوري. لكن هل الأنثوي هو ما يُبنى باعتباره جسمانية متنكّرًا لها؟ في إطار تقديمها الإكراهات الدلالية والخطابية التي تمارس على الجندر، تشير إلى وجود دلالات معارضة لها. هنا تناقش بتلر بعمق أفكار النسوية الفرنسية إريغاراي بشأن جنس الأنثى باعتباره الذات التي ليست واحدة، لأن المقولات العقلانية والتصورات الكونية تفترض تحديدًا ماهويًا للأشخاص، أي رسمًا للجوهر والباطن، أو افتراض شخص جوهري حامل جملةً من الصفات الماهوية وغير الماهوية المختلفة، أي إنه مجندر سلفًا. إن المنظور النسوي عند إريغاراي، الذي تتفق معه بتلر إلى حد بعيد في ثنايا نقدها التخريبي للنسوية، يرى في الجنس الأنثوي نقطة غياب لغوي، وعدم إمكان جوهر مدلول عليه نحويًا، أي إنه حمّالٌ وهمًا ذكوريًا أساسيًا بامتياز. مقولة إريغاراي " الجنس ليس بواحد "، تقوّض أيّ نقطة تأسيسية للجنس الأنثوي، وتفضح التصورات الشمولية المنغلقة ضمن الدعامتين الأساسيتين للمركزية القضيبية " الأنا والآخر ". انطلاقًا من كشف زيف الدلالة يماط اللثام عن البنية الكاملة للتمثيل بوصفها بنية غير ملائمة. في المبحث الرابع " في تنظير الثنائي والأحادي، وما وراء ذلك "، تواصل بتلر مناقشة النزعة الماهوية والكونية للهوية الأنثوية التي اهتمّت بها النظرية النسوية المعاصرة، حيث حثّت فيه على ضرورة مساءلة علاقات السلطة التي تكيّف إمكانات الحوار وترسم حدودها، تقوّض فكرة الوحدة التي تعكس تمثلً إمبرياليًا، أو حيلة من نوع جديد للأنساق الذكورية التي تكرّس فكرة إلغاء الآخر بطريقة مبطّنة، وتحاول عقلنة النزعة الذكورية وتوسعة حقولها. عبر هذا الشقّ تواصل بتلر إثارة التفاوت النظري بين دي بوفوار وإريغاراي، فبينما تلتفت الأولى إلى التبادلية الفاشلة لجدلية غير متناظرة، تقترح الثانية أن الجدلية نفسها في التفصيل المونولوجي لاقتصاد دلالي ذي نزعة ذكورية. تواصل بتلر في المبحث الخامس " الهوية، الجنس، وميتافيزيقا الجوهر " زعزعة المقولات الفلسفية في فهم الذات والهوية الشخصية التي تدّعي التماسك الداخلي للهوية وترجيح المعايير المعقولية والحفاظ عليها اجتماعيًا، لأن هويات الجندر تفشل في التكيّف مع المعايير التي

تسلّطها عليه أنساق الثقافة. وتنتقد أي تفكير مستقر ومؤمَّن للجنس والجندر والجنسانية، لأن الهوية ناجمة عن الإنجازات والممارسات الثقافية والخطابية، وتروم إلى لعب فوضوي وتشتيتي ومتنافر للصفات الذي يفشل في مطابقة النماذج التسلسلية، يقاوم الاندماج والانصهار في إطار الجاهز للأسماء الأولى، أو النعوت الثانوية والممارسة الجنسية والرغبة (ص. 95). تحمل أيضًا هذه الرغبة التدميرية للنساء اختلافًا بوصفهن موقعًا لتعدّد تخريبي لجوهر الذات، وهنا تعود إلى تقديم أفكار مونيك فيتيغ Wittig Monique ونقدها، والتي تقترح نظامًا شبقيًا غير مركزي–قضيبي لتبديد أوهام الجنس والجندر والهوية. انتقدت فيتيغ النظام الرمزي الذكوري باقتراح ذات سحاقية تعادله، وتستخدم هذه الذات اللغة، أو تصبح اللغة أداة لوجود ذات معرفية قبل اللغة، مسؤولة عن إنتاج مقولة الجنس في حدّ ذاتها وعن تطبيعها، لكن ترى بتلر في بعض أفكار فيتيغ انضواءً تحت ضرب الميتافيزيقا الجوهرية المؤكدة للنموذج المعياري للإنسانوية. تختم بتلر هذا المبحث مستخلصة أن الجندر يتشكل هوويًا على نحو إنجازي بوساطة التعابير نفسها التي يُفترض أنها نتائج ناجمة عنها (ص. 071)، منتقدة أنطولوجيا الجواهر والماهيات باعتبارها زائدةً على الحاجة. بعبارات أخرى، يحمل الجندر دلالات عائمة وزئبقية، مشكّلة الهوية التي تدّعي أنه هي، الجندر دائمًا عمل نقوم به doing A، لكنه ليس عملً من طرف ذات يمكن أن يقال إنها توجد قبل العمل deed the. تواصل بتلر مناقشة القانون الأبوي الذي يوطّد لعلاقات الخنوع والهيمنة في المبحث السادس من الفصل الأول للكتاب حول " اللغة والسلطة واستراتيجيات الانزياح "، يفرّخ هذا القانون الأبوي نسخًا مكررة معياريًا وخاضعة لسلطة القوة. إنّ استنساخ أشكال التنظيمات الثقافية للجنادر يستمد نفوذه من التكرار بوصفه آلية إعادة الإنتاج الثقافي للهويات. دعوة بتلر في هذا الفصل هي حثّ على ممارسة خطابية مفتوحة باستمرار أمام إعادة الدلالة. وتضع بتلر هذا التكرار للمساءلة والتشكل الثقافي للجندر قيد البناء، وهي في ذلك توافق مقولة سيمون دي بوفوار الشهيرة، إن المرأة نفسها هي مصطلح في سيرورة، أي في صيرورة. عبر هذه الدعوة الانزياحية لسلطة اللغة، ترى بتلر أن الأنثوي هو العنصر المتنكَّر له، المقصي داخل نسق الثقافة ومنظومة الجنسانية، لأن الذات الذكورية مجرد بناء تخييلي أنتجه التناغم الواضح مع سلطة اللغة في إخضاع النساء عبر القوانين الأبوية التي تحرم سِفاح القُربى، والأنثوي في ذلك عبارة عن دلالة بتر ونقص.

الفصل الثاني: في التحريم والتحليل النفسي وإنتاج قالب الجنسانية الغيرية

يعالج هذا الفصل قضايا المرأة والأنوثة من منظار التحليل النفسي ومقاربات البنيوية والأنثروبولوجيا ومنزلتها في التحريمات المؤسّسة للجندر وسلطتها وافتراءاتها لتبرير مفهوم كوني للذات الإنسانية، وهذه التحريمات يجسدها " القبل " الملطّخ دومًا بمصالح الحاضر والمستقبل، لا تتردّد بتلر في الحاجة المتواصلة إلى السؤال وإثارة القلق ضد أي هرمية توظّف الخرافات القبلية التي تمجّد مُثلً عليا ومعيارية وتسلّطها قسرًا على الهوية الجنسية. عبر هذا

الفصل تستثمر بتلر أفكار جاك لاكان Jacques فاحصة أيضًا تصورات ليفي ستراوس– Lévi Strauss حول قواعد التبادل والقرابة، مقتربة من مدارات الثقافة وآليات بناء الجندر وطموحات المشروع السياسي وتثبيتات البنيوية. دارت صفحات المبحث الأول حول " التبادل النقدي في البنيوية "، تناقش فيه بتلر أهمية اللغة في وسم الرمزي وتأسيسه للحفاظ على السلامة الأنطولوجية للمتكلمين، حين تساهم اللغة في هيكلة القانون الأصلي الذي يمنع الاتحاد السفاحي بين الولد والأم، كما نظّر له لاكان. فالنساء بالنسبة إلى الفكر الرمزي مثل الألفاظ، تتم مقايضتهن، لكن تجادل بتلر هذا القانون الذي يكرّس متوالياته التوليدية والسلطوية غير المقصودة والمبطلة ذاتها، وتعيد قراءة القانون البنيوي والسردي في تفسير الاختلاف الجنسي، مخضعةً هذه القوانين لمنطق الشك والسؤال لزعزعة أوصارها (ص. 136) رأت البنيوية في اللغة كلًّ نسقيًا أو تماميّة، ومن هناك تتولّد أو تخصّص هوية ثقافية ذكورية حاوية الكل. لكن حاولت ما بعد البنيوية مع فوكو أو دريدا جسّ التباعد بين رُكنَي العلامة اللغوية (الدال والمدلول) وهي لحظة الاختلاف الإرجائي لما تقدمه من إزاحات للمركزية القضيبية التي يروّج لها النظام الرمزي مع ستراوس. وكرّست أفكار هذا الأخير الوظيفة الرمزية والشعائرية للهوية الجماعية، لكن المرأة لا هوية لها كما تقول بتلر، فهي مصطلح علائقي بين مجموعة من الرجال، ولا هي تبادل هوية في مقابل أخرى (ص. 131). بالانتقال إلى الحديث اللاكاني عن قانون رمزي للقرابة، وهي عبارة عن شبكة من الإزاحات الليبيدية عالية التنظيم التي تهيكلها اللغة حفاظًا على سلامة ما، لتأسيس الذات، لكن الذات لا تتكلم إلّ من أجل إزاحة الرغبة نحو حالات لعدم الإشباع، أو البقية الباقية والتحقق البديل للرغبة غير المشبعة كما تراه بتلر (ص. 813)، لأنّ الذات وهي تتحدث عن طريق اللغة والكلام، تبحث عن تعويض أو امتلاءٍ للّذة لا يمكن استردادها، بعبارة أخرى تفشل اللغة ضمن النظام النفسي للذات في بناء دلالة ثابتة، وتمثل الممارسات الثقافية للهويات الجنسية تصعيدًا لا يشبع أبدًا. تواصل بتلر مناقشة أفكار لاكان في المبحث الثاني " لاكان، ريفيير واستراتيجيات التنكر "، حين تتساءل عن " التنكر " أو التقنّع، وهل هو الذي يبني الأنوثة بوصفها انعكاسًا للقضيب، لأجل إخفاء الإمكانات الجنسية المزدوجة الميول التي تخرق البناء غير الملتحم للأنوثة المجنوسة على نحو غيري؟ (ص. 6)14 إن الأنثوي ينهض على التنكر، على ماليخوليا جوهرية لدى النساء. فلدى هذا التنكر ازدواجية ماليخولية، عبر الابتلاع والاستبدان، وهو ضرب من التماهي الماليخولي مع الجسد، تقمّص وارتداء، وهذا ما سيضع الجندر داخل فلك واسع للكآبة، أي القناع الذي يخفي هذا الفقد ويرفض المعايير الثقافية التي فرضتها عليه السلطة الاجتماعية. كما تنتقد بتلر هذا التخصيص الأنطولوجي المركزي عند لاكان الذي تتأرجح مقولاته بين " كينونة من أجل " (ذات ذكرية) لتنصيب نسق قانوني ذكوري وأبوي، وحصول المرأة على قضيب مقموع مرتبط بجسدها، من شأنه أن يحقّق استقلال ذاتها بشكل وهمي، ما هي إلّ الوعد الزائف المستمر من أجل استعادة المتعة السابقة على التفرد (ص. 142).

تنحصر مهمة بتلر في تأمل نقدي حول أنطولوجيا الجندر بوصفها بناءً تفكيكيًا باروديًا Parody، أو ربما اقتفاء أثر الإمكانات المتحركة للتمييز المراوغ بين " الظهور " و " الكينونة " (ص. 145). تواصل بتلر مناقشة الماليخوليا وأثرها في الهوية جنسيًا. الجنسية في المبحث الثالث " فرويد وماليخوليا الجندر "، فالماليخوليا لا تتعارض مع الحداد، فهي " حزن شهواني " كما تصفه جوليا كريستيفا Kristeva Julia، الماليخوليا هي السبيل الوحيد الذي من خلاله يستطيع الأنا أن يبقى على قيد الحياة بعد فقدانه روابطه الجوهرية بالآخرين (ص 66 1)، تجاوز هذا التماهي، يصبح بنية جديدة لهوية الآخر عبر الاستبطان الدائم لصفات الآخر. وأشار فرويد إلى أن بنية الحداد هي البنية الأولية لتكون الأنا، تجربة فقدان كائن بشري آخر نحبه، يمكن أن يقال عن الأنا أنه يبتلع Incorporate ذلك الآخر في بنيته نفسها. بعبارة أخرى، استبطان الفقد هو أمر تعويضي، ليس إحجامًا عن الموضوع، بقدر ما هو احتفاظ به بطريقة نفسية، والاعتبار السردي لاكتساب الجندر هو تكتيك لتضخيم الذات في صلب التحريم نفسه. تذهب بتلر إلى أن التماهي مع حالات الحبّ المفقودة المميزة للماليخوليا، إنما يصبح بمنزلة الشرط المسبق بالنسبة إلى عمل الحِداد. وتطرح بتلر سؤالها " ما هي على وجه الدقة طوبولوجيا الحياة النفسية التي في نطاقها يقيم الأنا تجارب الحبّ المفقودة في مسكن دائم؟ " (ص. 1).70 تعقّد حالات الاستبطان حالات الفقد بالنسبة إلى الأنا، هذا الأخير الذي يعيش تجربة الإزاحة والانقلاب والإفراط، وأحيانًا قمع التعبير عن الرغبة. يشتمل بناء الأنا الباطني على استبطان هويات الجندر أيضًا. وترى بتلر أن تماهي الجندر هو ضرب من الماليخوليا، حيث يكون جنس الموضوع المحرم مستبطنًا بوصفه تحريمًا، ويعاقب هذا التحريم وينظم هوية الجندر المنفصلة عن الأخريات وقانون الرغبة المغايرة

تنتقل بتلر في المبحث الرابع " تعقّد الجندر وحدود التماهي "، إلى تورّط اللغة في تأسيس لغة الاستعادات الزائفة، حيث تكون المشاعر مثبتة عبر مفاعيل التحريم. بعبارة أخرى تصدّ اللغة الذات المتكلمة عن الأصول الليبيدية المقموعة لكلامها. وهنا تعرض أفكار نيكولاس Maria وماريا توروك Nicolas Abraham أبراهام Torok حول اجتياف خاصية الفقد التي تهيّئ في الحداد مكانًا فارغًا، يتفتّق من فقدان جسد الأم بوصفه مكانًا فارغًا تنشأ فيه الألفاظ، جسد الأم بوصفه موضوعًا للحبّ يعبّر عنه الفم الفارغ كشرط للكلام والدلالة (ص. 80)1 يكون الكلام استعاريًا بالضرورة، ويبقى موضوع الرغبة في انزياح دائم، يؤدي هذا الفقد الأوّلي أو الاستبدان، باعتباره نشاطًا مضادًّا للاستعارة، أن يأخذ الفقد بشكل حرفي على الجسد أو فيه، وتتشكل هوية الجندر انطلاقًا من ذلك الرفض، من حظر سفاح المحارم الذي ترى بتلر أنه أشد وطأة من الحظر ضد المثلية الجنسية. بعبارة أخرى، جرى إنشاء الهوية من ذلك الفقد للرّغبة البدئية، ثم إنكارها، ثم نقل ذلك المسار الإنكاري عبر الكآبة أو الوقاية الماليخولية. في المبحث الخامس " في إعادة صياغة التحريم بوصفه سلطة "، تتحدث بتلر عن التحريم الذي يؤسّس " الذات " ويبقى حيًّا بوصفه قانون رغبته، أي إن حظر سفاح القربى يصف ويعيد إنتاج

التمييز بين الجنسانية الغيرية المشروعة والمثلية غير المشروعة، تشتغل بتلر ضمن ما لا يمكن التفكير فيه داخل الثقافة، المقصي، ومأسسة الرغبة وعدم إشباعها، وهو نتيجة قمع اللذة أو الحاجة الأصلية المرتبطة بجسد الأم، فاسترداد اللذة ما قبل القانون هي متخيّلة، تدخل ضمن الاستيهامات غير المتناهية للرغبة، لكنها تصبح إنتاجًا للقانون الذي يعمل بعد ذلك باعتباره تحريمًا لها.

الفصل الثالث: أفعال جسدية تخريبية

في المبحث الأول " سياسة الجسد حسب كريستيفا "، قدّمت بتلر جولة نظرية معمّقة لمسار كريستيفا وتنظيرها النسوي في حقبة الثمانينيات. لكن لا تتورع بتلر عن تقديم نقد حادّ لنظريتها التي ترى فيها من الأبوية والمركزية القضيبية ما يكفيها لتكريس ثبات الذات وصنمية الجندر، كريستيفا التي انطلقت من محاولة قراءة تقويضية لأفكار لاكان، بابتكار موقع أنثوي لقانونه الأبوي والرمزي للغة Symbolique، حيث اهتمت بالسيميائي Sémiotique الذي يمثل بُعدًا لغويًا تعدّديًا مزعزعًا القانون الأبوي، ويحمل بديلً لذلك تبعية جذرية للطفل تجاه جسد الأم. وستكون مفردة السيميائي بديلً من مقولة الرمزي اللاكانية، وفيها تتخذ اللغة الشعرية استردادًا للجسد الأمومي. لكن وقعت كريستيفا في فخّ إقرار السيميائي للعنصر الرمزي على نحو ثابت، وهو إقرار بالحفاظ على بنية أبوية لها استراتيجية سياسية. كما تعرض بتلر نظرية كريستيفا بشأن الماليخوليا، وهنا تتطرق إلى جسد الأم المستبطَن بوصفه سلبًا، حيث تصبح هوية البنت نوعًا من الفقد المرفوض، لكن أمام ذلك الطرد لهيمنة الأبوي بإطلاق سراح التعدد المقموع الموجود في باطن اللغة نفسها، تبقى كريستيفا مشدودة دومًا إلى ذلك القانون بخيط واهن؛ إذ تمجّد الجسد الأمومي في إطار علاقة التبادل الثقافي وتوطيد أواصر القرابة، أي تكريسها للالتزام بإجبارية التناسل. وتنتهج في نقدها كريستيفا نهجَ فوكو، وهو عبارة عن تكتيك في التوسع والتخفّي، لبحث العلاقات التي تتّصل بالسلطة، وتنتج استعارات الجسد الأمومي. تقول بتلر إن " الجسد الأمومي لن يفهم بوصفه الأساس الخفي لكل دلالة، والسبب المضمر لكل ثقافة، بل يُفهم بوصفه مفعولً أو نتيجة لمنظومة معينة عن الجنسانية، حيث يكون جسد الأنثى مطلوبًا من أجل الاضطلاع بالأمومة بوصفها ماهية ذاته وقانون رغبته " (ص  0–21922)، أي إن التحرّر من القانون يكون بتخريب مفرداته من الداخل، وهو عكس ما حجزت فيه كريستيفا نفسها ضمن تصور للقانون الأبوي التحريمي، وهو أن الثقافة أو النسق الرمزي قائمان على نبذ أجساد النساء. تنطلق بتلر في المبحث الثاني " فوكو، هركولين، وسياسات التقطع الجنسي " من عرض نقد فوكو للنظام السلطوي للجنسانية، وهي النظريات التي صاغت في ما بعد الأشكال الهامشية للجنسانية، فوكو الذي يقرّ بأن الجنس هو طاقة رائعة، لكنها محبوسة، تنتظر الانعتاق أو التعبير الأصيل عن نفسها. كما تناقش قضية هركولين باربان Barbin Herculine، الخنثى الفرنسية التي أُجبرت على تغيير جنسها، وهو ما يقود إلى قراءة بديلة لهركولين على الضد من تملك فوكو نصّها ورفضه له بطريقة رومانسية. من خلال اهتمامه بقصتها، يلج إلى عالم حيث اللذات الجسدية لا تدل مباشرة على الجنس بوصفه السبب الأولي والمعنى النهائي، بل ما يتخطاها، وهو توتر بلا حلّ داخل تاريخ الجنسانية. لكن ترى

بتلر في قراءات فوكو أنها تشكل سوءَ فهم جذريًا عن الطريق التي بها كانت تلك اللذات مطمورة في صلب القانون. وجسد هركولين غير المألوف هو سبب الريبة والحيرة والقلق والاعترافات، واختلاط جندرها مع لذّاتها المنتهكة. وتشوش تركيبة هذه الخنثى العضوية العناصر المشكّلة للمقولات الجنسية وتعيد ترتيبها. وهي تؤجّج الصراع للفصل بين البيولوجيا والثقافة، وهو ما يعيد رسم تخوم الهوية الجندرية. ترى بتلر أن فوكو وهركولين كانا متوازيين، لكن ليس بمعنى حرفي، بل بالتحديد من جهة طعنهما في الحرفي بما هو كذلك، خصوصًا كما يطبق على مقولات الجنس (ص. 234). في الأخير تنتصر بتلر لفكر إريغاراي بشأن الغيرية والاختلاف الجنسي، منوّهة بالماليخوليا التي تشير إلى ابتلاع أو استبدان ماليوخولي للأب المفقود؛ إذ نجد هركولين مهملة من الأمّ. تشرع بتلر في المبحث الثالث " مونيك فيتيغ: التفكّك الجسدي والجنس المتخيّل " الحديث عن الجندر باعتباره صيرورة أو بناءً ثقافيًا متغيرًا للجنس، يحمل إمكانات لا تُحصى ومفتوحة لمعنى ثقافي بوساطة جسد مجنوس (ص. 0)25 تعرض عبر هذا المبحث أفكار فيتيغ بشأن أن الجنس مقولة لا هي ثابتة ولا هي طبيعية، بل هي استعمال سياسي على نحو مخصوص لمقولة الطبيعة التي تخدم غرض الجنسانية الإنجابية من جهة، ومن جهة أخرى باعتبار الجنس منتجًا خطابيًا متداولً بوساطة منظومة من الدلالات القامعة للنساء والمثليين والسحاقيات. كانت لفيتيغ مهمة تدعو إلى إعادة تنظيم جذرية لعملية وصف الأجساد والجنسانيات من دون اللجوء إلى الجنس، كما ترى أن اللغة تقاوم لتثبيت الذات ذكوريًا، وتصف الذات المتكلمة باعتبارها ذاتًا، هي فعل القول " أنا "، تعيد تملّك اللغة برمتها. على ما يبدو ترفض فيتيغ وجود جنسانية غيرية إرادية أو اختيارية، وتبقى الجنسانية غير الواعية مقاومة ومستحيلة التجسّد، وفي إخفاق مستمر في التماهي مع مواقف جندرية معيارية. فيتيغ بالنسبة إلى بتلر ذات نزعة مثالية، تفهم الطبيعة بوصفها تمثيلً ذهنيًا، قد تصل إنسانويتها الإشكالية إلى ضرب من ميتافيزيقا الحضور. تستمرّ حفريات بتلر داخل دراما الجسد في المبحث الرابع " نقوش جسدية، تخريبات إنجازية "، لأن السطح والجلد هما مدلول بشكل نسقي بوساطة محرمات واعتداءات محتملة، وفي الواقع، فإن تخوم الجسد تصبح في ثنايا تحليلها حدود العنصر الاجتماعي في حد ذاته (ص. 832)، ويقبع الجسد دومًا تحت الحصار والمعاناة، فلا بد من التدمير الجسماني لإنتاج الذات المتكلمة ودلالاتها. وجب البحث بعد التدمير عن الهوامش، ما هو منبوذ من الجسد ومنزاح عن الحدود، أي عن ذلك النفور الذي يسقط من النسق الرمزي ويطرد من بركة القانوني والمهيمن ثقافيًا. وتتحول هذه الهيمنة إلى إنتاج انضباطي للجندر من شأنه أن يحدث استقرارًا مزيّفًا له، ومن ثم، بناء سياسيًا للجنسانية وتنظيمها على نحو معياري. ولهذا تدافع بتلر في هذا الكتاب عن الجندر بوصفه أسلوبًا جسمانيًا، بوصفه أداءً أو إنجازًا، أو في الإشارة إلى بناء درامي وعرضي للمعنى. تضمّنت خاتمة الكتاب " من الباروديا إلى السياسة " حديث بتلر عن انعدام استقرار جندري لمباحث النسوية، حيث كرّست في فصول العمل مساءلة شديدة النباهة لمجمل الخطابات المعرفية البارزة حول التشكلات الثقافية للجنسانية، لكن

حرصها انكبّ على تحرير الجندر من عقال التنظيرات السياسية والثقافية، وهذا التحرير لن يكون إلّ بتصويب وابل من الأسئلة على هذه السياقات الموطّدة معياريًّا. يتطلب تفكيك الهوية إعادة صياغتها بما ينقض إطارها التأسيسي والماهوي. كما يفاوض الكتاب الذات في عملية تشكّلها وبنائها.

خاتمة

عبر فصول هذا الكتاب، تركز بتلر على فهم الهوية إنجازًا وممارسة دلالية، وهذا ما يدفع إلى تخريب الهوية وإزاحة ما تحيل إليه الخطابات الإبستيمولوجية. وبناءً عليه، يبقى الجندر فعلً مفتوحًا على التصدّعات والمحاكاة الساخرة من الذات ونقد الذات التي تكشف منزلتها الاستيهامية والباطنية النفسية في أساسها. كما قدّم قلق الجندر رؤى تداولية إنجازية لمفهوم الهوية الجنسية ونشاطها، وهو فكر تقويضي يقاوم القمع السياسي والهيمنة المعيارية. لكن الكتاب غارق في الاصطلاحية النفسية والأكاديمية المعقّدة، وهذا ما يسبب عسرًا للقارئ، فهل ستعاني القراءة العربية – كما عانت نظيراتها – فهم لغة بتلر المستعصية؟ مارست بتلر في ثنايا كتابها نوعًا من الازدواجية، فتلتبس بفكر معيّن (مع فوكو أو إريغاراي أو لاكان أو كريستيفا...) وتتواشج معه في جدلية هيغيلية. كما طغت على الكتاب نبرة حادة في نقد افتراض قانون رمزي للهوية، وهذا ما يوطّد من خلل الجهاز النفسي، فالرمزي شرط كل ذات متحدثة، حتى في تفرّدها وفردانيتها وقدرتها على التغيير كما ترى كريستيفا، لأن رفضًا شرسًا للمغايرة الجنسية والنظام الأبوي بنعته بغير القابل للتغيير، يتعاظم أمره من ضفة نراها استثنائية ومختلفة إلى ضفة أخرى تستثمر في الإباحية، وهو ما يشير إليه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين Agamben Giorgio في سياق نقاشه حول الأنساق الجندرية والاجتماعية الجديدة وليدة النظام العالمي الجديد. ووفق ذلك، هل ما زالت سياسة التخريب التي قالت بها جوديث بتلر في قلق الجندر ممكنة؟