ألتراس القاهرة: المقاومة والثورة في ثقافة كرة القدم المصرية
Cairo’s Ultras: Resistance and Revolution in Egypt’s Football Culture
الملخّص
* طالب ماجستير في برنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا.
Abstract
Book title: Cairo’s Ultras: Resistance and Revolution in Egypt’s Football Culture . Author: Ronnie Close. Publisher: Cairo: The American University in Cairo Press. Date of Publication: 2019. Pages: 256.
- الرياضة
- كرة القدم
- الألتراس
- مصر
- السياسة
- Sports
- Football
- Ultras
- Egypt
- Politics
عنوان الكتاب:
المؤلف: روني كلوز Ronnie Close. الناشر: القاهرة: دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة. سنة النشر: عدد الصفحات:
ألتراس القاهرة: المقاومة والثورة في ثقافة كرة القدم المصرية.
مقدمة
عُرفت المجموعات الرياضية تاريخيًّا بكينوناتها وهوياتها وممارساتها العابرة للمجال الرياضي. فالألتراس الرياضي بمفهومه "العام" يبدأ من داخل "الاستاد" Stadium أو مُدرجات الجماهير، لكنه يمتدّ إلى خارج الملعب في المجتمع والسياسة. وفي الحالة المصرية، شكّلت ثورة 2011 لحظةً كاشفةً عن ظهور أحد الفاعلين الاجتماعيين الذين كان لهم دور فعال في تنظيم الفعل الاجتماعي والضغط السياسي خلال مسار إسقاط حكم محمد حسني مبارك. انطلاقًا من هذه الظاهرة، اهتم عدد من الباحثين بمجموعات الألتراس المصرية والتحليل، مركزين على تحولاتها من التشجيع الرياضي التقليدي إلى الفعالية السياسية والمجتمعية. ويأتي كتاب ألتراس القاهرة: المقاومة والثورة في ثقافة كرة القدم المصرية، في هذا السياق المعرفي والمجتمعي. يمكن موقعة الكتاب ضمن حقلَي سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والدراسات الثقافية. وفيه، ينتقل المؤلف في معالجته للظاهرة من العام إلى الخاص، وذلك عبر التتبع التاريخي للسياق الرياضي المصري منذ لحظة تأسيس ناديَي الأهلي والزمالك، مع تحليل سيميائي ومشاهدات ميدانية لثقافة ألتراس القاهرة وممارساتها. ويتبنى المؤلف "النظرية الماركسية" في فهم طبيعة العلاقات داخل لعبة كرة القدم وحولها؛ إذ يجادل بأن تاريخ العلاقة بين ألتراس القاهرة (أهلاوي ووايت نايتس) والأمن المصري، هو تاريخ صراع بين الثقافات السياسية والاجتماعية السائدة و"الثقافة الفرعية" والفريدة للألتراس. ففي حين تحاول النخب الحاكمة وأجهزتها (ممثلةً في أجهزة الأمن، ووزارة الشباب والرياضة، واتحاد الكرة) الإبقاء على "الوضع الراهن" وإخضاع الألتراس للأمر الواقع، تعمل مجموعات الألتراس على مناهضة كل أنماط السيطرة القهرية. وبناءً عليه، فإن وجود فكرة "الألتراس"، يشي بصراع قائم على "التغيير، أو عدمه" وبحالة موازين قوى تتشكل ويعاد تشكيلها (ص 101–97). يسعى الكتاب لتأريخ دور مجموعات الألتراس في مدينة القاهرة، بوصفها حركات اجتماعية، فضلً عن تفاعلاتها مع السياسة والمجتمع، معتمدًا على مقولة "الثقافة الفرعية" Subculture، وعلى فرضية أن الممارسات الثقافية لمجموعات الألتراس في القاهرة تُعبّر عن أحد أشكال المقاومة ضد الثقافة الرياضية السائدة؛ ما أتاح لها إمكانية تطوّر تاريخي اجتماعي فريد، وذلك من خلال صناعة أشكال من المقاومة واقتراح أنماط جديدة من الوجود، خاصةً في ظل سياسات قمعية واسعة (ص 102–99). ويجادل الكتاب، أيضًا، بأن مجموعات الألتراس قد نجحت في صناعة "ثقافة فرعية" لكرة القدم قائمة بذاتها، ومتباينة ثقافيًّا عن المنظومة السياسية السائدة. وهذا يعني أن هذه المجموعات تعمل من خارج المنظومة السياسية والاجتماعية التقليدية؛ ما جعلها تشكّل "تهديدًا" من وجهة نظر السياسيين، في حين أنها تظهر بمنزلة حاضنة اجتماعية بالنسبة إلى فئات المجتمع المهمشة (ص. 134)–106
أولا: ألتراس القاهرة: محاولة في تأريخ الظاهرة
ظهرت البذور الأولى لأندية القاهرة عام 1907، حينما اقترح المحامي والحقوقي المصري عمر لطفي (1911–1867) تأسيس منشأة رياضية محلية
مفتوحة العضوية تمثّل "الشعب"، وتتحدث باسمه مناهضةً للاستعمار البريطاني، وكان ذلك بمنزلة ردة فعل على إقصاء عامة الشعب من الدخول إلى الأندية والمؤسسات الرياضية الموجودة في ذلك الوقت. وهنا جاء مسمى "النادي الأهلي"؛ أي "النادي الشعبي"، أو "نادي الشعب". وفي عام 1919، كان لاتحادات الطلاب القومية دور فاعل في تظاهرات تطالب باستقلال مصر، وكانت الحشود المشجعة لكرة القدم ضمن تلك التجمعات الطلابية. واختير أحد رموز القومية المصرية سعد زغلول (1927–1859) رئيسًا فخريا للجمعية العمومية المؤسسة للنادي الأهلي؛ ما شدد على وسم النادي الأهلي ب "الوطني"، وهو ما ينعكس أيضًا على بنية "ألتراس أهلاوي" اليوم (ص 11–10). في المقابل، أسس النظام الممثل للاستعمار نادي الملك فاروق (الذي جرت تسميته لاحقًا "نادي الزمالك") في كانون الثاني/ يناير 1911، لكن تلك النزعة الموالية للملكية لم تستمر عبر الأجيال، رغم تأثر الإرث التاريخي لنادي الزمالك بذلك، وهو إرث استمرَّ عنصرًا للخلاف بين جماهير الأهلي والزمالك حتى يومنا هذا (ص. 11) ولم تكن ظاهرة الألتراس في مصر بمعزل عن تشكّل الظاهرة ذاتها في العالم العربي، وتحديدًا في تونس التي تشكّل فيها أول كيان جماهيري متماسك البنية يسمى "الألتراس" في عام 1955، حين ظهر ألتراس "أفريكان وينرز" Winners African التابع لمشجعي النادي الأفريقي. وامتدّت الظاهرة إلى المغرب، ثم إلى الأردن وسورية، مرورًا بفلسطين عبر ألتراس خليلي، وصولً إلى مصر في عام 2007، حينما علن عن تأسيس ألتراس وايت نايتس أُ (الفرسان البيض)، ومن ثمة ألتراس أهلاوي ممثلً لهم بصفتهم مشجعين، وكان ذلك بالتزامن مع تشكّل حركات مكافحة توريث الحكم من مبارك الأب إلى ابنه جمال (ص 7، 9، 166–165)؛ إذ حضر جمال وعلاء مبارك مباراتين جمعتا مصر والجزائر في القاهرة والخرطوم عام 2009 ضمن التصفيات الأفريقية المؤهلة لبطولة كأس العالم، مما يدلّ على استمرار استخدام نظام مبارك لكرة القدم لتبديد الإحباط العام في الشارع المصري، خاصةً بانخراط أبنائه في تشجيع الأندية ومحاولة استيعاب الزخم الحماسي الشعبي الذي يرافق عادة مباريات الفريق الوطني. غير أن هذه الممارسات تساوقت مع ظهور احتجاجات على طرائق إدارة الأندية التي كانت مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بنفوذ الدولة المصرية. ففي عام 2006، قبيل بطولة أمم أفريقيا، عملت أجهزة الدولة المصرية بالتعاون مع الإعلام وإدارات الأندية على صناعة تمثل ل "المشجع الجيد"، الذي يُختزل في كونه ابن طبقة وسطى، يجلس في مقاعد الدرجة الأولى أو الثانية، مع استبعاد الدرجة الثالثة من المدرجات، تلك التي أصبحت "منطلق انتماء" لألتراس أهلاوي وألتراس وايت نايتس، أو ما عُرف فيما بعد ب "التالتة شمال" و"التالتة يمين"، والتي عُدت محددًا لهوية الألتراس داخل الاستاد (ص 9، 117–114). يعرض الكتاب كذلك أنه تزامنًا مع عيد الشرطة بحلول 26 كانون الثاني/ يناير 2011، قررت جموع من الطبقات المتوسطة والفقيرة النزول إلى الشارع مطالبةً ب "إسقاط النظام الحاكم"، متخذةً من مقولة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" شعارًا لها. حينئذ، كان موقف الألتراس "دبلوماسيا " محايدًا؛ شكلً، لا مضمونًا. ففي 22 كانون الثاني/ يناير أعلن ألتراس أهلاوي عبر بيان له أنه "مجرد 'جروب' رياضي فقط، وليس له أيّ اتجاهات
سياسية، وأن كل فرد من ال 'جروب' حر في اختياراته السياسية"، وأعلن ألتراس وايت نايتس ممثل نادي الزمالك الموقف نفسه. لكن رغم هذين البيانَين المنشورين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان لأعضاء الألتراس أدوار تنظيمية، خاصةً فيما يتعلق بكيفية التعامل مع قوات الأمن (الأمن المركزي وأمناء الشرطة على نحو أخص). فلم تكن تلك المرة الأولى التي يشتبك فيها الألتراس مع الأمن المصري؛ إذ رددت مجموعة الألتراس التابعة للاتحاد عبارة "تونس تونس" أثناء مواجهة قوات الأمن في مباراة جمعت نادي الاتحاد السكندري ونادي الجزيرة، قبل 25 كانون الثاني/ يناير بأيام، في صالة الاتحاد. وشهدت مباراة جمعت بين الأهلي ونادي مصر المقاصة، يوم 23 كانون الثاني/ يناير، في استاد "المقاولون العرب"، رفع مشجعي ألتراس أهلاوي الأعلام التونسية في المدرجات. استمرت اشتباكات المتظاهرين ومن ضمنهم مجموعات الألتراس مع الأمن المصري في الفترة 28–26 كانون الثاني/ يناير 2011، ليشهد ميدان التحرير يوم 2 شباط/ فبراير تشابكًا بين مؤيدي مبارك ومعارضيه ضِمن ما سمي "موقعة الجمل"، التي قُتل فيها بعض أفراد الألتراس وأصيب بعضهم الآخر، وهم الذين كان لهم دور فعال في حماية المتظاهرين (ص 8، 26، 38، 193). ويشرح المؤلف كيف أن أعوام ما بعد الثورة شهدت بعض التحولات في تاريخ تشكّل "الثقافة الفرعية لألتراس القاهرة". فقبيل نهاية مباراة جمعت النادي الأهلي والنادي المصري البورسعيدي بعشر دقائق عام 2012، هاجم عددٌ
(((أحمد شعيشع، "فرسان الثورة: الألتراس من التشجيع الرياضي إلى التوظيف السياسي"، أكاديميا، 2021، ص 9، شوهد في 2022/10/3، في: https://bit.ly/3Crmqn7
من "البلطجية" التابعين للنادي المصري، بالتنسيق مع الأمن المصري، جماهير النادي الأهلي في محاولة لعقاب مجموعة ألتراس أهلاوي على المشاركة في ثورة يناير؛ ما أدى إلى مقتل 74 شابًّا ضِمن ما بات يُعرف ب "مذبحة بورسعيد". وقد أعاد ذلك الحدث إنتاج الذاكرة العدائية بين ألتراس أهلاوي والأمن. وفي عام 2013، رفع أعضاء ألتراس أهلاوي لافتات حملت شعارات "لن نسامح"، و"لن ننسى"، و"الشعب يريد إعدام المشير". وهنا يرى المؤلف أنّ مفهومَي "عدم التسامح"، و"رد الاعتبار"، يملكان قدرة تفسيرية للفعل الاجتماعي والسياسي لمجموعات الألتراس عبر الخطوط الزمنية المختلفة (ص 115–74). وفي مباراة جمعت بين الزمالك ونادي إنبي عام 2015، اشتبك الأمن المصري مع أعضاء ألتراس وايت نايتس؛ ما أدى إلى مقتل 22 شابًّا تراوح أعمارهم بين 17 و 23 عامًا، وعُرفت الواقعة ب "مذبحة الدفاع الجوي"، وقد عبرت عن وضعية "إعادة إنتاج" عنف الدولة تجاه المجتمع ممثلة "العامل الرئيس في تشكل الهوية السياسية الفريدة لحركة الألتراس"؛ إذ تبعت هذه الأحداث حالات "تضامن" بين كل المنتمين إلى هوية "الألتراس" حتى إنه جرى حلّ هيكلها رسميًّا عام 2016. وبعد مجزرة بورسعيد (2012)، عبّر أعضاء ألتراس وايت نايتس عن تضامنهم مع ألتراس أهلاوي عبر تجمعهم حول محيط وزارة الداخلية، مطالبين بمحاكم عادلة (ص 4، 62–53) للمتسببين في المذبحة.
ثانيًا: ثقافة ألتراس القاهرة: الفرعي مقابل السائد
بحسب المؤلِّف، يشغلُ "التمرد" مكانة مركزية في ثقافة الألتراس عمومًا، وظهر ذلك من خلال
التفاعل بين الألتراس وأجهزة الدولة وإدارات الأندية والإعلام. فالألتراس يرفض "السلطة المركزية" و"الإخضاع" الذي تمارسه الدولة على المجتمع. وفي الحالة التي يدرسها المؤلف، نجد أحد تمثلات هذا التمرد في ثنايا علاقة ألتراس أهلاوي وألتراس وايت نايتس مع عناصر الأمن المركزي في القاهرة (2016–2011). وهذه العلاقة مبنية على أرضية تتلخص في شعار "كل All Cops Are Bastards رجال الشرطة أوغاد" (ص. 20)، وترفض مجموعات الألتراس "الثقافة الرياضية السائدة" المعتمدة على خطاب حداثي، وهذا يتجلى من خلال شعار مركزي لهم حول العالم "ضد الكرة الحديثة" Modern Against Football، خاصةً بما تتضمنه اللعبة من منطلقات رأسمالية تتعامل مع الرياضة بمفاهيم السوق (الربح والخسارة)، ويبدو ذلك جلي ا في برامج التحليل الرياضي والإعلانات الممولة، وصفقات البيع والشراء و"تبادل" اللاعبين؛ ما جعل كرة القدم تبتعد عن مقولة "الكرة للجماهير"، لتصبح وسيلة "المستثمرين الرياضيين" في تحقيق الربح ومراكمة الثروة (ص 46–20). وفي تحليل المؤلف للظاهرة، يذهب إلى أن مجموعات الألتراس تتسم ببعض خصائص. Collective Movement " الجماعية "الحركة فمثلً، يُمنع أي فرد منتمٍ إلى المجموعة من التوقف عن التشجيع أو الجلوس ما دامت المباراة مستمرة، بغضّ النظر عن وضعية الفريق أثناء المباراة. ويتمتع الألتراس باستقلالية تامة ماديًّا وإداريايًّ وسياسيًّا؛ إذ يُموَّل ذاتا عن طريق أفراده ولا يعبّر عن انتمائه إلى أي حزب. ويُعدُّ العمر سمة مهمة، حيث تراوح أعمار المنتميين إلى الألتراس بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين، وهو ما لا يتفق مع التعريف السائد للجمهور العادي العابر للأجيال. وبطبيعة الحال، تختلفُ مجموعات الألتراس عن مجموعات "الهوليغانز" Hooligans الأكثر فوضويةً وعنفًا من بين فئات المشجعين (ص. 93)–32 ويتّسم ألتراس القاهرة، بحسب المؤلف، بثقافة فريدة ذات تركيبة غير متجانسة؛ إذ تضم تحت مظلتها أفرادًا من مختلف الأصول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع المصري. وهذه التركيبة بدورها تعملُ على إعادة التشكيل الثقافي لمفاهيم كرة القدم، وتنفذُ إلى المجتمع بمختلف شرائحه وعبر أجياله؛ ما يؤدي إلى ديمومة هذه الثقافة خارج بنى المجتمع التقليدية، وسعيها لبلورة أنماط بديلة للوجود تتحدى سلطة النظام الأبوي Patriarchal أساسًا، الذي يتمثل بالنسبة إلى الألتراس (أهلاوي، ووايت نايتس) في منظومة الأمن والحكم العسكري وشبكات تأثيرها المكوَّنة من رجال الأعمال. وفي هذا السياق، يرى المؤلف أن "ألتراس الأهلي والزمالك في القاهرة يعبّران عن بنية اجتماعية تقدمية، لها القدرة على تشجيع المجتمعات للاقتراب أكثر نحو التنظيم الذاتي والمستدام" (ص 39–12). من جهة أخرى، يرى المؤلف أن ألتراس القاهرة يعتمدُ تنظيمًا غير مركزي وغير هرمي يمثّل الطبقات الفقيرة والغنية، ويجمع بين عناصره الأكثر تمردًا والأكثر محافظةً. وهو بذلك قد أتاح فرصًا أكثر ليبرالية لمشاركات تتمتع بالحرية والتعبير عن الرأي والمساواة، على عكس ما وفره النظام المصري الدولاتي، المحافظ سياسيا، والرافض لعمليات الإصلاح من خارج المنظومة السائدة. وعلى عكس حالة غياب "الثقة" بين المجتمع والسياسيين، تجمعُ الثقة بين "الكابو" (مسؤول مجموعة الألتراس داخل الملعب) وبقية
أعضاء الألتراس، وقد رأى المؤلف أن ذلك يعبّر عن "نمط بديل" وثقافة جديدة يؤسسان لمجتمع جديد داخل المجتمع الواسع؛ ما جذب الكثير من الفئات الفقيرة والمهمشة (ص 104–72). وفي هذا السياق، ولفهم طبيعة عمل الألتراس بعد عام 2011، يتبنّى المؤلف أطروحة جاك رانسيير Rancière Jacques التي تقول إن الفكر النقدي يقوم على إنتاج "تصور جديد للعالم" من خلال ثلاث خطوات: تكوين إدراك حسّي للغرابة، وتطوير الوعي بمسببات الغرابة، وتعبئة Mobilization ا نتيجةً الأفراد سياسيًّا واجتماعي لهذا الوعي (ص. 199) أخيرًا، يرى روني كلوز أن الألتراس الأهلاوي وألتراس وايت نايتس طوّرا ممارسات ثقافية خاصة تعمل على ترجمة التمثلات المتمركزة حول "التمرد الفكري" على أرض الواقع، وتبني روابط تضامن اجتماعي بين أفراد مجموعات الألتراس. وتتعلقُ هذه الممارسات بجماليات الثقافات الفرقية لكرة القدم؛ من تعبيرات كلامية ومكتوبة، وفن تشاركي يعتمدُ على تناغم حركة أعضاء الألتراس في مدرجات الملاعب (ص 135–64). والمثال الدالّ على ذلك هو ما يُسمى "الدخلة"، وهي عبارة عن مجموعة من اللافتات التي تُعبّر عن سياق المباراة، والحالة السياسية والمجتمعية، وعلاقة الألتراس بمؤسسات الدولة (ممثلة في مؤسسة الأمن) والأندية المنافسة والفئات المجتمعية الأخرى (ص 63–10). وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأغاني التي تُعبّر عن خطاب الألتراس وثقافته، مثل أغنية "حكايتنا" التي يؤكد فيها الألتراس الأهلاوي رفضه لتسييس كرة القدم وتوظيفها لمصلحة النخبة الحاكمة، وأغنية "التالتة شمال" التي تعتبر بمنزلة غزل من عناصر الألتراس تجاه ناديهم، وأغنية ألتراس وايت نايتس "مش ناسيين التحرير" التي تتحدى عناصر الأمن المركزي وأمناء الشرطة أساسًا، وأغنية "شمس الحرية" التي جاء في أحد مقاطعها "الكورة حياتي، لكن لبلادي أموت، وأفديها بعمري راح زمن السكوت، دي الثورة اتولدت فكرة ولا يمكن تموت".
مناقشة ختامية
رغم الإضاءة التي يلقيها كتاب ألتراس القاهرة على التاريخ الاجتماعي لتجربة ألتراس القاهرة، واستناده إلى مقولة "الثقافة الفرعية" التي حملت قيمة تفسيرية في تحليل العلاقات بين الألتراس والسلطة والمجتمع، فإن عددًا من النقاط التي طرحها المؤلف ظلّت غامضة، وهي تتعلق أساسًا بجانبَي الفكر والممارسة. أولً: رغم محاولة الكتاب إزالة "الشوائب" عن ثقافة الألتراس، من خلال استخدام مفهوم "الثقافة الفرعية"، فإنّه لم يعتمد على تمثلات الفاعلين أنفسهم لتلك التجربة؛ أي إنه لم يعمل على تفسير ثقافة الألتراس المحلانية من وجهة نظر أعضاء الألتراس أنفسهم. كان يمكن أن يضيف ذلك أبعادًا أخرى في تحليل الظاهرة ومدلولاتها واستخداماتها، بما في ذلك الخفية منها. ثانيًا: رغم احتفاء المؤلف بكثافة الدلالات الثقافية التي تحملها تجربة الألتراس، فإنّ تناوله لهذه التجربة بدا متوترًا من ناحية نقطة الانطلاق في بحثه، بين تجربة مجموعات الألتراس نفسها وسياق التحولات السياسية. فهذه التحولات
(((يُنظر: 7"– شمس الحرية – orya 7 el Shams "، يوتيوب، 2012/2/18، شوهد في 2022/9/15، في: https://bit.ly/3BcYuCi
التي جرت خلال فترة ثورة يناير وما بعدها كانت لاحقة لتشكّل كيان الألتراس نفسه؛ ما أدى إلى اختزال وكالة الفاعلين Agency في الإطار الكلي الشامل، ومثّل ذلك "حلقة مفقودة" في البحث. ثالثًا: في حين أتاحت وضعية "المؤلف البرّاني" Outsider معالجة الظاهرة بتحرر نسبي من المعارف المسبقة، وكسر حواجز السلطة من خلال خلع الرؤية الخاضعة للرقابة وتحديها، فإنها لم تفلت من مطب الوقوع في أحد ملامح الخطاب الاستشراقي، ألا وهو غرائبية التحليل، وذلك في عدة مواضع؛ إذ لم تُلتقط التقاطعات الثقافية الكثيرة بين ألتراس القاهرة ونظيرها الكوني (والإثنومركزي أيضًا). رابعًا: فيما يتعلق بالعلاقة بين الفواعل الثلاثة (الألتراس، والسلطة، والمجتمع)، شرح المؤلف الكيفية التي تشكّلت بها العلاقة بين الألتراس والسلطة على مدار قرابة عقد من الزمن. وفي الوقت نفسه، قدّم تحليلً للعلاقات بين ألتراس القاهرة القائمة على مفهوم التضامن. لكن تحليله ظل غير كافٍ بشأن العلاقة بين الألتراس والمجتمع؛ فالادعاء الرئيس للكتاب ينص على أن الألتراس مثّل ثقافة بديلة للعمل خارج إطار السلطة الممتدة على مدار ثلاثين عامًا، لكنه لم يقدّم وقائع وحججًا تثبت تأثير الألتراس في حياة الناس اليومية داخل نمط معيشتهم وتمثلاتهم للواقع المعيش وأدوارهم. وتظهر المشكلة نفسها في تناول المؤلف علاقة ألتراس القاهرة بالآخر الواقع خارجها. فمثلً، لم يُقدّم المؤلف
(((بحسب وصف ليزا أندرسون. ينظر:
سيرورة تطور علاقة ألتراس القاهرة (ألتراس أهلاوي) وألتراس بورسعيد (ألتراس المصري)، وهي علاقة تأثرت من خلالها الذاكرة الجماعية والنفسية القاهرية والبورسعيدية بأحداث مجزرة بورسعيد، خاصةً أن النادي الأهلي قد علّق كل مبارياته في مدينة بورسعيد. وهذا يعني، بعبارة أخرى، أننا ننتقل من تحليل يبحث في علاقة الثقافي بالسياسي (الألتراس بالسلطة) من مدخل سوسيوثقافي، إلى تحليل يبحث في علاقة ثقافتين "فرعيتين" (القاهرة وبورسعيد). خامسًا: يُمكن القول إن تفاعل المؤلف مع خطاب السلطة في بعض الأحيان كان مثاليًّا إلى حد بعيد. فهو، على سبيل المثال، قد قرأ تفاعل بيان عبد الفتاح السيسي (الذي تفاعل مع قضية الألتراس في الذكرى الرابعة من حادثة بورسعيد عام 2016 بأنْ دعاهم إلى الاشتراك في لجنة التحقيقات) بنظرة متفائلة، مفادها أنه يهدف إلى تحقيق مصالحة بين السلطة والألتراس، إلا أن المتابع "الداخلي" Insider لتاريخ السلطة في علاقتها بالحركات الاجتماعية، وميكانيزمات عملها واتخاذ قراراتها، يقرأ دعوة السيسي بنظرة أكثر تشككًا، فهي لم تترجم إلى فعل سياسي، بل إن ما حدث كان على النقيض من ذلك؛ إذ جرى حلّ الألتراس بعد شهور قليلة من هذه الدعوة. سادسًا: ذهب المؤلف في استشرافه لمستقبل الألتراس إلى تصور متفائل ومنعزل عن طبيعة السلطة في مصر وممارستها السياسية وعلاقتها بالمجتمع. ويظهر هذا من خلال حجته القائلة إنّ حركة الألتراس رغم اقترابها من اللامرئية في الوضع الحالي، فإنّ مجتمعات كرة القدم في القاهرة لا تزال تحتفظ بملامح موحدة لها القدرة على تقديم بديل لرؤية السلطة في التفاعلات
الحضرية في عهد السيسي. هذا التصور، رغم إضافته النظرية من خلال توظيف مفهوم "المخيال" في تفسير الفعالية المحتملة للألتراس، فإنّ البرهنة عليه تتطلب تعمقًا كثيفًا في التجارب
المراجع
العربية
شعيشع، أحمد. "فرسان الثورة: الألتراس من التشجيع الرياضي إلى التوظيف السياسي". أكاديميا. 2021:. في 7 Crmqn /3 ly. bit:// https
الأجنبية
الشخصية لأفراد الألتراس وبعض المتفاعلين معهم للوصول إلى نتائج أكثر وضوحًا، متعلقة بمدى الحضور النفسي والاجتماعي لفكرة "التمرد" داخل ذاكرة المجتمع المصري.